لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد الثالث
بسم الله الرحمن الرحيم
أحمد آباد
إحدى مدن محافظة كجرات الهندية، تبعد 225 ميلاً إلى الشمال من بومبي، وتعد مركز الثقافة والصناعة والتجارة في كجرات، وتعتبر سادس كبريات المدن الهندية من حيث المساحة وعدد السكان، وقد قيل فيها (منشستر الهند) لكثرة أجهزة ومعامل الحياكة والنسيج فيها، وتفوّقها في ذلك حتى على بومبي.
بنى أحمد شاه البهمني (م 838هـ) ملك كجرات الشيعي هذه المدينة على أنقاض مدينة (أساوال) الهندوسية القديمة في عام (815هـ) بسبب بعض الأمور السياسية والاستراتيجية ونقل إليها عاصمته من (كلكنده)، وأطلق عليها اسمه، فسميت (أحمد آباد).
كانت أحمد آباد مركز التشيع في الهند وأجمل مدن هذه البلاد في زمن أحمد شاه وسائر الملوك البهمنيين، وكان الإيرانيون يوجدون فيها بكثرة، حتى أصبحت وكأنها إحدى المدن الإيرانية.
فتحت أحمد آباد في عام 1009هـ على يد أحد قواد أكبر شاه، محمد رحيم خان الملقب بـ (خان خانان) وهو قائد شيعي، ومنذ ذلك الحين أصبحت كجرات والدكن جزءاً من الإمبراطورية الكوركانية، ثم أخذ أتباع الأديان المختلفة يتكاثرون فيها فأخذ الإسلام يضعف فيها.
وفي عام 1898م استولت بريطانيا على أحمد آباد، وظلت مستعمرة حتى استقلال الهند في عام 1947م.
ترتفع أحمد آباد عن مستوى سطح البحر 180 قدماً.
ولا تزال آثار سور المدينة الذي بني في زمن أحمد شاه قائمة إلى الآن، وكذلك آثار بواباته الإثنتي عشرة، ومن الأبنية الإسلامية التي لا تزال موجودة إلى الآن.
المسجد الجامع وهو يشتمل على ثلاثمائة عمود حجري، وقد أقيم في مكان معبد (جيني) وبمواد بنائه ومسجد هيبت خان وهو مشيد في محل معبد للأصنام وبمواد بنائه أيضاً، ومقبرة أحمد شاه البهمني، ومسجد سيدي صياد، ومسجد صياد العالم، ومدرسة ومسجد ومقبرة شجاعت خان، ومقبرة شاه وجيه الدين، ومسجد ملكة الذي أنشئ في زمن أحمد شاه، ومسجد الشيخ حسن محمد الجشتي، ومسجد حافظ خان وغيرها، وجميعها مزينة بخطوط للآيات القرآنية والأشعار الفارسية.
تشتمل أحمد آباد على جامعة كجرات التي تعتبر من مراكز التعليم العالي المهمة في الهند.
الأحمدية
بدأ جماعة من الوعاظ والخطباء في أصفهان يفكرون تفكيراً عملياً بالنهوض بالمجتمع الأصفهاني نهضة سليمة ترتكز على العلم والإيمان، فالتقوا جميعاً على وجوب التنظيم والشروع بإنشاء المعاهد العلمية الحديثة فكان أن أقاموا أولى مؤسساتهم عام 1384هـ فأنشؤوا مدرسة الأحمدية الثانوية في محلة بيد آباد قرب مسجد السيد الشفتي على مساحة من الأرض تزيد على ثلاثة آلاف متر مربع اشتروها ووقفوها لهذه الغاية. وهي اليوم ذات طابقين وقاعة للمحاضرات وميادين للألعاب الرياضية ومكتبة عامة وقاعة للمطالعة.
وقد استهدف جماعة الأحمدية تحقيق الغايات الآتية في المرحلة الأولى:
1ـ إنشاء ثانوية كاملة بإشرافهم.
2ـ إيجاد مكتبة عامة. وهي اليوم تحوي ما يناهز الأربعة آلاف مجلد.
3- إرسال طلبة المدارس الدينية في أصفهان خلال بعض المواسم إلى القرى والأرياف المحيطة بأصفهان للإرشاد والتوجيه.
4ـ تأسيس منبر دائم للخطابة والمحاضرات يتولاها الأصفهانيون أنفسهم ودعوة بعض الشخصيات الوافدة إلى أصفهان للمشاركة في ذلك. وقد تحقق ذلك كله.
وقد بعثت هذه الحركة الأحمدية المنسوبة إلى اسم النبي الكريم (أحمد) (ص). بعثت حركات أصلاحية عديدة في أصفهان منها:
1ـ المعهد العلمي التربوي لعالم الإسلام (كانون علمي وتربيتي جهان إسلام) الذي يتولى الإشراف على شؤون الشباب.
2ـ إنشاء مركز صحي للبؤساء مع تقديم كل مساعدة ممكنة لهم، وهو المركز التي تشرف عليه الجمعية العسكرية التي يرأسها الدكتور نوري من أشهر أطباء أصفهان. وقد أكملت هذه الجمعية مستشفى للولادة ومقراً للمراجعات الصحية المختلفة.
3ـ تأسيس مركز للعناية بالأطفال العميان باسم مؤسسة أبي بصير، وهي تأخذ هؤلاء الأطفال وتعنى بتعليمهم وتربيتهم وتلقينهم إحدى المهن.
4ـ إنشاء مدارس للبنين والبنات وقد انتشرت هذه المدارس في أصفهان ومن أبرزها: مدرسة البنات الثانوية التي قامت بقرب الأحمدية بمسعى السيدة فاطمة أمين.
ومن الإنصاف أن نذكر أن مؤسسة أصفهانية كانت قد سبقت جماعة الأحمدية إلى العمل الإصلاحي المنظم هي مؤسسة الأطفال الصم والبكم التي أنشأت لهم مدرسة تعلمهم فيها التعليم الابتدائي إلى جانب إتقانهم المهن المختلفة. والعامل الأول في هذه المؤسسة هو الحاج حسين كلبيدي.
وكان يرعى جماعة الأحمدية السيد حسين الخادمي من كبار مجتهدي أصفهان.
أحوال الأئمة الأربعة
هو كتاب في أحوال الأئمة الأربعة أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد بن حنبل أصحاب المذاهب السنية الأربعة لمؤلفه الشيخ محمد مهدي القزويني المتوفى سنة 1314 ألفه بأمر من ناصر الدين شاه القاجاري.
الأحيدب
وردت في شعر كل من المتنبي وأبي فراس الحمداني وهما يصفان معارك سيف الدولة الحمداني في جهاده للروم في محاولتهم غزو بلاد الشام، تلك المعارك التي أحسن الشاعران الحديث عنها وعن بطلها.
فمن قصيدة المتنبي قوله:
| نثرتهم فوق الأحيدب كله | كما نثرت فوق العروس الدراهم |
وهو بيت من القصيدة التي مطلعها:
| على قدر أهل العزم تأتي العزائم | وتأتي على قدر الكرام المكارم |
وهي القصيدة التي نظمها المتنبي إثر معركة الحدث التي كانت سنة 343هـ (954م) وفيها يقول:
| خميس بشرق الأرض والغرب زحفه | وفي أذن الجوزاء منه زمازم | |
| تجمع فيه كل لسن وأمة | فما يفهم الحدّاث إلا التراجم |
ثم يقول:
| وقفت وما في الموت شك لواقف | كأنك في جفن الردى وهو نائم | |
| تمر بك الأبطال كلمى هزيمة | ووجهك وضاح وثغرك باسم |
ويقول أبو فراس الحمداني:
| ويوم على ظهر الأحيدب مظلم | جلاه ببيض الهند أبيض زاهر |
أبو فراس الحمداني
قد يكون أبو فراس الحمداني، الحارث بن سعيد، واحداً من النوادر الشعرية في التاريخ العربي، من حيث اعتماده خاصية الصدق وترجمة الحال في القريض، بعيداً عن المدح والتكسب والاستجداء وتحويل الظاهرة الشعرية إلى أداة للثروة وتحسين الحال المعيشية كما حدث لدى الشعراء محترفي المديح، من بعد نزول القرآن الكريم بفترة وجيزة، وتحديداً منذ استيلاء الأمويين على عرش الخلافة الإسلامية وحتى عصر النهضة العربية الممتدّ إلى بدايات الحرب العالمية الثانية. امتلأت تلك الحقبة التي تقدر بثلاثة عشر قرناً وأكثر، بألوان الشعراء الذين سخروا إبداعهم إلى التوجه نحو القصور قصد الجاه والرزق والمنصب. ولم ينج من هذه الآفة التي ابتلعت ثلاثة أرباع الشعر العربي: جيدة ورديئة، إلا صفوة نادرة في قائمة الألوف من شعراء العربية.
وأبو فراس ينتمي إلى تلك الصفوة النادرة من الشعراء الذين تجاوزوا حالات المديح والهبوط بالشعر إلى درن التكسب والارتزاق، بل إلى درجة الاستجداء أحياناً. ولا يمكننا أن نعزو سبب ترفعه عن المديح إلى سبب ذاتي تولده القناعة الفكرية والتوجه «الإيديولوجي إن صح التعبير، وننسى المنشأ والوضع الوراثي لأبي فراس الذي أبصر نفسه في أسرة أمراء حاكمة تحتاج إلى شعراء يمتدحون فضائلها، والشاعر من أبنائها غني عن نظم الشعر في الآخرين.
وأول ما يطالعنا، في شعره، إصراره على التعريف بنفسه، وقدرته على وصف تلك الحال التي رأى نفسه فيها وتصويرها من عز مؤثل، ومجد باذخ، ونسب نقي نبيل. وتلك الصفات كانت ترفع الإنسان العربي، بنظر ذاته، إلى مقام رفيع ينأى به عن نظم المديح التكسبي.
وعندما يبتعد الشاعر المقتدر، الممسك بأدوات فنه، عن نزعه المديح وتسخير الشعر للتكسب والارتزاق، تنفتح أمامه رؤى جديدة، وتضاء لشاعريته مسالك عميقة يسهر على تنميتها. فيلتفت إلى تعميق قنوات التعبير الأهم والأجمل من شعر المديح والتي نرى تجربة التعبير الملحمي لدى أبي فراس من أهمها وليس أهمها.
وتحمل تجربة السجن، أو الأسر، أو كلاهما، نمطاً جديداً في الشعر قد تكون السنون السبع التي أمضاها أبو فراس أسيراً معزولاً عن أهله وصحبه ومواطىء أحلامه ومواطن نضاله قد عمقت هذه التجربة الإبداعية وصقلتها لنطّلع على أنماطها بعد أكثر من ألف سنة مرت على قولها. ثم نراها جديدة تحتفظ بألقها ودفئها رغم تطاول العصور، ما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن تجربة أبي فراس هذه قد أغنت الشعر العربي كله وليس شعر أبي فراس وحسب.
ومن بين جميع الخصائص التي نحسب أن أبا فراس قد تفرّد برسمها وأحسن ترجمتها، نلمس البعد الروحي الذي يسري في نسغ القصيد لديه، ويمنح شعريته ألقاً نورانياً خاصاً.
حديث الذات
الكرم والشجاعة ونقاء النسب، تلك هي الخصائص التي تشكل منها فخر الشاعر العربي. ولا يتجاوز فعل الفخر هذه الخصائص مع ما يتفرغ عنها من لواحق وصفات، كإغاثة الملهوف والوفاء بالعهد، وإجارة المستجير، وقرى الضيف، والاستهزاء بالمخاطر، وحماية الأعراض، والجرأة الخارقة على اجتياز الصحارى من دون الاستهزاء بالخصم أثناء القتال، بل كان العربي باستمرار يرفع من شأن خصمه ويشيد بقوته ودهائه في القتال، ثم ينتصر عليه ليفخر بشجاعته مرتين.
وأبو فراس الحمداني، الشاعر الفارس، يضيء جميع هذه الخصائص في معظم قصائده، وبخاصة في قصائده التي كتبها في الأسر وأسْمِيَت بـ”الروميات” كما سوف نرى. يضاف هذا كله إلى ميزة أهم، وربما هي الاقوى في ذات أبي فراس، وهي منصبه بوصفه أميراً وقائداً عسكرياً وموقعه الاجتماعي بوصفه والياً ونائباً للحاكم الذي هو الأمير سيف الدولة زوج أخته وابن عمه، والذي وقع في شعره موقع الممدوح. ولم يمدحه أبو فراس لحاجة بالمديح أو إليه، لكنه موقف.
والموقف الفكري، أو السياسي، يخرج من مجال المديح بالطبع ليدخل في موقع المشاركة الفكرية والوجدانية، وعندما تنحو القصيدة منحى الموقف والمشاركة الوجدانية لا تشعرنا بوجود المديح الذي يتلخص في رفع الممدوح وإضفاء صفات عليه ليست فيه أصلاً. ولا يتم شعر المديح إلا باستعراض كرم الممدوح، بوصفه إشارة إلى طلب الأجر. ما دفع اللاحقين إلى تسمية هذا اللون من الشعر بشعر التكسب أو الاستجداء الذي ابتعد عنه أبو فراس، وترفع عن السقوط في مهاويه ومزالقه، ليظل كما أراد أن يظل، وكما رسم شخصيته في شعره، بل كما رسم نسبه وسابقيه آباءً وأجداداً ويركز أبو فراس الإضاءة على انتمائه القبلي بصورة تلفت النظر. ربما ليفهم متلقيه أن الآباء العظام لا ينجبون إلا عظاماً أشباههم. وتكرر وصف الأب والجد وأصل العشيرة في شعره حتى تحول إلى جزء من شعريته.
فهو حارث من نسل حارث. وهو حفيد ذلك الجد الذي جمع كرمه أبناء العشيرة. وجده هو ذلك المقدام المفادي الذي يسوق ديات القتلى كي لا يتكرر القتال وسفك الدماء. ولم يطلب أجراً على ما فعل لأن المجد المتغلغل فيه يدفعه إلى فعل المكرمات. وجده ـ ليس الجد نفسه بالضرورة ـ هو الذي فتح خزائن رزقه في سنوات المحل ليطعم الناس بلا مقابل. وهو الذي جهز جنود الخليفة الزاحفين إلى قتال الطولونيين في مصر. ولا تهمنا الواقعة بذاتها بقدر ما تعنينا الخصائص التي أراد الشاعر إضاءتها فخراً بذاته، أو ترجمة لخصائص امتلكها بوصفه وارثاً لها:
| أنا الحارثُ المختارُ من نسلٍ حارثٍ | إذا لم يَسُدْ في القوم إلا الأخابِرُ | |
| فجدي الذي لمَّ العشيرة جودُهُ | وقد طار فيها بالتفرق طائِرُ | |
| تحمل قتلاها وساق دِياتِها | حَمولٌ لما جرَّت عليه الجرائر | |
| ودى مائة لولاه جرَّت دماؤهم | مواردَ موتٍ ما لهن مصادرُ | |
| ومنّا الذي ضاف الإمام وجيشه | ولا جود إلا أن تضيف العساكرُ | |
| وجدّي الذي انتاش الديار وأهلَها | وللدهر نابٌ فيهم وأظافرُ |
وبعد تعداد وقائع حربية وفضائل قبلية أسداها الجدود والأعمام في مواقع يعددها، كما لو كان يؤرخ إبداعياً لها، وكيف كان أعمامه الذين يقرنهم بالوقائع يجندلون الأبطال ويعيدون الأمن إلى نصابه، ويتبارون لبذل الأرواح في هياكل المحبة والبطولة، ويثبتون في الحروب بأشد ثقلاً من الجبال، يتوقف ليؤكد:
| أولئك أعمامي ووالدي الذي | حمى جنبات المُلْكِ، والملك شاغِرُ |
ولم يتوقف عند الإشادة بأمجاد الأجداد ومآثرهم، وكيف مضى أولئك ولم تمض مآثرهم. لكنه يصر بلغة الفرسان على ضرورة البناء كما الأجداد بنو ليظل له شرفٌ ماضٍ وشرفٌ حاضر:
| نُشيد كما شادوا ونبني كما بَنَوْا | لنا شرف ماضٍ وآخرُ حاضر |
ولم ينسى البعد الروحي الذي نلمسه يتغلغل في لغته وصوره وتصوره ورؤيته للنفس وللآخرين. فيذكّرنا باستمرار بقوة إيمانه بدين الله، وأن المنعة والعزة اللتين يشعر بهما هو وقومه هما لدين الله. وفيه وفي قومه سيف وناصر، وهما سيف الدولة وأخوه ناصر الدولة.
ونلاحظ كيف امتدحهما بالإيمان هنا وليس بالعطاء:
| ففينا لدين الله عزٌّ ومنعةٌ | وفينا لدين الله سيفٌ وناصر |
ولا ينسى أن يعود إلى ذاته بوصفه وارثاً لأولئك الكبار، ليرى مديح نفسه مسوغاً ومشروعاً ما دام من سلالة أولئك المحمّلين خصائص الكمال: بطولةً وكرماً وبناءً وإيماناً. فيرى نفسه في مرآة لا تبخل عليه بإضاءة خطوط صورته وألوانها الزاهية. فيحلق في سماء المجد، ويجري على جواد العز عفيفاً نقياً تصاحبه همته وسيفه. ونفس أبيه لا تجاورها الدنايا. ومن أصحابه في ترحله عرضُه النقي الطاهر الذي لا يدنو العار منه.
| إذا ما العزُّ أصبح في مكانٍ | سموْت له وإن بَعُدَ المزار | |
| مُقامي حيث لا أهوى قليلٌ | ونومي عند من أقْلي غِرار | |
| أبت لي همّتي وغرار سيفي | وعزمي المطية والقِفار | |
| ونفسٌ لا تجاوزها الدنايا | وعِرْضٌ لا يرفّ عليه عار |
وكان، في بعض الأحيان، يلجأ إلى المناخ القبلي الصراح، وربما الجاهلي التوجه بعنجهيّته وقسوته ليترجم ذاته ويرسم صورته. وقد تكون الظروف التي أبدع فيها هذا اللون من الشعر، هي التي تفرض عليه مثل هذه القسوة. لكنها قسوة الفنان المبدع الذي لا ينسى أنه في هيكل القصيد وفي مرقى القوافي. لنعثر في ديوانه على جانب من الشعر الجاهلي المنشأ واللغة والصورة والمفردات والروح.
مثل هذه النزعة كانت تسيطر على شاعرنا الحمداني فيرى في نفسه قطب الفرسان، وفي موقعه أعظم الأمكنة، كأن مواطىء خطاه مركز الوجود، يفعل ما يشاء، ويرحل ويحل كيفما شاء. فاي بلد يحل فيه يصبح وطناً له، وله الصدارة في كل شيء وللآخرين فضلة موقعه وبقايا ما ترك. وهو الرجل الذي أوله العزّ وآخره المجد. كريم العروق. نقيّ الأصل طيّب النهاية. لأن ولادته في بني سعيد بن حمدان. وأما سائر ابنائه فمن علي بن عبدالله. فنقرأ كأننا في حضرة شاعر جاهلي يعتدّ بذاته ضمن القبيلة.
| أنا الذي لا يصيب الدهر عترتَهُ | ولا يبيت على خوفٍ مجاورُهُ | |
| يُمسي وكل بلاد حلّها وطنٌ | وكل قوم غدا فيهم عشائرُهُ | |
| وما تمد له الأطناب في بلدٍ | إلا تضعضع باديه وحاضرُهُ | |
| لي التّخيّر مشتطّاً ومنتصفاً | وللأفاضل بعدي ما أغادرُهُ | |
| وكيف تنتصف الأعداء من رجلٍ | العزّ أوله والمجد آخرُهُ | |
| زاكي الأصول، كريم النبعتين، ومَن | زكَتْ أوائله طابت أواخرُهُ | |
| فمِن سعيد بن حمدانٍ ولادتُهُ | ومن عليٍّ بن عبدالله سائرُهُ |
ولكي يثبت لمعاصريه ولاحقيه أن إطراءه لسيف الدولة كان إطراء له هو بالذات. فهو غصن من الدوح الذي أزهر فيه سيف الدولة. وإمعاناً في تأكيد ترفعه عن المديح وعن التكسب. وحتى عن قبول هدية تقدم إليه جزاء شعره، يرفض أعطية قدمها إليه سيف الدولة بكثير من الإباء والشمم. ومن خلال هذا الرفض المتكبر يدخل إلى خصائصه الذاتية وشمائله الفردية، لتتحول قصيدة الاعتذار عن عدم قبول الهدية إلى نوع من مديح الذات والفخر الشخصي الذي حرص أبو فراس على التمسك به وتنمية جزئياته على امتداد شعره.
فهو، أولاً، يرفض الشح وينتقد الحرص، وينكر الإلحاح والإلحاف في طلب الرزق. ويرى أن الجشع يؤدي بصاحبه إلى مهاوي التيه حتى ليرى أن كل ما فوق البسيطة لا يكفيه. وإذا قنع فيكفيه أي شيء. وهو ـ أبو فراس ـ يرى نفسه كتلة من المروءة والقناعة والعفاف. وأن مكارمه عدد النجوم. ومنزله مأوى الكرام، حيث يكون. وهو لا يحسب حساباً للفقر الذي قد تدفعه إليه صروف الدهر لأنه الأكبر والأغنى. هكذا عرف نفسه منذ كان يافعاً. وليس مستغرباً أن يتزوّد بهذه الشيم النبيلة ما دام خلاصة لأسلاف يتمتعون بالشّيم نفسها. لجميع هذه الأسباب يرفض الجياد التي أهداها إياه صهره وزوج أخته سيف الدولة من دون أن يطلعنا على ما تحمله تلك الجياد من متاع الدنيا. لكننا لا نعثر على أي إطراء يزجيه لسيف الدولة. ربما فعل ذلك عن قصد وتصميم، حتى لا يفكر سيف الدولة بإعادة الكرّة وتقديم الهدايا لمن هو من منزلة أبي فراس. كيف لا:
| ومكارمي عددُ النجوم ومنزلي | مأوى الكرام ومنزلُ الأضيافِ | |
| شيمٌ عُرِفْتُ بهنّ مُذْ أنا يافِعٌ | ولقد عرفت بمثلها أسلافي |
وتجيئه قصيدةٌ من أحد الشعراء ـ يمتدحه بها ـ لا نعرف شيئاً عن القصيدة ـ لكننا نطلع من خلال ردّه عليها على شخصية الفارس والأمير الذي يثني على مادحيه بلغة رشيقة شفافة يتجلّى فيها نمط الأبوّة الحنون. وعلى رغم كل ما أبداه لمادحه من الامتنان والشكر والثناء على رقة شعره وعذوبة نظمه، يظل يشرف على الأمور من علٍّ حتى لنراه يشبه الأستاذ الذي يثني على تلميذه. ليظل في منزلة الفارس الشاعر، وليس الشاعر المادح أو المتزلّف إلى السلطان بشعره. فهو هنا قائد وأمير وفارس يقلّد الشعراء عقود مديحهم:
| وقلّدني ـ لما ابتدأت بمدحتي ـ | يداً لا أوفّي شكرها أبد الدهرِ |
ولكي يفهم متلقّيه أن مادحه ليس مجرد شاعر يدبّج القوافي ويسوف المدائح مرتزقاً أو متكسباً أو متزلفاً. بل يرفع هذا الشاعر إلى ذروة العطاء والتوهج لنبصر أبا فراس من خلال ذلك الموقع الباذخ، فيُفْهِمنا أن الشاعر الذي امتدحه معدوم النظير:
| فعضلتَ بها أهل القريض فأصبحت | تحيةٌ أهل البدر مؤنسة الحضرِ | |
| ومثلك معدوم النظير من الورى | وشعرَكَ معدوم الشبيهِ من الشعرِ | |
| كأنّ على ألفاظهِ ونظامهِ | بدائعَ ما حاك الربيعُ من الزهرِ | |
| تنفسَ فيه الرّوضُ فاخضلّ بالندى | وهبَّ نسيم الروضِ يخبر بالفجرِ |
صحيح أننا لم نبصر القصيدة التي يصفها أبو فراس. لكننا نبصر أبا فراس نفسه من خلال النص المفقود. وهذا لون من مديح الذات لا يستطيعه إلا شاعر فارسٌ أبيُّ النفس، مثل أبي فراس الحمداني.
النزعة الملحمية
إذا كانت الملحمة، وفق تعريفها المدرسي (الكلاسيكي)، قصة شعرية طويلة متماسكة الأحداث جيدة السبك بليغة اللغة، تتناسب شعريتها مع جلال الأعمال البطولية التي تذكرها. وهي، بصورة أو بأخرى، ترسم وتترجم المثل العليا للأمة التي تظهر بها. ولكنها تختلف في طول الواحدة عن الأخرى فمنها ما يجيء ببضعة مجلدات ضخام كملحمة الشاهنامه للفردسي. ومثلها في الفخامة ملحمة المهابهارتا الهندية. ومنها ما هو مئات الصفحات كالياذة هوميروس وإيناذة فرجيل. ومنها ما لا تقيده الصحف بأعداد، بل تظل قيمتها بالمعالجات البطولية المكثفة، وجلائل الأعمال التي ترسمها. فإن الشعر العربي، منذ نماذجه المتكاملة، حمل النواة الملحمية بجدارة وقدرة. وبعض الأبنية الملحمية التي وصلت إلينا ممزقة محطمة نتيجة لنقلها الشفاهي إلى عصر التدوين بعد الإسلام، ما حرمنا من الاطلاع على ما يمكن أن يكون شعراً فيه مقومات الملحمة، لو قدر له تدوينه وحفظه، كما قدر لملحمة جلجامش مثلاً واكتشاف الرُّقُم الفخارية التي تحملها بعد أن طوتها الأحقاب والعصور.
إن كل مقومات الإبداع الملحمي كانت، ولا تزال، موجودة في الشعرية العربية، لكن الإفادة منها ظلت محدودة جداً وفي حدود القصيدة التي لا تصل إلى مئة بيت إلا بشقّ الأنفس([1]). ولأن الشاعر العربي كان مفتوناً بالإيجاز والكثافة، فقد سحب هذه الصفة حتى على تجربته الملحمية، فاحتفظ بخلاصتها وليس بتفصيلها، ما يدفعنا إلى اعتبار القصائد الملحمية: قصائد ذوات بناء ملحمي لكنها ليست ملاحم على أي حال.
ولأن الشعر العربي، بدءاً من العصر الأموي، انحاز إلى مديح السلطان السياسي الذي كان بدوره يبحث عن ركائز إعلامية تسوغ وجوده السياسي، فقد خفت، أو اختفى، الصوت الملحمي من الشعر. لأن صاحب العرش ليس معنياً بـ «فن» القول الشعري، عنايته برسم صورته في القول الشعري. وتحدّرت صفوف الشعراء العرب وأجيالهم وراء الأعطيات التي ينشرها السلطان السياسي عليهم. فنسوا تجاربهم هم كذوات إنسانية. وعاشوا يبحثون عما يرضي الحاكم من جميل الصفات. سواء كان الحاكم خليفةً أو وزيراً أو والياً أو صاحب مالٍ عريض، كما في العصور المتأخرة.
ولأن أبا فراس الحمداني عاش مشغولاً برسم صورته المثالية في شعره، وبتدوين بطولاته القبلية المحدودة أو الوطنية المقابلة للوجود البيزنطي، استطاع أن يقف في المناخ الملحمي ببعض قصائده، لكنه لم يكن متلفتاً لتنمية هذا الجانب الهام في شعره. وإذا قرأنا له بعض القصائد ذات النفس الملحمي، التي تعتمد السرد القصصي والتتابع في تصوير الأحداث، ورسم البطولة مجسّدة بالفرسان الغالبين والمغلوبين، ووصف أدوات الحر ب وجيادها، والوقوف على أسماء مواقعها، لا نعرف إن كان أبو فراس أبدع هذا النمط عن قصد أم أنه جاء في شعره مصادفة. وعدم احتمال النماذج الملحمية في شعرها القديم هو الذي يدفعنا إلى الشك والتساؤل. .
وسنقف على نموذج واحد من الأبنية الملحمية لدى الحمداني. والقصيدة التي اخترنا الوقوف أمامها تقع في خمسة وخمسين بيتاً. وهي مصاغة ضمن إيقاع بحر الوافر الذي أغرى مئات الشعراء العرب قبل الإسلام، وبعد انتشار الإسلام. وتدور أحداثها حول معركة حربية جرت بين سيف الدولة وقبيلة بن كلاب.
ولأن الشعر العربي يتصف بالإيجاز والبلاغة والكثافة الشديدة، حاول أبو فراس أن يقطّر الحوادث ليدوّن خلاصتها من دون أن يستغني عن خاصية السرد القصصي التي تعدّ من أولى ميزات الشعر الملحمي، ومن دون أن يدخل في تفصيلات المعارك كما في الألياذة مثلاً، وابتعد عن ذاته إلى المسافة التي لا نراه فيها بقدر ما نرى الجماعة التي تشغل أحداث النص. ونرى الأعداء والحلفاء من المتحاربين إضافة إلى رؤية مشاهد القتل البشعة التي تعرفها الحروب ونسمع النسوة النائحات، ونرى البيوت المهدمة. ونستروح نشوة النصر الذي يحققه سيف الدولة، مع الحرص على ذكر المواقع والأماكن التي فتنت شعراء العربية القدامى. حتى لم يبق شقٌّ ولا ثنيةٌ ولا وادٍ ولا جبلٍ ولا مسيل مطرٍ أو بئر ماء إلا ودوّنه الشعراء في قصائدهم. وهذا ما يفعله أبو فراس في القصيدة التي نتحدث عنها.
بدءاً نتجاوز المطلع الذي يخصصه الشاعر للوقوف على الأطلال التي تذكره بدورها بحبه القديم ومرتع شبابه مع من أحب، لنصل إلى بداية الفعل الملحمي في القصيدة، والمخصص للقبيلة (الجماعة) التي ينتمي إليها الشاعر، والتي تدور حول بطولاتها وكرمها ومواقفها الشجاعة أحداث القصيدة.
يصف، بعد ذلك، المعركة التي أُرغم أبناء القبيلة على خوضها بعد أن طغى الجانب الآخر عليهم. وكانت جماعة الشاعر تمنح أولئك الذين طغوا كل أسباب الحياة التي أغراهم شيء منها ليجوروا. ويرى أن عداءهم هيّج قبيلة الشاعر، فثار البطل المحرك ـ بالطبع ـ وهو سيف الدولة ليثوروا وراءه كالليوث. ويندفعوا إلى الحرب كالسهام. ويبيّن كيف قطعوا عدداً من الأودية والبراري والأماكن المسكونة والمقفرة، ليوصلنا إلى البطل المقابل واسمه: ندي بن جعفر لكي يتكافأ الفريقان في القتال. ثم يصف بإيجاز كيف تدور المعركة، وكيف تميل الخيول بفرسانها، وكيف شرّد سيف الدولة أعداءه وأجلالهم عن أرض كانوا عليها، وكيف أطعمم الطير والوحش من لحوم قتلاهم. ولما علم بقاياهم أنهم مقتولون لا محالة استغاثوا به فأغاثهم ورفع السيف عنهم ومنحهم الأمان.
هذا السرد، على كثافته وإيجازه واستغاثه عن التفصيل باللمح والإيحاء، هو بنيان ملحمي. وليس جزءاً من بنيان ملحمي. وكثافته الشديدة أحالته من الطول إلى القصر، ومن التفصيل إلى الإجمال. ولو صبر أبو فراس على إلهامه، ونوّع قوافيه ـ لأن القافية الموحدة مقتل الشعر العربي ـ لكان بقدرته إيداع ملحمة لا تقل سمواً عن الملاحم التي قرأناها في آداب العالم. والتي أصبحنا ننظر إليها بوصفها نماذج متكاملة للبناء الملحمي:
| ألم ترَنَا أعزّ الناس جاراً؟ | وأمرعهم وأمنعهم جنابا؟ | |
| لنا الجبلُ المطلُّ على نزارٍ | حللنا النجدَ منه والهضابا |
وسنتجاوز مقاطع من هذه القصيدة التامة المتماسكة البناء، لنقف أمام مقطع سرديّ يحمل كل مقومات البناء الملحمي. بوصفه إشارة إلى سلامة التوجه والمقدرة:
| قطعنا إلى الجِبار بنا معاناً | ونكّبْنَ الصبيرة والقبابا | |
| وجاوزن البديّة صادياتٍ | يلاحظن السرابَ ولا سرابا | |
| عبرنا بماسحٍ والليل طفلٌ | وجئْنَ سلْميةَ حين شابا | |
| وكان نَدي بن جعفر بن عقيلٍ | شعوباً قد أسال بها الشِّعابا | |
| فما شعروا بها إلا ثباتاً | دُوَيْنَ الشدّ تصطخب اصطخابا | |
| تناهين الثناء بصبر يومٍ | به الأرواحُ تُنْتَهَبُ انتهابا | |
| تَنادَوْا فانبرت من كل فجٍّ | سوابقُ يُنتجِبْنَ لها انتجابا | |
| فما كانوا إلا أسارى | وما كانت لنا إلا نِهابا | |
| كأنّ ندِيّ بْنَ جعفر قاد منهم | هدايا لم يُرغْ عنها ثوابا | |
| وشدُّوا رأيهم ببني قُرَيْع | فخابوا لا أبا لهم فخابا | |
| وسقناهم إلى الحيران سَوْقا | كما نستاق آبالاً صعابا | |
| سقينا بالرماح بني قشيرٍ | ببطن العسير السُّمّ المذابا | |
| فلما اشتدت الهيجاء كنا | أشدَّ مخالباً وأحَد نابا |
هذا مقطع واحد من هذه القصيدة الملحمية التي لا نقول أنها ملحمة. لكننا نراها تتمتع ببناء ملحمي يقوم على السرد القصصي المكثف والمتتابع في سرد وقائع المعركة، وتسيير المحاربين عبر مواقع لا يغفل عن ذكر أي منها، ولا يترك الفريقين قبل أن يجد الحل السلمي: نهايةٌ لتلك المعركة العنيفة، بعد التوتر الذي يسيطر على النص طويلاً، وكيف أن البطل سيف الدولة:
| أحلّهمُ الجزيرة بعد يأسٍ | أخو حلمٍ إذا ملك العقابا |
ولا يتجلّى هذا اللون من البناء والوحدة العضوية والفنية في شعر أبي فراس إلا في القصائد التي أفردها لوصف المعارك. كما تحقق الجانب الآخر، وهو الوحدة العضوية، والمناخ النفسي الواحد في معظم القصائد التي كتبها وهو أسير لدى الروم كما سنرى.
تجربة الأسر
شاءت ظروف المرحلة التي عاشها أبو فراس أن يقع في الأسر ويمكث في سجن أعدائه البيزنطيين بضع سنين ـ لعلها سبع ـ كما يذكر الرواة. وعلى رغم كونها سجناً لا يطيقه الفارس النبيل الذي كانت الوديان والبوادي والمدن والقرى ميداناً لحركته، وعلى رغم ضيقها وتوترها النفسي وتأثيرها السلبي على كيان الشاعر الفارس، كانت سبباً لإبداع لون من الشعر جاء متميزاً بفرادته وخاصاً بصورة، قد لا نجد ما يشاكله في ديوان الشعر العربي.
ففي أسره انداحت أمامه ذكريات ماضيه، وتشعبت أمامه المسالك التي نثر فوقها متاعبه وأوجاعه، وتوضحت لرؤيته صور كانت «مغبشة» قبل سجنه.
فهنا ابن عمه وصهره سيف الدولة التي انداحت عواطفه ومخاوفه وأحلامه وخيبات أمله عليه، ورأى فيه كل تلك الحالات. وهناك أمه وداره التي زرع فيها أحلامه وسقى مناماته كفارس وأمير وربما متطلع إلى عرش يجلس فوقه. وبين هذا وذاك حسّاده الشامتون به، وقد رأوا سجنه بعداً عن طريق مطامحهم ومطامعهم سواء كانت متعلقة بسيف الدولة أم كانت مزروعة في الفراغ، وقد يرون في تحييد أبي فراس تحييد السدّ أمامهم. وهناك نزوعه العشقي الذي لا يراه في سجنه كما يراه طليقاً في مرابع الأحبة وحول أطلال الراحلين من وادٍ إلى واحةٍ ومن باديةٍ إلى وادٍ. والأبعد من كل هذه الحالات التي تداهمه في الأسر وتجد لها مسارب ومسالك، خوفه المرعب من الموت بعيداً عن مدارج طفولته ومرابع صباه ومواقع آلامه وأحلامه. وكان الإحساس بالموت والخوف منه خيطاً نفسياً وروحياً تتعلق فيه كافة صوره الشعرية التي أبدعها في سنوات السجن السبع.
فهو، إن طالب سيف الدولة بتخليصه من ربقة أسره، يبدو خوفه من الموت جليّاً في صوته المرتفع وبكائه على الأيام التي تمضي منزلقة ومجانية من حياته المحدودة. وإن عاتب أقرباءه الذين يتقاعسون عن افتدائه، وإن تذكر طيفاً لحبيبة يظهر رعبه من الموت الذي يخترقه قبل تحقيق حلم الوصول إليها. وإن سمع بالمعارك وصولات القتال أحس بالخوف من الموت ميتة الجبناء المختبئين بعيداً عن سوح الوغى والجهاد. وهو الفارس الذي يرى في صورته بناءً للمقاتل الصلب والمجاهد العنيد. ورأينا كيف كانت قوافيه تتصبّب متماسكة متلاحمة عندما يصف المعارك.
ومع الإحساس بالغربة والخوف من الموت لم يتخلّ أبو فراس عن رسم صورته المتوهجة بالبطولة والكرم والجرأة. فهو فارس وهو سجين. وهو بطل على رغم وقوعه في الأسر. ولم يتخلّ، ولا في أي نص، عن كل صوره الباذخة التي رسمها لذاته قبل الأسر. وهو باستمرار يذكّر قومه بمآثره التي حرص على تنميتها وهو مجاهد وفارس لا يتردد أمام أي معركة تناديه.
وتشف وترق عواطفه من بين حالات الرعب من الموت كأن واقعة الغربة غسلت تلك العواطف بماء الحزن الجميل، ليبدو ـ أحياناً ـ بصورة الطفل البريء، وأحياناً بصورة العاشق الواقف الذي يكاد الوَجْدُ يقتله، وحيناً ثالثاً بصورة الإنسان الغريق الذي يتلفت حوله وهو في مرعب الموج فلا يجد من يمد إليه حبل الإنقاذ.
فقبل حادثة الأسر، كان ينظر بشموخ ورفعة واعتداد إلى كل شيء من حوله. ففي حالات البأس والشدة وطروق الحادثات والخطوب هو الملاذ والملجأ والفادي والمؤثر الآخرين على ذاته. وكل تلك الخصائص تدخل في مديح الذات كما أسلفنا. لتتغير هذه اللهجة إلى لغة الحزن والأسف وانتظار الفرج والإلحاح على افتدائه من آسريه. ربما ليعود إلى ممارسة صفاته البطولية الأولى.
ومقارنة بين نصين تطلعنا على التحول الذي طرأ عليه بعد حادثة الأسر. وترينا أي ترسبات تركها الأسر في نفسه. على رغم احترام البيزنطيين له كفارس أو لا، وكعربي أمه بيزنطية ثانياً. ففي الحالة الأولى قبل السجن كان:
| إنّا إذا اشتدّ الزمان | وناب خطبٌ وأدلَهَمْ | |
| ألفيتَ حول بيوتنا | عُدَدَ الشجاعة والكرَمْ | |
| لِلِقا العدى بيضُ السـ | ـيوف وللنّدى حُمْرٌ النِّعَمْ | |
| هذا وهذا دَأْبُنا | يودى دَمٌ ويُراقْ دمْ |
من هذه اللهجة البدوية الجاهلية المتعالية، ينقله حادث الأسر إلى حالة الرقة والشفافية والحزن والتمني والخوف، ليصوغها جميعها بمرفّلات ينضج الطيب من حواشيهما. ويشعّ التشكّي من الزمان وعدم الوفاء وبعاد الأهل وتخلّي المحبين من كافة مسامها. بل يحزننا حزن أبي فراس حتى لنتحسس سخونة أنفاسه، وهو يبث مواجعه في عمق ليل لا آذان له:
| أقمتُ بأرض الروم عامينِ لا أرى | من الناس محزوناً ولا متصنّعا | |
| إذا خفتُ من أخواليَ الروم خطةٌ | تخوَّفْتُ من أعماميَ العُرب أربعا | |
| وإن أوْجَعتني من أعاديّ شيمةٌ | لقيتُ من الأحباب أدهى وأوْجعا | |
| ولو قد رجوتُ الله لا شيءَ غيرهُ | رجعتُ إلى أعلى وأمّلْتُ أوْسعا |
وقد يصل الشك إلى قلبه من خلاصه من الأسر، فتصل لغته الشعرية إلى حدود الاستعطاف وليس مجرد الشكوى والتشكي مما هو فيه، ليصرخ منادياً سيف الدولة:
| فللّهِ إحسانٌ إليّ ونعمةٌ | ولله صنعٌ قد كفاني التّصنّعا |
وإذا كان الأسى يبعث الأسى، كما يقول متمم بن نويرة، فكل حادثة أسى أو واقعة حزن يسمع بها أبو فراس، الفارس الشاعر الأسير، كانت تثير مواجعه وتنكأ جراحه، ثم لا يلبث أن يتفجر في أجمل المراثي، والمراثي أجمل أشعار العرب «لأننا نقولها وأكبادنا تحترق» كما قال إعرابي للأصمعي ذات يوم. فيرى في كل جرح صورة لجرحه، ويلمس في كل أنّةٍ صدى لوجعه. ويسمع في كل استغاثة غريب صوت غربته. أن تفجعه لموت والدته، وهو غريب عنها، جاء نضّاحاً باللوعة والحزن والأسى والإيمان كبعد روحي تنبض به القصيدة:
| وغاب حبيبُ قلبك عن مكانِ | ملائكةُ السماءِ به حُضورُ | |
| بأيّ دعاءِ داعيةٍ أُوَقَّى | بأيّ ضياءِ وجهٍ أستنيرُ | |
| بمن يُسْتَدْفَعُ القدرُ الموفّى | بمن يستفتحُ الأمرُ العسيرُ | |
| نُسَلّى عنكِ أنّا عن قليلٍ | إلى ما صرتِ في الأخرى نصيرُ |
هو إيمان واستسلام للقدر مع تصوير دقيق لبعض نفحات الإسلام.
وكان قبل وفاة تلك الأم المفجوعة بأسر ولدها الفارس، قد أرسل إليها من سجنه نصّاً يبثّها في مواجعه ويرسم صورة واقعه الذي صار إليه من ظلمة الأسر، وطول الليل ونسيان الأصحاب، وانجذاب المحبين إلى حيث تميل النعم، وغدر الزمان، ويتطلع إلى صاحب يتحسس ما فيه من البلوى. وبعد هذا يلتفت إلى أمه فيواسيها ويصبرها بما تغلغل في أعماقه من الإيمان. لكن الموت سبقه إليها لتفارقه إلى يوم الحشر. فلا يلتقيان في الدنيا بعد أسره. وكم عانت تلك الأم من جرّاء سجن ابنها وكم توسّلت لصهرها سيف الدولة كي يفدي لها الفارس الأسير. ويعلم هو بالأمر وقد عادت أمه خائبة. فيتفجّر حزنه من جديد. ويرسم دقيق مشاعره وعميق إحساسه بعد هذه الوساطة. متشكياً عاتباً غاضباً مخاطباً سيف الدولة بحدة المغضب المفجوع:
| بأيّ عذرٍ رددتَ والهةٌ؟ | عليك دون الورى معوَّلُها | |
| جاءتك تمتاح رَدّ واحدها | ينتظر الناسُ كيف تُقفِلُها |
هذه المعاتبات القاسية كثيرة في روميّات أبي فراس، كأنه كان يظن سيف الدولة قادراً، في كل لحظة، على فكاكه من أسره. لكنه لا يطلق معاتباته ويتوقف عندها. بل يستعطف سيف الدولة بعد كل عتاب، مستثيراً فيه كرم الأمير العربي النبيل وأريحيّته، ويذكّره باستمرار بأفضاله وأياديه البيضاء. وموقعه المتميز بين الحكّام العرب.
لكنه يلجأ أحياناً إلى الاستغاثة ـ أحياناً وليس دائماًـ بلغة الفرسان الأكفاء، ولا يعاتب سيف الدولة بل يحاول استنهاض أريحيّته وكرمه وفروسيته التي يعتزّ بها. ففي مثل هذه الاستغاثة لا يبدو حزيناً وضعيفاً وخائفاً. بقدر ما يحاول رسم صورته وهو في عنفوان فروسيته وشجاعته، كأنه في وقعة حرب وليس في سجنٍ أو أسيراً لدى عدوه. رغم وضوح عبارات الأسر والقيد في تلك النصوص، وأظنها في بدايات أيام أسره، فلم يحن الوقت بعد لتتلون قصائده بحزنه وغربته ويأسه أحياناً. فهو لا يدعو سيف الدولة من خلال الخوف من السجن. وليس حريصاً على الحياة، لكنه خائف من الموت بعيداً عن صهوات الجياد، وقراع الكتائب، وصليل السيوف. ولا يريد أن يخترمه الرّدى وهو في دار الغربة. بينما سيف الدولة يخوض معاركه بعيداً، فهو يستحثّ مفديه على افتدائه إذن ليموت كما مات بنو أبيه في المعارك لا موسدين:
| ولكنني أختار موت بني أبي | على صهوات الخيل غيرَ موسّدِ | |
| وتأبى وآبى أن أموتَ موسّداً | بأيدي النصارى موت أكْمَدَ أكْبَدِ | |
| أناديك لا أني خائف من الرّدى | ولا أرتجي تأخير يومٍ إلى غدِ |
ويحاول أن يسمو ببطولته وهو أسير. فيذكر سيف الدولة ببلائه في الجهاد. وقدرته على صون الكرامة والعرض. وأنه لن تلد الأيام مثله فتى بشدة البأس والاستجابة للفداء. وهو إذن ذروة الشرف وتاج البطولة والذائد عن مفتديه بحسامه ولسانه يوده:
| متى تلدُ الأيامُ مثلي لكم فتى؟ | شديداً على البأساء غير مُلَهّدِ | |
| فإن تفتدوني تفتدوا شرف العلا | وأسرعَ عواد إليها مُعَوَّدِ | |
| يدافع عن أعراضكم بلسانه | ويضرب عنكم بالحسام المهنّدِ | |
| فما كل من شاء المعالي ينالها | ولا كل سيّار إلى المجد يهتدي |
هي من أوائل قصائده في الأسر حتماً لأن الخصائص التي ميزت شعر الأسر بعد ليست واضحة فيها، نظراَ لقصر المسافة الزمنية وعدم توغّله في أحاسيس الغربة، والخوف من الموت بعيداً عن قومه.
لقد كلف اللاحقون ببعض أشعار السابقين. وكان كل التابعين قد انصب على قصيدتين من شعر أبي فراس، وهما من الروميّات لما تحمل كلاهما من الشجن والوجد والشفافية ورقة العاطفة وعمق المشاعر الإنسانية. ومقدرة على الوصول إلى أعماق السامع أو القارىء. هاتان القصيدتان هما:
| أقول وقد ناحت بقربي حمامةٌ | أيا جارتا هل تشعرين بحالي | |
| معاذ االهوى ما ذقتِ طارقة النّوى | ولا خطرت منكِ الهمومُ ببالي |
مع العلم أن كل الشعراء العرب في التاريخ استجابوا لهديل الحمام، ولدى كل شاعر عربي نجوى مع يمامة أو حمامة. لكن الفتنة ظلّت بعيدة إلا عن حمامة أبي فراس ومناجاته لها.
والقصيدة الثانية هي مطوّلته الرائعة التي تحمل قدراً من السرد القصصي وقدراً من الحوار وقدراً من المخاطبة. وكانت ملاذاً لأصوات المغنين والمنشدين على امتداد أحقاب من الزمن وإلى أيامنا الراهنة. أقصد رائيته الباذخة:
| أراك عصيّ الدمع شيمتك الصبرُ | أما للهوى نهيٌ عليك ولا أمرُ؟ |
وأظن أن معظم قرّاء الشعر العربي ومريديه يحفظون هذه القصيدة لما تخلّلها من رقة الأحاسيس ونبيل العواطف والقرب من روح المتلقي.
وفي سجنه كان يحاور ذاته، ويغني بمفرده. ويستعيد ماضيه الذي يراه سلسلة من البطولات والشهادات والفتوح والجهاد في سبيل أمته وأمجاده التي هي أمجادها أو جزء من أمجادها. وها نحن نسمع واحداً من تلك الأصوات الذاتية التي لا يغني بها أحداً غير نفسه. وهو كمن يصفّر ويغنّي في الظلام ليشرد عنه الرعب. هذا الصوت جاء في ثلاث أبيات لا غير أنشدها في سجنه:
| فلا تصفَنَّ الحربَ عندي فإنها | طعاميَ مُذْ بعتُ الصِّبا وشَرابي | |
| وقد عرفت وقعُ المسامير مهجتي | وشُقِّقَ عن زُرْقِ النصول إهابي | |
| ولجَجْتُ في حلو الزمان ومُرّهِ | وأنفقتُ من عمري بغير حسابِ |
آل البيت
الشعراء العرب الذين تحدثوا عن آل البيت، منذ بدايات مآسيهم في التاريخ، كانوا، في رأيي المتواضع، فريقين:
أولهما: تحدث عنهم لإكمال عدته الشعرية، فتشعر بالجفاف والخشونة وأنت تقرأ نماذج من ذلك الشعر، كأنه عمل مصطنع لأداء واجب. أو أن الشاعر كان يتحدث عن مفاتن الطبيعة وجمال المرأة والصحراء، وزهر الخزامى وحقائق الطيب وكرم الخليفة والكرّ والفرَ في المعارك والحروب. ويرى أن إضافة قصيدة أو قصائد تتحدث عن مآسي الطالبيين والمظالم التي لاحقتهم عبر أطوار التاريخ تكمل له أبواب الشعر وترفعه إلى رتبة من طرق جميع أبواب القريض.
وثانيهما: يتدفق شعر شعرائه عن آل البيت كالينابيع العذبة تدخل إلى قلبك من مطالعها. وتأتي ـ على سبيل المثال ـ قصيدة الفرزدق الشهيرة التي أنشدها من أجل الإمام علي بن الحسين، زين العابدين (ع) في طليعة الشعر الأسرع وصولاً والأعذب تناولاً. والذي لا تخفت إضاءته. والتي يقول فيها ردّاً على تساؤل ولي العهد الأموي:
| وليس قولُك: من هذا بضائرهِ | العُرْبُ تعرف من أنكرتَ والعَجَمُ | |
| هذا الذي تعرف البطحاء وطأتَهُ | والبيتُ يعرفهُ والحلُّ والحَرَمُ | |
| هذا ابن فاطمةٍ إن كنت جاهلَهُ | في جدّهِ أنبياءُ الله قد خُتموا |
ومعظم هاشميات الكُمَيْت بن زيد تأتي في هذا الموقع، من حيث صدق التوجه وسهولة التناول وبساطة الأداء وعمقه، والقدرة على الدخول إلى أعماق متلقّيها بسهولة ويسر كأنها تحمل دفء شاعرها على رغم مرور ألف وأربعمائة سنة.
ويأتي أبو فراس، حاملاً وُدّاً وولاء، لآل البيت عالماً بكل ما نالهم من غبن وأذى على مرور التاريخ، فتعثر له على قصيدتين لا غير في ديوانه. وبعد قراءتهما والوقوف على دفء توجهه وحرارة أنفاسه وصدق ولائه، أمسى يلاحقنا الشك في أن تكون هاتان القصيدتان هما كل ما كتبه أبو فراس لآل البيت. ونظن أن أشباه القصيدتين هاتين قد ضاع في شعره. كما ضاع كثير من تراثنا الشعري قبل التدوين وبعده. والذي يدفعنا إلى الرّيب أن ناشر الديوان قال في مقدمته عن أبي فراس أنه كان «يتشيّع لآل البيت وله فيهم ثلاث قصائد هي من أروع شعره» لكننا لم نعثر في هذه الطبعة على أكثر من قصيدتين. لنعزّز ارتيابنا بل وقناعتنا بأن جزءاً من شعره قد ضاع.
في القصيدة الأولى، وهي سبعة أبيات، رسم مكثف للأئمة الاثني عشر الذين يرجو أن تكون نجاته وخلاصه على أيديهم. ويضيء أوصافهم النقية الزكية. لكن الأسماء وأنسابها شكلت بنيان القصيدة ذات الأبيات السبعة. ولم تتسع لأكثر من بيت الافتتاح وبيت الختام اللذين جاءا رجاءً وأملاً:
| لست أرجو النجاة من كلِّ ما أخشاهُ | إلا بأحمدٍ وعليٍّ | |
| وببنتِ الرسول فاطمة الطهرِ | وسبطيهِ والإمام عليّ | |
| والتقيُّ النقيّ باقرِ علم الله | فينا محمدِ بنِ عليّ | |
| وابنهِ جعفر وموسى ومولانا | عليٍّ أكرم به من عليِّ | |
| وأبي جعفرٍ سميِّ رسولِ اللّه | ثم ابنه الزكيّ عليّ | |
| وابنه العسكريّ والقائم المظهرِ بهمُ أرتجي بُلوغَ الأماني | حقي محمدٍ بن عليّ يومَ عَرْضي على الإلهِ العليّ |
ولكن العمل الأهم والأكبر قصيدته الميمية الثانية ذات السبعة وخمسين بيتاً. والتي أبدعها تحريضاً وردّاً بعد أن قرأ وسمع ما أثار فيه خاصية الإيمان بالإسلام والولاء لآل البيت. ولا نعرف درجة المعاناة التي تحكمت به قبل الكتابة وخلالها، لكننا بعد قراءة هذا النص الدافىء لا نشك في تلك المعاناة التي صدرت عنها هذه القصيدة ذات التفرد والخصوصية والتي نظمها أبو فراس معتمداً البحر والقافية والروي التي اعتمدها الفرزدق في نظم قصيدته الشهيرة.
القصيدة سجل إبداعيّ لآل البيت، لتاريخهم وصفاتهم وخصائصهم وأسمائهم، وللظلم الذي حاق بهم عبر القرون الثلاثة التي سبقت أبا فراس. مع محاولة تنزيهم عن الدنايا والصغائر والهفوات التي وقع بها أعداؤهم من أمويين وعباسيين. مع إظهار حوادث وقعت لآل البيت. ثم اعتبارهم ملاذاً وملجأً للناس. هذا هو الجو العام المشحون بالغضب والثورة للقصيدة. لكن المحرض الأول لكتابتها. أو قل مفتاح القصيدة بتعبيرنا المعاصر هو قصيدة كتبها أحد الهاشميين ـ العباسيين واسمه محمد بن عبدالله بن سكرة يفتخر بها على الطالبيين. لا نعرف شيئاً عن تلك القصيدة إلا من خلال الرد عليها والذي تولاه أبو فراس من دون أن يشير أي إشارة إلى القصيدة إلا من ضمن ما نحسبه نقضاً لجزئياتها وردّاً على ادعاءات صاحبها التي نسغها أبو فراس نسغاً في قصيدته.
والذي أسلمه مفتاح هذه القصيدة الصاخبة أمران واقعان. أولهما: وضع آل علي في عصره. وكيف حولهم الطغيان إلى رعايا في دياره. يقابله الأمر الأخطر هو أن العرش العباسي يملكه الخدم والنساء، موظفاً في هذه المقابلة ما وصل إليه بؤس الخلافة العباسية في القرن الهجري الرابع، وتحكم الجند والخدم بالعرش بينما الخليفة صورة شائهة هزيلة ليس له من الأمر شيء إلا أن يأكل ما يقدمه له قادة الجيش ورؤساء الحرس. وتمكن أبو فراس، بعد هذه المقابلة، من اصطياد الأخطاء السياسية التي وقع فيها العباسيون ليراها تصب في خانة آل علي المبعدين عن الحكم. ولو نالوا حقهم لما وقعت تلك الأخطاء والمآسي في التاريخ.
والشاعر الحمداني هنا لا يقل حماسة عن أي داعية من دعاة الشيعة:
| يا للرجال، أما لله منتصفٌ | من الطغاة؟ أما للدّين مُنتقم؟ | |
| بنو علي رعايا في ديارهمُ | والأمر تملكه النسوانُ والخدمُ |
ويحاول إنصاف بني علي عندما عاد إلى خلافة رسول الله الأولى. ورأى الخلافة يوم أصبحت في غير صاحبها، تنازعها الذؤبان والرخم. ثم هو يرفض ما آل إليه الأمر بعد اجتماع السّقيفة، و«صُيّر شورى».
| وصُيِّرَت بينهم شورى كأنهمُ | لا يعرفون ولاة الحق أين هُمُ |
هذا في البداية بالطبع، ثم ادعاها العباسيون وليس لهم أي حق فيها. ويراهم في أدنى مراتب الذكر والتحكيم.
| ثم ادعاها بنو العباس إرثهمُ | وما لهم قَدَمٌ فيها ولا قِدَمُ |
ويذكّر العباسيين بسوء الجزاء الذي قدموه لآل علي وهو سفك دمائهم. بصور بالغة التأثير ينقل مآسي الطالبيين عبر حقب التاريخ، من سجن ونفي وقتل وتعذيب. وهو يتهم العباسيين. بشتم بنات رسول الله. ثم يعيّر العباسيين بما عندهم من المغنيات والمغنين مما يراه خروجاَ على تقاليد الخلافة الإسلامية وبدعة من شنيع البدع التي اعتورتها. ليختتم معلقته الصاخبة بأربعة أبيات يصف بها آل علي وما هم عليه من العلم والتقى والزهد والسموّ والقناعة، ما يؤهلهم ليكونوا الكهف للناس والمعتصم:
| ما في ديارهم للخمر معتصرٌ | ولا بيوتهُمُ للسوء معتصمُ | |
| ولا تبيتُ لهم خُنْثى تنادمهم | ولا يُرى لهم قردٌ له حَشَمُ | |
| الركنُ والبيتُ والأستار منزلهم | وزمزمٌ والصفا والحِجْرُ والحرمُ | |
| صلى الإلهُ عليهم أينما ذكروا | لأنهم للورى كهف ومعتصم |
ورفضه للنواقص والعيوب التي ذكرها يعني أنها موجودة لدى خصومهم العباسيين.
هذا بعض ما كان للشاعر الفارس أبي فراس الحمداني الذي أبدع شعره بدافع الفروسية والنّبل للتعبير عن ذاته، ولرسم صورته، بعيداً عن أي رغبة في التكسّب أو المديح من أجل التّكسّب. ليظل في تاريخ الشعر العربي شخصية متفرّدة وحالة خاصة.
الدكتور خالد محي الدين البرادعي
أخبار الزمان
وما أباده الحدثان
أخبار الزمان وما أباده الحدثان من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الدائرة.
هو من الكتب التي قضت عليها الأيام ولم يصلنا منها إلا اسمها. وهو من مؤلفات علي بن الحسين المسعودي المتوفى سنة 345هـ (956م) ويعرف موضوع الكتاب وأهميته من اسمه. والموجود منه اليوم جزء واحد هو الجزء الأول من أصل ثلاثين جزءاً فقدت كلها. وهذا الجزء موجود منه نسخة خطية في مكتبة فيينا.
وقد عرف الكتاب بما كان يذكره عنه المسعودي نفسه في كتابه: (مروج الذهب) وهو كتاب في التاريخ والجغرافيا مفصل كل التفصييل، وكتاب مروج الذهب مختصر منه، ومن هذا المختصر ندرك مقدار سعة الأصل وما حواه من معلومات سواء في الجغرافيا العالمية الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية أو في التاريخ العام حتى عصر المؤلف.
المسعودي
ولد العام 287هـ/900م في بغداد في أواخر حكم الخليفة المعتضد بالله (279هـ ـ 290هـ) وبعده حكم ابنه المكتفي (290هـ – 295هـ) ثم بويع المقتدر (295هـ ـ 320هـ) وهو ابن ثلاثة عشرة عاماً، فاختل نظام الملك بسبب صغر سنه، وعين أحد أبناء عمومته المرتضى الذي لم يمكث سوى يوم وليلة.
عاصر المسعودي هؤلاء الخلفاء وما رافق حكمهم من فوضى واضطرابات بعد تدخل العناصر الأجنبية خصوصاً الأتراك في الشؤون الداخلية للبلاد ولا سيما أيام المقتدر التي ظهر خلالها الفاطميون في شمال إفريقيا، وعبد الرحمن الثالث الأموي في إسبانيا.
لكن هذه الأحوال المتردية لم تؤثر في نشاط بغداد التي اشتهرت بمكانتها الثقافية والعلمية، فنشأ المسعودي في هذه الأجواء واهتمت أسرته بتثقيفه، فألمّ بالتاريخ والجغرافية، ودرس العلوم اللغوية والأدبية، وتعلم اللغات الفارسية والهندية واليونانية والسريانية، كما عاصر كثيراً من المشاهير كالبلاذري وابن قتيبة واليعقوبي والطبري والبحتري وابن حنبل والجنيد… وعاشر في صباه الشاعر ابن الرومي. وفي سنة 309هـ، فيما بغداد مشتعلة بنيران الصراعات الداخلية والهجومات البيزنطية الخارجية، غادر المسعودي المدينة صوب الأطراف الشرقية من الدولة، فطاف ببلاد فارس وكرمان حتى استقر في اصطخر. وفي العام التالي قصد الهند ثم سيلان، ومن هناك ركب البحر إلى بلاد الصين وجاب البحر الهندي وجزائره خصوصاً زنجبار ومدغشقر، عاد بعدها إلى عمان لينتقل العام 314هـ مرة أخرى إلى ما وراء أذربيجان ثم إلى بلاد الشام.
وفي سنة 320هـ ولي الحكم الخليفة القاهر وكان سفاكاً للدم، وبعده حكم الراضي العام 322هـ، وفي أيامه تقطعت أوصال الدولة: بلاد فارس مع بني بويه، ومصر والشام مع الإخشيديين، بينما المغرب وإفريقية بيد المهدي الفاطمي، أما الأندلس فتحت حكم بغداد. ولم يعد بيد الخليفة سوى بغداد. وأعمالها، قبل دخول البويهيين بغداد. وهذه كانت حال الحكم العباسي التي عاشها المسعودي ولو عن بعد. ومع ذلك لم ينثني عن متابعة ترحاله، فوصل العام 332هـ إلى أنطاكية والثغور الشامية واستقر فترة في دمشق، ومن ثم مضى إلى مصر الهادئة فاستقر في مدينة الفسطاط العام 345هـ وهي تحت حكم كافور الإخشيدي. وفي العام 346هـ توفي بعيداً عن موطنه.
وضع المسعودي ثقافته الشخصية وخبرته التي اكتسبها في اجتيازه المدن وتقصّيه أخبارها في مجلدات ضخمة، تضمنت اقتباسات من كتب كثيرة سابقة له، فكان مصنفاً للتواريخ ولأخبار الملوك كما كان إخبارياً صاحب غرائب وملح ونوادر حسب ابن شاكر في «فوات الوفيات». وأكثر مؤلفاته لم يصلنا، بل اقتصرت معرفتنا بها على ما ذكره هو في كتابيه «مروج الذهب» و«التنبيه والإشراف» ومن تلك الكتب: كتاب ذخائر العلوم، فنون المعارف، نظم الجواهر في تدبير الممالك والعساكر، الأخبار المسعوديات، تقلب الدول، المبادىء، التراكيب، طب النفوس، الرؤوس السبعة، القضايا والتجارب، كتاب مقاتل فرسان العجم، الزاهي… أما ما اشتهر من مؤلفاته فثلاثة:
1ـ «أخبار الزمان»: يقع في ثلاثين جزءاً لم يصلنا سوى الجزء الأول، وفيه ذكر الأرض ومدنها وجبالها ومعادنها، وتتناول أخبار الملوك حتى العام 332هـ.
2ـ «التنبيه والإشراف»: جمع فيه أصنافاً متعددة من الثقافات والعلوم، وتحدث عن الفلاسفة، كما ضمنه صوراً تاريخيةً وجغرافيةً ووصفاً لكثير من الأقاليم، وكلاماً عن النجوم وفصول السنة والرياح ومصابّ الأنهار، إضافة إلى سيرة النبي وعدد غزواته، وسير الخلفاء من بعده والملوك وأخلاقهم وكتّابهم حتى العام 345هـ.
3ـ «مروج الذهب ومعادن الجوهر»: بدأ بتأليفه سنة 332هـ، وانتهى منه العام 336هـ. ويعد من أشهر كتب المسعودي على الإطلاق، وهو عبارة عن دراسة تاريخية فريدة تضمنت أخبار البشر وما مضى من الزمان من أخبار الأنبياء والملوك والأمم ومساكنها، مع تعريف بها ودراسة لجغرافيتها. والكتاب ليس تاريخاً متعدد الحلقات، بل مجموعة من الأحداث والأخبار رتّبها بشكل موضوعي، ويمكن تقسيمه إلى جزئين كبيرين. الأول: ويبدأ به بالكلام عن دوافعه لوضع هذا المؤلف والمصادر التي اعتمدها، خصوصاً ما ورد في «أخبار الزمان» و«الكتاب الأوسط». ثم ينتقل إلى باب هو بمثابة فهرس مفصل لمواضيع الكتاب (132 باباً). ويختم هذا الباب بالقول… فهذا ما حوى الكتاب من الأبواب على أنه قد يأتي من كل باب مما ذكرناه من أنواع العلوم وفنون الأخبار والآثار ما لم تأتِ عليه تراجم الأبواب وهو مرتب على حسب ما قدمنا من أبوابه نفردها على سيرهم، مما كان في عصورهم وأخبار وزرائهم وما جرى من أنواع العلوم في مجالسهم ملوحين بذلك إلى ما سلف من تصنيفنا وتقدم من تأليفنا من هذه المعاني والفنون».
أما في الجزء الثاني، فكلام عن خلافة علي بن أبي طالب فالخلفاء الأمويين والعباسيين مع ذكر حروبهم وأخبارهم حتى يصل إلى أيام الخليفة المطيع وما حدث فيها من أخبار وغزوات.
وعلاوة على هذه المؤلفات الثلاثة وضع المسعودي «الكتاب الأوسط في الأخبار على التاريخ» في الفترة بين «أخبار الزمان» و«التنبيه والإشراف»، ولم يصلنا شيء من هذا الكتاب وتجدر الإشارة هنا إلى أن المسعودي كان ينوي إصدار كتاب يضم فنوناً من الأخبار والآثار اختار له اسم «وصل المجالس»، لكن لم يتمكن من تأليفه بسبب وفاته.
ومن خلال كتاب «مروج الذهب» يمكن التعرف جيداً إلى شخصية المسعودي ومنهجه العلمي، وثقافته الموسوعية وأسلوبه. ولعل سبب استقراره في الفسطاط يكمن في استمرار اضطراب الحالة الداخلية في بغداد من جهة، والهدوء والاستقرار اللذين عرفتهما مصر في تلك الفترة من جهة أخرى. إلا أن ترحال المسعودي المستمر لم ينسه وطنه الأصلي العراق، فها هو يعبر عن حنينه وشوقه لرؤيته: «وأوسط الأقاليم الذي ولدنا به، وإن كانت الأيام أنأت بيننا وبينه، وولدت في قلوبنا الحنين إليه، إذ كان وطننا ومسقطنا وهو إقليم بابل».
كان المسعودي متأثراً بالمحيط الذي عاش فيه، فاضطراب الأمور دفعه إلى مغادرة موطنه في وقت كانت أعداد المسافرين والرحالة في ازدياد طلباً للعلم وللتجارة بعد اتساع أراضي الخلافة. واستمرت أسفاره خمسة وعشرين عاماً جاب خلالها البلاد وتعرف على أحوال الأمم وعاداتها وكان ـ حسب ما يذكر هو نفسه ـ موضوعياً لا يتملّق الملك أويخاف من أمير ولم يتوازن عن نقد بعض الخلفاء العباسيين ووصف نقاط ضعفهم وكيف أفلتت زمام الأمور من أيديهم.
أنشأ المسعودي مدرسة جديدة في التاريخ لم يتبع فيها طريقة السرد القديمة، بل اهتم بالتحليل التاريخي والبحث عن الدوافع. وكان الذين قبله يعتمدون الرواية عن طريق السند «حدثنا فلان عن فلان…». إلا أن المسعودي تفرّد بذكر الأخبار والحوادث من غير سند مكتفياً بتعداد من اعتمد عليهم من الرواية والمصادر، مسجّلاً لنفسه السبق في وضع نظرية النقد المقارن. وهو في هذا المجال أشاد ببعض من أخذ عنهم وانتقد الآخر.
أما المسعودي الرحالة والجغرافي، فيظهر وصفه الدقيق للبحار والأنهار ومنابعها ومصابها، وكذلك في كلامه عن الأطوال والأعراض، وعن تقسيم الأرض من خلال رحلاته التي بلغت الصين ومدغشقر. وهو حين يتناول الرحلات يتبع طريقة موضوعية إقليمية، فيقسم الدراسات إلى مواضيع مستقلة من دون أن يهتم بتبليغ أخبار رحلاته والربط بينها.
وصلت الثقة بالمسعودي إلى حد التصدي وتصحيح المعلومات الجغرافية، فانتقد الجاحظ الذي زعم أن نهر «مران» الذي هو نهر السند من النيل، واستدل بوجود التماسيح فيه، فردّ عليه: إن الجاحظ لم يسلك البحار، ولا أكثر من الأسفار ولا يعرف المسالك والأمصار، إنما كان حاطب ليل ينقل من كتب الوراقين، ويتابع مصححاً: إن هذا النهر يخرج من أعالي بلاد السند ثم ينتهي إلى بلاد المنصورة ويصب في بحر الهند.
ولم يكن ترحال المسعودي الذي استمر ربع قرن إلا لمشاهدة أحوال البلاد ومعالمها، وساعده في هذا معرفته باللغات المتعددة. وإضافة إلى المعلومات الهائلة في «مروج الذهب»، فقد نوّع المؤلف فيه وأتى بأخبار علمية وعادات غريبة دلّت على سعة ثقافته وفضوله. وفي تناوله بعض الأخبار المميزة يشير إلى العلامات الدّالة على وجود الماء عبر رؤية منابت القصب واللين من الحشيش في المواضع التي يُشْتَبه بوجود الماء فيها. كما يشير إلى طريقة ثانية «من أراد علم ذلك، فلينظر إلى النمل، فإن وجدها غلاظاً سوداء ثقيلة المشي، فعلى قدر مشيهن الماء قريب، وإذا وجد النمل سريع المشي، فالماء على أربعين ذراعاً».
وقال الدكتور صالح أحمد العلي: تتميز الحركة الفكرية في القرنين الثالث والرابع الهجريين بمميزات معينة واضحة، طبعت معظم العلماء الذين ظهروا فيهما، ولعل من أبرز تلك الميزات هو تعدد نواحي ثقافة العلماء والمفكرين، إذ كان كل منهم يدرس مواضيع متعددة من لغة وفقه وحديث وفلسفة وتاريخ وجغرافية، وكثيراً ما كان العالم منهم يبرز في أكثر من ميدان من ميادين المعرفة، فالطبري كان مبرزاً في الفقه والتفسير واللغة والتاريخ والحديث، واليعقوبي من أعظم المؤلفين في الجغرافية والتاريخ، ومن قبلهم الكندي كان مبرزاً لا في الفلسفة فحسب بل في معظم فروع المعرفة، والجاحظ لم يكن أديباً فحسب بل كان متكلماً ومؤرخاً وعالما طبيعياً أيضاً. والفارابي برز في الفلسفة والموسيقى.
ولا ريب أن تعدد نواحي المعرفة يساعد العالم على معرفة العلاقات بين العلوم المختلفة، ويساعد على تطعيم هذه العلوم ببعضها فالمنطق يعين على النقد والتفكير والتنظيم، والأدب على إظهار جمال الأسلوب، والتاريخ يساعد على معرفة التطور وتقدير أهمية وحدة العلوم وترابطها مع بعضها.
وتعدد جوانب المعرفة من شأنه أن يوسع أفق نظر الإنسان ويخرجه من نطاق التخصص الذي كثيراً ما يؤدي إلى التعصب، هذا إلى أنه يساعد على تقدير مكانة كل علم ومركزه بين العلوم، وإن العالم الذي تعددت جوانب معرفته يكون ذا نظرة واسعة، وصدر رحب، وروح نقدية، ويتصف بعدم الاستسلام والتعصب الأعمى.
ومن مميزات القرنين الثالث والرابع الهجريين تشبع الناس بروح الدولة الإسلامية، فالفرد منهم صار يعتزّ بكونه بأصله وعشيرته، حتى أن كثيراً من العلماء الذين ظهروا في هذه الفترة، لا نعلم إلى أي عشيرة ينتمون، بل أن كثيراً ما لا نعلم هل أن أصلهم عربي أم أعجمي، والواقع أن معظم العلماء والمفكرين الذين ظهروا في هذين القرنين كانوا ينتسبون إلى المحلات التي ولدوا فيها، أو الأقاليم التي ترعرعوا فيها. كما أن العالم قلّما يكتفي بالإقامة في مكان واحد، بل كان يقوم برحلات وسفرات، ليتصل بالعلماء ويسمع منهم أو يدرس على يدهم ويستفيد من علمهم. وقد شجعت أحوال المجتمع هذه الرحلات، فإن الحج من أركان الإسلام الخمسة، وهو يلزم كل قادر على زيارة مكة المكرمة للحج، مما يحمل الناس على السفر، ثم إن الرخاء الاقتصادي في القرنين المذكورين وتوزع مراكز الإنتاج والمدن، وقلة العراقيل بوجه التجار والمسافرين ساعد على هذه الرحلات والسفرات. ولا ريب أن التنظيمات القائمة آنذاك كانت تساعد الناس، والعلماء خاصة على القيام بمثل هذه الرحلات والسفرات وكانت توفر للفقراء منهم ما يحتاجونه من زاد وغذاء. وينبغي ألا يغيب عن ذهننا أن معظم العلماء كان دافعهم حب العلم والمعرفة دون الاهتمام بالمطامع المادية، لذلك لم يكونوا ليحتاجوا في طلب العلم إلى مبالغ طائلة.
ومن هؤلاء العلماء الأفذاذ الذين ظهروا في هذه الحقبة من الزمن، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي الذي ينحدر أصله من عبدالله بن مسعود الصحابي المشهور. ولد في المنتصف الثاني من القرن الثالث ببغداد، ويظهر أنه ترعرع وتثقف فيها وكان يحنّ إليها في سفراته، ولا أدلّ على هذا الحنين من قوله في مروج الذهب (وأواسط الأقاليم إقليم بابل) الذي مولدنا به. وإن كانت ريب الأيام أنأت بيننا وبينه، وساحقت مسافتنا عنه، وولدت في قلوبنا الحنين إليه،! إذ كان وطننا ومسقطنا إلى آخر ما قاله في كلامه. إن هذا النص يدل على مدى تعلّق المسعودي بالعراق، إنه نشأ وترعرع فيه، ودرس على علمائه فتركوا في نفسه كل هذا الأثر العميق.
لا تذكر المصادر شيئاً واضحاً عن نشأة المسعودي الأولى، ولا عن وضعه المالي أو العلماء الذين تتلمذ عليهم أو ناقشهم أو اتصل بهم، ولكننا نستطيع أن نحدد ذكاءه وتتبعه وسعة اطلاعه من الكتب التي روى أنه ألفها، ففي كتابه التنبيه والإشراف الذي أنجز تأليفه في سنة 345هـ ذكر أسماء أربعة وثلاثين كتاباً من مؤلفاته، في الفقه، والكلام، والأدب، والأخبار والتاريخ، والجغرافية، ولكن لم يبق من هذه الكتب إلا كتاب مروج الذهب، وكتاب التنبيه والإشراف، والأول أطول من الثاني الاّ أن الثاني يبدو فيه الاتساق والنضج، وهو يروي أن بعض كتبه الأولى كبيرة. ولكن الزمان لم يبق عليها فضاعت كما ضاع كثير من كنوز المعرفة الإسلامية العظيمة.
غير أننا نستطيع أن نقدّر سعة علمه من الكتب التي يورد ذكرها، ففي مقدمة مروج الذهب ذكر لتسعة وسبعين مؤلفاً أو كتاباً من أمهات كتب التاريخ التي قرأها، عدا الكتب التي لم يرَ مبرراً لذكرها نظراً لوهنها وضعفها.
وتتجلّى سعة اطلاعه أيضاً مما يورده في مؤلفيه اللذين بقيا لنا. يشير إلى الفلسفة، ويذكر الفلاسفة بالاحترام والتقدير، وينعى على مدى الفلسفة الذين شوّهوا قيمتها السامية، كما كان مطّلعاً على آراء أهل الملل والنحل وألّف كتباً عنها. ولكن أكثر تأثره كان بالعلماء الإغريق والغرب.
فأما الإغريق فقد كانوا مبرزين في كثير من العلوم، وقد ترجمت معظم مؤلفاتهم إلى العربية، فساعدت العلماء على الاطلاع عليها والإفادة منها. وقد أورد المسعودي آراءً كثيرةً من العلماء الإغريق، وخاصةً أرسطو الذي اقتبس المسعودي منه بعض الآراء والأفكار في الجغرافية الطبيعية كما تردد كثيراً في كتابه ذكر العالم الإغريقي بطليموس، فاقتبس منه كثيراً وأشار إلى بعض آرائه وخاصة عند بحثه عن شكل الأرض وأبعادها، وامتداد المعمور والأقاليم وقسمة الأرض إلى ثلاث قارات، كما أشار إليه عند البحث عن الأنوار والفصول والبحار، وقد أشار في كتبه إلى مارينوس الصوري وهرمس.
غير أنه لم يتقبّل كافة أرائهم أو يصدقها، بل نقدهم، نقد آراء بطليموس عن امتداد المعمورة وتقسيمها إلى ثلاث قارات، أو أن البحر يحيط القارات من كافة الجهات.
وقد أشار المسعودي إلى المتقدمين من العلماء العرب، فذكر من الفلكيين كتاب الثلاثين فصلاً للفرغاني، والزيج اللبتاني، وصورة الأرض للخوارزمي، والمدخل إلى صناعة النجوم للبلخي والزيج المأموني، واقتبس من العرب فكرة انحناء سطح الأرض وأن الأرض كالقبة، وكذلك خطوط الطول والعرض، وأفكاره عن البحار والمناخ والأمطار، ولعل أكثر المفكرين العرب أثراً في المسعودي هو الكندي وتلميذه أحمد بن الطيب السرخسي حيث يجلهما ويقرّ أراءهما وخاصة عن بحر الحبشة ورسم المعمور وقد تأثر بهما كثيراً.
على أنه لم يكتفِ بالتعليم بل قام بسفرات طويلة في العالم الإسلامي وخارجه، فقد زار فارس وخراسان والهند والسند حيث بقي فيهما أمد ووصفهما وصفاً دقيقاً، كما زار سجستان وكرمان وجرجان وطبرستان وخوزستان. وزار أيضاً شرقي إفريقية وسوريا ومصر حيث أقام عدة سنين ألّف فيها كتابيه مروج الذهب والتنبيه والإشراف. وقد أكسبته هذه الرحلات اطّلاعاً واسعاً وخبرات مباشرة ومرونة في التفكير.
لقد كان المسعودي واسع الاطّلاع، نقادة لا يرضى بالخرافات، يعتمد على خبراته الشخصية وعلى قوة تفكير في النّقد، واهتم بدراسة أحوال الشعوب وأهل الأرض دراسة شاملة، فوصف الأرض التي يسكنونها فكان جغرافيّاً عظيماً، كما وصف طبائعهم وعاداتهم وتقاليدهم وعقائدهم ومواطنهم، وبحث عن تاريخهم، وهكذا أظهر الصلة الوثيقة بين الجغرافية والتاريخ. ولم يقتصر على وصف العالم الإسلامي فحسب، بل شمل بحثه البلاد غير الإسلامية أيضاً، كما لم يقصر بحثه على المصادر العربية بل حاول أن يستقي معلوماته عن تاريخ كل شعب من كتبهم، وهكذا أظهر عمليّاً أنه نموذج رائع للعالم الحقيقي الفطن المرن الواسع الصدر.
وقال الأستاذ صائب عبد الحميد: المسعودي مؤرخاً،
هو أحد أبرز المؤرخين الكبار، تميز بالروح العلمية والعقلية التاريخية، إضافةً إلى معرفته الواسعة بمختلف العلوم العقلية والآداب واللغات العالمية، أحاط بمعظم ما كتبه المسلمون قبله في التاريخ وتاريخ الفرق، واطّلع على تواريخ الأمم ومصادر ثقافاتها، وزاد على ذلك كله مصدراً حيويّاً آخر وهو الترحال الواسع والهادف، ترحال الباحث المستكشف، فوفّرت له رحلاته ما لم توفّره مصارده، ووضعت بيديه مفاتيح الحكمة على قضايا تردّد فيها غيره أو تكلم فيها بغير علم، فوجد في ذلك دافعاً كبيراً نحو كتابة التاريخ: «فلكل إقليم عجائب يقتصر على علمها أهله، وليس من لزم جهة وطنه وقنع بما نُمِيَ إليه من الأخبار عن إقليمه كمن قسّم عمره على قطع الأقطار ووزع أيامه بين تقاذف الأسفار، واستخراج كل دقيق من معدنه، وإثارة كل نفيس من مكمنه»([2]).
ولقد تفوّق المسعودي بعد ذلك بعقليّته التاريخية التي تجلّت في عنايةٍ بالتاريخ العالمي لم يسبق لها مثيل، فصنّف فيه سبعة كتب مختلفة بين البسط والإيجاز، مشحونة بأهم المعارف الكاشفة عن ثقافة الأمم وخصائصها. ولقد عرّف المسعودي بكتبه هذه وأحصاها على الترتيب، كما يأتي:
1ـ أخبار الزمان وما أباده الحدثان، وهو أول مصنفاته وأوسعها، وقد قُدّر بثلاثين مجلّداً.
2ـ الكتاب الأوسط، اختصر فيه كتابه الأول.
3ـ مروج الذهب ومعادن الجوهر، مطبوع في أربعة مجلّدات، وهو التالي للكتاب الأوسط، اختصر فيه ما ذكره في الكتابين، وأضاف إليه ما لم يكن فيهما من أنواع المعارف. وفيه إحالات كثيرة إليهما، ولا سيما إلى «أخبار الزمان» كافية في إعطاء صورة عن ذينك الكتابين المفقودين. وقد ابتدأ تأليفه في مدينة البصرة سنة 332هـ، وانتهى منه سنة 336هـ بفسطاط مصر، في خلافة المطيع لله العباسي.([3])
4ـ فنون المعارف وما جرى في الدهور السوالف.
5ـ ذخائر العلوم وما كان في سالف الدهور.
6ـ الاستذكار لما جرى في سالف الأعصار.
7ـ التنبيه والإشراف، وهو آخر هذه القائمة تصنيفاً، مطبوع في مجلد واحد. وقد صنّفه بالفسطاط سنة 344هـ، ثم زاد عليه في نسخة أخرى كتبها سنة 345هـ، وجعل المعوّل على هذه النسخة الاخيرة، وهي النسخة المطبوعة.
ولقد كان يطالعه أملٌ حين انتهى من تأليف «مروج الذهب» في تصنيف كتاب آخر بمنهج جديد، وقد عنونه مبكّراً قبل الشروع به، وهو: «وصل المجالس بجوامع الأخبار ومختلط الآثار([4]). لكنه لم يذكر هذا الكتاب في مصنفاته التي ذكرها مرتّبة في كتابه الأخير «التنبيه والإشراف»، فلعله غيّر عنوانه بعد تأليفه إلى «فنون المعارف» الذي جعله تالياً لمروج الذهب.
مصنفات تاريخية أخرى للمسعودي
للمسعودي طائفة كبيرة أخرى من الأعمال التاريخية يمكن تصنيفها تحت عنوانين رئيسين:
العنوان الأول: في التاريخ الخاص، وتمثّل في عدة مؤلفات أفردها في مسيرة أهل البيت (عليهم السلام) وأخبارهم ومناقبهم، وهي:
1ـ رسالة البيان في أسماء الأئمة، وفيه نبذة من أخبارهم ومقادير أعمارهم([5]).
2ـ مزاهر الأخبار وطرائف الآثار: في أخبار آل البيت (عليهم السلام) وقد تضمن أخبار أبناء الإمامين الحسن والحسين إلى زمانه([6]).
3ـ حدائق الأذهان: في مناقب آل بيت رسول الله وأخبارهم، ومما جاء فيه «أخبار ابن الزبير مع أهل البيت (عليهم السلام) ([7]).
إضافةً إلى هذه الكتب فهو يتطرق إلى أخبارهم في مصنفات أخرى كتبها في مباحث الإمامة وآراء المسلمين فيها، وهي:
1ـ الصفوة في الإمامة.
2ـ الاستبصار في الإمامة.
3ـ كتاب الزاهي([8]).
والعنوان الثاني: تاريخ الأديان والمذاهب (الملل والنحل).
وللمسعودي فيه قدم راسخ، ومنهج خاص، مع كثرة ما كتب فيه، من مصنفات، وهذه الكتب هي:
1ـ المقالات في أصول الديانات.
2ـ نظم الأدلة في أصول الملّة.
3ـ الإبانة في أصول الديانة.
4ـ المسائل والعلل في المذاهب والملل.
معالم المنهج
من كتابَيْ المسعودي المطبوعَيْن: «مروج الذهب» و«التنبيه والإشراف» نقف على المعالم المهمة لمنهج المسعودي في كتابة التاريخ، ونوجزها في ما يأتي:
1ـ التزام المسعودي تقسيمه التاريخ بحسب الموضوعات، فجعل الأمم والأنبياء والملوك والأسر والخلفاء محاور لدراسته، وهو النهج الذي سبقه إليه اليعقوبي في تاريخه، ثم أبو حنيفة الدينوري في «الأخبار الطّوال».
2ـ تابع المنهج الذي اعتمده اليعقوبي قبله بإسقاط الأسانيد ووصل الأخبار، والاكتفاء بذكر مصادره في مقدمة الكتاب، لكن للمسعودي زيادة وتطوير في المنهج، فمصادره تنوف على الثمانين من كتب المؤرخين المعروفين، عدا غيرهم، فمن كان أقلّ شهرة لم يذكره المسعودي، وعدا المصادر الجغرافية الكثيرة التي اعتمدها([9]).
فالمسعودي، مثل اليعقوبي، لم تتكرر عنده الروايات في الحدث الواحد، بل كان ينتقي من بين مصادره الخبر الذي يراه أقرب إلى الحقيقة وأدعى للقبول.
وفي مواضع من كتابه كان المسعودي يذكر مصدره، وغالباً ما يكون ذلك في مواضع الخلاف التي لم يقطع فيها برأي([10]).
ويذكر المصادر، وربما سلسلة الإسناد أيضاً في المواضع التي يجري فيها مقارنةً ونقداً([11]).
وربما ذكر الإسناد كاملاً أيضاً في المواضع الحساسة التي قد يشمّ منها رائحة طائفية، كما في موقف عروة بن الزبير من الهاشميين، وإعذاره أخاه عبدالله في حصاره إياهم ومحاولته إحراقهم([12]).
3ـ تجنّب المسعودي تأثيرات المواقف السياسية والمذهبية على كتابة التاريخ، فكتب بتوازن وموضوعية قلّ أن تجد نظيرها بين المؤرخين، من دون أن يتخلّى عن إيمانه بالإسلام والقيم الأصيلة، فكان صادقاً وليس مدّعياً حين وصف كتابه «مروج الذهب» بقوله: «وليعلم من نظر فيه أني لم أنتصر فيه لمذهب، ولا تحيّزت إلى قول، ولا حكيت عن الناس إلا مجالسهم([13])».
ولقد كان حريصاً عى تجنّب ما فيه من إثارة الروح المذهبية والطائفية، فلما أتى بخبر عروة بن الزبير وموقفه من بني هاشم ابتدأه بذكر إسناده إليه كاملاً، فقال: «حدّث النوفلي في كتابه في الأخبار، عن ابن عائشة، عن أبيه، عن حمّاد بن سلمة، قال: كان عروة بن الزبير يعذر أخاه إذا جرى ذكر بني هاشم وحصره إياهم في طاعته إذ هم أبو البيعة في ما سلف». ثم قطع الحديث إلى هنا قائلاً: وهذا خبر لا يُحتمل ذكره هنا، وقد أتينا على ذكره في كتابنا في مناقب أهل البيت وأخبارهم، المترجم بكتاب «حدائق الأذهان([14])».
والذي يتجنّب المسعودي ذكره هنا هو كلام عروة في تشبيه صنع أخيه مع بني هاشم بصنع عمر بن الخطاب قبله، إذ كان قد جمع الحطب حول بيت فاطمة (عليها السلام) وهمّ فيه وهددهم بالحرق إن لم يخرجوا لبيعة أبي بكر.
4ـ جمع السعودي، في كتابَيْه، إلى جانب أخبار التاريخ، الكثير من فنون العلوم، أكثرها وأهمها: الجغرافية، وما صنعه فيها من علوم واسعة في تقسيم الأقاليم وتقسيم البلدان والممالك ومساحاتها. وذكر الجبال والبحار والأنهار وأوصافها، وذكر الرياح وأصنافها.
وإلى جانب ذلك كان كثير التنقل بين أنواع مختلفة من العلوم، كالفقه([15])، والفلسفة([16])، كما أعطى لتاريخ الفرق والمذاهب نصيباً مهماً حافظ فيه على منهجه الحيادي الموضوعي في التعريف بها من دون أن يبحث بعضها أو يغمز به([17]).
كما أدخل في كتابَيْه كثيراً من أنواع العلوم والنوادر، فتحدث عن: تواريخ الأمم والمناسبات المعتمدة عند كل أمة في ابتداء تاريخها([18]) وسنيّ الأمم وشهورها وما اتصل بذلك([19]). وأصول الطب([20]). وتصوير الجنين في الرحم([21]). وكروية السماء والأرض([22]). وملاهي الروم([23]). والحداء والغناء عند العرب، وأنواع الطرب، وأنواع الرقص([24]). وأنواع الشطرنج والنرد([25]) وغير ذلك كثير.
5ـ تقسيم العالم قبل الإسلام إلى أمم سبع عظيمة حية هي الجديرة بالدراسة والنظر في تواريخها وطبائعها، والتمييز بين الأمم السبع باعتماد الخصائص المميزة لكل منها. فيبيّن في مقدّمته أنه سيعنى بـ «ذكر الأمم السبع في سالف الأزمان، ولغاتهم وآرائهم، ومواضع مساكنهم، وما بانت به كل أمة من غيرها، وما اتصل بذلك([26])».
وهذه الأمم السبع «تتميز بثلاثة أشياء: بشيمهم الطبيعية، وخلقهم الطبيعية، وألسنتهم([27]). وهذه الامم هي: الفرس، والكلدانيون وهم السريانيون، واليونانيون والروم والصقالبة والإفرنجة ومن اتصل بهم من الأمم في الجربي، وهو الشمال… والرابعة: لوبيا، منها مصر وما اتصل بذلك من اليمن، وهو الجنوب وأرض المغرب إلى بحر أوقيانوس المحيط. والخامسة: أجناس من الترك الخرفلية والغزّ وكيماك والطغرغنز والخزر. والسادسة: أجناس السند والهند وما اتصل بذلك. والأمة السابعة: الصين والسيلي وما اتصل بذلك. ولكل أمة لغة واحدة وملك واحد، وإن كان بين أجزائها تباين يسير في اللغات، وذلك لأن اللغة إنما تكون واحدة بأن تكون حروفها التي تكتب واحدة، وتأليف حروفها تأليف واحد، وإن اختلفت بعد ذلك في سائر الأشياء الأُخَر، كالفهلوية والدرية والآذرية وغيرها من لغات الفرس([28]).
وهذا النوع من الدراسة هو الذي استخدمه توينبي في القرن العشرين.
6ـ ومزية أخرى فائقة الأهمية، كاشفة عن عقلية وحسّ تاريخيّين نادرين، وللمسعودي فيها أيضاً سبق كبير على توينبي الذي اتخذ منها قاعدة أساسية في اكتشاف عوامل نموّ الحضارات وسقوطها، وتلك هي المقابلة والتشبيه بين الحضارات والأمم في الأدوار المتماثلة، فالمسعودي حين ينتهي من وصف ضعف ملوك الدولة العباسية وضياع هيبتهم، حيث تقسّمت البلاد وتغلّب على أطرافها أقوام متفرّقون، وصار الملوك مقهورين خائفين قد قنعوا باسم الخلافة ورضوا بالسلامة، حين يصل إلى هذا الوصف ينتقل إلى تاريخ الأمم السالفة ومنحى الحضارات فيقول: «ما أُشَبِّه أمور الناس بالوقت إلا بما كانت عليه ملوك الطوائف بعد قتل الإسكندر بن فيلّبس الملك داريوش وهو دارا بن دارا ملك بابل، إلى ظهور أردشير بن بابك الملك.. كلّ قد غلب على صقعه، يحامي عنه، مع قلّة العمارة، وانقطاع السبل، وخراب كثير من البلاد، وذهاب الأطراف…» ([29]).
7ـ ومزية أخرى أظهرت المسعودي مفكراً يتمتع بالقدرة على تحليل التاريخ وتفسير حركته، وليس استعراضه والتعليق عليه وحسب، ومرة أخرى يكون للمسعودي السبق في ما أصبح بعده يمثّل الخلاصة في نظرية توينبي في تفسير التاريخ، والمعرفة بنظرية التحدي والاستجابة، وبالتحديد طبيعة التحدي الذي يحفّز على الاستجابة، ذلك حين يثير المسعودي مسألة فائقة الأهمية عند توينبي لاحقاً، والمتمثلة في السرّ الكامن وراء عدم سكنى بعض الأرض لينتهي بذلك إلى علّتين: إحداهما ـ إفراط الحرّ وإحراق الشمس وكثرة تواتر شعاعها على الأرض. والثانية ـ إفراط البرد في الجو واستيلاء القرّ والجليد. وهذه البلدان التي تراها مفرطة الحرارة والبرودة هي تناسب ما ذكرناه من هذه الديار البلاقع([30]).
8ـ العناية بتراجم الطالبيين. وإن كان المسعودي قد عُنِيَ بترجمة أعيان الإسلام في ذكر وفيّاتهم في كل عهد يقف عنده، فترجم للفقهاء والأدباء والفلاسفة وأهل الفضل، إلا أنه أظهر عناية أكبر بتراجم الأئمة من أهل البيت ومقاتل الطالبيين، حتى استدرك في آخر كتابه «مروج الذهب» قائلاً: «وقد شرطنا على أنفسنا في صدر كتابنا هذا أن نذكر مقاتل آل أبي طالب، ومن ظهر منهم في أيام بني أمية وبني العباس، وما كان من أمرهم من قتل أو حبس أو ضرب، وقد ذكرنا ما تأتّى لنا ذكره… وبقي علينا من ذلك ما لم نورده، وقد ذكرناه في هذا الموضع وفاءً بما تقدّم من شرطنا في هذا الكتاب»([31])…وإنما أراد بذلك الوفاء لحقائق تاريخية فرّط بها المؤرخون تحت تأثيرات شتّى.
وحين يذكر خصائص الأئمة وما حباهم الله تعالى من كرامات فهو يتعامل مع ذلك وفق المنهج العقلي والتفسير الطبيعي حين يجد ذلك متحقّقاً، ولا يخفي إيمانه بالمعجزات حين يكون الأمر معجزاً حقّاً، فمع الإمام علي الهادي بن محمد بن علي الرضا بن موسى بن جعفر، يتوقّف عند حدثين غريبين، فينسب الأول إلى علّته الطبيعية، ويترك الآخر كما هو إذ لا سبيل لتفسيره إلا بالمعجز، ففي الخبر الأول حيث الإشخاص بالإمام الهادي من المدينة إلى سامراء بأمر المتوكل يقول صاحبه في السفر المأمور بإشخاصه إلى المتوكّل: بينا أنا نائم والسماء صاحية والشمس طالعة، إذ ركب (الإمام الهادي) وعليه مِمْطَر (ثوب يلبس في المطر) فعجبت من فعله، فلم يكن بعد ذلك إلا هنيهة حتى جاءت سحابة فأرخت عزاليها ونالنا من المطر أمر عظيم جداً، فالتفت إليّ وقال: أنا أعلم أنك أنكرت ما رأيت، وتوهمت أني علمت من الأمر ما لا تعلمه، وليس ذلك ما ظننت، ولكن نشأت بالبادية فأنا أعرف الرياح التي يكون في عقبها المطر، فلما أصبحت هبت ريح شممتُ منها رائحة المطر، فتأهبت لذلك([32]).
وفي الثانية يشير بإيجاز إلى ما ذكره مفصّلاً في كتابه «أخبار الزمان» من «خبر علي الهادي بن محمد بن علي بن موسى رضي الله عنه مع زينب الكذّابة بحضرة المتوكل، ونزول الهادي رضي الله عنه إلى بركة السباع، وتذلّلها له، ورجوع زينب عما ادّعته من أنها ابنه الحسين بن علي (عليهما السلام) وأن الله تعالى أطال عمرها إلى ذلك الوقت»([33]). فهو في الوقت الذي يسوق فيه هذا الخبر المعجز فإنما يوظفه لتكذيب خرافة.
وهكذا تتكامل حلقات المتابعة والنقد التاريخي عند المسعودي لتشهد مع مزاياه المنهجية، سابقة الذكر، على وعي تاريخي كبير وحسّ تاريخي بارع لم نشهد له نظيراً من قبل، كما تشهد على سبق هام في كثير من جوانب الدراسات التاريخية.
نقد التاريخ عند المسعودي
النقد التاريخي المتوازن مزية هامة من مزايا المسعودي في كتابَيْه. والنقد التاريخي عند المسعودي يتّسع لجميع جوانب العمل التاريخي: المؤرخون، والمصادر، والنصوص، والدوافع نحو الكذب، وأسباب الخطأ، وأهمية المشاهدة.
أـ المؤرخون والمصادر:
فالمؤرخون في نظر المسعودي، بين مُجيد ومُقصّر، ومُسهِب ومُختَصِر([34])، أصاب بعضهم وأخطأ بعض آخر، وكلٌّ قد اجتهد بغاية إمكانه([35]) .
أما المادة التاريخية فهي زائدة مع زيادة الأيام، حادثة مع حدوث الأزمان، ولكلّ إقليمٍ عجائب يقتصر على علمها أهلها، وليس من لزم جهة وطنه وقنع بما نُهِيَ إليه من الأخبار عن إقليمه كمن قسّم عمره على قطع الأقطار ووزع أيامه بين تقاذف الأسفار واستخراج كلّ دقيق من معدنه وإثارة كلّ نفيسٍ من مكمنه([36]).
ومن المؤرخين من هو جدير بكل إطراء لا سيّما: عبيد الله بن عبدالله بن خردانة: فإنه كان إماماً في التأليف، اتّبعه المصنّفون وأخذوا منه وقفوا أثره، فانظر إلى كتابه الكبير في التاريخ فإنه أجمع هذه الكتب وأبرعها نظماً وأكثرها علماً وأحوى لأخبار الأمم وملوكها وسيرها، ومن كتبه النفيسة كتابه في «المسالك والممالك».
والبلاذري: في كتاب التاريخ، وكتاب «فتوح البلدان» «ولا نعلم في فتوح البلدان أحسن منه».
أما تاريخ الطبري فهو الزاهي على المؤلفات ومؤلفه فقيه عصره وناسك دهره.
وكذلك تاريخ نفطويه، فصاحبه أحسن أهل عصره تصنيفاً.
ومحمد بن يحي الصولي: في كتابه «الأوراق» في أخبار الخلفاء من بني أمية وبني العباس ووزرائهم وشعرائهم، فقد ذكر من أخبارهم ما تفرّد به لأنه شاهدها بنفسه، وكان محظوظاً من العلم وحسن التصنيف.
وكذلك أبو الفرج قُدامة بن جعفر الكاتب، في كتابه «زهر الربيع» في الأخبار و«الخراج».
ومن المؤرخين من هو جدير بعكس ذلك، لا سيما:
سنان بن ثابت بن قرّة الحرّاني: فإنه انتحل ما ليس من صناعته! وخرّج أخباراً يزعم أنها صحّت عنده، ولم يشاهدها. وسار في التاريخ ابتداءً من أخبار المعتضد، ثم «ترقّى إلى خليفة خليفة، سيراً مقلوباً، مضادة لرسم الأخبار والتواريخ([37]).
والجاحظ أيضاً: فإنه كان حاطب ليل ينقل من كتب الوراقين، لم يسلك البحار، ولا أكثر الأسفار، ولا يعرف المسالك والأمصار([38]).
بل ربما تجاوز الجاحظ ذلك فألّف كتباً عن يقين بما فيها، ولكن «تماجناً وتطرباً» اتباعاً للهوى «وطلباً لأماتة الحق ومضادة أهله» كما فعل في كتابه «إمامة ولد العباس وكتابه «العثمانية» وكتابه «إمامة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان» وغير ذلك([39]).
ب ـ النصوص:
وفي نقد النصوص التاريخية والمقابلة بينها له أثر كثير كاشف عن علم ومعرفة وحسّ تاريخي كبير. ففي المقارنة بين أخبار متضاربة في موضوع واحد يذكرها جميعاً مع كافة مصادر كلّ واحد منها([40]).. وحين يتعارض لديه خبران في بعض المواضيع يذكرهما بأسانيدهما، ثم يقول: والأول أشهر وعليه العمل([41]). وفي موضع مماثل يصف أحد الخبرين بقوله: «وهذا خبر مجتنب من حيث الآحاد، ومرسل من عند من لا يرى قبول المراسيل، وما حكيناه أولاً هو المتفق عليه»([42]).
ج ـ الدوافع نحو الكذب:
شخّص المسعودي، في مثال الجاحظ المتقدّم، عنصر التعصب والتعمّد في مضادّة الخصوم، عاملاً أساسياً وراء الكذب في التاريخ، وليس الجاحظ وكتبه مثاله الوحيد، بل ما حصل من تنازع أيضاً في عمر الإمام عليّ حين إسلامه، فبينما كان النزاع يدور بين الحادية عشرة إلى الخامسة عشرة، جاء آخرون بأقوال تتردّد بين التسع سنين والخمسين سنة!! ولم تخفّ علّة ظهور هذه الأقوال الأخيرة على المسعودي، فقال: «هذا قول من قصد إلى إزالة فضائله ودفع مناقبه ليجعل إسلامه إسلام طفل صغير وصبيّ غرير لا يفرّق بين الفضل والنقصان، ولا يميّز بين الشك واليقين، ولا يعرف حقاً فيطلبه ولا باطلاً فيجتنبه» ([43])!
فما زال التعصّب للاهواء دافعاً رئيساً نحو الكذب في التاريخ.
دـ أسباب الخطأ في التاريخ:
بيّن المسعودي جملةً من أسباب الخطأ في التاريخ، من أهمها:
1ـ غياب الأخبار المهمة عن المؤرخ.
2ـ الاعتماد على الوراقين والرواة من دون تحقيق وتدقيق.
3ـ تكلّف الكتابة في التاريخ ممن لم يكن من أهله ومن أهل الوعي فيه والخبرة بطرق تتّبع أخباره([44]).
هـ ـ أهمية المشاهدة:
يركز المسعودي، في عدة مواضع، على أهمية النقل عن مشاهدة، والفارق الكبير بينه وبين السماع، ففي ثنائه على الصولي، في كتابه «الأوراق»، أوجز علة «هذا الثناء بواحدة، وهي أن «الصّولي قد شاهد بنفسه ما ذكره من أخبار تفرّد بها([45])… وفي نقده لسنان الحرّاني ركّز على أنه قد نقل أشياء زعم أنها صحّت عنده، ولم يشاهدها([46]).. وفي تصحيحه لأخطاء الجاحظ في وصف نهر السند عزى تصحيحه إلى المشاهدة المباشرة التي لم تتوفر للجاحظ([47]).
وـ أوهام الشعوب وأساطيرها:
هي الأخرى تأخذ نصيبها من نقد المسعودي وتفسيره، الأمر الذي قد لا نجده لدى مؤرخ سابق، بل عادة المؤرخين الذين يوردون الأوهام والأساطير أن يتركوها كما هي من دون تعليق أو يذهبوا إلى صدقها معتقدين صوابها، كما هو شأن وهيب بن منبه([48]) وغيره.
ينقل المسعودي من أوهام الشعوب وأساطيرها الشيء الكثير، كأقوال العرب في النفس وأنها طائر ينبسط في جسم الإنسان، فإذا مات أو قتل لم يزل مطيفاً به متصوراً إليه في صورة طائر يصرخ على قبره مستوحشاً، وهذا الطائر يسمونه «الهام» والواحدة «هامة». ويزعمون أنه يكون صغيراً ثم يكبر حتى يصير ضرباً من البوم، وهي أبداً تتوحش وتصدح وتوجد في الديار المعطلة (الخالية) والنواويس (القبور) حيث مصارع القتل وأجداث الموتى.
وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
| سلّط الطير والمنون عليهم | فلهم، في صدى المقابر، هام |
ويزعمون أنها تبقى عند ولد الميّت في محلّته لتعلم ما يكون بعده فتخبره به، حتى قال الصلت بن أمية لبنيه:
| هامي تخبّرني بما تستشعروا | فتجنّبوا الشنعاء والمكروها |
يقول المسعودي: وجاء الإسلام وهم على ذلك حتى قال النبي (ص): «لا هام ولا صقر» ([49]).
وكذا عقيدتهم في الغول التي تظهر لهم في الخلوات والأسفار، وأكثروا من ذكرها في أشعارهم، وأنها تظهر بمظاهر شتّى، فتظهر على صورة إنسان فيتبعونها فتزيلهم عن الطريق، «وقد ذكر جماعة من الصحابة ذلك، منهم عمر بن الخطاب (رض)، أنه شاهد ذلك في بعض أسفاره إلى الشام، وأن الغول كانت تتغوّل له وأنه ضربها بسيفه! وذلك قبل ظهور الإسلام، وهذا مشهور عندهم في أخبارهم».
وقد ذهب بعض الفلاسفة إلى تفسيره، فقالوا: «هو حيوان شاذّ مشوّة لم تحكمه الطبيعة، فتوحّش وطلب القفار وهو يناسب الإنسان والحيوان البهيمي في الشكل.. وذهب طائفة من الهند إلى أن ذلك إنما يظهر من فعل ما كان غائباً من الكواكب عند طلوعها.. وحامل رأس الغول (كوكب) يحدث عند طلوعه تماثيل وأشخاص تظهر في الصحارى وغيرها من العامر والخرائب، فتسمّيه عوام الناس غولاً، وهي ثمانية وأربعون كوكباً، وقد وصف ذلك أبو معشر في كتابه المعروف بالمدخل الكبير إلى علم النجوم.
ومثل هذا أقوالهم في السعلاة والشياطين والقطرب والغدّار، ثم يعلّق على ذلك كله بعد وصف شهرته عند هذه الشعوب بأنه يمكن أن يكون ضرباً من السوانح الفاسدة والخواطر الرديئة، أو غير ذلك من الآفات والأدواء المعترضة لجنس الحيوان من الناطقين وغيرهم([50]).
وكذلك أقوالهم الكثيرة في الهواتف والجانّ، معلّقاً عليها باعتقاده الصحيح وتحليله العلمي الدقيق: إن ما تذكره العرب من ذلك إنما يعرض لها من قِبَل التّوحّد في القفار والتفرّد في الأودية والمهامه الموحشة، لأن الإنسان إذا صار في مثل هذه الأماكن تفكّر، وإذا هو تفكّر وجِل وجَبُنَ، فتداخله الظنون الكاذبة والأوهام المؤذية والسّوداوية الفاسدة، فتصوّر له صوراً وتمثل له أشخاصاً بنحو ما يعرض لذوي الوساوس، والأصل في ذلك سوء التفكير الناجم عن استشعار المخاوف وتوهّم المتألف، فيتوهّم تلك الصور لقوة الظنون الفاسدة على فكره وانغزاسها في نفسه فيتوهّم ما يحكيه من هتف الهواتف به واعتراض الجان له([51]).
المؤرخ الفيلسوف
رأينا في نقد المسعودي للأوهام والتخيّلات كيف أثبت هذا العالم قدرته على التحليل النفسي وتفسير الظواهر والمعتقدات على أساس معرفة عالية بعلم النفس وفلسفة الظواهر والأشياء.
ونراه في مواضع أخرى يناقض الفلاسفة المتقدمين وبعض أصحاب الديانات في تفسير ظاهرة الكهانة والإخبار بالمغيبات، فبعد أن يستعرض جملة من أقوال فلاسفة الأمم فيها([52])، يذهب هو إلى تفسيرها ذلك التفسير العلمي المتين، فيقول: والكهانة أصلها نفسي، لانها لطيفة باقية.. وهي تكون في العرب على الأثر، وفي غيرهم على وجه النّدرة، لأنها شيء يتولّد على صفاء المزاج الطبيعي وقوة مادة نور النفس. وإذا أنت اعتبرت أوطانها رأيتها متعلقة بعفّة النفس وقمع شرّها بكثر الوحدان وإدمان التّفرّد من الناس وقلّة الأنس بهم، وذلك النفس إذا هي تفرّدت فكرت، وإذا هي فكرت تعدّت، وإذا تعدّت هطل فيها سُحُب العلم النفسي فنظرت بالعين النورية ولحظت بالنور الثاقب ومضت على الشريعة المستوية، فأخبرت عن الأشياء على ما هي به وعليه، وربما قويت النفس في الإنسان فأشرقت به على دراية الغائبات قبل ورودها…
وقد استدلّ بعض كبراء اليونانيين على ذلك بأن الإنسان إذا قوي فكره وزادت مواد نفسه وخاطره فكر في الطارىء قبل وروده، فعلم صورته، فيكون وروده على ما تصوّره، وهكذا النفس أيضاً إذا تهذّبت كانت الرؤية في النوم صادقة، وفي الزمان موجودة([53]).
وللمسعودي كلام كثير في النفس والروح والبدن، وأقوال الفلاسفة فيها، يحيل فيه دائماً إلى كتابة المفرد في هذا العلم تحت عنوان «سرّ الحياة» ([54]).
في فلسفة التاريخ (بين المسعودي وابن خلدون)
عند ابن خلدون يحتل المسعودي موقعاً فريداً، وإن بدا فيه ابن خلدون مذبذباً أول الأمر، فهو في ديباجته، ثم في مقدمته الأولى في فضل علم التاريخ يمر على ذكر المسعودي سبع مرات([55]).
يبدأ في المرة الأولى بالتنقيص من مقامه مع أنه يعدّه من المؤرخين الكبار المؤسسين الذين كان كل من جاء بعدهم ناقلاً عنهم مقلّداً لهم: «والذين ذهبوا بفضل الشهرة والإمامة المعتبرة.. هم قليلون لا يكادون يجاوزون عدد الأنامل ولا حركات العوامل، مثل: ابن إسحاق، والطبري، وابن الكلبي، ومحمد بن عمر الواقدي، وسيف بن عمر الأسدي وغيرهم..»، فلا تجد المسعودي بينهم، إلا أنه يعطف سريعاً ليقول: «وإن كان في كتب المسعودي والواقدي من المطعن والمغمز ما هو معروف عند الإثبات ومشهور بين الحفظة الثقات، إلا أن الكافة اختصتهم بقبول أخبارهم واقتفاء سننهم في التصنيف واتّباع آثارهم»([56])، ما يشعرك بأن المسعودي كان معدوداً عنده في القائمة الأولى، ولكن اختفى اسمه إما لسهوٍ منه أو من النسّاخ كافة.
ثم يمر على ذكره ناقداً، مستهجناً أخباره في: «جيوش بني إسرائيل في التّيه»([57]) وفي «أصل ونسب صنهاجة وكتامة» المغاربة([58]).
لكنه يعود على ذكره في موضعين آخرين مستشهداً بأخباره مستدلاً بها على ما يريد: في الدفاع عن هارون الرشيد وتنزيهه عن شرب الخمر([59])، وفي تنزيهه عن الإسراف في مظاهر التّرف([60]).
وأهم من هذا كله الموضعان الأخيران اللذان يحتل فيهما المسعودي مقامه الفريد والمنزلة الأولى عند ابن خلدون، حين يعدّه «إماماً للمؤرخين»، ويتّخذ منه قدوة يحذو في التاريخ حذوه:
بعد أن يذكر أهمّ المؤرخين في التاريخ، وهو الفائدة التي يختم فيها كلامه في هذا الفصل، يرى أن «ذكر الأحوال العامة للآفاق والأجيال والأعصار هو أسٌّ للمؤرخ، تنبني عليه أكثر مقاصده، وتتبيّن به أخباره، وقد كان الناس يفردونه بالتأليف…».
ولكنه لم يذكر من هؤلاء الناس إلا رجلاً واحداً هو المسعودي «كما فعل المسعودي في كتاب مروج الذهب، شرح فيه أحوال الأمم والآفاق لعهده في عصر الثلاثين والثلاثمئة، غرباً وشرقاً، وذكر نحلهم وعوائدهم ووصف البلدان والجبال والبحار والممالك والدول، وفرق شعوب العرب والعجم».
من أجل ذلك صار المسعودي عند ابن خلدون «إماماً للمؤرخين، يرجعون إليه، وأصلاً يعوّلون في تحقيق الكثير من أخبارهم عليه» ([61]).
ومن أجل ذلك، أيضاً، فإن ابن خلدون يجد نفسه ملزماً بأن «يقفو مسلك المسعودي» لعصره، ليأتي بما «يكون أصلاً يقتدي به من يأتي من المؤرخين من بعده» ([62]).
بعد أن وقفنا على هذه الشهادة لإمام المؤرخين، وعرفنا عزمه على اقتفاء مسلك المسعودي، ننتقل إلى الموضوع الأهم، والذي يشكّل إثارة جادّة لنصوغها بالسؤال الآتي:
هل اقتبس ابن خلدون من المسعودي أفكاره في فلسفة التاريخ والسياسة المدنية؟
السؤال خطير، فابن خلدون لا يشير ولو إشارة إلى ذلك في ما كتبه في فصول هذه المادة من مقدمته، وهو عندما كان يذكر المسعودي فإنما يذكر كتابه «مروج الذهب» وليس في هذا الكتاب إلا القليل مما نريد الإشارة إليه، ونقصده في احتمال كونه واحداً من أهم مصادر ابن خلدون في مقدمته.
لكن للمسعودي كلام في غاية الأهمية يعيننا على اكتشاف مصادر الاقتباس، في مقدمته على كتابه «التّنبيه والإشراف» يستعرض مباحث وفّاها حقها في كتبه السابقة، حتى يقول: «…وآداب الرياسة…وضروب أقسام السياسة المدنية، الملوكية منها والعامية، مما يلزم الملك في سياسة نفسه ورعيّته…
«ووجوه أقسام السياسة الديانية، وعدد أجزائها، ولأي علّة لا بدّ للملك من دين، كما لا بدّ للدين من ملك، ولا قوام لأحدهما إلا بصاحبه، ولم وجب ذلك، وما سببه.
«وكيف تدخل الآفات على الملك، وتزول الدول، وتبيد الشرائع والملل..
«والآفات التي تحدث في نفس الملك والدين، والآفات الخارجة المعترضة لذلك، وتحصين الدين والملك، وكيف يعالج كل واحد منها بصاحبه إذا اعتلّ من نفسه أو من عارض يعرض له.. وماهية ذلك العلاج، وكيفيّته..
«وأمارات إقبال الدول..
«وسياسة البلدان والأديان والجيوش على طبقاتهم. ووجوه الحيل والمكائد في الحروب ظاهراً وباطناً، وغير ذلك من أخبار العالم وعجائبه» ([63]).
هذه الفصول التي تمثل دراسة متكاملة في فلسفة التاريخ، والتي كان المسعودي سبّاقاً إليها من دون شكّ، هل وقف عليها ابن خلدون؟
إن وقوفه على عناوينها هذه أمر مرجح، لأن «التنبيه والإشراف» كتاب مشتهر ومنتشر في زمانه، ولنا أن نقول إن مجرد وقوف ابن خلدون على هذه العناوين سيفتح في ذهنه الآفاق إلى دراستها، ولو بطريقته الخاصة التي قد تختلف عن طريقة المسعودي، وهذا وحده يعيد الفضل والسبق في هذا الميدان إلى المسعودي، ويجعل ابن خلدون حريّاً بان يذكره ويعطيه حقه، لا سيما وقد أقرّ باقتفاء أثره واتّباع منهجه، بعد أن توّجه بوسام إمام المؤرخين.
إقرأ هذه العناوين الأساسية في مباحث ابن خلدون في فلسفة التاريخ والسياسة المدنية، وانظر مدى التطابق والقرابة بينها وبين عناوين المسعودي:
«الباب الثالث في الكتاب الأول: في الدولة العامة والملك والخلافة والمراتب السلطانية، وما يعرض في ذلك كلّه من الأصول…وفيه قواعد ومتممات:
»الفصل الرابع: في أن الدولة العامة الاستيلاء العظيمة الملك أصلها الدين، إما من نبوّة أو دعوة حق».
«الفصل الخامس: في أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عدوّها».
الفصل السادس: في أن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتمّ».
وهذه كلها تدور في فضاء السياسة المدنية والسياسة الدينية وعلاقتها بالملك، كما يسمّيها المسعودي. ثم انظر عناوين الفصول الآتية من الباب نفسه:
«الفصل الحادي عشر: في أن من طبيعة الملك الشرف».
«الفصل الثاني عشر: في أن من طبيعة الملك الدّعة والسكون».
«الفصل الثالث عشر: في أنه إذا استحكمت طبيعة الملك من الانفراد بالمجد، وحصول الشرف والدّعة، أقبلت الدولة على الهرم».
وقارن بعنوان المسعودي في: «الآفات التي تحصل في نفس الملك»!
وقارن الفصول الآتية بعنوان مباحث المسعودي في: «كيف تدخل الآفات على الملك وتزول الدول»:
الفصل الرابع والعشرون: «في إرهاف الحدّ مضرّ بالملك ومفسد له في الأكثر».
الفصل الأربعون: «في التجارة من السلطان مضرّة بالرعايا مفسدة للجباية».
الفصل الثالث والأربعون: «في أن الظلم مؤذن بخراب العمران».
الفصل السابع والاربعون: «في كيفية طرق الخلل للدولة».
ثم انظر الفصل السابع والثلاثين عند ابن خلدون: «في الحروب ومذاهب الأمم في ترتيبها» مع عنوان المسعودي: «سياسة البلدان والأديان والجيوش على طبقاتهم، ووجوه الحيل والمكائد في الحروب ظاهراً وباطناً».
وأيضاً الباب الرابع عند ابن خلدون: «في البلدان والأعصار وسائر العمران وما يعرض في ذلك من الأحوال»، مع ما ذكره ابن خلدون من مزية تاريخ المسعودي التي جعلته إماماً للمؤرخين، في «ذكر الأحوال العامة للآفاق والأجيال والأعصار» الذي هو «أسّ للمؤرخ، تنبني عليه أكثر مقاصده».
إضافة إلى فصول مهمة كان التّأسّي فيها بالمسعودي واضحاً، مثل: الحديث عن الأرض والإشارة إلى بعض ما فيها من الأنهار والأشجار والأقاليم… والحديث عن جغرافيا الأقاليم السبعة.. وأيضاً ما يتعلّق بالإدراك الحاصل عن الفطرة أو الرياضة، ومباحث الكهانة والرؤيا وشأن العرّافين وغير ذلك من مدارك الغيب.
وأهم من هذا الأخير كله تأثير الجغرافيا على طبائع الشعوب ودرجة العمران، التي أولاها المسعودي أهمية كبيرة، وكان السّباق من بين المؤرخين إليها، وقد شغلت صفحات عديدة في سائر أجزاء كتابه مروج الذهب، وفي التنبيه والإشراف أيضاً.
أنظر، في «مقدمة ابن خلدون»: «قسط العمران من الأرض والإشارة إلى بعض ما فيه من الأشجار والأنهار والأقاليم» و «تفصيل الكلام عن هذه الجغرافيا ـ الأقاليم السبعة» و«المعتدل من الأقاليم والمنحرف وتأثير الهواء في ألوان البشر والكثير من «أحوالهم» و «حقيقة النبوة والكهانة والرؤيا وشأن العرافين».
هذه العناوين التي شكلت المقدمات الأساسية في الباب الأول من كتاب ابن خلدون.
وكيف كان أستاذاً لفيلسوف التاريخ الكبير ابن خلدون، ينتمي إليه تلميذه باعتزاز.
ويبقى المسعودي، إضافة إلى ذلك، المؤرخ الوحيد الذي وفّى حق التاريخ السياسي والاجتماعي، كما وفّى تاريخ الأديان والمذاهب والفرق حقه، مع امتيازه الآخر المبرر في تفوقه الأدبي الكبير على سائر المؤرخين، فهو أديب المؤرخين بلا منازع، ومؤرخ الأدباء بلا منازع أيضاً.
الأخباريون أو الأخبارية
ـ 1 ـ
قال السيد محسن الأمين:
هم فرقة من الشيعة يمنعون الاجتهاد، ويعملون بالأخبار، ويرون أن ما في كتب الأخبار الأربعة المعروفة للشيعة قطعي السند أو موثوق بصدوره، فلا يحتاج إلى البحث عن سنده ولا يرون تقسيمها إلى أقسام الحديث المعروفة من الصحيح، والحسن، والموثق والضعيف وغيرها، بل كلها صحيحة ويوجبون الاحتياط عند الشك في التحريم ولو مع عدم سبق العلم الإجمالي، ويسقطون من الأدلة الأربعة المذكورة في أصول الفقه دليل العقل والإجماع، ويقتصرون على الكتاب والخبر ولذلك عُرِفوا بالأخبارية نسبةً إلى الأخبار، ولا يرون حاجة إلى تعلم أصول الفقه ولا يرون صحته، ويقابلهم الأصوليون أو المجتهدون وهم أكثر علماء الشيعة، وهم القائلون بالاجتهاد، وبأن أدلة الأحكام الكتاب والسنّة والإجماع ودليل العقل، وأن الأخبار المشتملة عليها الكتب الأربعة في أسانيدها الصحيح والحسن والموثق والضعيف وغيرها، وأنه يجب البحث عن أسانيدها عند إرادة العلم بها ويقولون بالبراءة عند الشك في الوجوب أو التحريم، إلا أن يسبق العلم الإجمالي بالوجوب أو التحريم ويشكّ في الواجب أو المحرّم فيجب الاحتياط.
متى ظهرت مقالة الأخبارية
ويظهر أن أول من أثار المقالة الأخبارية هو الملا محمد أمين بن محمد شريف الأسترآبادي صاحب الفوائد المدنية المتوفى سنة 1036هـ، فإنه زعم: أن أول من قال بالاجتهاد واتّبع أصول الفقه من الشيعة الحسن بن عقيل العماني، ومحمد بن أحمد بن الجنيد الإسكافي كلاهما من أهل المائة الثالثة إلى الرابعة وينسب إلى ثانيهما العمل بالقياس، وأن الشيخ المفيد لما أظهر حسن الظن بتصانيفهما بين أصحابه ومنهم المرتضى والشيخ الطوسي شاعت طريقتهما بين متأخري أصحابنا حتى وصلت النوبة إلى العلامة الحلي فالتزم في تصانيفه أكثر القواعد الأصولية، وهو أول من قسّم أحاديثنا إلى الأقسام الأربعة المشهورة ووافقه الشهيد الأول، والشيخ علي الكركي، والشهيد الثاني، وولده، والشيخ البهائي والسبب في ذلك غفلة من أحدثه عن كلام قدمائنا لألف ذهنه بما في كتب غيرنا «انتهى».
ثم قال بمقالة الأخبارية من مشاهير العلماء أصحاب الوسائل، والوافي، والحدائق وغيرهم، وقد ظهر في المائة الثانية عشرة الميرزا محمد بن عبد النبي النيسابوري الشهير بميرزا محمد الأخباري تعصب لطريقة الإخبارية، وجرت بينه وبين الفقيه الشيخ جعفر النجفي ردود، وقتل في الكاظمية حوالي 1233هـ والقاتلون بمقالة الأخبارية إنما قالوا بها لشبهة دخلت عليهم نبيّنها:
ملخص الخلاف بين الأصوليين والأخباريين
يتلخص الخلاف بين الأصوليين والأخباريين في أمور:
«الأول» الاجتهاد والتقليد فأوجب الأصوليون الاجتهاد كفائية وأوجبوا على العامي تقليد المجتهد، ومنع الأخباريون من الاجتهاد ومن تقليد المجتهد وقالوا: يلزم الرجوع إلى الإمام بالرجوع إلى الأخبار عنه للأخبار الناهية عن الأخذ بآراء الرجال عن القياس، والقائلة بأن دين الله لا يصاب بالرأي وعقول الرجال ولا بالقياس، وأن أصل علم الأصول من غيرنا ولم يرد به نص من أئمتنا. والحق أن الاجتهاد كان موجوداً من عصر الأئمة (عليهم السلام) وقد ألقوا كثيراً من قواعد الأصول إلى أصحابهم كالبحث عن الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والعام والخاص، وذكر في أخبارهم الاجتهاد وشروطه وشرائط من يصحّ تقليده، وحجية الظواهر، وجواز العلم بالعام والمطلق ونحوهما، وجواز التفريع على الأصول والقواعد الكلية وأصالة البراءة والاستصحاب، وفي الشبهة المحصورة، وحجية خبر الثقة وبطلان القياس، وعلاج الأخبار المتعارضة وغير المتعارضة وغير ذلك. والرأي الصرف والقياس لا يقول به الأصوليون وقد نظروا في علم الأصول فأخذوا بما قام عليه الدليل وتركوا غيره كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وغير ذلك، وأن علم الأصول مأخذ جلّ قواعده عن أئمتنا، وهب أن وضعه من غيرنا فلا يوجب ذلك تركه بعد قيام الدليل على ما صحّ منه، وكأنهم ظنوا من كلمة الاجتهاد أن الأصوليين يأخذون بالرأي الصرف، ولذلك سُمِيَ اجتهاداً، وهو ظنّ فاسد وإنما يأخذون بما استفادوا من الكتاب والسنة والإجماع الصحيح وحكم العقل القاطع. والعمدة فيه الكتاب والسّنّة. وأمر واضح سهل يبطل الزعم أن التقليد للإمام وهو أن العامي المحض الذي لا يفقه معنى الأخبار ولا حجيتها ولا علاج تعارضها كيف يقلد الإمام ويأخذ بقوله؟ قولكم: إن العالم يروي له الخبر ويجمع بين معارضاته ويفسره له ويقول هذا قول الإمام فقلّده. قلنا: فهذا هو التقليد الذي منعتموه فالعالم قد اجتهد في أن هذا الخبر حجة وأنه أرجح من معارضه وأن الأمر الذي فيه للوجوب أو النهي الذي فيه للتحريم إلى جميع ما هنالك والعامي لا يعرف من ذلك شيئاً لكنكم لا تسمونه اجتهاداً وهو اجتهاد ولا أخذ العامي به تقليداً وهو تقليد ونحن نسميهما بذلك.
«الثاني»: تقليد الميت منعه الأصوليون ابتداءً، واختلفوا في جوازه دوماً ونظرهم في ذلك إلى أن التقليد على خلاف الأصل، ولم يقم الدليل على جواز تقليد الميت. وقال الأخباريون: إن الحق لا يتغير بالموت والحياة، وحلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه كذلك (وجوابه): أن الحق الذي لا يتغير هو الواقعي لا الظني، وزعمهم أنهم لا يعملون إلا بالعلم زعم فاسد.
«الثالث»: الأخبار فزعم الأخباريون. أن أخبار الكتب الأربعة كلها صحيحة لأن جامعيها قد انتقوا الأخبار، وحذفوا منها ما رواه الضعفاء والمجروحون وغيرهم، وأثبتوا ما رواه الثقات فقط أو قامت عندهم قرائن على صحته، وأن قدماء أصحابنا كانوا على ذلك، وأن أول من قسم الخبر إلى الأقسام الأربعة المعروفة وغيرها هو العلامة الحلي أو شيخه جمال الدين بن طاوس وقبل ذلك لم يكن لهذا التقسيم أثر وقال: إن فيها الصحيح والحسن الموثق والضعيف المرسل وغيرها وإذا رأينا في أسانيدها الضعاف والمجروحين ورأينا فيها المرسل والمقطوع فما الذي يسوغ لنا أن نعمل بها كلها ونحكم بصحتها ولا نبحث عن أسانيدها؟ ولو سلّمنا أن جامعي هذه الكتب قد انتقوا أحاديثها كما قالوا، فهم قد فعلوا ذلك بحسب اجتهادهم واعتقادهم الذي يجوز عليه الخطأ، فإذا بان لنا خطؤهم كيف يسوغ لنا تقليدهم؟ (والقول): بأن أقوال الجارحين والمعدلين لا تفيد أكثر من الظن فكيف قبلناها في الجرح والتعديل ولم نقبلها في تصحيحهم ما رووه، يرده: مع التسليم أن قصارى ذلك أن يتعارض قولهم مع أقوال الجارحين لا أن يؤخذ بقولهم ويطرح ما عداه ويكفي لردّ قولهم: أن من خرجت هذه الأخبار من تحت أيديهم قد يردون بعضها بضعف السند كالشيخ الطوسي وغيره.
«الرابع»: دليل العقل كقبح التكليف بما لا يطاق، وقبح العقاب بلا بيان وهذا له موارد كثيرة في علم الأصول معروفة لا حاجة بنا إلى بيانها، وموارده نفي الوجوب، لأن الوجوب يستلزم تكليف عدم سبق العلم الإجمالي بالوجوب والشك في الواجب كالشك في وجوب غسل الجمعة مثلاً، وعدم العثور على دليل يفيد الوجوب بعد الفحص، وهذا ما ادعى صاحب الحدائق أحد رؤساء الأخبارية: أنه لا خوف ولا إشكال في صحة الاستدلال هنا بالبراءة الأصلية لنفي الوجوب، لأن الوجوب يستلزم تكليف ما لا يطاق وللأخبار الدالة على أن ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم والناس في سعة ما لم يعلموا ورفع القلم عن تسعة أشياء وعدّ منها: ما لا يعلمون ومن موارده نفي التحريم عند الشك في التحريم وعدم سبق العلم الإجمالي والشك في المحرم كالشك في تحريم التدخين مثلاً، وهذا اتفق الأصوليون على العمل بالبراءة فيه لقبح العقاب بلا بيان يصل إلى المكلف، وهذا ادّعى صاحب الحدائق اتفاق الأخبارية على وجوب التوقف والاحتياط فيه واختاره واحتجّ عليه: بأن الأشياء حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك لو جاز العمل بالبراءة الأصلية لما تمّ التثليث ودخل المشكوك في الحلال البين، وتكاثر الأخبار بل تواترها بأنه مع عدم العلم بالحكم الشرعي يجب التوقف والوقوف على جادة الاحتياط.
وأول ما يرد على تفريقه بين الشك في الوجوب والشك في التحريم: أن الأدلة التي ذكرها لنفي الوجوب جارية بعينها في نفي التحريم، وما ذكره لوجود الاحتياط من الشبهة التحريمية من دلالة الأخبار على أنه مع الجهل بالحكم الشرعي يجب التوقف، إن تمّ جرى في الشبهة الوجوبية، لأن الجهل بالحكم الشرعي حاصل في المقامين. والحق عدم وجوب الاحتياط في المقامين لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان وأخبار التوقف محمولة على التوقف عن الحكم بالوجوب أو التحريم واقعاً، لأنه قول بغير علم لا عن الحكم ظاهراً وفي مقام العمل والأمر بالاحتياط يمكن حمله على الاستحباب لمعارضته بحكم العقل.
«الخامس»: الاستصحاب فقد جعله صاحب الحدائق في مقدمات حدائقه من موارد الخلاف بين الأصوليين والأخباريين، وهذا يمكن أن يكون له وجه بالنسبة إلى أقوال القدماء من الأصوليين، أما عند المتأخرين الذين يستدلّون على الاستصحاب بإطلاق قوله (عليه السلام) إذا كنت على يقين من شيء فلا تنقض يقينك بالشك فلا مجال لأحد إلى إنكار حجية الاستصحاب.
وقد ذكر بعضهم للفرق بين الأصوليين والأخباريين: تسعة وعشرين وجهاً وعمدتها ما ذكرناه والباقي راجع إليه.
والحاصل: أنه لا مناص في معرفة الأحكام غير الضروريات من الاجتهاد، ولا مناص بمن يريد الاجتهاد من معرفة علم الأصول، ليعلم هل يجوز استعمال المشترك في أكثر من معنى؟ وهل يجوز استعمال اللفظ في معناه الحقيقي والمجازي؟ وهل الأمر للوجوب والنهي للتحريم؟ وهل يمكن اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد شخصي؟ وهل يقتضي الأمر بالشيء النهي عن ضدّه؟ إلى غير ذلك من مسائل الأصول، فإن هذه الأمور لا بد من معرفتها لمن يريد معرفة الأحكام الشرعية سواء أقلنا بأن الأخبار كلها صحيحة أم لم نقل، فإن القول بصحتها لا يغني عن معرفة هذه الأمور كما هو واضح، ولكن علم الأصول قد دخله تطويلات كثيرة من غيرنا ومنا لا لزوم لها، وقد اختصر جملة منها صاحب المعالم وأتى بما يناسب ما وصلت إليه الأفكار في ذلك العصر، واستدرك عليه من جاء بعده استدراكات نافعة، ولكنهم أطالوا إطالات توجب ضياع العمر من عهد صاحب القوانين في المائة الثانية عشرة إلى اليوم مع صعوبة العبارة، وحقق فيه الشيخ مرتضى الأنصاري تحقيقات نافعة جداً ولكنه أطال وأتى بما يمكن الاستغناء عنه، واختصره وحققه شيخنا وأستاذنا الشيخ ملا كاظم الخراساني في كتابه الكفاية لكنه أتى فيها بعبارات مغلقة، ومزج مسائله بجملة من مسائل الحكمة وكان على المتأخرين أن يهذبوا ما ألفه المتقدمون ويختصروا لا أن يأتوا بمثل ما أتوا به ويزيدوا في التطويل والتعقيد، ولو كانت المؤلفات فيه مهذبة ومختصرة لكفى لمعرفته من الزمن عشر ما كان يعرف فيه على الأقل «انتهى».
الأخباريون
ـ 2 ـ
فرقة من علماء الشيعة، تعتمد أخبار أهل البيت (عليهم السلام) مصدراً لمعرفة عقائد الدين وأحكامه الشرعية، وهي لا تستند إلى الأدلة الأخرى إلا إذا ورد من أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) ما يؤيدها.
وفي مقابل هؤلاء، يقف الأصوليون وأتباع خط الاجتهاد الذين يستنبطون الأحكام من الكتاب والسنة والإجماع والعقل، ويعتقدون أن الأخبار والأحاديث وحدها لا يمكن أن تكون مصدراً لجميع التشريعات، ولا يمكن أن تجيب على تساؤلات كل عصر وزمان.
وقد كان الشيعة قبل غيبة الإمام الثاني عشر في عام 260هـ يتعرفون على الأحكام الشرعية من الأئمة (عليهم السلام)، شفاهة أو كتابة، مباشرة أو بواسطة أصحاب الأئمة وتلاميذهم، ويعملون بظواهر هذه الأحكام فلا يجدون عسراً في ذلك. وقد دوّنت الأصول العامة لهذه التعاليم ـ في زمن الأئمة ـ في أربعمائة أصل (الأصول الأربعمائة) أو (الجوامع) ونشرت في بلاد المسلمين، فأصبحت منهاجاً للشيعة في أعمالهم من معاملات وعبادات.
ومع مرور الزمن، ظهرت مسائل ومذاهب لم تكن موجودة في زمن الأئمة (عليهم السلام)، ووضعت الروايات المتناقضة على أيدي المغرضين وأصحاب السوء، فرأى بعض علماء الشيعة وفقهائها أن ظواهر الكتاب والسنة لا يكفيان لتحرّي حقائق الأحكام الإلهية وإصدار الفتاوى الشرعية، ولذلك عزموا على الاجتهاد والتحقيق وأقبلوا على علم الكلام والأصول والعلوم العقلية الأخرى، وقارنوا أحكام الشريعة بأحكام العقل، وأضافوا إلى القرآن والأخبار، الإجماع والعقل، أساسين آخرين لتحرّي أحكام الشريعة الحقّة، ورأى هؤلاء العلماء أن بلوغ درجة الاجتهاد واجب كفائي أو واجب عيني، وتقليد عامة الناس للمجتهد واجب عيني، سمّيت هذه الجماعة بأهل الاجتهاد، واشتهر علماؤها بالأصوليين لدراستهم أصول الفقه وأصول الحديث واهتمامهم بهذه الأصول. وقد سبق علماء السنة في هذا الانقسام علماء الشيعة، فقد انقسم فقهاء السنة من قبل إلى قسمين، فجماعة تبعت أبا حنيفة النعمان بن ثابت (المتوفى عام 150 هـ) في إعمال الرأي والقياس في استنباط الأحكام الشرعية، وكانت جماعة أخرى ظاهرية تعتمد الحديث في معرفة الأحكام الشرعية.
وفي القرن الثالث الهجري تلقب بعض زعماء الشيعة بالظاهريين، لأسباب ذكرها التاريخ، فكانوا أتباعاً لابن داود الظاهري (المتوفى عام 297 هـ).
ولعل أقدم الكتب التي أوردت اسم الأخباريين لجماعة من الشيعة، كتاب الملل والنحل، تأليف محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (المتوفى عام 548هـ ) الذي يرجع تأليفه إلى عام 251هـ. فهو يتحدث عن نزاع الأخباريين ومعارضيهم.
وورد تفصيل اعتقادات الأخبارية والأصولية والخلافات بينهما لأول مرة في كتاب النقض لعبد الجليل القزويني، المصنف عام 565هـ. ويبدو ميل المؤلف واضحاً إلى جانب الأصوليين.
ومن بين القدماء الذين أيدوا خط الاجتهاد وعارضوا الأخباريين، ابن إدريس محمد بن أحمد العجلي الحلي (المتوفى عام 598هـ )، حيث انتقد آراء الأخباريين في كتابه السرائر ولكن ليس ثمة أثر لردود الأخباريين المعاصرين لابن إدريس في اعتراضاته عليهم.
يعتبر الميرزا محمد أمين بن محمد شريف الأسترآبادي (المتوفى عام 1033هـ) مؤسس خط الأخباريين وأقدم الشارحين لعقائدهم وأول المؤلفين في هذه الفرقة.
كان الأسترآبادي في بداية أمره أحد المجتهدين، حيث أخذ إجازة الاجتهاد من السيد محمد بن علي بن الحسين العاملي صاحب كتاب مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام، وخاله الشيخ حسن ابن الشيخ زين الدين (الشهيد الثاني) صاحب كتاب معالم الدين وملاذ المجتهدين، وقد امتدحه هذان العالمان في إجازتيهما له ووصفاه، بصاحب الفضائل العلمية والكمالات الأخلاقية.
وقد ورد في مؤلفاته أنه لم يمضِ في العمل بالاجتهاد بعيداً حتى عدل عن الاجتهاد ونأى بنفسه عن المجتهدين ليلتحق بالأخباريين. ومن الأسباب الرئيسية التي أحدثت هذا التغيير في رأيه إرشادات أستاذه محمد بن علي بن إبراهيم الفارسي الأسترآبادي (المتوفى عام 1028هـ) ونفوذه المعنوي، وقد كان هذا يميل إلى مشارب الأخباريين ومبادىء العرفان ويخاصم المجتهدين. وقد كتب محمد شريف الأسترآبادي في رسالته الفارسية (دانشنامه شاهي) أن طريقة الاجتهاد أمر جديد بين الشيعة، وجميع فقهاء السلف كانوا حتى أواخر عصر الغيبة الصغرى يعملون بالطريقة الأخبارية، ثم يقول: «…حتى وصل الأمر إلى أعلم العلماء المتأخرين في علم الحديث والرجال وأروعهم، أستاذ الكل في الكل، الميرزا محمد الأسترآبادي نور الله مرقده الشريف. فبعد أن علّمني جميع الأحاديث أشار عليّ أن أحيي طريقة الأخباريين وأدفع عنها شبهات المعارضين، وقال لي: لقد كان هذا الأمر يجول في خاطري ولكن ربّ العزّة قدّر أن يجري على قلمك. ثم إني بعد أن أخذت جميع العلوم المعروفة من أعظم العلماء، طفقت أفكر وأتدبّر الأمر في المدينة المنورة لبضع سنين، وأنشأت أتضرّع لرب العزة وأتوسّل بأرواح أهل العصمة وأعيد النظر مرة أخرى في أحاديث وكتب العامة والخاصة بكل تعمّق وتأمّل، حتى استطعت بتوفيق رب العزة وبركات سيّد المرسلين والأئمة الطاهرين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين أن أمتثل لإشارة لازم الإطاعة، فوفقت لتأليف «الفوائد المدنية» وتشرفت بعرضها على شخصه الشريف فطالعها، واستحسنها رحمه الله وأثنى على مؤلفها».
ولعلّنا لا نبالغ إذا قلنا إن أهم كتب الأخبارية وأكثرها شمولية وأقواها استدلالاً، كتاب «الفوائد المدنية في الرّد على القائل بالاجتهاد والتقليد في الأحكام الإلهية» الذي فرغ منه صاحبه في ربيع الأول عام 1031هـ، واطّلع الميرزا محمد الأسترآبادي على بعض أجزائه فاستحسنها (لم يطلع على جميع الأجزاء لأنه توفي قبل الفراغ من تأليف الكتاب بثلاث سنوات).
هاجم المؤلف في كتابه هذا المجتهدين والأصوليين هجوماً شديداً وخطّأ آرائهم ودعاهم إلى العمل بنصوص أخبار المعصومين (عليهم السلام). ويشتمل هذا الكتاب على مقدمة واثني عشر فصلاً وخاتمة، وقد لخّصه الخوانساري في روضات الجنات.
لفت هذا الكتاب ـ لأهميته الكبيرة أنظار علماء الشيعة منذ زمن تأليفه، فقد استفاد منه المجلسي في بحار الأنوار فوائد جمّة، وردّ عليه بعض المجتهدين ونقضوا استدلالاته، ومنهم السيد نور الدين بن علي العاملي أخو السيد محمد صاحب المدارك، والسيد دلدار علي النقوي الهندي (المتوفى عام 1235هـ)، فأما الأول فأسمى ردوده بالفوائد المكية في مداحض حجج الخيالات المدنية ونقض أدلة الأخبارية، وأما السيد دلدار علي الهندي فأسماها «على أساس الأصول». والسبب في تسمية الأسترآبادي لكتابه بالفوائد المدنية، أنه كان خلال تأليفه مجاوراً للمدينة المنورة.
يتحدث الأسترآبادي عن بداية توجهه إلى مشرب الأخبارية قائلاَ: «كان أستاذي الأول الذي درست على يده في عنفوان شبابي في النجف… السيد محمد صاحب مدارك الأحكام وهو يقول في بداية كتابه هذا: يكون الإجماع حجة إذا حصل علم قطعي بدخول قول المعصوم في جملة أقوال المجمعين، أما إذا كان المراد بالإجماع المعنى المشهور فهو ليس بحجة، لأن الأدلة الشرعية منحصرة في الكتاب والسّنّة… وقال في ذمّ الاجتهاد: على حدّ علمي، فإن أوائل الذين غفلوا عن طريقة أصحاب الأئمة، وتوجهوا إلى فنّ الكلام وأصول الفقه اللذين يبنيان كليهما على الأفكار العقلية لدي العامة، هم محمد بن أحمد بن جنيد (م381هـ)، والحسن بن علي بن أبي عقيل العماني من علماء القرن الرابع الهجري، فالأول كان يعمل بالقياس والثاني اشتهر بعلم الكلام. ثم تبعهما الشيخ المفيد محمد بن محمد (م413هـ)، فأحسن الظن بهما ودرّس تصانيفهما لأصحابه، ومنهم: الشريف المرتضى (م436هـ)، والشيخ أبو جعفر الطوسي (م460هـ)، وهكذا شاعت الأصول وعلم الكلام بين علماء الشيعة حتى وصل الأمر إلى العلامة الحلي (م726هـ) فالتزم قواعد أصول أهل السّنّة في تصانيفه، ثم تبعه في ذلك الشهيد الأول، والشهيد الثاني، والشيخ على الكركي رحمهم الله فعملوا بالأصول وقسم الأخبار للمرة الأولى العلامة أو أستاذه جمال الدين بن طاوس إلى أربعة أقسام: الصحيح والحسن والموثق والضعيف، ثم تبعه في هذا المنحى الشهيد الأول (م786هـ)، والشيخ علي بن عبد العال الكركي (م904 أو 907هـ)، والشيخ زين الدين الملقب بالشهيد الثاني (م966هـ)، وابنه الشيخ حسن صاحب المعالم والمنتقى، والشيخ بهاء الدين محمد العاملي (م1030هـ) وسائر الفقهاء. والسبب في ظهور هذه العقيدة الجديدة هو غفلة العلامة عن كلام قدماء الشيعة التي أصابته بسبب أنسه بكتب أهل السّنّة».
ثم يورد الأسترآبادي في كتابه الفوائد المدنية أدلة عدم جواز الاستناد إلى الإجماع ووجوب التمسك بأخبار الأئمة الأطهار، ويذكر بعد ذلك الكشف الذي حصل له في هذا المجال في مكة المكرمة فيقول: «رأيت في الحرمين الشريفين بين الحلم واليقظة أبواباً مفتحة للوصول إلى الحق في هذه المقامات ورأيت بعين البصيرة مصداق الآية الشريفة: «وَالَّذِيْنَ جَاهَدُوْا فِيْنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا». ففي إحدى ليالي الجمعة في مكة المعظمة، شاهدت في المنام رجلاً حسناً يتحدث إليّ ويطمئن قلبي بقوله تعالى: «وَمَنْ يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ اُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً». والسبب في ذلك أني كنت حزيناً لضياع بعض الفرص مني، فلما فرغت في تلك الليلة من صلاة الوتر غفوت قليلاً، فجاءتني هذه الرؤيا. وعندما استيقظت عند طلوع الفجر، أخذت كتاب الكافي ورأى فيه: ما ورد في هذه الآية، يقول فيه: إن المراد بالخير الكثير هو أهل البيت (عليهم السلام)».
يرى الأسترآبادي في أخبار المعصومين (عليهم السلام): مفتاحاً لفهم القرآن والسّنّة النبوية، ولا يمكن معرفة معاني آي القرآن دون أخبار آل محمد (ص)، فبغير هذه الأخبار تبقى الآيات متشابهات لا يمكن الاستفادة منها كأدلة قاطعة. وهو يرى أيضاً أن جميع أخبار المعصومين (عليهم السلام) الواردة عن طريق الرجال الموثوقين هي صحيحة وقطعية، ويصدق هذا الأمر حتى في خبر الواحد ـ الذي ينقل عن طريق شخص واحد ـ إذا كان رواته ثقاة ومعتمدين ومنزّهين عن الكذب، فحينذٍ يجب الأخذ بهذا الحديث والعمل به.
ومن ثم فهو يعتقد بصحة كل ما ورد في كتاب: الأصول الأربعمائة الذي يشتمل على أخبار ما قبل غيبة الإمام والكتب الأربعة أي: أصول الكافي تصنيف محمد بن يعقوب الكليني ومن لان يحضره الفقيه تصنيف الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمي وكتاب التهذيب وكتاب الاستبصار تأليف أبي حعفر الطوسي، وأن صحة هذه الأخبار ثابتة، ويحق للمكلفين العمل وفقاً لها، ويسري هذا الأمر حتى على الأحاديث التي أصدرها الأئمة تقية، ولا يُستثنى منها إلا الأحاديث التي ورد التصريح بضعفها في كتابَيْ التهذيب والاستبصار.
ويعتقد الأسترآبادي في حال عدم ورود حديث عن المعصوم بجواز عمل ما أو عدم جوازه بوجوب الاحتياط في هذا العمل وتركه (كاستعمال الدخان مثلاً) لأنه حينئذٍ من الشبهات، وفي حال تعارض الروايات الواردة عن الأئمة (عليهم السلام) في شأن عمل ما يكون العمل بالرواية التي عمل الأئمة بها، فإذا لم يحصل العلم بسنّة الأئمة، وكانت جميع هذه الأخبار صحيحة وواردة بطرق صحيحة، وجب حينئذٍ التوقف، أي لا يمكن الاستناد إلى أي منها، ولكن إذا ما عمل أحدهم برواية منها فلا يعدّ مذنباً، ولا يلام على عمله.
ويرى الأسترآبادي وأتباعه أن الإجماع لا يعدّ حُجّة إذا كان بمعنى اتفاق آراء علماء جيل معين أو عصر معين في أمر بعينه ما لم يكن هذا الإجماع مقترناً بقول الإمام الذي يثبت صدوره عن الإمام بالأخبار الصحيحة وهذا أمر قليل الحدوث.
ويرون أيضاً أن العمل بالقياس أمر مردود وهو من مكائد الشيطان حين قاس نفسه بالإنسان وعصى أمراً واجباً حين قال: «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِيْنٍ» والقياس من أدلّة الحنفيّين.
وترى الأخبارية: أن الوضع الشرعي والأدلة القانونية للشيعة لم يطرأ عليها تغيير قبل غيبة الإمام وبعدها، لأن الأئمة (عليهم السلام) أكدوا أن كل المسائل الشرعية المبتلى بها واردة في أحاديثهم، وكل الشيعة مقلّدون للأئمة، ومن ثم فهم يقدرون بأنفسهم بشرط معرفتهم باللغة العربية وأن يكونوا قد بحثوا أحاديث الأئمة (عليهم السلام) ـ أن يستخرجوا تكليفهم الشرعي بصورة مباشرة من نفس الأحاديث، ومن الممكن أن يكون ما توصّل إليه المرء عن هذا الطريق غير موجب لليقين الواقعي ولا مطابق للرضا الإلهي، ولكن هذا القطع العادي الذي يتوصل إليه يكفي لتحديد التكليف الشرعي، وهذا غير الظن الذي يعتبره الأصوليون حجة ويعدّونه قريباً من العلم واليقين ويعتمدونه وسيلة لاستنباط الحكم الشرعي ومعرفة مفهوم الخبر. والعمل بالأخبار وحجيّة ظواهرها بجعل الأحكام الشرعية تدور حول محورٍ واحدٍ ويصون القوانين الإلهية من التحريف والتغيير، حتى ولو كان أصحاب هذه الأحكام وهم الفقهاء قد ماتوا، وهذا ما يصطلح عليه باسم (البقاء على تقليد الميّت) الذي لا يقرّه أغلب الأصوليين ويقولون: بأن كل جيل يحتاج إلى مجتهدٍ معاصرٍ له ليوافق بين أحكام الشرع ومتطلبات العصر.
وإذا كان الخلاف بين الأخباريين والأصوليين لا يبلغ مدى الخلاف بين السنة والشيعة، فإن بين الفرقتين خلافات تصل إلى المنازعات العنيفة بين علماء الجانبين.
وقد تحدّث الشيخ عبدالله بن صالح السماهيجي البحراني (م1135هـ) في كتابه (منية الممارسين في أجوبة سؤالات الشيخ ياسين) عن الاختلاف بين الفرقتين فعدد أربعين فرقاً، وعدّ الميرزا محمد الأخباري (م1233هـ) هذه الفروق في كتابه (الطهر الفاصل بين الحق والباطل) فبلغت ستة وثمانين فرقاً. وذكر هذه الفروق علماء آخرون منهم بعض علماء الأخباريين مثل: السيد نعمة الله الجزائري في كتاب منبع الحياة، والملاّ رضي القزويني في كتاب لسان الخواص، ومنهم: بعض أعداء الأخباريين مثل الشيخ جعفر الكبير في كتاب حق اليقين، وذكر كل عالم منهم هذه الفروق حسب طريقته وهي تنتهي في حقيقتها إلى الفروق الخمسة.
أقبل فقهاء الشيعة على مؤلفات محمد أمين الأسترآبادي، ولفتت الطريقة الأخبارية أنظارهم. وتوسّعت هذه الطريقة في القرنين الحادي عشر والثاني عشر في عموم بلاد الشيعة وخصوصاً في العراق وسواحل الخليج الفارسي وإيران.
ودوّن علماء الأخبارية مجموعة كبيرة من كتب أخبار أهل البيت، أهمها كتاب الوافي، تصنيف الملا محسن فيض الكاشاني (م1091هـ)، وكتاب تفصيل وسائل الشيعة إلى أحكام الشريعة تأليف الشيخ الحرّ العاملي (م1104هـ) وكلا هذين المؤلفين من الأخباريين، وكتاب بحار الأنوار للشيخ باقر المجلسي (م1111هـ) وهو أخباري معتدل.
ضعف خط الأصولية بعد بروز الاسترآبادي وصنّفت كتب كثيرة في تأييد الطريقة الأخبارية منها: إحياء معالم الشيعة، تأليف عبد علي أحمد بن دراز البحراني (م1177هـ)، ومنية الممارسين في أجوبة سؤالات الشيخ ياسين، تأليف عبدالله بن صالح السماهيجي البحراني (م1135هـ)، وسفينة النجاة تأليف الملا محسن فيض الكاشاني، والفوائد الطوسية تاليف السيد محمد المحدث العاملي، وهداية الأنوار تأليف الشيخ حسين شهاب الدين العاملي (م1076هـ)، والفوائد الغروية تأليف الشيخ أبي الحسن الغروي (م1138هـ). ولسان الخواص تأليف رضي الدين القزويني، ومؤلفات الميرزا محمد الأخباري. ووضع السماهيجي في مقدمة كتابه (رياض الجنان) قصيدة في مدح أهل البيت وذمّ المجتهدين، ويذكر فيها أن محيي مشرب الأخبارية هم: الشيخ الحرّ العاملي والميرزا محمد أمين الأسترآبادي، والملا محسن فيض الكاشاني. وقصيدته هذه تظهر عقائد علماء الأخبارية وأسلوب تفكيرهم وتمثل أنموذجاً من أدبهم ومطلعها:
| يا قائلاً بالاجتهاد تجاف عن | سبل الخطا وعليك بالمسموع | |
| من آل بيت محمد وثقاتهم | إذ ليس حكم الظن كالمقطوع |
ومن الأخباريين المعتدلين الملا محمد تقي بن مقصود علي المعروف بالمجلسي الأول (م1070هـ) الذي ذكره الميرزا محمد أمين الأسترآبادي بتأييد واحترام. وهو في شرحه العربي على من لا يحضره الفقيه يعتقد بصواب طريقة الأسترآبادي في عدم أخذه بحجية العقل ويقول: « إن الأدلة العقلية التي ذكرها بعض الأصحاب ورتبوا عليها أحكامهم هي في أغلبها غير قابلة للاعتماد، وكان الحق مع الفاضل الأسترآبادي رضي الله عنه في أكثر الانتقادات التي أوردها على هذه الأدلة».
ويقول في الفائدة السادسة من شرحه الفارسي على من لا يحضره الفقيه: «ومن الأمور الأخرى التي لا يليق ذكرها الاختلافات القائمة بين الشيعة، فكلٌّ يعمل حسب فهمه للقرآن والسنّة، ويتبعهم المقلدون في هذا العمل، حتى انبرى الفاضل المتبحّر مولانا محمد أمين الأسترآبادي قبل ثلاثين سنة، واشتغل بمقابلة ومطابقة أخبار الأئمة المعصومين (عليهم السلام) وطالع انتقادات الآراء والمقاييس، فاختار طريقة أصحاب حضرات الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، ومن ثم صنف كتاب (الفوائد المدنية) وبعث به إلى هذه البلاد فاستحسن أكثر أهل النجف والعتبات المقدسة طريقته، ورجعوا إلى الأخبار، وفي الحقيقة فإن ما قاله مولانا محمد أمين هو الحق». (روضات الجنات، 48).
ومن جملة الأخباريين المعتدلين الآخرين: الملا عبدالله بن الحاج محمد التوني البشروي (م1071هـ)، والشيخ عبد علي بن جمعة العروسي الحويزي صاحب كتاب نور الثقلين والسيد نعمة الله الجزائري (م1112هـ)، والشيخ محمد الحر العاملي، والسيد صدر الدين الهمداني، والشيخ يوسف البحراني (م1186هـ) وهؤلاء على الرغم من ميولهم إلى مسلك الأخباريين، إلا أنهم لهم نظراتهم المستقلة.
واشتهر الوحيد البهبهاني ـ الملقب بأستاذ الكل في الكل ـ بين المجتهدين بلقب المروج، لنزاعه الشديد مع الأخباريين، واستطاع هذا العالم بتأليفه كتاب الاجتهاد والأصول أن ينفخ في مشرب الأصوليين روحاً جديدةً بعد أن ظلّ ضعيفاً لقرنين لا يقوى على منازلة الأخبارية واستطاع بهذا الكتاب أن يهزم الأخباريين.
وطفق البهبهاني في كربلاء، يخطىء الأخباريين ويذمّهم علناً ولم يجز الصلاة خلف الشيخ يوسف البحراني، وضيّق عليه الأمر، حتى أخذ طلابه يخشون العوام فيتخلون عن درسه ويتوجهون إلى درس الوحيد البهبهاني، وحتى ابن أخت البهبهاني السيد علي صاحب الرياض كان يستلّ نفسه خلسة تحت جنح الظلام ويذهب إلى درس الشيخ البحراني.
ووصل النزاع بين الطرفين في تلك الأيام غايته وبلغت حدّ التكفير في بعض الأحيان. ويتحدث خاتم فقهاء الأخباريين الميرزا محمد الأخباري عن سلوك البهبهاني الحادّ مع الأخباريين فيقول: «هو مجتهد صرف، قليل التحصيل، وكتبه تشهد على ذلك، وقد كان مخالفاً بشدة لأهل الحديث حتى اندثرت علوم أخبار أهل البيت (عليهم السلام) في عهده وأضحت شيئاً قديماً، وتطاولت ألسن الأعداء على المحدثين حتى بلغ بهم الأمر إلى وصف الأخباريين وأهل الحديث بأهل البدعة، وأصدر فتواه بإخراجهم ولو كان بإمكانه قتلهم جميعاً لفعل، ونتيجةً لذلك أصبح المحدث البارع الذي أمضى عمره في «قال الله» و «قال الرسول» أذلّ من اليهود والمجوس«… (روضات الجنات 629).
برزت آخر محاولات الأخباريين لإعادة شأنهم وتقوية شوكتهم على يد الميرزا محمد بن عبد النبي النيسابوري المعروف بالأخباري (1178ـ 1233هـ).
ولد هذا العالم في (أكبر آباد) من بلاد الهند، وبعد دراسة المواد المتعارف عليها سافر إلى الحج ثم استقر في العتبات المقدسة في العراق عام 1198هـ، وسلك هناك مسلك الأخباريين ودافع عن أفكارهم بكل صلابة وحماسة. وعارض الأصوليين وأفكارهم. ومن الطبيعي أن يكون ردّ الأصوليين عليه شديداً وخاصة السيد محمد المجتهد المعروف بالمجاهد والشيخ جعفر النجفي، اللذين شنا عليه حملة شديدة لا هوادة فيها فضاق الأمر على الأخباري وأصبح سكنه في النجف غير ممكن فاضطر إلى الرحيل إلى إيران، ولجأ فيها إلى بلاط فتح علي شاه. فكتب عدوه اللدود الشيخ جعفر كتاباً، أسماه «كشف الغطاء عن معايب الميرزا محمد عدو العلماء» وبعث به إلى فتح علي شاه، وقد ضمن كتابه هذا تهماً للميرزا محمد تشبه التهم التي وجهها هذا إلى المجتهدين.
انتهى الأمر بالميرزا محمد النيسابوري الأخباري إلى القتل في مدينة الكاظمية.
انقرض الخط الأخباري بعد الميرزا محمد تقريباً وأصبحت كربلاء والكاظمية مركزين لعلماء الأصول بعد أن كانتا مركزاً للأخباريين.
ولم يظهر في إيران أيضاً عالم أخباري كبير، وأصبحت كرمان مركزاً للشيخية من أتباع الشيخ أحمد الأحسائي (م1241هـ) بعد أن كانت أحد مراكز الأخباريين في إيران. ولا تزال تشاهد بقايا الأخبارية في خرمشهر وعبادان والبصرة([64]).
وإلى الآن لا يوجد تحقيق دقيق يتناول المقدمات السياسية والاجتماعية لظهور الفقهاء الأخباريين، وتاريخ تكامل هذا الخط والأسباب التي أدّت إلى حدوث النزاع بين الأخباريين والأصوليين، وكذلك أسباب روجان الأخبارية ثم انحطاطها والعلل التي أدّت إلى غلبة المجتهدين منذ زمن القاجاريين وما بعده، وإطلاق العنان لهم وتقويم الخدمات التي أسداها الأخباريون إلى الحديث والفقه الشيعيين.
وقد كان الوحيد البهبهاني وسائر الأصوليين بعد تغلبهم على الأخباريين يطلقون عليهم أسماء: الحشويين والظاهريين والقشريين والأشعريين والرجعيين ومخالفي العقل والمنطق ولم يتوانوا عن شتمهم وتكفيرهم.
لا شك أن أغلب فقهاء الأخبارية لا سيما الشيخ الحر العاملي والميرزا محمد أمين الأسترآبادي، والفيض الكاشاني والمجلسي، ونعمة الله الجزائري، والشيخ يوسف البحراني كانوا من العلماء المتبحرين والمحدثين الأتقياء الموثوقين وكانوا في قوة الاستدلال ونفوذ الكلمة لا يضاهون في عصرهم، وكانت دروسهم ومساجدهم عامرة بالطلاب والمؤمنين المصلّين وهؤلاء العلماء جميعاً كانوا يرجحون كلام المعصوم (ع) وأحاديث الأئمة (عليهم السلام) على سائر الأدلة الأخرى، بينما كان المجتهدون يحاولون باستنادهم إلى القواعد الأصولية واتكائهم على البراهين العقلية واتّباعهم لمختلف أساليب الاستدلال أن يجعلوا حكم العقل هو الأساس، ويسعون لتطبيق حكم الشرع عليه، فإذا لم يتوافق حكم العقل مع أخبار آل محمد (ص) فإما أن يؤولوا الخبر أو يرفضوه وبعبارة أخرى فهم كانوا عقليّين في أغلب الأحيان.
يتحدث السيد نعمة الله الجزائري عن ذلك فيقول: «… قال المجتهدون: إذا لم يتوافق الدليل العقلي مع الدليل النقلي فإما أن نرفض الدليل النقلي وإما أن نفسره بما يوافق الدليل العقلي، وهؤلاء قبلوا في مسائل الأصول بأمور لا تقرّها الأدلة النقلية مثل نظرية نفي الإحباط… وإنكار سهو النبي… في حين توجد لها أدلة كثيرة في أخبار الأئمة (عليهم السلام)… وإلى الآن لا يوجد دليل عقلي واحد يقرّه جميع العقلاء، وقد اعترفت جماعة من المحققين بعدم وجود دليل واحد من الأدلة العقلية يثبت الواجب».
وعندما رأى الأخباريون عدم إمكان إثبات أصول الدين عن طريق العقل والإجمال والقياس، رأوْا أن الطريق الصواب يكمن في الاعتماد على كلام المعصوم (ع) وقالوا: إن أخبار آل محمد هي المفسّر القاطع لمتشابهات القرآن.
في تلك الأيام سيطر الأشاعرة وأهل الحديث من أهل السنة على الحوزات العلمية في الحرمين الشريفين في بلاد الحجاز ـ لأسباب لا محل لذكرها هنا ـ وجعلوا ظواهر الكتاب والسنة وأصول مذهب مالك وابن حنبل أساساً للفقه والفتوى.
كانت عقيدة هؤلاء الظاهريين رائجة في بلاد الحجاز، وهي تعتمد حجية ظاهر الآيات والأحاديث وتخالف الاجتهاد والرأي والقياس، وقد أرسى دعائمها في بغداد من قبل أبو سليمان داوود الأصفهاني، (م270هـ) وابنه محمد بن داوود (م297هـ) ثم تبنّاها بعض العلماء مثل ابن تيمية وابن حزم.
وتحت تأثير هذه الأجواء العلمية تربّى الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي (1115ـ 1206هـ) وشاه وليّ الله أحمد بن عبد الرحيم الفاروقي الدهلوي (1110ـ 1176هـ)، فأسس الأول الفرقة الوهابية في نجد، وأسس الثاني مسلك أهل الحديث في الهند. وأغلب الظن أن الميرزا محمد الأسترآبادي وتلميذه محمد أمين الأسترآبادي قد تأثرا بأجواء الحرمين العلمية، فأسسا الطريقة الأخبارية.
ومع تطور العلوم العقلية ورواجها، انطوت صفحة القبول بالمنقولات دون مناقشتها فعمد مراجع الشيعة في العراق وإيران إلى تطبيق الأحاديث على الأدلة العقلية أو تأويلها، وإلا رفضوها، ليصونوا بذلك الناس من الانحراف وليتمكنوا من خلال الاجتهاد وتحكيم العقل وإصدار الأحكام الثانوية من إبقاء التشيع مرناً وقابلاً للتّكيّف مع كل عصر وزمان.
وفي الحقيقة فقد كان الشيعة يشعرون على الدوام بحاجتهم إلى وجود قائد ديني يجبر إلى حد ما بحضوره العيني غياب الإمام ويستطيع باستناده إلى العقل والأدلة الشرعية وضع نظام قانوني وشرعي للشيعة، يتّصف بالمرونة وتلبيته لمتطلبات العصر. بينما نرى الخط الأخباري يُغفِل هذا الجانب ولذلك حكم عليه بالانقراض وطواه النسيان.
الحركة الأخبارية
وحقيقة الصراع الأصولي
ونترك الكلام هنا للأستاذ جودة القزويني:
بدأت العلاقة بين مؤسسة الفقهاء، والسلطة الصفوية في عهد الشاه عباس الصفوي تنحو منحى معقّداً نظراً للنفوذ الذي يتمتع به الفقهاء، فقد أصبحت العلاقة بين المؤسستين علاقة متداخلة بحيث شكلت جانباً خفيّاً من الصراع كان امتداداً لصراع المؤسستين (مؤسسة الاجتهاد ومؤسسة الدولة) في العهد المبكر من قيام الدولة الصفوية. وبالرغم من أن هذا الصراع كان صراعاً عنيفاً وخفيّاً إلا أن مؤسسة الفقهاء استطاعت أن تثبت أقدامها، وتستحوذ على مؤسسات مهمة في الدولة كان لها دعمها الكبير في قطاع المجتمع الإيراني.
وقد صاحب المزج بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية في العهد الصفوي انتقال التّشيّع إلى مرحلة تحوّل حاسمة تشير إلى طبيعة موقف الشيعة من الزعيم الديني، فلم يَعُد ـ كما كان بالنسبة لهم منذ الغيبة الكبرى ـ الحاكم الروحي فقط، وإنما أصبح الحاكم الزمني كذلك. من هنا بدأت صلة رجال الدين بالدولة تنحو إلى ضرب من التعقيد لم تزده الأيام إلا حدّة([65]).
وبالرغم من خطوات الشاه عباس في إبقاء الصلة بفقهاء كبار كالبهائي([66]) إلا أن الصلة بين الزعامتين السياسية والروحية أخذت تضعف بمرور الزمن، وقد شكّل ظاهرة سياسية دينية في أخريات أيامه([67]).
إن الأوضاع السياسية في إيران أخذت تستقر عند مجيء الشاه عباس إلى السلطة (بعد الصراعات التي حدثت داخل الأسرة الصفوية للاستحواذ على الحكم) ـ خصوصاً بعدما عقد صلحاً مع الدولة العثمانية عام (996هـ ـ 1590م) الأمر الذي ساعد على ظهور نهضة علمية باهرة ازدهرت على يد فلاسفة، ومتكلمين إيرانيين كان لهم الدور الكبير في إيحاء المنحى العقلي عند الشيعة، وكان على رأس هؤلاء محمد باقر الداماد (1040هـ/ 1630م)، وصدرالدين الشيرازي(1050هـ/1640م).
وبدأ ثقل المدرسة الشيعية خلال هذا العهد في إيران يظهر بشكل ملحوظ بعدما أخذ دور مدرسة النجف ـ الذي ازدهر في الوقت نفسه على يد أحمد الأردبيلي ـ بالضمور.
ومن خلال الأجواء التي ولدتها الحالة الجديدة للدولة الصفوية ظهرت تيارات مختلفة (عقلية، فلسفية، سلفية، صوفية) اتّحدت جميعها ضدّ ما تبقّى من مؤسسة الفقهاء الذين لم تزل تأثيراتهم قائمة في السلطة، فقد التقى الموقف السلبي عند العقليين من الفلاسفة مع الموقف السلبي عند السلفيين، وقد أظهر صدر الدين الشيرازي ردود الفعل الفلسفي تجاه الفقهاء الذين أغرقوا أنفسهم في سياسة الدولة الصفوية، وقد نسبهم إلى نقصان المعرفة، كما أوضح أن أهدافهم هي أهداف سياسية لا تتعدى إخضاع الناس لفتاواهم، وأوامرهم التسلطية([68]).
ومهما يكن من أمرٍ فإن التيار العقلي لم يؤثر على السياسيين من الفقهاء بمقدار تأثير التيار السلفي الذي تزعّمه فقهاء من المدرسة الشيعية.
فقد تحولت ردود الفعل تجاه تدخل الفقيه بشؤون الدولة إلى تيار قوي أثّر على تطور مدرسة الاجتهاد ما يقارب القرنين من الزمن، واستطاع هذا التيار أن ينتشر خارج إيران، ويستحوذ على مساحة ليست بالقليلة من الساحة الشيعية.
وقد استفادت الحركة السلفية التي سُمِيَت فيما بعد «بالحركة الأخبارية» من الأوضاع المتناقضة في سياسة الدولة الصفوية في تعزيز مواقعها. ومحاولة حسر تيار الفقهاء الذين تمركزوا في ثقل الدولة.
إن ظهور الحركة الأخبارية وتمركزها بشكل عنيف في قلب الأحداث كان عاملاً من عوامل تقوية السياسة الصفوية المتمثلة بالشاه عباس الكبير، وإضعاف خصومه التقليديين من الفقهاء، لذا بدأت عوامل دعم لأقطاب هذا الاتجاه حتى ظهر الداعية الأخباري محمد أمين الأسترآبادي (1033هـ ـ 1623م) محاولاً القضاء على خط الفقهاء قضاءً تاماً، ومبرماً.
إن حياة الأسترآبادي، وإن كانت غامضة إلا أن نشأته في (إيران)، وهجرته إلى (العراق)، ثم استقراره في (الحجاز) تدل على أن الرجل كان مدعماً بخطة هادفة من شأنها أن توقف تيار الاجتهاد (الأصولي)، وتستأصل المؤسسة الاجتهادية من الأساس.
وإن أمراً مثل هذا لهو في النتيجة يخدم توجهات الصفويين أولاً، والذين باتوا في ضيق من هذه المؤسسة والعثمانيين ثانياً الذين لم يرغبوا باستقلال المؤسسة الدينية عن قبضة السياسة الرسمية للدولة، من هنا فإن حصول الانقسام داخل الكيان الشيعي نفسه بإيجاد مؤسسة فقهية أخبارية ستكون بمثابة البديل عن المؤسسة الفقهية الاجتهادية، والمنافس لها على الأقل، هو في واقعه يخدم الطرفين معاً.
لذلك فقد اتخذت الحركة الأخبارية في صراعها مع مؤسسة الاجتهاد السّمة العلمية، وأعدّت برنامجاً تصحيحياً يتطلع للعودة إلى الينابيع الأولى للفقه الشيعي
وقد اتخذ الأخباريون مستنداً تاريخياً لهم بالتمسك بأخبار «المعصومين» مقابل ما أنتجه المجتهدون من طرق لاستنباط الأحكام الشرعية من مواردها الشرعية باستخدامهم لأدلة الأحكام التي ترجع إلى (الكتاب، السّنّة، الإجماع، العقل).
***
بدأت جذور الحركة الأخبارية بالاتساع بعد عصر الشاه طهماسب، وبالتحديد منذ سنة (985هـ/1577م حتى سنة 996هـ/1587م)، وظهرت كتيّار رافض لأعمال فقهاء السلطة الصفوية، كما أن الصراع الصفوي ـ العثماني كان سبباً في تشجيع هذا التيار، خصوصاً وأن العثمانيين كانوا قد استولوا على الحجاز([69]) التي أصبحت مركزاً مناوئاً للصفويين.
قادت الدولة العثمانية ضد الصفويين في هذا الوقت بالذات (بعد وفاة الشاه طهماسب) حملة دعائية كان العنصر الفعّال فيها أبناء فارس([70])، وقد استغلّ العثمانيون الاتجاهات المعادية للصفويين، وحاولوا مساندتها، فقد كانت منطقة (الحجاز) مركزاً للمعارضين السنيين والشيعيين على السواء، وكان الميرزا مخدوم الجرجاني (من التيار السني) 995هـ/1589م) قد جاء من إيران إلى مكة لغرض نشر وثيقة ما اعتبره الفضح السياسي والديني المسماة «بالنواقض لبنيان الروافض» والتي لم تقتصر على ذكر نواقض الحكم الصفوي، بل تعدته إلى الطعن بالفكر الشيعي أيضاً([71]).
وقد اعتقد الفقهاء الرافضون للسياسة الصفوية أن المثالب التي وجهها الميرزا مخدوم إلى الفكر الشيعي كانت بسبب تطرّف المجتهدين الذين خدموا الدولة الصفوية، مع علمهم، أو غفلتهم عن نهي الأئمة من الدخول في خدمة الحكام([72]).
ومضافاً لما تقدّم من أن الحركة الأخبارية كانت ردّة فعل لتدخل المجتهدين بالسياسة، فإن الأخباريين حاولوا الظهور بمظهر الحفاظ على الأصالة النظرية للمذهب الشيعي وفقاً للنصوص الدينية الواردة عن الأئمة في الابتعاد عن السياسة وتبرير عمل الحاكم، وهم بذلك أرادوا تنزيه المذهب من الشبهات التي لحقت به من جراء تدخّل الفقهاء بالسياسة.
ومن جهة أخرى فإن السلطة الصفوية استهدفت بدورها إضعاف مؤسسة الفقهاء داخل إيران، واشتغالها بتيارات تستهدف زعزعة كيانها الفكري. بمعنى آخر تحويل حالة القوة التي تتمتع بها المؤسسة الاجتهادية إلى قوة دفاعية فقط أمام الهجمات العنيفة للأخباريين، والتي بدأت تشك حتى في شرعية وجودهم.
ومن المحتمل جداً أن السياسة التي انتهجها عباس الصفوي في علاقاته مع أوروبا، وانفتاحه على بريطانيا بشكل خاص حتى أوكل أمر تسليح الجيش الإيراني إلى ضابط إنكليزي، وأسند إليه واجبات قيادية([73]) لا يمكن أن تتمّ دون إضعاف التيارات التي قد تقف أمام سياساته المستقبلية.
وكان الشاه عباس يحرص على اجتماع القيادتين السياسية والدينية فيه لكي يكون مستقلاًّ بهاتين القوتين، وهو بذلك كان يحافظ على قدسية الشعائر المذهبية، حتى أنه كان يقطع الأميال الطوال مشياً على قدميه لتأدية الزيارة لمرقد الإمام علي بن موسى الرضا (ع)([74]) الإمام الثامن من الأئمة الاثني عشر الذي يقع بمدينة (مشهد) الإيرانية، الأمر الذي يسهم في إبقاء مظهر الزعامة المذهبية غير بعيد عنه.
***
ألّف الأسترآبادي كتاب «الفوائد المدنية» الذي يعتبر كتاباً يمثل التيار الأخباري بشكله الصحيح، وقد أثار فيه تساؤلات عديدة حول المدرسة الاجتهادية محاولاً أن يبرهن على عدم أصالتها التشريعية عندما أضفى طابع الأصالة إلى حركته بالرجوع إلى المنابع الأولى المتمثلة بعصر الأئمة لتكتسب بذلك الشرعية الدينية([75]). وهو بذلك أثار الرأي الشيعي ضد علم الأصول مستغلاً حداثة نشأة هذا العلم. بعد الغيبة الكبرى، ومعناه أن ربط الاستنباط بالقواعد الأصولية يؤدي إلى الابتعاد عن النصوص التشريعية والتقليل من أهميتها، ولم يكن ذلك متعارفاً عند الفقهاء من تلامذة الأئمة إذ كانوا في غنىً عنه في مسائل الفُتْيا، فإذا كان عهد الرواد الأوائل للمدرسة الفقهية على هذا الشكل، فلماذا يسعى المتأخرون إلى التورط فيه([76])؟!.
كما عمد الأسترآبادي إلى التأكيد على مفردات مثيرة للجدل، من ذلك تأكيده على أن علماء السنة سبقوا علماء الشيعة تاريخياً إلى البحث الأصولي مما أكسبه إطاراً سُنيّاً وبرهن على أن بعض فقهاء الشيعة كابن الجنيد (381هـ /991م) كان متّفقاً في اجتهاداته مع الأحناف في الأخذ بالقياس، والعمل بالرأي.
كما أنكر دليل حُجية العقل إلا فيما كان له مبدأ حسّي. أو مبدأ قريب من الحسّ كالرياضيات، فإن العقل حجةٌ فيها، وأما ما عدا ذلك فلا حجية للعقل فيه، لأن العقل قد يخطىء، أما التمسك بكلام الأئمة المعصومين فهو يؤمن العصمة عن الخطأ([77]).
وقد كشف الميرزا الأسترآبادي في كتابه «الفوائد المدنية» عن نقده للمحقق الكركي الذي توفي عام (940هـ/1533م) قبل أن يولد الأسترآبادي بسنين طويلة، ونسب له أغلاطاً في إعادة تعيين القبلة، وأنه قد «خرّب المحاريب التي كانت في بلاد العجم زمن أصحابه الأئمة» ([78]).
إن أفكارالأسترآبادي التي طرحها خلال «الفوائد المدنية» هي دعوة لأن يكون الفقيه الشيعي وعاءً يمتلىء بالأحاديث التي يتناقلها عن الرسول والأئمة المعصومين فقط، ويُوعز الخونساري إلى أن منشأ تحول الأسترآبادي (1028هـ/1618م)([79]) فقد كان مقيماً في الحجاز يومذاك.
وذكرت بعض المصادر أن الأسترآبادي بعد دراسته على يد الميرزا محمد بن علي الأسترآبادي الذي ـ قيل ـ إنه أشار عليه بتأليف كتاب يتناول موضوع الصراع الأخباري ـ الأصولي بشكل مباشر([80]). وبعد أكثر من عقدين من زمن تأليف «الفوائد المدنية» كان فقيه أصولي من فقهاء العرب العامليين وهو نور الدين علي العاملي (1068هـ/1657م) مجاوراً في «مكة» فردّ على كتابه بكتاب سمّاه «الشواهد المكية في دحض حجج الفوائد المدنية» إلا أن كتاب العاملي لم يُطفىء لهب الأمة، ولم يتمكن من السيطرة على التيار العام الأخباري الذي امتد من معظم المراكز العلمية الشيعية المتمركزة في إيران، والعراق، ومنطقة الحجاز،الأمر الذي أثر تأثيراً مباشراً على حركة الاجتهاد عند الشيعة لكنه سجّل سبقاً تأريخياً ضدّ تيار الأخباريين.
إن الفوارق الرئيسية بين الأصوليين والأخباريين تركزت في مجال (المجتهد)، من جهة وفي (علم الحديث) من جهة ثانية. وبالرغم من أن بعض الكتّاب حصرها في أربعين فرقاً([81])، إلا أن بعض علماء الأخبارية جعلها ثمانية فقط([82]). أما أهم الفوارق فقد تمثلت فيما يلي:
1ـ أوجب المجتهدون الاجتهاد، وذهب الأخباريون إلى حرمته.
2ـ حصر المجتهدون الرعيّة في صنفين: مجتهد ومقلد لا ثالث لهما. أما الأخباريون فيرون أن الرعية كلها مقلّدة للمعصوم، ولا يوجد مجتهد أصلاً.
3ـ رفض الأخباريون فكرة تصنيف الأحاديث إلى (صحيح، مُوَثّق، حَسَن، ضعيف) لأن الأحاديث عندهم صحيحة ومحفوظة بالقرائن الدالة على صحتها، وقد اعتبروا أحاديث « الكتب الأربعة» قطعية السند، موثوقة المصدر، وبذلك أعرضوا عن علم دراية الحديث. كما أوجبوا الأخذ بالرواية إما عن (المعصوم) مباشرة، أو من روى عنه، وإن تعددت الوسائط([83]).
من هنا فقد ظهرت نزعة الاهتمام بالحديث، وشروحه في هذه الفترة الزمنية وقد مهّد نشاط المدرسة الأخبارية الأجواء لظهور موسوعات حديثية أهمها:
كتاب «الوافي» الذي ألّفه محمد محسن المعروف بالفيض الكاشاني (1091هـ/1680م)([84]) كما قدّم محمد بن الحسن الحر العاملي (1104هـ/1693م) كتابه «وسائل الشيعة» والذي أصبح مصدراً من مصادر الحديث([85]).
وألّف محمد باقر المجلسي (1110هـ/ 1698م) كتاب بحار الأنوار، وهو أكبر موسوعة اهتمت بجمع الحديث على الإطلاق([86]).
وقد ساعد في تأليف هذه الكتب أيضاً اكتشاف الكثير من الأحاديث التي لم تكن مندرجة في الكتب الأربعة([87]).
وفي خضمّ هذه الأزمة تنبّه بعض الفقهاء إلى التآكل الذي أصاب هيكل المؤسسة فحاولوا أن يجدوا حلاً يمكنّهم بواسطته تجنّب الاصطدام بكلتا المدرستين. فبالرغم من استقرار محمد بن الحسن المعروف بالحرّ العاملي (1104هـ/1693م) في إيران، وتقلّده مناصب مشيخة الإسلام، فقد كان منصرفاً إلى مجال التعليم، والتأليف بعيداً عن تعاطي السياسة من خلال بلاط الشاه، أو من خلال المؤسسة الدينية الرسمية، ولم يتعاط السياسة من موقع آخر مُعارض، أو رافض بل حافظ على مسافة تبعده عن السلطان دون الاصطدام به، وإذا اضطرّ إلى الاقتراب منه لم يمنحه شرعية واضحة. لذلك كان دوره منحصراً في نقل أخبار الأئمة، والتشبث بالأحكام التي تحملها أحاديثهم المروية عن ثقاة الرجال([88]).
إن الحرّ العاملي تميز بنزعةٍ عربيةٍ واضحةٍ تشده إلى وطنه وقومه، فقد كتب كتاباً في تراجم علماء بلاده أسماه «أمل الآمل في علماء جبل عامل» يُعدّ أثراً نفسياً من الآثار التاريخية التي حفظت أسماء علماء الشيعة في تلك الحقبة الزمنية، وقد قدم تراجم علماء جبل عامل على غيرهم من علماء الشيعة لاعتبارات عديدة تنمّ عن نزعة وطنية، وقومية([89])، حيث كتب مؤلفه هذا وهو على أرض إيران، وهو بذلك أراد أن يثبت موقع علماء جبل عامل في إنجازاتهم التي حققوها للتشيع من جهة، وخدماتهم الكبيرة للدولة الصفوية الإيرانية من جهة ثانية. كما أراد أن يبيّن بالتالي موقعه المتفرد بين علماء الفرس، وانتماءه إلى أسرة جبل عامل التي ساهمت في تثبيت دعائم «المذهب» من خلال الجهود المتميزة التي حققها العلماء العامليون العرب على أرض لا يرتبطون بها إلا بواسطة مذهبية بحتة.
إن آخر مرحلة من مراحل الحركة الأخبارية هي الفترات التي مرت بها في «مدرسة كربلاء فقد ازدهرت هذه المدينة على يد الفقيه محمد الباقر البهبهاني (ت1208هـ/1793م)، الذي كان ظهوره «إيذاناً» ببدء التغير لصالح الاتجاه الأصولي، وقد حصل هذا الفقيه على لقب (مجدد) الفقه الشيعي([90])، لأن عصره أصبح فاصلاً لعصر جديد من عصور مدرسة الاجتهاد أطلق عليه بعض الدارسين «عصر الكمال العلمي»([91]).
وقد أصبحت مدينة (كربلاء) العراقية في عصر البهبهاني عاصمة من العواصم العلمية التي ضاهت مراكز العلم الشيعية الأخرى، وبقيت محافظة على مركزها العلمي قرابة قرن من الزمن، وذلك بعد وفاة محمد شريف المازندراني عام (1245هـ/1829م) الذي قيل إن حُضّار درسه كانوا يقاربون الألف طالب([92]).
وقد كان سبب ازدهار هذه الحاضرة (كربلاء) بهذه النهضة العلمية المتميزة راجعاً إلى التطورات السياسية التي تلت سقوط الدولة الصفوية عام 1135هـ/1722م) على يد القبائل الأفغانية، فقد أوشكت إيران أن تتوزع بين جاراتها من العثمانيين الذين زحفوا على المناطق الغربية، والقوات الروسية جنوباً من جراء هذا الغزو([93]).
وقد ظهر نادر شاه عام (1142هـ/1729م) كقائد توحيد البلاد بعد تحريرها عسكرياً من الخطر الغربي والجنوبي، إلا أن النُّفْرَة بين نارد شاه والمؤسسة الدينية أدت إلى اتخاذ نادر شاه سلاح العنف مع خصومه([94]). وفي هذه الأجواء المضطربة هاجر البهبهاني إلى العراق للتخلص من الاضطرابات التي عمّت الحركة الدينية هناك، وقد اتخذ مدينة (كربلاء) مقرّاً له لسلامتها من (الوباء) الذي عمّ الأماكن المقدسة كالنجف ذلك الوقت([95]) مضافاً إلى أن هذه البلدة (كربلاء) كانت مركزاً لنشاط الحركة الأخبارية.
كان البهبهاني في بادىء نشأته أخبارياً نظراً لغلبة هذا التيار على البيئة الإيرانية، وكان أستاذه صدر الدين الكاظمي (1154هـ/1750م)([96]) من العلماء الأصوليين، وبعد مناقشات بينهما تحوّل التلميذ (البهبهاني) أصولياً، والأستاذ أخبارياً([97]).
ولعل البهبهاني من جرّاء ذلك خَبَرَ ذلك خبر التيار الأخباري، وتمكّن منه، وحينما نضجت مداركه لمس خطورة هذا التوجه، فاستعد لمجابهته بكل ما يملك من إمكانات على صعيد البحث النظري، أو العملي من ممارسة الفُتيا ضد أقطاب هذا التيار بحرمة الاقتداء بهم في ممارسة الشعائر الدينية العبادية([98]).
وقد انصبّت جهوده على محورين:
الأول: تربية نخبة من الفقهاء الأصوليين يحافظون على خط الزعامة الدينية بعده. وقد نجح في إعداد هذه النخبة نجاحاً باهراً حيث حمل تلامذته لواء الزعامة الفكرية والسياسية بعده. وكان على رأس هؤلاء الفقهاء الشيخ جعفر النجفي الملقب بـ «كاشف الغطاء» ت (1228هـ/1813م).
الثاني: تصدّيه لشنّ حملة عنيفة على الاتجاه الأخباري بنقده اللاذع لأهم شبهاته، وذلك ضمن كتابه «الفوائد الحائرية»([99]). وبالرغم من وجود فقيه أخباري معتدّ هو الشيخ يوسف البحراني (1186هـ/1772م) في مدينة كربلاء أيضاً، إلا أن البهبهاني كان يقاومه بشدة. وكان بعض تلامذته والمقربين له يحضرون دروس البحراني في الفقه سراً([100])، ولعل الصلة الوثيقة بين هؤلاء الطلاب الأصوليين، والفقيه الأخباري هي التي جعلت البحراني يقف متوازناً بين الاتجاهين، وينتهي بنقد محمد أمين الأسترآبادي نقداً شديداً نسبه إلى «الفساد»([101]).
من هنا توصّل البحراني إلى أن الاختلاف بين الفرقتين يهدف إلى إضعاف التشيع وأن وراء هذا التوجه أهدافاً سياسية محددة. وقد صرّح في مقدمة كتاب «الحدائق الناضرة» إلى أنه كان من دُعاة المذهب الأخباري المتعصبين، لكنه اكتشف أن الصراع بين الفريقين يولد (القدح في علماء الطرفين)([102]) كما أن الاختلاف تركز على فروع فقهية «لا تثمر فرقاً في المقام» إلا أنها أشبه ما تكون بستارٍ لضرب المذهب الشيعي.
وحاول أن يجعل كلاً من الاتجاهين يسير مع الآخر لأنهما متلازمان لا يمكن التفريق بينهما، وقد ساق مثالاً على وجود الاتجاهين السلفي والعقلي في العصر الأول دون أن يرتفع بين فقهاء ذلك الوقت مثل هذا الاختلاف([103]).
وهذه الشهادة من عالم أخباري كبير تدل على أن التيار الأخباري أخذ بالانحسار والضمور، وبذلك فقد نجح البهبهاني في إيقاف هذا التيار نجاحاً كاملاً بعد العاصفة التي فرطت عقده قرابة القرنين من الزمن، وبذلك بدأت مدرسة الاجتهاد تنضج على يد تلامذته من الفقهاء بصورة أكثر فاعلية. وقد اتّخذ تلامذته أمثال مهدي بحر العلوم (1212هـ/1797م)، وكاشف الغطاء مدينة (النجف) مركزاً دراسياً مستقلاً، وبذلك شهد تاريخ الاجتهاد تأسيس مدرسة عرفت بمدرسة النجف.
ويعود انتصار البهبهاني على الأخباريين إلى أن التيار الأخباري قد استنفد أغراضه العلمية، فقد أشبعت الحاجة إلى وضع موسوعات حديثية جديدة، ولم يبق إلا الاستفادة في عمليات الاستنباط([104]).
كما أن شبهات الأخباريين أخذت تتلاشى بمرور الزمن، فلم يعد إلغاء وظيفة المجتهد، أو النظر إلى الاجتهاد على أنه بدعة تسربت إلى المذهب الشيعي قضية تستوجب النقض بعدما ثبت استمرار خط الاجتهاد عملياً. كما أن (المجتهد) برهن على أنه ليس وعاءً ناقلاً للأحاديث فحسب، وإنما هو مستفيد منها في عملية استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، وإعمال الملكة.
من هنا فقد اتخذ التيار السلفي المتمثل بالحركة الأخبارية وجهاً آخر للمواجهة، وقد تمثل ذلك بتيار (الشيخية) نسبةً إلى الشيخ أحمد الأحسائي (1241هـ/1825م)، ثم تبلور على يد تلميذه كاظم الرشتي (1259هـ/1843م)، وصار يُسمّى (بالرشتية)، وذلك بعد كسرة شوكة الحركة الأخبارية التي انتهت بمقتل الميرزا محمد الأخباري سنة 1233هـ/1816م).
وقد بدأ الاتجاه «الرشتي» ينحو منحى من التعقيد الفكري يتلاءم والمرحلة السائدة ذلك الوقت، وقد لُقِّب أصحاب هذا الاتجاه «بالكشفية» نسبة إلى الكشف والإلهام الذي يدعيه أصحاب هذه الطريقة، وهي طريقة «مبناها على التعمّق في ظواهر الشريعة، وادعاء الكشف كما ادّعاهُ جماعة من مشايخ الصوفية وهولوا به، وتكلموا بكلماتٍ مبهمةٍ وشطحوا شطحات خارجة عمّا يعرفه الناس ويفهمونه»([105]).
الحركة الأخبارية تستردّ وجودها
بدأت الحركة الأخبارية تستعيد نشاطها من جديد على يد الميرزا محمد بن عبد النبي النيسابوري الأخباري المقتول عام (1232هـ/1816م)، فقد كان هذا الداعية الذي قد وقف أمام المدرسة الأصولية المتمثلة بالبهبهاني، وتلامذته في مدينة (كربلاء). وقد حاول جعفر كاشف الغطاء تحريض القبائل العربية تجاهه بعدما أفتى بانحرافه عن طريقة الشيعة، وتصدّيه لمحاربة هذه المؤسسة([106])، إلا أن الميرزا الأخباري كان قد استحكم في هذه المدينة مع أتباعه بحيث صَعُبَ على الفقهاء إدراك هدفهم في التخلص منه باستخدام القوة.
ولأكثر من سبب هاجر الميرزا الأخباري إلى إيران ليجدّ في دعوته هناك بعدما حصل على دعم من الشاه فتح علي القاجاري (1250هـ/1834م)، وتقرّب منه. وكان هذا الشاه في الوقت نفسه ذا صلة بمؤسسة الفقهاء خصوصاً مع الشيخ جعفر كاشف الغطاء، وكان يحاول الإبقاء على علاقة متوازنة بين الطرفين.
إن علاقة الشاه بالميرزا الأخباري ربما توطدت بعدما استطاع الميرزا محمد الأخباري أن يتنبّأ بمقتل جنرالٍ روسي في الحرب الدائرة بين إيران وروسيا آنذاك. وقد صدقت هذه النبوءة حيث جيء برأس الجنرال محمولاً إلى طهران، ووضع أمام الشاه([107]). وكانت هذه الحادثة مدعاةٌ لدعم الميرزا محمد في إيران، مما دعا الشيخ جعفر كاشف الغطاء أن يسافر إلى إيران لغرض التصدي لنشاطه الجديد من خلال مناظرات مفتوحة بينهما في مجلس الشاه نفسه.
وفعلاً قد سجّل كاشف الغطاء مناظرةً طويلةً بين قطبي الصراع الأصولي والأخباري، وانتصر بحماسة إلى ما حققه كاشف الغطاء من نصرٍ في دحر الفكر الأخباري هناك([108]).
وقد اعتقد بعض الباحثين أن الإيرانيين كانوا أخباريين قبل وصول جعفر كاشف الغطاء إلى بلادهم، لكنه نجح في تحويلهم إلى أصوليين خلال متابعته الميرزا محمد هناك([109]). إلا أن هذا الرأي وإن لم يثبت عملياً، إلا أنه يكشف عن الشهرة التي احتلها الميرزا الأخباري في إيران، ودعم السلطة السياسية له.
وقد تصاعدت حدّة الصراع بين الميرزا الأخباري وكاشف الغطاء حيث وضع الأخير كتاباً ضده قدمه إلى الشاه فتح علي سمّاه «كشف الغطاء عن معائب الميرزا محمد عدو العلماء»، كما ردّ عليه الميرزا محمد بكتاب سماه «الصيحة بالحق على من ألحد وتزندق»([110])، وقد بلغ النزاع بين هذين الرجلين إلى حدّ التّنابز بالألقاب، وتبادل الشتائم بينهما([111]).
إلا أن هذه الفترة لم تسجل أحداثاً أخرى إلا بعد وفاة الشيخ كاشف الغطاء، وتزعم ولده موسى زعامة الشيعة حيث أراد التعرف على مدى صلة الشاه فتح علي بالميرزا الأخباري، فكتب له رسالة حذّره في آخرها من صلته بالميرزا الأخباري، وعند جواب الشاه عليه أكّد من جانبه أن صلته بالميرزا محمد الأخباري طيّبة، وعبّر عنه بقوله «نستفيض منه، ونستعين به»([112]).
إلا أن الميرزا الأخباري لم يستقر في إيران بعد هذه الفترة لوجود معارضة له كان من واجهتها تهديد الإيرانيين له، وإفتاء المفتي بقتله([113]) وقد توجه إلى العراق، وأقام في مدينة بغداد (الكاظمية)([114])، ويبدو أن هذه الهجرة خضعت إلى مباركة الوالي العثماني الذي اتّجه لتأييد هذا التيار المناوىء للأصوليين من خلال صلته بالميرزا الأخباري([115]).
وقد ذكر باحثٌ مطّلع أن الميرزا الأخباري قام بنشاط فعّال ضد الفقهاء في العراق مما جعل موسى كاشف الغطاء يهاجر من النجف إلى بغداد (الكاظمية) لغرض معالجة الموقف، وبعد اتفاق جملة من الفقهاء على إصدار فتوى تُبيح قتل الميرزا محمد، قُتِلَ هذا الداعية الجريء عام (1232هـ/1816م) بعد إحراق داره قتلةً مأساوية([116]).
إن مقتل الميرزا محمد في الكاظمية كان الحادث الثاني الذي يتعرض له داعية سلفي بعد مقتل الشيخ حسين آل عصفور في البحرين عام (1216هـ/1801م)([117])، وبذلك فقد كانت حملة مارسها الأصوليون ضد خصومهم للتخلص من الخطر المتوقع عليهم. وكان هذا الأسلوب كافياً لانحسار الفكر السلفي، وتمركز القيادة الفكرية في النجف، بعدما انسحب الفكر السلفي إلى مواقع خلفية بعيدة في (البحرين)، ومناطق العراق الجنوبية القصيّة، وبعض مناطق إيران([118])، وذلك بعد أكثر من نصف قرن حيث تزعم أحفاد الميرزا محمد الأخباري الحركة من جديد متخذين قرية (المؤمنين) في جنوب العراق مركزاً لنشاطهم. وقد سعى ميرزا عناية الله (ت1371هـ/1951م) إلى تنظيم الدراسة العلمية في قرية (المؤمنين) حيث جعلها على غرار (النجف)، كما أسس مسجداً كبيراً عامّاً عام (1324هـ/1906م)، ومكتبةً، ومضيفاً وتوسعت هذه المدرسة في الفترة (1324هـ/1906م ـ 1345هـ/1926م)، باستقطاب الدارسين من مناطق عراقية مختلفة([119]). وبالرغم من انتشار أفراد هذه الأسرة التي عُرِفَت فيما بعد باسم أسرة آل جمال الدين) في البصرة، والكويت، ومناطق أخرى، إلا أن موجة المدّ الإخباري تضاءلت، وبقيت مقتصرةً على أفراد متحمسين من أحفاد الميرزا محمد الأخباري.
إن ردة الفعل التي تلقتها أسرة آل جمال الدين بسبب مقتل الميرزا محمد الأخباري، والضغوط التي مارسها المجتهدون أفضت بهم إلى إنكار الاجتهاد، والتقليد في حين أن الأخباريين الذين تمركزوا في البحرين كانوا معتدلين في نظرتهم إلى الاجتهاد والتقليد، وقائلين بهما([120]).
ظهور الحركة الشيخية
ظهرت في مدينة (كربلاء) شخصية كاظم الرشتي (1259هـ/1843م) الذي كان تلميذاً للشيخ أحمد الأحسائي (1242هـ/1826م) كزعيم استقطب تياراً جديداً حاول أن يظهر بشكل منفصل عن الجسم الشيعي، وذلك من خلال تقديمه لنصوص في بعض ظواهر الدين لا يقبلها العقل، فتحتاج إلى التأويل والتفسير([121]). وكان الشيخ أحمد الأحسائي فيلسوفاً إشراقياً، وعالماً أخبارياً، وقد اخترع لنفسه اصطلاحات خاصة لبعض الكلمات، وصار يطابق بين الفلسفة الإشراقية، وبين أحاديث الأئمة([122])، إلا أن آراءه الغريبة لم تظهر على لسانه، بل استظهر بعض الباحثين أنها نسِبَت إليه بعد وفاته([123])، إلا أن فرقة (الشيخية) التي نسبت نفسها إليه ظهرت بسلطة كاظم الرشتي الذي خلق صراعاً مع مدرسة النجف من نوع جديد يختلف عن الصراع الذي واجهته هذه المدرسة مع الأخباريين. فقد كان الصراع مع الأخباريين يتركز بالجدل على شرعية وجود المجتهد وعدمه، أما الصراع (الشيخي) الجديد فقد ركن إلى جانب آخر يعتمد على الغلو في مراتب الأئمة المعصومين، الأمر الذي أبعدهم عن واقع الفكر الشيعي، وقرّبهم إلى الفكر والاعتقاد الصوفي([124]). وكان مستند الشيخية في ذلك الاعتماد على الروايات الإسماعيلية التي تسرّبت في مدونات الحديث الاثني عشرية والتي تضمنتها أمهات الكتب الحديثية كالكافي، وبحار الأنوار، وغيرهما([125]).
وقد واجه فقهاء النجف مشكلة جديدة داخل الكيان الشيعي نفسه حيث شمّروا عن ساعد الجد لمواجهتها مواجهة حقيقية، وكانت زعامة الشيعة قد انتهت إلى علي كاشف الغطاء (1253هـ/1837م). وقد حاول هذا الفقيه مع فقهاء آخرين أن يتصدوا لحسر الفكر الشيخي عن الأوساط الشيعية.
وكان كاظم الرشتي قد جاهر بآرائه التي اعتبرها علماء النجف آراء شاذّة عن التفكير العقائدي الشيعي. وقد حملت هذه النتيجة كبار المجتهدين على استصدار (فتوى) ضده([126]). ونقل لي السيد حميد القزويني (1400هـ/1980م) أن الفقيه مهدي القزويني (1300هـ/1882م) تلميذ علي كاشف الغطاء كان قد اجتمع مع كاظم الرشتي، واستقصى أراءه بالمناقشة، لكنه لم يقتنع بالتخلي عن وجهات نظره، إلا أن قناعة القزويني كانت قائمة على معالجة الاختلاف بطريقة سلمية بعيدة عما ذهب إليه مجتهدو النجف باستصدار فتوى تُجيز استعمال العنف ضده، الأمر الذي جعله يسعى لإقناع أستاذه علي كاشف الغطاء بالعدول عن رأيه. وبالفعل فقد اقتنع هذا الفقيه بذلك([127])، ربما خوفاً من العواقب الناجمة من قتل الرشتي، أو إيجاد أهمية استثنائية له في حالة الاعتداء على شخصيته بالقتل. فقد كان الرشتي «مسموع الكلمة عند أتباعه، وله أتباع يقولون فيه أقاويل عظاماً، وتُنسب له بعض الخصال الممدوحة…»([128])، وكان جواب علي كاشف الغطاء عندما سُئِلَ بمحضر الرشتي، وجماعة من المجتهدين في مناظرةٍ جرت بينهم إن «حفظ النفوس في شرعنا من أعظم المهمات»([129]) ردّاً على الجهات التي تطمع بالتخلص من هذا الداعية المتحمّس([130]). أمّا حسن ابن الشيخ جعفر كاشف الغطاء (1262هـ/ 1845م) ـ وهو من أهم المعاصرين للرشتي ـ فقد عبّر عن الرشتي بأنه: مُضلّ لا ضالّ، وغايته تحصيل القليل من حطام العيش، وذلك لعدم قابليّته لتحصيل العلوم الدينية([131])، كما ذكر أن الأسلوب الذي اتّبعه الرشتي في دعوته يقتصر على التوصّل إلى العوام بأشياء في حق أئمتهم مما يُدخلهم في المغالين، وعوام الشيعة من فرط حبهم لأهل البيت يقبلون كل ما قيل، ويقال فيهم، فصار ذلك شركاً، وفخّاً لأمر معاشه ورئاسته([132]). وقد أكّد حسن كاشف الغطاء أن هذه الطرق خارجة عن البنية الشيعية، وذكر «أن السلف الصالح من أصحاب الأئمة، وحوارييهم، والعلماء في عهد الكليني إلى الآن لم يتركوا شيئاً إلا ذكروه، وإلى أئمتهم أسندوه، فالسعيد من نهج منهجهم، واقتفى أثرهم، ورفض الشّاذ النادر، ولم يحتفل به»([133]).
ومن طريق ما جاء به هذا الفقيه أنه اختار نصّاً عن كتاب الرشتي ينطوي على كلماتٍ في تعريف (الروح) ثم علّق على هذا النص بقوله: «أُقسم إني لم أفهم من هذا الكلام شيئاً» وكأنه أراد الإشارة إلى أن هذا المنحى من التأليف هو مجرد زخرف لإيهام السامع بالألفاظ والمصطلحات([134]). ولم تعلُ للرشتي رايةً حتى وفاته عام (1259هـ/ 1834م) حيث ترك فراغه متّسعاً لتطور حركته إلى أكثر من اتجاه، كانت تقف وراءه قوى متباينة. وبالرغم من تولّي ولده أحمد الرشتي المقتول عام (1295هـ/ 1878م)([135]) رئاسة (الفرقة) بعده، إلا أن فرقاً أخرى كان لها تأثير كبير في استمرار هذا التوجه. فقد انقسمت الشيخية بعد كاظم الرشتي على أساس من تحديد الطريق الموصل إلى الإمام المعصوم، وتلقّي المعلومات عنه إلى:
1ـ الشيخية الركنية: وهم أتباع كريم خان القاجاري (1288هـ/ 1871م) وقالوا إن الركن الرابع (وهو المرجع الديني النائب عن الإمام) يلتقي بالامام الغائب بشكل مباشر، ويتلقّى عنه المعلومات المطلوبة. من هنا سُمّيوا (الركنية).
2ـ الشيخية الكشفية: وهم أتباع الميرزا محمد باقر الأسكوئي (1301هـ/ 1883م)، وقالوا إن اللقاء بين المرجع الديني (النائب عن الإمام) والإمام يتمّ عن طريق الكشف، لذا سُمّيوا بـ (الكشفية).
3ـ أما الفرقة الأخرى فقد بقيت تبحث عن الإمام الغائب، وعلى رأسها الملّا حسين البشروئي، وهو الذي عثر عليه في شخص السيد علي محمد الباب (الذي تُنسَب إليه فرقة البابية ثم البهائية)، ويقال إن الرشتي هو الذي لقّبه بهذه «الكنية».
ويُلاحظ أن الشيخية انتقلت من العراق (كربلاء) إلى إيران بجهود أحد أبناء الأسرة الحاكمة (أسرة آل قاجار) وهو كريم خان، وأصبحت (كرمان) المركز العلمي والديني للشيخية الركنية، ثم انتشرت بالبصرة في صفوف (الأحسائيين) بالخصوص، وانتقلت إلى (الكويت) أيضاً.
كما انتقلت أيضاً من (كربلاء) على يد حسن كوهر (1261هـ/ 1845، والميرزا شفيع التبريزي (1301هـ/ 1883م)، واستقرت في (أسكوء) بإيران عن طريق الميرزا محمد باقر بن محمد سليم التبريزي (1301هـ/ 1883م)، وعلى يديه تمّ وجود الشيخية (الكشفية)، كما تركزت هذه الدعوة في أسرته([136]). وبالرغم من الدعم الذي حظي به هذا التوجه إلا أن نشاط الفقهاء الأصوليين سبّب حسر المدّ الشيخي، وانكماشه بمناطق محدودة في (البحرين، الكويت، الأحساء) إلا أن هذه (الفرقة) استعادت مركزيتها المحدودة في (الكويت) على يد زعيمها الشيخ حسن الأحقاقي الأسكوئي الحائري (البالغ من العمر الآن 94 عاماً).
الخلاصة
1ـ إن نشوء الحركة الأخبارية كان إفرازاً للصراع بين المؤسسة الدينية من جهة، والسلطة الصفوية من جهة ثانية. والسباق التاريخي يُشير إلى أن الشّاه عباس الصفوي كان مستفيداً من دعم هذه الحركة لإضعاف نفوذ الفقهاء السياسيين، والمؤسسات التي بُنِيَت على أكتافهم منذ عهد المحقق الكركي المتوفى 940هـ.
2ـ ازدهار الحركة الأخبارية بعد قرنين من نشوئها على يد الميرزا محمد الأخباري كان بسبب ازدهار مدرسة النجف الأصولية، وتحقيقها مكاسب مهمة على الصعيد السياسي، وذلك بالتوسط بين الدولتين القاجارية والعثمانية في إبرام معاهدة صلح على يد الفقيه موسى كاشف الغطاء الملقب «بالمصلح بين الدولتين». ومقتل الميرزا محمد الأخباري كان من مطامح القاجاريين والعثمانيين ـ في آنٍ واحدٍ ـ للحدّ من «هيبة» الفقهاء، وحسر انتصار المؤسسة الدينية الأصولية.
3ـ ظهور الحركة «الرشتية» يعتبر امتداداً للخط السلفي الأخباري بعد فقدان الحركة الأخبارية مقومات مواجهتها مع المدرسة الأصولية. وقد تشكلت الحركة «الرشتية» على أساس فكري خليط من موروثات إمامية ـ إسماعيلية مشتركة تكون في النهاية خطّاً موازياً للخط الإثني عشري الأصولي.
جودة القزويني
الأخباريون
ـ 3 ـ
هذه دراسة تتعلق بأثرهم في البحرين، وفيها من الآراء ما يتعلق بصلة الأخباريين بالدولة الصفوية ما قد لا يتفق مع ما ورد في مكان آخر، ونحن نضع جميع الآراء أمام القارىء ليستخلص الحقيقة من بين كل ما يُنشَر:
في مطلع القرن السابع عشر الميلادي، خضعت جزيرة البحرين للدولة الصفوية، بعد استعادتها من المستعمرين البرتغاليين، فاستعان الصفويون بالفقهاء لجهة تعزيز سلطتهم واستحدثوا مؤسسة دينية مضبوطة على نموذج المؤسسة الدينية الإيرانية، اعتمدت نفس النظام المراتبي الديني المعمول به في إيران.
اجتذبت تلك المؤسسة كبار علماء الدين في البحرين من الخطّ الأصولي، الذي بدأ ينشط بالإفادة من الإمكانيات وتأييد السلطة الصفوية، فكانت تقام صلاة الجمعة، وولاية القضاء، وبعد الشيخ محمد الرويسي أول عالم ديني أصولي يتولى القضاء ويقيم صلاة الجمعة في عهد الصفويين في البحرين، وكان يرى وجوب إقامتها وجوباً عينيّاً في حال وجود المجتهد الجامع لشرائط الفتوى، وهو نفس رأي الشيخ محمد بن حسين البحراني (ت 1011هـ/1602م) تلميذ الشيخ المجلسي صاحب بحار الأنوار، مؤسساً على رأي الكركي وكبار علماء المؤسسة الدينية الرسمية في إيران، وستكون صلاة الجمعة من أبرز تمظهرات التناظر الثنائي بين مدرستي الأخبار والأصول، وفي نفس الوقت ستكون أبرز معايير اختبار الموقف من شرعية السلطة، وانشعاب الوسط الفقهي بين أصولي، يقول بمشروعية الدولة الصفوية، ناظراً إلى القول بوجوب صلاة الجمعة عيناً، وبين إخباري، ينفي مشروعية السلطة، ويحرّم صلاة الجمعة في عصر الغيبة.
ونتيجةً لهذا التّبدّل، بدأ علماء البحرين من المدرسة الأصولية بالانخراط في المؤسسة الدينية الرسمية، فتولّى السيد حسين الغريفي (ت1001هـ/1592م) الرئاسة الدينية بعد الشيخ الرويسي، كما تولى الشيخ علي بن سليمان القدمي البحراني (ت1064هـ/1654م) منصب (شيخ الإسلام) أي قاضي القضاة بعد عودته من إيران، وأصبح رئيساً للإمامية في البحرين، وتتلمذ القدمي على الشيخ البهائي، الذي كان شغل منصب (شيخ الإسلام) في أصفهان، وله إجازة بخطه، وكتب رسالة في صلاة الجمعة، وقال بأنها واجبة عيناً في عصر الغيبة، وله رسالة أخرى في جواز التقليد. كما وُليَ السيد عبد الرؤوف بن الحسين الموسوي (1013/1060هـ ـ 1662م) منصب شيخ الإسلام في البحرين، خلفاً لأبيه، ثم خلفه ابنه السيد جعفر على القضاء في ولاية الأوقاف وفوّض إليه الأمور الحسبيّة بقرار من قِبَل سلطان العجم، ثم تولى المنصب الشيخ سليمان الماحوزي (ت1121هـ/1709م) وهو من أكابر علماء الشيعة الإمامية وزعيم من زعماء البحرين في عصره، وقد انتهت إليه الرياسة في وقته، ووثّق صلاته بالحكام الصفويين، وصنّف الكتب النقلية والعقلية في سياق الترويج للمذهب الشيعي في إيران، وفي نفس الوقت تعزيز السلطان الصفوي، وله رسالة في وجوب صلاة الجمعة نقضاً لرسالة الشيخ سليمان الشاخوري في تحريمها، وله رسالة أيضاً في (وجوب غسل الجمعة) وهو رأي ينفرد به الشيخ الماحوزي بين عامة فقهاء الشيعة، وينبذ قصيّاً رأي أستاذه الشيخ سليمان الشاخوري القائل بحرمة صلاة الجمعة في عصر الغيبة.
نشير إلى أن سجالاً فقهيّاً ضارياً شهده عصر الشيخ سليمان الماحوزي بشأن صلاة الجمعة تحريماً ووجوباً، منذ أن صنّف أستاذه الشيخ سليمان الأصبعي الشاخوري (ت1101هـ/1689م) رسالة في تحريم صلاة الجمعة في زمن الغيبة، ورفض التّماهي في السلطة الصفوية في البحرين، فردّ عليه الشيخ محمد الخطي البحراني (ت1102هـ/1690م) (وأصله من الخط القطيف بالمنطقة الشرقية من الممكلكة العربية السعودية) في رسالة يقول فيها بوجوب صلاة الجمعة عيناً في عصر الغيبة نقضاً لرسالة الشيخ الشاخوري، كما نقضها علماء آخرون منهم المحقق الشيخ أحمد بن محمد بن يوسف (ت1102هـ/1690م)، والشيخ سليمان الماحوزي، حتى أصبحت إقامة صلاة الجمعة مورد إجماع فقهاء البحرين، وقد شنّع السيد نعمة الله الجزائري، والمعروف بالمحدّث الكبير، على من يقيمون الجمعة في البحرين، وكان يكيل اللعن لهم بالقول (لعن الله الظالمين لآل بيت محمد)، ويعني بذلك أن مقيمي الجمعة في عصر الغيبة مغتصبون لمنصب آل بيت الرسول.
وقد ورث صهر الشيخ الماحوزي وتلميذه الشيخ محمد بن ماجد البحريني الماحوزي (1105هـ/1693م) رئاسة البلاد وولاية الأمور الحسبية، وكان الشيخ محمد إماماً في الجمعة، وكان يعتقد بوجوبها عيناً، على رأي أستاذه الشيخ سليمان الماحوزي، وكان الشيخ محمد ذا حظوة لدى حاكم البحرين من قِبَل العجم الشيخ محمد آل ماجد البلادي البحراني، ويروي صاحب (أنوار البدرين) أن الحاكم اشترى لؤلؤاً من أعراب جاءوا من قطر فماطلهم في دفع الثمن، ولما يئسوا من استيفاء حقهم منه، طرقوا باب الشيخ الماحوزي، وشكوا له، فكتب إلى الحاكم بيتين من الشعر:
| ليس التّقى بمسابيح تخرطها | ولا مصابيح تتلوها وتقرأها | |
| بل التّقى أن تزين الناس معملة | وتنصف الناس أعلاها وأدناها |
ولما قرأ الحاكم رسالة الشيخ الماحوزي، أعطى القوم مستحقاتهم وأكرمهم، ولما مات الشيخ الماحوزي، خلفه السيد هاشم البحراني (ت1107هـ/أو 1109)، في القضاء والأمور الحسبية ويذكر الشيخ يوسف البحراني في (لؤلؤة البحرين) ما نصّه: (قام بالقضاء في البلاد، وتولى الأمور الحسبية أحسن قيام). وقد توارت هذا المنصب علماء الخط الأصولي أمثال صلاح الدين البحراني (ت1098هـ/1687م) الذي تولى الأمور الحسبية بعد أبيه، وجلس مجلسه في القضاء والجمعة والجماعة، وخلفه الشيخ محمد الخطي البحراني (ت1102هـ/1690م) الذي صار مرجعاً للبلاد وفوّضت إليه الأمور الحسبية والقضاء بتأييد السلطان.
وبالإمكان تتبّع بعض الأمثلة عن تولّي بعض علماء البحرين الذين هاجروا إلى إيران مناصب في الدولة الصفوية وخصوصاً في سلك القضاء، كما أسهموا في رفد السلطة بتصورات سلطانية جديدة، ونذكر منهم السيد ماجد ابن السيد محمد البحراني (ت1022هـ)، الذي كان يقيم الجمعة في البحرين ثم هاجر إلى إيران، واجتمع بالشيخ البهائي في أصفهان، وأصبح قاضياً بشيراز ثم بأصفهان، ودرّس في دار العلم بشيراز، وتخرّج على يده علماء إيرانيون، وتأثر بالشيخ البهائي الذي انقلب على مواقفه الفقهية السابقة وعارض إقامة الحدود في عصر الغيبة، كما تأثّر بالمدّ الأخباري بعد ظهور الشيخ الأسترآبادي، فكتب رسالة أسماها: (سلاسل الحديد في تقييد أهل التقليد)، ومنهم أيضاً السيد محمد ابن السيد عبد الحسين آل شبانة، تقلّد منصب شيخ الإسلام، واستوطن أصفهان، والشيخ صالح الكرزكاني، الذي توطّن شيراز وانتهت إليه ولاية القضاء بأمر السلطان الشاه سليمان، وقد بعث إليه السلطان الصفوي الشاه سليمان خلعه القضاء (الرسمي) المرقّم حكوميّاً، فتسلّم الكرزكاني القضاء بعد لأي منه، والتماس من بعض المقربين.
لقد شكّل القرن العاشر، بالإضافة إلى أوائل القرن الحادي عشر الهجري، فترة نهوض التّيّار الأصولي المتتابع لنفوذ رجال الدين في المستويين الاجتماعي والسياسي، بالمقارنة مع التيار الأخباري، الذي بدأ ينمو فيما بعد بإطراد في إيران والعراق والبحرين، فقد انتقلت المعارك المحتدمة بين أقطاب الأخبار والأصول إلى البحرين، وأخذت المناظرات الثنائية تثور بين أقطاب الفريقين في المجالس، ويُنقَل، أنه لما استوطن والد الشيخ البهائي الشيخ حسين عبد الصمد العاملي في البحرين، وكان من أقطاب الخط الأصولي في عصره، زاره علماؤها في بيته، فانعقدت المناقشة بين الشيخ داوود الجد حفصي وجماعة من علماء البحرين بحضور والد الشيخ البهائي فلما انفضّ المجلس رجع الشيخ داوود إلى بيته وكتب هذين البيتين:
| أناسٌ في أوال قد تصدّوا | لمحو العلم وانشغلوا بلم لم؟ | |
| إذا جادلتهم لم تلق فيهم | سوى حرفين: لم؟ لم؟ لا نسلم |
ويمكن النظر إلى مثل هذا الجدال المتصاعد بوصفه أحد تمظهرات الصراع الأخباري الأصولي، ولكنه في نفس الوقت يُعَدّ ملمحاً هاماً من ملامح الاستحقاق، وإثبات الجدارة، مركز اهتمام وغرض الفريقين، إذ لا تخضع الجدارة والاستحقاق لطبيعة وسائل الإقناع، ونوع وقوة الأدلة لدى كل فريق فحسب، وإنما تخضعان أيضاً لما تتّكل عليه من آلياتٍ، وفي رأينا أن الجهود المبذولة من جانب الفريقين لجهة غرس اعتقاد ما تنمو وتتزايد بإطراد بقدر استنادها إلى القوة بالمعنى الشامل، لا الحصري، أي بقدر ما تملك من وسائل، وجهود، وإمكانات، مادية ومعنوية، ولكن تبقى لقوة السلطان رجحاناً في كلّ الأحوال، وهو ما فقده التيار الأصولي.
لقد بدأت مراكز وتحصينات الخط الأصولي تنهار الواحدة تلو الأخرى، لحساب تمدّد الخط الأخباري، الذي بدأ ينشط بسرعة على إيقاع الهزائم السياسية في إيران والعراق والبحرين وأخذ يقوّض معتقدات الأصوليين، فيما كانت الرسائل والمؤلفات في حرمة الاجتهاد في عصر الغيبة تروج بين الناس منها: رسالة (الغنية في مهمات الدين عن تقليد المجتهدين) للسيد حسين الغريفي، ورسالة (نفي الاجتهاد وعدم وجوده في زمن الأئمة الأمجاد) للشيخ عبدالله السّماهيجي، و(سلاسل الحديد في تقييد أهل التقليد) للسيد ماجد الصادقي البحراني).
ونجد هنا ضرورة لبيان أسباب تنامي الاتجاه الأخباري في البحرين، وهي أسباب تتردّد بين الخاص والعامّ، أي أسباب ذات صلة مباشرة بواقع البحرين، الاجتماعي والديني، وأسباب أخرى تشترك فيها مع إيران والعراق، وهي على النحو التالي:
نشوء المركزيات
ويُقصَد به تمركز الأصولية والإخبارية في مناطق، تفضي إلى تمييزها، وتحصينها، وتسهم بدرجة كبيرة في تكثّف نشاطها وترعرعه، وهذه المركزية تشكّلت أساساً على بنية سياسية، فقد أصبحت منطقة البلاد القديم، عاصمة البحرين، مركزاً للسلطة الصفوية، معقلاً للاتجاه الأصولي. فكان توالي الرئاسة الدينية، والاضطلاع بالأمور الحسبية والقضاء وإمامة الجمعة، يتطلّب انتقال علماء الدين الأصوليين إلى البلاد القديمة، التي أصبحت تدريجيّاً موئل الأصوليين، ومسرحاً لفعالياتهم، وهذا أدّى إلى إفراغ القرى الأخرى من الوجود الأصولي الفعّال، فيما أصبحت منطقة الدراز قاعدة للاتجّاه الأخباري، ونقطة انطلاقه إلى المناطق الأخرى، فأفاد من تمركزه في الدراز في حفظ كينونته، كما ساعده في فترات ضعف خصمه الأصولي على الانتشار ومزاولة نشاطه على وجه السرعة.
تموجات الاتجاهات الحوزوية
وينبي هذا العامل على حقيقة علاقة الاستتباع بين البحرين والحواضر العلمية الشيعية في كل من إيران والعراق، ووقوع البحرين خارج إطار التأثير في الوسط العلمائي الشيعي، حيث ظلّت البحرين ـ وحتى الوقت الراهن ـ في موقع المستقبل، والمستهلك للنتاج العلمي والفقهي في قم والنجف، باستثناء حالات تطلب فيها هجرة بعض علماء البحرين إلى المدن العلمية الشيعية، والانخراط في الحركة الفقهية والعقدية الشيعية العامة، ولكن رغم ذلك يبقى المعطى خاضعاً للأوضاع الشيعية العامة، ولكن رغم ذلك يبقى هذا المعطى خاضعاً للأوضاع السياسية الداخلية من جهة، ومن جهة ثانية للمستجدّات الفقهية الحاصلة في الحوزات الشيعية في إيران أو العراق.
ويظلّ التّموّج الخارجي متوقّفاً على طبيعة الاتجاهات السائدة في الحواضر العلمية الكبرى في إيران والعراق، ففي فترة انتعاش الاتجاه الأصولي في هذين البلدين، ترجح بصورة طبيعية كفّة الاتجاه الأصولي في البحرين، ويصبح زمام الأمور بيد علماء المدرسة الأصولية، والعكس صحيح أيضاً، وما حصل في النصف الأول من القرن الحادي عشر، هو أن تياراً أخبارياً كاسحاً انطلق من قمقمه في العراق على يد الشيخ الأسترآبادي، وجرف معه تحصينات ومراكز الأصوليين في إيران، ولم تكن البحرين بمنأى عن انطلاقة المارد الجديد، سيّما إذا نظرنا إلى الرموز الدينيين البحارنة الذين دفعهم التيار إلى الواجهة، أمثال الشيخ يوسف البحراني قبل أن يقلع عن مناصرته للأخبارية وتشنيعه عليهم في أواخر أيام حياته وابن أخته الشيخ حسين العصفور، الذي ظلّ رمزاً دينياً للاتجاه الأخباري في البحرين، فيما حملت منطقة الدراز لواء ترويج العقائد الأخبارية إلى المناطق الأخرى.
انهيار الحكم الصفوي
وذلك في أعقاب الهجوم الأفغاني على إيران في العقد الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي، ما أدّى إلى إضعاف شوكة الأصوليين في البحرين، وانسحابهم إلى معاقلهم التقليدية، فيما هاجرت أعداد من العوائل العلمية الأصولية من البحرين إلى كربلاء والنجف في العراق، وتبنّى القسم الأعظم منها المذهب الأخباري الذي كان سائداً هناك، وقد لعب الشيخ يوسف البحراني والشيخ أحمد زين الدين الإحسائي دوراً رئيسياً في إقناع بعض العوائل البحرانية والإحسائية والقطيفية للتّحول من الأصولية إلى الأخبارية، قبل أن يقلع الشيخ يوسف عن حماسته في مناصرته للأخبارية، ونقده لطريقة الأسترآبادي صراحة، في التّشنيع على المجتهدين([137]).
ثم كان السلوك العدواني للسلطة المحلية مع المجتمع البحراني، وهو سلوك بالغ البشاعة والقسوة، ويتدرّج في سياق محاولات جادّة لإخضاع الفئات الاجتماعية للسلطة عن طريق التهديد بفرض عقوبات صارمة، والمصاحبة للبؤس والحرمان، والتي تتطور وتتسع لتشتمل على وضع العقوبات المالية، ومصادرة الملكية، واقتحام المنازل، والتعنيف الجسدي والنفسي، وهكذا أدّت التدابير التّعسّفية إلى انكماش الأصوليين الناشطين، وهروب آخرين، وخلوّ الساحة لنموّ ثقافة الاعتزال والتّصوّف والانتظار، في اتجاه تبرير الواقع والانفصال عنه.
فؤاد إبراهيم
المدرسة الأخبارية
مقاربة في فكر الأسترآبادي
ظهرت الأخبارية كنزعة فكرية مع إطلالة القرن الحادي عشر الهجري بعد سلسلة من المحاولات التي امتدت داخل الكيان الشيعي ونادت بالجمود على الأخبار المرويّة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) إلا أنها باءت بالفشل ولم يكتب لها النجاح سوى أنها مهّدت السبيل لإعلان الأمين الأسترآبادي (المتوفى 1033) لفلسفته وأفكاره الأخبارية التي أحدثت ضجة عنيفة في الأوساط العلمية تراجع خلالها الفكر الاجتهادي تراجعاً ملحوظاً.
وقد تمكن التيار الأخباري بعد برهة وجيزة أن يتسرب إلى الثّغرات التي اعترت التيار الأصولي بغية الانقضاض عليه وكبح جماحه وأن يشيد على أنقاضه هيكلاً أخبارياً ساد ما يقرب من قرنين من الزمن شكّل فيما بعد منعطفاً حرجاً كاد يقوّض أركان الحركة الأصولية لولا ظهور المحقق البهبهاني على المسرح العلمي الذي تمكن بعبقريته الفذّة أن يملأ تلك الثغرات بأفكار جديدة فنَّدَ فيها مزاعم الأخبارية التي فقدت على أثرها الكثير من عوامل بقائها وازدهارها.
انطلق الفكر الأخباري متزامناً مع ظهور الأسترآبادي الذي يُعَدّ واضع الحجر الأساس له في القرون المتأخرة، وحازت أخبار وآثار الأئمة (عليهم السلام) مكان الصدارة في فلسفته بعد أن هاله فقدان القطع واليقين بين العقلاء الذين قلّما تتفق كلمتهم في الأبحاث العقلية، ولا سيما الإلهيات والميتافيزيقيا بالرغم من تأكيدهم المنطق باعتباره آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر، ثم استعرض نماذج وقع فيها الاختلاف المزعوم منها:
1ـ «إما أن أحد الخصمين ادّعى بداهة مقدمة هي مادة المواد في بابها وبنى عليها فكره، والخصم الآخر ادّعى بداهة نقيضها واستدلّ على صحة نقيضها وبنى عليها فكره أو منع صحتها وبهذا ينعدم الاتفاق على المقدمات البديهية أو المبرهنات اليقينية بينهما.
2ـ وإما أن أحد الخصمين فهم من كلام خصمه غير مراده بسبب فقدان المفاهيم الواضحة المتفق على تعريفها بينهما.
3ـ وأما من إجراء الظن مجرى القطع باستخدام مقدمات لم تكتسب الدرجة القطيعة من اليقين.
4ـ وأما غفلة بعض الاحتمالات التي يجب أن تستغرقها عملية اختيار المقدمات.
5ـ وأما التردد والحيرة في بعض المقدمات بسبب حاجة بعضها إلى تسليم أحد الطرفين بها».
فأصيب من جرّاء ذلك بخيبة أمل عارمة جعلته يلغي دور المنطق من صدارة المسرح الفكري، ويستند إلى الأخبار. والذي يتعمق في خلفية النزعة الأخبارية يجد أنها تنزّه الأخبار المأثورة عن الخطأ بل تعصمها عن تسرّب أدنى شك إليها، ومن ذلك الرصيد المتين انطلق لصياغة فلسفته على ضوئها.
فقد بدأ بتحليل المعرفة فحصر العلوم في نوعين:
»الأول: ينتهي إلى مادة هي قريبة من الإحساس، كالهندسة والحساب وأكثر أبواب المنطق ولا يقع فيها الاختلاف بين العلماء والخطأ في نتائج الأفكار، والسبب فيه أن الخطا في الفكر إما من جهة الصورة وإما من جهة المادة، والخطأ من جهة الصورة لا يقع من العلماء لأن معرفة الصورة من الأمور الواضحة، ولأنهم عارفون بالقواعد، وهي عاصمة عن الخطأ من جهة الصورة، والخطأ من جهة المادة في هذه العلوم، لقرب مادة المواد فيها إلى الإحساس.
الثاني: ينتهي إلى مادة هي بعيدة عن الإحساس، ومن هذا القسم الحكمة الإلهية والطبيعية وعلم الكلام وعلم أصول الفقه والمسائل النظرية الفقهية، وقد وقعت محل الاختلاف والمشاجرة، لأن العصمة عن الخطأ تنتج في الصورة دون المادة».
ويظهر من هذا المقطع، أنه قسّم العلوم البشرية إلى قسمين أحدهما العلم الذي مادته قريبة من الحس كالمنطق الصوري الذي يكون معصوماً عن الخطأ بعصمة الحسّ دون أن يتسرّب الشك إليه.
والثاني العلم الذي مادته بعيدة عن الحسّ كالمنطق المادي الذي يتطرّق الشك إليه.
وهكذا نجد أنه جعل الحس المعصوم عن الخطأ ـ حسب اعتقاده ـ كبديل عن العقل الأصولي الذي أنزله من برجه العالي إلى الحضيض ونحّاه عن مقامه الشامخ وأزاحه عن حلبة الصراع مع الحس، وتمخّض عنه إعطاء الحس دور أكبر مما يستحقه منوّهاً على قابليته على إعطاء درجة أكبر من الوثوق في النتائج التي يصل إليها.
«وهكذا نجد بوضوح اتجاهاً حسياً في أفكار الأسترآبادي يميل به إلى المذهب الحسي في نظرية المعرفة، القائل بأن الحس هو أساس المعرفة، ولأجل ذلك يمكننا أن نعتبر الحركة الأخبارية في الفكر العلمي الإسلامي أحد المسارب التي تسرب منها الاتجاه الحسي إلى تراثنا الفكري».
ثم أخذ يبحث عن بديل آخر بغية الوثوق بالنتائج التي يصل إليها العلم الذي هو بعيد في مادته عن الإحساس، ولو عبر طريق حسي أخباري متصل بالمعصومين الذين هم سبيل المعرفة بعد الإطاحة بالعقل، وبادر إلى القول بأن الإنسان مزوّد بمعرفة إلهامية ذاتية نابعة من صميمه، أسماها بالإلهام المحض أو الفطرة التي فطر الله عليها العباد. والتي لها مساس بطبيعة النفس وكيفية خلقها وتكوينها. وقد اتسمت هذه المعرفة بأنها ذات طابع إشراقي لم تسبق بمعرفة أخرى بل وجدت متزامنة مع الإنسان تجيش في كيانه حاضرة في نفسه، من صنع الله عزّ وجلّ في القلب مخلوقة.
قال الأسترآبادي: «إن التصديقات الصادقة فائضة على القلوب من الله تعالى بلا واسطة أو بواسطة ملك وهي تكون جزماً لا ظنّا».
وحاول أن يستقي مستندها مما ورد من أخبار الأئمة الأطهار (عليهم السلام) باعتبارها متضمنة لقواعد قطعية تسدّ مسدّ الخيالات العقلية ـ حسب تعبيره ـ.
سُئِلَ الإمام الباقر (ع) عن معنى فطرة الله التي فطر الناس عليها، قال: « فطرهم على معرفته أنه ربهم ولولا ذلك لم يعلموا من ربهم ولا من رازقهم».
ومن هذا التحليل انطلق إلى تفسير الرؤية الكونية عبر تلك المعرفة الإلهامية الذاتية الكفيلة بإضفاء اليقين والحجة على أخبار الأنبياء والمرسلين بصانع العالم وتوحيده، ولولا تلك المعرفة الإلهامية لما تمّ الركون والوثوق بأخبارهم. وبعد أن عرف الخالق لا بدّ من الإيمان والإقرار القلبي به ومن ثم يتجلّى دور العقيدة لتكريس تلك الرؤية بالعمل وفقها. وقد حرص على أن يجعل المعرفة مخلوقة لله تعالى لا تخضع لأفعال العباد وأن يعقبها الإيمان الذي يتوسّط بين المعرفة والعقيدة، والذي لا بد أن يكون ذا معنى أخلاقي خاضع لأفعال العباد ولا يتمّ إلا بالانقياد لأوامر الربّ والتسليم له أو رفضها والتمرّد عليها.
منوّهاً بحديث للإمام الباقر (ع) حيث أشار فيه إلى ثلاثة معانٍ: «أحدها: نفس المعرفة التي تتوقف عليها حجة الأدلة النقلية وهي من صنع الله تعالى، والثاني: الإقرار القلبي واللساني وفق تلك المعرفة، وهذا من صنع العبد، والثالث: طاعة الله تعالى قلباً ولساناً وجوارح في كل ما أوجب وحرّم والأخير يزول بارتكاب الصغيرة ثم يرجع بالتوبة».
هذه هي حصيلة نظرية المعرفة عند الأسترآبادي، حيث تتجلّى فيها المعرفة الإلهامية التي جعلها بدايةً يقينيةً لتشيد صرح المعرفة ولم يدّخر وسعاً في تأكيدها. ولا سيما أنها مناط معرفة الله سبحانه، ومناط حجية الأدلة النقلية. وقد تمخّض عنها نفي الاعتماد على الظّن المستفاد من المقدمات العقلية دون حجية القطع الحاصلة من تلك المقدمات وأكّد ضرورة الوثوق بالعقل القطعي قائلاً:
«والأول في إبطال جواز التمسك بالاستنباطات الظّنّيّة في نفس أحكامه تعالى شأنه، ووجوب التوقف عند فقد القطع بحكم الله أو بحكم ورد عنهم (عليهم السلام».
وقال أيضاً: «اليقين قسمان: يقين متعلّق بأن هذا حكم الله في الواقع، ويقين متعلق بأن هذا ورد عن المعصوم(ع) فإنهم جوّزوا لنا العمل به قبل ظهور القائم».
ويبدو أن العقل القطعي الذي آمن به الأسترآبادي خيار لا محيص عنه وإلا سيعرّض فلسفته لسفسطة ليس وراءها سفسطة.. إلا أنه لما وجّه سهام نقده اللاذع إلى العقل لصالح الشرع حاول الإيحاء بأن الوثوق بأخبار الأنبياء والأوصياء لا تتمّ إلا عبر قنوات المعرفة الإلهامية الذاتية، وهكذا فاحت من نظريته رائحة التناقض، وقد نوّه السيد الشهيد الصدر بتلك بقوله:
«ولهذا كانت الحركة الأخبارية تستبطن ـ في رأي كثير من ناقديها ـ تناقضاً، لأنها شجبت العقل من ناحية لكي تخلي ميدان التشريع والفقه للبيان الشرعي، وظلّت من ناحية أخرى متمسكة به لإثبات عقائدها الدينية، لأن إثبات الصانع والدين لا يمكن أن يكون عن طريق البيان الشرعي بل يجب أن يكون عن طريق العقل».
وفي معرض حديثه عن الحسن والقبح، هل هما عقليان أم لا؟
قال المحدّث الأسترآبادي:«وهنا مسألتان: إحداهما الحسن والقبح الذّاتيّان والأخرى الوجوب والحرمة الذاتيان، والذي يلزم من ذلك بطلان الثانية لا الأولى».
وقال أيضاً: «بين المسألتين أي مسألة التحسين والتقبيح، ومسألة حكم الشرع بون بعيد ألا ترى أن كثيراً من القبائح العقلية ليس بحرام في الشريعة ونقيضه ليس بواجب في الشريعة».
ويبدو أن إنكار الملازمة بين حكم العقل وحكم الشارع من قِبَل الأسترآبادي لا ينسجم مع المسلك الذي تبنّاه في نظرية المعرفة. إذ سوف تنفصم الرابطة بين المعرفة الإلهامية والأخبار وبالتالي ينعدم اليقين بها ويعقبه انهيار صرح نظريته وسقوطها في ورطة السفسطة، وترى بعض المصادر أن كلمات الأخباريين قد اضطربت في هذا الصدد «فالذي يبدو من بعضهم إنكار إدراك العقل للحسن والقبح الواقعيين، وبعضهم يعترف بذلك إلا أنهم ينكرون الملازمة بينه وبين حكم الشرع، وبعضهم يعترف بالإدراك والملازمة إلا أنهم ينكرون وجوب إطاعة الحكم الشرعي الثابت عن طريق العقل».
بَيْدَ أن إمعان النظر في الأسس التي صاغها الأسترآبادي في نظرية المعرفة تكشف النقاب عن وجه الحقيقة وينقشع عنها الغبار ويضع حدّاً للأزمة لان قوام تلك النظرية هي المعرفة الإلهامية الذاتية والتي تعدّ الركن الأساس للوثوق بالأخبار الدّالة على الصانع وتوحيده وبمدى صحة ادّعاء الأنبياء والأوصياء فيما يدعونه واليقين بها، ولولا التلازم بين حكم المعرفة الإلهامية وحكم الشرع لم يثبت التوحيد والنبوة ولم يجزم بشيء من أمور الدين لجواز إجراء المعجزة على يد الكاذب، وخلف الوعد منه تعالى ويلزم منه عدم الوثوق بصدق الأنبياء وغير ذلك من المفاسد.
وخلاصة القول أن الحكم بالملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع إنما يتمّ في العقل البديهي دون النظري.
وقد استحسن هذا التفريق المحدّث الجزائري حيث قال: «فإن قلت عزلت العقل عن الحكم في الأصول والفروع، فهل يبقى له حكم في مسألة من المسائل؟ قلت: أما البديهيات فهي له وحده وهو الحاكم فيها».
الفقه الحديثي عند الأسترآبادي
احتل الفقه الحديثي مركز الصدارة عند الأسترآبادي، ولم يدّخر وسعاً في تأكيد ضرورة تحصيل الحكم الشرعي القطعي من أدلّته القطعية المتمثلة في الكتاب والسّنّة، فالكتاب هو القرآن وهو المصدر التشريعي الأول للأمة يمدّها بجميع حاجاتها التشريعية ولا يدانيه أي مصدر آخر لما يتمتع به من قطعية وشمولية لكل جوانب الحياة.
وقال في معرض كلامه عن هذه الحقيقة «فكل ما تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة، وكل ما اختلف فيه إثنان، ورد فيه خطاب وحكم من الله حتى أرش الخدش فخلّو واقعة عن حكم إلهي غير متصوّر عند أصحابنا».
وأخذ يؤكد أهمية القرآن ويلمح أنه ما من واقعة إلا ولها في القرآن أصل إلى يوم القيامة. وأنحى باللائمة على العقل لقصوره عن نيل حكم الواقعة من ظواهر القرآن وعزا ذلك إلى قول الصادق (ع): «ما من أصل اختلف فيه إثنان إلا وله أصل في كتاب الله لا تبلغه عقول الرجال» على أن للقرآن وحقائقه مقاماً شامخاً لا يناله إلا أهل الذكر والراسخون في العلم. أشارت إليه الروايات التي نصّت على أن فهم القرآن ومعرفته مختص بأهل البيت بقوله (ع): «إنما يعرف القرآن من خُوطِبَ به».
وهكذا تتضح أهمية العنصر الثاني للتشريع ألا وهي السنة ـ أي قول المعصوم وفعله وتقريره ـ التي تعدّ حاجة ملحّة لتبيين تلك الحقائق القرآنية، نظراً لعصمتهم عن الخطأ والزلل، فهم خزنة علم النبي (ص) المستنيرون بهداه، فقولهم الحق الذي لا ريب فيه يصدرون عن الله سبحانه لا عن اجتهاد وحدس وظنّ، يقول الإمام الكاظم (ع): «والله إني ما أخبرك إلا عن رسول الله (ص) وعن جبرئيل عن الله عزّ وجلّ».
وهكذا انطلق من دعامتين للتشريع تكفلان له تحقيق اليقين الذي يتوخّاه في الأحكام بغية صياغة الهيكلية الحديثية للفقه.
ففاحت من شجون أفكاره الأخبارية إلى أبعد مداها، ويظهر ذلك بوضوح حينما حطّ من أهمية العقل الأصولي ودوره كأحد منابع التشريع، وكان من الطبيعي أن يتّخذ موقفاً سلبياً حيال الاستنباطات الظنية التي تشبث بها المجتهدون، كالبراءة والاستصحاب والإجماع وغيرها من اللواحق، ودعاه إلى القول: «لا مدرك للأحكام الشرعية النظرية فرعية كانت أو أصلية، إلا أحاديث العترة الطاهرة وتلك الروايات الشريفة متضمنة لقواعد قطعية تسدّ مسدّ الخيالات العقلية المذكورة في الكتب الأصولية، والاعتبارات المذكورة في كتب فنّ دراية الحديث… وغيرها قليلة الجدوى عند الأخباريين من أصحابنا وذلك لأنهم لم يعتمدوا في فتاواهم وأحكامهم، إلا على دلالات واضحة صارت قطعية بمعونة القرائن الحالية أو المقالية».
ورأى أن تلك الاستنباطات الظّنيّة التي تناولها علم الأصول مستوحاة من الفكر العامي، وأنها حدثت بعد زمان الأئمة ولا سيما أن رواة الحديث لم يكونوا على علم بها، بل كانوا عاملين بالأحاديث بمرأى ومسمع من الأئمة (عليهم السلام) دون أن ينكر عليهم ذلك.
ويبدو أن كلمة الاجتهاد ـ الذي هو مطلق عملية استنباط الأحكام الشرعية ـ لم تكن مختمرة إلى ذلك الحين بل أثقلت كاهلها بأعباء الماضي الذي كان يعني العمل بالقياس والرأي ولم يتميز هذان المعنيان إلى مدة مديدة، مما دفع الأسترآبادي أن يتهم أصحاب الاجتهاد باتباع أصحاب القياس والرأي، ودعا إلى شجبه ونبذه والاقتصار على العمل بالأحاديث مما حدا بالمحقق البهبهاني أن يستنكر عليه ذلك بالقول:
«ما الوجه في مطاعنكم الشديدة المنكرة بالنسبة إلى المجتهدين؟ والتشنيعات المتكثرة الركيكة على هؤلاء المتقين الورعين؟… بل ربما تأملتم في عدالة من يقرأ كتبهم ويسلك سبيلهم؟ ومم هذه المعركة المهيأة بين العالمين؟ وما هذه البغضاء والنفرة الحادثة بين الشيعة؟ ومن أين اجترأ الجهلة على الطعن في الأعاظم والاجلّة بنسبتهم إلى متابعة أهل السنة وأبي حنيفة؟».
وقد بادرت بعض المصادر إلى القول أن نسبة تحريم الاجتهاد لهم نسبة غير صحيحة، لأن الأخباري مجتهد وإن لم يصرّح بذلك، لأنه عندما يحاول الرجوع إلى الكتاب والسّنّة لا بدّ أن يتمتع بملكة يستطيع بها أن يفهم الحكم الشرعي وينقله لمقلّده وإلا لما كانت له ميزة عن غيره، وهذه القابلية عندما يعملها في استنباط الأحكام، فهو في الواقع قد أعمل ملكته في حدود مصادره وبهذا يكون مجتهداً.
يقول الشيخ جعفر كاشف الغطاء في هذا الصدد: «والأخبارية إن لم يجتهدوا في المقدمات التي يتوقف عليها فهم الأخبار والروايات خرجوا عن طريقة الإمامية، فمرجع الطرفين إلى ما روي عن سادات الثقلين، فالمجتهد أخباري عند التحقيق، والأخباري مجتهد بعد النظر إذ لا نزاع بيننا في أصول الدين، ولا مانع عندنا من الرجوع إلى الطرفين في معرفة حكم رب العالمين، وإنما جعل لكل اسم على حدة لحصول الخلاف بينهم في مسائل متعددة».
وهذه المبادرة لم تأخذ بنظر الاعتبار المراحل التاريخية التي مرت بها كلمة الاجتهاد بل حاولت طمس الأدوار الأولى للاجتهاد في سحب كثيفة من الظلام الدامس وإلغائها واكتفت بتسليط مزيد من الأضواء على أطواره الأخيرة، ذلك أن كلمة اجتهاد تباينت تبايناً ملحوظاً عبر التاريخ وتضاربت الآراء في تفسيرها، وكانت ترادف في بداية أمرها الرأي والتفكير الشخصي حينما لا يكاد يعثر على النص فيستلهم من الفكر بغية علاج الحوادث المستجدّة، وكان القياس والاستحسان والمصالح المرسلة ونظائرها من أبرز مصاديقها.
وقد انتشر هذا اللون من الاجتهاد على نطاق واسع رافقه شجب وتنديد من قِبَل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) للحيلولة دون العمل به والاعتماد عليه، وكانت الحملة ضد الاجتهاد غالباً للتعبير عن ذلك المعنى ـ أي الرأي والقياس ـ وواصل شيعتهم تلك الحملة بعد الغيبة الكبرى وأخذ الشيخ الطوسي يكتب في كتاب العدّة قائلاً: «وأما القياس والاجتهاد فعندنا إنهما ليسا بدليلين بل محظور في الشريعة استعمالهما».
واستمر الوضع على هذا المنوال إلى منتصف القرن السابع فأخذت فكرة الاجتهاد تتطور، وعرّفت: بأنها استفراغ الوسع في استخراج الأحكام الشرعية وقد تلقفته المحامل العلمية الشيعية بالقبول والرضا دون أن تشعر منه بالتّحرج، لأن المصطلح الجديد لا يسمح للفقيه أن يبرز أي حكم من الأحكام بالاجتهاد لأنه ليس مصدراً للحكم، بل هو عملية استنباط الأحكام من مصادرها، ولم يقف عند هذا الحدّ بل شمل عملية استنباط الحكم من ظاهر النصوص أيضاً. ثم أخذ معنى الاجتهاد يتوسع فشمل كل عملية يمارسها الفقيه لتحديد الموقف العملي تجاه الشريعة عن طريق إقامة الدليل على الحكم الشرعي.
ويتّضح جليّاً أن الاجتهاد الذي تحاشت الأخبارية قبوله إنما هو القياس والرأي لا الاجتهاد الذي هو استفراغ الوسع وإعمال النظر، فهذا مما لا ينكره أحد.
فحقيقة مهمة الأسترآبادي ـ حسب زعمه ـ إذا استبعدنا كون حركته جزءاً من سياسة الدولة الصفوية للحدّ من نشاظ المؤسسة الفقهية بعد أن أخذت تتضايق من اتّساع دائرة نفوذ المؤسسة الفقهية التي بدأت تتحول إلى قوة وسلطة زمنية تتحكم في شؤون الدولة والمجتمع، ولم يكن هذا النظام يسمح بظهور قوة جديدة في ساحة الصراع السياسي تنافسه، فوجد في تضعيف مؤسسة الاجتهاد مخلصاً له فأثار عجاج الأخبارية بغية الوقوف أمامها، ووضع الفكر الإثني عشري في مساره الصحيح عن طريق الوقوف أمام التطرف الاجتهادي الذي خدم الجهاز الحاكم مع علمه بنهي الأئمة (عليهم السلام) من الدخول في خدمة الحكام، مما حفّز الأسترآبادي إلى إعلان موقفه.
ويبدو أن تلك المحاولة التي تشدّقت بها الأخبارية لم تكن بصدد تقصّي الحقائق وإنشاد ضالّتها بقدر ما هي محاولة للتجاوب مع العاطفة التي أخذتها على أخبار أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ومخالفة العقل الأصولي باعتباره مستورداً من غير الشيعة ظنّاً منهم أن الانجراف في تيار العقل سيسدد ضربات قاصمة لأخبار الأئمة الأطهار وبالتالي الإعراض عنها.
فنادت بالرجوع إلى الأصول الأولى مما جعلها تستقطب تأييداً على نطاق واسع في المحافل العلمية.
قال المجلسي الأول: إن مولانا الأسترآبادي عرف طريق أصحاب الأئمة، ودوّنها في الفوائد المدنية وأرسلها إلى البلاد وكان الكتاب مستحسناً عند أكثر أهل النجف والعتبات العالية وبفضله رجعوا إلى الأخبار.
وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على مدى الانتشار الواسع لأفكار الأسترآبادي التي لم تتوانَ عن مداهمة التيار الاجتهادي في عقر داره الذي بدأ هشّاً أمامها بَيْدَ أنها لم تقف عند هذا الحد، بل أحاطت نفسها بهالة من القداسة وبدأت وكأن خصومها على الطرف النقيض منها.
وقد رسم صاحب منتهى المقال صورة صادقة عن الوضع المزري الذي آل إليه الاجتهاد بقوله:
«كانت بلدان العراق سيّما المشهدين الشريفين مملوءة من معاشر الأخباريين حتى أن الرجل منهم إذا أراد حمل كتاب من كتب فقهائنا رضي الله عنهم حمله مع منديل».
ولم يكتفِ بالنيل من العقل الأصولي والطعن فيه بل أفرغه من محتواه وضيّق الخناق عليه للحيلولة دون توسيع دائرة التشكيك في الأخبار بحجة قصوره عن معالجة القضايا المطروحة، فقد وجّه نقده إلى ابن طاووس (ت: 664هـ) والعلامة الحلي (ت: 726هـ). حينما لجأوا إلى تقسيم الأخبار إلى صحيح وحسن وموثّق وضعيف، وحاول التقليل من أهميته ولا سيما أنها تشكل حجر الزاوية لفلسفته، وتطلب من الأسترآبادي جهوداً مضنية بغية تثبيت يقينية أخبار الأئمة (عليهم السلام) فأدى قطعية صدور كل ما ورد في الكتب الحديثية الأربعة من الروايات، وعدم الحاجة إلى العلم بأحوال الرجال لأنها قطعية الصدور عن المعصوم فلا تحتاج إلى ملاحظة السند، أما الكبرى فظاهرة وأما الصغرى فلأنها محفوفة بالقرائن المفيدة للقطع بصدورها عن المعصوم.
ثم ذكرالقرائن المدعاة، ننقلها هنا إجمالاً.
1ـ يمكن إحراز وثاقة الرواة بالقرائن وإن كانوا فاسقين عقيدةً وعملاً.
2ـ تعاضد الروايات بعضها ببعض.
3ـ تلقي الروايات من الكتب المعتمدة.
4ـ جملة من الرواة يعدون من أصحاب الإجماع.
5ـ أثر عنهم (عليهم السلام) في حق بعض الرواة بأنهم «ثقاة مأمونون» أو «أمناء الله في أرضه».
ثم أن البهبهاني بدأ بنقده هذه القرائن والتحقيق في الأدلة المذكورة، فقال: ما ادّعيت من حصول القطع من القرائن بأن الراوي ثقة ممنوع، ولا نجده منك إلا مجرد دعوى خالية عن شاهد.
إلى أن قال: وما ذكر من أن العلم بعدم افتراء كل أصحاب الأصول أو جلّهم غير عزيز لا أفهمه لأنه لم يظهر بعد أن الأصل ماذا؟… وصاحب الأصل من هو…؟ مضافاً إلى أن بعض أصحاب الأصول ـ مع تصريح المشايخ العارفين الماهرين بأنه صاحب الأصل ـ يقولون كذاب متهم.
ومع ذلك كثير من أصحاب الكتب المشهورين ورد فيهم عن المشايخ أنهم وضّاعو الحديث كذّابون.
إلى أن قال: فبملاحظة جميع ما ذكرنا، كيف يمكن دعوى القطع بالنسبة إلى الكل أو الجلّ، بل لا يبقى بعد إخراج جميع ما ذكر إلا قليل.
هذه حصيلة أفكار الأسترآبادي التي ظلت سائدة قرابة قرنين بفضل جملة من العلماء وفي طليعتهم:
1ـ عبد علي بن جمعة العروسي (ت: 1073هـ) مؤلف نور الثقلين.
2ـ هاشم بن سليمان البحراني (ت: 1107هـ) مؤلف البرهان في تفسير القرآن وترتيب التهذيب.
3ـ سليمان بن عبدالله البحراني (ت: 1121هـ).
4ـ عبدالله بن صالح السماهيجي (ت: 1135هـ) مؤلف جواهر البحرين في أحكام الثقلين.
5ـ يوسف بن أحمد البحراني (ت: 1186هـ) مصنّف الحدائق الناضرة.
6ـ أخيرهم محمد بن عبد النبي بن عبد الصانع النيسابوري (ت: 1232هـ) مؤلف كتاب مصادر الأنوار في تحقيق الاجتهاد والأخبار. ومنية المرتاد في ذكر نفاة الاجتهاد.
ولم تكن الأخبارية جديدة من نوعها بل سبقتها الظاهرية في الكيان السني التي شيّد أركانها داوود بن علي بن خلف الظاهري (200ـ 270هـ) في القرن الثالث الهجري فقد نادى بالكتاب والسّنّة، ونبذ العقل في شتى المجالات، وهجره وذمّه ووضع كتباً في ردّه، وقال: أن في عمومات النصوص من الكتاب والسنة ما بقي لكل جواب.
إلا أن الأسترآبادي شدّد على القول بأن سيرته امتداد لسيرة الفقهاء في زمن الغيبة وما قبلها، متمثلة بالصدوقين والكليني الذين كان ديدنهم الاعتماد على الأحاديث ورفض الاجتهاد، ولكن ـ حسب زعمه ـ فقد انجرف بعض الفقهاء بعد عصر الغيبة أمثال ابن الجنيد والشيخ المفيد والمرتضى والطوسي وراء تيار الاجتهاد والرأي.
ومن وحي هذا الكلام أرّخها البعض إلى أدوار ثلاثة:
الدور الأول: الأخبارية القديمة، وقد مرّت الإشارة إليها، المتمثلة بالصدوقين والكليني.
الدور الثاني: الأخبارية الحديثة، ويرجع تاريخها إلى أوائل القرن الحادي عشر الهجري، متمثلة بالأسترآبادي.
الدور الثالث: الأخبارية المعتدلة، وتبدأ بزعامة المحدث البحراني المتوفى عام 1186هـ.
وقد ساورت الشكوك كثيراً من الباحثين حول خلفيات تلك النزعة وتلك الأدوار، ذلك أن أهل الحديث واظبوا على جمع الأحاديث دون فرق بين تلك الأحاديث التي تشجب الرأي والاجتهاد والقياس.
أو التي تنقل فتاوى أعيان أصحاب الأئمة كزرارة، والفضل بن شاذان، وبكير بن أعين واجتهاداتهم، فجلّ همهم هو جمع تلك الأحاديث بغية حفظ الشريعة من التّيه والضياع وصيانتها عن الاندراس والانطماس.
قال الشريف المرتضى في هذا الصدد: «فأما أصحاب الحديث فإنهم رووا ما سمعوا، وحدثوا به، ونقلوا عن أسلافهم، وليس عليهم أن يكون حجة ودليلاً في الأحكام الشرعية أو لا يكون كذلك».
بيد أن تلك الأحاديث ليست حجة برمّتها عند المحدثين أنفسهم، فقد أعلن الشيخ الصدوق ذلك صراحة في خطبة كتابه القيّم «من لا يحضره الفقيه» قائلاً:
«لم أقصد فيه قصد المصنفين في إيراد جميع ما رووه بل قصدت إلى إيراد ما أفتى به، وأحكم بصحته، وأعتقد في أنه حجة بيني وبين ربي تقدّس ذكره وتعالت قدرته».
في حين تبنّت الأخبارية حجية الأخبار برمّتها.
وثمة نقطة اختلاف جوهرية أخرى، وهي أن القرآن استأثر باهتمام كبير لدى أصحاب الحديث يُرجع إليه بغية علاج الاختلاف بين الأحاديث، ولا يتيسّر ذلك إلا إذا حازت ظواهر القرآن على رصيد كبير من الاطمئنان. وقد أشار الكليني إلى هذه الحقيقة بقوله: «إعلم يا أخي أرشدك الله أنه لا يسع أحداً تمييز شيء مما اختلف الرواية فيه عن العلماء برأيه إلا على ما أطلقه العالم ـ الإمام الكاظم (ع) ـ (اعرضوها على كتاب الله فما وافق كتاب الله عزّ وجلّ، فخذوه، وما خالف كتاب الله فردّوه) إلا أن الأخبارية جعلت القرآن لغزاً لا يفهمه من خُوطِبَ به».
فنخلص إلى القول بأن الاتجاه الأخباري إنما هو اتجاه حديثي مفرط.
ومهما يكن من أمرٍ، فلم يعد الفكر الأخباري قادراً على الصمود في حلبة الصراع الفكري بعد أن دام قرنين من الزمان، وسلك المصير نفسه الذي آل إليه المذهب الظاهري.
ويعزى ذلك إلى أنه منع من مواكبة التشريع الإسلامي للتطور الحضاري مما جعله تشريعاً قاصراً عن تلبية حاجات الناس في كل زمان ومكان، مضافاً إلى غلوّ أتباعه في آرائهم وتعرضهم بالقذع لكثير من خصومهم ومناوئيهم، وانطوائهم على أنفسهم، فقد وصفت بعض المصادر المحدث الأسترآبادي بأنه أول من فتح باب الطعن على المجتهدين وقد أكثر في كتابة الفوائد المدنية على التشنيع عليهم.
أنور الرصافي
الأخبار بين الأصوليين والأخباريين
وقع الخلاف بين الأصوليين والأخباريين في مرويات كتب الحديث وخاصةً الكتب الأربعة، فقد ذهب الأخباريون إلى قطعية صدور ما جاء فيها، وقد أفاضوا في الاستدلال على صحة الأخبار الواردة في الكتب الأربعة حيث ذكر إثني عشر وجهاً([138]).
وعلى الوتيرة نفسها جرى العاملي بن شهاب الدين حيث عقد الفصل الرابع من كتابه (هداية الأبرار) في ذكر القرائن الدّالة على صدق ما شهد به الأئمة الثلاثة([139]) من صحة أحاديث كتبهم، وأنه لا يجوز ردّ ما روي عن الأئمة([140]). كما سلك الفيض الكاشاني المسلك نفسه في كتابه (الوافي)([141]).
أما الحرّ العاملي محمد بن الحسن (ت1104هـ) فقد استدلّ على ذلك بإثنين وعشرين وجهاً في الفائدة التاسعة التي عقدها لإثبات صحة أحاديث جميع الكتب التي جمع منها كتابه (وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة)، وحكم بوجوب العمل بها أجمع([142]).
واستدل المحدث البحراني على ذلك بستة وجوه، وقال بعد أن ذكر تلك الوجوه: (إلى غير ذلك من الوجوه التي أنهيناها في كتاب المسائل إلى اثني عشر وجهاً، وطالب الحق المنصف تكفيه الإشارة، والمكابر المتعسّف لا ينتفع ولو بألف عبارة)([143]).
- أدلة الأخباريين على صحة ما جاء في الكتب الأربعة:
استدلّ الأخباريون على صحة ما جاء في كتب الحديث([144]) وخاصةً الكتب الأربعة بأدلة كثيرة عقدوا لها فصولاً في مؤلفاتهم. ونظراً لتداخل هذه الأدلة، ولانضواء بعضها تحت البعض الآخر، وتكرارها لذا آثرت الاقتصار على أهم ما استدلّوا به، إذ يمكن حصره بالنقاط التالية:
الأولى: أنا نعلم أنه كانت عند قدمائنا أصول من زمن أمير المؤمنين(ع) إلى زمن الأئمة الثلاثة كانوا يعتمدون عليها في عقائدهم وأعمالهم، ونعلم علماً عادياً أنهم كانوا ليس كذلك، وأنهم لم يقصّروا في ذلك، واستمر هذا المعنى إلى زمن المحمدين الثلاثة، فعلم أن الأحاديث كلها صحيحة باصطلاح القدماء([145]).
إنما قيّد الصحيح باصطلاح القدماء لأنه على مبناه ما كان صحيح الصدور لا صحيح السند.
الثانية: أنا نقطع قطعاً عادياً بأن جمعاً كثيراً من ثقاة أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، ومنهم الجماعة الذين أجمعت العصابة على أنهم لم ينقلوا إلا الصحيح باصطلاح القدماء صرفوا أعمارهم في مدة تزيد على ثلاثمائة سنة في أخذ الأحكام عنهم (عليهم السلام)، وتأليف ما يسمعونه منهم (عليهم السلام)، وعرض المؤلفات عليهم، ثم التابعون لهم يتبعونهم في طريقتهم واستمر هذا المعنى إلى زمن الأئمة الثلاثة([146]).
ومن الكتب المعروضة على الأئمة كتاب عبيد الله بن علي الحلبي، وكتاب يونس بن عبد الرحمن، وكتاب الفضل بن شاذان وغيرها فأجابوا بأنها حق([147]).
الثالثة: يعلم كل من تتبّع كتب الرجال وأحوال القدماء أن الأصول والكتب المعتمدة كلها موجودة في زمن الأئمة الثلاثة وأنهم جمعوا كتبهم منها.. فلو نقلوا فيها ما فيه ريب لميّزوه بعلامة وإلا لم يكونوا مرشدين، وكفى بذلك قرينة على صحة ما فيها([148])، وهو ما ذكره المحدث الأسترآبادي مستشهداً بتصريح الشيخ الطوسي في (العدة)([149])، وفي أول الاستبصار: أن كل حديث عمل به مأخوذ من الأصول المجمع على صحة نقله([150]).
الرابعة: أن الأئمة (عليهم السلام) كانوا يأمرون أصحابهم بكتابة الحديث، وحفظ الكتب، ويقولون لهم أنكم ستحتاجون إليها. فعن الصادق(ع) أنه قال: (احتفظوا بكتبكم فإنكم ستحتاجون إليها)([151]). ولا معنى لذلك إلا العمل بما فيها، وما عندنا الآن من الأخبار مأخوذ من تلك الكتب التي كانت عند أصحاب الأئمة وأمروهم بكتابتها ونشرها([152]).
الخامسة: إن الشيخ الطوسي كثيراً ما يتمسك بأحاديث في طريقها الضعفاء، وربما طرح أحاديث الثقات وأولها لأجلها، وما ذاك لا لأنه ظهر له صحتها، إما لوجودها في الكتب المعتمدة، أو غير ذلك من الوجوه الموجبة لقبولها وترجيحها، فلذلك رجح العمل بها.
لذا فإن اعتماد الفقهاء لم يكن على السند وحده، ولم يكونوا يحكمون بصحة حديث إلا بعد القطع بذلك، لأن أكثر الأخبار كانت عندهم متواترة، أو في حكم المتواترة لقرائن دلّت على ذلك([153]).
السادسة: كما استدلَ الأخباريون أيضاً على صحة ما جاء في الكتب الأربعة اعتماداً على المقدمات التي وردت فيها، فقد قال الكليني في أول (الكافي): «قد فهمت يا أخي ما شكوت من اصطلاح أهل دهرنا على الجهالة، وما ذكرت أن أمور قد أشكلت عليك لا تعرف حقائقها لاختلاف الرواية فيها.. إلى أن قال: وقلت: إنك تحب أن يكون عندك كتابٌ كافٍ يجمع من جميع فنون علم الدين، ما يكتفي به المتعلم، ويرجع إليه المسترشد… وقد يسّر الله وله الحمد تأليف ما سألت، وأرجو أن يكون بحيث توخيت، فمهما كان فيه من تقصير، فلم تقصر نيّتنا في إهداء النصيحة، إذ كانت واجبة لإخواننا»([154]). وقد قرب الحرّ العاملي الاستدلال على صحة أحاديث الكافي بوجوه منها:
أ ـ قوله بالآثار الصحيحة، حيث أنه لم يذكر فيه قاعدة يميز بها الصحيح من غيره، لو كان غير صحيح، فعلم أن كل ما فيه صحيح باصطلاح القدماء، بمعنى الثابت عن المعصوم بالقرائن القطعية أو التواتر.
ب ـ إنه وصف كتابه بأوصاف يستلزم منها ثبوت أحاديثه، والتي منها: أنه صنّف كتابه لإزالة حيرة السائل، فلو لفق كتابه من صحيح وغيره لزاد السائل حيرة وإشكالاً.
ج ـ إنه ذكر أنه لم يقصر في إهداء النصيحة، وأنه يعتقد وجوبها فكيف يرضى بالتقصير في ذلك، ويلفق كتابه من الصحيح والضعيف مع كون القسمين متميزين في زمانه قطعاً([155]).
أما الشيخ الصدوق فقد صرّح في أول كتابه (من لا يحضره الفقيه) بعد أن ذكر سبب تأليفه للكتاب (وأضفت له هذا الكتاب بحذف الأسانيد لئلا تكثر طرقه، وإن كثرت فوائده، ولم أقصد فيه قصد المصنفين إلى إيراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به، وأحكم بصحته وأعتقد أنه حجة بيني وبين ربي، ثم ذكر الكتب التي استخرج منها كتابه)([156]).
وقد اعتمد الأخباريون على ما أورده الصدوق في مقدمة كتابه المقدمة لإثبات ما ذهبوا إليه([157]).
قال الحر العاملي بعد ذكر مقدمة الشيخ الصدوق: (أنها صريحة في الجزم بصحة أحاديث كتابه والشهادة بثبوتها، وفيه شهادة بصحة الكتب المذكورة وغيرها مما أشار إليه وثبوت أحاديثه)([158]).
السابعة: اعتبر الأخباريون ما ورد على لسان أئمتهم من تنبيه إلى ما دسّه الكذابون، وتسميتهم بأسمائهم، رعايةً منهم لتنقية هذه المدونات مما دسّه الكذابون.
وفي معرض الرّدّ على من قال: إن الكذابين والوضاعين كثيرون كما تشهد به كتب الرجال، فربما غفل أصحاب الكتب الأربعة ونقلوا بعض الأخبار المكذوبة أو الموضوعة في كتبهم لا عن عمدٍ، وربما دسّها بعض الرواة الثقاة فزاد في الحديث أو نقص منه لا عن عمد، فنقلوه كما وجدوه فكيف يمكن الحكم بصحة كل ما في هذه الكتب والاعتماد عليه؟
أجاب العاملي حسين بن شهاب الدين بقوله: (أن هذا محتمل، ولكنه يندفع بالتأمل في تناسب أجزاء الحديث ومطابقة السؤال للجواب، واعتضاد بعض الأخبار ببعض، وكون الحديث مضطرباً… أو لا يدل على معنى محصل، أو غير ذلك، فلو رأينا حديثاً يقع فيه الريب أو الشك لا نعمل به، ولا نكذب به، بل نسكت عنه احتياطا(ً[159]).
الثامنة: قال المحدث البحراني: (إن الاختلاف الواقع في الأخبار إنما نشأ من التّقية([160])، لا من دسّ الأخبار المكذوبة في أخبارنا، والتي منها ما ورد عنهم (عليهم السلام) من أن لكل رجلٍ منا رجلاً يكذب عليه.
فإن أصحاب الأصول الأربعمائة كانوا يتحرزون عن رواية ما لم يجزموا بصحته.
وبعد أن ذكر أحاديث نص فيها الأئمة على أسماء الكذابين أمثال المغيرة بن سعيد، ومحمد بن مقلاص المعروف بأبي الخطاب، وفارس بن حاتم القزويني، ومحمد بن نصير النميري، وجمع كثير ممن تسمى بالشيعة، حيث ذهب إلى أن شهرة الأمر في هؤلاء المعدودين وأمثالهم، فإنهم لا يعتمد أحد اطلع على أحوالهم وعلى رواياتهم، ولا يدونونها في أصولهم إلا مع اقترانها بما يوجب صحتها ويعلن ثبوتها([161]).
موقف الأصوليين من الكتب الأربعة
لا يخفى أن دعوى قطعية صدور الأخبار لا يمكن قبولها إن كان المراد ما هو المتبادر من القطع الذي هو اليقين الجازم المانع من النقيض، لكثرة الدواعي والأسباب المانعة من حصوله لاحتمال الخطأ والغفلة والنسيان، بل وتعمد الكذب في أصل كتابة الأخبار، بل وفيما بعد ذلك في كل عصرٍ وزمانٍ مضافاً إلى احتمال الدّسّ في تلك الأعصار السابقة كما دلّت على ذلك جملة من الأخبار.
(منها): ما روي عن الصادق(ع) أنه قال: (أنا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذابٍ يكذب علينا، فيسقط صدقنا بكذبه علينا)([162]).
وفي رواية عن أبي عبدالله(ع) أنه قال: (كان أبو الخطاب أحمق فكنت أحدثه فكان لا يحفظ وكان يزيد من عنده)([163]).
وفي آخر عن أبي عبدالله(ع) أنه قال: (لعن الله المغيرة بن سعيد، إنه كان يكذب على أبي)([164]).
من أجل هذا تساءل الوحيد البهبهاني (ت1206 ـ 1208هـ) بقوله: فكيف تدعى القطعية للأخبار مع أن اختلافها في زمن صدورها؟ وسؤال الرواة بعد تحيرهم عن الحق منها يقضي بعدم كونها قطعية أيضاً، وإن كان التحير في جملة منها من جهة الواقع لا من جهة الصدور، كما يكشف عنه التراجيح من جهة الصدور كالأوثقية والأعلمية ونحوهما([165]).
وكيف تدعى القطعية..؟ مع ما ترى من الخلل بالزيادة والنقصان والتغيير والتبديل.. كما تقضي به وتشهد له الملاحظة، فكم ترى الخبر الواحد المروي في الكتب الأربعة فضلاً عن غيرها مختلف المتن بالزيادة في بعضها والنقصان في آخر، فترى في بعضها (الواو) وفي الآخر (أو) مكانه، وفي الثالث (الفاء) مكانهما مثلاً، وفي الرابع زيادة فقرة متكفلة بحكم آخر أو منافية لسابقها([166]).
أما من ناحية الطريق فالأمر لا يختلف أيضاً، وذلك لاشتراك الرواة اسماً، أو لقباً، أو كنيةً أو صفةً، أو نسباً، أو مكاناً، إلى غير ذلك، والمميزات ظنية.
وهكذا كلما زادت الوسائط زاد احتمال الخلل، وكذا في كيفية النقل باللفظ أو المعنى، فإن إحتمال الخطأ في النقل بالمعنى أكثر منه في اللفظ، إلى غير ذلك مما يوجب عدم الطمأنينة بالصدور فضلاً عن القطعية، فدعواها ليست إلا مكابرة صرفة، نعم دعوى الظنية والاطمئنان بها في الجملة في محلها خصوصاً الكتب الأربعة([167]).
وإذا رجعنا إلى ما ذكره الحرّ العاملي في الفائدة الثامنة([168]) من تفصيل بعض القرائن التي يقترن بها الخبر، فإنا عند الملاحظة والتأمل نراها غير دالة على مدعاه من قطعية أخبار الكتب الأربعة بمعنى جميعها فضلاً عن غيرها، إذ هي ما بين كون الراوي ثقة، أو كون الراوية مأخوذة من كتاب معتمد، أو موجودة في أصلين، أو كون الراوي لها من أهل الإجماع على التصديق أو التصحيح أو غير ذلك من الأمور التي لا توجب أزيد من كون الخبر معتمداً عليه، حجة في مقام العمل، أما أنه قطعي الصدور فمن أين؟ بل جملة منها لا تصل إلى هذا الحدّ ولا تفيده ككونه مجرداً عن المعارض، فإن مجرد كون الخبر خالياً عن المعارض لا يوجب اعتباره ووجوب العمل به ما لم يكن جامعاً لشرائط الحجية من وثاقة ونحوها.
كما ناقش الوحيد البهبهاني الحرّ العاملي فيما ذهب إليه في الفائدة التاسعة التي عقدها للاستدلال على صحة أخبار الكتب التي نقل منها كتابه (الوسائل)، فقد قال الحرّ العاملي: (والموجب أن هؤلاء المتقدمين، بل من تأخر عنهم، كالمحقق، والعلامة، والشهيدين، وغيرهم، إذا نقل واحد منهم قولاً عن أبي حنيفة أو غيره.. أو نقل كلاماً من كتاب معين، ورجعنا إلى وجداننا نرى أنه قد حصل لنا العلم بصدق دعواه وصحة نقله لا الظن، وذلك علم عادي، كما نعلم أن الجبل لم ينقلب ذهباً، والبحر لم ينقلب دماً، فكيف يحصل العلم من نقله عن غير المعصوم، ولا يحصل من نقله عن المعصوم غير الظن([169]).
وقد أجاب الوحيد البهبهاني عن ذلك موضحاً أنه لا فرق بين القسمين، أعني النقل عن المعصوم وغيره في عدم حصول القطع بمعناه أعني اليقين الجازم الذي لا يحتمل النقيض، كما أنه لا فرق بينهما في حصوله بمعنى وجوب القبول والعمل والثبوت بعد كون الناقل جامعاً لشرائط الحجية من العدالة والضبط ونحوهم([170]).
نعم قد يحصل أول الأمر ما يشبه اليقين لكون السامع غافلاً وغير ملتفت إلى الأضداد، وخالي الذهن عن المخبر به، فيجد نفسه مطمئناً بذلك الخبر وساكناً إليه على وجه يصحّ ـ ولو بالتسامح ـ إطلاق العلم العادي عليه، لكنه بعد التّروّي والتّأمل والالتفات إلى موانع القطع والمطابقة للواقع من السهو والغفلة ونحوهما لا يجد نفسه إلا ظانّاً أو مطمئناً في الجملة، وهذا أيضاً حاصل في القسمين معاً، فالتفرقة بينهما ناشئة من قلة التأمل وعدم إعطائه حقه([171]).
أما ما ذكره الكليني (ت328 ـ 329هـ) من سبب تأليفه لكتابه (الكافي) فإنه لم يشترط عليه أن لا يذكر فيه غير الرواية الصحيحة أو ما صحّ عن الصادقين (عليهم السلام)، ولعل المتتبّع لكتاب الكافي يجده قد أورد روايات كثيرة عن غير المعصومين (عليهم السلام)([172]).
لهذا كله تساءل الشيخ كاشف الغطاء حيث قال: (المحمدون الثلاثة كيف يعوّل عليهم في تحصيل العلم، وبعضهم يكذب رواية بعض بتكذيب بعض الرواة، فما استندوا إليه مما ذكروا في أوائل الكتب الأربعة من أنهم لا يروون إلا ما هو حجة بينهم وبين الله، أو ما يكون من القسم المعلوم دون المظنون فبناءً على ظاهره لا يقتضي حصول العلم بالنسبة إلينا لأن علمهم لا يؤثر في علمنا)([173]).
أي أن أخبارهم بصحة جميع ما في كتبهم إنما هو اجتهاد استنبطوه مما اعتقدوا أنه قرينة على الصدق وهذا الاجتهاد ملزم لهم وغير ملزم لغيرهم([174]).
إذ أن المجتهد في مقام إجراء عملية الاستنباط وهو يريد الوصول إلى حكم الله على جميع ما يتصل بالحكم عليه أن يخوض المسألة بنفسه، ويلاحظها كما لو لم يسبقه إليها أحد المجتهدين، وطبيعي أن هذا يستدعي أن يأخذ بعين الاعتبار أسانيد الروايات التي ينوي استخراج الحكم منها، ولا يكفيه الاعتماد على غيره في هذه الجهة الدقيقة ـ وعلى سبيل المثال ـ لو بحث المجتهد عن شخصية أحد الرواة من خلال الكتب الرجالية، وأشبعه تمحيصاً فوجد فيه ما لا يمكن الاعتماد عليه من ناحية الرواية فكيف يصنع؟ أيأخذ بروايته اعتماداً على توثيق غيره له مع أنه قد اطّلع على ما لم يطّلع عليه غيره من جوانب ضعف الراوي؟
كما أن بعض الشيعة لا تلتزم بصحة كتاب ما من أوله إلى آخره عدا الكتاب المجيد، لا تلتزم بآراء سابقة في تصحيح الأحاديث، وإنما تضعفها دائماً موضع الدرس والتمحيص، وتخضع أسانيد جميع الأحاديث الواردة في جميع كتب الحديث عند جميع المسلمين لقواعد الجرح والتعديل، ومتونها لقواعد الدراية([175]).
وهكذا يتّضح موقف الأصوليين من الأخبار الواردة في هذه الكتب أو غيرها، فإنهم أخضعوها إلى قواعد علم الدراية، وعلم أصول الفقه بقدر ما يخصه، وعلم الرجال، ثم أخذوا بما يؤدي إليه الظن، وقد قام بعضهم بمحاولات اجتهادية في تشذيب الأحاديث وتهذيبها مثلما فعل العلامة الشيخ حسن بن الشهيد الثاني زين الدين المشهور بـ (صاحب المعالم)، (ت1011هـ) في تأليفه (منتقى الجمان في أحاديث الصحاح والحسان).
تعقيب: إن الثابت هو سلامة الأخبار الواردة في تلك الكتب من الدّس والوضع، بمعنى أن كل راوٍ ورد في إسنادها قد حدّث بها، لا أنها مكذوبة عليه ومدسوسة في كتابه من قبل الواضع الدّاسّ، لكن لا يلزم من ذلك التعبد بصدورها أجمع عن الإمام(ع) لتوقف حجية الخبر على أمرين: الأول: إحراز نقل الراوي له، الثاني: وثاقته.
والأمور السابقة إنما تثبت لنا أن الراوي كمحمد بن رنان نقل الخبر عن الإمام(ع) لا أنه مكذوب عليه، أما وثاقته فنحتاج إلى إحرازها من طريق آخر، كوثاقة بقية رجال سند الخبر. نعم لو حصل من تلك الأمور وثوق واطمئنان بصدور تلك الأخبار بأجمعها عن الإمام(ع) كانت حجة لذلك وإن لم يثبت وثاقة رواتها، وكذا لو اطمأن الفقيه بصدور بعضها لكونه موجوداً في الكتاب المعروض على الإمام(ع) أو قامت القرائن على أن الجواب بخطه(ع).
هذا جارٍ باعتبار نفس الكتاب والأصل الناقل للأخبار حيث لا يثبت اعتباره إلا بعد إحراز وثاقة مؤلفه وصحة نسبته إليه، فلا يجدي أحدهما، ولذا بحث الفقهاءعن صحة طرق الشيخين الطوسي والصدوق إلى أصحاب الكتب والأصول التي نقلا عنها الأخبار فحكموا بصحة بعضها، وضعف البعض الآخر، كما هجر كثير منهم روايات كتاب الفقه الرضوي المنسوب إلى الإمام الرضا(ع) لعدم ثبوت تلك النسبة لديهم.
تقسيم الأخبار بين الأصوليين والأخباريين
قسم الأصوليون الأخبار باعتبار أحوال وصفات تعرض لها إلى ثلاثين نوعاً، منها أصول، ومنها فروع تلحقها، وتشترك بينها كلاً أو بعضاً، فالأصول أربعة:
أولاً: الصحيح: (وهو ما اتصل سنده إلى الإمام بنقل عدل إمامي عن مثله في جميع الطبقات وإن تعددت).
ثانياً: الحسن: (وهو ما اتصل سنده إلى الإمامي بإمامي ممدوح من غير نص على عدالته، مع تحقق ذلك في جميع مراتبه، أو في بعضها، مع كون الباقي من الطريق من رجال الصحيح، ويوصف الطريق بالحسن لأجل ذلك الواحد).
ثالثاً: الموثق: (وهو ما اتصل سنده بنقل غير إمامي نص الإمامية على توثيقه في كل الطبقات أو بعضها مع إيمان الباقين وعدالتهم أو مدحهم ويسمى القوي).
رابعاً: الضعيف: (وهو ما لا تجتمع فيه شروط أحد الثلاثة السابقة، بأن يشتمل طريقه إلى مجروح بالفسق ونحوه، أو مجهول الحال، أو ما دون ذلك الوَضَّاع وهو الذي يدخل في الحديث ما ليس فيه)([176]).
كان هذا التقسيم للأخبار سبباً في مؤاخذة الأخباريين للأصوليين لأنهم لا يقولون إلا بوجود قسمين: وهما: الصحيح، والضعيف، لذا اعتبروا هذا التقسيم خروجاً عن اثنينية التقسيم.
أولاً: الجذور التاريخية للتقسيم
لقد ذهب جماعة من فقهاء الإمامية إلى أن التقسيم المذكور للأخبار لم يكن معروفاً عن القدماء من فقهاء الإمامية، وعلماء الحديث منهم، وأنه اصطلاح حادث نظراً إلى أن الخبر لديهم إما صحيح وهو الذي احتفّ بقرائن تفيد القطع والوثوق بصدروه، عن الإمام، وإما ضعيف وهو الذي لم يحتف بتلك القرائن.
قال الشيخ حسن بن زين الدين العاملي (ت1011هـ): (فإن القدماء لا علم لهم بهذا الاصطلاح قطعاً لاستغنائهم عنه في الغالب بكثرة القرائن الدّالة على صدق الخبر.. وإذا أُطلِقَت الصحة في كلام من تقدم فمرادهم منها الثبوت والصدق)([177]).
وفي موضع آخر قال: (وتوسعوا في طرق الروايات وأوردوا في كتبهم ما اقتضى رأيهم إيراده من غير التفات إلى التفرقة بين صحيح الطريق وضعيفه.. اعتماداً منهم في الغالب على القرائن المقتضية لقبول ما دخل الضعف طريقه)([178]).
وبه أخذ الفيض الكاشاني (ت1091هـ)([179]). والشيخ يوسف البحراني (ت1186هـ)([180])، وقد ساقهم ذلك إلى البحث عمّن أحدث هذا الاصطلاح، وقد تردّد بين السيد ابن طاووس (ت673هـ)([181])، والعلامة الحلي([182]).
فقد ذهب صاحب المعالم إلى أن الذي أحدث هذا الاصطلاح هو السيد ابن طاووس([183]). كما ذهب العاملي حسين بن شهاب الدين (ت1076هـ) إلى أن الذي أحدث هذا التقسيم هو العلامة الحلي([184]).
أما الفيض الكاشاني (ت1091هـ) فقد ذهب إلى أن أول من اصطلح ذلك هو العلامة الحلي أيضاً([185]) وإذا انتقلنا إلى الحر العاملي وجدنا ظاهر كلامه يوحي أن الذي أحدثه هو السيد ابن طاووس([186])، أما الشيخ البحراني فقد جعل هذا الاصطلاح مردّداً بين العلامة الحلي وشيخه ابن طاووس([187]).
ثانياً: موقف الأخباريين من التقسيم
لقد وقف الأخباريون من هذا التقسيم موقف المعارض واعتبروه من البدع التي لا يحلّ العمل بها([188]) وأخذوا في ذكر الأدلة على إبطاله مع ذكر الأدلة لإثبات صحة جميع الأخبار في الكتب الأربعة وقد استدل الشيخ يوسف البحراني بوجوه ستة على ذلك:
فمن هذه الوجوه: أن منشأ الاختلاف في الأخبار إنما هو التقية، لا من دسّ الأخبار المكذوبة حتى يحتاج إلى هذا الاصطلاح، وإذا كان السبب إنما هو دسّ الأحاديث المكذوبة فإنهم (عليهم السلام) قد أمرونا بعرض ما شكّ فيه من الأخبار على الكتاب والسنة فيؤخذ بما وافقهما ويطرح ما خالفهما.. وهكذا فنحن في غنى عن هذا الاصطلاح([189]).
كما ذكرنا ما ورد من توثيق وجرح بنوا عليه هذا التقسيم للأخبار إنما أخذوه من كلام القدماء، وكذلك الأخبار التي رويت في أحوال من المدح والذّم إنما أخذوها عنهم، فإذا اعتمدوا عليهم في مثل ذلك، فكيف لا يعتمدون عليهم في تصحيح ما صححوه من الأخبار، واعتمدوا وضمنوا صحته كما لا يخفى على من لاحظ مقدمتَيْ الكافي ومن لا يحضره الفقيه، وكلام الشيخ الطوسي في عدة الأصول، وفي التهذيب والاستبصار، فإن كانوا ثقاة عدولاً في الأخبار بما أخبروا ففي الجميع([190]). وبعد أن ذكر الوجهين نقل لنا تصريحات لجملة من العلماء المتقدمين والمتأخرين، منها تصريح للشهيد الأول، وتصريح للشهيد الثاني، ومثله للشيخ البهائي، حيث أكدت هذه التصريحات أن أحاديث الكتب الأربعة هي أحاديث الأصول الأربعمائة بعينها وهذا يستلزم أن تكون أحاديث هؤلاء الأئمة الثلاثة أصحاب الكتب الأربعة كلها صحيحة([191]).
وهكذا فقد حصر الأخباريون الحجة من الأخبار لدى القدماء من فقهاء الإمامية بما احتفّ بتلك القرائن.
ثالثا: موقف الأصوليين من التقسيم
لقد ذهب الأصوليون إلى هذا التقسيم السالف الذكر قد تولّد نتيجة عوامل عديدة أدت إلى انبثاقه، يمكن إجمالها بما يأتي:
أـ إن هذا التقسيم قد جاء منسجماً مع الاختلاف الكبير في صفات الراوي، فإن هذا العدد الكبير من الرواة للأحاديث قد تميّز بعضهم عن البعض الآخر بمميزات وصفات، فقد صدرت في حق بعضهم شهادات عالية من قِبَل أهل البيت (عليهم السلام) أمثال أبي بصير([192])، ويونس بن عبد الرحمن([193])، وأبان بن تغلب([194])، وزرارة، وليث المرادي، وبرير بن معاوية، ومحمد بن مسلم([195]).
ولما كان الرواة مختلفين في درجة ضبطهم وسرعة انتقالهم، وتقواهم وورعهم، من هنا فإن التقسيم المذكور جاء متمشياً وهذه الصفات التي يتمتع بها الراوي.
ب ـ كثرة الوضّاعين الذين اختلقوا الأحاديث ونسبوها إلى الأئمة، إذ أن بعض هذه الأحاديث المنسوبة ألفاظاً وأسناداً من اختلاق الوضّاع، وبعضها بإسناد مكذوب، واضعين فيه حكمة رائعة أو كلمة موجزة.
فقد عن يونس بن عبد الرحمن أنه قال: أن بعض أصحابه سأل الإمام وهو حاضر، فقال: يا أبا محمد ما أشدّك في الحديث وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا، فما الذي يحملك على ردّ الحديث؟ فقال: حدثني هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبدالله(ع) يقول: «لا تقبلوا حديثاً إلا ما وافق القرآن والسّنّة، أو تجدون منه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة فإن المغيرة بن سعيد لعنه الله دسّ في كتب أبي أحاديث لم يحدث بها. إلخ)([196]).
وقد أوضح لنا الفيض الكاشاني (ت1091هـ) المراد بالصحيح عند الكليني والصدوق بقوله: (وقد جرى صاحبا كتابَي (الكافي، والفقيه) على متعارف المتقدمين في إطلاق الصحيح على ما يركن إليه ويعتمد عليه، فحكما بصحة جميع ما أورداه في كتابيهما من الأحاديث، وإن لم يكن كثير منه صحيحاً على مصطلح المتأخرين)([197]).
كما أن الشيخ الصدوق (ت381هـ) لم يغفل الصفات التي يتحلى بها الراوي حيث قال: (وأما خبر صلاة يوم غدير خم والثواب المذكور فيه لمن صامه، فإن شيخنا محمد بن الحسن كان لا يصححه ويقول: إنه من طريق محمد بن موسى الهمداني وكان غير ثقة، وكل ما لم يصححه من الأخبار فهو عندنا متروك غير صحيح([198]).
كما وجدنا الشيخ الطوسي عند استدلاله على حجية خبر الواحد الذي لا يطعن في روايته قد أشار إلى المدح والذّم لرواة الحديث، وكذلك التوثيق، والتضعيف، حيث أوضح عدم مجهولية هذه الصفات عند القدماء، بل أنها كانت معروفة([199]).
والذي يتضّح لنا مما تقدم أن القدماء والمتأخرين قد عملوا بهذا التقسيم، وأنهم لم يغفلوه، وأن السيد ابن طاووس إنما سار على نهج القدماء في هذا التقسيم.
محمد الغراوي
أختر
ظهرت صحف عديدة خارج إيران باللغة الفارسية.
وقد صدرت أول هذه الصحف في البلاد العثمانية (تركيا) عام 1875م باسم (أختر) وكانت في غاية التنسيق وحسن الإخراج.
وقد لعبت هذه الصحيفة وصحيفة أخرى باسم (القانون) كانت تصدر في لندن دوراً كبيراً في توعية أبناء الشعب الإيراني.
واستمرت صحيفة (أختر) تؤدي رسالتها مدة عشرين عاماً وكان مديرها (محمد طاهر) من رجال الفكر المطالبين بالدستور والحرية. فأمرت الحكومة بمنع دخولها إلى إيران إلا أنها كانت تصل بمختلف الأساليب، ولم تنتشر في إيران فقط وإنما تجاوز نشرها أيضاً إلى الهند والقفقاس والعراق، واعتبرت في القفقاس جزءاً من الرسائل الدينية، فأطلق عليها اسم (أختري مذهب) واستمرت عشرين عاماً حيث أمرت الحكومة العثمانية آنئذٍ بإغلاقها على أثر اغتيال ناصر الدين شاه سنة 1896م.
الأخشبان
ورد ذكرهما في شعر الشريف الرضي في قصيدة من قصائده التي عرفت باسم (الحجازيات). وهي القصائد العاطفية التي نظمها وهو في الحجاز. قال الشريف الرضي:
| أحبك ما أقام منى وجمع | وما أرسى بمكة أخشباها | |
| لأنت النفس خالصة فإن لم | تكونيها فأنت إذن مناها | |
| نظرتك نظرة بالخيف كانت | جلاء العين بل كانت قذاها | |
| ولم يكُ غير موقفنا وطارت | بكل قبيلة منا نواها |
والأخشبان فيما يقول ياقوت: جبلان يضافان تارةً إلى مكة وتارةً إلى منى، وهما واحد أحدهما: أبو قبيس، والآخر قعيقعان.
على أن غير ياقوت من الجغرافيين، مع قولهم إن أحد الجبلين هو أبو قبيس، اختلفوا في تعيين الجبل الآخر.
وقد ورد ذكر الأخشبين في شعر لغير الشريف الرضي، فمن ذلك ما قاله مزاحم العقيلي:
| خليلي هل لي من حيلة تعلمانها | يقرب من ليلى إلينا احتيالها | |
| فإن بأعلى الأخشبيين أراكة | عدتني عنها الحرب دان ظلالها | |
| ممنعة في بعض أفنائها العلا | يروح إلينا كل وقت خيالها |
وقد رأى ياقوت في هذا الشعر ما يدل على أن الأخشبين الواردين فيه هما غير اللذين في مكة. وأنهما مكان واحد لأن الأراكة لا تكون في مكانين.
الشريف الرضي
صاحب الأبيات
ولد 359هـ وتوفي 406هـ عن 46 سنة ودفن بداره في بغداد ثم نُقِلَ إلى مشهد الحسين بكربلاء.
ورث الشريف الرضي المجد والعلا عن أبوين جليلين علويين طالبيين ولعله لذلك لقب ذو الحسبين. فأبوه ذو المنقبتين أو المناقب نقابة الطالبيين وإمارة الحج والنظر في المظالم. فنقابة الطالبيين تجعل جميع أمور الطالبيين وأحكامهم إليه، أحدثت هذه الولاية مع نقابة العباسيين في دولة بني العباس ولا نعلم الآن مبدأ حدوثها واستمرت في دول الإسلام إلى اليوم لكنها أصبحت في الزمن الأخير إسماً لا مسمّى. وإمارة الحج مكانتها معلومة. والنظر في المظالم يشبه منزلة المدّعي العالم اليوم لكنه أوسع منها. وكان أبوه من جلالة الشأن وعلوّ المكان في عصره بحيث كان سفير الخلفاء والملوك والأمراء في الأمور المهمة، وكان ميمون النقيبة مبارك الطلعة ما سفر في أمرٍ إلا وكلّل بالنجاح. وفي ذلك يقول الشريف من قصيدة:
| وهذا أبي الأدنى الذي تعرفونه | مقدم مجداً أول ومخلف | |
| مؤلف ما بين القلوب إذا هفوا | واشفوا على حزّ الرقاب وأشرفوا |
وفي عدة أبيات يذكر فيها سفارته بين الخلفاء والملوك ويذكر في هذه القصيدة أن أباه لجلالة قدره ما كان يقبل الأرض يدي الخلفاء والملوك كما كان متعارفاً في ذلك الزمان فيقول:
| حمى فاه عن بسط الملوك وقد كبت | عليها جباه من رجال وأُنفُ |
ويزيد به الفخر والحماسة في هذه القصيدة فيفضل نفسه على أبيه مع مراعاة الأدب فيقول:
| جرى ما جرى قبلي وها أنا خلفه | إلى الأمد الأقصى أغذ وأرجف | |
| ولولا مراعاة الأبوة جزته | ولكن لغير العجز ما أتوقف |
وأمه فاطمة بنت الناصر الصغير أبي محمد الحسن بن أحمد أبي الحسين صاحب جيش أبيه الناصر الكبير أبي محمد الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن عمر بن علي زين العابدين ابن الحسين بن علي بن أبي طالب فهو حسيني النسب من الطرفين ولعله لذلك لقب ذو الحسبين وأبوها هذا وآباؤه كانوا من ملوك طبرستان ببلاد الديلم.
وكان عضد الدولة اعتقل أباه بقلعة فارس عام 369هـ وبقي معتقلاً إلى عام 376هـ فتكون مدة اعتقاله سبع سنوات. ولم يصرّح المؤرخون بسبب اعتقاله، وإنما ذكر بعضهم في سببه أنه كان يخاف منه وهذا سبب إجمالي لا يفيد كثير فائدة، والمتيقّن أنه كان السبب في ذلك أمر سياسي، ولعله كان ميله لبعض أقارب عضد الدولة ممن كان يناوئه كعزّ الدولة بختيار أو غيره. ولكن عضد الدولة أرسله بعد ذلك في سفارة بينه وبين بني حمدان، وبعد ذلك بعام واحد قبض عليه وعلى أخيه أبي عبدالله واعتقلهما في القلعة بفارس. ولما سُئِلَ عضد الدولة العفو عن أبي إسحاق الصابي، قال لمن سأله ذلك: أما العفو فقد شفعناك فيه وعفونا له عن ذنبٍ لم نعف عما دونه لأهلينا يعني الديلم ولا لأولاد نبينا يعني أبا الحسن محمد بن عمر وأبا أحمد الموسوي وأخاه، ولكن وهبت إساءته لخدمته. ومن هنا يفهم أن عضد الدولة كان ينقم على أبي أحمد أشياء سياسية كبيرة في نظره. وكان عمر الرضي عند اعتقال أبيه عشر سنوات وهذا يدلنا على أن أمه فاطمة بنت الناصر هي التي كانت تقوم بشؤون الرضي وبتعليمه وأن الفضل كل الفضل في تعليمه وتربيته لأمه الجليلة الفاضلة فاطمة بنت الناصر، وهي التي دفعته إلى الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان مع أخيه المرتضى ليعلمهما الفقه، ولو كان أبوه حاضراً لكان هو الذي يحضره وأخاه إلى الشيخ المفيد، ولم تحتج أمه إلى أن تحضرهما إليه، وكان المفيد رأى في تلك الليلة فاطمة الزهراء(ع) جاءت إليه إلى مسجده الذي كان يعلم فيه ومعها ولداها الحسن والحسين وقالت له: أيها الشيخ خذ ولديّ هذين وعلَمهما الفقه، فلما أصبح تعجّب من ذلك. فلما جاءت أم الشريفين إليه بولديها علم تأويل رؤياه.
ولما توفي عضد الدولة سنة 372 بعث الرضي بأبيات إلى أبيه وعمره إذ ذاك فوق الثلاث عشرة سنة بقليل، وهذه الأبيات تنمّ عن أن الرضي لم يكن واثقاً بخلاص أبيه بعد عضد الدولة، وأن أبناءه سيجرون على سنّة أبيهم في معاملة من كان يعاديهم أبوهم أو يصادقهم ولم يستطع الرضي أن يبوح في تلك الأبيات بكل ما في نفسه حيث يقول:
| أبلغا عني الحسين ألوكا | إن ذا الطود بعد عهدك ساخا | |
| والشهاب الذي اصطليت لظاه | عكست ضوءه الخطوب فباخا | |
| والفنيق الذي تدرع طول الأر | ض أضوى([200]) به الردى فأناخا | |
| والعقاب الشعواء أهبطها الن | ق وقد أرعت النجوم سماخا | |
| أعجلتها المنون عنا ولكن | خلفت في ديارنا أفراخا | |
| وعلى ذلك الزمان بهم عا | د غلاماً من بعد ما كان شاخا |
فلم يستطع الرضي أن يقول عند موت عضد الدولة أكثر من هذا ولا أن يصرّح بشيء مما تكنّه نفسه، سوى أن تلك العقاب تركت أفراخاً يخاف منهم ما كان يخاف منها. وبقي أبوه معتقلاً إلى سنة 326 فأفرج عنه شرف الدولة بن عضد الدولة بعد انتصاره على أخيه صمصام الدولة، وكان عضد الدولة قد صادر أملاك والد الشريف الرضي، وبذلك نعرف فضل والدته التي حفظته وأخاه وعلّمتهما، وأنفقت عليهما كل ما تملكه بعد مصادرة أموال أبيهما.
نشأته
نشأ الرضي بين هذين الأبوين الجليلين منشأ عزّ وشرف وتربية ورضع الإباء والشمم مع اللبن فهو يقول وهو طفل ابن عشر لا شأن لمثله إلا اللعب
| يعلم أن المجد من أربي | وإن تماديت في غيي وفي لعبي | |
| إني لمن معشر أن جمعوا العلا | تفرقوا عن نبي أو وصي نبي | |
| إذا هممت ففتش عن شبا هممي | تجده في مهجات الأنجم الشهب | |
| وإن عزمت فعزمي يستحيل قذى | ترمى مسالكه في أعين النوب |
وتعلم في نشأته العلوم العربية وعلوم البلاغة والأدب والفقه والكلام وعلم الحديث على مشاهير العلماء ببغداد كأبي الفتح عثمان بن جني من أئمة العربية في عصره تعلم عليه العلوم العربية، وأبا عبدالله محمد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد تعلم عليه الفقه وعلوم الحديث وعلم الكلام وغيرها. ونظم الشعر من صباه فجاء مجلياً في حلبته.
شاعريته
نظم الشريف الرضي الشعر في عهد الطفولة ولم يزد عمره عن عشر سنين فأجاد ونظم في جميع فنون الشعر فأكثر، وجاء محلقاً محرزاً قصب السبق بغير منازع. ولم يكن في ناحية من نواحي الشعر أشعر منه في غيرها مما دلّ على غزارة مادته، وإنه كان ينظم قصائده بمنحة نفسانية قلّما تؤثر بها العوامل الخارجية. وامتاز الرضي بأن شعره على كثرته لابس كله ثوب الجودة والملاحة وهذا قلّما يتفق لشاعر مكثر، بل لم يتفق لغيره، فإننا نرى تلميذه وخريجه مهيار الديلمي قد أكثر من نظم الشعر ولكن قصائده لم تكن متناسقة متناسبة في الجودة بخلاف قصائد الرضي. وإذا نظرنا إلى شعر المتنبي المتقدم عليه في العصر نجده مع ما للمتنبي من المكانة السامية في الشعر يشتمل على سقطات لا تقع في أداني الشعراء فلا غرو إذا فضل مفضل شعر الرضي على شعر المتنبي.
وإذا تأملنا في شعر الشريف الرضي وجدناه منطبعاً بطابع لا يوجد في غيره ويعسر علينا وصفه والتعبير عنه. فإن حسن الشعر بمنزلة الجمال في الإنسان فمن نظر إلى الوجه الجميل من أهل الأذواق علم أنه جميل، ولكن يعسر عليه أن يبين أسباب جماله، وتفاصيلها، وكذلك إذا استمع ذو الطبع المستقيم إلى القصيدة الجيدة عرف أنها من الشعر الجيد، وصعب عليه أن يفصل الأسباب في جودتها ولعله إلى ذلك ينظر كلام أمير المؤمنين(ع) حين سُئِلَ عن أشعر الشعراء فقال: إن القوم لم يجروا في حلبة واحدة فيعرف السابق منهم، فإن كان ولا بدّ فالملك الضليل. فشعر الرضي مطبوع بطابع من البلاغة والبداوة والبراعة وعذوبة اللفظ والأخذ بمجامع القلوب وغير ذلك من المميزات لا تكاد تجده في غيره ولا نكون بعيدين عن الصواب إذا قلنا أن الشريف الرضي بين الشعراء أمة برأسه. ومما امتاز به شعر الشريف أنه نفي من كل ما يتعاطاه الشعراء من الغزل المشين والهجاء المقذع والتلوّن بالمدح تارةً والذّم أخرى. ولا يليق بنا أن نمدح الشريف الرضي بأن شعره خالٍ من المجون الذي كان شائعاً في ذلك العصر فهو أجلّ قدراً وأرفع شأناً من أن نمدحه بذلك. كما أن شعره خالٍ من وصف الخمرة، وإن وصفها كثيرٌ من الشعراء الذين لا يتعاطونها، ولكن الشريف لم يصفها إلا بسؤال من سأله ذلك على لسان بعض الناس. فوصفها بعدة أبيات لم يصفها بغيرها.
إباؤه وعظمة نفسه
كان الشريف الرضي كما يظهر من كثير من شعره يطمح إلى الخلافة، وكان أبو أسحاق الصابي يطمعه فيها، وكان يسامي خلفاء بني العباس ويرى أنه أحقّ بالخلافة منهم، ولا يكترث بهم فهو يقول:
| صاحت بذودي بغداد فآنسني | تقلبي في ظهور الخيل والعير | |
| أطغى على قاطنيها غير مكترث | وافعل الفعل منها غير مأمور |
ومن هم الذين يطغى عليهم من قاطني بغداد ولا يأتمر بأمرهم غير الخلفاء والملوك، ولكنه لم يقصّر في مدح الخلفاء في المبالغة وهو الذي حكى عنه الوزير أبو محمد المهلبي أنه ولد له غلام فأرسل إليه الوزير بطبق فيه ألف دينار فردّه وقال: قد علم الوزير أني لا أقبل من أحد شيئاً، فردّ الوزير إليه وقال: إنما أرسلته للقوابل، فردّه ثانية وقال: قد علم الوزير أنه لا تقبل نساءنا غريبة، فردّ إليه وقال: يفرّقه الشريف على ملازميه من طلاب العلم، قال هاهم حضور فليأخذ كل أحد ما يريد، فقام أحدهم فقرض قطعة من جانب دينار وردّ الدينار إلى الطبق فسأله الشريف عن ذلك، فقال: احتجت إلى دهن للسراج ليلة ولم يكن الخازن حاضراً فاقترضت دهناً من البقال وأخذت هذه القطعة لأدفعها إليه. وكان طلبة العلم الملازمون للرضي في دار قد اتّخذها لهم سماها دار العلم وعين لهم ما يحتاجون إليه. فلما سمع ذلك أمر أن يتّخذ للخزانة مفاتيح بعدد الطلبة وردّ الطبق، وكفى في إبائه وعظمة نفسه أشعاره الكثيرة في الفخر والحماسة وسيأتي طرف منها.
شجاعته وثباته على المبدأ وتضحيته
لما كتب الخلفاء العباسيون محضراً بالقدح في نسب الفاطميين، وكتب فيه القضاة والعلماء من أهل بغداد، وكان الداعي إليه السياسة، كما هو معلوم في كل عصرٍ وزمانٍ، أبى الشريف الرضي أن يكتب فيه مع أنه كتب فيه أخوه المرتضى وأبوهما النقيب أبو أحمد والشيخ المفيد وسائر العلماء والقضاة، وما ذكره بعض المؤرخين من أن الرضي كتب فيه أيضاً ليس بصواب، لأنه لما شاعت هذه الأبيات التي يقول فيها:
| ما مقامي على الهوان وعندي | مقول صادق وأنف حمي | |
| وإباء محلق بي عن الضيم | كما زاغ طائر وحشي | |
| أحمل الضيم في بلاد الأعادي | وبمصر الخليفة العلوي | |
| من أبوه أبي ومولاه مولاي | إذا ضامني البعيد القصيّ | |
| لفّ عرقي بعرقه سيداً للناس | جميعاً محمد وعلي |
أرسل الخليفة القادر بالله القاضي أبا بكر الباقلاني إلى والد الرضيّ يعاتبه فأنكر الرضي الشعر، فقال أبوه اكتب للخليفة بالاعتذار والقدح بنسب المصري، فامتنع واعتذر بالخوف من دعاة المصريين، فإنه لو كان قد كتب في المحضر لم يمتنع من الكتابة إلى الخليفة بالاعتذار والقدح في نسب المصري.
مكانته العلمية وآثاره
كان أحد علماء عصره، وقرأ على أجلاء الأفاضل([201])، فكان أديباً بارعاً متميزاً، وفقيهاً متبحّراً، ومتكلماً حاذقاً، ومفسّراً لكتاب الله وحديث رسوله محلّقاً، وأخفت مكانة أخيه المرتضى العلمية شيئاً من مكانة أخيه المرتضى الشعرية، ولهذا قال بعض العلماء: لولا الرضي لكان المرتضى أشعر الناس، ولولا المرتضى لكان الرضي أعلم الناس. وظهر فضله في مؤلفاته، فقد ألّف كتباً منها كتاب حقائق التأويل في متشابه التنزيل. قال عنه ابن جني أستاذ الرضي: صنّف الرضي كتاباً في معاني القرآن الكريم يتعذّر وجود مثله.
والحقّ يقال أن من يتأمل فيما ذكره الرضي في ذلك الكتاب من دقائق المعاني يعلم صدق قوله أنه يتعذّر وجود مثله، وقد وُجِدَ منه الجزء الخامس فقط وطُبِعَ في العراق. وكتاب مجازات الآثار النبوية أبدع فيه ما شاء وأبان عن فضلٍ باهرٍ ومعرفةٍ بدقائق العربية، وقد طُبِعَ في بغداد، ثم أُعيدَ طبعه طبعاً متقناً في مصر. وكتاب تلخيص البيان عن مجازات القرآن نظير كتاب مجازات الآثار النبوية قال فيهما مؤلفهما أنهما عرينان لم أسبق إلى قرع بابهما. وكتاب الخصائص ذكر فيه خصائص أئمة أهل البيت. وكتاب أخبار قضاة بغداد وتعليق على خلاف الفقهاء، وتعليق على إيضاح أبي علي الفارسي. وكتاب الزيادات في شعر أبي إسحاق الصابي. وكتاب ما دار بينه وبين إسحاق الصابي من الرسائل. وكتاب رسائله في ثلاث مجلدات ومن ذلك يظهر أنه ألّف في النّحو والتاريخ والفقه والتفسير وغيرها.
نهج البلاغة
ومما جمعه الشريف كتاب نهج البلاغة اختاره من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) وغير خفيّ أن من يريد اختبار أنفس الجواهر من بين الجواهر الكثيرة لا بدّ أن يكون جوهريّاً حاذقاً. فكان الرضي في اختياره أبلغ منه في كتابه كما قيل عن أبي تمام لما جمع ديوان الحماسة من منتخبات شعر العرب أنه في انتخابه أشعر منه في شعره.
وقد لاقى ديوان الحماسة من القبول عند الناس إقبالاً كثيراً وشرحه أعاظم العلماء وكذلك نهج البلاغة لاقى في الشهرة والقبول ما هو أهله وشرح بشروح كثيرة تنبو عن الإحصاء، وكان مفخرة من أعظم مفاخر العرب والإسلام.
نثره
كما كان الشريف شاعراً فذّاً، فقد كان كاتباً بليغاً ومنشئاً قديراً، فقد ذكروا أن له كتاب رسائل في ثلاث مجلّدات وإن كان هذا الكتاب قد فُقِدَ في جملة ما فُقِد من الآثار العربية العظيمة التي لعبت بها أيدي الزمان وفرّقتها سهام الحوادث ولا يوجد منه اليوم إلا رسائل قليلة المؤلفات.
شعره: غزله ونسيبه
ومما امتاز به شعر الشريف انطباعه بطابع العروبة والبداوة ولا سيّما حجازياته التي كان ينظمها في نجد والحجاز، فتساعده رقة الهواء، واتّساع الفضاء، ومشاهدة العرب الصّميميّين من أهل تلك الديار على طبع قصائده بطابع الرقة والبداوة مضافاً إلى ما في طبعه من ذلك. وهذا ظاهرٌ في شعره لا نحتاج إلى إقامة الشواهد عليه، مع أنه يكفي فيه ما سنورده من شعره في الفنون المختلفة. ومن مميزاته إيراده الكثير من الألفاظ العربية الرقيقة العذبة المصقولة المتون التي هي أشهى إلى السماع من بارد الماء على الظمأ كلفظ الجزع، ووادي الأراك، والركب اليمانين، وسرعان الريح،. وأهم غضيض الناظرين كحيل، وحو اللثاث، والضرب والشمول، وثوّر حاد، ضباء معاطيل، الربرب العيف، نسيم البان، والنقا، والأناعم ولوثة أعرابية، وهو كثير يعسر استقصاؤه.
تعاطى الشريف في غزله ما تعاطاه الشعراء من وصف حالات الوصال وما يجري مجراها مما أكثره داخلٌ تحت: (وإنهم يقولون ما لا يفعلون) ولكن الشريف الرضي في أكثر غزلياته أقرب إلى الآداب وأبعد عن كثير ما يتعاطاه الشعراء من الألفاظ الغرامية فمن غزلياته التي مزجها بالحماسة ونحى فيها إلى مناحي الشعراء عند وصفهم الوصال قوله:
| تضاجعني الحسناء والسيف دونها | ضجيعان لي والسيف أدناهما مني | |
| إذا دنت البيضاء مني لحاجةٍ | أبى الأبيض الماضي فأبعدها عني | |
| وإن نام لي في الجفن إنسان ناظر | تيقظ عني ناظرٌ لي في الجفن | |
| وقالت هبوه ليلة الخوف ضمه | فما عذره في ضمّه ليلة الأمن |
ومن غزله الذي ينحو به مناحي باقي الشعراء في وصف الوصال قوله:
| يا ليلة السفح هلا عدت ثانية | سقى زمانك هطال من الديم | |
| ماضٍ من العيش لو يفدى بذلت له | كرائم المال من خيلٍ ومن نعم | |
| وظبية من ظباء الأنس عاطلة | تستوقف العين بين الخمص والهضم | |
| لو أنها بفناء البيت سانحة | لصدّتها وابتدعت الصيد في الحرم | |
| قدرت منها بلا رقبى ولا حذر | على الذي نام عن ليلى ولم أنم | |
| بتنا ضجيعين في ثوبي هوى وتُقى | يلفنا الشوق من فرعٍ إلى قدم | |
| وأمست الريح كالغيرى تجاذبنا | على الكثيب فضول الربط واللمم | |
| يشي بنا الطيب أحياناً وآونة | يضيئنا البرق مجتازاً على أضم | |
| وبيننا عفّة بايعتها بيدي | على الوفاء بها والرعي للذّمم | |
| يا حبذا لمة بالرمل ثانية | ووقفة ببيوت الحيّ من أمم | |
| دَيْنٌ عليك فإن تقضيه أحي به | وإن أبيتِ تقاضينا إلى حكم |
وقوله من قصيدة وهو ما ظهر فيه طابع العروبة، وسالت الرقة من جوانبه وتنزّه عما تستعمله الشعراء في غزلها وتجلبب بجلباب الأدب والكمال وهو:
| زار والركب حرام | أوداع أم سلام | |
| طارقاً والبدر لا | يحفزه إلا الظلام | |
| وحلول ما قرى نا | زلهم إلا الغرام | |
| بدلوا الدار فلما | نزلوا القلب أقاموا | |
| يا غزال الجزع لو كا | ن على الجزع لمام | |
| أحسد الطّوق على جيـ | دك والطوق لزام | |
| وأعض الكف إن نا | ل ثناياك البشام | |
| وأغار اليوم إن | مرّ على فيك اللثام | |
| أنا عرضت فؤادي | أول الحرب الكلام |
ثم قوله:
| ومقبلٌ كفّي وددت لو أنه | أوما إلى شفتي بالتقبيل | |
| جاذبته فضل العتاب وبيننا | كبر الملول وذلّة المملول | |
| ولحظت عقد نطاقه فكأنما | عقد الجمال بقرطق محلول | |
| جذلان ينفض من فروج قميصه | أعطاف غصن البانة المطلول | |
| من لي به والدار غير بعيدة | من داره والمال غير قليل |
ثم قوله:
| أقول وقد جاز الرفاق بذي النقا | ودون المطايا مربخ وزرود | |
| أتطلب يا قلبي العراق من الحمى | ليهنك من مرمى عليك بعيد | |
| ترى اليوم في بغداد أندية الهوى | لها مبدىء من بعدنا ومعيد | |
| فمن واصف شوقاً ومن مشتكٍ حشاً | رمته المرامي أعين وخدود | |
| تلفت حتى لم يبن من بلادكم | دخان ولا من نارهن وقود | |
| وإن التفات القلب من بعد طرفه | طوال الليل نحوكم ليزيد | |
| ولما تدانى البين قال لي الهوى | رويداً وقال القلب أين تريد | |
| ولو قال لي الغادون ما أنت مشتهٍ | غداة أجزنا الرمل قلت أعود |
ثم قوله:
| خليلي هل لي لو ظفرت بنية | إن الجزع من وادي الأراك سبيل | |
| وهل أنا في الركب اليمانين مصعد | وأيدي المطايا بالرحال تميل | |
| وفي سرعان الريح لي لو علمتما | شفاء ولو أن النسيم عليل | |
| وفي ذلك السرب الذي تريانه | احم غضيض الناظرين كحيل | |
| شهي اللمى عاطٍ إلى الركب جيدة | ختول لأيدي القانصين مطول | |
| وكم فيه من حو اللثاث كأنما | جرى ضرب ما بينها وشمول | |
| تجلّلن بالريط اليماني كأنما | ضممن غصونا مسهن ذبول | |
| وإني إذا اصطكت رقاب مطيكم | وثوّر حاد بالرفاق عجول | |
| أخالف بين الراحتين على الحشا | وانظر إني ملتم فأميل |
وقوله:
| من الركب ما بين النقا فالأناعم | نشاوى من الأدلاج ميل العمائم | |
| وجوه كتخطيط الدنانير لاحها | مع البيد إضباب الهموم اللوازم | |
| كان القطاميات فوق رحالهم | سوى أنها تأبى دني المطاعم |
الفخر والحماسة
وأما شعره في الفخر والحماسة فهو على كثرته وسموّ مكانته يصعب الاختيار والانتقاء منه لأنك كلما نظرت إلى قطعة فيها شيء من ذلك، وراقك حسنها وظننت أنها أحسن ما تختاره تنظر إلى غيرها فتظنها مثلها أو أحسن منها، وهكذا فتقع في الحيرة، بل هذا حاصل في كثير من فنون شعره غير الفخر والحماسة كالغزل والنسيب وغيرهما. وإذا كان لا بد من الاختيار فليكن الحال في ذلك كقدحي العطشان ورغيفي الجائع. ولكن حماسته مع ذلك كثيرة ما تشتمل على المبالغة المفرطة، وهذا لأمر لمن تجيش نفسه بأمور لا يوصله إليها الزمان فمن قطعاته الحماسية قوله:
| أنا ابن الأولى إما دعوا يوم معرك | أمدوا أنابيب القنا بالمعاصم | |
| إذا نزلوا بالماحل استنبتوا الربى | وكانوا نتاجاً للبطون العقائم | |
| يسيرون بالمسعاة لا السعي بالخطى | ويرقون بالعلياء لا بالسلالم |
ثم يزيد به الحماسة فيريد أن يفتخر على بني العباس فيقول:
| وما فيهم إلا امرؤ شبّ ناشئاً | على نمطي بيضاء من آل هاشم | |
| فتى لم توركه الإماء ولم تكن | أعاريبه مدخولة بالأعاجم | |
| إذا همّ أعطى نفسه كل منية | وقعقع أبواب الأمور العظائم | |
| وكيف أخاف الليل إني ركبته | وبيني وبين الليل بيض الصوارم |
ثم يعود إلى ذكر بني العباس، فيقول:
| لويت إلى ودّ العشيرة جانبي | على عظم داءٍ بيننا متفاقم | |
| وسالمت لما طالت الحرب بيننا | إذا لم تظفرك الحروب فسالم |
وقوله:
| نبهتهم مثل عوالي الرياح | إلى الوغى قبل نموم الصباح | |
| فوارس نالوا المنى بالقنا | وصافحوا أغراضهم بالصفاح | |
| يا نفس من هم إلى همة | فليس من عبء الأذى مستراح | |
| قد آن للقلب الذي كدّه | طول مناجات المنى أن يراح | |
| لا بدّ أن أركبها صعبة | وقاحة تحت غلام وقاح | |
| في حيث لا حكم لغير القنا | ولا مطاع غير داعي الكفاح | |
| وأشعث المفرق ذي همة | طوحه السهم بعيداً فطاح | |
| لما رأى الصبر مضرّاً به | راح ومن لم يطق الذل راح | |
| دفعاً بصدر السيف لما رأى | ألا يردّ الضيم دفع براح | |
| حتى أرى الأرض وقد زلزلت | بعارض أغبر دامي النواح |
ثم أشار إلى بني العباس، فقال:
| متى أرى البيضة مصدوعة | عن كلّ نشوان طويل المراح | |
| مضمخ الجيد نؤوم الضحى | كأنه العذراء ذات الوشاح | |
| إذا رداح الروع عنت له | فرّ إلى ضمّ الكعاب الرداح | |
| قومٌ رضوا بالعجز واستبدلوا | بالسيف يدمي غربه كأس راح | |
| توارثوا الملك ولو أنجبوا | لورثوه عن طعان الرماح | |
| غطى رداء العزّ عوراتهم | فافتضحوا بالذّلّ أيّ افتضاح |
ثم دعا إلى الحماسة فقال:
| إني والشاتم عرضيّ كمن | روع آساد الشرى بالنباح | |
| فارم بعينيك ملياً تر | وقع غباري في عيون الطلاح | |
| وأرق على ظلعك هيهات أن | يزعزع الطود بمر الرياح | |
| لا هم قلبي بركوب العلا | يوماً ولا بل يدي بالسماح | |
| إن لم أنلها باشتراط كما | شئت على بيض الظبا واقتراح | |
| إما فتى نار العلا فاشتفى | أو بطلٌ ذاق الردى فاستراح |
ثم قوله:
| يقرع باسمي الجيش ثم يردّني | إلى طاعة الحسناء قلبٌ مكلف | |
| سلي بي ألم أثن الأعنة ظافراً | تحدث عن يومي نزار وخندف | |
| سلي بي ألم أحم على الضرب ساعدي | وقد ثلم الماضي ودقّ المثقف | |
| وحي تخطب بي أعز بيوته | صدور المواضي والوشيج المرعف | |
| وكلّ غلامٍ مل درعيه نجدة | ولوثة إعرابية وتغطرف | |
| لنا الدولة الغرّاء ما زال عندها | من الجو واقٍ أو من الظلم منصف | |
| بعيدة صوت في العلا غير رافع | بها صوته المظلوم والمتحيف | |
| ونحن أعزّ الناس شرقاً ومغرباً | وأكرم أبصار على الأرض تطرف | |
| بنو كلّ فياض اليدين من الندى | إذا جاد ألغى ما يقول المعنف | |
| وكل محياً بالسلام معظم | كثير إليه الناظر المتشوف | |
| وأبيض بسام كأن جبينه | سنا قمرٍ أو بارقٍ متكشف | |
| حيي فإن سيم الهوان رأيته | يشدّ ولا ماضي الغرارين مرهف | |
| لنا الجبهات المستنيرات في العلا | إذا التثم الأقوام ذلّاً وأغدقوا |
وهو مع كل هذه الحماسة يفتخر بأنه تمكّن من الهرب يوم القبض على الخليفة الطائع وسلّم مما أصيب به أكثر القضاة والأشراف وغيرهم من الحاضرين من الامتهان وسلب الثياب فيقول:
| إعجب لمسكة نفسٍ بعدما رميت | من النوائب بالأبكار والعون | |
| ومن نجائي يوم الدار حين هوى | غيري ولم أخلُ من حزم ينجيني | |
| مرقت منها مروق النجم منكدراً | وقد تلاقت مصاريع الندى دوني | |
| وكنت أولاً طلاع ثنيتها م |
ومن ورائي شرّ غير مأمون | |
توليه المناصب
لم يمنع الشريف الرضي انتظامه في سلك العلماء والفقهاء وأعاظم الأدباء من تولّي أعلى المناصب. في عمدة الطالب أنه وليَّ نقابة الطالبيين مراراً، وكانت إليه إمارة الحج والمظالم كان يتولى ذلك نيابةً عن أبيه، ثم تولّى ذلك بعد وفاة أبيه مستقلّاً وحجّ بالناس مرات، وقصائده الحجازيات من أشهر شعره.
شعره في الهجاء
من مميزات الرضي أنه ليس له شعر في الهجاء يشبه هجاء الشعراء الذين كانوا يهجون بقبيح القول والألفاظ الفاحشة ويصرّحون بمن يهجونه، ويكون هجاؤهم وتركهم له تابعاً للإعطاء والمنع. فالشريف إن وجد في شعره ما يشبه الهجاء فهو بألفاظ نقية وأدب وتورّع عن التصريح باسم المهجو. فهو قد كان يربأ بنفسه أن يصدر منه في الهجاء شيء مما يتعاطاه الشعراء كما أشار إلى ذلك بقوله:
| وإني إذا أبدى العدوّ سفاهة | حبست عن العوراء فضل لسانيا | |
| وكنت إذا التاث الصديق قطعته | وإن كان يوماً رائحاً كنت غاديا |
وقال:
| وإن مقام مثلي في الأعادي | مقام البدر تنبحه الكلاب | |
| رموني بالعيوب ملفقات | وقد علموا بأني لا أعاب | |
| وإني لا تدنسني المخازي | وإني لا يروعني السباب | |
| ولمّا لم يلاقوا فيّ عيباً | كسوني من عيوبهم وعابوا |
وقال:
| وجاهل نال من عرضي بلا سبب | أمسكت عنه بلاعي ولا حصر |
وقوله:
| وأغضيت اللواحظ عن ذنوب | وموضعها لعيني غير خاف | |
| ولكن الحمية فيَّ تأبى | قراري للرجال على التكافي | |
| فما سهمي السديد من النوابي | ولا باعي الطويل من الضعاف |
وقوله:
| وغر آكل بالغيب لحمي | وإن لآكله داء عياء | |
| يسيء القول إمّا غبت عنه | ويحسن ليّ التجمل واللقاء |
وفاؤه
من أدلّ الدلائل على وفاء الرضي أن يكون له رجلٌ من الأعراب صديقاً يقال له ابن ليلى واسمه عمرو وكنيته أبو العوام كما ظهر ذلك كله من شعر الشريف فيرثيه الرضي بعدة قصائد، وهو من أمراء العرب، ولم يكن من المشهورين فإن المؤرخين لم يذكروا عنه شيئاً وغاية ما يمكننا أن نعتقده أنه كان بينه وبين الرضي مودة فاستحق هذا الرثاء، وفيه يقول:
| وأين كفارس الفرسان عمرو | إذا رزء من الحدثان فاجا | |
| بحق كان أولهم ولوجا | على هول وآخرهم خراجا |
ويموت أعرابي آخر تكون بينه وبين الشريف بعض الصلات فيرثيه بفصيدة غراء ولا يصرّح باسمه، يقول فيها:
| منابت العشب لا حامٍ ولا راع | مضى الرضي بطويل الرمح والباع | |
| القائد الخيل يرعيها شكائمها | والمطعم البذل للديمومة القاع |
وابن جني يشرح قصيدة للشريف فيمدحه على ذلك وإبراهيم بن ناصر الدولة كان بينه وبين الشريف صداقة رثاه بعد موته بقصيدة طويلة. ويبلغه أن الصاحب بن عباد وقع إليه شيء من شعر الرضي، فأعجب به، وأنفذ إلى بغداد لاستنساخ تمام شعره، فيمدحه بقصيدة طويلة يقول فيها:
| بهداه يستضوي الورى وبهديه | قرب الطريق لهم إلى المعبود | |
| أسد إذا جرّ القبائل خلفه | حل الطلى بلوائه المعقود | |
| بيني وبينك حرمتان تلاقتا | نثري الذي بك يقتدي وقصيدي | |
| ووصايل الأدب التي تصل الفتى | لا باتصال قبائل وجدود |
ورثاؤه للصابي الذي يجلب في ذلك العصر شيئاً من الملام، فيقول فيه:
| أعلمت من حملوا على الأعواد | أرأيت كيف خبا ضياء النادي |
إلى أن يقول:
| الفضل ناسب بيننا إن لم يكن | شرفي مناسبه ولا ميلادي |
ثم يشير إلى أن الذي دعاه إلى رثائه هو الوفاء، فيقول:
| لا در دري أن مطلتك ذمة | في باطن متغيّب أو بادي |
ورثاؤه للخليفة الطائع بعد موته، فإن المدح في الحياة يكون له داعٍ من طمعٍ في جاهٍ أو مالٍ، أما الرثاء بعد الموت لخليفة مات منحّى عن الخلافة، لا يكون داعيه إلا الوفاء.
وهو يرثي أبا عبدالله الحسين بن أحمد المعروف بابن الحجاج الشاعر الهزلي المشهور، لمجرد صداقة كانت بينهما. ويرثي إبراهيم بن ناصر الدولة لمجرد الصداقة أيضاً.
شعره في المديح
مدح الشريف الخلفاء والملوك الذين عاصرهم، ووصفهم بالصفات التي اعتاد الشعراء أن يصفوا بها ممدوحيهم. ولكنه امتاز عنهم بأنه كان أبعد عن المبالغة المفرطة، وعن أن يكون داعيه إلى المدح حب الفوز بصلاتهم وجوائزهم فقط، لما جُبِلَ عليه من الأنفة وعلوّ النفس، ولكنه لا يمتنع مع ذلك أن يكون الخلفاء والملوك تصله منهم بعض الصلات، وخصوصاً صديقه الحميم الطائع، لكن لا بالطريقة التي كان ينتحيها سائر الشعراء فتكون الصلات هي هدفهم الوحيد في المديح ـ وإذا لم يصلوا إلى هذا الهدف لجأوا إلى الهجاء والذّم بالحق والباطل، فالشريف الرضي كان منزّهاً عن هذه الطريقة، فهو يقول في الطائع:
| رأي الرشيد وهيبة المنصور في | حسن الأمين ونعمة المتوكل | |
| نسب إليك تجاذبت أشياخه | طولاً من العباس غير موصل | |
| هذي الخلافة في يديك زمامها | وسواك يخبط قصر ليل أليل |
شعره في الرثاء
وهو يشبه شعره في المديح وجلّه كان وفاءً لأصدقائه، بعيداً عن الطمع بالصلات.
وقالت مجلة العربي:
بعد أن توفي أبو الطّيب المتنبي في سنة 354هـ، وكان في حياته مالىء الدنيا وشاغل الناس، ظلّت أخباره الكثيرة وأشعاره الوفيرة شغلاً شاغلاً لكثير من العلماء والنقّاد والكتّاب يستقصون هذه الأخبار في تصنيفها وشرحها وتفسيرها، ويتجادلون في ذلك ويتمارون مراءً شديداً. وكأن أبا الطيب كان على علم بما سيكون من بعده حين قال:
| أنام ملء جفوني عن شواردها | ويسهر الخلق جراها ويختصم |
في هذه الفترة، وبعد وفاة أبي الطيب بخمس سنوات، ولد ببغداد أبو الحسن، محمد بن الحسين بن موسى، الملقّب بالشريف الرضي. الذي يتصل نسبه بموسى الكاظم والحسين بن علي بن أبي طالب، ولذلك يُعرَف بالموسوي.
نشأ الرضي، ذو الحسبين ـ كما لقبه الملك بهاء الدولة بن عضد الدولة البويهي سنة 369هـ في بيت يتّسم بالمجد والشرف والحسب والنسب، فنال من ذلك كله حظه فيه، وأخذ نفسه في سن مبكرة بما يأخذ به أمثاله أنفسهم من الإنصراف إلى التعلم وحفظ القرآن والحديث ودراسة الفقه الإسلامي والشعر والنثر، فتتلمذ على نفر من جلّة العلماء وأفاضلهم في ذلك العصر من أمثال أبي سعيد السيرافي، وأبي الفتح عثمان بن جني، وأبي علي الفارسي، والقاضي عبد الجبّار، وأبي بكر الخوارزمي وغيرهم ممن يبلغ عددهم بضعة عشر أستاذاً، تلقّى على أيديهم علوم العربية والعلوم الإسلامية المختلفة.
وتشير الأخبار إلى أنه بكّر تبكيراً شديداً في حضور جلسات العلم والعلماء وأظهر فيها نجابة ملحوظة، حتى ليروي أنه أحضر إلى أبي سعيد السيرافي، العالم النحوي المشهور، وهو صبي لم يبلغ عمره عشر سنين، فلقّنه النّحو. وكان السيرافي، والحاضرون يعجبون من ذكائه وحدّة خاطره. كما يُروَى أنه تلقّن القرآن في سنّ مبكرة فحفظه في مدة يسيرة، ثم درسه دراسة أمكنته من أن يصنّف بعد ذلك كتاباً في معاني القرآن الكريم يوصف بأنه «يتعذر وجود مثله». ودلّ على توسّعه في علم النحو واللغة. ويقول محقق الكتاب الأخير أنه «يقوم في التراث العربي الإسلامي وحده شاهداً على أن الشريف الرضي خطا أول خطوة من التأليف في مجازات القرآن واستعاراته تأليفاً مستقلاً بذاته، ولم يأت عرضاً في خلال كتاب، او باباً من أبواب مصنّف».
هذه الشواهد تدلنا في سرعة على أن الشريف الرضي امتاز بشخصية جادة في الحياة أخذت نفسها أخذاً شديداً بأسباب الجدّ في الدرس والعلم والتحصيل، وذلك في السن التي يكون فيها أضرابه وأترابه في العمر لا يزالون يلعبون لعب الصبية ويلهون لهو من لم يشبّوا عن الطوق.
يواكب ذلك النبوغ والذكاء في هذا التطور من حياة الرضي ملكة مبكرة وموهبة فنية نادرة، تلك هي شاعريته المصقولة المهذبة النامية، التي تؤكد الروايات والأخبار أنها بدأت تؤتي ثمارها من الشعر بعد أن جاوز عشر سنين بقليل. ونحن نقرأ شعره هذا الذي تنصّ الروايات على أنه من أوائل أشعاره فنجده شعراً، رصيناً قوياً لا تنقصه أسباب الصقل والتهذيب، ولا يقلّ في جودته عن شعره المتأخر من حيث النسج وصياغة البناء.
هذه الموهبة الفنية ظلّت تفيض في حياة الرضي وهي حياة ليست طويلة، حتى ملأت ديوان شعرٍ كان يوصف في عصره بأنه ديوان كبير، يدخل في أربع مجلدات، وبأنه مشهور بين الناس كثير الوجود… وحتى اتفق النقاد والعلماء على أن الرضي «أشعر الطالبيين من مضى منهم ومن غبر. على كثرة شعرائهم الملفقين». ولو قيل أنه أشعر قريش لم يجاوز ذلك الصدق، لأن قريشاً كان فيها من يجيد القول، أما الشعر فقلّ في قريش مجيدوه، فأما المجيد المكثر فليس إلا الشريف الرضي».
وهذه الشاعرية الفياضة المبكرة لا ينبغي أن ننسى أنه كان بجانبها عقلية دارسة فاحصة أنتجت دراسات قيّمة في القرآن والحديث والنقد والبلاغة والتاريخ، نذكر منها بالإضافة إلى كتابَيه السابقين في معاني القرآن ومجازات القرآن، المجازات النبوية، وخصائص الأئمة، وأخبار قضاة بغداد، وسيرة والده، وحقائق التأويل في متشابه التنزيل، وكتاب رسائله، والحسن من شعر الحسين بن الحجاج، ونهج البلاغة الذي جمعه من كلام الإمام علي بن أبي طالب(ع).
وتطالعنا في عقلية الرضي، كما تطالعنا في شاعريته، خاصية واضحة تبدو بجلاء فيما وصل إلينا من كتبه، هي حريته في التفكير واستقلاله في الرأي وانطلاقه في التعبير عما يرى ويستقرّ رأيه عليه ويناقش في حرية وغير تعصّب آراءه وآراء غيره، لا يقيّده في ذلك كله، سواء في شعره أو في نثره، غير قيد واحد، إن صحّ أن يكون تمسكه بعروبته وأصالته العربية قيداً.
لا جرم، فالرضي من أشرف العرب نسباً، واعتزازه بعربيته واعتداده بتفكيره العربي أمر واجب مقدس في نظره، يفرضه عليه نسبه العربي العريق، كما أن ثقافته العربية الخالصة التي تعتمد على مصادر عربية إسلامية صافية من القرآن والحديث وتاريخ العرب وتراثهم في النثر والشعر جميعاً، ونفوره من الثقافة الأجنبية التي انحدرت في محيط الثقافة العربية، كل ذلك جعلنا نحكم على ثقافته ونصفها بأنها ثقافة دينية عربية وأنها ليست فلسفية أو علمية أو أجنبية.
وإذا أضفنا إلى ذلك أن الرضي كان من الرواة العرب المعدودين البارزين في المحيط العربي والمجال الإسلامي، بما كان يليه من أمور العرب وأمور المسلمين، حيث صارت إليه ولاية نقابة الطالبيين والحكم فيهم أجمعين، والنظر في المظالم والحج بالناس، وكانت كل هذه الأعمال لأبيه فصارت إليه في حياة أبيه سنة 380هـ وعمره لم يتجاوز الحادية والعشرين، ثقةً من السلطان ومن أبيه ومن عامة الذين وُلِيَ أمرهم فيها، واطمئناناً منهم إلى رجاحة عقله ووفرة ذكائه وحكمته، مما جعل الثعالبي يصفه بقوله «وهو اليوم أبدع أبناء الزمان، وأنجب سادة الطرق، يتحلى مع مَحْتِدِه الشريف، ومفخرة المنيف، بأدب ظاهر وفضل باهر، وحظ من جميع المحاسن وافر».
وإذا أضفنا كذلك ما هو معروف من أسباب الصراع السياسي والاجتماعي حينذاك. إذا أضفنا هذا وإذا استطعنا من زاوية أخرى أن نفسر سرّ تمسّك الرضي بعروبته وسرّ تمكن هذه العربية من طريقته في التفكير والتعبير، ذلك التمكن الذي يشبه القيد، بحكم نسبه العربي الأصيل وثقافته العربية الخالصة ومنصبه العربي الطالبي.
شعر الرضي مرآة تعكس شخصيته وتصوّر عصره
وشعر الشريف الرضي هو المرآة التي تنعكس عليها كل الملامح السابقة فتكشف لنا بوضوح كل ما فيها من جوانب وتفصيلات، وهو الذي يعطينا صورة صادقة لسمات شخصيته من ناحية، وسمات عصره وبيئته وثقافته من ناحية أخرى بحيث يصلح الكثير من شعره أن يكون من الوسائل القيّمة التي تعين على فهم كثير من أحداث هذا العصر وأخباره.
وأول ما يطالعنا في هذا الشعر، في قوة ووضوح، هو أرستقراطية الشريف الرضي العربية التي تحدثنا عن أسبابها ومقوماتها، وهي تطالعنا في الفنون والأغراض التي طرقها، وأهم هذه الفنون في ديوانه دون شك: الفخر والرثاء.
أما الفخر فيعتمد عنده قبل كل شيء على هذه الأرستقراطية العربية التي تجري في دمه، ثم على منزلته ومنزلة بيته في المجتمع الإسلامي، ثم على الصفات العربية التليدة المأثورة، من شجاعة وإقدام وعدم مبالاة بالأخطار وبالموت، ومن كرم ونجدة وإغاثة، ومن وفاء وحسن جوار ولطف معاشرة، ومن حِلم ووقار وقوة احتمال وعفة في القول والعمل… ولا عجب أن يكون الفخر من الفنون المبكرة جداً في حياته الفنية، إذ نجد في ديوانه قصيدة في هذا الغرض، قالها وله عشر سنين منها:
| المجد يعلم أن المجد من أربي | ولو تماديت في غيّ وفي لعب | |
| إني لمن معشر إن جمعوا لعُلىً | تفرقوا عن نبي أوصى نبني |
ومن القصائد الرائعة في هذا الباب، وهي تجمع كثيراً من مقومات فن الفخر عنده من حيث المعاني والصياغة إلى جانب طول نفسه فيها قصيدته التي يقول فيها:
| لغير العلى مني ألقى والتجنب | ولولا العلى ما كنت في الحبر أرغب | |
| ملكت بحلمي فرصةً ما استرقها | من الدهر مقتول الذراعين أغلب | |
| فإن تك سنى ما تطاول باعها | فلي من وراء المجد قلب مدرب | |
| وللحلم أوقات، وللجهل مثلها | ولكن أوقاتي إلى الحلم أقرب | |
| ولا أعرف الفحشاء إلا بوصفها | ولا أنطق العوراء والقلب مغضب | |
| لساني حصاة يقرع الجهل بالحجى | إذا نال مني العاضة المتوثب |
وديوان الشريف الرضي يضم بين دفتيه قصائد في المديح، يمدح بها بعض الملوك والخلفاء في عصره، ولكن أغلب مدائحه في أبيه وفي أهل بيته، وهي ألصق بفن الفخر لأنه إذا مدح أباه أو أهل بيته فهو إنما يفخر بهم وبنسبه، وحتى إذا مدح الخليفة أو غيره، فهو إنما يتّخذ ذلك تكئةٌ يعتمد عليها ويتوسل بها إلى الفخر فيقول للخليفة القادر:
| عطفاً أمير المؤمنين فإننا | في دوحة العلياء لا نتفرّق | |
| ما بيننا يوم الفخار تفاوت | أبداً، كلانا في المعالي معرق | |
| إلا الخلافة ميزتك، فإنني | أنا عاطلٌ منها وأنت مطوق |
الرثاء في شعر الرضي
وأما الرثاء فهو القيثارة المحبّبة لدى الرضي، يعزف عليها ألحانه الشجيّة الحزينة كلما مات فردٌ من أقاربه وأهل بيته، سواءٌ في ذلك صغيرهم وكبيرهم، الذكر منهم والأنثى، بل تستبدّ به هذه النزعة الأرستقراطية العربية فتأخذه أخذاً إلى الوراء في مواضي الليالي وسوالف الأيام ليفيض من هذه الألحان الباكية على من رحلوا من أهل بيته الأبعدين والأقربين، لا سيما الحسين بن علي، الذي رثاه أكثر من مرة، وبكاه بكاءً حاراً بدمعٍ ساخنٍ مدرار.
الرضي رثى الشيعي وغير الشيعي والعربي وغير العربي والمسلم وغير المسلم
وأغلب الظن أن نفس هذه النزعة هي التي كانت تملي عليه أن يكون وفياً، فيمسك بنفس القيثارة، وما أسرع ما كان يمسكها، ليبكي أناساً آخرين من غير أهل بيته، تربطهم به علاقة الصداقة أو الزمالة في العلم أو في الشعر، أو أستاذتهم له. ومن حقّ الرضي أن نسجل له في هذا المقام صفة مهمة في شخصيته هي تحرّره من كل عصبية، وخاصةً في باب الصداقة أو باب الزمالة في الأدب والعلم، إذ لم يكن يفرق في هذا المجال بين شيعي على مذهبه وغير شيعي، ولا بين عربي وغير عربي، بل لم يكن يفرق بين مسلم وغير مسلم، حين بكى صديقه أبا إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي، وهو على دين الصابئة، على حين كانت تجمع بينهما صناعة الأدب وكانت بينهما مراسلات بالشعر والنثر. وقصيدة الرضي في رثاء الصابي تُعَدّ من أروع قصائده في الرثاء ومطلعها:
| أعلمت من حملوا على الأعواد | أرأيت كيف خبا ضياء النادي | |
| جبل هوى لو خرّ في البحر اغتدى | من وقعه متتابع الأزباد | |
| ما كنت أعلم قبل حطّك في الثرى | أن الثرى يعلو على الأطواد |
ولقد رثاه الشريف بأكثر من قصيدة، ولم يعبأ بما وُجِّه إليه من لومٍ في ذلك.
ولعله لِيمَ كذلك على رثائه الحسين ابن أحمد بن الحجاج الشاعر الماجن المشهور، لبعد ما بينهما في السلوك والخلق، بقصيدة يقول فيها:
| ليبك الزمان طويلاً عليك | فقد كنت خفّة روح الزمان |
ومما يؤكد هذه الصفة، وهذه الروح في الشريف الرضي أنه رثى عمر بن عبد العزيز، على قديم ما بين البيتين من خلافٍ عميقٍ وعداءً وصراعٍ في السياسة والنحلة، قال فيه:
| يا ابن عبد العزيز، لو بكت العيـ | ـن فتى من أمية لبكيتك | |
| غير أني أقول: إنك قد طبـ | ـت، وإن لم يطب ولم يزل بيتك | |
| ولو أني رأيت قبرك لاستحـ | ييت من أن أرى وما حييتك | |
| وقليل أن لو بذلت ماء الـ | ـبدن حزناً على الذّرى وسقيتك |
وعلى بضعة أوتار من نفس هذه القيثارة الحزينة يعزف الرضي ألحانه وفنون شعره الأخرى في الحكمة والزهد والشكوى من الزمان وضياع الشباب ونزول الشيب، حتى غزله ونسيبه يفيضان بالأنين والتوجع والتألم.
وشعره في الحكمة والزهد يكاد يعتمد اعتماداً خالصاً على ثقافته العربية والآثار الإسلامية في معانيه وأفكاره، وإن خالطه شيء غير عربي فيما كان شائعاً في عصره من أثر الثقافات الأجنبية، وفيما عدا ذلك فهو مستمدّ من القرآن الكريم، والحديث الشريف وأقوال الصحابة والزاهدين، ومن تجاربه الخاصة في حياته العربية الخالصة ومذهبه العربي في هذه الحياة.
غزل الرضي
وغزل الشريف الرضي ونسبه عربيان خالصان، يستوحيهما من العربيات الخالصات، ومن البيئات العربية، على الرغم من كثرة الإماء والجواري غير العربيات وذهاب الشعراء في التشبب بهن كل مذهب في عبث ومجون. والرضي لم يزلْ زلّة واحدة ولم ينحرف به الطريق عن العفة والشرف والخُلق الرفيع في هذا الباب، وهو إذا تغزّل فإنما يتغزّل في العربيات من مثيلات أميمة ولمياء، وهنّ من بيئات عربية في نجد أو في العراق أو في الحجاز، وغاية عشقه وغزله أن يقول:
| عفافي من دون التقية زاجر | وصونك من دون الرقيب رقيب | |
| عشقت وما لي، يعلم الله، حاجة | سوى نظري، والعاشقون ضروب | |
| ومالي يا لمياء بالشعر طائل | سوى أن أشعاري عليك نسيب |
ومذهبه في اختصاصه العربيات بالغزل واضح حين يدلنا على ذلك في شعره إذ يفرّق بين نجد العربية وبابل الفارسية، فيقول في معرض شعره:
| لواعج الشوق تخطبهم وتصميني | واللوم في الحب ينهاهم ويغريني | |
| هيهات بابل من نجد، لقد بعدت | على المطي مرامي ذلك البين |
والرضي إذا تعرض لوصف الفتاة لا يذهب، بعفته، إلى أبعد من نضرة الوجه ونقاء الخدّ وصفاء البشرة وامتلاء الساعد والساق، فإذا كان بينه وبينها لقاء فهما على هذا النحو:
| بتنا ضجيعين في ثوب الظلام كما | لف الغُصينين مرُّ الريح بالأصل | |
| طورا عناقاً كأن القلب من كثب | يشكو إلى القلب ما فيه من الغلل | |
| وتارةً رشفات لا انقضاء لها | شرب النزيف طوى علا على نهل | |
| وكم سرفنا على الأيام من قبل | خوف الرقيب كشرب الطائر الوجل |
غير أن الرضي كثيراً ما يؤكد أن هذه اللقاءات على ما يبدو في ظاهرة من الريبة، بعيدة عن الشبه، وليس فيها غير عفيف القول وعفيف الفعل، مما لا يمسّ الشرف بخدشٍ، ولا يؤثر في حسن الخُلق بأثرٍ:
| وظبيةٌ من ظباء الأنس عاطلةٌ | نستوقف العين بين الخمص والهضم | |
| بتنا ضجيعين في ثوبي هوى وتقى | يلفنا الشوق من فرعٍ إلى قدم | |
| وبيننا عفة بايعتها بيدي | على الوفاء بها والرعى للذمم | |
| فقمت أنفض بردا ما تعلقه | غير العفاف وراء الغيب والكرم | |
| ثم انثنينا وقد رابت ظواهرنا | وفي بواطننا بعدٌ عن التهم |
فهذه عفّة عربية وتقوى عربية، ووفاء عربي، وذمّة عربية لفتاته العربية أن يرعاها ويتمسك بها ولا يفرّط فيها. وفيما عدا ذلك فغزل الشريف الرضي يفيض بأنات الألم، ألم الفراق، والشوق، والحنين، والذكرى.
شكوى الزمان
وإلى جانب ذلك كله نجد الرضي كثير الشكوى من الزمان ومن نوازله وخطوبه وغدره، وأكثر من ذلك شكواه من المشيب وتفجّعه على الشباب، إذ فاجأه الشيب وهو لم يزايل عتبات الصبا بكثير، ففي شعره ما يدلنا على أن الشيب داهمه وهو في سنّ العشرين أو بعد ذلك بقليل:
| عجلت يا شيب على مفرقي | وأيّ عذرٍ لك أن تعجلا | |
| فكيف أقدمت على عارض | ما استغرق الشعر ولا استكملا | |
| كنت أرى العشرين لي جنة | من طارقات الشيب أن أقبلا | |
| فالآن سيّان ابن أم الصبا | ومن تسدى العمر الأطولا |
ولذلك نجده كثير الشكوى من الزمان ومما أنزله به من شيبٍ باعد بينه وبين الشباب وقارب بينه وبين الموت وأغمض عنه عيون الحسان:
| لو دام لي ودّ الأوانس لم أبل | بطلوع شيبٍ وأبيض غدائر | |
| واهاً على عهد الشباب وطيبه | والغضّ من ورق الشباب الناضر | |
| وأرى المنايا، إن رأت بك شيبة | جعلتك مرمى نبلها المتواتر | |
| لو يفتدى ذاك السواد فديته | بسواد عيني بل سواد ضمائري | |
| إن أصفحت عنه الخدود فطالما | عطفت له بلواحظ ونواظر |
أما في الوصف فقد كان مجليّاً مبرزاً فلم تكن شاعريته معبرة تعبيراً قوياً عن مكنون نفسه ودخيلة عاطفته فحسب، وإنما كانت معبرة أيضاً عن انعكاس للصور الخارجية عليها مصوّرة لها تصويراً فنياً يدل على براعة المصور وروعة فنه.
على أن الأمر الذي يثير التّأمل حقاً في شعره إنما هو موسيقاه، والذي يصيخ السمع أثناء قراءة شعر الرضي يجد أنه كان يختار الإيقاع الموسيقي المناسب ـ ربما في غير وعي منه ـ للفن الذي يقول فيه معانيه ويصوغ فيه أفكاره وخلجات نفسه، فالتوافق الموسيقي بين الأوزان والمعاني سمة واضحة في قصائد الرضي بحيث يثير ذلك انتباهك وتأملك ويلفتك لفتاً شديداً.
عوامل صرفت الناس عن شعر الرضي
وبعد هذه الوقفة ـ غير المستأنية ـ مع الشريف الرضي وشاعريته، أليس من الإنصاف أن ندل على أنه من الواجب أن نقف معه وقفة طويلة، تنصفه وتنصف شاعريته التي اشتغل عنها القدامى بالمتنبي وشعر المتنبي، ثم لم يلبثوا أن طلع عليهم أبو العلاء المعري فاشتغلوا به إلى جانب اشتغالهم بأبي الطيب؟؟
لا شك أن هناك عوامل أخرى صرفت الناس عن الشريف الرضي صرفاً ما، من أهمها نفس هذه الأرستقراطية العربية التي لازمته في شخصيته وسلوكه وخلقه وفنه، والتزامه طريق الجدّ والرزانة والوقار، بعيداً عن مخالطة العامة وجماهير الناس. ويبدو أن تعففه وارتفاعه بمعانيه وأغراضه وصياغته بما يناسب أرستقراطيته صرف طوائف أخرى من الناس الذين كانوا يميلون إلى اللهو والعبث تنفيساً عن أنفسهم، ولم يكن في الفنون والأغراض التي طرقها الشريف ما يعطف هؤلاء على شعره، حتى في نسيبه وغزله اللذين كان يحافظ فيهما على الوقار والجدّ. ونفس النغمة الحزينة الشاكية التي تجلّل معظم شعره تعتبر عاملاً مهماً في هذا السبيل وانصراف الكثيرين عنه. أما العلماء والنقاد فيبدو أنهم لم يجدوا في شعره من المشكلات والمعضلات ما وجدوه في شعر أبي الطيب وأبي العلاء بما يشغلهم به. كما أن شخصيته كرئيس ديني وعالم من علماء البيان والفقه والتفسير طغت على شخصيته شاعراً.
ولعل الرضي، لو كان شاعراً متفرّغاً للشعر وقرضه، سالكاً في حياته ومذهبه وطريقته طريقاً غير الطريق الذي التزمه وألزم به نفسه وسلوكه وشعره، لكان له شأن آخر بين شعراء هذه الفترة وعلى رأسهم المتنبي والمعري، ولنال اهتماماً أكبر عند من أرّخوا لتاريخ الأدب العربي.
إخوان الصفاء
نشأت جماعة إخوان الصفاء في البصرة في القرن الرابع الهجري، وكان لها فروع في بغداد تبادل أعضاؤها الرسائل العلمية، التي عُرِفَت باسم رسائل إخوان الصفاء. وقد اشتهر أعضاؤها بالآراء العلمية الحرّة([202]).
ونظراً لهذه الآراء التي اشتهروا بها، فقد تقوّل عليهم الناس، فاستتروا تقيةً من السلطان ورجال الدين. وقد دعوا إلى تثقيف العقول والنفوس ونشر العلم والعرفان، بمذهب يجمع بين الفلسفة والدين.
ولم يحل اضطراب الأمور السياسية في عهدهم دون تقدم الفكر العلمي الإسلامي، فمن حسن حظهم أن الأمراء كانوا يتنافسون في تقريب العلماء والإغداق عليهم، وكان قد تمّ نقل العلوم الإغريقية، وشرع المفكرون في التصنيف بدلاً من النقل.
وكان من مبادىء أعضاء هذه الجماعة أن لا يعادوا علماً من العلوم، أو يهجروا كتاباً من الكتب، وألا يتعصّبوا لمذهب من المذاهب، وأن يجمعوا العلوم جميعها، وينظروا في الموجودات بأسرها.
وكانت اجتماعات هذه الجماعة خاصةً، لا يحضرها سوى الأعضاء، إلا أنهم أذاعوا رسائلهم ونشروها بين الناس، واطّلع عليها المثقفون، ودخلت رسائلهم الأندلس. وتبلغ رسائل إخوان الصفاء اثنتين وخمسين رسالة ورسالة على حدّ تعبيرهم، مقسومة على أربعة أقسامٍ، رياضيةٍ وتعليميةٍ، وجسمانيةٍ طبيعيةٍ، ونفسيةٍ عقليةٍ، وناموسيةٍ إلهيةٍ، وتليها الرسالة الجامعة لما في هذه الرسائل كلها المشتملة على حقائقها.
وقد ذكروا أن مصادر علومهم. كتب مختلفة، هي كتب الحكماء من الرياضيات والكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل والقرآن والكتب الطبيعية، وتحوي صور الموجودات من أفلاك وبروج وكواكب، والكائنات من نبات وحيوان ومعادن.
ويتضمن القسم الأول من رسائلها الرياضيات، لما للعدد من مقام في فلسفتهم،ولعلهم تأثروا في ذلك بالفيثاغوريين. ولعدد أربعة شرف الصدارة عندهم، لأن الطبائع أربع، والعناصر أربعة، والأمزجة أربعة، والفصول أربعة، والجهات الأربع، والرياح الأربع والمكونات الأربعة.
فالعناصر أربعة وهي: الحرارة والبرودة والصفراوي والسوداوي.
والأمزجة أربعة وهي: الدموي والبلغمي والصفراوي والسوداوي.
والفصول أربعة وهي: الربيع والصيف والشتاء والخريف.
والجهات أربع وهي: الشمال والجنوب والشرق والغرب.
والرياح أربع وهي: الصبا والدبور والجنوب والشمال.
والمكونات أربع وهي: المعادن والنباتات والحيوان والإنسان.
وكذلك تكلموا في العدد والهندسة والنجوم، وتدخل الموسيقى في القسم الرياضي، وتكلموا في صناعتها وأصلها وفي امتزاج الأصوات وتنافرها، وفي أصول الألحان وقوانينها.
وفي القسم الثاني من رسائلهم تحدثوا في الطبيعة، وكانوا في أكثرها مشايعين لأرسطو وفي أقلّها شايعوا الفيثاغوريين والأفلاطونيين، فتكلموا عن الهيولي، والصورة، والزمن والمكان والحركة والآثار العلوية وعن المعادن والحيوان والإنسان والنفس واللذة والألم والأصوات وإدراك القوة السامعة لها.
وتكلموا في التطور والارتقاء، قالوا إن المعادن متصل أولها بالتراب وآخرها بالنبات، والنبات متصل آخره بأول الحيوان، واعتبروا النخل آخر المرتبة النباتية مما يلي الحيوانية، وآخر مرتبة الحيوان متصل بأول مرتبة الإنسان، كالقرد في التقليد، والفيل في الذكاء، والنحل في حسن التدبير.
وخصّ إخوان الصفاء في القسم الثالث من رسائلهم بالنفسانيات والعقليات، يقول البستاني: إنهم كانوا في كثير منها على رأي الفيثاغوريين، وفي بعضها أفلاطونيون وأرسطويون، وتكلموا في ما بعد الطبيعة.
أما القسم الرابع من هذه الرسائل فيختص بالآراء والديانات، وما اتصل بها من المذاهب الروحانية والفلسفية والعلمية، وهي محاولة لم يغفلها ابن سينا والفارابي وغيرهما من الفلاسفة.
وفي الحق أن رسائل إخوان الصفاء ـ كما يعتقد دي بور ـ إنما هي أشبه بدائرة معارف لاشتمالها على خلاصة ما انتهت إليه علوم الأقدمين وعقائدهم على غير تعمق في عرض المسائل وبحثها مع ما يتخلّلها من رموز وأحاجٍ. ويقول أبو حيان التوحيدي: «قد رأيت جملة منها، وهي مبثوثة من كل فنٍّ بلا إشباع ولا كفاية» إلا أنها كتبت بلغة أنيقة جذابة، جميلة الصور والتشابيه فلا يضيق مطالعها ذرعاً وإنها لتستأهل التحقيق العلمي الرصين.
يقول إخوان الصفاء: إن رسائل القسم الأول أربع عشرة رسالة، الرسالة الأولى، وهي في العدد ماهيّته وكمّيّته وكيفيّة خواصه. وبمعرفته يتدرّج المرتاض إلى سائر الرياضيات والطبيعيات، وإن علم العدد جذر العلوم، وعنصر الحكمة ومبدأ المعارف.
تناولوا فيها الرياضيات والمنطقيات والطبيعيات والإلهيات، قالوا: والرياضيات أربعة أنواع أولها الأريتماطيقي (الحساب)، والثاني الجومطريا (الهندسة)، والثالث الموسيقى. فالموسيقى معرفة تأليف الأصوات وبه استخراج أصول الألحان، والأسطرنوميا هو علم النجوم والبراهين التي ذكرت في كتاب المجسطي. والجومطريا علم الهندسة بالبراهين التي ذكرت في كتاب أقليدس والأرثماطيقي معرفة خواص العدد وما يطابقها من معاني الموجودات التي ذكرها فيثاغورس ونيقاموخس.
وكانت الرسالة الثانية في الهندسة، وبيان أهميتها وكمية أنواعها، وكيفية موضوعاتها، والثالثة في النجوم، شبه المدخل في معرفة تركيب الأفلاك، وصفة البروج، وسير الكواكب. والرابعة في الموسيقى، والخامسة في الجغرافيا والسادسة في النسبة العددية والهندسية، والسابعة في الصنائع العلمية النظرية وفيها تعديد لأجناس العلوم والثامنة في الصنائع العملية والمهنية وتقدير أجناس الصنائع والحِرَف… وهكذا.
أما رسائل القسم الثاني وهي سبع عشرة ـ منها واحدة في السماء والعالم، وثانية في الكون والفساد، وثالثة في الآثار العلوية تتحدث عن حوادث الجوّ، وتغيّرات الهواء من النور والظلمة، والحرّ والبرد، وتصاريف الرياح من البحار والأنهار والرعد والبرق والثلج والبرد والهالة وقوس قزح والشهب وذوات الأذناب، ورابعة في كيفية تكوين المعادن وكمية الجواهر المعدنية وكيفية تكوينها في باطن الأرض وغيرها في ماهية الطبيعة في الحيوان والنبات والمعادن، والرسالة السابعة خاصة بأجناس النبات والمعادن وأنواعها وكيفية تكوينها ونشوئها، واختلال أنواعها مع الأشكال والألوان والطعوم والروائح وصموغها ولحائها وعروقها وقضبانها وأصولها وغير ذلك من المنافع. وأن أول مرتبة النبات متصلة بآخر مرتبة المعادن، وآخر مرتبتها متصلة بأول مرتبة الحيوان والثامنة في أصناف الحيوان وعجائب هياكلها وغرائب أحوالها، والغرض منها هو البيان عن أجناس الحيوانات وكمية أنواعها، واختلاف صورها وطبائعها وأخلاقها وكيفية تكوينها ونتائجها وتوالدها وتربيتها لأولادها، وأن أول مرتبة الحيوانية متصلة بآخر مرتبة النبات وآخر مرتبة الحيوانية متصلة بأول مرتبة الإنسانية. وتتناول الرسالة التاسعة من هذا القسم تركيب الجسد، والبيان بأنه عالم صغير ـ وأن بنية هيكله تشبه مدينة فاضلة، وأن نفسه تشبه ملكاً في تلك المدينة، والغرض منها معرفة الإنسان، جسده وبنيته المهيأة له. وأن انتصاب قامة الإنسان أجلّ أشكال الحيوانات، والعاشرة رسالة في الحاسّ والمحسوس والغرض منها هو البيان عن كيفية إدراك الحواس محسوساتها… وهكذا.
يقول إخوان الصفاء في الرسالة الأولى من القسم الرياضي:
«إعلم أيها الأخ البارّ الرحيم بأنه لما كان من مذهب إخواننا الكرام أيدهم الله النظر في جميع علوم الموجودات التي في العالم، من الجواهر والأعراض والبسائط والمجردات والمفردات والمركبات والبحث عن مبادئها وكمية أجناسها وأنواعها وخواصها وعن ترتيبها ونظامها، على ما هي الآن وعن كيفية حدوثها ونشوئها عن علّة واحدة ومبدأ من مبدعٍ واحدٍ جلّ جلاله، ويستشهدون على بيانها بأمثلة عددية وبراهين هندسية مثل ما كان يفعله الحكماء الفيثاغوريون احتجنا أن نقدّم هذه الرسالة قبل رسائلها كلها، ونذكر فيها طرفاً من علم العدد وخواصه التي تسمى «الأرثماطيقي» شبه المدخل والمقدمات، لكيما يسهل الطريق على المتعلمين إلى طلب الحكمة التي تسمى الفلسفة، ويقرب تناولها للمبتدئين بالنظر في العلوم الرياضية».
ومهما يكن الرأي في شأن هذه الجماعة ورسائلها، فالرأي عندي أنها جمعية علمية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وأن أعضاءها تناولوا في رسائلهم بطريقتهم الخاصة ـ جميع معارف عصرهم، وكانت معالجتهم للموضوعات التي تناولوها بطريقة علمية لا شكّ فيها، من حيث جمع الحقائق وترتيبها، واستقراء النتائج وبحث الماهية والتركيب. صحيح أنهم لجؤوا في كثير من الأحيان إلى الإشارات والرموز. إلا أن آرائهم تدل على سعة في الفهم ودقة في العرض، ولا مراء في أن رسائلهم عامرة بالحكمة والفلسفة والرياضيات والطبيعيات ووصف للمعادن والنبات والحيوان وظواهر الطبيعة. وإذا صرفنا النظر عما بها من رموز ومعميات وإشارات لا يسيغها العلم الحديث، فإنها تعدّ بحق من الأعمال العلمية الخالدة فرسائلهم الاثنتان وخمسون رسالة ورسالة، إنما هي دائرة معارف موسوعية محيطة بمعارف العصر وما تقدمه من عصور، وإن دراستها لتحتاج إلى جهد عصبةٍ من أولي العزم من العلماء يتوافرون على الغوص في أعماقها لاستخراج ما بها من كنوز ليس إلى حصرها سبيل.
الدكتور عبد الحليم منتصر
بلور الإخوان عقيدتهم وتطلعهم الاجتماعي وبنوا نظامهم التعليمي الذي طمعوا أن يكون وسيلتهم إلى عالمهم الأمثل ومارسوا نفوذهم كقوة اجتماعية لها خطرها ولها ثقلها الموزون في تقرير الأحداث وتوجيه مسيرة التاريخ.
ولهذا الغرض ألّفوا رسائلهم المشهورة برسائل إخوان الصفا وعددها بين إحدى وخمسين وثلاث وخمسين رسالة تناولوا فيها كل نواحي المعرفة التي يحتاجها الفرد المثقف في القرن الرابع الهجري([203]). وإن الرسائل لها «لون شيعي علوي واضح»([204]) كما أن من أهم ما يجلب الانتباه فيها هو عناية الإخوان بالعمل والصناع عناية دفعتهم إلى رفض النسب الدموي مقياساً اجتماعياً في تصنيف طبقات المجتمع والاستعاضة عنه بالتصنيف المادي للناس حسب أعمالهم ودخولهم.
الدكتور محمد جواد رضا
وخلاصة القول في رسائل إخوان الصفاء:
أنها دائرة معارف من طراز فريد في بابه في تاريخ الثقافة البشرية، ألّفتها جماعة من الأصدقاء كلهم فلاسفة يدينون برأي واحد في تفسير الكون وحقيقته وظواهره، والعقائد وأصولها، وما إلى هذه من مسائل الفلسفة التي شغلت أذهان الناس في القرون الوسطى.
كانوا جماعة سرية، لم يفحصوا عن أسمائهم أو عن حقيقة اتّجاههم، واكتفوا بأن سموا أنفسهم إخوان الصفاء وخلّان الوفاء، وقد عاشوا خلال النصف الثاني من القرن الرابع الهجري والغالب أنهم فرغوا من رسائلهم سنة 373هـ ـ 983م.. وواضح من رسائلهم أنهم كانوا شيعة إسماعيلية وأن هدفهم من تحرير هذه الرسائل هو الدعوة لمذهبهم هذا عن طريق العلم والفلسفة. ويبلغ عدد الرسائل إحدى وخمسين كلها مكتوبة بطريقة واحدة تقوم على التأويل والرمز، تتناول الكلام على الموت وغاية النفس في الحياة الدنيا، والعقل والنور، والظلمة، والجوهر والعرض، والقوة الإلهية، والبعث والقيامة، والحكمة، والفلسفة والخالق سبحانه، والعقل وأركانه، وما إلى ذلك من مسائل الفلسفة والإلهيّات.
إنها دائرة معارف فلسفية لا تزال إلى الآن مشكلة من مشاكل تاريخ الفلسفة عندنا، ولكنها على أي حال دائرة معارف فلسفية ظهرت في التاريخ، ومهما يكن الرأي في نظريات أصحابها فهي شيء طريف في مكتبتنا العربية، وهي مظهر من مظاهر الموسوعية في ثقافتنا.
الدكتور حسين مؤنس
انقضى عصر الترجمة ودخل العرب بعده في طور جديد من أطوار تاريخهم الفكري، هو طور نتاج شخصي كبير، وغدت العربية في القرن الرابع الهجري لغة وسعت الكثير من مصطلحات العلوم الفلسفية والطبية والرياضية، إلى جانب ما كانت تؤديه من أغراض أخرى([205]).
وينتهي البحث في تاريخ الفكر العربي إلى حقيقة عامة تلك هي أن العرب قد أدركوا منذ زمن مبكرٍ مزية التعاون الفكري، وهم على الأرجح واضعوا أساس نظام العمل الإنتاجي المشترك، المعروف بين الأوروبيين بنظام الـ Collaboration وهم كذلك واضعوا نظام المجامع العلمية الحديثة بلا جدال.
وأقدم مؤسسة علمية أكاديمية يعرفها تاريخ الفكر هي جماعة «إخوان الصفا» التي ظهرت في البصرة في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) آخذة نفسها بتعاليم الفيثاغوريين الفلسفية، وناحية منحاهم في التفكير.
وليس هناك شكّ في أن هذه الجماعة كانت قد قرأت حكمة الهنود فيما قرأت وأعجبت بما تضمنته من عِبَر وعِظات، وفطنةٍ إلى معاني التعاون والصفاء التي توحي بها قصة «الحمامة المطوقة» من قصص «كليلة ودمنة» وفيها يطلب دبشليم الملك إلى بيدبا الفيلسوف أن يحدثه عن «إخوان الصفا». كيف يبدأ تواصلهم، ويستمتع بعضهم ببعض، فيضرب له الفيلسوف مثل الإخوان المتعاونين على الخير، والمؤاسين عندما ينوب المكروه، ويتمثل بالحمامة المطوقة والجرذ والظبي والغراب، كيف تعاونوا فخلصوا من مرابط الهلكة مرة بعد أخرى، لما بينهم من مودة وخلوص نفس وثبات قلب. وكان إخوان الصفا يرون أن الإنسان الذي منح العقل والفهم، واُلهِم الخير والشر، واُعطِيَ التمييز والمعرفة أولى وأحرى بالتواصل والتعاضد وهكذا كانوا أول من قرر قواعد الفلسفة التعاونية.
ويرجح «جولد تسيهر» المستشرق الألماني اشتقاق الجماعة لاسمها من قصة الحمامة المطوقة هذه. ولم يكن «إخوان الصفا» جماعة فلسفية فحسب، بل كانوا إلى جانب ذلك جماعة دينية سياسية تعتنق المذهب الشيعي المتطرف، مذهب الإسماعيلية، وكانوا بحكم هذا التطرف أعداء للنظام السياسي القائم في زمنهم، وبمعنى آخر أعداء لنظام الحكم العباسي، يجهدون في محاربته وهدمه عن طريق الإقناع العقلي والتشكيك في قيمة المعتقدات. وكان لهذه الجماعة فرعٌ في بغداد يبثّ هناك دعايتهم الخاصة ويحقق غايتهم العلمية السياسية معاً.
ويحيط بآراء إخوان الصفا غموض هو من مميزات الآراء الإسماعيلية عامة، ولهذا غلبت الصفة الدينية على نشاط هذه الجماعة، فلم يخلص جهدهم العلمي من الشوائب. لولا ذلك لكان إنتاجهم فذّاً أكثر مما هو، ولكن العصور الوسطى التي لعب الدين فيها دوره المهم في الغرب والشرق على السواء، لم تكن لتتجرّد من العواطف والنزوات بحيث يأتي نتاجها الفكري خلواً من التأثر بالنزعات الخاصة، فهذا «التجريد» في البحث العلمي إنما هو من خصائص العصر الحديث.
ورغم كل ما يؤخذ على هذه الجماعة من العيوب التي يشوه بها البحث العلمي الصحيح، فقد خلفت ثروة علمية عظيمة القيمة متشبعة النواحي، ورتبت إنتاجها ترتيباً موسوعيّاً غاية في الدقة، وعرفت مصنفات أعضائها بالرسائل، وفيها عالجوا شتّى مسائل المعرفة من المنطق والتاريخ الطبيعي وعلم النفس والموسيقى والرياضة والفلسفة ولا سيما الفلسفة الصوفية، وقد أربت رسائلهم على الخمسين، وهي خلاصة لكثير مما انتهى إلى العقل العربي من المعارف حتى ذلك الوقت، وتدل لغتها على أن العربية كانت قد أضحت في ذلك التاريخ قادرة على التعبير عن الأغراض العلمية المختلفة. وهم إذن أول من وضع النظام الموسوعي في التأليف، ولذلك نجدهم لا يضيفون جديداً بقدر ما يسردون آراء الغير. ويرجح الأستاذ «دلاسي أوليربي» أن زيد بن رفاعة كان روح هذه الحركة التصنيفية الموسوعية يعاونه أبو سليمان محمد البستي، وأبو الحسن علي الزنجاني، وأبو أحمد المهرجاني، والعوفي.
وكان لهذه الجماعة تأثير أدبي ملموس على الشخصيات العلمية البارزة خارج النطاق الذي عملت فيه، فهذا ديوان «سقط الزند» للمعرّي يظهرنا على مدى تأثر الفلسفة العلائية بآراء الإخوان، عندما كان يختلف إلى العراق ويجلس إلى متحدثيهم أيام الجمعة، وهذا أيضاً كتاب «الأحياء» واضح الدلالة على تأثر الغزالي بأسلوبهم في الكتابة وطرائقهم في التفكير ولتعاليم هذه الجماعة أثرٌ واضحٌ في تفكير «أبي حيان التوحيدي» المعتزلي الكبير.
وأولى معرفة الغرب بآراء إخوان الصفا وجهدهم كان على يد الطبيب المسلم «مسلم بن محمد أبو قاسم المجريطي الأندلسي» المتوفى قرابة نهاية القرن الرابع للهجرة، وكانت لآرائهم في إسبانيا قوة خاصة في تشكيل الفلسفة الإسلامية في الأندلس، وهذه بدورها أثرت تأثيراً في الفلسفة المدرسية لفلسفة العصور الوسطى الأوروبية.
إبراهيم جمعة
إن هذه العصابة الطاهرة التي حاولت نشر الثقافة بأسلوبها السائغ العذب وبتيسير سبل التفكير للطبقات المتعلمة كانت الفكرة السائدة في معتقدهم هي التشيّع والعمل على بثّ هذه الفكرة بمختلف الوسائل والسبل. واستيعاب الرسائل يقنع القارىء ويدل على مواطن الرأي ويجلي شخصياتهم في المعتقد حتى لا يبقى معهم خفياً ولا شيء من ملامحهم يبقى مستوراً في الحديث عن الإمام:
(ونحن لبسنا السواد وطلبنا بثأر الحسين وطردنا البغاة من بني مروان حين طغوا وعصوا وتعدوا حدود الله) ويظهر تشيعهم جليّاً لا ريبة فيه عند ذكرهم لعيد الغدير حيث يقولون «وعند انصرافه من حجة الوداع بغدير خم وفرحه ممزوج لأنه خالط ذلك نكثٌ وغدرٌ».
وفي ج3 ص210 (فاعلم ذلك أيها الأخ وتفكّر فيه أعانك الله على المعرفة بحقائق الأشياء بمنّه ولطفه وصلى الله على النبي الخاتم وعلى الوصيّ القائم وعلى أولاده وبنيه المؤمنين الموحدين وسلم تسليما)، والسلام على الوصي وأولاده الأئمة لم يعهد إلا من كل كاتب يعتقد التشيع مذهباً فعلاً، واستدلالاً ويذيعه في معرض حديثه تبركاً وتيمّناً ويختم به كتابه طاعةً وإيماناً.
ولقد ترى أنهم تسيل دموعهم حرقةً وأسفاً عند ذكر بعض الحوادث القاسية التي نزلت بأهل البيت وتنطلق ألسنتهم بكلمات توضح عواطفهم المتمكنة من نفوسهم تمكناً لا يغالبه عرفٌ سائدٌ ولا سلطةٌ يُخشى جانبها يقولون: (كما حزن أهل بيت النبوة لما فقدوا سيدهم وغاب عنهم واحدهم وتخفّفوا من بعده وتفرّق شملهم وطمع فيهم عدوهم واغتصبوا حقهم وتبددوا ثم ختم ذلك بيوم كربلاء وقتل من قتل من الشهداء ما افتضح به الإسلام) فقولهم ما افتضح به الإسلام يحوي من معاني التشيع ما به نقمة على المسلمين في ذلك العصر كيف تقع بين ظهرانيهم تلك الفاجعة الأليمة التي جعلت التاريخ الإسلامي حافلاً بالمآسي وفي قولهم ما افتضح به الإسلام سخط على مرتكبي تلك الفعلة حتى كأنهم خلت قلوبهم من كل معنى من معاني الإنسانية ولبسوا على قلوب الوحوش أجسام البشر.
موسى السبيتي
الباحث في إخوان الصفا وتاريخ حركتهم تغلق دونه المراجع والمصادر بشكلٍ غريبٍ لا تجده في دراسة أعلام التراث الآخرين. حتى القلّة من المصادر التي أشارت إليهم كانت ترتكز على الاحتمال والتقدير حيناً، أو يكتنفها الغموض والإبهام حيناً آخر… كان أول من ذكرهم أبو حيّان التوحيدي في كتابه المقابسات([206]) فلم يعطنا أية صورة واضحة عنهم، ناهيك بحديثٍ كانت إجابة لطلب وزير الخليفة عن جماعة مثل إخوان الصفا… ثم جاء القفطي وارتكز في كثير من كلامه على قول أبي حيان… ويكاد يكون ما ذكره أبو حيان والقفطي المرجع الوحيد القديم الذي يتحدث عن إخوان الصفا بصرف النظر عن نتفٍ مبثوثةٍ هنا وهناك لا تستطيع أن تعطي أية فكرة صحيحة عن إخوان الصفا وحركتهم.
وإذا حاولنا أن نستشفّ شيئاً ما عن الجماعة من خلال حياة أفرادها قامت أمامنا عقبة أخرى، فإن الأسماء التي ذكرها التوحيدي كأعضاء بارزين في الجماعة كأبي سليمان البستي وأبي الحسن الزنجاني وأبي أحمد المهرجاني وزيد بن رفاعة، ليس في حياة واحدٍ منها، أي هذه الأسماء، ما يمكن أن يفتح لنا أفقاً في دراسة إخوان الصفا، بل إن ما نستفيده عن حياتهم لا يختلف بشيءٍ كبيرٍ عن حياة كثير من أفراد ذلك العصر ممّن اشتغلوا بالفلسفة وبالحركة الفكرية.
والعقبة التي تقوم أمام الباحث تأخذ وجهاً آخر أكثر تعقيداً، ذلك أن الأخوان أخفوا أسماءهم واتّخذوا السّريّة طريقهم، والذين يعدّون البستي وزيد بن رفاعة إلخ من الجماعة إنما يعدونهم من قبيل التخمين، استناداً إلى قول أبي حيّان، فقد خلت الرسائل من التواقيع واستعمل الإخوان، كما سنرى، الرموز والإشارة إلى رؤسائهم ومعتمديهم.
أما الكتب الحديثة التي تحدثت عن إخوان الصفا بما فيها كتب المستشرقين أمثال كازنوفا([207]) وديبور([208])، إن هذه الكتب لا يمكن اتخاذها نقطة ارتكاز في دراسة إخوان الصفا، فإن الزاوية التي يطلّون منها لدراسة التّراث أبعد ما تكون عن الطريق العلمي الصحيح للدراسات.
من هنا رأينا أغلب هذه الكتب تنفي عن إخوان الصفا أية صبغة سياسية، أو تردّ ذلك إلى مذهب ديني، ثم تركّز البحث على ما جاء في الرسائل من فلسفة ورياضيات وتربية.
وهكذا لا يستطيع الباحث في إخوان الصفا إلا أن يعتمد ـ بداهة ـ وفي الدرجة الأولى، على رسائلهم ثم على دراسة عصرهم ونشأتهم، حتى يتفهّم آراءهم وما نعرفه عن تاريخ حركتهم في ضوء هذه الدراسة.
منير مغنية
رأي في إخوان الصفا
قال عبد العزيز موافي:
لا شك في أن الحضارة العربية الإسلامية التي بلغت ذروة عطائها بين القرن الثاني والقرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، كانت إحدى الحضارات الإنسانية العظيمة، وحلقة أساسية في تطور البشرية وارتقائها.
ولعل أهم منتجات تلك الحضارة ذلك التراث المعرفي الضخم الذي خلفه لنا الأخباريون، من مختلف البلدان والثقافات على امتداد الخلافة الإسلامية. ونحن نعدّ تلك الكتابات جزءاً من التراث العربي لأن معظمها كُتِبَ باللغة العربية.
وهذا التراث يمتد من الصين شرقاً إلى الأطلسي غرباً، ويتحقق عبر امتداد زمني يقارب عشرة قرون أي حتى القرن العاشر الهجري و(السابع عشر الميلادي).
ظهر تأثير كتابات الإخباريين العرب عميقاً في عصرها، حتى أن كتب الفلسفة وعلم الكلام والفلك والرياضيات والمنطق خضعت على ما تتّسم به من شروط علمية صارمة، للتأثير التجمعي الذي اختطّته كتب الأخبار فـ «رسائل إخوان الصفا»، مثلاً اتّبعت المنهج التجمعي نفسه في الكتابة، حيث باتت أقرب إلى برج بابل علمي.
اجتهادات إخوان الصفا الجيولوجية
عرض أستاذ الجيولوجيا في جامعة عين شمس، عضو مجمع اللغة العربية في القاهرة محمد يوسف حسن، بحثاً حول «اجتهادات إخوان الصفا في مجالات علم الجيولوجيا». في إطار أعمال مؤتمر الدولة السادسة والستين للمجمع ـ من 3 إلى 17 نيسان (أبريل) الجاري.
وركز البحث على رسالتين كتبهما بعض أعضاء جماعة إخوان الصفا في العلوم الجيولوجية كان أول من نبّه إلى أهميتها. الجيولوجي المصري رشدي سعيد في العام 1950م. وتقع الرسالتان في سبعين صفحة ويرى الدكتور حسن أنهما تحتاجان إلى نشرهما من جديد مع تحقيق وافٍ وتحليليٍ علميٍّ مفصلٍ في كتابٍ مستقلٍّ.
وكان الدكتور رشدي سعيد اقتبس جزءاً من صدر الفصل الثالث من الرسالة التاسعة عشرة في «بيان تكوين المعادن» من «رسائل إخوان الصفا وخلّان الوفا» (طبعة بيروت ـ 1957) وترجمه إلى اللغة الإنكليزية وعلّق عليه من الناحية العلمية. ولاحظ الدكتور سعيد أن هذا الجزء «يضمّ أفكاراً جيولوجية تشرح دورة تحوليّة ممتازة ومقبولة تماماً من وجهة النظر العصرية»، ولاحظ أيضاً أن كتابات إخوان الصفا الجيولوجية تحتوي على أقدم ذكر للظواهر والعمليات الجيولوجية عن تطوّر المستنقعات. والبحار، والنقل بواسطة الأنهار والرياح. وذهب إلى أن إخوان الصفا قدموا عرضاً جميلاً يعتقد أنه أول سجل للموضوع في تاريخ الجيولوجيا لم يتلُه في بابه شيء قبل نشر كتاب «نظرية الأرض» لجيمس هاتون في القرن الثامن عشر.
وقدم الدكتور محمد يوسف حسن في بحثه إلمامة أولية بالمواضيع الجيولوجية التي عالجها «إخوان الصفا» في الرسالتين بحسب ترتيب ورودها في المتن ومن ذلك ما ورد في الصفحتين 65 و67 من وصف للتركيب النظامي للكرة الأرضية، وخصوصاً التركيب النظامي للغلاف الجوي. الذي كان يسميه إخوان الصفا «كرة الهواء» وقسّموها إلى ثلاثة نطاقات متتالية من الأرض إلى الخارج وهي: «كرة النسيم» وتحيط بالقشرة الأرضية، ثم «كرة الزمهرير». وأخيراً «كرة الأثير».
ويصاحب هذا التقسيم وصف مستفيض دقيق لهذه النطاقات الثلاثة من حيث طبائعها وديناميكياتها وعلاقتها بعضها ببعض وبالأرض، وتقدير سُمك كلّ منها. وفي هذا الجزء أيضاً كلام عن التسخين غير المتكافىء للأرض والغلاف المائي والغلاف الهوائي في نطاق «كرة النسيم». وما يسببه هذا التسخين غير المتكافىء من إحداث للظواهر الطبيعية الديناميكية والكهربائية في الماء والهواء. كالرياح. والتيارات والأمواج، والأمطار، والصواعق، والمدّ والجزر، وغير ذلك.
وفي موضع آخر وصف لتأثير الجبال العالية في توزيع الرياح والأمطار. وفي المناخ عموماً، وكذلك باعتبارها حوائل فاعلة تغير من مسالكها، ويشتمل هذا الجزء أيضاً على وصف لما تحتويه الجبال من كهوف ومغاور وأهوية (Voids).
وورد في الجزء نفسه وصف لتسرّب مياه الأمطار إلى هذه المعالم وخزنها فيها. وكيفية خروجها منها على هيئات مختلفة، وبأسباب مشروحة شرحاً مفصّلاً كما يتضمن شرحاً لنظام الدورة الطبيعية للماء، من تبخّر مياه المحيط إلى تصاعد البخار مع التيارات، إلى التكثّف والسقوط على الأرض، والجريان على ظهرها والتسرب إلى جوفها في مسالك طويلة للعودة إلى المحيط.
سامي كريم
مفاهيم التربية والتعليم عند إخوان الصفا
احتلت التربية والتعليم موقعاً مميزاً في التراث الإسلامي فتعددت الطروحات والنظريات في هذا الحقل تعدداً خلاقاً، ولكن هذا التعدد لم يخرج من إطار المنهج الإسلامي فكان متوافقاً مع ثوابت الشرع الإسلامي ومنهجيّته، من هنا أخذت هذه المفاهيم التربوية خصوصيتها وتميّزها. وسنتناول بإيجاز مفهوم التربية والتعليم عند «إخوان الصفا»، لنستخلص بعض معالم الفكر التربوي في التراث الإسلامي.
– النظرة التربوية: اهتمّ «إخوان الصفا»، بالعلم انطلاقاً من قناعتهم أن مصير النفس من شقاء وسعادة بعد مفارقتها الجسد يتوقف على مقدار ما أحرزت من علم في هذه الحياة الدنيا، وهم إن لم يكونوا من الذين تولوا التدريس والتعليم بمعناه الذي نعرفه اليوم، إلا أنهم كانوا أصحاب مذهب ديني معيّن عملوا جاهدين لإيجاد أنصارٍ لهم تعتقد آراءهم، وتعمل على تحقيقها، وحتى يؤمن الناس بقضيتهم ويكون عندهم من العلم والحصافة لتقبل فكرتهم، كان لا بدّ من أن يعتمدوا على آراء تربوية تعليمية تخدم هذه الغاية، وهذا كان الدافع لهم لوضع رسائلهم التعليمية لتلقينها إلى الذين سيكونون دعاة لفكرتهم في جميع الأمصار، وبالتالي وجهوا آرائهم التربوية لهؤلاء الدعاة والأنصار، لتعينهم في استقطاب الناس للأخذ بدعوة «إخوان الصفا» وبثّ أفكارهم.
– دور المعلم: أن أول ما يلفت النظر في الآراء التربوية لإخوان الصفا تأكيدهم الحاجة إلى المعلم واشتراط صفات خاصة في هذا المعلم، ثم الإشادة بقيمته ومنزلته وتركيزهم على أهمية العلم ودوره في تكوين الوعي لدى الجماعة وفي هذا يقولون: «لأن أعمال النفس الإنسانية المكتسبة خمسة أنواع: علوم ومعارف، وأخلاق وسجايا، وآراء ومعتقدات، وكلام وأقاويل، وأعمال وحركات، وتوصف هذه الأشياء بالخير والشر من وجهين عقلي ووضعي، فالوضعي هو كل شيء أمر به الشرع أو حثّ عليه أو مدحه، فيسمى ذلك خيراً، وكل شيءٍ نهى عنه أو كرهه يسمى شرّاً. أما العقلي فهو كل شيء إذا فعل منه ما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، من أجل ما ينبغي يسمى ذلك خيراً، ومتى نقص من هذه الشرائط واحدٌ يسمى ذلك شرّاً، ومعرفة هذه الشروط ليس في وسع كلّ إنسان في أول مرتبته إلا بعد أن تتهذّب نفسه ويترقّى في العلوم والآداب… ومن أجل هذا يحتاج كل إنسان إلى معلم… في تعلّمه وتخلّقه وأقاويله واعتقاده وضائعه».
لقد أعطى «إخوان الصفا» للعلم أهمية كبيرة «فليس من فريضة من جميع ما فرضته الشريعة أوجب ولا أجلّ، ولا أشرف ولا أنفع للإنسان ولا أقرب له، من العلم وطلبه وتعليمه، لأن العلم حياة القلب من الجهل ـ (وهذا ما نسميه في عُرف التربية الحديثة «التربية العقلية» لأن العرب كانوا يعتقدون أن القلب هو مركز الفكر ـ وفي الآية الكريمة ـ: لَهُم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها) ومصابيح الأبصار من الظلم ـ (وهذه هي التربية الخلقية) ـ وقوة الأبدان من الضعف ـ (وهذه التربية الجسمية) ـ ولأن العلم أمام العمل والعمل تابعٌ له ـ وهذه هي «التربية العملية ـ».
وذكر «إخوان الصفا» في إطار حديثهم عن المعلم ما نسميه في التربية الحديثة «الاختبار الشخصي للمعلم وذلك عند كلامهم عن الداعية الذي رغب أن يتلقّى العلم عنهم فوجهوا الخطاب إليه قائلين: (فلو وصلت أيها الأخ السعيد إلينا واطّلعت علينا وامتحنّاك بحيث نراك، كمن يمتحن مثلك ممن يصل إلينا ويرى علينا ورأيناك).
وعددوا «إخوان الصفا» بالتفصيل الصفات التي يجب على المعلم أن يتميز بها. وزادوا إليها بعض النصائح ذات البعدين المهني والأخلاقي. وأشاروا إلى حقوق المعلم على تلاميذه قائلين: (واعلم أن المعلم… أبٌ لنفسك، وسببٌ لنشوئها وعلّة حياتها كما أن والدك أبٌ بجسدك وكان سبباً لوجودك… فوالدك أعطاك صورة جسدية ومعلمك أعطاك صورة روحية… وما دام المعلم في منزلة الأب، بل أعلى منزلة لأنه مربي الروح، فبديهي أن يعظّمه ويجلّه ويحرص على رضائه ويحتفي به أين وجده ويقعد بين يديه) كل تلميذ أو طالب من طلابه.
وحرص «إخوان الصفا» أن يكون التلميذ الذي ينشدون تلقينه المعرفة السليمة من الأحداث الذين لم تلوّث أفكارهم بمعتقدات فاسدة وآراء غير صحيحة «إن مثل أفكار النفوس قبل أن يحصل فيها علم من العلوم، واعتقاد من الآراء كمثل ورق أبيض نقي لم يكتب فيه شيء، وإذا كتب فيه شيء، حقاً كان أم باطلاً شغل المكان ومنع أن يكتب فيه شيء آخر». ولذلك ركزوا تعليمهم على «الشباب السالمي الصدور، الراغبين بالأدب المبتدئين بالنظر في العلوم». وقد فطن «إخوان الصفا» إلى أن بعض العلوم يصلح لها صنف من الناس من دون غيرهم وأن يختار التلاميذ الصالحون لكل علم بحسب استعدادهم وميلهم حتى لا يضيع على المتعلم وقتٌ ثمينٌ في تحصيل موضوعٍ لا يرغب به. «فإن الله خلق لكل نوعٍ من العلوم أمة من الناس، وجعل في جبلة نفوسهم محبة معرفتها» والعمل على طلبها وتعلّمها.
وضع «إخوان الصفا» أسساً واضحة لتقسيم العلوم إلى أربعة أقسام مع الإشارة إلى اعتبارهم أن الفلسفة هي المدخل لكلّ علمٍ من العلوم وجاء تقسيمهم على النحو الآتي:
1ـ رياضة تعليمية ـ كالعدد والهندسة والموسيقى والكلام والجغرافيا والمنطق.
2ـ جسمانية طبيعية ـ كالزمان والمكان، السماء والعالم، والهيولي والصورة، وكيفية تكوين المعادن وأجناس النبات والحيوان.
3- نفسية عقلية ـ كالمبادىء العقلية وماهية العشق، ونشأة العالم وأقسام النفس.
4ـ وسائل ناموسية شرعية دينية، كالكلام في الآراء والمذاهب والمعتقدات وأنواع السياسات.
وقسموا الناس الذين يشتغلون بالعلم في عصرهم عدة أصناف: حفظة القرآن ـ رواة الحديث ـ طلاب الفقه ـ الغزاة والمدافعون عن الثغور ـ الزهاد والوعاظ ـ الملوك والحكام ـ وأخيراً الفلاسفة.
ـ طريقة تحصيل العلوم: وضع «إخوان الصفا» منهجية لطرق تحصيل العلوم تستند على الحواس ثم العقل، ثم البرهان وقالوا في ذلك (أن أول طريق التعلم هي الحواس، ثم العقل ثم البرهان، فلو لم يكن للإنسان الحواس لما أمكنه أن يعلم شيئاً، لا المبرهنات ولا المعقولات ولا المحسوسات البتّة) ويقولون في موضع آخر «من الواجب طلب العلم من ثلاث طرق فإحدى الطرق التي تنال بها النفس العلوم قوة الفكر الذي به تدرك النفس الموجودات والمعقولات والطريق الآخر السمع الذي تقبل به النفس معاني الكلمات واللغات.. والآخر طريق النظر الذي به تشاهد النفوس الموجودات الحاضرة (والاقتصار على طريق واحدة ليس له من ماله إلا الثلث لأن المريض واقف بين رجاء الحياة وخوف الممات).
إن نظرة «إخوان الصفا» التربوية تعطي صورة واضحة عن عمق تفكيرهم وحدود اهتمامهم بازدهار العلم وتقدمه في عصرهم.
محمد عارف حمادة
دور إخوان الصفا في الفكر الإسلامي
لعب إخوان الصفا دوراً هاماً على مسرح الحياة العقلية الإسلامية يتمثل في أنهم قدموا للمسلمين في رسائلهم مزيجاً غريباً من الفلسفات الأجنبية التي عرفوها، وألواناً من المذاهب والآراء السياسية والاجتماعية التي استمدوها من كل مصدر أمكنهم الوصول إليه، فأتاحوا للمسلمين بذلك الوقوف على ثقافات الأمم الأخرى. والانفتاح على الآراء والمذاهب اليونانية والفارسية والهندية. وكانت رسائلهم في الجملة موسوعة فلسفية علمية تأثر بها كثير من مفكري الإسلام منذ القرن الرابع الهجري وما بعده، سواء في ذلك الذين امتدحوها منهم، أو الذين عارضوها.
نشأت جماعة إخوان الصفا في مدينة البصرة في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، وقيل إنها ظهرت قبل ذلك، إلا أنه لم يسمع بها وبرسائلها قبل سنة 334هـ، أي قبل انتصار بني بويه، وكان لإخوان الصفا فرع في بغداد.
ومعلوماتنا عن مؤسسي هذه الجماعة تعتبر إلى الآن قليلة للغاية، فقد عمد مؤسسوها إلى إخفاء حقيقة أمرهم، وسرّ مذهبهم، وقد ذكر أبو حيّان التوحيدي في كتابه «المقابسات» أن منهم أبا سليمان محمد بن معشر البستي المعروف بالمقدسي، وأبا الحسن علي بن هارون الزنجاني، وأبا أحمد المهرجاني، والعوفي، وزيد بن رفاعة. ويقال أن ألفاظ الرسائل للمقدسي، وإن زيد بن رفاعة صحب الإخوان وأخذ عنهم([209]).
وبيّن لنا القفطي تضارب آراء المؤرخين فيمن كتب رسائل إخوان الصفا فيقول: «ولما كتم مصنفوها (أسماءهم، اختلف الناس في الذي وضعها، فكل قومٍ قالوا قولاً بطريق الحدس والتخمين) فقومٌ قالوا: هي من كلام بعض الأئمة من نسل علي بن أبي طالب(ع) وقال آخرون: هي تصنيف بعض متكلمي المعتزلة في العصر الأول. وقال آخرون إن الرسائل من تأليف الحكيم المجريطي القرطبي، وذلك أنه حمل إلى الأندلس «الرسالة الجامعة» لإخوان الصفا أنفسهم، وأملأها على تلاميذه محاضرات، فظنوا أن المجريطي واضع الرسائل وتعليقات عليها، وفيها من الرسائل نصوص واسعة.
وكان القرن الرابع الهجري الذي ظهرت فيه جماعة إخوان الصفا ذا خصائص معينة من الناحيتين الفكرية والسياسية: فمن الناحية الفكرية كان ثمة انتشار واسع للفلسفة اليونانية، وذلك في دوائر أصحاب الفرق، الذين تدارسوا هذه الفلسفة، ومزجوا بينها وبين عقائد الإسلام، وأما من الناحية السياسية فقد شهد هذا القرن اضمحلال الخلافة العباسية، وزوال سلطانها السياسي، وتفكّك الدولة الإسلامية إلى دويلات.
وقد انعكس هذا كله على فكر إخوان الصفا الذين اعتبروا دعوتهم إصلاحية، وأن الاصلاح الاجتماعي والسياسي لا يتمّ في رأيهم إلا باصطناع الفلسفة، ووضع خطة ثقافية جديدة للتغيير الديني والسياسي والاجتماعي تعتمد على العقل وحده، وتقتبس من كل الآراء والمذاهب، ولما كان إخوان الصفا على الأرجح من الشيعة الإسماعيلية، فقد وجدوا من دولة بني بويه الشيعية تشجيعاً وتأييداً لهم على المضي في رسالتهم، أو وجدوا ـ على الأقل ـ الفرصة في ظلّ دولة بني بويه متاحة لهم لتأليف رسائلهم، ونشر دعوتهم التي يبدو في وضوح أنها مناهضة لحكم العباسيين، ورافضة للأوضاع الاجتماعية السائدة آنذاك.
وقد يدهش القارىء إذا علم أن جماعة إخوان الصفا كانت جماعة سريّة شبيهة بالجماعات السياسية العقائدية المعاصرة لنا، والرافضة للأوضاع الساسية والاجتماعية المعاصرة في وضع التنظيمات الخاصة، والقواعد الصارمة في انتماء الأعضاء إليها، والإصرار على توحيد عقيدة أفراد التنظيم، وكان إخوان الصفا في الحقيقة يهدفون إلى قلب النظام السياسي المسيطر على العالم الإسلامي آنذاك، واعتقدوا أن أفضل وسيلة لتحقيق ذلك هي تغيير الأفكار أولاً، ولذلك وضعوا رسائلهم ليضموها «أيديولوجية» جديدة وغريبة في آنٍ معاً.
وقد بيّن المستشرق «جولدزيهر» أن اسم «إخوان الصفا» قد أخذ من قصة «الحمامة المطوقة» من كتاب «كليلة ودمنة»، التي مضمونها أن الحيوانات إذا صفَت أخوّتها وتبادلت المعونة فيما بينها تستطيع أن تنجو من شباك الصياد وكافة المخاطر الأخرى. ويضيف إخوان الصفا إلى أنفسهم صفة أخرى هي أنهم «خلّان الوفاء» وأن ما بينهم من صداقة هو «قرابة رحم»، وأنهم متعاونون فيما بينهم، وأن أحدهم يضحي بنفسه في سبيل إخوانه.
وقد جعل إخوان الصفا رسائلهم مؤلفة من إحدى وخمسين رسالة، خمسون منها في أنواع الحكمة، والواحدة والخمسون جامعة لأنواع، المقالات على طريق الإيجاز والاختصار، ويحتوي الجزء الأول من هذه الرسائل على أربع عشرة رسالة في الرياضيات والمنطق، ويحتوي الجزء الثاني منها على سبع عشرة رسالة في العلوم الطبيعية بما فيها علم النفس. أما الرسائل العشر التي تضمنها الجزء الثالث فتبحث في الميتافيزيقا أو وراء الطبيعة، وأما الرسائل الإحدى عشرة الأخيرة فتناول التصوف والتنجيم. وتتناول الرسالة الخامسة والأربعون شؤون تنظيم الجماعة.
وواضح من هذا التقسيم أن إخوان الصفا يبدأون فلسفتهم بالنظر في الرياضيات (وهم متأثرون في هذا الصدد بالفيثاغوريين)، ثم المنطق والطبيعيات رادين كلّ شيء إلى النفس وقواها حتى يقتربوا من معرفة الله على طريقة الصوفية، وبذلك ينتهون في الحقيقة ـ كما يقول المستشرق «دي بور» ـ إلى فلسفة روحية…. فيها سلوى لنفوسهم أو خلاصاً وتطهيراً لها.
وقد طُبِعَت هذه الرسائل في بومباي، وفي مصر عام 1347هـ ـ 1928م، مع مقدمة للدكتور طه حسين.
والمتأمل لرسائل إخوان الصفا يلاحظ في وضوح حقيقة مراميهم، فهم يدعون أساساً إلى إقامة دولة جديدة على دعائم فكرية جديدة، مع الانفتاح على كل مذهبٍ ورأيٍ، وعدم معاداة دينٍ من الأديان، ولذلك اصطدموا برجال الدين في عصرهم، لأنهم نادوا بتطهير الشريعة الإسلامية من الجهالات التي لصقت بها في زعمهم، وليس من شكّ في أن مما يحفظ صدور علماء الإسلام على إخوان الصفا أن هؤلاء الإخوان كانوا لا يعادون مذهباً من المذاهب ولا ديناً من الأديان، وقد أعلن إخوان الصفا موقفهم هذا في وضوح لا لبس فيه، وهم يقولون أيضاً: «وبالجملة ينبغي لإخواننا أيدهم الله تعالى ألا يعادوا علماً من العلوم أو يهجروا كتاباً من الكتب، ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب، لأن رأينا ومذهبنا يستغرق المذاهب كلها، ويجمع العلوم كلها» (الرسائل ج4، ص105).
وليس أدلّ كذلك على نزعتهم التلفيقيّة بين المذاهب والآراء من قولهم إن الإنسان العالم الخبير الفاضل الذكي المستبصر هو «الفارسي النسبة، العربي الدين، الحنفيّ المذهب، العراقيّ الآداب، العبرانيّ المخبر، المسيحي المنهج، الشاميّ النسك، اليوناني العلوم، الهندي البصيرة، الصوفيّ السيرة، الملكيّ الأخلاق، الرّبّانيّ الرأيّ، الإلهيّ المعارف». (الرسالة الثانية والعشرون، وخاصة آخرها ج2، ص316).
وواضح من ذلك أن إخوان الصفا يجعلون المثل الإنساني الأعلى حاوياً لكل كمالات الأمم والمذاهب والدّيانات، ووراء رأيهم في هذا الصّدد هدفٌ سياسيٌّ هو أن يضعوا حدّاً لجميع الصراعات العرقية والمذهبية في مجتمعهم تمهيداً لقيام دولة واحدة لا تقوم على فكرة القومية، أو التعصّب لدين معيّن، أو وطنيّة معينة، وإنما تقوم على أيديولوجية شاملة توحّد بين الأفراد.
ويدلّك على هذا قولهم: «وقد ترى أيها الأخ البارّ الرحيم أيّدك الله وإيانا بروحٍ منه أنه قد تناهت دولة أهل الشر وظهرت قوتهم، وكثرت أفعالهم في العالم في هذا الزمان، وليس بعد التناهي في الزيادة إلا الانحطاط والنقصان… واعلم يا أخي أن دولة أهل الخير يبدأ أولها من قومٍ علماء حكماء وأخيار فضلاء يجتمعون على رأيٍ واحدٍ، ويتفقون على مذهبٍ واحدٍ ودينٍ واحدٍ، ويعقدون بينهم عهداً، وميثاقاً ألا يتجادلوا ولا يتقاعدوا عن نصرة بعضهم بعضاً، ويكونون كرجلٍ واحدٍ في جميع أمورهم، وكنفسٍ واحدةٍ في جميع تدابيرهم» (الرسائل، ج1، ص131).
وقد يتبادر إلى أن عناية إخوان الصفا كانت موجّهة أساساً إلى الأمور السياسية والاجتماعية، ولكن الواقع غير هذا، فإن رسائلهم تعدّ في المحل الأول موسوعة فلسفية وعلمية شاملة، فقد عنوا بمباحث الإلهيّات أو ما بعد الطبيعة، والمنطق والأخلاق، والعلوم الطبيعية والرياضية عناية كبيرة.
وطالما صرّح الإخوان أن مذهبهم يقوم على النظر في جميع علوم الموجودات التي توجد في العالم، كيف حدثت ونشأت عن علّة، واحدة، والاستشهاد على بيانها بمثالات عديدة وبراهين هندسية على طريقة الفيثاغوريين، ومن هنا جاء اهتمامهم غير العادي بالأعداد وخواصها ودلالاتها. فاعتبروا العدد جذر العلوم، وعنصر الحكمة، ومبدأ المعارف. وأصل الأعداد عندهم الواحد، ونسبة الله إلى الموجودات كنسبة الواحد إلى الأعداد.
ويأخذ إخوان الصفا في فلسفتهم بنظرية الفيض الأفلوطينية التي تردّ الكثرة المشاهدة في العالم أي الواحد أو الله، وترى كل ما في الكون فيضاً أو إشراقاً فاض عن هذا الواحد، والعقل الفعال عندهم هو الواسطة بين الله والعالم، وهو أول فيض فاض عن الله، ثم توالت الفيوضات بعد ذلك حتى وصلت إلى عالمنا الأرضي هذا، عالم الكائنات المركبة من المعادن، والنبات والحيوان، ويتصورون أن جملة جسم العالم يجري مجرى جسمٍ واحدٍ وإنسانٍ واحدٍ ومدينةٍ واحدةٍ خالقها ومدبرها هو الله.
وعرض إخوان الصفا في رسائلهم لعلم المنطق بالتفصيل، وهو وثيق الصلة عندهم بالرياضة، ومن أهم الآراء التي تميزوا بها في المنطق أنهم أضافوا إلى الألفاظ الخمسة المنطقية عند فورغوريوس (الجنس والنوع والفصل (الخاصة والعرض) لفظاً سادساً هو «الشخص» حيث أصبح ثلاثة منها، وهي الجنس والنوع والشخص، تدلّ على الأعيان، والثلاثة الأخرى، هي الفصل والخاصة والعرض، تدل على المعاني، وجدير بالذكر أن الصوفي الأندلسي المتفلسف ابن سبعين المتوفى 669هـ) قد تأثر برأيهم هذا في الجزء الخاص بالمنطق من كتابه «بدء العارف».
واتّجه إخوان الصفا في ميدان الأخلاق إلى الزّهد والتصوّف، ورأوا الوصول إلى السعادة لا يكون إلا بطرح شهوات البدن ويستشهدون في هذا الصدد بآيات قرآنية وأقوال مأخوذة عن المسيح(ع)، ولهم أقوال في المحبة التي تنتهي بالمحب إلى الفناء في الله المحبوب. ويؤكدون على خلود الروح، ويؤمنون بالجنة والنار.
ونحن واجدون لإخوان الصفا بعد هذا كله مشاركةً في ميدان العلوم الطبيعية، وهم على الجملة يبحثون في هذه العلوم على طريقة القدماء من فلاسفة اليونان، ولا يتّسع المقام لذكر آرائهم في هذا الصدد، ومن أراد زيادة في هذا الباب فيمكنه الرجوع إلى الجزء الأول من الرسائل، الرسالة السابعة (ص202) وما بعدها، ليرى تصوّر الإخوان للعلوم الطبيعية وأقسامها.
عماد كل تقدّم
والآن بعد أن عرضنا لآرائهم الفلسفية عرضاً موجزاً، نحب أن نوقف القارىء معنا وقفات قصيرة عند بعض ما نعتقد أنه طريفٌ وهامّ مما ذهبوا إليه:
(أ): فمن ذلك أن إخوان الصفا أحيوا النزعة العقلية مرة أخرى بعد ركود حركة الاعتزال في الإسلام.
وليس أدلّ على تأكيدهم على قيمة العقل من أنهم، في بعض رسائلهم يجعلونه رئيساً حاكماً يخضع الناس جميعاً لحكمه، فيقولون: «والحكم بيننا العقل الذي جعله الله رئيساً على الفضلاء من خلقه الذين هم تحت الأمر والنهي، ورضينا بموجبات قضاياه على الشرائط التي ذكرناها في رسائلنا وأوصينا بها إخواننا. فمن لم يرض بشرائط العقل، وموجبات قضاياه، ولم يقبل تلك الشرائط التي أوصينا بها إخواننا، أو خرج عنها بعد الدخول فيها، فعقوبته في ذلك أن نخرج من صداقته، ونتبرّأ من ولايته، ولا نستعين به في أمورنا، ولا نعاشره في معاملتنا، ولا نكلمه في علومنا، ونطوي عنه أسرارنا، ونوصي بمجانبته إخواننا». (الرسائل ج4، ص181 وما بعدها).
ولو قُدّرَ للنزعة العقلية هذه ـ وهي قرآنية المصدر ـ أن تستمرّ قوية بين المسلمين لما انطفأت جذوة حضارتهم واشتعلت في أوروبا في عصر النهضة، ولكن المسلمين في عصور تدهورهم الفكري والحضاري ركنوا إلى التقليد الضّارّ الذي يلغي شخصية المفكر، ويعوق حركة المجتمع إلى أمام.
(ب): ومن طريف ما عُنِيَ به إخوان الصفا في عصرهم كيفية قيادة الشباب وتوجيههم. وهذا من غير شكّ من أصعب المهام في كل عصر، وقد فطن إخوان الصفا إلى أن الشباب بطبيعتهم أكثر فئات المجتمع حماساً للتغيير السياسي والاجتماعي، فهم بذلك عماد كل تقدم. ولإخوان الصفا مناهج وطرائق في توجيه الشباب لم يعن أحد من الباحثين بعد بدراستها، وقد تضمنت الرسالة الخامسة والأربعون من رسائلهم شيئاً منها، وحسبنا أن نقف عند بعض ما جاء فيها:
«واعلم أيها الأخ أن من سعادتك أيضاً أن يتفق لك معلم ذكيّ جيد الطبع، حسن الخُلق، صافي الذهن، محبّ للعمل، طالب للحق، غير متعصّب لرأي من المذاهب».
«واعلم أن مثل أفكار النفوس قبل أن يحصل فيها علم من العلوم، واعتقاد من الآراء، كمثل ورق أبيض نقيّ، لم يُكتَب فيه شيءٌ، حقاً كان أم باطلاً، فإذا كان الأمر كما وصفت فينبغي لك أيها الأخ ألا تشغل بإصلاح المشايخ الهرمة الذين اعتقدوا من الصّبا آراء فاسدة وعادات رديئة وأخلاقاً وحشة، فإنهم يتعبونك، ثم لا ينصلحون، وإن صلحوا قليلاً قليلاً فلا يفلحون».
«ولكن عليك بالشباب السالمي الصدور، الراغبين في الآداب، المبتدئين بالنظر في العلوم، المريدين طريق الحق والدار الآخرة، والمؤمنين بيوم الحساب، المستعملين شرائع الأنبياء (عليهم السلام)، الباحثين عن أسرار كتبهم، التاركين الهوى والجدل، غير متعصبين على المذاهب».
«واعلم أن الله تعالى ما بعث نبياً إلا وهو شاب، ولا أعطى لعبدٍ حكمةً إلا وهو شاب… إلخ». (الرسائل، ج4، ص114 .115).
يتبيّن من ذلك أن إخوان الصفا، باعتبارهم جماعة عقائدية، وجّهوا عنايتهم إلى الشباب ليتعلموا مبادىء دعوتهم، لأنهم كالورق الأبيض النّقيّ الذي لم يكتب فيه شيءٌ بعد، ثم هم يؤكدون في نفس الوقت على أهمية المعلم بالنسبة للشباب ويشترطون له شروطاً خاصةً أهمها محبة العلم وعدم التّعصّب وحسن الخُلق.
ويمثل الشباب في جماعة إخوان الصفا الركيزة الأولى، يدلّنا على ذلك أنهم قسموا الجماعة إلى أربع مراتب كل مرتبة منها سابقة على الأخرى، فيتدرّج المبتدىء في هذه المراتب كلها حتى يصل إلى أعلاها.
وأول هذه المراتب خاصة بالشباب، أو الأعضاء المبتدئين، الذين تقع أعمارهم بين الخامسة عشرة والثلاثين، ويسمى هؤلاء الأعضاء «الإخوان الأبرار الرحماء»، ولأنهم من الشباب فإنهم يمتازون في رأي إخوان الصفا «بصفاء جوهر نفوسهم، وجودة القبول، (للعلوم والأفكار) وسرعة التّصوّر». وبذلك يكونون أسرع في قبول الدعوة من غيرهم.
وثاني هذه المراتب مرتبةٌ خاصة بمن هم بين الثلاثين والأربعين وهم «الإخوان الأخيار الفضلاء»، ويتميزون بمراعاة إخوانهم وسخاء نفوسهم، وشفقتهم ورحمتهم.
وثالث المراتب مرتبة «الإخوان الفضلاء الكرام» وهم بين الأربعين والخمسين، ويعتبرون أصحاب الأمر والنهي، ويحسمون الخلاف عند ظهوره من المعاند، ولهم قدرة على الرفق والإصلاح والمداراة.
والمرتبة الرابعة والأخيرة خاصة بمن هم فوق الخمسين، وأصحابها هم الحكماء الذين وصلوا إلى أعلى المراتب، وهم أصحاب الكشف الذين يعاينون حقائق الدين، وكل الإخوان مدعوّون إلى الوصول إلى هذه المرتبة.. (الرسائل، ج4، ص222 ـ 224).
ويتحدث إخوان الصفا عن كيفية تنظيم اجتماعاتهم الدورية كل اثني عشر يوماً، في مكان معين يأمنون فيه على أنفسهم، وشروط هذا الاجتماع وكيفيته وما يدور فيه. (الرسالة الجامعة، ج2، ص395 ـ 398). وهم في كل هذا يشعرونك بأنهم جماعة منظّمة تنظيماً دقيقاً للغاية، ولهم أهداف محددة يعملون جاهدين على تحقيقها.
(ج): وننتقل بعد ذلك إلى بيان أحد الأدوار الهامة التي قام بها إخوان الصفا في تاريخ الفكر الإسلامي، وهو دور التوفيق بين الدين والفلسفة.
لقد كانت مشكلة التوفيق بين الفلسفة والدين إحدى مميزات الفلسفة الاسلامية، وقد شغل بها المتكلمون والفلاسفة، فالمتكلمون بحثوا في صلة العقل بالشرع، وهل يتقدم العقل الشرع أو يتقدم الشرع العقل، والى أي حد يمكن أن يعول على العقل في مجال العقائد والتشريع؛ أما الفلاسفة فكانوا يرمون من بحثهم في هذه المشكلة الى إظهار أن ما يصل اليه الفيلسوف بعقله متفق مع ما جاءت به الشريعة، فلا خلاف إذن بين الفلسفة التي تستخدم منهج العقل، والشريعة المستندة الى الوحي.
وكانت محاولة المتكلمين البحث في علاقة الشرع بالعقل إسلامية النشأة والطابع، فقد حثّ القرآن الكريم العقول على تدبّر ما في الكون من آيات، ودعا الى الإيمان… فكان المتكلمون في محاولتهم تلك في نطاق الشرع تماماً.
ويدلنا على اهمية التوفيق بين الفلسفة والدين عند إخوان الصفا أنهم أفردوا لها رسائل عديدة ( الرسائل 20، 30، 42، الجامعة وغيرها)، ولا يتسع المقام هنا للحديث عن نظريتهم في هذا الصدد، وإنما سنكتفي بأن نشير فيما يلي الى خلاصة لوجهة نظرهم في أن الأديان من ناحية واحدة في جوهرها، أو إن شئت قلت: الدين واحد، وأن الدين من ناحية أخرى لا يتعارض مع نواميس الحكماء والفلاسفة.
فيقول إخوان الصفا عن وحدة الدين: «إنّ معنى الدين في لغة العرب هو الطاعة من جماعة لرئيس واحد». ثم إعلم أن الأنبياء(ع) لا يختلفون فيما يعتقدون من الدين سرّاً وعلانية ولا في شيء منه البتة، كما قال تعالى:{أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه}(13:42)…
وأما الشرائع التي هي أوامر ونواه وأحكام وحدود وسنن فهم فيها مختلفون. ثم اعلم أن اختلاف الشرائع ليس بضار إذا كان الدين واحداً، لأن الدين هو طاعةٌ وانقياد للرئيس الآمر فيما يأمر وينهى المرؤوسين بحسب ما يليق بواحدٍ واحد. وما يرى أنه يصلح له ويصلح فيه..
فهكذا شرائع الأنبياء واختلاف سننهم بحسب أهل كل زمان، وما يليق بهم أمةً أمةً، وقرناً قرناً…» (الرسائل، ج4، ص 24 ـ 26).
ولا خلاف بين الدين والفلسفة كذلك في رأي الإخوان، «لأن غرض الأنبياء (عليهم السلام) وواضعي النواميس الإلهيّة أجمع (يقصد الفلاسفة) غرضٌ واحدٌ، وقصدٌ واحدٌ، وإن اختلفت شرائعهم وسنن مفترضاتهم وأزمان عباداتهم وأماكن بيوتاتهم وقرابينهم، وصلواتهم كما أن غرض الأطباء كلهم غرضٌ واحدٌ، ومقصدٌ واحدٌ في حفظ الصحة الموجودة، واسترجاع الصحة المفقودة، وإن اختلفت علاجاتهم في شراباتهم وأدويتهم بحسب اختلاف الأمراض العارضة للأبدان في الأوقات المختلفة، والعادات المتغايرة… فهكذا غرض الأنبياء (عليهم السلام) وغرض جميع واضعي النواميس الإلهيّة من الحكماء والفلاسفة، وذلك أنهم أطباء النفوس وغرضهم، هو نجاة النفوس الغريقة في بحر الهيولى (أي المادة) وإخراجها من هاوية عالم الكون والفساد وإيصالها إلى الجنة..» (الرسائل، ج2، ص 120 ـ 121).
ونعتقد أن تأثير إخوان الصفا في محاولة التوفيق بين الفلسفة والدين كان كبيراً على من جاء بعدهم من مفكري الإسلام والمسيحية على السواء، فابن رشد (المتوفى سنة 595هـ)، مثلاً ظلّ يؤكد في حماسٍ بالغٍ ما أكده من قبله إخوان الصفا من أن الغرض من الدين والفلسفة واحد، وذلك في كتابه المشهور «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال». وانتقل هذا الاهتمام بمشكلة التوفيق بين الدين والفلسفة من فلاسفة الإسلام إلى فلاسفة أوروبا في العصر الوسيط، وقد ظهر على الخصوص عند كل من ألبرت الأكبر وتوماس الأكويني اللذين حاولا التوفيق بين العقائد المسيحية والفلسفة الأرسطية…
أبو الوفاء التفتزاني
ابن خلدون وإخوان الصفا
صدر حديثاً كتابٌ للدكتور محمود إسماعيل يرى فيه أن ابن خلدون في مقدمته إنما أخذ آراءه من رسائل إخوان الصفا. ونشر فيما يلي حواراً جرى مع مؤلف الكتاب حول هذا الموضوع.
أثار الكتاب الذي صدر أخيراً في القاهرة للدكتور محمود إسماعيل، أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة عين شمس، تحت عنوان «نهاية أسطورة: نظريات ابن خلدون مقتبسة من إخوان الصفا»، ضجة واسعة في أوساط الأكاديميين والمثقفين في غير بلدٍ عربي، لجهة أنه يتضمن رأياً لم يقل به باحثٌ آخر من قبل، خلاصته ـ كما هو واضح في عنوان الكتاب ـ أن «مقدمة» ابن خلدون مقتبسة من «رسائل إخوان الصفا».
وهنا حوار مع الدكتور محمود إسماعيل حول ما تضمنه أحد كتبه:
هل تعتقد بأن «رسائل إخوان الصفا» تتضمن نظرية معرفية متكاملة في علم العمران؟
ـ الحديث عن نظرية عند ابن خلدون ونظرية عند إخوان الصفا، مغالطة كبرى لأن مفهوم النظرية غير موجود لديهم. فالنظرية هي فكرة متكاملة تجمع شتات كل الحقل المعرفي، وتستطيع أن تقدم إجابات عن سائر الإشكاليات، وهو مستوى لم يصل إليه العلم في العصر الوسيط البتّة. فدارسو تاريخ العلم يقسمون مراحل تطوره إلى أربع: الأولى الوصفية، الثانية الاستقرائيّة، الثالثة الاستنباطيّة، الرابعة النظريّة.
والعصر الوسيط كله لم يتجاوز، في معظم حالاته، المرحلة الاستنباطية، وما وجد عند ابن خلدون وإخوان الصفا هو مجرد مقولات وتخريجات نتيجة استقراء واستنباط، وهذا في حدّ ذاته جهد طيب لأن مفهوم النظرية، كما نتحدث عنه بلغة العلم، هو من بنات أفكار العصر الحديث.
* شككت كثيراً في أن ابن خلدون جاء بالمقدمة من فكره، فعلى أي دليل استندت؟
ـ هل يمكن لعقلٍ واحدٍ من الناحية المنطقية، هو عقل ابن خلدون، وفي عصرٍ بلغ الفكر ذروة انحطاطه، وكان المنهج المتّبع آنذاك هو المنهج النقلي والكرامات والأساطير والخرافات، فكيف يمكن أن يبدع ما تضمنته المقدمة من فكر؟
هذه المرحلة انعكست سلبياتها في المقدمة. إذ أفرد ابن خلدون فصولاً وافيةً عن السحر والتنجيم، وهاجم الفلاسفة والفلسفة، كيف يمكن له أن يحيط علماً بهذا العدد من العلوم؟ الذي ضمنه من الآراء والرؤى الجديدة على مستوى الطرح؟
والأمر مختلفٌ عند إخوان الصفا، فرسائلهم كُتِبَت في القرون من الثالث إلى الخامس، أي في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية، الذي نبغ خلاله كلٌّ من ابن سينا والرازي وابن الهيثم والجاحظ وغيرهم، هذا من جانب، ومن جانبٍ آخر إن الكثير من أعلام الفكر كانوا ضمن جماعة إخوان الصفا.
* إذن، فأنت تعيد من جديد كتابة تاريخ إخوان الصفا؟
ـ ما أقوم به يأتي ضمن مشروع لي، وهو جزئيةٌ ضمن جزئياتٍ كثيرةٍ. وهذا المشروع الذي أعمل فيه منذ ثلاثين عاماً، هدفه مراجعة التراث والتاريخ الإسلامي برمّته من سائر جوانبه، ومحاولة تأطيره للمرة الأولى استناداً إلى منهج التاريخية، لأن كل الدراسات في الفكر الإسلامي تميّزت، للأسف، باقتصار كل باحثٍ على جانبٍ معين كالفلسفة والاجتماع، كما أنها افترقت إلى فهمٍ أوليّ لما أسميه بالخلفية «السيسوتاريخية» وهي مسألة أنجزناها بعد تاريخٍ شاقٍّ استغرق أكثر من عقدين، وأثمر كتاباً صدرت منه ثلاثة أجزاء عنوانه «سيسيولوجية الفكر الإسلامي» وقد أثار ما أثار في الشرق وفي الغرب. إلا أن رؤيتنا فيه أصبحت الآن معتمدة وتُدرس في الكثير من جامعات العالم المتطورة.
لقد قمت بدراسة إخوان الصفا بعد أن انتهيت من دراسة فلاسفة عصر إخوان الصفا كالكندي والفارابي وابن سينا.
* إذن، ما هو الجديد عندك بالنسبة إلى إخوان الصفا؟
ـ أثبت الآتي: أولاً، المتفق عليه في كل الدراسات أن تأسيس جماعة إخوان الصفا تمّ في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، لقد أثبتنا بالدليل القاطع وللمرة الأولى أن الجماعة أُسِّست قرابة منتصف القرن الثالث الهجري، ولدينا الأدلة على ذلك، ثانياً، الجزم بأن الحركة لم تكن لدعوة سياسية، ثالثاً، إن هذه الجماعة ضمت أجيالاً مختلفة متنوعة ومتتالية طوال قرنين من الزمان.
* يتّهمك البعض بالتّعسف في حكمك على ابن خلدون بأنه سطا على رسائل إخوان الصفا؟
ـ للأسف، إن معظم أصحاب هذه النزعة هم من الباحثين المصريين، ولا أغالي حينما أقول إن مستوى البحث العلمي في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية في مصر هو في غاية التخلف، ويتّضح ذلك من خلال ردود الفعل المختلفة على كتابي الأخير. وأستثني من ذلك اثنين هما الدكتور محمد بريري الأستاذ في الجامعة الأميركية في القاهرة والدكتور أحمد صبحي منصور. فالأول أجّل البتّ في القضية إلى حين دراسته لنصوص كل من ابن خلدون وإخوان الصفا ومقارنتها، واعتبر أن هذا المنهج وحده هو المنهج الملائم لدراسة الموضوع. والثاني ركّز على معرفته العميقة بالفقه ودراسته خصوصاً لفقه ابن خلدون، باعتباره زعيماً للمدرسة المالكية، وأثبت أنه كان متخلّفاً للغاية ولا يمكن أن يرقى فقهه إلى مستوى فقه الإمام سحنون صاحب المدونة، واستخلص أن عقلية ابن خلدون لا يمكن أن تفرز الآراء العلمية والعقلية المتضمنة في «المقدمة».
وتشهد كتبي وأبحاثي التي قمت بها بدراسات متعمقة لابن خلدون ولعصره وفكره بصورةٍ لم تتسنّ لباحثٍ آخرٍ في أي وقت من الأوقات، حتى نسبت إليه اكتشاف قوانين الجدل لم أكن متعسّفاً، ولم أتحامل عليه بدليل إنني أعلنت في الكتاب القرائن المنطقية والبراهين التي تؤكد حادثة السطو. ويظلّ المحك في ذلك للنصوص كي تتكلم، وما الكتاب إلا مواجهةٌ بين نصّ المقدمة ونصوص الإخوان، وكان تدخّلي محدوداً من أجل تبسيط الأمر للقارىء غير المتخصّص. ومن يريد أن يجادل فيما توصّل إليه من نتيجةٍ عليه أن يقدم لنا تفسيراً مقنعاً عن تشابه، بل تماثل، أكثر من مئتي نصّ، تتناول جُلّ الآراء التي بهر الدارسون بها ونسبوها إلى أن ابن خلدون تصديقاً لقوله هو نفسه بأن هذه المقدمة عملٌ غير مسبوق.
* ألست معنا بأن فكر إخوان الصفا يخالف جذريّاً فكر ابن خلدون، وبالتالي فالمنطلقات لدى كلا الطرفين مختلفة؟
ـ المسألة تكمن في أن الموضوعات المطروحة في المقدمة كانت مطروحة على مسرح الفكر العربي لمدة تصل إلى سبعة قرون، والإشكاليات واحدة، لكن الكشف الجديد بين أن جملاً بتركيبها، بل حتى باستهلالات ابن خلدون للموضوعات مثل «اعلم»، «اعلم أيّدك الله» هي من تعبيرات إخوان الصفا، واستخدام ابن خلدون أيضاً مصطلحاتهم، وكل ذلك يؤكد أن المسألة هي مسألة سطو وليس توارد أفكار، والفاصل الزمني بين الرسائل والمقدمة أكثر من أربعة قرون.
ثم إن هذه الأفكار التي أخذها ابن خلدون عن إخوان الصفا، من حيث جدتها، تشكل نشازاً تامّاً في عصره، بينما كان متعارفاً على معظمها عند مفكري القرنين الرابع والخامس على وجه الخصوص، بل إن ابن خلدون تأثر بإخوان الصفا في اللغة وهو ما أتركه لدارسي اللسانيات، فمثلاً في الأجزاء الأولى من المقدمة يستخدم السجع والجناس والمحسنات اللفظية، وهي من لغة عصره، بينما في باقي الموضوعات التي أخذها عن الإخوان لاشيء من ذلك على الإطلاق، بل نرى تبديلاً في مكان الكلمات في الجمل، فمثلاً إذا قال الإخوان «جاء أحمد من المدرسة»، يقول ابن خلدون «أحمد جاء من المدرسة»، وهكذا، والنصوص أمام القرّاء.
* ما تذكره من وجود تعريفات مشابهة بين الطرفين، هل هو كفيلٌ بإقامة إخوان الصفا مكان ابن خلدون؟
ـ في تعريف العلوم من الممكن أن تكون التعريفات واحدة من دون أن تكون هناك ضرورة لاتّهام ابن خلدون بالسّطو، ولكنني أوردتها لسببين جوهريين:
الأول أن العبارات تكون هي هي في معظم الأحيان في المقدمة والرسائل.
ثانياً: وضوح النقل فيما يتعلق بمسألة تكريس هذه العلوم في خدمة أغراض عملية، كأن يقال إن الجبر والحساب يقومان على تنقية الروح وتعليم النظام، هذه العبارات المشتركة بالصيغة المكتوبة بها، لا يمكن إلا أن تكون منقولة.
* تتّهم ابن خلدون بأنه كتب «المقدمة» وفشل في تطبيق ما جاء بها على كتابه «العِبَر» أليست الأمثلة الواردة في «المقدمة» للاستشهاد كافيةٌ لدحض ما ذهبت إليه؟
ـ لو ذكر ابن خلدون أنه كتب «المقدمة» بعد أن أنجز تاريخه «العبر» لربما وجدنا شيئاً من التبرير على أساس أنه بعد فهمه للتاريخ، استقرأ ما استقرأ من تخرجات وآراء، ولكنه كتب المقدمة في خمسة شهور، ولست أول من قال به محمد عابد الجابري أهم من كتب عن ابن خلدون.
ثم إنه بعد أن كتب «المقدمة» كتب تاريخه، وتاريخه بشهادة كبار المؤرخين من الفرنسيين وحتى آخر باحث عربي في تاريخ المغرب والأندلس، ينطوي على انفصالٍ تامٍّ بين نوعية العقلية التي قيل أنها أنجزت «المقدمة»، وبين تاريخه الذي حكمت عليه بأنه متواضعٌ جداً، ولا يرقى إلى تاريخ معاصره ابن عذارى على سبيل المثال، هذه الهوّة لا يمكن أن تُبَرَر، لأن الآراء النظرية هي التي تشكل ما يسميه المغاربة المخيال أو المبيان الذي يرى به المؤرخ وقائع التاريخ، فهل يمكن أن يستقيم تاريخ متواضع، ومعظمه منقول عن ابن الأثير، وبين عقليةٍ أجمع دارسو الغرب والشرق على أنها أنجزت أول فلسفة للتاريخ؟
* عاصر المسعودي إخوان الصفا، ولكن ليس في فترة التأسيس، وهو كان ذا فكرٍ متطورٍ في كتابه «التنبيه والإشراف»، والدكتور سعد زغلول عبد الحميد ذكر أنه ربما يكون ابن خلدون تأثر بالمسعودي من ناحية المنهج، ويقصد على وجه التحديد شمولية الموضوعات التي طرحها المسعودي. واعتبرها ممهدة لموسوعيته، وربما قد نفاجأ وبمزيد من البحث أن المسعودي كان ضمن جماعة إخوان الصفا، وإنني وقفت على حقيقة أن الجماعة ضمّت «المستنيرين» من سائر المذاهب والفِرَق وحتى من رجال السلطة نفسها، السلطة العباسية، ولهم آراء في غاية التسامح ليس فقط في المذاهب والطوائف، إذ ينسب إليهم القول «ما من فرقة إلا ويحتوي فكرها على أشياءٍ إيجابيةٍ» بل وعبّروا عن نزعةٍ إنسانيةٍ عامةٍ فيما يتعلق بموقفهم من الأديان عموماً، وألحوا على أن الإسلام خاتم الأديان وأتمّها وأنضجها، ولكنهم اعتبروا النبوة كلها من مصدرٍ واحدٍ، وأن الاختلاف في الرسالات نتيجة الاختلاف في طبيعة عصور الأنبياء والرسل.
وعندي أن الكثيرين من المعتزلة شاركوا في جماعة إخوان الصفا.
* كثيراً ما مجدت ابن خلدون في دراساتك السابقة فهل تناقض نفسك حينما تقدم إخوان الصفا عليه؟
ـ البحث العلمي نهرٌ لا آخر له، وكلما زاد الإنسان تعمقاً في المعرفة رأى الأشياء بصورةٍ أوضح، وتاريخ العلم نفسه ما هو إلا تأسيسٌ معاكسٌ لمراحل سابقة من التفكير، فمثلاً، لو لم أقم بدراسة إخوان الصفا تشريحاً وتحليلاً لما قُدّرَ لي أن أصل إلى تلك النتيجة، وما زالت صورة ابن خلدون، على رغم شكوكي، ساريةٌ لأنني لا أجد البديل، إن الأمانة العلمية تقتضي أن يراجع الإنسان آراءه بين مرحلةٍ وأخرى، فمنحنى حياة المشتغل بالفكر في تطور، وقراءاتي لأحد النصوص الآن تختلف عن قراءاتي للنص نفسه قبل عشرين سنة.
* وأخيراً، وأنت عالمٌ وباحثٌ مدققٌ، هل يوجد لدى ابن خلدون شيءٌ مميزٌ ومختلفٌ عن إخوان الصفا، يجعلنا نقول أنه أبدع؟
ـ بطبيعة الحال، ما عاشر أحدٌ قوماً إلا واستفاد منهم، وأضاف وزاد. فابن خلدون فعل ذلك بخاصة في التوضيح والشرح، ونحن لا ننكر هذا، وإنما ما نجزم به هو أن الآراء العظيمة في العمران والاقتصاد والسياسة والأخلاق منقولة عن إخوان الصفا، وكثيرٌ من الباحثين اعترفوا بعد صدور كتابي بأن النصوص هي هي عند ابن خلدون وإخوان الصفا. وهناك باحثون من قبل أشاروا إلى شكّهم في أن بعض الأفكار التي أخذها ابن خلدون كانت من إخوان الصفا، خصوصاً حول نظرية تأثير الطقس في الأمزجة، ومن هؤلاء الباحثين عادل وردي والدكتور عمر الدسوقي، والأخير ذهب في أحد أبحاثه إلى أن ابن خلدون تأثر بآراء إخوان الصفا، ولكنه لم يبحث في هذا الموضوع بالعمق، وذكر لي الدكتور محمود أمين العالم أنه حينما كان يدرس في إحدى جامعات فرنسا ابن خلدون وإخوان الصفا، خطرت له فكرة النقل هذه لتشابه النصوص ولكنه كبت الفكرة في نفسه أمام الهالة الخلدونية.
* وهل معنى ذلك أن ابن خلدون لم يكن لديه جديد يقدمه؟
ـ ابن خلدون ضرب الأمثلة وكانت بالضرورة مهمة، لأن أمثلة إخوان الصفا كانت من القرون الوسطى، بينما معظم أمثلة ابن خلدون من الحقبة التي واكبت اختفاء الجماعة حتى عصره خصوصاً وقائع وأحداث تاريخ المغرب والأندلس. وفي بعض الأحيان كان متخلّفاً عن فكر إخوان الصفا، فهم عندما درسوا السحر والشّعوذة والنجوم وما شابه ذلك، نصّوا بوضوح على عدم تسليمهم بصحّتها وإنما عالجوها باعتبارها موضوعات واقعية تؤثر في طرائق تفكير الكثيرين، بينما ابن خلدون عرض لها كما كان يصدقها العامة.
تعليق الخيون
وقد علق رشيد الخيون على رأي محمود إسماعيل بما يلي:
في قضايا التراث وعلى وجه الخصوص الفكرية والفلسفية منها، حتى زمن التوثيق وظهور أصول التأليف المعاصرة، ليس هناك تأكيدات مطلقة وأغلب التساؤلات يبدو محتملاً. فالأفكار متحركة من عصرٍ إلى آخر. فمن كثرة تكرارها قد يغيب مبدعها الأول، فما ورد عن فلان من المفكرين وقيل إنه أول من قال بكذا قد تجده على لسانٍ آخر سبقه بعقود. ولعل المؤلفات على شاكلة «كتاب الأوائل» لأبي هلال العسكري لم تكن موفّقة كثيراً، فسلسلة الأفكار والممارسات لا تنتهي رجوعاً وتقدّماً.
من هذا المنطلق كم تبدو مهمة الوقوف على الأصول حتى تنسب إلى أصحابها الحقيقيين مهمة عسيرة، وقبل أن يحسم أمر تأليف رسائل إخوان الصفا هل هي من لدن الإخوان المتصافين أم أحد الأئمة المستورين، ترى الاختلاف يجري على أمرٍ آخر هو علاقة مقدمة ابن خلدون بتلك الرسائل كانتحال أو اقتباس، وماذا سيبقى من ابن خلدون لو انتهت الشكوك وتأكد اقتباسها من غيره؟
هذا الحديث القديم ـ الجديد أثاره صدور كتاب الباحث المصري محمود إسماعيل «نهاية أسطورة ـ نظريات ابن خلدون مقتبسة من رسائل إخوان الصفاء».
فما كاد يعلن عن هذا الكتاب حتى انبرى الرأي المغاير ناقداً وناقماً ومحاكماً الباحث المذكور على فكره ونهجه بأثرٍ رجعيّ. لقد اندفع أصحاب هذا الرأي وكأنهم يملكون الحقيقة كاملة ضدّ ما تبنّاه محمود إسماعيل في تجاوزه للخطوط الحمر ـ حسب معطيات مقالات المعترضين ـ وتجرأ على التشكيك في ذمة ابن خلدون العلمية، والأمر كما يبدو ليس دفاعاً عن ابن خلدون بقدر ما هو دفاعٌ عن المؤلفات التي صرف فيها مؤلفوها جهوداً في البحث والتقصي في مقدمة ابن خلدون، فالعديد منهم كتب مفاضلاً بين ابن خلدون وفلاسفة ومصلحين اجتماعيين ومنظرين سياسيين عالميين. ويستشفّ من تلك المقالات التي ردّ فيها أصحابها على مؤلف كتاب «نهاية أسطورة…» أن مقدمة ابن خلدون هي حاضنة التراث الإسلامي الفكري والعلمي، وإن بطلت بطل ما سواها من عناصر التراث الأخرى. وتشير تلك الردود بانفعالٍ إلى غرابة رسائل إخوان الصفاء عن التراث الإسلامي، وكأنها جسمٌ غريبٌ مندسٌ فيه، وإن تجاوز محمود إسماعيل «الشنيع» هذا كان من ضلال المستشرقين،الذين تبنّوا الرسائل نكايةً بابن خلدون (حسب ما ورد في أحد الردود العنيفة).
ومن الجدير ذكره أن محمود إسماعيل لم يكن هو الأول ـ كما ورد في الردود ـ الذي طرح مديونية ابن خلدون لإخوان الصفاء ونهج مقدمته لنهج رسائلهم.
لقد تساءل قبل ذلك عدد من الباحثين والمهتمين. منهم طه حسين في كتابه «فلسفة ابن خلدون الاجتماعية» مؤكداً التباين الكبير بين أسلوب كتابة المقدمة وكتابة التاريخ في كتاب «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»، إشارة إلى الأخذ أو التأثر بأعمال أخرى، وأقرب هذه الأعمال من تركيبة وماهيّة المقدمة هي رسائل إخوان الصفا. ويشير علي الوردي في كتابه «منطق ابن خلدون» مدافعاً عن ابن خلدون إلى عددٍ من المشككين في أمانته العلمية وذلك بقوله: «يحاول بعض النقاد أن ينتقصوا من قيمة نظرية ابن خلدون» بحجة أنه جمع نظريته من أفكار سابقة، الظاهر أن هؤلاء النقاد يفترضون في الفكر المبدع أن يخلق نظريته الجديدة من عدمٍ، فإذا وجدوا شيئاً من الشبه بين أفكاره وأفكار بعض السابقين له، قالوا: إنه لم يأتِ بشيءٍ جديدٍ». وفي مكان آخر يقول علي الوردي: «يغلب على ظني أن ابن خلدون قد استمدّ فكرته عن الدورة الاجتماعية من إخوان الصفاء، إنما هو قد طوّرها وأخضعها لمنطقه الجديد». وأخيراً يصف علي الوردي ابن خلدون، بقوله إنه «المنكت البارع» الذي يجمع في ذهنه نكاتاً منوعةً كثيرةً، يقتبسها من هنا وهناك، لا يأتي بها عند التنكيت إلا بعد أن يطبعها بطابعه الخاص».
وعلى خلاف ما يرى علي الوردي في تجاوز ابن خلدون للفلاسفة القدماء، يذكر محسن مهدي في كتابه «فلسفة التاريخ عند ابن خلدون»: «إن ابن خلدون لم يكن سوى تلميذ مخلص للفلاسفة القدامى». والتلمذة بحد ذاتها لا تحجب الإبداع بقدر ما تكون شاهداً عليه وعمقاً تاريخياً له، لكن ابن خلدون ينكر أي تلمذة لأي مفكر أو فيلسوف عندما يقول إن مقدمته كانت إلهاماً لا تلمذة، فمعظم وقته كان مصروفاً ـ منذ شبابه ـ إلى السياسة، فمتى تتلمذ لمفكرٍ أو فيلسوفٍ؟ وهل كان ابن خلدون أكثر باعاً من الشيخ الرئيس ابن سينا. حتى لم يحتجّ أحدٌ على وصفه بأنه أنجب تلاميذ إخوان الصفا، بينما يعمّ الضيق من وصف ابن خلدون بذلك؟
عندما كتبت في العام 1993 مقالاً بعنوان «من مبدع نظرية النشوء والارتقاء» لم يدر بخلدي أن مقدمة ابن خلدون هي كل ميراثنا الفكري والفلسفي ـ إلا بعد قراءة الردود على أطروحة محمود إسماعيل ـ وحينها تقدمت باللائمة على ابن خلدون كونه أخذ فكرة وتفاصيل هذه النظرية عن رسائل إخوان الصفا، من دون أن يشير إليهم كإشارته إلى أرجوزة ابن سينا أو المؤرخين الذين أخذ الرواية التاريخية عنهم. ولم أكن قادراً حينذاك على التجاوز إلى اتهام ابن خلدون بالانتحال والسرقة، ولا أخفي ترددي حتى في التصريح بتلك اللائمة بسبب هالة ابن خلدون وسطوته في تاريخ الفكر التي فرضتها التأليفات المتأخرة حول علمه وفلسفته، وقد تجاوزت مساحتها السابقين اللاحقين له، وورد في المقال المذكور: «بعد أربعة قرون يورد ابن خلدون نظرية إخوان الصفا في مقدمته، مؤكداً نظرية العناصر الأربعة في تكوين الوجود والتدرج الطبيعي في النشوء والارتقاء، ومن الواضح أن ابن خلدون لم يضف شيئاً جديداً على أفكار إخوان الصفاء التي وردت في رسائلهم…» (مجلة «الاغتراب الأدبي» العدد 26). وفي حينها عزيت عدم إشارة ابن خلدون إلى إخوان الصفا كإشارته إلى الآخرين إلى الموقف السياسي والمذهبي كون الإخوان من الشيعة الإسماعيلية وآثار هذه الحركة كانت مخيّمة على الأجواء السياسية والفكرية أنذاك. لكن بعد إعادة قراءة المؤلفين (المقدمة والرسائل) والمقابلة بين أهم الأفكار التي وردت فيهما، تأكد خطأ ما ذهبت إليه في أن الموقف المذهبي أو السياسي هو الذي منع مؤلف (المقدمة) من ذكر إخوان الصفاء، والصحيح بأن ابن خلدون لو ذكر فضل إخوان الصفاء لما ترك له فكرة يكتب عنها اللاحقون بهذا الحماس وهذه الغزارة، ولهذا لاذ بالإلهام الرّبّاني وعزلة المستلهمين في خلوةٍ ما!!
يذكر ابن خلدون في أكثر من مكانٍ في كتاب «المقدمة» وكتاب «التعريف» أنه توصّل إلى أفكاره المطروحة في المقدمة عن طريق الإلهام غير المسبوق بمؤثر، كقوله: «ونحن ألهمنا الله إلى ذلك إلهاماً»، وقوله: «فأقمت أربعة أعوامٍ متخلّياً عن الشواغر كلها، وشرعت في تأليف هذا الكتاب وأنا مقيمٌ بها، وأكملت المقدمة منه، على ذلك النحو الغريب الذي اهتديت إليه في تلك الخلوة، فسالت شآبيب الكلام والمعاني على الفكر، حتى امتخضت زبدتها، وتألفت نتائجها» (علي الوردي، منطق ابن خلدون عن كتاب التعريف 141، كان ذلك أثناء عزلته بقلعة سلامة، ويعلق ساطع الحصري في كتابه «دراسات الحصري في كتابه «دراسات عن مقدمة ابن خلدون» على الإلهام الرباني عند ابن خلدون بقوله: «تدفقٌ مفاجىءٌ بعد حدسٍ باطنيّ واختمار شعوري». ويبدو هذا التشخيص العاطفي مرتهناً بميول الحصري القومية الحادة. ويتبع على الودري أثر الحصري معتقداً بالقوة الخفية التي أنجز بها ابن خلدون مقدمته فيقول: «المقدمة تحت تأثيرٍ مفاجىءٍ من فيض الخاطر». لكن حالة العلم والفكر لا تعرف غير التدرج والتّأهيل وإلا بات في الأمر معجزة كنبوّة أو إمامة أو كرامة ما. ولا ندري كيف اتفق الأمر على علي الوردي بهذه البساطة؟ وساطع الحصري من دون أن يدري يعود بنصوص «المقدمة» المحرفة أو المصحفة من مقدمة ابن خلدون إلى الأصل الذي يتطابق مع رسائل إخوان الصفاء ومنها التفاتته الذكية التالية:«ومن الغريب أن الطبعات الشرقية مسخت تعبير عالم القردة إلى شكل عالم القدرة، ومعنى هذا إلغاء تدرج الحيوان إلى الإنسان».
إن الحديث عن الإلهام، والعزلة وانفجار الأفكار المفاجئة هو طريقة المريدين وهم يتكلمون عن شيوخهم الروحانيين والمقدسين، بعد أن ابتعدوا زمناً عنهم، كحديث الأشعريين عن شيخهم أبي الحسن الأشعري ليوضحوا بطريقة عجيبة خروجه من المعتزلة إلى الصفاتية. فلجأوا إلى القول أنه حبس نفسه مدةً من الزمن في صومعة ثم خرج بذلك القرار، وأضافوا أنه لم يتّخذ القرار الصائب إلا بعد الرؤيا التي تحدث فيها مع النبي محمد(ص)؟ وهذا ما ينطبق أيضاً على عدد من المتصوفة المستلهمين وأهل الكرامات، وادّعاء تلك الظروف من إلهامٍ وعزلة سبيلٍ يعزّز به الابتكار الفكري المؤدي إلى تأسيس النظريات على طريقة أهل العرفان. كذلك عبّر ابن خلدون عن روحانية أخوان الصفاء، عندما أشاروا إلى توصّلهم إلى تلك الرابطة الإخوانية (إخوان الصفاء) والعلم المطروح في رسائلهم من خلال المفاجئة والاستفهام: «اعلم أيها الأخ البارّ الرحيم أيدك الله وأيّدنا بروحٍ منه بأنا نحن جماعة إخوان الصفاء أصفياء وأصدقاء كرام، كنا نياماً في كهف أبينا آدم مدة من الزمن، تتقلب بنا تصاريف الزمان ونوائب الحدثان حتى جاء وقت الميعاد بعد تفرّق في البلاد في مملكة صاحب الناموس الأكبر وشاهدنا مدينتنا الروحانية المرتفعة في الهواء»…
لكن في حالة ابن خلدون تظهر النقلة واضحة في القسم الأول من الكتاب وهو المقدمة إلى القسم الثاني وهو التاريخ، وهذا ما جعل طه حسين يتوقف أمام هذا الابتكار بقوله: «إن ابن خلدون لا يراعي دائماً الدقة التامة في تطبيق طريقته أو بعبارة أخرى لا يستطيع أن يقاوم عوامل أخرى تؤثر فيه أيّما تأثير».
نذكر على سبيل المثال بعض ما شخص علي الوردي من تناقضات عند ابن خلدون منها مخالفته لقوله عن هارون الرشيد «وأين هذا من حال هارون الرشيد بما يجب لمنصب الخلافة من الدين والعدالة، وما كان عليه من صحابة العلماء والأولياء»، بينما يصف (القول لعلي الوردي) في مقدمة الجيل الثالث (من الدولة العباسية) وهو جيل الرشيد بقوله) «إن أبناء الجيل الثالث في كل دولة ينسون عهد البداوة والخشونة التي كانت أول الدولة وينغمسون في التّرف إلى غايته». ربما يشير هذا التناقض إلى عدم تفاعل ابن خلدون مع تلك الأفكار، حتى تظهر منسجمةً مع تطبيقاتها، وهذا بحد ذاته يلغي ادّعاء الإلهام الذي توقّد فجأة في ذهنه من دون سابقة.
إن عملاً كبيراً كمقدمة ابن خلدون يحتاج إلى أكثر من اهتمامٍ وتخصيصٍ، ومهما حاولنا تبرير ذلك بالقول إن الفيلسوف في عصر ابن خلدون هو من كان ملماً في العلوم كافة، فإنه من الاستحالة أن يكون ضليعاً بها كلها.
وابن خلدون كان منغمساً في الشأن السياسي كرجل دولة ينتقل بين مناصبها ويسهر على حلّ مشاكلها الداخلية والخارجية بمفاوضاتٍ ودسائس. وهذا التنوع في المقدمة الذي يصعب التصديق بأنه من بنات أفكار رأسٍ واحدٍ ينسحب على رسائل إخوان الصفاء، ويثبت خطأ تصوّر البعض بأنها من تأليف شخصٍ واحدٍ، في إشارة إلى الإمام جعفر الصادق، لكن هناك من يشير إلى مؤلف الرسائل هو الإمام إسماعيل أحمد بن عبدالله ومكان التأليف مدينة سلمية (عاصمة من عواصم الفكر الإسماعيلي) من الشام (عارف تامر «ابن سينا في مرابع إخوان الصفا» عن عماد الدين، عيون الأخبار). كذلك ورد في خاتمة الطبعة 1305هـ/1887م من الرسائل اسم الإمام أحمد ابن عبدالله مع عبارة «سلام الله عليه» التي تلحق عادة بأسماء ائمة من أهل البيت، وأحد الاحتمالات أنها ألفت في القرن الثاني الهجري، والواضح من موضوعات الرسائل المتنوعة والشاملة كدائرة معارف إنها من تأليف فريق علمي قد يكون منتخباً من تنظيم إخوان الصفاء، والرسائل تشير بوضوح إلى هيكل ونظام ذلك التنظيم، ومن المؤكد أنا أبا حيان التوحيدي في كتابه «المقابسات» انتبه إلى هذا الأمر وشخّص أسماء ذلك الفريق العلمي الذين قاموا على تأليف الرسائل في مدينة البصرة، وهم: زيد بن رفاعة والبستي والمقدسي والزنجاني والمهرجاني والعوفي.
ذكر إخوان الصفا مصادر رسائلهم وهي أربعة مجاميع من الكتب: الكتب المصنّفة على ألسنة الحكماء والفلاسفة من الرياضيات والطبيعيات، والكتب المنزلة: التوراة، والإنجيل والفرقان، وكتب الطبيعة وهي صور أشكال الموجودات، والكتب الإلهيّة وهي غير الكتب المنزّلة ويصفها الإخوان بقولهم: «هي بيد سفرة كرام بررة»، وهي جواهر النفوس وأجناسها وأنواعها وجزوياتها وتصاريفها للأجسام وتحريكها وتدبيرها إياها»، ولعلهم في ذلك يقصدون رسائلهم في الآراء والديانات وآراءهم الخاصة التي يعتبرونها من الأسرار الخفيّة. إن ذكر إخوان الصفاء لمصادر معلوماتهم يقيهم من تهمة السطو أو الانتحال، فقد ذكروا صراحة كتب الفيثاغوريين التي أخذوا منها في رسائل الرياضيات وتطبيقات العدد على الطبيعة واللاهوت، كذلك ذكروا صراحة تأثرهم بجمهورية أفلاطون وآراء أرسطو في الهيولى والصورة وتصورات الفيلسوفين الأخرى حول العالم الآخر. وذكروا ما أخذوا من كتاب «كليلة ودمنة» (وردت تسمية إخوان الصفاء في باب الحمامة المطوقة من هذا الكتاب «فحدثني إن رأيت عن إخوان الصفاء») وحكمة الملك الهندي فيها. أما ذكرهم لمصطلح المدينة الفاضلة المأخوذة فكرتها من جمهورية أفلاطون والتي وردت في رسائلهم بالاسم ـ أو باسم آخر هو «دولة أهل الخير» من دون أن يذكروا أبا نصر الفارابي بالاسم، فلا تقرر نسبة المصطلح المذكور كونه من إبداعهم أو من إبداع الفارابي إلا بعد حسم أيهما كان قبل الآخر.
ومن الغريب أن ابن خلدون الذي تجاوز ذكر إخوان الصفاء، كمصدر رئيسي من مصادره وتكوينه الفكري، وانتحل من المؤرخين السابقين عليه الرواية التاريخية وطريقة التآليف، نجده يعيب على المؤرخين انتحالهم للرواية التاريخية وفنّ كتابة التاريخ بقوله في مقدمته: «حتى انتحله الطبري والبخاري وابن إسحاق من قبلهما، وأمثالهم من علماء الأمة وقد ذهل الكثير عن هذا السر فيه حتى صار انتحاله مجهلة». ونحن بدورنا نسأل عن سرّ هذا التصرف من ابن خلدون، هل هو بالفعل الإلهام الذي لم يفلح فيه غيره من المؤرخين، فاضطرّوا إلى الانتحال بعضهم من بعض، وكأنه لم ينتحل الرواية التاريخية من المذكورين، أم هو دفع الريبة والشك والاستعداد ليومٍ كريهةٍ قد تطول مقدمته وتاريخه، كما هو حاصل اليوم؟ بالمقابل تكلم ابن خلدون بأفكار إخوان الصفاء وألّف بطريقتهم الموسوعية وعباراتهم الخاصة في مخاطبة مريديهم، مع الانسياق في العشوائية التي وقعوا فيها من دون أن يشير إليهم لا من بعيد ولا من قريب.
إن حجة نقّاد كتاب «نهاية أسطورة…» في أن التأليف القديم لا يعنى بالمصادر هي حجة غير مقنعة وتفنّدها أغلب مؤلفات الأقدمين التاريخية والفقهية واللغوية وغيرها. فالطبري في تاريخه يذكر بحرصٍ اسم المؤرخ أبي مخنف، والواقدي وسيف بن عمر إضافةً إلى تأكيد روايته بأكثر من سند وفي أكثر من وجه، ومؤرخو الملل والنحل يراعون ما يأخذون من أسلافهم المؤرخين وكذلك تظهر مداراة المفسرين ونقلهم عن غيرهم، ولا يفوت الجاحظ وغيره من المؤلفين الموسوعيين ذكر السند سماعاً من شخصٍ أو قراءة من كتابٍ، إن السرقات الأدبية كانت معروفة ويُعاب عليها من قِبَل الأقدمين، وعلى سبيل المثال لا الحصر يذكر إن إمام النحو إبراهيم بن نفطويه قال ساخراً ومتّهماً ابن دريد بالانتحال، بقوله: «ابن دريد بقرة، وفيه لؤمٌ وشرهٌ، قد ادعى بجهله، جمع كتاب الجمهرة، وهو كتاب العين، إلا أنه قد غيّره» (ياقوت الحموي ـ معجم الأدباء) ألا يشير هذا الموقف على رغم محدوديته إلى أن الأقدمين كانوا يعنون بالسرقة الأدبية، والتي لا أراها حالياً تتوقف عند سرقة النص بل مثلها سرقة الفكرة، فلهذا نرى هناك من يمتنع عن البوح بخاطرةٍ تجول في ذهنه خوفاً من أن يراها مقالاً منشوراً في اليوم الآخر، وتمارس السرقات حالياً على قدمٍ وساق.!
لم يفتح الباحث محمود إسماعيل ملف ما حدث بين ابن خلدون وإخوان الصفاء فقط، بل فتح ملف تاريخ وحاضر التجاوز على الحيازة الأدبية، والفكرية، والتي ما زال ينظر إليها على أنها أقل خطورة وجناية من سرقة الأشياء العينية. إن التشبّث بهالة الأسماء ـ منها اسم ابن خلدون ـ والتي عادة تؤلف ما يطلق عليه تسمية «النخبة» وهم أهل الحل والعقد في الشأن الثقافي والفكري عموماً هي العقلية السائدة اليوم في مجال الثقافة عربياً، ولهذا يعتبر التشكيك بأمانة ابن خلدون العلمية ـ إن كانت صحيحة ـ جرماً لا يغتفر، فإلى أين ستذهب مئات المؤلفات التي ألفت عن مقدمة ابن خلدون من دون أن يتوقف أغلب مؤلفيها خطوةً واحدةً في مصادرها وتكوين مؤلفها الفكري؟ وكما هو واضح من استفهامات الردود حول الباحث محمود إسماعيل، إنها ألقت باللائمة على نهج البحث والفكر الذي يتبناه، واستغرب أولئك النقاد سقوط ذلك النهج سياسياً في دول عدة من العالم بينما ما زال يمارس كطريقة في البحث. ومن نافلة القول إن اعتماد هذا النهج أو ذاك قد لا يتعلق برغبة الباحث أو اجتهاده العلمي بقدر ما يتعلق بحيوية النهج المعتمد، ويستدل من خلال بحوث محمود إسماعيل خصوصاً بحثه المثير الأخير، وبحوث عدد من الباحثين الذين تبنّوا هذا النهج أن هذا النهج ما زال يتجاوب مع طموح التقصي والكشف، يغضّ النظر عن السلبيات التي تكتنف هذا النهج وآراء الآخرين فيه. فالذين يؤاخذون محمود إسماعيل على محدودية نهجه وضيقه في الحقائق تراهم يغضبون كثيراً من رأي ما زال منزلة بين منزلتين، بينما لهم كامل الحرية بل الحظ الأوفر في النشر والتعبير.
إذا تمكن الباحث محمود إسماعيل بالفعل من تقديم معطيات مقنعة في تأكيد ما ذهب إليه بأن إخوان الصفاء ظهروا في القرن الثالث الهجري (ورد ذلك في حديثه لجريدة «الحياة» العدد 12353) فإن ذلك بالتأكيد سيؤثر في تاريخية الأفكار والنظريات الفلسفية التي نسب أغلبها إلى مفكري القرن الرابع الهجري، ويؤكد امتداد ظلال الإخوان إلى أبعد ما نتصور، وقد يشمل التأثير والتأثر الاعتزال الذي انبثق فلسفسياً خلال القرن الثالث الهجري.
قد لا أذهب بعيداً مع الباحث محمود إسماعيل وأجزم بجزمه القاطع على سطو ابن خلدون على رسائل إخوان الصفاء. فمن المؤكد أنه توصّل إلى ذلك بعد جهود مضنية، كذلك ما زلت متوقفاً عند التأييد الحذر لوجهة نظره، فربما في الأمر التباسٍ ما، ولم أكن منفعلاً عند الكتابة في هذا الموضوع بسبب عدم مفاجئتي به، حسب المعطيات التي ذكرتها سلفاً. لكن الأمر كما يبدو لي أنه في حالة ثبوت مديونية ابن خلدون لإخوان الصفاء، في اعتماده بتأليف مقدمته على ما ورد في رسائلهم، من أفكار ومعلومات، فإن نجمه سيأفل كفيلسوف ومؤسس عالمي لعلم الاجتماع. كما شاع عنه ذلك. وهذا الأمر لا يهمّ ابن خلدون بقدر ما يهم المتأخرين من الذين منحوه مكانة الفيلسوف وعالم الاجتماع الأول. أما هو فربما لم يكن منبهراً حتى يصطفي لنفسه تلك الألقاب، وربما كان لقب المؤرخ ـ حسب المفهوم التقليدي للمؤرخ ـ أفضل ما ينسجم مع إمكاناته، أي لم يلغِ ابن خلدون المؤرخ، وما أضافه من لمسات على تلك الرسائل. وتبدو عبارة عمر الخيام ـ لننظر إلى القدماء الذين تقدموني، لقد استفاضوا في جميع هذه العلوم، وإذا أنا كررت ما قالوه كان علمي من النوافل (أمين معلوف، رواية سمرقند) ـ التي أجاب بها قاضي القضاة، عندما طلب منه تأليف كتابٍ في حقول العلوم كافة، وهو معتزّاً بالشعر ومتّجهاً إلى تأليف رباعياته أفضل ما كان يعمله ابن خلدون حتى لا تكون مقدمته نافلة من النوافل!
رأي أخير
ونختم القول عن إخوان الصفا بما قاله الدكتور فؤاد معصوم في بحثٍ له:
لقد حورب إخوان الصفا على محاولاتهم الإصلاحية ووجهت إليهم التهم، ولا تزال تتردد أصداء تلك التّهم من المناوئين للجهود الإصلاحية في المجتمع، ولم تخرج مدينتهم الفاضلة إلى الوجود بل بقيت على صفحات رسائلهم، ولم يكونوا في ذلك أكثر حظّاً من أفلاطون ولا من الفارابي. ولكن بقيت هذه الفكرة وهذا التصور جهداً رائعاً في سبيل صيانة حرية الإنسان وكرامته.
الإخوان الإلاهيّون
نشأت جماعة (الإخوان الإلاهيّون) في شيراز في أواخر المائة التاسعة ومطلع القرن العاشر للهجرة على يد أبي يزيد عبدالله قطب بن محي الدين بن محمود الأنصاري الخزرجي السعدي الشيرازي كان حيّاً في سنة 901 هجرية من أقطاب العرفاء الإلهيين وأكبر الفلاسفة، حكيمٌ متصوّفٌ. وقد اشتهر أعضاؤها بالآراء الفلسفية والعرفانية وغلبت عليهم روح التّصوّف ودعوا إلى نشر العلم وتثقيف العقول وتزكية النفس والعرفان الإلهي.
تشكّلت جماعة (الإخوان الإلاهيّون) على غرار إخوان الصفا([210]) السرية إلا أن هذه كانت علنية وتعتبر من أهم الحركات الشيعية والنهضة الفكرية في عهد دولة آق قويونلو([211]) الشيعية.
تأسيس مدرسة «الأخوان الإلاهيّون» في شيراز
ويستفاد من بعض القرائن وكذلك من نصوص بعض الرسائل أن عبدالله قطب الدين كان مع عائلته في شيراز فبنى في ضواحيها قرية سماها (إخوان آباد) وانتقل مع مريديه وتلامذته المسلمين (الإخوان الإلهيّون) إليها ثم عين ما أسماه (شيخ الإخوان) لأحوالهم الدينية و(وكيل الإخوان) لأحوالهم المعاشيّة.
وأرسل أكثر من 500 رسالة أكثرها بالفارسية إلى الخاصة والعامة من مريديه وتلامذته في حدود سنة 899 هجرية وما بعدها وعنوان رسائله إليهم (من عبدالله قطب بن محيي إلى الإخوان الإلهيّين التائبين..) وجمع تلامذته في مدرسته في قريته بإخوان آباد في ضواحي شيراز ومن مكاتيبه مجموعة مؤرخة سنة 899 إلى 901هـ في دار الكتب المصرية في القاهرة تحت رقم 4253 أولها: إلى الإخوان الإلهيّين كثّرهم الله وبارك عليهم أجمعين([212])… ومجموعة ثانية في دار الكتب المصرية بالقاهرة ناقصة، الأول تحت رقم 316([213]).
قال شيخنا الأستاذ الشيخ أقابزرك الطهراني في موسوعته الذريعة عن الإخوان الإلهيين (… يظهر منها أنه كان في شيراز ثم انتقل إلى قرية بناها وسماها إخوان آباد وسمى مريديه بالإخوان وعنوان مكاتيبه إليهم [من عبدالله قطب بن محي إلى الإخوان الإلهيّين التائبين] وجمع مريديه في إخوان آباد وعيّن لهم شيخ الإخوان الكافل لأحوالهم الروحية والدينية ووكيل الإخوان لأحوالهم المعاشية ـ كما مرّ. ورسائله ومواعظه التي أنشأها بعد استقرار الإخوان الإلهيّين في إخوان آباد ثم سائر رسائله سواء إلى العامة والخاصة ـ ومنها رسالته إلى شيخ الإخوان ـ يحدد فيها الوظائف العشر التي يجب التزام الإخوان بها من ترك ما لا يعني والهزل والجلوس لكلام الدنيا بعد العبادة في المساجد لا سيما بعد العشاء وترك الغيبة والكلام وقت اشتغال القارىء بالقرآن أو الحديث وترك الإهمال في تعهّد أمر الأطفال وغرس الصفاء والمودة بين كل اثنين غير متصافيين ومنع عن قراءة تمام الكتاب قبل إتمام الصفاء بينهم جميعاً ثم الترغيب في بناء المساجد قبل حلول الشتاء والتأكيد على ذلك، وفي كون أمرهم شورى بينهم ثم الاعتماد على رحمة الله ونصرته وفي رسالته إلى معز الدين ملك إسحاق ذكر ما معناه أن الأمان من وعيد [من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة الجاهلية] لا يحصل إلا بالتمسك بالإمام لأن مثله مثل السفينة في هذا البحر من لم يتمسك بلوحٍ منها يغرق في بحر الشهوات ويبتلعه تمساح الشبهات([214]) .
ومن بين الرسائل رسالة مطولة باسم أبواب الخير كتبها إلى الأمير محبّ الدين محمد والأمير أفضل الدين محمد وذكر فيها عشرة أبواب في الأعمال والآداب وفي آخر العاشر ذكر بعض سوانحه إلى أن بلغ رتبة البيعة والجلوس على السجادة، إلى أن قال: «إني أجزت للمكتوبة له هذه الرسالة المدعوّة بأبواب الخير وليي في الله الفقيه عماد الملّة والدين عبد العزيز ابن الفقيه شمس الملة والدين محمد الأفرزي عن مشايخي…) ثم ذكر اسمه ونسبه في آخره([215]) وكان فراغه يوم الإثنين غرّة رجب سنة 899 هجرية والنسخة من مخطوطات مكتبة الشيخ محمد البرغاني الحائري في كربلاء وهناك نسخة ثانية مؤرخة سنة 1048 هجرية في مكتبة السيد حسن التنكابني في النجف ورسالة باسم تخمين الأعمار فارسية مبسوطة أوردها بتمامها القاضي نور الله التستري في مجالس المؤمنين في ذيل ترجمة السيد أبي الرضا فضل الله الكاشاني([216]) لما اشتملت عليه من المواعظ. وفي رسائله الأخرى صرّح في بعضها بحديثٍ [من مات ولم يعرف إمام زمانه… وأن معرفة الإمام هي الثالثة بعد التوحيد والنّبوّة] وفي بعضها حديث (علي ممسوس في ذات الله).
وبعض رسائله إلى أفضل الدين محمد وبعضها إلى محبّ الدين محمد وإلى (الإخوان الإلهيّين) و(شيخ الإخوان) وأمثاله وهناك مجموعة من رسائله العرفانية في مكتبة الروضة الرضوية منها مجموعة مؤرخة سنة 1048 هجرية تحت رقم 926 ومجموعة ثانية مؤرخة سنة 1048 هجرية تحت رقم 243 ومجموعة ثالثة بدون تاريخ تحت رقم 242([217]) ومجموعة في كلية الآداب بطهران وطبع من الرسائل (كفاية المؤمنين) وطبعت أيضاً رسائل له مع بندنامة عطار وبندنامة سعدي مكرراً في بمبي ولكهنو.
وخلاصة القول في رسائل ومكاتيب الإخوان الإلهيين أنها دائرة معارف فريدة في بابها في تاريخ العرفان والتصوف والأخلاق وما إلى هذه من مسائل الفلسفة التي شغلت أذهان الفضلاء، ورواد العرفان الشيعي والتصوف.
وتعتبر أكبر موسوعة علمية يعرفها تاريخ الفكر الشيعي في مطلع القرن العاشر للهجرة وقد ظهرت في شيراز وأخذت نفسها بتعاليم العرفان والفلسفة. وكانت حركتهم ذات طابع عرفاني طوراً وديني طوراً آخر وذات صفة فلسفية غلبت عليها روح التصوف.
إن جماعة الإخوان الإلهيين وعلى رأسهم مرشدهم عبدالله قطب حولوا الثقافة والعرفان والتصوف بأسلوبهم السائغ بتيسير سبل التفكير للفضلاء والمثقفين حيث كانت الفكرة السائدة في معتقدهم هي التشيع والعمل على بثّ روح التشيع بمختلف الوسائل بما يقنع الآخرين.
ويستفاد من بعض القرائن والأدلة أن جماعة الإخوان الإلهيين على رغم من اتجاههم الشيعي وحبهم المفرط لأهل البيت (عليهم السلام) كان ينضوي في مدرستهم الفلسفية أفراد من السنة والشيعة حيث انضم كثيرٌ من أهل السنة إلى هذه الجمعية والمدرسة الفلسفية حتى ذهب بعضهم إلى تسنّن مؤسسها عبدالله قطب على رغم الإتجاه الشيعي المتطرف في جميع رسائله منها قوله (… إن عليّاً(ع) ممسوس في ذات الله…) وقوله (من مات ولم يعرف إمام زمانه…) وقوله (وإن معرفة الإمام هي الثالثة بعد التوحيد والنّبوّة…) وغير ذلك.
وقد تمكنت هذه الجمعية من دعوة الأفراد غير الشيعة في شيراز وضواحيها حتى تبدّلت أوضاعها ونشر التشيع هناك بفضل الجهود الجبّارة للإخوان الإلهيّين. ويستفاد من بعض الدلائل والشواهد التاريخية أنه انخرط في جماعة الإخوان الإلهيّين بعض المبتدئين العاديين الذين كانت مهمتهم حفظ الأشعار الحماسية ومدائح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأهل البيت (عليهم السلام) متجوّلين بزيّ الدراويش في المدن والقرى الإيرانية لبث روح التشيع والانحياز إلى حب أهل البيت (عليهم السلام) وكان لهم دورٌ هامٌّ وناجحٌ في هذا السبيل.
ومما يجدر ذكره هنا أن مدرسة الإخوان الإلهيين كانت تنقسم إلى قسمين: القسم الأول الجناح المتصوف الذي مرّ ذكره، وأما الجناح الثاني فهو القسم الفلسفي وكان يجمع الفلاسفة والحكماء كما أن عبدالله قطب المؤسس لمدرسة الإخوان الإلهيين في مدينته الجامعية المعروفة بقرية (إخوان آباد) في ضواحي شيراز كان حكيماً فيلسوفاً عارفاً تخرج عليه جماعة من أعاظم الفلاسفة والعرفاء الذين لعبوا دوراً خطيراً في تطور الفلسفة الإسلامية ومن أشهر تلامذته الذين نشؤوا في هذه المدرسة جلال الدين محمد بن أسعد الدواني المولود في حدود سنة 823هجرية والمتوفى على أصح الأقوال سنة 908هـ وصدر الدين محمد الدشتكي المولود سنة 828هـ والمتوفى سنة 903هـ وجماعة آخرون من أعلام الفلسفة والعرفان.
ثم انشقّت مدرسة الإخوان الإلهيين الفلسفية إلى قسمين المدرسة الفلسفية الدوانية والمدرسة الفلسفية الدشتكية ونرى مشاحنات علمية حادة (منطقية وفلسفية وكلامية وعرفانية). لمتخرجي المدرستين الشيرازيتين الدوانية والدشتكية في شيراز وقزوين وأصفهان وأخذ كلٌ من الفريقين يدافع عن أستاذه ومدرسته حتى ظهور الدولة الصفوية ومجيء صدر المتألهين الشيرازي المتوفى سنة 1050هـ الآتي ذكره.
المدرسة الفلسفية الدوانية
ذكر الدواني معاصره شمس الدين محمد السخاوي قائلاً فيما قال: (محمد بن أسعد مولانا جلال الدين الصديقي الدواني المذكور بالعلم الكثير ممن أخذ عن المحيوي اللاري وحسن بن البقال وتقدم في العلوم سيما العقليات وأخذ عنه أهل تلك النواحي وارتحلوا إليه من الروم وخراسان وما وراء النهر. وسمعت الثناء عليه من جماعة ممن أخذ عنه، واستقرّ به السلطان يعقوب في القضاء، وصنّف الكثير، من ذلك شرح على شرح التجريد للطوسي عم الانتفاع به وكذا كتب على العضد مع فصاحة وبلاغة وصلاح وتواضع وهو الآن في سنة 897هـ حي ابن بضع وسبعين…)([218]) لذا تكون ولادته حدود سنة 823 هجرية كما أثبتناه.
قال رضا قلى خان هدايت في مجمع الفصحاء، ما هذا تعريبه: (… المعروف بالعلامة الدواني تتلمذ في شيراز حتى طار ذكره في الآفاق من أعلام عصره ورجالات دولة آق قويونلو التي فوضت إليه قضاء فارس حتى توفي سنة 908 هجرية وقصيدته المشهورة في مدح أمير المؤمنين(ع)([219]) بالفارسية:
| أي مصحف آيات إلهي رويت | وى سلسلة أهل ولايت مويت | |
| سر جسمة وندكي لب دلجويت | محراب نماز عارفان أبرويت |
جاء ذكره في أعيان الشيعة وصرّح بتشيعه وقال (… توفي سنة 908هـ وقد تجاوز عمره الثمانين ودفن قريباً من قرية دوان وعلى قبره قبّة بجنبها منارة: والدواني نسبة إلى دوان بوزن رمان قرية من توابع كازرون في شمالها تبعد نحو من فرسخين… ثم سافر إلى شيراز فقرأ على ملا محي الدين الأنصاري من أولاد سعد بن عبادة الأنصاري وقرأ على همام الدين صاحب شرح الطوالع العلوم الدينية، وفي مدة قليلة وصل فضله وكماله إلى أطراف العالم واقتبس جماعة كثيرة من أنوار علومه وأكرمه واحترمه سلاطين التراكمة حسن بك وسلطان خليل ويعقوب بل وجعلوه قاضي القضاة…
صرح هو نفسه بتشيعه في رسالته نور الهداية الفارسية المطبوعة، وقد ذكره السيد مهدي بحر العلوم في رجاله…)([220]) ثم ذكر أكثر من 25 عنواناً من مؤلفاته الفلسفية.
وجاء في طبقات أعلام الشيعة (… ومعاصر المير صدر الدين الدشتكي (903 ـ 828 هجرية) ولكنه من مدرسة (الإخوان الإلهيين) مريدي عبدالله قطب ذكر نسبه في آخر إجازته لعفيف الدين حفيد صفي الدين عبد الرحمن الصفوي المتوفى سنة 893 هجرية([221]) هكذا (محمد بن أسعد بن محمد بن عبد الرحيم بن علي الصديقي الدواني) وذكر أنه (أخذ العلوم الشرعية ومقدماتها وطرفاً من العلوم العقلية عن والده الإمام سعد الملّة والدين أسعد الصديقي الدواني المحدث بالجامع المرشدي…).
يقول عبد الحسين الصالحي: كان والده أسعد الدواني من علماء الشافعية فأخذ من والده العقليات السنية ثم انخرط في مدرسة الإخوان الإلهيين كما صرح في غير واحدٍ من آثاره منها إجازاته ونص عليه شيخنا الأستاذ آقا بزرك الطهراني في طبقات أعلام الشيعة([222]) ثم تشيع كما أكد هو نفسه تشيعه في رسائله [نور الهداية] الفارسية وفي أشعاره وغير ذلك.
وأورد الدواني في مدرسته الفلسفية آراءه واعتراضاته السنية على السهرودي في كتابه شواكل الحور وهو شرح على هياكل النور للسهرودي الذي ألّفه بدار الموحدين هرمز لأميرها السلطان محمود الملقب بخواجه جهانشاه وفرغ منه ليلة الخميس 11 شوال سنة 872 هجرية([223]) وقام مير غياث الدين منصور الدشتكي المتوفى سنة 948هـ جدّ السيد علي خان المدني وصاحب المدرسة المنصورية بشيراز برده في شرح سمّاه إشراق هياكل النور عن ظلمات شواكل الغرور ودافع عن السهرودي ودفع اعتراضات الدواني التي أوردها على هياكل النور في شرحه.
وكذا كان الحال في شروح ألّفها الدواني على بعض الكتب الفلسفية المدرسية كالتجريد والمطالع فلما كتب الحاشية القديمة عارضها صدر الدين الدشتكي فكتب الدواني (الحاشية الجديدة) وعارضها الدشتكي أيضاً فكتب الدواني الأجدّ وعارضها الدشتكي أيضاً ويقول صاحب الذريعة (… وهذه هي الحاشية الأولى الموسومة بالقديمة التي كتب السيد الأمير صدر الدين الدشتكي في الرّد عليها الحاشية القديمة ثم ألّف الدواني الحاشية الجديدة التي فيها دفع اعتراضات الدشتكي وسماها تعويذ المطالع وهذه القديمة والجديدة، كالقديمة والجديدة والأجدّ لشرح التجريد([224])… وسميت هذه الردود بالطبقات الجلالية للدواني والطبقات الصدرية للدشتكي وقام تلامذة المدرستين الدوانية والدشتكية بعدهما كلٌّ يدافع عن أستاذه ومدرسته حتى ظهور الدولة الصفوية واختيار قزوين في سنة 907 هجرية عاصمة للدولة وتقاطر العلماء إلى قزوين من كل حدبٍ وصوبٍ ومنهم غياث الدين منصور الثاني بن صدر الدين محمد الثالث الدشتكي المتوفى سنة 948 هجرية فانتقلت المطاحنات والمشاجرات بين المدرستين إلى قزوين ثم استوزر الدشتكي في سنة 936 هجرية أيام الشاه طهماسب الصفوي وظلّت قزوين إحدى محطات المشاجرات للمدرستين ثم استقال الدشتكي من الوزارة وهاجر إلى شيراز وبنى مدرسته المعروفة باسمه المدرسة المنصورية وأصبحت قزوين وشيراز مركزين لنقاش المدرستين حتى عام 1006 هجرية حين نقلت العاصمة من قزوين إلى أصفهان، وأصبحت (الكلمة) لصدر المتألهين الشيرازي المتوفى سنة 1050 هجرية الذي تمكن من توحيد هاتين المدرستين وتأسيس مدرسته الخالدة وأبدل الفلسفة النورية السهرودية التي كانت محمل نقاش وجدال بين المدرستين الدوانية والدشتكية بمدرسته الفلسفية ولم يتمكن أي من علماء الفلسفة أن يتحدى هذه المدرسة الخالدة أو يعارضها إلا جماعة قليلة منهم تلميذه ملا رجب علي التبريزي وتلميذه الآخر عبد الرزاق اللاهيجي المتوفى سنة 1051هـ وصهره على ابنته أم كلثوم([225]) في كتابه شوارق الإلهام المطبوع، كما عارضه الشيخ أحمد الأحسائي المتوفى سنة 1241 هجرية في شرحه على العرشية وشرحه الثاني على المشاعر المطبوعين ثم تلاه جماعة من تلامذته في الدفاع عن أستاذهم الأحسائي منهم السيد كاظم الرشتي المتوفى سنة 1259 هجرية والشيخ ملا علي البرغاني المتوفى سنة 1269 هجرية([226]) ودافع عن صدر المتألهين الفيلسوف الشهير الآغا علي الزنوزي المتوفى سنة 1307 هجرية في كتابه بدائع الحكم المطبوع في سنة 1314 هجرية. والذي بنى فيه على أصالة الوجود واعتبارية الماهيّات خلافاً للسهروردي والقدماء ثم ردّ عليه الفيلسوف المعاصر الشيخ محمد صالح المازندراني في كتابه (ودائع الحكم في رد بدائع الحكم) الذي اختار فيه رأي القدماء كابن سينا والسهروردي والخواجة نصير الدين الطوسي وعبد الرزاق اللاهيجي وغيرهم من القول بأصالة الماهية واعتبارية الوجود فشرح فيه رسالة للخيام في أصالة الماهية ثم قال إن دفع شبهة ابن كمونة (وهو دليل الثنويين لإثبات المبدأين المتضادّين) لا يحتاج إلى الالتزام بأصالة الوجود بل يندفع بدليل الفرجة المنقول عن الإمام الصادق(ع) ثم عاضد المازندراني في هذه الفكرة أيضاً الفيلسوف المعاصر محمد رضا بن محمد تقي الأصفهاني الحائري في كتابه (تنبيه الغافلين عن معرفة أجل أصول الدين) المطبوع سنة 1379 هجرية.
وقد ظهرت في أوائل العقد الثاني من القرن الثالث للهجرة بعض التيارات الفلسفية المعارضة لصدر المتألهين الشيرازي منها مدرسة قرّة العين الشهيرة المقتولة في سنة 1286 هجرية والتي عُرِفَ أتباعها ومريدوها بالقرتية([227]) حيث أجرت قرة العين بعض الإصلاحات في آراء الشيخ أحمد الأحسائي المتوفى سنة 1241 هجرية والتعديلات المنحازة إلى صدر المتألهين الشيرازي وقام تلامذة المدرسة القرتية بعدها بالدفاع عن أستاذها وجرت المشاجرات والمطاحنات في الحوزات العلمية الشيعية بين معارضين ومؤيدين حتى أواخر العصر القاجاري ومطلع الحكم البهلوي الأول ومن أهم أعلام هذه المدرسة الشيخ ملا علي البرغاني المتوفى سنة 1269 هجرية والشيخ جعفر البرغاني نجل الشهيد الثالث المتوفى سنة 1306 هجرية([228]) وشيخ الإسلام الشيخ رضا البرغاني القزويني والسيد موسى الزرآبادي القزويني([229]) ثم انشق عن هذه المدرسة جماعة من المتطرفين منهم الميرزا مهدي الأصفهاني والشيخ الميرزا مجتبى القزويني السنائي المتوفى سنة 1386 هجرية([230]) تلميذ السيد موسى الزرآبادي القزويني ومركزهم اليوم مدينة مشهد وتُعْرَف مدرستهم بمدرسة تفكيكي، أو مكتب تفكيك.
هذه هي أهم الحركات المعارضة لمدرسة صدر المتألهين الشيرازي المتوفى سنة 1050 هجرية وعلى رغم بعض المناقشات والمطاحنات الطفيفة التي مرّ ذكرها عاشت مدرسة صدر المتألهين الشيرازي حتى عصر النهضة الحديثة والحضارة الأوروبية ولم تتمكن هذه المدارس الفلسفية المعارضة. من الصمود أمام المدرسة الشيرازية العملاقة وقد ذهب أغلب المعاصرين في الحوزات العلمية الشيعية وخاصة حوزة مدينة قم التي تعتبر بعد الثورة الإسلامية في إيران أكبر وأعظم الحوزات العلمية والمدارس الشيعية في العالم بتدريس فلسفة صدر المتألهين الشيرازي، وفي زيارتي الأخيرة إلى قم لم أجد مدرسة فلسفية معارضة لمدرسة صدر المتألهين الشيرازي، وكل ما رأيت هو أن أحد المدرسين يدرّس الشفاء والفلسفة السينائية ولم يكن درسه حافلاً بالطلاب.
عبد الحسين الصالحي
تعليق على بحث (الإخوان الإلاهيّون)
جاءنا هذا التعليق بعد صدور الطبعة الخامسة وفيها بحث (الإخوان الإلاهيون)
إن كاتب المقالة قد نصّ على وجود صلةٍ فكريةٍ بين الشيخ أحمد الأحسائي وقرّة العين، وبينها وبين صدر الدين الشيرازي الفيلسوف المنادي بالحكمة المتعالية، يقول كاتب المقالة: «أجرت قرة العين بعض الإصطلاحات في آراء الشيخ أحمد الأحسائي المتوفى سنة 1241هـ والتعديلات المنحازة إلى صدر المتألّهين الشيرازي. وقام تلامذة المدرسة القرتية بعدها بالدفاع عن أستاذها، وجرت المشاجرات والمطاحنات في الحوزات العلمية الشيعية بين معارضين ومؤيدين حتى أواخر العصر القاجاري ومطلع الحكم البهلوي الأول».
والواقع أن ما يقوله بعضهم عن تأثر محمد علي الباب بشيء من أفكار الأحسائي مما يحتاج إلى دراسة موضوعية محايدة، وكذلك ما يقال عن انحياز قرة العين إلى آراء صدر الدين الشيرازي. صحيح أن عدداً من العلماء قد اختلفوا مع الشيخ الأحسائي في بضعة آراء كان قد ضمنها كتابه «شرح الزيارة الجامعة» ولقي من جراء ذلك حملة شديدة. لكن ما يقال من امتداده في آراء محمد علي الباب موضع نقاش وجدال، يتطلب دراسة تعتمد الحقائق والوثائق.
إن الخصام الذي حدث في الأوساط العلمية الشيعية حول الشيرازي (ت1050هـ) والأحسائي (1241هـ) غير مربوط بقرة العين ولا بالبابية أو الهائية، إذ كان الخلاف مباشراً بين الشيرازي والأحسائي ـ كلا على حدة ـ وبين طائفة من العلماء الذين كانوا يحملون على الفلسفة ويؤاخذون هذين الرجلين على بعض ما صدر منهم من آراء. وعلى هذا فالمسألة غير مرتبطة بقرة العين في الأساس… خاصة وأن أشدّ ما كان يثير في سلوك هذه المرأة هو ما تجاهرت به من مخالفة للشريعة والعرف والعقل. وما كانت تدعيه من نسخ الشريعة الإسلامية ولزوم نبذها.
يقول الكاتب بعد العبارات التي نقلناها آنفاً: «ومن أهم أعلام هذه المدرسة [أي القرتية]: الشيخ ملا علي البرغاني المتوفى سنة 1269 هجرية، والشيخ جعفر البرغاني نجل الشهيد الثالث المتوفى سنة 1306 هجرية، وشيخ الإسلام رضا البرغاني القزويني، والسيد موسى الزرآبادي القزويني. ثم انشقّ عن هذه المدرسة جماعة من المتطرفين منهم الميرزا مهدي الأصفهاني، والشيخ الميرزا مجتبى القزويني السينائي المتوفى سنة 1386 هجرية تلميذ السيد موسى الزرآبادي القزويني. ومركزهم اليوم مدينة مشهد، وتُعرَف مدرستهم بمدرسة تفكيكي أو مكتب تفكيك».
وفي عبارات الكاتب هذه العجب ما لا يكاد ينقضي، حين جعل هؤلاء الأعلام أشياعاً لقرة العين وتابعين لها، وحكم على طائفة منهم بأنهم متطرفون منشقون.
وهؤلاء الرجال الذين اشتبه فنسبهم إلى القرتية فيهم معاصرون لها هم من أسرة البرغاني نفسها، وفيهم غيرهم. وهم أعلام كبار ومجتهدون فحول ومجاهدون معروفون بالمعرفة الإسلامية الأصيلة وبالاستقامة والتّقى… توفي آخرهم عام 1386هـ.
أما موقف آل البرغاني من ابنتهم فكان مخالفاً منذ البدء. وقد عرفنا مقتل عمها الشهيد الثالث على يد أتباعها بتحريضٍ منها، وعرفنا فرار بعض أفراد أسرتها إلى العراق لما لاقوا من عنتٍ ومن إحراجٍ اجتماعيّ كبيرٍ. صحيح أن بعض رجال آل البرغاني كان يميل إلى مدرسة الملا صدرا الشيرازي الفلسفية التي جمعت بين الفلسفة والعرفان والنص القرآني والحديثي… لكنهم منفصلون عن هذه المرأة.
وقاصمة الظهر في مقالة الكاتب أنه عدّ أعلام «مدرسة التفكيك» منشقّين عن القرتية. أي أنهم كانا أتباعاً اختلفوا معها في بعض القضايا، وكوّنوا لأنفسهم اتّجاهاً خاصّاً، ولا ندري إلى أي دليل استند الكاتب في إلقاء هذه الآراء… ذلك أنه ما ثمة أية رابطة ـ من قريبٍ أو بعيدٍ ـ للمرحوم الميرزا مهدي الأصفهاني والأعلام الآخرين المذكورين بعده في المقالة بتلك المرأة.ومن يرجع إلى سيرة الميرزا الأصفهاني رضوان الله عليه (1303 ـ 1365) يجده مبرأ تماماً من الاتصال بخط القرتية إذ هاجر إلى النجف الأشرف وهو في الثانية عشرة من عمره للدرس والتحصيل. وهناك تتلمذ منذ يفاعته على المرحوم السيد إسماعيل الصدر، والآخوند الخراساني، والسيد محمد كاظم اليزدي رضوان الله عليهم. وفي هذه المرحلة المبكرة من حياته اتصل ـ في السير والسلوك ـ بالسيد أحمد الكربلائي، والعالم الأخلاقي الجليل الملا حسين قلي الهمداني، كما كانت له صلة بالأستاذ السيد علي القاضي والسيد جمال الدين الكلبايكاني.
ولدى بلوغه الثلاثين من العمر دخل الميرزا الأصفهاني في مرحلة جديدة امتدت سبع سنين، تحول فيها من النهج العرفاني والإشراقي إلى النهج النصي الذي يعتمد القرآن والحديث مصدراً للمعرفة من خلال تزكية النفس وتطهير الباطن… بعيداً عن الفلسفة والعرفان.
وقد ظلّ المرحوم الأصفهاني وفيّاً لنهجه هذا، وانتقل إلى مشهد المقدسة سنة 1340هـ، وأقام بها حتى وفاته عام 1365هـ يؤسس مدرسة للقرآن والحديث، فأوجد حركة فكرية تخرّج فيها عددٌ من أكابر العلماء وفحول المجتهدين أمثال السيد حسن الحائري، والميرزا علي أكبر نوقابي، والسيد صدر الدين الصدر، والشيخ هاشم القزويني، والميرزا جواد الطهراني، والشيخ حسن علي مرواريد… وغيرهم كثير.
وقد أطلق بعض المعاصرين على هذا الاتجاه «مدرسة التفكيك»، ويريد به فصل القرآن والحديث عما علق بهما من تفسيرات فلسفيةٍ أو عرفانيةٍ أو سواهما، مع عنايةٍ ملحوظةٍ بالعقل وبأصول الفقه.
إننا ـ من موقعنا العلمي والتحقيقي في مجمع البحوث الإسلامية ـ نناشدكم أن تسارعوا إلى تصحيح الغلط وإثبات ما هو واقع وحقّ.
مدير مجمع البحوث الإسلامي
علي أكبر إلهي الخراساني
المدرسة التفكيكية
مرّ في بحث الأستاذ الصالحي ذكر المدرسة التفكيكية (مكتب تفكيك) ومرّ تعليق على هذا البحث وقد كتب الأستاذ الشيخ محمد رضا الحكيمي بحثاً عن هذه المدرسة قدم له الأستاذ الشيخ عبد الجبار الرفاعي بكلمة، ونحن ننشر هنا تقديم الأستاذ الرفاعي ثم بحث الأستاذ الحكيمي، تعريفاً بما سمّوه المدرسة التفكيكية وآراء أصحابها.
المدرسة التفكيكية مصطلح نحته الشيخ محمد رضا حكيمي للتعبير عن منهج معرفي بدأ يتبلور في الحوزة العلمية في خراسان «مشهد» في القرن الرابع عشر الهجري، وأسهم في إرساء أسسه وإشادة هيكله طائفة من الأعلام، في طليعتهم السيد موسى زرآبادي القزويني (1294 ـ 1353)، والميرزا مهدي الأصفهاني (1303 ـ 1365هـ)، والشيخ مجتبى القزويني (1318 ـ 1386هـ)، والشيخ محمد رضا حكيمي (1354هـ….)، الذي حاول أن يصوغ المعالم الأساسية لهذه المدرسة، ويحشد أفكارها ومفاهيمها في بيان نظري.
لقد أثار هذا البيان التفكيكي عاصفة حادة من السّجال بين الباحثين والدارسين في أروقة الحوزات العلمية والجامعات في إيران. وتنوّعت ردود الأفعال بشأن بيان حكيمي، وباتت الدوريات والصحف كل منها ينشد لحناً، فبينما تحمس البعض معتبراً منهج التفكيك، هو المنهج القويم الذي سيحرر معارف الوحي «الكتاب والسّنّة» من بصمات الفكر الوضعي، أسرف آخرون في مهاجمة هذا المنهج، حتى وسموه بأنه محاولة نظرية جميلة، غير قابلة للتحقق في المعارف الإسلامية والمعرفة البشرية برمّتها، لأن كل قراءة للنص منحازة، وليس بوسع أي قارىء للكتاب والسنة الشريفة أن يتحرر من قبلياته ووعيه الأيديولوجي وما يغطس في لاوعيه من رؤى ومواقف، تعمل على توجيه فهمه للنص.
حسب أن «بيان التفكيك» وبقطع النظر عن صواب أو خطأ الأسس والنتائج التي انتهى إليها صاحبه فهو يستأنف الحوار العلمي في أعمق إشكالية من إشكاليات التفكير الإسلامي المتجددة، وهي: ترسيم نمط العلاقة بين العقل والنقل ومعرفة حدود كل منهما. تلك الإشكالية التي لم يفرغ الفكر الإسلامي من بيان موقف نهائي منها حتى هذه اللحظة، مضافاً إلى أن بعض مناهج التفكير الإسلامي الراهنة، مثل «مدرسة إسلامية المعرفة» التي يدعو لها جماعة المعهد العالي للفكر الإسلامي، تخلص إلى نتائج توشك أن تتطابق مع ما انتهى إليه الأستاذ حكيمي في «بيان التفكيك»، من تمحيص معارف الوحي من تأثيرات المنطق والفلسفة اليونانية والقراءات التأويلية للفلاسفة والمتصوفة والعرفاء.
تهدف المدرسة التفكيكية حسب تعبير الأستاذ حكيمي إلى فهم المعارف القرآنية فهماً خالصاً نقيّاً، بعيداً عن عملية التأويل، التي تصطبغ بها علوم السماء بالمذاهب والمدارس، والنحل البشرية المختلفة، ذلك أن المعارف تارةً تكون هجينة وأخرى تبقى خالصة، فمثلما يمتزج العرفان بالفلسفة، والفلسفة بعلم الكلام، فإن المعرفة القرآنية اندمجت في آثار الفلاسفة بالتفكير الفلسفي، وفي آثار المتكلمين بالتفكير الكلامي، وهكذا في آثار العرفاء والمتصوفة. والمنهج الذي تبشّر به المدرسة التفكيكية يدعو إلى فرز هذه المعارف وغربلتها، وتنقية فهم القرآن الكريم والسنة الشريفة من أدوات غريبة عليهما، لأن المصدر الأصيل لفهم الدين والتديّن هما الكتاب والسنة.
ويشدّد الأستاذ حكيمي على أن القرآن له منطقه ومنهجه الخاص في الفهم، وأن أدوات تفسيره وبيانه ينبغي استخلاصها منه، وأية محاولة لاستعارة أدوات أجنبية عن الوحي الإلهي تقضي إلى تعسّف في فهم النص وانتزاع مدلولات لا تقولها الألفاظ، وإنما هي تأويلات تسوغها قراءة النص بأدواتٍ غريبةٍ عنه. وهنا ينبه حكيمي إلى مسألة بالغة الأهمية وهي أن كل مذهب يجب أن تفهم تعاليمه بمنطقه الخاص وليس بمنطق آخر لا يمتّ بصلة إليه.
تتّسع المدرسة التّفكيكيّة ـ حسب حكيمي ـ لتشمل الرؤية الكونية، والنظام المعرفي، والصياغة الفكرية، والأساس العقائدي، ومنهج التفكير، الذي يرسم حدوداً فاصلةً تميز المفاهيم والأفكار البشرية أو الهجينة من جهة، عن مفاهيم ومعارف السماء من جهة أخرى. بمعنى أنه يجب تمحيص المعرفة الإسلامية، والابتعاد عن القراءات التأويلية أو التلفيقية أو التوفيقية للكتاب والسّنّة، والاقتصار على منطق الكتاب والسّنّة في تفسيرهما وبيانهما.
هذا تلخيصٌ شديدٌ لمنهج التفكيك وما يهدف إليه، وسنلتقي في بحث الأستاذ الحكيمي بالمرتكزات الرئيسية لهذا المنهج، وآفاقه، وشيء من تاريخه ومساره وما يصبو إليه في قادم الأيام.
إن منهج التفكيك من مناهج المعرفة الإسلامية الجديرة بالدراسة والتأمل، خاصة في عصر طغيان المعرفة الغربية وسيادتها خارج بيئتها وفضائها الجغرافي المحلي، إثر التطور الهائل في وسائل الاتصال. غير أن هذا المنهج يحتاج إلى مزيد مناقشة وتحليل وتفكيك، فمثلما يريد هو تفكيك التراث وإعادة تشكيله من منظورٍ مختلفٍ لا بدّ أن نفككه، ونتعرف على أدواته، ونحاكم أداءه العملي. فهل يمكن الحصول على معرفة نقية خالصة لا يطبعها الإطار الحضاري والزمان والمكان؟ وهل استطاع الأخ محمد رضا حكيمي أن يتخلص من تأثيرات بيئته ومحيطه وثقافته ونمط حياته في بيانه التفكيكي؟
بقي أن نقول أن مصطلح التفكيك الذي استعاره الأستاذ علي حرب وغيره من المثقفين العرب من المفكر الفرنسي الجزائري الأصل جاك دريدا، هو مصطلح آخر في التفكيك ظهر في كتابات دريدا، وشاع تداوله في العقد الأخير في بعض كتابات النخبة العربية وما فتىء النقاد في العالم العربي يتناقشون في إمكانية الإفادة منه وتوظيف أدواته في الأدب والتراث.
ويجيء نشر بحث المدرسة التفكيكية بهدف إثراء الحوار بشأن واحدة من أبرز المسائل الإشكالية في الفكر الإسلامي، وهي مسألة العلاقة بين العقل والنقل، والموقف من معارف وفكر الآخر أو علوم الأوائل مثلما كان ينعتها القدماء.
عبد الجبار الرفاعي
آراء جماعة المدرسة التفكيكية([231])
التفكيك في اللغة بمعنى الفرز والفصل والتنقية. وجعل الشيء خالصاً. ومدرسة التفكيك هي مدرسة تُعْنى بضرورة التفكيك بين ثلاثة مسالك معرفية في تاريخ الفكر الإنساني وهي:
المسلك القرآني، المسلك العرفاني، والمسلك الفلسفي.
تهدف هذه المدرسة أساساً إلى فهم المعارف القرآنية فهماً خالصاً ونقيّاً بعيداً عن عملية التأويل، والمزج بينها وبين الأفكار والمذاهب والنحل الأخرى. وكذلك بعيداً عن التفسير بالرأي وعن محاولات التحويل والإسقاط كي تبقى حقائق الوحي وأسس ومنطلقات «العلم الصحيح» نقية ومصونة لا تعكر صفوها معطيات الفكر الإنساني ولا يشوبها الذوق الإنساني.
نكتفي بهذا القدر من التعريف المجمل «لمدرسة التفكيك» وأهدافها وتطلعاتها تفادياً للإطالة وتوخّياً للإيجاز. فالمهم أن تتّضح الفكرة وتتحدد وهنا نورد عدة مقدمات من شأنها توضيح الفكرة الأساسية أكثر فأكثر:
1ـ المعارف: المعارف جمع معرفة ويُراد بها في اصطلاح العلوم الإسلامية «المعارف الاعتقادية» كمعرفة «المبدأ» و«المعاد» ومعرفة الأصول والمسائل الأخرى المساوقة لها، كالنبوة وخصائصها وحقيقة الوحي وطريق الوصول إلى «علم الوحي»، ومعرفة الولاية وخصائصها وكيفية الإفادة منها، وحقيقة الكون والوجود، ومعرفة حقيقة العالم، وأنواع العوالم، والروح والنفس والجسم والعقل والعلم، والسر في ارتباط الأرواح بالأبدان، والملائكة وأقسامها، وحقيقة الخلق والإيجاد والتقدير، والتشريع والتكليف، وحقيقة العبادات، وحقيقة السعادة والشقاء، وحقيقة التكامل، وحقيقة الموت والمراحل التي تلي مرحلة الموت، والبرزخ والمعاد والغاية التي تنتهي إليها المسيرة الإنسانية والهدف إلغائي للخلق وكيفية بلوغه… وغير ذلك من المسائل والمقولات التي تدخل في مجال الاعتقادات.
2ـ أقسام المعارف: يمكن تقسيم المعارف إلى قسمين رئيسين:
الأول: المعارف الخالصة والنّقيّة.
الثاني: المعارف الممتزجة «الهجينة».
وبدورها تنقسم المعارف الخالصة إلى عدة أقسام:
أ ـ المعارف القرآنية الخالصة.
ب ـ المعارف الفلسفية الخالصة [بمختلف أنماطها].
ج ـ المعارف العرفانية الخالصة والنقية [بأشكالها المتعددة].
أما المعارف الممتزجة فهي أيضاً على عدة أقسام:
أ ـ المعارف الممتزجة «القرآنية ـ الفلسفية».
ب ـ المعارف الممتزجة «القرآنية ـ العرفانية».
ج ـ المعارف الممتزجة «القرآنية ـ الكلامية».
د ـ المعارف الممتزجة «الفلسفية ـ العرفانية» وهذه الأخيرة تندرج تحتها الأقسام التالية:
الفلسفة المشائية ـ العرفانية.
الإشراقية ـ العرفانية.
الأفلوطينية ـ العرفانية.
وإلى غير ذلك من المعارف الممتزجة من مجموعة رؤى من قبيل: «الفلسفية ـ العرفانية ـ القرآنية».
الشوق إلى المعرفة والاجتهاد في طلبها
النقطة الأخرى التي أود الإشارة إليها على نحو الإجمال هي أن جذوة الشوق إلى العلم والمعرفة المتوغلة في أعماق النفس الإنسانية لم ينطف أوارها ولم يخمد لهيبها بل ظلّت متّقدة ومتوهّجة باستمرار. ومن هنا نجد أن الإنسان طيلة تاريخه المديد لم يكف عن الفحص والتدقيق والتّتبّع في سبيل التعرف على الأمور واستكانه الحقائق. وراح يسبر أغوار الفكر بتأملاته ورياضاته الفكرية خاصة فيما يرتبط بحقيقة النفس الإنسانية والظواهر المتعلقة بها. والمفكرون والمتأملون ورواد المعرفة وطلاب العلم لم يألوا جهداً على طول الخط ولم يتوانوا في طلب الحقيقة بل تراهم متواصلين في رفد المسار العلمي والمعرفي الذي اختطّته البشرية منذ فجرها الأول.
فكانت ثمرة الشوق إلى المعرفة والاجتهاد في تحصيلها الذي جبلت عليه النفس الإنسانية هي كل هذه الفِرَق والمذاهب والنحل والاتجاهات الفكرية، التي زخر بها التاريخ الإنساني منذ قديم الزمان وليومنا هذا وفي كل بقعة من بقاع العالم. هذا إذا ما استثنينا المذاهب والتيارات التي ابتدعتها السياسة وزرعتها الحكومات وروّجت إليها والتي هي بدورها أيضاً تنشأ من نفس تلك الخصيصة الروحية للإنسان، التي جُبِلَ عليها.
الإيجابيات والسلبيات
الشوق إلى المعرفة والتطلع إليها والاجتهاد في طلبها ـ وإن كان بحدّ ذاته أمراً حسناً وجميلاً وبنّاءً ـ إلا أنه إلى جانب النتائج الإيجابية التي أسفر عنها توافر على جملة من النتائج السلبية والآثار المخربة وهنا قد تتساءل لماذا وكيف؟
الجواب: لأن التاريخ الإنساني على طول امتداداته العميقة والموغلة في القدم حفل بالعديد من المفكرين والعلماء والمتأملين والمتمرسين في مجالات الفكر والمعرفة الذين يختلفون فيما بينهم في مواليدهم وظروفهم وأمزجتهم وقابلياتهم وخلفياتهم وسلوكياتهم وطباعهم، وهم على ما فيه من الاختلاف والتباين انتهجوا طريق الفكر والتأمل وجدّوا واجتهدوا في سبيل تحصيل العلم والمعرفة وسبر أغوار الحقيقة، لكنهم لم ينهلوا من معينٍ واحدٍ ولم يسلكوا طريقاً آمناً بل تعددت طرائق المعرفة عندهم، وكانت النتيجة أن وصلوا إلى نتائج مختلفة ورؤى متعددة قد تصل في بعضها إلى حدّ التناقض أو التّضادّ. وما يحفل به التاريخ الإنساني من تعدد في المسالك والمشارب والمدارس والاتجاهات والتيارات الفكرية والمعرفية والسلوكية ـ الفردية منها والاجتماعية ـ منذ القدم وليومنا هذا خير شاهدٍ على حقيقة ما أشرنا إليه كواقع لم تخلُ منه الحياة الإنسانية في جميع الأعصار والأدوار.
بناءً على ما تقدم نقول أن ما بذلته الإنسانية من جهود وما كابدته من عناء في سبيل العلم والمعرفة يتوافر على جانب إيجابي ونافع وجانب سلبي وضارّ. وبعبارة أخرى كل هذه الجهود لها نتيجة ذاتية وجوهرية وأخرى جانبية وعرضية. النتيجة الإيجابية الذاتية هي نفس الحركة والنشاط والفاعلية التي يبديها الإنسان المفكر في طلب العلم واستكناه الحقائق وكسب المعرفة. وأما النتيجة الجانبية العرضية لتلك الجهود ـ الضارة ـ فهي ظهور النحل والتيارات التي تؤدي بدورها إلى الاختلاف والفرقة وما ينتج عن ذلك من آثار سيئة.
المدارس المعرفية
في ظلّ السياقات التي أشرنا إليها ظهرت في تاريخ الفكر الإنساني ثلاثة اتجاهات معرفية وعقيدية، هذه الاتجاهات الثلاثة يمكن أن نعتبرها اتجاهات رئيسية تضم إليها جميع التيارات الفكرية والمعرفية والعقيدية والسلوكية التي حفل بها تاريخ الفكر. وكل تلك التيارات والنحل والمذاهب يمكن ردّها إلى أحد هذه الاتجاهات:
1 ـ مدرسة الوحي (الدين ـ القرآن).
2 ـ مدرسة العقل (الفلسفة ـ البرهان).
3 ـ مدرسة الكشف (الرياضة ـ العرفان)([232]).
تعتقد المدرسة الأولى بأن الحقائق العلمية والمعرفية لا تكون صحيحة إلا إذا كانت مستقاة عن طريق الوحي الإلهي والعلم الرّبّاني (وذلك لأن «خالق الحقائق» هو العالم بالحقائق فحسب. وهو الذي يجب عليه أن يعلّم الحقائق ويعرّف بها «عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ»([233]) ويجب أن لا تمتزج هذه الحقائق بأفكار وتصورات أخرى ولا يطالها «الالتقاط» ولا التحريف ولا التأويل (باستثناء بعض الموارد الضرورية النادرة يمكن القول أن التأويل هو صورة أخرى من صور التحريف ـ التحريف المعنوي ـ) (وبالطبع لا بد من تعقّل هذه الحقائق الصادرة من الوحي). أما المدرسة الثانية فترى أن العقل هو طريق الوصول إلى المعرفة بما يتوافر عليه من إمكانات وأدوات وآليات. فيما تعتقد المدرسة الثالثة بأن طرق الوصول إلى الحقائق وتحصيل المعرفة هو الكشف، بما لديه من أدوات وإمكانات وآليات.
وبكلمة بديلة أن الاتجاه الأول يرى أن تكوين رؤية متكاملة من الدرجة الأولى عن الكون وما فيه من حقائق متعالية([234]) لا يتمّ إلا عن طريق الوحي، فيما يرى الاتجاه الثاني أن العقل هو الذي يتكفل بإعطاء مثل هذه الرؤية، وأما الاتجاه الثالث فيتمسك بالكشف.
وهنا أرى من الضروري الإشارة إلى أن البعض من أتباع الاتجاه الثاني يسلم بأن قدرة العقل في الكشف عن الحقائق محدودة (ويقوى هذا الرأي لدى الفلاسفة الغربيين على وجه الخصوص) كما أن هناك من أصحاب الاتجاه الثاني والثالث من يسعى إلى التوفيق بين معطيات الاتجاه الذي يتبناه ومعطيات الاتجاه الأول (مدرسة الوحي) فتراه يؤول ويبرر جهد الإمكان لإثبات التطابق بينهما من دون أن يعترف بوجود أي تعارض أو تضاد بين الاتجاهين.
كما أنه لا يستشعر الاختلاف الماهوي الموجود بين العلم الصادر عن الوحي والعلم الصادر عن غير الوحي وهذا يعود إما لأنسه وتعلقه بتلك المفاهيم والمصطلحات، أو لإيمانه بأساتذة تلك العلوم والمصطلحات، أو لأنه يتجاوز هذا الاختلاف البين بطريقة أو بأخرى من دون الالتفات إليه أو يستعين بالتأويل في التغاضي عنه.
نظرة عامة إلى الفلسفة الإسلامية
لا بد من التذكير بهذه النقطة وهي أن أصحاب «المدرسة التفكيكية» لا ينكرون بأي حال من الأحوال حقيقة قائمة بذاتها تدعى «الفلسفة الإسلامية» أو «العرفان الإسلامي» [بشقيه النظري والعملي] بل هم يسلمون بوجود الفلسفة الإسلامية والعرفان الإسلامي كما يسلمون بالطب الإسلامي والأدب الإسلامي وفن العمارة الإسلامية. و يعتقدون أنه في التاريخ الإسلامي وفي ظل الخلافة الإسلامية ظهرت حضارة إسلامية عظيمة أتحفت البشرية بعطائها الوافر. وفي ظل هذه الحضارة ولدت الفلسفة الإسلامية والعرفان الإسلامي، وظهر فلاسفة وعرفاء عظام أضافوا للفكر الإنساني تراثاً ضخماً، وهذه حقيقة لا يمكن إغفالها. وأما مؤرخو الفلسفة الذين أنكروا الفلسفة الإسلامية فهؤلاء إما أنهم يصدرون من سوء نيّةٍ وإغفالٍ متعمدٍ وإما أنهم لم يحصلوا على معلوماتٍ كافيةٍ ولم يطلعوا على نصوصها.
من هنا يتبين لنا أن المدرسة التفكيكية لا تنكر وجود فلسفة باسم الفلسفة الإسلامية فحسب بل تعتبرها من أغنى التيارات الفكرية على طول التاريخ. فهي بالإضافة إلى توافرها على التراث الفلسفي والفكري القديم وعلوم الأوائل استطاعت من خلال تواجدها في الإطار الإسلامي أن تفيد من الفكر التوحيدي وتتغذى من روافده فتصبح أكثر غَناءً وأكثر عمقاً وأن تتبلور في عدة مذاهب فكرية وفلسفية([235]) بحيث لا يمكن أن نعدّها يونانية أو هندية أو اسكندرانية بالكامل. بل يجب أن نقول عنها «الفلسفة المشائية الإسلامية» أو «الفلسفة الإسكندرانية الإسلامية».
إذن ما هي دعوى «المدرسة التفكيكية»؟
الجواب هو: أن مدرسة التفكيك بعد أن قامت بدراسة تحليلية لهذه الفلسفة ولهذا العرفان وأجرت عملية تصنيف للنصوص الموجودة، وبعد الوقوف على الجذور والخلفيات التي يستند إليها كل من العرفان والفلسفة، ومع الأخذ بنظر الاعتبار حركة الترجمة التي شهدها العالم الإسلامي آنذاك، وانتقال العلوم اليونانية بفعل هذه الحركة وانضمامها إلى دائرة العلوم الإسلامية هي من سنخ الحضارة الإسلامية أي أنها ولدت في محضن المراكز والحواضر غير الإسلامية، أقول بعد هذا كله، فإنها تنظر إلى الفلسفة الإسلامية في نشوئها وتبلورها على أنها نسجت على منوال الحضارة التي سبقت الإسلام، ونمت وترعرعت في ظل الإسلام واصطبغت بصبغته وخضعت لعملية تنقية وتكرير وإعادة صياغة من قبل المفكرين والفلاسفة والعرفاء المسلمين بما حملوه من ذهنيةٍ وقّادةٍ ومبدعةٍ. وهذا ما صرح به مؤرخو الفلسفة وتشهد له نفس النصوص الفلسفية شريطة أن يكون القارىء واعياً للخلفيات والجذور التاريخية لمسائلها، ولمسار التحولات والتطورات التي اختطّتها على طول التاريخ عبر مختلف المحطات والحواضر التي مرّ بها.
فكما أن الحضارة الإسلامية في جميع مظاهرها قد توافرت على تراث الأقدمين، وكان دور المسلمين أن قاموا بتنضيج وتطوير هذا التراث [بدءاً بعمارة المساجد وحتى النظام الإداري والمالي للحكومات الإسلامية] كذلك الحال بالنسبة إلى الفلسفة والعرفان.
والملفت للنظر أن كبار الفلاسفة المسلمين قد صرح بهذه الحقيقة التي سنشير إليها في طيّات البحث فيما بعد.
وهنا أسترعي انتباه القارىء العزيز للتوقف قليلاً عند إثارة جديرة بالاهتمام والتي لا بد من بحثها في محلها وهي: إن ذلك الإنسان القرآني والمجتمع القرآني و«المدينة المتعالية» (مدينة الأعلون)([236]). جميع هذه المنظورات القرآنية التي أراد القرآن الكريم أن يؤسسها تحت إشراف «المعصوم» تجدها بعيدة كل البعد عما تحقق بالفعل في الخلافة والحكومات الإسلامية التي شهدها التاريخ الإسلامي. فهناك بون شاسع بين الإنسان والمجتمع اللذين رباهما معاوية وبين الإنسان والمجتمع اللذين كان الإمام علي(ع) ينشدهما، بين إنسان يزيد ومجتمع يزيد وإنسان الحسين(ع) ومجتمعه. فلو قُدِّر لنظام الإمامة أن يستقرّ ويحكم بعد وفاة الرسول لأمكن حينئذٍ أن يتحقق ذلك الإنسان وذلك المجتمع [القرآنيات] ولصارت البشرية إلى مصير آخر غير المصير الذي آلت إليه، ولأضحت البشرية تسبح في ذرى السعادة الأبدية بدل التّيه والغفلة والشقاء الذي عاشته والذي تحياه في واقعها المعاصر. والآن نعود إلى واقعنا المعاصر وإلى ما حدث من مجريات طيلة 1400 عام من التاريخ. الحقيقة هي أن هذه الحضارة وهذه الحياة وهذا الاقتصاد وهذه الأساليب المتبعة في تحصيل المعرفة والبحوث الفلسفية والعرفانية كلها تدخل ضمن مقولة الحضارة الإسلامية». وهنا لا بد من التنويه بأن المدرسة التفكيكية مهمتها التفكيك وليس التعطيل. ومعنى ذلك أنها ترى أن الفلسفة والعرفان في الجملة لا بالجملة طريقان يختلفان عن طريق القرآن وإن كانا متأثرين به([237]). وهذا ما ينبغي لطلبة وأساتذة هذين الحقلين من المعرفة أن يلتفتوا إليه ويأخذوه بنظر الاعتبار.
وأرجو أن لا يحمل كلامي هذا على أنه دعوة لترك دراسة وتعلم الفلسفة. إذ أن أصحاب المدرسة التفكيكية لا يمانعون من أن يدرس الطلبة النابهون المطلعون على المباني والأسس القرآنية والحديثية ولو على وجه الإجمال هذا الحقل من المعرفة شريطة أن لا يكون الأساتذة من المقلدين والمنبهرين بها. فلا يرهبوا أذهان وعقول الطلبة بل يدعونهم إلى ممارسة عملية التفكير بحرية وباستقلالية تامة من دون أي ضغوط وأن يطرحوا آراء الآخرين بلا خوف ومن دون تضعيف أو تحريف، كما يجدر بهم أن يكونوا متوافرين على قسط من المعارف القرآنية. والحديثية الخالصة ليعلموها طلبتهم. إذن ملخص الكلام هو ما قيل: أنه «لا تعبد في العقليات».
وماذا عن الفلسفة الإسلامية؟ يكتب مؤرخو الفلسفة الإسلامية:
«… الفلسفة الإسلامية بحرٌ عظيمٌ يشتمل على مذاهب وتيارات فكرية وعقلية عديدة تكونت وتبلورت من خلال تفاعل تعاليم الدين الإسلامي المبين مع الأفكار الفلسفية اليونانية والإيرانية والهندية، واستطاعت فيما بعد أن تتحول إلى نهضة مستقلة تركت أثاراً عميقةً في الفلسفة والعرفان الأوروبي والهندي، فبعد أن بدأت حركة الترجمة للكتب اليونانية والسريانية بالدرجة الأولى والسنسكريتية والفهلوية بالدرجة الثانية إلى إلغاء العربية، عكف جماعة من علماء المسلمين على مطالعة هذه الكتب ودراستها وتتلمذوا على يد أساتذة نصارى ويهود، خبراء بعلم المنطق والفلسفة اليوناية. ويقال أن أول فيلسوف في الإسلام هو «أبو العباس الإيرانشهري». إلا أنه لم يصلنا شيءٌ من آثاره».
وفي القرن الثالث للهجرة استطاع كل من يعقوب الكندي ثم الفارابي وأبو الحسن العامري وابن سينا أن يبلغوا بالمذهب المشائي إلى أوج كماله.
وقد حفلت تلك الفترة بمذاهب فلسفية أخرى اتّسمت بالنشاط والجدية كالإسماعيلية والهرمسية والأفلاطونية والفيثاغورية الجديدة.
وفي القرن السادس ظهرت المدرسة الإشراقية على يد شيخ الإشراق «شهاب الدين السهروردي». وبعد قرنٍ واحدٍ من الزمن قام الخواجه نصير الدين الطوسي بإحياء مدرسة ابن سينا.
وأخيراً وفي ظل التشيع أخذت هذه المذاهب والمدارس إلى جانب العرفان خصوصاً على طريقة ابن عربي بالاندماج والتفاعل فيما بينها بالتدريج، لتتبلور بالتالي على يد الميرداماد وصدر الدين الشيرازي على شكل مدرسة فلسفية جديدة. وإلى جانب هذه المسيرة المتواصلة التي اختطتها الحكمة الإسلامية كانت هناك مذاهب كلامية وأخرى عرفانية استطاعت أن تستمر في حركتها وتواصلها وكان لها آثارها ومعطياتها الفلسفية والأدبية.
هذا السرد التاريخي للفلسفة الإسلامية يكاد يتفق عليه جميع الذين أرخوا للفلسفة الإسلامية. كما أن كبار الفلاسفة المسلمين لم يروا أبداً من التسليم به باعتباره يشكل حقيقة لا مجال للتشكيك فيها. وأما في تواريخ الفلسفة فنقرأ ما يلي:
إن المعارف الإسلامية هي مجموعة العلوم الإلهية والبشرية المستقاة من معين الوحي الإلهي والمتشربة بذلك المبدأ الفياض، والتي أفادت في نفس الوقت من روافد متعددة أخرى عبر مسارها التاريخي، وأهمها تلك الروافد الوافدة من اليونان والإسكندرية وبلاد الروم وإيران والهند والصين. وبذلك تكوّن لدينا هذا البيان الضخم من المعرفة الدينية.
وكما أشرنا سابقاً فإن هذه الحقيقة التي صرح بها مؤرخو الفلسفة الإسلامية لم ينكرها أحد من الفلاسفة المسلمين. وهنا رأى من الضروري الإشارة إلى أسماء بارزة مثلت قمماً شاهقة في سماء الفلسفة الإسلامية بالرغم من أن تاريخ الفلسفة الإسلامية حفل بالعديد من الشخصيات العظيمة في هذا الفن. لكنّا على كل حال نقتصر على ذكر سبعة منهم:
1ـ أبو نصر الفارابي (ت339هـ).
2ـ إبن سينا (ت428هـ).
3ـ ابن رشد الأندلسي (ت595هـ).
4ـ شهاب الدين السهروردي (ت587هـ).
5ـ نصير الدين الطوسي (ت672هـ).
6ـ ميرداماد الحسني (ت1041هـ).
7ـ صدر المتألهين الشيرازي (ت1050هـ).
وهنا أرى من المناسب أن نسمي هؤلاء الفلاسفة بـ [حكماء الإسلام السبعة]. وفيما يخص ابن رشد لا بد من القول أنه يمكن التغاضي عن ذكر اسمه إلى جانب الستة الآخرين وذلك لتمحضه في شرح آراء أرسطو، لكنه مع ذلك عدّوه من أكبر فلاسفة القرون الوسطى وقالوا فيه: «يُعَد ابن رشد كما ابن سينا من الفلاسفة المشائين وكلاهما شرحا فلسفة أرسطو أكمل من ابن سينا خصوصاً في شرحه الكبير، بخلاف الفارابي وابن سينا اللذين كانا يفصلان نص أرسطو عن الشروح والتعليقات التي يكتبانها حول ذلك النص، ولهذا اكتسب ابن رشد شهرةً واسعةً في أوروبا، وكانت له مصنفات كثيرة دُوِّنَت باللغة العبرية واللاتينية، وقد تركت فلسفة ابن رشد تأثيراً كبيراً على الفلسفة اليهودية والمسيحية بفعل تلك التراجم)([238]).
وكان الشاعر الإيطالي الكبير «دانتي» يصف ابن رشد بهذه العبارة «ما كتبه الشارح الكبير». ويقصد بذلك شرحه لآراء وأفكار أرسطو.
هؤلاء هم أعلام الفلسفة الإسلامية الذين يمثلون تيارات الفلسفة الإسلامية ومن خلالهم يمكن أن نرصد المسار العام للفلسفة الإسلامية والمنعطفات والتحولات التي شهدتها. وقد تفاعلت التيارات بأجمعها إلى جانب عرفان ابن عربي في «الحكمة المتعالية» وتشكلت في إطار منظومة فلسفية خاصة بها. وبناءً على ذلك يعد البعض «صدر المتألهين» أكبر الفلاسفة المسلمين على الإطلاق كما يعد كتاب «الأسفار الأربعة» أعظم ما كتب في الفلسفة الإسلامية.
من مميزات العصر الذي عاشه صدر المتألهين والبيئة العلمية التي نشأ فيها هو أن علماء وأساتذة ذلك العصر كانوا قد جمدوا على النظريات التي كانت سائدة آنذاك حيث كانوا أشبه بالمقررين لمباني الحكماء المشائين. وإذا كان هناك من ينتمي إلى مدرسة الإشراق فلا يعدو أن يكون مقرراً للمواضيع والأبحاث الرائجة من دون أن يضيف عليها شيئاً يذكر. في مثل هذه الظروف أطلّ صدر المتألهين بأفقٍ جديدٍ ففاق معاصريه وأحاط بجميع عقائد وأفكار المتأخرين وأبدع بنفسه طريقة جديدة وخلف تراثاً عظيماً في المسائل الإلهية لا مثيل له ولا نظير.
لقد تضمنت الحكمة المتعالية التي جاء بها صدر المتألهين أكمل البراهين النظرية وأثمن القواعد الكشفية… إن كتب صدر المتألهين في مجال التحقيق في المسائل الفلسفية والتدقيق في معضلات الفن الإلهي أدقّ وأعمق بكثير من آثار وأفكار الشيخ الرئيس ابن سينا، ومن هنا نجد الكثير من المختصين بالفلسفة والعرفان يعدون كتاب «الأسفار الأربعة» ذروة ما توصلت إليه الفلسفة الإسلامية. وهنا أرى من الضروري أن نعطي صورة إجمالية عن الحكمة المتعالية.
لقد وضح صدر المتألهين الحكمة المتعالية في مقدمة «الأسفار» فعرفها بصراحة تامة وذكر مقوماتها وعناصرها الأساسية. نورد مقتطفات من تقديم الأستاذ الأشتياني لكتاب «الشواهد الربوبية» والتي تضمنت الإشارة إلى بعض تلك العناصر والمكونات: لقد استطاع صدر المتألهين من خلال تعمقه في آثار الفلسفة الإشراقية والمشائية، وتمرسه في علوم أهل الكشف وإلمامه بالمأثورات الواردة في الشريعة المحمدية الحقة، والسير في أفكار الأفلاطونيين الجدد منهم والقدماء، والإحاطة بجميع الأفكار والمشارب، أن يؤسس طريقة جديدة راجحة ومتقدمة على كل التيارات والمذاهب الفلسفية. حيث استطاعت هذه المدرسة أن تهضم الأفكار العميقة للشيخ الرئيس ولأتباع المدرسة المشائية وآراء الأفلاطونيين الجدد، والرؤى المعروفة بدقتها وعمقها، مضافاً إلى أفكار الحكماء والإشراقيين، وتتمثلها وتستوعبها بتمامها.
إن الفلسفة التي جاء بها صدر المتألهين جمعت بين المشائية والإشراقية والرواقية والمسالك الصوفية والعرفانية. فقد استقى صدر المتألهين أفكاره العرفانية من كبار المحققين في الكتاب والسنة شأنه في ذلك شأن غيره من المتصوفة والعرفاء الكمل، إلا أنه امتاز عنهم بما أفاده من مدرسة أهل البيت من أفكار وحقائق جمة عظيمة. إلى جانب ذلك نجد أن كتاب الأسفار قد استوعب أفكار ورؤى رواد المذاهب والتيارات، فمثلاً في مبحث الوجود يذكر رأي مدرسة المشائين القائلين بتباين الحقائق الوجودية وبعد أن يحقق في المسألة ويشبعها بحثاً وتحليلاً يرجع هذا القول إلى الحكماء الفهلويين ومن بين المصادر التراثية التي استأثرت باهتمام صدر المتألهين أكثر من غيرها يمكن الإشارة إلى كتاب «أثولوجيا الشيخ اليوناني» حيث أفاد منه في مسائل مهمة من قبيل «الحركة الجوهرية» و«اتحاد العاقل والمعقول» ومسألة «علم الحق» وبعض المسائل الإخرى المتعلقة بـ «المعاد الجسماني» و«اتحاد النفس مع العقل الفعال» ومسألة «الوحدة والوجود» وقد صرح صدر المتألهين بذلك في جميع كتبه العلمية ولم يحاول إخفاء هذا الجانب، إذ أن الكثير من الأفكار التي أفادها من القدماء كان قد استقاها من هذا الكتاب، فكان «أثولوجيا» يشكل أهم مصدر علمي لصدر المتألهين.
ورجوع صدر المتألهين إلى هذا الكتاب واستناده إليه في أكثر من مورد وتفاخره بذلك يعد دليلاً على نزاهة وإنصاف هذا الرجل. فمن البعيد أن يفيد صدر المتألهين من كتاب أو تحقيق علمي شيّق دون أن يذكر اسمه وعنوانه، لذا نجده يعلن وبصراحة أنه استفاد فكرة «وحدة الوجود» من العرفاء ومن حكماء إيران القدماء. ويشير إلى أن أساس القول بالحركة الجوهرية موجود في كتب اليونان القدماء. وقد ذكر صدر المتألهين هذه الكتب في العديد من رسائله من قبيل رسالة الحركة والجواهر والأعراض في كتاب الأسفار في مقام بيان فناء ودثور العالم. وحمل بعض الكلمات على مسلكه مع أنها لا تدل بصراحة على مراده.
والمصدر الآخر الذي أفاد منه كثيراً في أبحاثه الواسعة فيما يرتبط بـ «تجرد الخيال» و«المعاد الجسماني» و«تجسم الأعمال» هو كلام العرفاء وكلام محي الدين بن عربي خاصة والبعض من هذه التحقيقات مصدرها «الشيخ اليوناني في «الأثولوجيا» والذي ظنه صدر المتألهين وآخرون خطأ أنه المعلم الأول أرسطو.
فالحكمة المعالية التي تعد أضخم تراث فلسفي وعرفاني إسلامي تتكون من سبعة عناصر ومكونات أساسية هي:
1ـ الفلسفة المشائية.
2ـ الفلسفة الإشراقية.
3ـ الفلسفة الأفلاطونية الحديثة.
4ـ الفلسفة الرواقية (بالنظر إلى أوجه التمايز التي تتميز بها هذه الفلسفة عن الفلسفتين الإشراقية والأفلاطونية الحديثة).
5ـ الفلسفة الإيرانية القديمة [الفهلويون].
6ـ مباحث العرفاء والمتصوفة.
7ـ الكتاب الكريم والسنة الشريفة والمأثور عن أهل البيت.
من الناحية العلمية نريد أن نميز بين الاتجاهات والمدارس الفكرية الموجودة ونفكك فيما بينها وندرس كلاًّ منها على حدة، ونستوفي البحث في جميع أبعادها ومجالاتها لنتوصّل إلى كنه وحقيقة كل منها؟ ويتأكد هذا الأمر أكثر فأكثر في خصوص الحقائق القرآنية والوحي المحمدي [الذي فتح آفاقاً جديدة من المعرفة للبشرية لم تكن مفتوحة قبل نزول القرآن. وهذه الرتبة السامقة من العلم بالحقائق تختص بالقرآن والوحي المحمدي وأمناء الوحي، وهم أهل البيت (عليهم السلام). ما نريده هو استخلاص هذه الحقائق والمعاني الرائعة من هذا الكتاب السماوي وتأصيلها وتنقيتها من الشوائب الفكرية التي قد تعلق بها من هنا أو هناك. ولا ريب في أن هذا العمل يشكل ضرورة علمية وواجباً عقلانياً ووظيفةً مقدسةً يفرضها علينا الشارع الإسلامي. وفي هذا المجال يتحتم علينا أيضاً أن نبذل كل ما بوسعنا لمعرفة العناصر الأساسية التي تتكون منها الفلسفات ونميز بعضها عن البعض الآخر ونحددها بدقة. هذا الجهد العلمي والأكاديمي الذي لا بد من إنجازه هو ما تؤكده المدرسة التفكيكية وتدعو إلى تبنّيه والاهتمام به وعدم إغفاله بأي حال من الأحوال.
إن المدرسة التفكيكية في الوقت الذي تنادي بضرورة تأصيل الفهم القرآني وعلوم آل محمد (عليهم السلام)، وتنقية المعارف القرآنية الحقّة من كل الشوائب والرواسب الفكرية العالقة بها كشعارٍ، فإنها أيضاً تنظر إليه كواجبٍ شرعيٍّ مقدسٍ يهدف للدفاع عن الحقائق الإلهية.
دور التأويل
يظهر من خلال هذا العرض المجمل والسريع للحكمة المتعالية ولمكوناتها للتأويل دوراً كبيراً في إيجاد المدارس والاتّجاهات الفلسفية ذات الطابع المزجي والتوفيقي. إذ من دون الإفادة من آلية التأويل تضحى عملية صياغة وبلورة مدرسة فكرية من هذا النمط أمراً غير ممكن. ومن هنا بالذات يمكننا أن نقف على الدور الكبير الذي أنيط بالتأويل باعتباره يشكل ضرورة ملحّة بالنسبة إلى الفلسفة في مرحلة التكوين والتأسيس نظراً للروافد الفكرية المتعددة التي تصبّ فيها إلى جانب الآيات القرآنية والأحاديث التي تفيد منها أيضاً.
وفي الحقيقة فإن التمازج والاندماج الحاصل بين المذاهب والمدارس المتعددة، وأخيراً وفي ظلّ التّشيّع بدأت هذه المذاهب والمدارس إلى جانب العرفان خصوصاً على طريقة ابن عربي بالتقارب والتمازج فيما بينها، فإن هذه الكيفية قد حتمت عملية التأويل وجعلته أمراً لا بد منه، ولذا نجد أن القائمين بعملية تدوين هذه الفلسفة وهذا العرفان اضطروا إلى مطابقة هذا الكمّ الهائل من الأفكار والرؤى مع القرآن الكريم لكي تأخذ طابعاً إسلامياً وقد وُفِّقُوا لذلك بالفعل. إذ أن ظاهرة التأويل لا تنحصر بـ «الملا عبد الرزاق الكاشاني»([239]) وكلام«محي الدين بن عربي» حيث يمكنكم أن تلاحظوا تأويلات أناس آخرين من قبيل «الشيخ روزبهان البقلي الشيرازي في كتابه عرائس البيان» لتجدوا التأويل في هذه المجموعة الفلسفية والعرفانية على أشدّه. فتأويل الآيات والأحاديث سواء في حقل الفلسفة أو في العرفان يشكل بالنسبة لهم ولأهدافهم العلمية وتأليفاتهم ضرورة ملحّة لا بد منها، من قبيل تأويل آية النور في «الإشارات النمط الثالث» مع أن هذا التأويل بالنسبة إلى التأويلات الأخرى كتأويل آيات المعاد في مبحث المعاد الجسماني في «الحكمة المتعالية» معتدل جداً، إذ أن للتأويل حضوراً مكثّفاً في هذه النظم المعرفية لا يمكن إنكاره بأي حال من الأحوال.
وهنا أرى من المناسب ونحن نتحدث عن التأويل([240]) ودوره الكبير في الفلسفة والعرفان الإسلاميين أن نستشهد بكلام للشهيد الشيخ مرتضى المطهري، في تعليقه على ما قاله السبزواري في المنظومة:
| الفهلويون الوجود عندهم | حقيقة ذات تشكك تعم |
«عندما يصرح شيخ الإشراق بوجود هذا القسم من التمايز في الماهيّة ويؤسس عليه قائلاً: «مع كل ما قاله المشائيون فأنا من القائلين بالتشكيك في الماهيّة. أقول مع ذلك كله لا يبقى ثمة مجال لأن نأتي نحن ونحاول أن نأوّل كلامه لننتهي بالتالي إلى هذه النتيجة وهي أن ما قاله الفلاسفة القائلون بأصالة الوجود وبعض العرفاء في باب حقيقة الوجود مطابق لكلام شيخ الإشراق. لا ريب في أن هذا غير صحيح أبداً. ما يمكن أن نقوله في المقام هو أن السبزواري من أولئك المصلحين، أي أنه كلما واجه كلاماً نراه يحاول أن يجد له محملاً صحيحاً أو أن يوجهه وجهة سليمة وإن كان هذا التوجيه مغايراً لنص كلام القائل تماماً. وهناك موارد أخرى مشابهة سنقف عندها تؤكد لنا هذه الخصيصة لدى صاحب المنظومة([241]).
إن أسلوب التأويل هو الذي أشار إليه المطهري واستشهد عليه بكلام لـ «صاحب المنظومة» ليس أمراً جديداً بل له جذور وخلفيات، وقد أشرنا سابقاً إلى بعض أسبابه، وكتاب «الأسفار الأربعة» هو الآخر يتضمن الكثير من محاولات التأويل خصوصاً في مباحث النفس والحركة والمعاد، وكذلك فيما يرتبط بآراء ونظريات بعض الفلاسفة أو العرفاء المخالفين. ففي السفر الرابع [سفر النفس] في الفصل السادس بعد أن يورد صدر المتألهين آراء ونظريات القدماء في النفس الإنسانية ـ نقلاً عن كتاب «الشفاء» ـ يقول: «نحن نحمل كلامهم على الرموز ونأولها تأويلات حسنة بقدر ما يمكن، إن شاء الله تعالى([242]). وكذلك في الفصل الخامس من الموقف الثالث من السفر الثالث وضمن مباحث علم الباري تعالى، بعد أن يرد على رأي المعتزلة القائل أن هناك حالة وسطية بين الوجود والعدم يقول: «وأما ما نقل عن هؤلاء الأعلام من «الصوفية» فيرد على ظاهره ما يرد على مذهب المعتزلة [من أنه قولٌ سخيفٌ ورأيٌ باطلٌ]، لكن لحسن ظننا بهذه الأكابر لما نظرنا في كتبهم حملنا ما قالوه ووجهنا ما ذكروه حملاً صحيحاً ووجهاً وجيهاً في غاية الشرف والأحكام كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى، مع أن ظواهر أقوالهم بحسب النظر الجليل ليست في السخافة والبطلان ونبو العقل عنها بأقل من كلام المعتزلة فيها»([243]). ثم ينقل كلاماً عن الفتوحات ويجهد في تأويله وتوجيهه. ويقول الشهيد المطهري: «يحاول ملا صدرا في كثير من المواطن أن يلتمس محملاً صحيحاً لكلام القدماء، أي أنه يوجد لكلامهم محملاً في ضوء المعتقدات التي يؤمن بها هو شخصياً([244]) فمثلاً يقول: إن فلاناً قال في المكان الفلاني كلمة يشمّ منها كذا، وبناءً على ذلك فإن مقصوده من كلماته الأخرى لا بد وأن يكون شيئاً آخر([245])… وبعد أن طرح صدر المتألهين نظريته المعروفة بنظرية أصالة الوجود، راح يفتش عن مؤيدين لنظريته هذه بين القدماء جرياً على طريقته التي اتّبعها في آرائه الأخرى. وفي هذا المجال استفاد من بعض الإشارات الواردة في كلام ابن سينا وبهمنيار وفي كلمات نصير الدين الطوسي. ولا ريب في أنه يوجد في كلام هؤلاء بعض الإشارات التي يشمّ منها رائحة أصالة الوجود ولكن هذا لا يعني بأن هذه المسألة كانت مطروحة في عصرهم، وأن هؤلاء كانوا قد توصّلوا إلى نفس ما توصل إليه ملا صدرا. والدليل على ذلك هو أن هؤلاء بأنفسهم صرحوا بخلاف المدعى في مواطن أخرى، إلا أن صدر المتألهين لا يتطرّق إلى تلك المواطن التي تكلم فيها ابن سينا بكلام يخالف القول بأصالة الوجود، لاعتقاده بأن الناس يصابون بالدهشة إذا جاءهم شخصٌ بكلامٍ جديدٍ لم يقل به أحدٌ من القدماء. ولكي لا يقع الآخرون في حيرةٍ من أمرهم ولا يرى نفسه وحيداً تراه يجهد نفسه في سبيل أن يجد في كلام الآخرين مؤيداً وشاهداً على كلامه. ولكن هذا يختلف تماماً عما لو أردنا أن نحقق ونبحث بحسب الحقيقة والواقع في أن ابن سينا تكلم بهذا الكلام أو لا. فأنا شخصيّاً أستطيع أن أستخرج الكثير من آراء ابن سينا المبنية أساساً على القول بأصالة الماهية([246]).
التفكيك ضرورة لا بدّ منها
والآن وبعد أن اتّضحت لنا معالم المسار الفكري العام الذي اختطّه المسلمون من خلال مدارسه واتّجاهاته الفلسفية والعرفانية، ودور التأويل الذي مارسه المفكرون والفلاسفة في تعاطيهم مع مختلف الآراء والنظريات مع الكتاب والسّنّة أيضاً نجد أنفسنا وجهاً لوجهٍ أمام مسؤولية عظمى يؤكدها العقل بشدة، ألا وهي مسؤولية القيام بالتفكيك. ونعني بالتفكيك هو أن يتصدّى علماؤنا ومفكّرونا لهذا السيل الجارف من التأويلات ومحاولات المزج والتّهجين، والعمل على تأصيل المعرفة القرآنية والحقائق السماوية وعلوم الوحي وتنقيتها وصيانتها من الذوبان، وهذه المسؤولية تشكل ضرورة علمية كما أنها واجبٌ عقليٌّ وشرعيٌّ وخدمةٌ معرفيةٌ إلى التاريخ والإنسانية. وأهم ما يفترض بهؤلاء العلماء والمفكرين هو أن لا يخلطوا بين الحكمة القرآنية وبين كل من الفلسفة اليونانية والعرفان المأخوذ عن المدارس الإسكندرانية والهندية وغيرها، وذلك لصيانة هوية العلم القرآني والحفاظ على جوهر وحقيقة المعرفة القرآنية، والإبقاء على استقلالية المذهب المعرفي الذي يطرحه القرآن الكريم. وبذلك يتسنّى لطلاب الحقيقة أن يستخلصوا رأي القرآن الكريم بلا تحويرٍ أو تأويلٍ أو مزجٍ أو تحميلٍ. فمثلاً إذا كان هناك سؤال عن رأي القرآن الكريم بالذات حول المعاد وما يمكن أن يستفيده من القرآن في خصوص المعاد وقضاياه [بغض النظر عن كل الأفكار والآراء الأخرى التي وردتنا سواء التي تمّ تطويرها وأسلمتها أو التي بقيت على هيئتها السابقة]. في مثل هذه الحالة لا بد من إجابة صريحة بأن يقال هذا هو رأي القرآن من خصوص المعاد من دون أي تأويلٍ أو مزجٍ. وبذلك نكون قد برهنّا للآخرين على أصالة واستقلالية ومتانة القرآن في طروحاته ومبانيه ومرتكزاته. وأن القرآن ليس بحاجة إلى النظم المعرفية المنتشرة هنا وهناك خارج دائرة الإسلام حتى نقوم بإدخالها ضمن الدائرة الإسلامية، بعد مضيّ قرنٍ أو قرنين أو ثلاثة قرون من نزول الوحي القرآني، لتكون جزءاً من النظام المعرفي المتكامل للأمة الإسلامية.
القرآن الكريم ليس بحاجة إلى شخص ولا إلى نموذج أو أسلوب أو منهجية أو آلية أو تبرير ولا إلى فلسفة أو عرفان في أي من المجالات، والمقولات وعلى الأصعدة كافة، فالطرح القرآني يختلف كل الاختلاف عن أطروحات الاخرين إذ أن المواضيع والحقائق التي يطرحها القرآن هي وحيٌ منزلٌ وكلام نورٍ وأنى لمعطيات الفكر البشري ونتاج رياضات المرتاضين أن ترقى لمستوى الوحي المنزل؟!
ومن هنا يتّضح للعقلاء المنصفين ولأرباب المعرفة والعلماء الملتزمين جانب الحياد والموضوعية الدور الضخم والأهمية الكبرى للمدرسة التفكيكية والخدمة العظيمة التي أسداها أصحاب هذه المدرسة حيث قاموا بصيانة حدود ومعالم الوحي الإلهي. ولذا يتحتّم على كل محقق وعلى كل عالم [يتحلّى بالأخلاق العلمية والروح الموضوعية، وهذه صفة أساسية ومهمة] أن يقف موقف المتأمل الواعي إزاء ما تطرحه هذه المدرسة، ولا يتعامل معها على أساس قوالب ذهنية مسبقة متأزمة، أن يتعامل معها كمدرسة وكاتّجاه معرفي جادّ ومهم، وإن اختلف معها في شيءٍ ما.
ما ذكرناه يشكل ضرورة علمية وعقلية ومعرفية في مجال التربية المثلى التي يُراد من خلالها تنمية قدرة التشخيص والاستقلالية في التعقل والفهم لدى طلاب العلم والمعرفة، واستنقاذهم من التلقي الساذج والتقليد في التشخيص والفهم، والتّهيّب من العظماء وآرائهم([247]). وهذه هي التربية العقلانية الصحيحة والاجتهاد في المعارف والعلوم.
ضرورة تحديد الحقائق ووضع الضوابط لها
ما ذكرناه في خصوص أهمية معرفة التطورات التاريخية والمعرفية للمسائل الفلسفية والعرفانية ووعيها وتحليلها يشكل موضوعاً أساسيّاً يعيننا في مرحلة حساسة ومهمة أخرى وهي مرحلة تأسيس ضوابط للحقائق والمعارف وتعيين حدودها في إطار المذهب أو المدرسة الفكرية. فتأويل الآراء لا يُعَدّ عملاً صحيحاً لأنه يؤدي إلى خلط في الرؤية وإلى الإسقاطية في التفكير. من هنا بات من اللازم تحديد مفاد وحقيقة الرأي الذي يرتئيه صاحبه بالدقة. ولا بد من رسم الحدود الحقيقية التي تنتهي عندها الفكرة ـ وفق الملكات العلمية طبعاً ـ وعدم تجاوز هذه الحدود عندما يُصار إلى تبيّن تلك الفكرة وذلك الرأي. وهذا العمل مهم للغاية باعتباره يسهّل لنا عملية المقايسة بين الآراء في طريقنا للوصول للحقيقة. يقول الإمام علي(ع): «اضربوا بعض الرأي ببعضٍ يتولّد منه الصواب»([248]) لاحظوا جيداً، الإمام يقول «اضربوا بعض الرأي ببعضٍ…» ولم يقل «أوّلوا بعض الآراء ببعض» وكأن هذه الآراء كلها تعود إلى شخصٍ واحدٍ. والآية الكريمة من سورة الزمر «فَبَشِّرْ عِبَادِي* الّذِيْنَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ» هي الأخرى ناظرة إلى هذا المعنى، ولأن تأويل الرأي أو الحديث أو الآية هو في الحقيقة تفريغها من محتواها وتحميلها معنى آخر، ومن هنا وردت أحاديثٌ كثيرةٌ تؤكد على منع التأويل، بل يمكن عدّ التأويل كما أشرنا سابقاً من مصاديق التحريف «يُحَرِّفُوْنَ الكَلِمَ عَلَى مَوَاضِعِهِ»([249]) والذي نهى عنه القرآن بشدة.
إن تعيين أُطُر وحدود الآراء والحقائق والمعارف هو في الحقيقة مقدمة للوصول إلى تلك الآراء ضمن إطارها الطبيعي المرسوم لها. وهذا هو الطريق الأمثل للوصول إلى فهمٍ صائبٍ وسليمٍ لتلك الحقائق والمعارف. وأما إذا لم تحدد الضوابط والحدود وظلت مبهمة فإن أي خلط أو تداخل يحدث بين التأمل والتأويل قد يؤدي إلى فهم الفكرة. فهماً مغايراً تماماً للمعنى الذي يريده صاحب تلك الفكرة وهكذا قد يبيّن تبيّناً مخالفاً أو يبرر بعيداً عن المعنى المنظور له أساساً وهذا أمرٌ محتملٌ وواردٌ. والأحاديث العديدة الواردة في النهي عن التأويل ناظرة إلى هذا السرّ الكبير. فالتأويل هو التحدث باسم الغير وتقويل كلامه، فنحن عندما نأوّل كلام المتكلم فإننا نسلب عنه استقلاليته بل وصلاحيته في التفكير والتّعقّل.
ومن ناحيةٍ أخرى فإن «الاختلاف الكثير» الذي نوّه به القرآن الكريم يشكل حقيقة قائمة ـ كما أشرنا إلى ذلك سابقاً ـ إذن القرآن الكريم أخبر عن حقيقة واقعة هي من خصوصيات المدارس والاتجاهات الفكرية وليس بإمكاننا أن نلغي هذه الحقيقة أو أن نغيّر منها شيئاً.وكل محاولة في هذا الاتجاه أي كل محاولة تهدف إلى تأويل الآراء والتوفيق بين المفاهيم فإنها محكومة بالفشل. وقد صرح السيد محمد حسين الطباطبائي بفشل كل محاولات التأويل والتطبق أيضاً. فرفع الاختلاف الموجود بين الآراء يتمّ من خلال التأويل([250])، وإنما يتمّ من خلال الرجوع إلى الرأي الصحيح وقبوله، والطريق إلى الوقوف إلى الرأي الصحيح يكون من خلال ضرب الآراء بعضها ببعضٍ وقياس بعضها على البعض الآخر، ومع الاحتفاظ بأصالة كل رأي والاحتراز من التأويل غير النافع، ومن ثم الأخذ بالرأي الصحيح. وهذا هو الطريق الأمثل الذي دعا إليه القرآن الكريم حيث قال عزّ من قائل: «فَبَشِّرْ عِبَادِ* الّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُوْنَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَاُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الألْبَابِ»([251]).
التفكيك رؤية موضوعية
من هنا نخلص إلى القول: إن موضوع «التفكيك» موضوع حساس ومهم للغاية وإن المنحى الذي اختطته المدرسة التفكيكية، من خلال الدعوة إلى التفكيك بين الحقائق والمعارف والأفكار والآراء والمفاهيم والمصطلحات يشكل اتجاهاً معرفياً راقياً. كما أن تجنّب أصحاب هذه المدرسة للتأويل والتوفيق والمطابقة ورفض جميع الممارسات التي تفضي إلى أي منها هو موقف علمي وعقلاني جداً ويتّسم بالموضوعية. فالوقوف موقف الرفض إزاء التأويل معناه رفض المحاولات العابثة وغير المجدية التي منعها الشارع المقدس [من خلال الروايات الناهية من التأويل] ورفضها العقل جملةً وتفصيلاً.
وحيث قُدّر لنا ان ننهل من معين الوحي الإلهي الذي لا ينضب وأن نتفيأ ظلال هذا المذهب الوارف الزاخر بأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) لا يمكننا أن نقنع بما هو أقل من ذلك. ففي مجال المعارف اليقينية توصّلنا إلى لبّ الحقيقة ولا يمكن أن نرتضي لأنفسنا أن نكون مقلدين وتابعين لأشخاصٍ وإن كانوا من العظماء، بل يتوجّب علينا أن نُخضِع جميع الإسهامات الفكرية والمفاهيم والمصطلحات للبحث العلمي الرصين والنظرة الدقيقة الفاحصة، وأن نبحر وسط أمواج الفكر الهادرة نحو شاطىء «الصيرورة القرآنية» رائدنا المنطق السليم وشراعنا العقل ودليلنا الفطرة. وهذا معناه أنه يجب علينا أن نستخلص «العلم الصحيح والمعرفة الحقّة الأصيلة من معدن النور (كلام الله وكلام المعصوم الذي هو شرح لكلام الله عزّ وجلّ) ونتمثّله في سرائر وجودنا ولا نمزجه بشيءٍ آخرٍ أبداً.
منهج البحث وآفاقه
آفاق منهج البحث لدى المدرسة التفكيكية وموضوع بحث المدرسة التفكيكية ومبادئها وقضاياها ونتائجها وأهدافها، وما يستتبع ذلك هو في دراسة الموضوعات التالية:
1ـ الفلسفة عبر التاريخ.
2ـ الفلسفة في الإسلام.
3ـ العرفان عبر التاريخ.
4ـ العرفان في الإسلام.
ومن بعدها المعرفة القويمة لمبادىء وأصول وحقائق معارف القرآن والأحاديث (الكتاب والسّنة). ويستمدّ هذا التّأنّي المعهود من القائلين بمبدأ التفكيك، وتجنّبهم القبول بكل هذه التأويلات الغريبة للآيات والآراء. من هذه الآراء العلمية وهذه المنطلقات التحقيقية والمعرفية. فالروح العلمية، والضمير المعرفي، والالتزام العقائدي، والأصالة الإيمانية، والرسالة الثقافية، والأمانة التاريخية، وتكليف الذود عن حياض الحقائق السماوية لا تبيح للمرء القبول بشيءٍ من المقولات الفلسفية والعرفانية والاستسلام أمامها بلا هواجس علمية وعقائدية، وبدون التمحيص والتقصي العلمي في انسجامها أو عدمه مع المضامين المعرفية للقرآن الكريم وتعاليم أهل البيت (عليهم السلام).
ولم تطرح في الحقيقة أية وجهة نظر صريحة في المسرد المذكور آنفاً بشأن المسائل التي وردت فيه، وذلك من أجل أن يبقى المجال مفتوحاً أمام البحث الحر، وفي سبيل أن يقدم ذوو الرأي ممن يجدون في أنفسهم الأهلية العلمية والذوق المعرفي مضافاً إليه المراجعات الواسعة والعميقة والقدرة على التشخيص بحوثهم وآرائهم العلمية الصائبة في الموضوعات والمسائل المذكورة، ولا بد طبعاً أن تكون دراساتهم مترابطة وغير مفككة، لأن الدراسة المفككة والانغماس في فرعٍ واحدٍ أو فرعين منها لا يتيح للإنسان القدرة على التشخيص الصحيح وإصدار الأحكام الصائبة.
من المحتمل طبعاً أن تكون بعض العناوين مكررة ـ تكراراً لفظياً أو معنوياً ـ أو ربما من المتيسر إدغام بعضها بالبعض الآخر (وينبغي طبعاً أن تؤخذ الزوايا المختلفة بالحسبان عند طرح كل موضوع). ولكن يجب عدم انفراط عقد الحذر العلمي وتحليل الموضوعات ما أمكن ليحظى كل موضوع ـ كما سبقت الإشارة ـ بالاهتمام العلمي من جميع زواياه. إن القيام بدراسات عميقة وشاملة وموسعة، ذات آفاق دقيقة وكاملة هو الذي يرجح طرح المسائل والموضوعات على هذا النحو.
أضيف إلى ذلك أنني جمعت ونظمت هذه الأطروحة وفقاً للملاحظات التي جمعتها ودونتها من قبل للتعريف بـ «المدرسة التفكيكية» وضمت إليها أشياء حصلت عليها في مطالعاتي الأخيرة حتى خرجت على هذا النسق. ومع كل ذلك يجب القول أنها غير معدّة ولا منقّحة كما ينبغي. كما أنني حذفت فصولاً أخرى منها رعايةً للاختصار. وأما الذي أثبته منها فكانت الغاية من ورائه تقديم صورة عن الموضوع وحصر رؤوس المواضيع لعل البعض من العلماء وأساتذة وعشاق البحث والدراسة والباحثين عن الحقائق والمعارف والأصالة، وأنصار صيانة استقلال المعارف القرآنية وذوي الرأي والفضل والعلم، والطلبة والدارسين، يوفقون لسبر أغوار الموضوعات المذكورة ـ من الزوايا التي أشير إليها ـ وإعداد الدراسات الضرورية في هذا الصدد.
ينبغي الالتفات إلى أن مثل هذا العمل بحد ذاته عملٌ كبيرٌ وعميقٌ وضخمٌ. كما ويستدل من هذا بكل جلاءٍ أن المدرسة التفكيكية والتعامل معها ليست بالبساطة التي يتصورها بعض الفضلاء والأساتذة والمدرسين ومن شابههم. وإن القضية أبعد بكثيرٍ من التعامل المنزّه عنه ذوو الرأي.
إن للبحث المعمّق في المسائل المذكورة واستجلاء وضعها علمياً وتحقيقاً، دوراً مهماً وبنّاءً في إعادة صياغة الثقافة القرآنية للإسلام، وإثبات استقلالها واكتفائها الذاتي، وتقديمها وبكل فخرٍ للبشرية وإحياء فطرتها بها.
كما أن من شأن هذه الثورة العلمية الكبرى أن تؤدي إلى خلق معرفة صحيحة لعشرة من فروع الثقافة الإسلامية الثرّة، وهي:
1ـ مضامين الكتب الكلامية في شتّى أبوابها.
2ـ مضامين الكتب الفلسفية في شتّى أبوابها.
3ـ مضامين الكتب العرفانية في شتّى أبوابها.
4ـ التفاسير الكلامية للقرآن الكريم.
5ـ التفاسير الفلسفية للقرآن الكريم.
6ـ التفاسير العرفانية للقرآن الكريم.
7ـ الشروح الفلسفية للأحاديث.
8ـ الشروح العرفانية للأحاديث.
9ـ الكتب الأخلاقية، الفلسفية والعرفانية.
10ـ كتب «أسرار الأحكام» التي أُلِّفَت على أسس فلسفية وعرفانية.
11ـ القصص الفلسفية والعرفانية والأخلاقية.
وأخيراً:
12ـ استخلاص معارف القرآن وتعاليم السّنّة (أحاديث الرسول (ص) من كل شائبة، واستنقاذها من الوقوع في حيّز الآراء والأفكار وصراعات الإبرام والنقد البعيدة عن المضامين الإلهية.
خراسان، حاملة لواء الاستقلال العقلي والاجتهاد المعرفي
لا يخفى على كل محققٍ متأملٍ وباحثٍ متعمّقٍ ومطلعٍ جامعٍ عدم إمكانية إبداء وجهة نظرٍ معينةٍ حول الموضوعات والمسائل المذكورة بدون القيام بالدراسة اللازمة والعميقة والعلمية بشأنها، ولا يستدعي هذا الكلام أي تأكيد واستدلال. فاصحاب المدرسة التفكيكية يحرصون على نقاء علم الوحي والمعارف السماوية والتربية والسياسة القرآنية والحديثية، ولا يركنون بأي نحوٍ كان إلى تركيب (المذاهب التركيبية) وتأويلات (الفلسفات التأويلية التي لا يتيسّر لأسسها أن تنسجم إلا مع تأويل الآيات والآراء). ولهذا السبب تراهم يهتمون بكل هذه الموضوعات والمسائل المعروضة إجمالاً أم تفصيلاً، وبالقوة أم بالفعل، وترى أصحاب المدرسة التفكيكية ينافحون عبر الاستعانة بفيوض النشأة الرضوية، ومن خلال اتّباع سلطان أقاليم «الحقائق السماوية» والمدافع الكبير عن المعارف القرآنية أمام المذاهب والنحل والفلسفات والمشارب الكلامية والفكرية البشرية، (في مجالس المناظرات والاحتجاجات) أي الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا(ع)، في سبيل عزل المذاهب الفكرية والمعرفية الدخيلة، أو المتداخلة، والحفاظ على زلال العلم القرآني والحديثي من الاختلاط بالتيارات الأخرى. وهذا ما يدعونا إلى التعمق ما أمكن في اغوار المسائل والموضوعات المذكورة في الفهرست. وعلى الرغم من أن الموضوعات المذكورة ـ أو بعضاً منها ـ لا تحظى بالاهتمام التفصيلي لبعض أصحاب المدرسة التفكيكية، إلا أن سياق العمل هو ذا.
هذه هي رسالة مثل هذه البحوث والذّود عن الحياض، وهي بطبيعة الحالة مهمة ثقيلة لا مجال للتسامح فيها. ومن المؤكد أن عدم اتّضاح جانب أساسي منها، يجعل الدراسة في باب هذه المعارف قلّما توصف بالدراسة التحقيقية باستثناء دراسة المعارف القرآنية والحديثية الخالصة. كما أن القيمة العلمية للمتون المعروفة أيضاً ـ من حيث أصالتها وإبداعها، أو مدى كونها هجينة أو مستوردة ـ رهين بمثل هذه الدراسة. ومن الطبيعي أن وميض إشراق العلوم القرآنية يصبح أكثر سطوعاً عبر اتضاح مفاد هذه الموضوعات والمسائل، ويصبح أكثر وهجاً مئات المرات مما هو عليه حالياً، وتغدو ميادين الأرواح والعقول مسرحاً لتلاطم أمواج «العلم المنزّل» كزلال مشرق الأنوار في النبع الفيّاض للحقائق اللامتناهية. لتتّضح عند ذلك ماهية القرآن، وحقيقة المعصوم.
مهمة شاقّة ورسالة توعية
أشعر حالياً بالبهجة للإجابة ـ ولو إجمالياً ـ على تساؤلات الطلبة والجامعيين والأصدقاء والمحققين والأساتذة والفضلاء الذين يتساءلون عن ماهية المدرسة التفكيكية. وبما أنه من غير المؤكد أنني أوفق لجمع كل مواضيع هذا التأليف ومن ثم تدوينها وفقاً للمنهج الذي وضعناه نصب أعيننا، يبدو من المناسب إذاً تنظيم وتدوين هذه الأطروحة هنا، ويكون في تقديمها فائدة، لينهض المحققون الذين يتّسمون بالكفاءة ـ كما سبقت الإشارة ـ للقيام بمهمة التحقيق هذه، وليشمّر الباحثون الذين لديهم معرفة بهذه المدرسة أو من يميلون إلى هذه الموضوعات والمباحث، عن سواعدهم لهذه المهمة العلمية والدينية والمعرفية الثمينة، ولإنجاز هذا الجهد العلمي القيّم.
عشرة مطالب
ملاحظة: ذكر فقط سبعة مطالب منها ولم يذكر المطلب الرابع والخامس والعاشر
رأيت من الواجب هنا الإشارة إلى موضوعات تساعد على إلقاء مزيد من الضوء على آراء المدرسة التفكيكية وفهمها على نحوٍ أفضلٍ. وأعرض فيما يلي تلك الموضوعات في سياق عشر نقاط هي:
- المطلب الأول:
يشكك الكثير من المستشرقين ومؤرخي الفلسفة في أصالة الفلسفة الإسلامية والعرفان الإسلامي، ويعتبرون الإسلام بعيداً عن الفلسفة والعرفان، ولا يمثل ديناً معرفياً ممتازاً، وإنما وارثاً للتراث اليوناني والهندي. نقرأ فيما يلي أقوال برتراند راسل كنموذج لتصريحات مثل هؤلاء الأشخاص:
«لا تحظى الفلسفة العربية [الإسلامية] بأية أهمية بصفتها فكراً أصيلاً ومبدعاً. فأشخاص كابن سينا وابن رشد هم في الواقع شراح. وعلى العموم فإنها قد اقتبست النظريات العلمية في المنطق وما وراء الطبيعة من أرسطو والأفلاطونية الحديثة، وفي الطب من جالينوس، وفي التنجيم والرياضيات من مصادر يونانية وهندية. ومزج أهل العرفان أيضاً فلسفتهم الدينية بالعقائد الإيرانية القديمة. كانت الحضارة الإسلامية في أزهى عصورها خليقة بالثناء والتمجيد من حيث الجوانب الفنية فيها. ولكنها لم تثبت اي اقتدار في مجال الفكر النظري المستقلّ([252]).
ومن الطبيعي أن مثل هذا الكلام يحزّ سماعه ألماً في النفس ولا سيما بالنسبة لحملة كتاب كالقرآن، ومعارف كمعارف أهل البيت (عليهم السلام) التي تتضمن حقائق ومعارف لا سابقة لها ولا لاحقة في تاريخ التفكير والتأمل البشري. ولكن في أي قالب وتحت أي صياغة؟ فلو كان قد تبلور هناك قالب غني ومستقلّ، ولم تكن شخصيات كبيرة كالفارابي وابن سينا وابن رشد قد انفقوا أعمارهم وطاقاتهم التي قلّ نظيرها، في شرح وبيان وتنظيم وتدوين وإكمال الفلسفة اليونانية، وأوقفوا ذاتهم على الفهم النقي والتدوين التّامّ والعرض السليم للحكمة، ولما كان يسمع من أحد مثل هذا الكلام الذي نقلناه. ولا شك في أن النهج الذي تسير عليه المدرسة التفكيكية يمثل ردّاً حازماً على مثل هذا الكلام.
أي إذا لم يتمكن أنصار أصالة الفلسفة والعرفان في الإسلام من إثبات مثل هذه الأصالة ـ في الحدّ المطلوب ـ فبإمكان الدراسة التفكيكية إنجاز هذه المهمة على خير ما يرام، لأن الحدود الحقيقية بين الحكمة القرآنية، والفلسفة اليونانية والعرفان الإسكندري إذا تمّ رسمها على نحو واضحٍ وتامٍ، واتّضحت أصالة وثراء الحكمة القرآنية ـ بكل استقلالية واكتفاء ذاتي ـ لا يبقى ثمة مجال للنقاش.
- المطلب الثاني:
ذكرنا في الفقرتين الرابعة والخامسة (من الفقرات الأساسية) في الفصل الأول، عدم وجود درس معين أو كتاب محدد عن «تاريخ الفلسفة والعرفان» و«تاريخ تطور الآراء والمسائل الفلسفية والعرفانية…» و«تاريخ التأويل وأسباب النزوع إليه…». وهذه حقيقة تنطوي على أضرار كبرى. فنحن نلاحظ عند النظر إلى المؤلفات الإسلامية وما غطته من مساحة شاسعة من الثقافة والمدنية، أنها أهملت موضوع تاريخ العلوم وتاريخ تطور المسائل العلمية. وحتى الذين دوّنوا فهرست العلوم، أو كتبوها وفق تصنيف معين ـ لم يمنحوا ذلك الموضوع أي اهتمام. فهم ـ على سبيل المثال ـ قد ألّفوا في علم النحو كتباً متعددة، واهتموا بهذا الموضوع كثيراً. فهناك «كتاب سيبويه» بشرح أبي سعيد السيرافي، من جهة، ومن جهة أخرى شرح الكافية لرضي الدين الأسترآبادي، المعروف بشرح الرضي، وهو من أكثر الكتب منهجية وعلمية في شرح قواعد اللغة. كما أنهم كتبوا مؤلفات عن سيرة علماء النحو، كبغية الوعاة لجلال الدين السيوطي. إلا أنهم لم يدونوا كتاباً عن تاريخ «علم النحو» ـ بما تعنيه كلمة الكتابة عن تاريخ علم معين في العصر الحديث ـ وتطوره، بحيث يعكس لنا إطار أساليب تفكير ومعلومات النحاة.
وهكذا الحال أيضاً في مجال علم الفقه، وعلم الحديث، والتفسير، واللغة، والفلسفة، والعرفان، والكلام، والبلاغة، حيث ألّفوا مثلاً كتباً عن تاريخ الفلاسفة والحكماء كـ «نزهة الأرواح» لشمس الدين الشهروزي، و«تاريخ الحكماء» لجمال الدين القفطي. غير أنه لم يدوّن ولا كتاب عن تاريخ تطور القضايا الفلسفية بين كل جيل من أجيال الفلاسفة والمفكرين في أي بلد من البلدان.
لا بد من الإشارة إلى وجود مساعٍ بدأت في الخمسين سنة الماضية للكتابة عن «تاريخ الفلسفة الإسلامية» اهتم فيها عدة باحثين أو شبه باحثين من العالم الإسلامي أو من خارجه للكتابة عن تاريخ الفلسفة وبعض العلوم الإسلامية الأخرى. فنحن لا يوجد لدينا حتى الآن كتاب جامع عن تاريخ العلوم الإسلامية (خاصة التاريخ التحليلي لمسار وتطور قضاياها). وربما يمكن القول أن كتباً من أمثال «تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام»، و«أدوار الفقه»، و«تاريخ الفقه الجعفري» و«تاريخ الفلسفة العربية»، و«الطب العربي»، و«علم الفلك عند المسلمين» خطوات على هذا الطريق. ولكن كما تلاحظون لم يدوّن ثمة كتاب عن التاريخ التحليلي لتطور المسائل الفلسفية أو المسائل الفقهية وكيفية تحولها وتبلورها على يد الفلاسفة أو الفقهاء.
هذا هو السبب الذي يجعل الطلبة الشباب يتلقون المسائل الفلسفية من أساتذتهم على نمط تقليدي جامد يبقيهم محرومين من الاجتهاد العقلي حتى أنهم يواصلون السير على المنهج بعد أن يصبحوا هم مدرسين، وإذا ما كتبوا مقالة تجدها صارخة بمنهج التقليد. أي نظراً لعدم وجود كتب تحليلية تتحدث عن التطورات المختلفة التي طرأت على هذه المسائل في مختلف البلدان لتفتح عليها أعين طلبة العلم، والفلسفة، بصدقٍ وإخلاصٍ وعمقٍ ودقةٍ، والأخذ بأيديهم نحو الاستقلال العقلي والاجتهاد المعرفي بدلاً من إرعابهم بالعناوين والأسماء الرنانة.
حالياً وفي ظل مثل هذه الظروف يجب على طلاب الفلسفة والمعرفة استنقاذ أنفسهم بأنفسهم، ويترتب عليهم في نفس الوقت الذي يدرسون فيه الفلسفة أن تكون لديهم ممارسة في البحث والتأليف والتدريس واجتناب «التقليد»، لأن التقليد في المعارف والاعتقادات يدمر شخصية الإنسان الفاضل ولا يصلحها.
أؤكد هنا على أن تدوين مثل هذه التواريخ ـ من قبل مؤلفين تتوفر فيهم الصلاحية اللازمة من جميع الجوانب ـ ضرورية جداً للفلسفة والعرفان والكلام من جهة، وللفقه والأصول والتفسير من جهة أخرى، ولا بد أيضاً من وجود مثل هذه الاختصاصات في ميادين الدراسات الإسلامية أيضاً ولا بد أن تدرس فيها أيضاً. ويمكن دراسة تاريخ الفلسفة الإسلامية من ثلاث وجهات نظر هي:
1ـ وجهة النظر القائلة أن الفلسفة الإسلامية هي تلك الفلسفة التي وضعت أسسها في أعقاب نهضة الترجمة التي حصلت في عهد الخليفة المأمون، وبلغت ذروتها لاحقاً على أيدي شخصيات كالكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد، ومن ثم تفرعت عنها الفلسفات الأخرى.
2ـ وجهة النظر القائلة أن تاريخ الفلسفة ـ بمعنى تاريخ الفكر في الإسلام ـ يجب الرجوع به إلى عهد ظهور المعتزلة، والشروع به من هناك.
3ـ وجهة نظر ترى أن تاريخ الفلسفة الإسلامية ـ بما يعنيه من رؤية كونية إسلامية وتأملات إلهية ـ يجب العودة به إلى فترة إلقاء الخطب التوحيدية الموجودة في نهج البلاغة، بل وإلى عهد نزول الوحي وآيات الحكمة في القرآن الكريم. (وفي مثل هذه الحالة يكون من الأفضل استخدام عبارة الحكمة القرآنية بدلاً من عبارة الفلسفة الإسلامية، لأن ما يستقي من القرآن الكريم «حكمة» والخطب التوحيدية في نهج البلاغة هي شرح وإيضاح لتلك الحكمة التوحيدية التي جاء بها القرآن.
من الواضح أن وجهة النظر الثالثة هي الأقرب إلى رأي المدرسة التفكيكية ومبادئها القائمة على إعطاء الأصالة للحكمة القرآنية والحديثية. ونلاحظ هنا لو تمّ تدوين تاريخ تطور المسائل والأصول الفلسفية والعرفانية في ضوء وجهات النظر الثلاثة هذه، لتوصلنا إلى حقائق بنّاءة ومفيدة في إثارة الوعي.
- المطلب الثالث:
أنا الذي اقترحت واستخدمت عبارة «المدرسة التفكيكية» لهذه المدرسة منذ بضع سنوات، وأصبحت هذه الكلمة اليوم اصطلاحاً معروفاً ومتداولاً([253]). ولا بدّ أن أضيف هنا من باب التوضيح أن لهذه المدرسة ـ إضافة إلى تفكيك التيارات المعرفية الثلاثة عن بعضها الآخر، بعداً آخر أيضاً وذلك هو بيان المعارف القرآنية النقية والحقيقية، دون أي خلط أو مزج أو إضافة أو تأويل ـ من نوع التأويلات التي نعرفها ـ وهذه هي الغاية الجوهرية لهذه المدرسة.
معنى هذا أن هذه المدرسة تتولى ـ قبل بيانها للمعارف القرآنية الصرفة ـ البحث في المسائل والمبادىء الفلسفية ـ العرفانية وفصلها عن بعضها الآخر وخاصة بالنسبة للحركة الفكرية التي مرّت بها الفلسفة والعرفان الإسلامي عبر الأربعمائة سنة الماضية، حيث كان لعنصر التأويل (سواء تأويل آراء الفلاسفة والعارفين أم تأويل الآيات والروايات) دور واسع لا ينكر، وتعرض خلال ذلك للنقد الفني والرؤى النقدية، والتمحيص العلمي (رؤية اجتهادية مستقلة وليس تقليدية وتعبدية، إذ «لا تعبد في العقليات»). ومن البديهي أن نفي فائدة تلك الأصول والأسس لا تتيسر ـ بالنسبة لأيّ كان وعلى نحوٍ مطلقٍ ـ بل أن النفي يختص بعمومية التطابق لكي تتهيأ الأرضية أمام ذوي الكفاءة للفهم الخالص للمعارف القرآنية والحديثية (وصيانتها من أي نوع من التمازج والتأويل).
أتصور أن كلمة «التفكيك» تحمل جميع الأبعاد التي ترمي إليها هذه الرؤية، لأنه لو فصلت المدارس المعرفية الثلاث المعروفة (وهي القرآن والفلسفة والعرفان) عن بعضها الآخر، لوجب أن تتمّ معرفة وبيان كل واحدة منها على حدة. ويدخل بيان المعارف القرآنية في صلب عناصر «المدرسة التفكيكية» بل هو عمادها. وقد كتب أستاذنا في هذا الغرض كتاباً سمّاه «بيان الفرقان» وهو من نوع التأليف العام لأصحاب هذه المدرسة عني فيه بشرح الفوارق الموجودة بين المشارب والمدارس الثلاث المعروفة. لم يكن غرضه في «بيان الفرقان» تأليف كتاب فلسفي وعرفاني (أو حتى نقدي، للفلسفة والعرفان) والإتيان مرة أخرى بما جاء في «الشفاء» و «الفتوحات» و«الأسفار» بل كان يستهدف الإشارة إلى تلك المطالب بقدر ما تستدعيه الضرورة، وليشرح من بعد ذلك مباني المعارف القرآنية. وعلى هذا المنوال فقد استلهم اسم المدرسة التفكيكية على نحو التداعي من تعبير «بيان الفرقان».
وعلى كل الأحوال فإن غرض هذه التسمية هو أولاً: إيجاد تعبير واضح ومصطلح قصير ومعبر يتّسم بقدرة قوية على التذكير والتداعي، ولا تكون معه حاجة للتعابير المطولة. والغاية من إيجاد المصطلح هي على الدوام اختزال مفهوم ومطلب واسع في لفظ مختصر. ونحن حينما نشير في علم الحساب إلى عملية القسمة، فإننا نلقي إلى الذهان عملية واسعة ومطلباً مطولاً من خلال هذه الكلمة.
استناداً إلى ما ذكره، حينما نقول «المدرسة التفكيكية» فإننا نقصد بها الرؤية الكونية، والنظام المعرفي، والصياغة الفكرية، والأساس العقائدي، ومنهج التفكير، الذي يضع حاجزاً فاصلاً بين المفاهيم والاصطلاحات البشرية أو المختلطة، من جهة، وبين المعارف الإلهية والسماوية الخالصة (المستقاة من الكتاب والسنة) من جهة أخرى. أو هو في الحقيقة، وبعبارة أخرى، يقرّ بالتفاوت الموجود فيما بينها والذي له وجود واقعي، ويعنى بإيضاحه وبيانه. وهو ـ استناداً إلى بعض الأسباب ـ لا يبخل ببيان تلك الفوارق والتأكيد عليها ولفت الأنظار إليها.
ويذهب إلى وجوب الفصل بين هذه المدارس الثلاث (الوحي، والفلسفة، والعرفان)، وليس تأويلها ومزجها وإيجاد توافق بينها، لأنه يعتبره أمراً غير ممكن. وهو لا ينظر إلى هذه الرؤى الكونية الثلاث على حدّ سواء، ويعتبر التأويل والتوافق مضرّاً بأسس الوحي والمعارف القرآنية، لأنه يثير الشكوك في استقلالها وكفاءتها الذاتية (ويحط من مستواها) ويعتبر هذه الظاهرة مرفوضة عقلاً وشرعاً.
*ملاحظة:(المطلبان الرابع والخامس لم يدرجا ولفت اليهما في بداية المطلب الثاني أعلاه).
- المطلب السادس:
حينما نقول أن المدارس المذكورة مفصولة عن بعضها، على ما يذهب إليه دعاة المدرسة التفكيكية فلا يعني هذا عدم وجود أي نقطة التقاء بينها في أية مسألة، وإنما يعني أن ظروف تكوّن عناصرها الماهوية ومبدأ نشأتها ليس واحداً، ولا يوجد هناك اتحاد في الماهية بين المعطيات الخالصة لكل واحدة منها بدون إدخال عنصر التأويل فيها، أو كما يقال في المثل المعروف: «إن لكل زهرة عطرها»، وهو أمرٌ في غاية الوضوح، لأن مصدر إحداها هو الوحي، ومصدر الثانية هو الفكر الإنساني، ومصدر الثالثة هو مختلف أنماط الكشف الذي توصل إليه المرتاضون الإلهيون عبر التاريخ. ومن الطبيعي أن الوحي شيء والفلسفة شيء، والعرفان شيء آخر. وأين مباني أفكار ومعارف ورياضة الإنسان العادي الأرضي من معارف الوحي السماوي؟ وما هو وجه الشبه بين الإنسان الهادي والإنسان العادي؟
- المطلب السابع:
نضيف من باب التأكيد على ما ورد في المطلب السادس وبيان محتواه أن وجهة النظر القائلة بعدم إمكانية التطابق والتوافق بين الاتجاهات الثلاثة المعروفة، ليس مرادها أن النبي الحق، والفيلسوف الإلهي، والعارف الرباني يدعون الناس إلى ثلاثة أمور، ولهم إزاء حقائق العالم ثلاثة مواقف متباينة كلياً، كلا، بل إن موقف الثلاثة واحد. بمعنى أن الأنبياء يدعون الناس إلى معرفة الله والآخرة وأداء تكليفهم الفردي والاجتماعي والسلوك التكاملي ويحثونهم على اكتساب المعرفة الاجتهادية والعمل وفقاً لبلوغ الحياة الخالدة والسعادة الأبدية. وكذلك الفلاسفة الإلهيون، والعارفون الربانيون يحثون الخطى على هذا السبيل، ويطرحون نفس هذه المسائل تقريباً، ضمن أطر خاصة. إذن فموقف ومدعى هذه الاتجاهات الثلاثة غير متباين، بل ومتوافق أيضاً. أما الاختلاف فيمكن في وجهات النظر وكيفية رؤية الحقائق والمسائل. أطروحة التوجهات الثلاثة هي واحدة تقريباً، إلا أن الأبعاد الجوهرية لها متباينة، ويوجد فيما بينها بون شاسع في «البلوغ».
أو بعبارة أخرى: إن شكل الأطروحة واحد، إلا أن محتواه ـ فيما إذا كان هناك تطابق تامّ في الماهية ـ مختلف. نذكر على سبيل المثال مفهوم الخلق، فالرسول يقول بمعنى للخلق غير المعنى الذي يذهب إليه الفيلسوف أو العارف. وكذا الحال بالنسبة لعلاقة الخلق بالخالق (أو حسب التعبير الفلسفي: ربط الحادث بالقديم)، وبالنسبة لعلم الخالق بالخلق وكيفيته، والإرادة والفعل، وحقيقة الأرواح، وخلقتها، والجسم وماهيته، والعوالم وإمكانات تغيّرها، والوحي والنبوة وحقيقتهما، والسعادة والشقاء وحقيقتهما، ومعاد الأرواح والأبدان، ونعمة الآخرة، وعذاب الآخرة، والخلود، وما إلى ذلك.
لا يستبعد طبعاً أن يكون ثمة فيلسوف أو عارف شيد معتقداته الشخصية ومبانيه العلمية على أسس عقائدية، أو أنه لم يلتفت إلى وجود تفاوت بين تلك الأصول، أو حصل لديه تصور بأنها بأجمعها واحدة وتمثل نفس حقائق الوحي والقرآن ولكن يجري بيانها بلغة واصطلاحات الفلسفة والعرفان، أو أن بعض الأشخاص والفضلاء اعتادوا على المطالب العقلية منذ بداية تعلمهم لها وألفوها، ولم يجدوا مجالاً للتأمل في موضوع التفكيك أو مذكِّراً يذكرهم به. وأمثال هذه الأوضاع محتملة وتصدق على الكثير من علماء الفلسفة، وقرائها ومتذوقيها. ولهذا السبب نجد من بين هذا النمط من العلماء أشخاصاً على درجة عالية من التعبد والتقوى والتهجد وبلوغ مراحل ومقامات (خاصة عبر التعلق بالمقام الشامخ لأهل البيت (عليهم السلام) وكانت لنا معرفة بالبعض منهم.
هذا كله صحيح لا جدال فيه([254]). وإنما يكمن الاختلاف في محتوى معارف الفيلسوف ـ بما هو فيلسوف ـ وفي محتوى معارف الشخص العارف ـ بما هو عارف ـ فالمضامين المعرفية لدى هذين تختلف عن المضامين المعرفية للقرآن الكريم، إضافة إلى أن مرتبة بلوغهما غير متساوية وإياه، ويوجد بينهما اختلاف شاسع، وحدود التحقيق والصيرورة بينهما بعيدة. والجوهر السامي للمعارف القرآنية من سنخ آخر.
- المطلب الثامن:
ليس مراد أصحاب المدرسة التفكيكية القول أن حالة من العداء والتنازع كان محتدماً أوارها على الدوام بين الأنبياء والحكماء الإلهيين والعرفاء. إذن فليس غرضنا هو جعل هذه المشارب الثلاثة في مواجهة مع بعضها الآخر وإذكاء الجدل فيما بينها. إذ أن الأنبياء وأوصياءهم والفلاسفة الإلهيين، والعارفين الشامخين دعوا بني الإنسان إلى المعارف السامية ودأبوا على تعليمهم حقيقتين خطيرتين هما «المبدأ، والمعاد» وأكدوا عليهم باكتساب المعرفة وتهذيب النفس والسلوك الفكري والعملي (العبادة والرياضة). وسعى الفلاسفة والعارفون على امتداد التاريخ ـ غالباًـ للتقرب من الأنبياء([255]).
لقد سعى أتباع الشرائع من الفلاسفة والعارفين، وخاصة الفلاسفة والحكماء والمفكرين المسلمين الكبار، للإخلاص للشريعة، فأبدوا أسمى درجات الخضوع والخشوع أمام القرآن الكريم وأمام رسول الله (ص) وأوصيائه الطاهرين، واعتبروا أنفسهم ـ وبغضّ النظر عما كان لديهم من مناهج ومصطلحات ـ من بركات هذا الدين الحنيف، وحاولوا إيجاد نوع من التطابق بين مبانيهم ومطالبهم، والشريعة، واعتبار تلك الأصول والمباني مستقاة منها ومقتبسة عنها، والسعي لتدوين كتبٍ عن فضائل الدين الإسلامي، كأبي الحسن العامري في كتابه المسمى «الإعلام بمناقب الإسلام»، أو إذا لم يتيسر لهم إثبات مطلب ما على أساس أصولهم، فهم يؤمنون به انطلاقاً من قبول الشريعة المقدسة به، كما هو الحال بالنسبة لابن سينا وبحثه في «المعاد الجسماني» في كتاب «الشفاء»، أو السعي لإثبات المطلب ـ على أي نحو كان ـ في ضوء الأسس والمبادىء المقبولة لديهم، كما فعل ملا صدرا عند بحثه للمعاد الجسماني في «الأسفار»، أو بيان الملاك في استمرارية «الوصاية» وحاكمية القرآن، في حقل الفلسفة السياسية كما فعل الفارابي في «آراء أهل المدينة الفاضلة»، أو التأكيد على أهمية الصوم وتلاوة القرآن وصلاة الليل، كما فعل شيخ الإشراق في «التلويحات»، أو اعتبار بعض مفاهيمهم موضع قبول من قبل الأنبياء (عليهم السلام)، إضافة إلى كثرة عبادتهم وتقواهم كما هو الحال بالنسبة للميرداماد الحسيني في «القبسات».
ليس ثمة نقاش في هذه القضايا وما شاكلها. وإنما النقاش هو هل الماهية العلمية والنظرية والمعرفية للمبدأ والمعاد الذي تذهب إليه هذه المدارس الثلاث وتدعو البشرية إلى قبوله عن وعي، هو واحد أم لا؟ وهل مصدر النشأة واحد أم لا؟ وهل سنخ تلقيها وفهمها للحقائق واحد أم لا؟ وهل «البلوغ الكمالي» في معرفة الله، وحب الله، وقرب الله، لدى هذه الاتجاهات الثلاثة في مستوى واحدٍ أم لا؟ وما هي النتيجة التي يتوصل إليها المطلعون من ذوي الرأي الحر بشأن هذه المقولات؟ وهذا هو جوهر الكلام.
من الواضح أن تفاوت أو عدم تفاوت هذه المدارس الثلاث في نمط تلقيها ورؤيتها للأمور، ينتهي إلى أن تكون الفروع والنتائج متفاوتة أو غير متفاوتة أيضاً. أي إن سبيل اكتساب المعرفة، وتهذيب النفس، والسلوك الباطني ونتيجته، وعلاقة الإنسان بحقيقة العالم ـ كما سبقت الإشارة ـ تتفاوت أيضاً. حتى أن النظرة للوجود نفسه لا تكون على نمطٍ واحدٍ. وحينما يكون الأمر على هذه الشاكلة، يكون البعد في سرّ المعرفة كبعد السماء عن الأرض، خاصة أن بلوغ كمال المعرفة القرآنية يبدأ بحركة إحياء الفطرة «أفي الله شكّ…» ثم يبلغ الغاية عبر الاستفادة من العقل النوري، ثم التدبر في القرآن والاستفادة من روحانية المعصوم. ولهذه الحركة الكمالية أربع مراتب هي:
1ـ إحياء الفطرة.
2ـ الاستفادة من العقل النوري.
3ـ التدبر في القرآن.
4ـ التوجه إلى روحانية المعصوم والاقتباس منها.
ونتيجة هذا السلوك السويّ والواثق هي بلوغ مرحلة «الحضور». بين يدي الله والاستفاضة من فيوضه اللامتناهية. إلا أننا نترك الاسترسال في هذا الموضوع ونشير إلى أن ما عرضه الفلاسفة بشأن الكمال المنشود من وراء السير والسلوك الإنساني (وحتى الكلام الوارد في هذا الصدد عن يعقوب الكندي) يختلف اختلافاً شاسعاً عما يحصل عن طريق الوحي (في الجوهر والحدود والظواهر والمعطيات) وذلك لأن من غير الواضح أن ما قاله الكندي مستوحى من السلوك الفلسفي أم العرفاني؟ وقد سبقت الإشارة إلى بعض هذه المعاني في المطلب الخامس.
- المطلب التاسع:
إن ما تذهب إليه المدرسة التفكيكية وتؤكد عليه (أي انفصال الاتجاهات المعرفية الثلاثة وعدم إمكانية تطابقها صرح به أيضاً أنصار المدارس الفلسفية والعرفانية وحماتها ومدرسوها ومؤلفوها البارزون في كتاباتهم وأقوالهم التي دلّوا بها في مناسبات ومواطن شتى. وأنقل فيما يلي مقطعاً من كلام السيد محمد حسين الطباطبائي صاحب تفسير «الميزان» لتأنس به أذهان العلماء والمدرسين والطلبة والجامعيين الذين يستشعرون الغربة والبعد عما تدعيه المدرسة التفكيكية. فقد أورد في المجلد الخامس من تفسير «الميزان» بحثاً تاريخياً عن الفكر الإسلامي والاتجاهات التي سلكتها الفرق والمذاهب الإسلامية في هذا الإطار، ولخص في ختام البحث ـ الذي استغرق اثنتي عشرة صفحة ـ كلامه على النحو التالي: «وبالجملة فهذه طرقٌ ثلاثةٌ في البحث عن الحقائق والكشف عنها: الظواهر الدينية، وطريق البحث العقلي، وطريق تصفية النفس، أخذ بكل منها طائفة من المسلمين على ما بين الطوائف الثلاث من التنازع والتدافع، وجمعهم في ذلك كزوايا المثلث كلما زدت في مقدار واحدة منها نقصت من الأخريين وبالعكس. وكان الكلام في التفسير يختلف اختلافاً فاحشاً بحسب اختلاف مشرب المفسرين، بمعنى أن النظر العلمي في غالب الأمر كان يحمل على القرآن من غير عكس إلا ما شذّ. وقد عرفت أن الكتاب يصدّق من كل من هذه الطرق ما هو حقٌّ وحاشا أن يكون هناك باطن حق ولا يوافقه ظاهره، وحاشا أن يكون هناك حق من ظاهر أو باطن والبرهان الحق يدفعه ويناقضه. ولذلك رام جمعٌ من العلماء بما عندهم من بضاعة العلم على اختلاف مشاربهم أن يوفقوا بين الظواهر الدينية والعرفان كابن العربي وعبد الرزاق الكاشاني وابن فهد والشهيد الثاني والفيض الكاشاني. وآخرون أرادوا أن يوفقوا بين الفلسفة والعرفان كأبي نصر الفارابي والشيخ السهروردي صاحب حكمة الإشراق والشيخ صائن الدين محمد تركه، وآخرون راموا أن يوفقوا بين الظواهر الدينية والفلسفة، كالقاضي سعيد وغيره، وآخرون أرادوا أن يوفقوا بين الجميع كابن سينا في تفاسيره وكتبه، وصدر المتألهين الشيرازي في كتبه ورسائله، وعدة ممن تأخر عنه. ومع ذلك كله فالاختلاف العريق على حاله لا تزيده كثرة المساعي في قطع أصله إلا شدة في التعرق ولا في إخماد ناره إلا اشتعالاً: ألفيت كل تميمة لا تنفع. وأنت لا ترى أهل كل فن من هذه الفنون إلا ويرمي غيره بجهالةٍ أو زندقةٍ أو سفاهة رأيٍ، والعامة تتبرى منهم جميعاً. كل ذلك لما تخلّفت الأمة في أول يوم عن دعوة الكتاب إلى التفكير الاجتماعي «واعتصموا بحبل الله…» والكلام ذو شجون»([256]).
وعند التأمل في هذا الكلام هل تكون الحصيلة إلا ما يقول به أصحاب المدرسة التفكيكية الخراسانية، ويمكن تلخيصه في جملتين هما: «هناك ثلاثة طرق في البحث عن الحقائق والمعارف، لا يوجد بينهما أي تطابق».
لماذا إذن لا يفهم كلام أصحاب المدرسة التفكيكية على النحو الصحيح؟ إن من حق كل أحد أن يكون له ذوقه الخاص وتكون له محصلة دراسته، وهذا مما لا اعتراض عليه. وبإمكان كل شخص أن يعتقد بما يتوصل إليه من قناعات، أو أن يعبر عنها في البحث والتأليف، ولا ضير في ذلك. ولكن ما هو السبب في عدم قبول أو حتى عدم فسح المجال أمام الحقائق المسلم بها؟ وهي حقائق اعترف ببداهتها صراحة حتى القطبان المعارضان لها.
وأنا ضيف فيما يلي عدة إيضاحات إلى كلام السيد محمد حسين الطباطبائي:
1ـ يوضح كلام السيد الطباطبائي بكل جلاء السر الكامن وراء الأحاديث التي تنهي نهياً قاطعاً عن التأويل، لأن التأويل هو «التحميل» كما ويعكس هذا الكلام إعجاز «نهج البلاغة» حيث أشار فيه الإمام علي بن أبي طالب (ع) إلى هذا الخطر قبل عدة قرون خلت: «… ويعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي»([257]). ثم يشير (ع) في ختام كلامه هذا إلى عظمة القرآن بقوله: «… واتهموا عليه آراءكم»([258]).
أي متى ما تعارض مفهوم قرآني مع آرائكم وفهمكم ومصطلحاتكم العلمية الموضوعة بشأن مسألةٍ ما، فيجب أن تعتبروا رأي القرآن هو الرأي الصائب ورأيكم على خطأ، لأن حجية الوحي قطعية.
2ـ ينطوي قول السيد الطباطبائي «وحاشا أن يكون هناك باطن حق ولا يوافقه ظاهره» على مغزى عميق، إذ أنه يدين التأويل الفلسفي والعرفاني إدانة قطعية، كأن يقال مثلاً إن هذه الآيات حتى وإن كان ظاهرها لا يوافق آراءنا (آيات المعاد الجسماني مثلاً)، إلا أن باطنها موافق لها تماماً، لأن مُؤَدّى هذا الكلام أن لظاهر الآيات معنى يناقض باطنها، ولظاهرها معنى مخالف لباطنها. والسيد الطباطبائي يرفض هذا التصور رفضاً قاطعاً وعبّر عن رفضه له بكلمة «حاشا».
3ـ أما قوله: «والعامة تتبرّى منهم جميعاً» فيجب على أساسه اعتبار الأمة المؤمنة تميل بطبيعة إدراكها الإيماني وتلقّيها الفطري، إلى الاتجاه التفكيكي، وهي تعتقد أساساً ـ إذا لم يحدث أحد تغييراً في أذهانها ـ بما يذهب إليه دعاة المدرسة التفكيكية. بمعنى أنها تتلمّس معارفها ومعتقداتها الخالصة في التعاليم الدينية للقرآن والحديث بدون أي انحراف نحو التأويل.
4ـ لم يكن من المناسب ذكره لأسماء أفراد كابن فهد الحلي والشهيد الثاني (والفيض الكاشاني استناداً إلى أقواله الأخيرة في التمسك بحقائق المعارف القرآنية والحديثية) في مصاف ابن العربي وعبد الرزاق الكاشاني، لأن اتجاهاتهم المعرفية ليست من سنخٍ واحد.
( ولم يدرج المطلب العاشر أيضاً)
الأخيضر
ـ1ـ
قصر في الصحراء يقع على بعد 50 كلم جنوبي غربي مدينة كربلاء (العراق) قرب وادي الأبيض، محل التقاء طرق القوافل التي كانت تمتد بين حلب والبصرة من جهة، وبين وادي الرافدين وبادية الشام وهضبة نجد من جهة أخرى. وتبلغ مساحته 112× 82 متراً ومحيط سوره 688 متراً وكان ارتفاع سوره 7 أمتار.
يوجد في الجهة الشمالية الغربية من القصر مسجدٌ، يفصله عن السور دهليز. والمسجد مستطيل الشكل، أبعاده 20, 24×65, 15 متر حسبما ورد في كتاب «Early Muslim Architecture» من تأليف K.A.C Creswell (طبعة نيويورك 1979م). وللمسجد محرابٌ مجوّفٌ، كتلك المحاريب التي ظهرت بعد سنة 89هـ 709م. وعرض بيت الصلاة خمسة أمتار، ويطل على الصحن ببائكة من خمسة عقود.
وتعلو المحراب قبّة نصفية بارزة قليلاً عن سطح الجدار، وتزينها أشكال هندسية على شكل دوائر وخطوط منكسرة. وللمسجد مجنبتان عرضهما ثلاثة أمتار، وثلاثة عقود تطل على الصحن، وذلك حسب رأي الدكتور أحمد فكري («مساجد القاهرة ومدارسها» ـ ص234). وللمسجد ثلاثة مداخل، اثنان في الجهة الشمالية يوصلان المسجد بالمجاز الشمالي، عليهما عقود مفصصة. والثالث في الزاوية الجنوبية الشرقية يطل على البهو الكبير ويوصله بالمسجد. وارتفاع المحراب 2.46 متر وعرضه 1.5 متر وعمقه 52 سم وارتفاع العقد 81 سم وسعة فتحة العقد 80 سم وارتفاع القواعد التي يرتكز عليها العقد 1.65 متر. وهذا المحراب نموذج لأوائل المحاريب التي ظهرت في بلاد الرافدين.
والمادة التي بنى منها المحراب شبيهة بالمواد التي بنى منها المسجد والقصر، مما يدل على أن هذا القصر بناء إسلامي أصيل، ثم بناؤه بالحجارة والآجر، ونمط هندسته يشبه قصر المشتى الأموي في بادية الشام.
يقع المدخل الرئيسي في منتصف السور الشمالي، ضمن برج ناتىء بمقدار 5.12 متر وعرضه 15.90 متر. ويؤدي المدخل إلى غرفة عرضها ثلاثة أمتار وطولها 5.80 متر.
وتعلو المدخل سبعة أقواس عرضانية تتخللها فتحات دفاعية تسمح بصبّ الزيت والنار على المهاجمين، وتحيط بالمدخل غرفتان دفاعيتان لإيواء الحراس. ودعم السور بثمانية وأربعين برجاً، ويبلغ سمك السور 3 أمتار وفي كل ركن من الأركان الأربعة برج عظيم. ويلتصق السور بالبناء الداخلي من الجهة الشمالية، ورجح الباحثون أن سبب ذلك يعود لوجود مانع مائي كان في تلك الناحية.
وداخل السور يوجد مسجد وقاعة العرض (القاعة الكبرى) التي يبلغ عرضها 27 متراً وطولها 32.70 متر، في جدرانها 15 مشكاة للإنارة مبنية من الآجر، بعضها أفقي والآخر عمودي على نمط باب بغداد في مدينة الرقة السورية. وعلى جانبي الإيوان الكبير قاعتان كبيرتان تجاورهما غرفة الاستقبال، كما توجد أربع غرف مستقلة، لكل منها فناء خاص بها، وذلك مشابه لقصر المشتى في بادية الشام، وتوجد غرفتان مستطيلتان للطبخ.
تاريخ الأخيضر
تضاربت الآراء حول تحديد زمن إنشاء حصن الأخيضر، فرأى ماسينيون الذي زاد الأخيضر سنة 1908م «أنه بناءٌ ساساني بناه معمار إيراني لملك من ملوك الحيرة اللخميين»، وأعتقد أنه قصر السدير الذي تغنّى به الشعراء العرب.
وذهب ديولافوي إلى الرأي نفسه، في حين قالت المستشرقة البريطانية غير ترودبل التي زارت القصر سنة 1909م إنه بناءٌ أمويٌ إسلاميٌ، واسم موقعه دومة الحيرة. أما أوسكار رويتر الذي زار الأخيضر سنة 1910م فيرجح أنه بناءٌ عباسيٌّ.
كما زاره في الفترة نفسها موسيل وادّعى «أن هذا القصر سُمِيَ بالأخيضر نسبة إلى إسماعيل بن يوسف الأخيضر، الذي جاء من اليمامة وأقامه القرامطة عاملاً على الكوفة في أوائل القرن الرابع الهجري (305هـ 927م)، وزعم أن المذكور اتخذ من الأخيضر داراً للهجرة. أما البستاني فذكر في دائرة المعارف ج7 (ص489) أن «الأخيضر لقب جدّ دولة باليمامة في العلويين اسمه محمد بن يوسف… وليّ الأمر بعد أخيه إسماعيل المتوفى بالجدري سنة 252هـ 886م، ونهض إلى اليمامة فحكمها واتخذ قلعة الخضرمية، وأسس في اليمامة دويلة تعاقب عليها أبناؤه وحفدته حتى ظهور القرامطة، وكان من عماله حفيد الأخيضر إسماعيل بن يوسف، فولّوه على الكوفة سنة 315هـ 927م. وهذا يفيد أن الخضرمية غير الأخيضر. وذهب هرزفلد إلى أنه من القصور العباسية، وتاريخ بنائه سنة (215هـ 830م) واستند إلى الشبه بينه وبين القصور الساسانية وهذا ما رجحه كريزويل.
وأدلى العلماء العرب بآرائهم فذكر الدكتور ناجي الأصيل أن حصن الأخيضر بناءٌ إسلاميٌّ عربيٌّ استفاد من الفن البيزنطي والساساني والعربي، ورأى أن قصر الحمراء في الأندلس تطور لهذا القصر الذي يعتبر «حلقة عظيمة في تاريخ تطور فنّ البناء الإسلامي» (مجلة سومرج 8 ص908 سنة 1947م).
وذهب الدكتور مصطفى جواد إلى أن هذا الحصن هو «حصن عين التمر… وأنه بناءٌ لم تعرفه العرب وليس له شبيهٌ في آثارهم».
غير أن السيد محمود شكري الألوسي رأى أن الأخيضر محرف عن «الأكيدر» الذي كان يسمى به أحد أمراء كندة، الذي أسلم في صدر الإسلام (مجلة لغة العرب ج1 سنة 1912م). وأيّد هذا الرأي توفيق الفكيكي وقال: «هذا حصن دومة الجندل الذي بناه الأمير أكيدر بن عبد الملك» (مجلة المقتطف ج 94 ص193 سنة 1939م).
ومهما تضاربت الآراء فإن هذا الحصن من الآثار المهمة في مجال البناء العربي الإسلامي.
وفي العام 1941م قصدت إلى زيارة الأخيضر مع بعض الرفاق فكتبت عن تلك الزيارة ما يلي:
لم نجتز عن بيوت كربلاء إلا قليلاً حتى ألفينا أنفسنا في صحراء رملية مترامية الأطراف لا طريق واضحة فيها بل آثار لعجلات السيارات مشقوقة في الرمل تدل على الهدف المقصود. أخذت سيارتنا تشق الرمل وتطوي بنا هذه المفاوز الجرداء تحت طلّ من المطر الخفيف، فكنا نرسل عيوننا ذات الشمال وذات اليمين فلا نرى إلا سهلاً فسيحاً لا نهاية له نمشي فيه سراعاً، وفجأة ظهرت إلى يميننا سهول لماعة تتألق تحت هطول المطر، فسألنا السائق عنها فقال هذا (هور الملح) فسألناه أن يقصد بنا إليه، فانفتل ذات اليمين ومشى بنا غير بعيد حتى كنا نشرف على سهول الملح من موقعنا العالي، وبدت تحتنا سهول واسعة تنحط عنا كأننا فوقها في جبلٍ عالٍ، ففكرنا هنيهة هل نهبط إليها أم لا نهبط، وقد كان المطر الغزير لا سيما ونحن على غير استعداد للمطر وإنما فوجئنا به مفاجأة بُعَيْدَ خروجنا من كربلاء، ولكننا قلنا في أنفسنا هيهات أن تقدر لنا العودة إلى هذه الأرض فإذا لم نر (هور الملح) الآن فهيهات أن نراه بعد الآن.
ولم نشعر إلا ونحن نهوي من رؤوس التلال ركضاً غير مبالين بشيءٍ حتى وصلنا سفوح التلال وأخذنا نجري في السهل وبعضنا يعدو مسرعاً للسبق في الوصول إلى الملح، فلما رأينا وصولهم ووقفوا عليه أدركنا بُعدَ المسافة بيننا وبينه إذ لم تكن تلوح لنا إلا أشباحهم، ولما وصلنا رأينا أراضي واسعة تعلوها طبقات من الملح الأبيض الناصع البياض وقد رواها الماء فبدت قطعة موارة بالفضة البيضاء.
وعندما أردنا العودة إلى السيارة كان المطر قد تضاعف انهماره والأرض قد رويت فأخذ الماء يقطر من ملابسنا ووجوهنا وأخذت أقدامنا تغوص في الرمال اللزجة، وغطّى الطين سراويلنا فلم تصل السيارة إلا بعد الجهد العنيف، وأصبحنا نخشى فشل رحلتنا لأن المطر الغزير يعرقل سير السيارة. وكان السائق ينذرنا بين الفينة والفينة بسوء المنقلب إذا استمرت السماء ممطرة، وأخيراً بدا لنا سواد بلدة «شفاثا» التي كنا قررنا زيارتها مع زيارة (الأخيضر). وكان الطريق الذي سلكناه حتى الآن هو طريقنا إليها.
وبدت شفاثا محاطة بالتلال والهضاب.
بعد ساعتين من مغادرتنا كربلاء كنا نقبل على شفاثا فنمر بالتلال إلى يسارنا وبخضرة جميلة وسواقٍ دفاقة ونخيل شاهق إلى يميننا. ثم كنا في قلب النخيل وصميم البساتين نشقها شقّاً فتملأ نفوسنا بهجة وانشراحاً.
ظلت السيارة تقطع بنا مسافة كلها بساتين وجنائن تضم من الأشجار والزروع الشيء الكثير، وأبصرنا فيها شجر الرمان والتين والعنب وغيرها من ضروب الثمر التي لا أحسبها توجد في غيرها. ثم كنا ندخل البلدة، تحت الغيث المنهمر ونسير توّاً إلى العين الكبريتية الواقعة في قلب البلدة، فأدهشنا منظرها، وعندما نزلنا من السيارة رأينا عيناً ثرّة تفوح منها روائح الكبريت، ويشفّ ماؤها عن أقصى القعر لصفائه ونقائه وشدة زرقته، ولكنها مهشّمة الجوانب مهدمة الجدران لم تنلها يد الإنسان بأقل عناية أو اهتمام، وتقوم حولها بيوت البلدة القروية وحوانيتها البسيطة ومقاهيها المتواضعة. وتجري مياهها في سواقٍ وأقنيةٍ داخل البلدة بخريرٍ يملأ الأسماع. وعندما سألنا بعض مرافقينا من أبناء البلدة عنها حدثونا أن في شفاثا مثلها عدداً كبيراً واختلفوا في تحديده، فقال بعضهم إنه يبلغ الثلاثمائة وأنزلها آخرون إلى مائة واحدة، وآخرون إلى أقل من ذلك، هذه العين باتفاقهم هي أكبر العيون عمقها على ما قيل لنا ستة عشر متراً. ومشى معنا فريقٌ من الأهلين يجولون بنا على العيون فاجتزنا بعدد منها داخل البلد وخارجها. وجميع هذه العيون تتدفق أمواهها وتخرج من البلدة إلى الحقول الواسعة في سواقٍ وأنهارٍ تقوم على حافاتها الرياض الغنّاء والحقول الخضراء في مناظر من أجمل ما ترى العين، ولو قدر لها أن تعمل بها يد الإنسان إصلاحاً وتنظيماً لكانت (شفاثا) جنة من الجنان. والمهم أن هذه العيون الغزيرة والنهيرات الكثيرة ليست كلل العيون، فهي مياه كبريتية معدنية، يمكن أن تستغلّ استغلالاً صحياً فتنشأ عليها المسابح والمغاسل، كما يمكن أن يستغلّ جمالها فتنشأ عليها المتنزهات الجميلة والحدائق المنظمة فتكون محجة الوافدين من كل مكان.
لم ينقطع انهيار المطر حتى الآن فكنا نجول على العيون والشلالات والمطاحن تحت الوابل المتدفق، فاختصرنا الكثير مما كنا نريد التملّي من مشاهدته، ومررنا لماماً على ما كان يجب أن نطيل الوقوف عليه، وكان أهم ما يشغل بالنا هو أمر العودة، بعد أن سالت الأرض بماء السماء وأصبحت الطرق مزالق ربما أعجزت السيارة عن السير، وعندما عدنا إلى السائق حذرنا من الذهاب إلى الأخيضر ونصحنا بالعودة إلى كربلاء لأن طريق العودة هو على كل حال أقل تعرضاً للخطر الداهم، ولكننا قد صرنا في شفاثا اتضح لنا العودة على أعقابنا دون أن نرى الأخيضر، وهل يكتب لنا أن نرى هذه الأرض ثانية فنشاهد الأخيضر الرائع؟ قلنا للسائق اتكل على الله واتجه إلى الأخيضر، فقال إننا سننقطع في الطريق لا محالة لأن بيننا وبين الأخيضر مزلقة لا أحسب أننا نستطيع اجتيازها، وهبنا اجتزناها فكيف بنا من الأخيضر إلى كربلاء وبيننا هذه الصحراء المترامية الأطراف التي لا سبيل معبد فيها ولا إنسان سالك، فإذا ما عجزنا عن السير فأنتم ستعانون الجوع والبرد والتعب، فقلنا إذا كان الأمر أمرنا فنحن موطنو النفس على تحمّل المشاق، وهل تطيب أمثال هذه الرحلات إذا لم يمازجها عناءٌ وجهدٌ ومشقةٌ. ولما رأى السائق الإصرار خرج بنا من شفاثا إلى الصحراء والمطر على أشده يكاد يحجب عن عيوننا معالم الطريق.
وبعد حين نبّهنا السائق إلى أننا أصبحنا على مقربةٍ من أخطر نقطةٍ في طريق الأخيضر فإذا اجتزناها كان طريقنا إلى الأخيضر سليماً ويبقى ما بيننا وبين كربلاء في العودة، فاستعذنا بالله، وأخذت السيارة تتأرجح ذات اليمين وذات اليسار حتى لتكاد تنقلب، وأخذت عجلاتها تدور في مكانها دون أن تتقدم وإذا تقدمت كان تقدمها بطيئاً خطراً إلى أن قُدِّرَ لنا قطع هذا المكان المزعج، وأخذت السيارة تعدو إلى الأخيضر، وعيون السائق تتماوج يمنة ويسرة خوف الضلال، وكان معنا شرطيّ أصحبتنا به إدارة شرطة كربلاء ليكون دليلنا في هذه المفازة المضلّة، فكان يتعاون هو والسائق على الاهتداء إلى الطريق، فإذا بأحدهما يؤكد بأننا ضللنا الطريق وأننا نتّجه في وجهة لا توصلنا إلى الأخيضر. فوقفنا تحت المطر نتشاور في الأمر وقد أحسسنا لأول مرة بالخطر الحقيقي، فإنه لم يكن يهمنا أن ترتوي ثيابنا ولا أن تتعب أجسامنا ولا أن تفسد ملابسنا ما دام في ذلك تحقيق أمنيتنا في إتمام رحلتنا، لكن أن نضل الطريق في هذه المتاهة الموحشة، وأن ننقطع عن العالم في هذه الأرض الفقراء ولا طعام عندنا ولا بنزين يكفينا ولا عابر يمر بنا فذلك أمرٌ مخيفٌ حقاً.
وبعد مؤتمر بين السائق والشرطي قرر السائق الاتجاه إلى اليسار والاسترشاد ببعض المعالم التي زعم أنها يمكن أن ترشده، فمشى غير بعيد، وإذا بنا أمام خيام من الشعر لبعض البدو الضاربين هنالك، فخفناهم لأول وهلة وتقدم إليهم ببندقيته يسألهم عن الأخيضر، فأشاروا إلى اتجاه سلكه السائق مستعيناً بالله، وبينما نحن نجدّ السير واجمين إذ لاحت لعيني إلى يميننا غمامة دكناء بين تلك الغيوم الكثيفة التي تغطي الأفق وترسل علينا المطر مدراراً، فرحت أحدق فيها طويلاً، وكلما أمعنا في السير ازدادت وضوحاً وجلاءً، فأشرت للسائق أن يرى ما أرى، فما كاد يرسل طرفه إليها حتى صاح: الأخيضر!…
ومال بسيارته فرحاً مستبشراً، ثم أخذ الأخيضر يتجلّى أمامنا حتى بدا على صورته الضخمة، ثم وقفنا عليه ودخلنا باحته مسرعين ما استطعنا إلى الإسراع سبيلاً. وهكذا أضاع علينا المطر ما كنا نرجوه من المكوث في الأخيضر مكوثاً نستطيع معه أن نصف الأخيضر وصفاً صحيحاً لأن نظراتنا كانت خاطفة ومكوثنا قصيراً، وكل ما نقوله: إن الأخيضر على ما أبصرناه لغز من الألغاز التاريخية التي تعيي الباحثين وتحيّر الدارسين، فمن هو باني هذا القصر الهائل، ولماذا اختار بناءه بعيداً عن العمران، وبعيداً عن الماء والظلال، وكيف بناه بالصخر الأصم مع أن الصخر مفقود في العراق حتى أن أعرق المدن العراقية عمراناً ومدنية في التاريخ لم تبن إلا بالآجر، فدرست وبليت ولم يبق إلا التافه الذي لا يدل على شيء من عظمتها ومجدها، فالسومريون والبابليون والأشوريون عفت الأيام على مدنهم وقصورهم وتركتها ركامات من التراب. وأما الأخيضر فلا يزال شامخ الأركان وطيد البنيان لم تزعزعه العصور ولم تنقضه الدهور. فبابل مضت إلا بقايا لا غناء فيها، و(أور) ذهبت إلا فجوات وربوات و(نينوى) زالت إلا تلالاً وأخاديد، والأخيضر لا يزال في صميم الصحراء على ما تركه بانوه من فخامة البناء ورحابة الفناء، لا يشكو إلا إقفاره من قاطنٍ وخلوّ مقاصيره من ساكنٍ.
الأخيضر
ـ2ـ
على بعد 55 كم من مدينة كربلاء، تنتصب قلعة عظيمة. شامخة تقف كسدّ عظيم رغم تعاقب السنين، ولم تتأثر بما مرّ فيها من ريحٍ ونزل بها من مطرٍ. وما أكثر قلاع العهد الساساني الأول ـ الذي امتدت فيه حدود الأمبراطورية حتى مشارف البحر الأبيض المتوسط ـ التي بناها في أماكن مختلفة لحفظ أمن البلاد، ومن هذه القلاع المحكمة، قلعة الأخيضر التي تقع في وسط الصحراء بالعراق.
وقد اختلف المؤرخون كثيراً في تحديد من بناها، إلا أن الدكتور مصطفى جواد يذهب إلى أن من بنى هذه القلعة هو الملك الساساني الكبير شابور ذو الأكتاف، وقد أقام على هذا القول أدلة كثيرة ونلخص هنا أقواله في هذا الشأن.
الأخيضر قلعة شامخة، تحتوي على آثار عظيمة لفتت أنظار علماء الآثار والمؤرخين من بلدان الشرق والغرب وقد كتب في وصفها الكثير من هؤلاء والعديد من السائحين مقالات وكتباً، بلغات مختلفة، ولكن لم يدرك حقيقتها التاريخية أحدٌ سوانا. فالأخيضر إنما بني لفرضين، لأجل السكن والدفاع. وقد بنيت هذه القلعة في أرضٍ مرتفعةٍ من الصحراء الغربية في العراق التي تقع إلى الغرب من نهر الفرات وهي تبعد عن كربلاء 55 كم إلى الجنوب الغربي منها.
في كربلاء ثمة منخفضٍ قريبٍ من قلعة الأخيضر، تتجمع فيه مياه الأمطار. ويسمى هذا المنخفض باسم (شعيب) تارةً وباسم (الأبيض) تارةً أخرى، تتكون أرضه من طبقةٍ رمليةٍ، وتحتها أرض قوية تمنع غور الماء، ويمنعه الرمل من التبخر، ويتصل منخفض الأبيض بمنخفض حوران، وتحدّه من أطرافه سهول خضراء ومراتع خصبة، يقدم إليها مختلف القبائل، وقد استعير اسم الأخيضر من الخضرة، لأن أغلب السهول المتاخمة له خضراء.
احتلت (الأخيضر) موقعاً مهماً في الأزمنة القديمة، لكونها مركزاً للطرق والقوافل ومسالك الحروب، ولا تزال آثارها إلى الآن سالمة نسبياً. والقلعة نفسها واقعة في صحراء بعيدة عن الفرات، وقد زادت المسافة بينهما أثر تغيير الفرات مساره نحو الشرق فالكل يعلم أن الحسين (ع) استشهد على ضفاف نهر الفرات بينما يبعد مرقده الآن عن النهر حوالي 10 كم.
إن وجود قلعة الأخيضر في هذه المنطقة وآثارها في الصحراء وقوتها ومناعتها، تعيد إلى أذهاننا حروب إيران والروم، والتجهيزات الحربية التي كان الإيرانيون يستعملونها للدفاع عن أمبراطوريتهم. وتعيد هذه القلعة إلى أذهاننا أيضاً الأسلحة والتجهيزات الحربية التي كانت توضع في القلاع الحربية لمنع تقدم العدو في أرض البلاد.
مشخصات قلعة الأخيضر
قلنا آنفاً أن الأخيضر من البنايات التي أنشئت للسكن والدفاع وهي قلعة مربعة الشكل، يبلغ طول كل ضلعٍ منها 169م، ويبلغ ارتفاع جدرانها 21م، وقاعدتها 4.5م. وعلى بعد ثمانين متراً تقبع آثار الجدار الخارجي للقلعة وهو ذو أضلاع ثلاثة. وفي داخل الجدار الداخلي قصرٌ عظيمٌ مستطيل الشكل، طوله 112م وعرضه 80م، وهو يتصل بالجدار المذكور من جهة الشمال، وتفصله فسحة عن الجدار من الجهات الأخرى. ففسحة الشرق والغرب بعرض 30م، بينما يبلغ عرض الفسحة الجنوبية 50م.
يتكون هذا القصر من طابقين، وفي الطابق العلوي ارتفاعات أنشئت لأغراض المراقبة والرصد، وهي دقيقة ومنظمة، إلا أن بعض أجزائها يختلف عن البعض الآخر بسبب أعمال الترميم التي أجريت عليها على مرّ الزمن، أو لموافقة حياة الناس.
يشتمل الجدار الداخلي للقلعة على سلسلة من الأبراج المتصلة به، فقد بني في كل ركنٍ من أركان هذا الجدار برجٌ عظيمٌ يبلغ قطره 5 أمتار، وثمة برج كبير ذو أبواب في وسط كل ضلع من الأضلاع، وبين كل واحد من أبراج الأطراف والبرج المركزي هناك خمسة أبراج، يبلغ نصف قطر الواحد منها ثلاثة أمتار. ويبلغ عدد أبراج القصر 48 برجاً، وبالإضافة إلى ذلك، فإن الجدار الخارجي يحتوي على أبراج صغيرة، وبهذا يكون عدد خطوط الدفاع عن القصر ثلاثة.
والأمر الذي يضفي على الجدار قوة واستحكاماً هو أن 10 أمتار مما بني على الأرض ينقسم إلى جدارين، داخلي وخارجي يفصل بينهما دهليز، يتصل بكل برج من طريق طاق صغير. وتحتوي جدران الأبراج على فتحات تستعمل لإطلاق النبال وأسباب الحرب الأخرى، ولم يستعمل الخشب في سقف الغرف والدهليز خشية أن يؤثر عليه الماء أو النار، ومن ثم بنيت على شكل الطاق.
يتكون جدار قلعة الأخيضر من الصخور المثبتة بالجص، ولكن الصالة والإيوان مبنيان من الآجر المعروف الذي يصنع في العراق. وقد زينت الجدران بطلاءٍ من الجص الأبيض على أشكال هندسية مختلفة، ولا تزال آثار هذا الطلاء بادية في أكثر الأجزاء ويتّخذ من إحدى الرواقات الغربية للقصر مسجد، خلافاً لما كانت عليه في السابق، ويمكن القول إن هذه القلعة العظيمة هي غاية في القوة والمنعة.
وماذا عسانا نقول بشأن جدران يبلغ عرض قاعدتها 4.5م وارتفاعها 21م، وقلعة تبلغ مساحتها 28.900؟ تلك القلعة التي كانت تستوعب في داخلها حين الحصار آلاف الجنود والمحاربين. وفي ذلك دليلٌ قاطعٌ على أن الذي بنى هذه القلعة لا بد أن يكون دولة قوية، لأن بناءها أمر خارج عن قدرة الأفراد، خصوصاً في مثل هذه الصحراء التي تفتقد إلى الطرق والاتصال مع المدن.
ويصعب كثيراً على المؤرخين وعلماء الآثار تحديد تاريخ بناء هذه القلعة، لافتقادها لأي نوع من الكتابة والنقوش التي تشير إلى هذا التاريخ. ومما يزيد في هذه الصعوبة، قيامها في صحراء مهجورة، بعيدة عن الناس وطرق تنقّلهم. ولكن عظمة هذه القلعة جلبت علماء الآثار نحوها.
واختلف علماء الآثار في تحديد تاريخ بناء هذا الأثر الذي يعد من عجائب الآثار القديمة كما اختلفوا بشأن قصور وبنايات الشام القديمة. واشترك المؤرخون في الاختلاف مع علماء الآثار الذين يستفيدون في معرفة الآثار التاريخية من أسلوب النقوش والرسوم الموجودة على الجدران، ومن نمط البناء والفنون المستعملة فيه.
وفي مجال الكتابة عن تاريخ الأخيضر كان الكتاب الأخير الذي كتب بهذا الشأن، هو كتاب (ساطع الحصري)، وقد ورد في صفحة 22 من هذا الكتاب ما يلي: «… والغريب أن تاريخ بناء قصر وقلعة الأخيضر بقي مبهماً على الرغم من عظمة هذا البناء وأهميته وموقعه وشموخه، إذ لا يتوفر أثر لكتابة أو نقش يدل على هذا التاريخ، ولم تشر كتب التاريخ والجغرافيا القديمة إليه بعبارة صريحة واضحة. والإشارة الصريحة الوحيدة إلى ذلك إنما وردت في القرن السابع عشر عن بعض الأوروبيين الذين شاهدوا المكان وكتبوا عنه. من هنا فإن كل ما هو معروف عن الأخيضر أو يسمع عنه، إنما هو افتراض وتصوّر وتخمين».
والأشخاص الأجانب الذين زاروا الأخيضر هم:
لوي ماسنيون في عام 1908، بترو دو لافاله (في أوائل القرن السابع عشر)، المس بيل عام 1909، فيوله وديولافوار موزيل وأسكار رويتر بين عامي 1910 و1912.
وفي مقال نشر في إحدى المجلات العراقية المعروفة تحت عنوان (قصر الأخيضر)، يذكر الالوسي أن (ديولافوا) المهندس وعالم الآثار يعتقد بأن تاريخ بناء هذا القصر في الربع الأخير من القرن السادس الميلادي أي عصر ما قبل الإسلام، ودليله على ذلك هو أن فن تزيين الأبنية بلغ ذروته في عهد السومريين، ومن ثم فإن كل بناء لا يستعمل فيه هذا الفن (كما في قصر الأخيضر) إنما يكون على الأرجح من آثار عصر ما قبل الإسلام.
ويضيف صاحب المقال المذكور قائلاً: يعتقد المهندس فيوله بأن بناء قصر وقلعة الأخيضر تمّ في عصر الإسلام، وتؤيده المس بيل في هذا الرأي. بينما يقول الأستاذ ماسنيون: إذا لم يكن قصر الأخيضر هو قصر الخورنق أو السدير، فأغلب الظن أنه قصر السندان.
ويؤيد صاحب المقال ما يذهب إليه محمود شكري الألوسي بشأن الأخيضر، حيث يقول الألوسي: إن كلمة الأخيضر هي في الأصل (الأكيدر) نسبة إلى الملك أكيدر الأشكوتي الكندي، ثم حرفت فيما بعد إلى الأخيضر.
وقد ذكر في نفس المجلة في بحث حول قصر (بلكوارا)([259]) الواقع في سامراء والذي اكتشفه الدكتور هرتسفلد عام 1913 ما يلي: «يشبه هذا القصر (قصر بلكوارا) في بنائه قصرين معروفين، هما: قصر المشتى الذي بناه يزيد الثاني (أحد خلفاء بني أمية) وقصر الأخيضر الذي بناه الأكيدر، ولكنه أكبر منهما».
وقد ثبت لنا أن الدكتور هرتسفلد لم يكن يعرف موقع قصر بلكوارا. وإذاً فكيف يقارنه بقصر الأخيضر؟ فقصر بلكوارا يقع في القادسية، أي بين بغداد وسامراء.
وقد كتب الجهشياري ما نصّه: «بنى المتوكل قصره المشهور (بلكورا) في القادسية، ثم أهداه لابنه المعتز بعد الفراغ من بنائه. وهذا القصر هو من أفضل قصور المتوكل». وكان الجهشياري قد ذكر قبل ذلك بأنه «تبلغ المسافة بين سامراء والقادسية أربعة فراسخ». وعلى هذا تكون المسافة بين سامراء والقادسية حوالي 24كلم.
ومما آثار دهشتنا واستغرابنا أن أحد المؤرخين الأوروبيين يرى أن الأسلوب المعماري في قصر الأخيضر إنما هو من الأساليب المعمارية الإسلامية، ثم يقارن بينه وبين قصور أخرى ليثبت إسلامية هذا القصر وعروبته من حيث الفن والتاريخ. والحال أن ثمة تشابهاً كبيراً بين طاق كسرى وجدران الأخيضر، والأول هو من أبنية الساسانيين، وهذه حقيقة يعرفها الجميع.
تشتمل قلعة الأخيضر على مرحلتين من المراحل المعمارية. فقد زارها أحد المؤرخين في شهر مايس عام 1912 وذكر أن فيها إيواناً من طين يشبه الإيوان الموجود في قصر الخليفة في سامراء. وأغلب الظن أن هذا الإيوان قد تمّ بناؤه بعد بناء القصر بقرنٍ أو قرنين أو أكثر لأنه لا يشبهه مطلقاً.
ثم يضيف مقال الأخيضر قائلاً: «وعلى وجه اليقين فإن قصر الأخيضر لا يعود إلى عصرٍ أو وقتٍ واحدٍ، فالبناء الداخلي وهو يشبه البناء الخارجي الذي أضيف فيما بعد، تمّ بناؤه بعد الانتهاء من بناء القلعة والقصر، إذ أن هذين البناءين لا يتناسبان مع الترتيبات الداخلية التي بنيت بصورة دقيقة، وما عدا هذين القسمين فإن جميع أبنية القصر والقلعة قد تمّ بناؤها بصورة متناسقة ودقيقة.
من هنا نستطيع القول بأن هذين القسمين لم يكونا ضمن الخريطة الأصلية للقصر، وإنما أضيفا إليه حسب اقتضاء الضرورة والحاجة.
يظهر الاختلاف بجلاءٍ في أقوال المحققين والباحثين بشأن هذا القصر، فمنهم من قال بأن الأخيضر هو (قصر مقاتل) أو قصر (بني التمر و(الشام) ونسبه إلى مقاتل بن حيان، وذكر بأنه يقع بالقرب من (القطقطانة)، وهو قصرٌ معروفٌ على طريق الشام، بالقرب من الكوفة. والقطقطانة أقرب إلى الكوفة من قصر الأخيضر.
وليس ثمة أدنى شكّ في خطأ هذا الرأي، لأن قصر الأخيضر إنما بني لغرض الدفاع، وتدل آثاره على أنه قصرٌ امبراطوريٌّ.
وفي الحقيقة ليس هناك نظير في العراق لقلعة الأخيضر من حيث الشكل والعظمة وطراز البناء. وقد بنيت للدفاع عن مدينة كبيرة، ولم يحدث في العصور الإسلامية أن بني مثلها، إذ لم يكن هناك حاجة إليها. من هنا نعلم أن بناء هذه القلعة كان في العصور التي تقدمت على الفتوحات الإسلامية وفقاً لعادات وتقاليد تلك العصور، في سبيل الدفاع عن الأمبراطورية الساسانية.
وتعرف هذه القلعة المنيعة أيضاً بقلعة (عين التمر) التي كان خالد بن الوليد قد فتحها عام 12هـ بعد نهاية معركة اليمامة وحركته نحو الطفوف في غرب العراق وصحراء السماوة.
ويأتي إلحاق اسم (عين التمر) بهذه القلعة بسبب قربها من عين التمر. وتسمى أيضاً في بعض الأحيان باسم شفاثة، لأن شفاثة إحدى القرى التابعة لعين التمر. وفي ذلك دليل على أن عين التمر كانت تبعد عن القلعة بمسافة معينة وأن القلعة كانت منفصلة عنها، وإنما أنشئت للدفاع عن حدود الأمبراطورية الساسانية.
ويدري القارىء مما مضى أن قلعة الأخيضر واحدة من الأبنية الإيرانية الكسروية، وقد ذكرت عظمتها في أقوال ومؤلفات العرب والإيرانيين وفي أخبار الفتوحات الإسلامية.
يقول البلاذري: «تشبه عين (الطف) عيون الصيد والقطقطانة والرهيمة والجمل، ومياه هذه العيون تصب في خندق شابور» وفي معجم البلدان يقول ياقوت الحموي: «يقع خندق شابور في صحراء الكوفة وقد حفره شابور، ملك إيران ليكون حاجزاً بينه وبين العرب من جانب هيت وطف البادية وكاظمة (أصبحت الآن جزءاً من أراضي الكويت) بالقرب من البصرة».
من هنا يتبين أن قلعة الأخيضر هي إحدى الأبنية والاستحكامات التي بناها شابور ذو الأكتاف للدفاع عن غرب البلاد، وقد بني مثل هذه القلعة العظيمة في عهد حكومة شابور القوية التي استمرت من عام 310م وحتى 381م.
وورد في الأخبار أن شابور بعد أن افتتح قلعة الأخيضر ومدينة الحضر الواقعة مقابل مدينة تكريت على نهر الثرثار بين دجلة والفرات، فإنه دفع ابنه إلى الزواج في عين التمر. ويظهر من هذه الأخبار أن بناءً شامخاً وعظيماً كان على وجه الخصوص في عين التمر، لأن ذلك هو شأن أمبراطورية إيران. ولعل الأخيضر كان في محل عين التمر الحالية.
والأمر الآخر الذي يثبت أن عين التمر كانت تحتوي على قلعة عظيمة هو قول البلاذري بشأن انتصار خالد بن الوليد على الأجزاء الغربية من العراق عام 12 للهجرة، حيث قال ما مضمونه: «وصل خالد بن الوليد بالقرب من عين التمر، وتمركز إزاء قلعتها وكان في القلعة قوة مسلّحة من الأعاجم، فخرجت إليه واشتبكت مع قوته، ولكنها لم تقو على الصمود فانسحبت إلى داخل القلعة وتحصنت فيها، ثم طلبت الأمان ولكن خالداً تمكن من فتح القلعة بالقوة، فقتل عدداً كبيراً ممن كان فيها».
وأورد الطبري بالتفصيل خبر فتح القلعة المذكورة، حيث قال ما مضمونه: «كان يقيم في عين التمر آنذاك مهران بن بهرام كور أحد القادة الإيرانيين، وكان فيها أيضاً عدد كبير من العرب والإيرانيين مثل عقة ابن أبي عقة المتين وإياد وغيرهما.
تحصن مهران مع عدد كبير من الإيرانيين في قلعة عين التمر (التي هي ـ كما ذكرنا ـ قلعة الأخيضر)، فهاجمهم خالد بن الوليد واشتبك الفريقان، فاضطر الإيرانيون إلى التقهقر ودخول القلعة، ثم أسر خالد عدداً كبيراً منهم وقتل آخرين. ويضيف الطبري قائلاً ما مضمونه: «غنم خالد بن الوليد كل ما كان في القصر، وفي بعض نواحي القصر رأى باباً مغلقاً وخلفه أربعون من الغلمان يقرؤون الإنجيل فأطلقهم، ومن بينهم أب زياد مولى ثقيف وحريت وعلاثة وعمر وأبو قيس».
من هنا فإن قول البلاذري بأن قوة مسلحة إيرانية كانت في قلعة عين التمر، وكذلك قول الطبري من أن كسرى كان يحتفظ بقوة من الجيش الإيراني في قلعة عين التمر… كل هذه الأقوال تبيّن لنا خصائص قلعة الأخيضر وتحول الرأي القائل بأن الأخيضر الحالية هي نفس قلعة الأخيضر إلى حقيقة واقعة. إذ لا تزال آثار الكنيسة قائمة إلى الآن بوضوح. وهي نفس الكنيسة التي حولها المسلمون بعد فتح القلعة إلى مسجد، والغريب أن الذين ذكروا المسجد لم يحملوا أنفسهم أعباء التحقيق بشأنه.
وسكن القلعة بعد الفتوحات الإسلامية عرب البادية، وخصوصاً بنو أسد. واتّخذ منها ضبة بن محمد بن يزيد العيني ملجأ له، ينطلق منه إلى قطع الطرق وسلب أموال الناس، فكان يلقي الهلع والرعب في القلوب، وقد تحدث المتنبي ومسكويه وابن الجوزي وابن الأثير وغيرهم عن قساوة ضبة والفجائع التي كان يرتكبها، وذكر هؤلاء أنه كان يقوم بقطع الطريق ونهب أموال الناس ثم يلجأ إلى القلعة فيتحصّن فيها. وقد أرسل عضد الدولة قوة لمهاجمة القلعة فلم يرَ ضبة بدّاً من الفرار.
وفي أواخر القرن الخامس الهجري، سيطرت قبيلة خفاجه على قلعة عين التمر (قلعة الأخيضر)، وفي أيام حكومتهم في هذه المنطقة أضافوا للقلعة أبنية أخرى وأقاموا فيها استحكامات جديدة، وفي عام 448هـ سافر محمود بن أحزم رئيس قبيلة خفاجه إلى مصر للقاء الخليفة المستنصر الفاطمي فيها. ثم خرج منها محملاً بأموال كثيرة وعاد إلى شفاثة وعين التمر والكوفة، وخطب فيها مادحاً المستنصر. ثم خرج محمود عن طاعة هذا الخليفة، ويذكر ابن الأثير أنه اتّفق مع الخليفة القائم بأمر الله العباسي والسلطان طغرل بيك السلجوقي. وحين أمر أرسلان أبا الحارث البساسيري بالتوجه لاحتلال العراق، قام بتعيين محمود بن أحزم حاكماً على الكوفة.
وكذلك تحدث سبط ابن الجوزي بالتفصيل عن أحداث تلك السنة، ومن خلال حديثه عن قلعة عين التمر ومعقل الخفاجيين يمكن أن ندرك مدى استحكام هذه القلعة وسعتها ومتانتها. وفي عام 455 قتل محمود الخفاجي على يد رجب بن منيع وشخص آخر، ويذكر سبط ابن الجوزي أن رجب السوكلي حمل محموداً معه إلى قلعة شفاثا، فلما رأته زوجته وكانت تحبه ألقت بنفسها من أعلى القلعة فماتت. وما يخص بحثنا هنا هو أن المؤرخ المذكور ذكر اسم قلعة شفاثا، والمقصود هو قلعة عين التمر، إذ لم نر في التاريخ قلعة بهذا الاسم، ولعل السبب في ذلك هو قرب المدينتين من بعضهما.
وينقل أن السوكلي ألقى بنفسه من جدار قلعة عين التمر الذي يبلغ ارتفاعه 21م فمات. وطبيعي أن من يلقي نفسه من ارتفاع كهذا لا بدّ أن يهلك.
وأما القول بأن الأخيضر كانت سجن الخفاجيين، فإن القول الشائع في الشام بأن قصر الأخيضر هو قصر الخفاجي يؤيد ذلك. وتشير جميع الأدلة والظواهر إلى أن قلعة الأخيضر العظيمة هي ذاتها قلعة عين التمر، ولسنا نقول ذلك من باب الشبهة والشك.
وتشير الحوادث التاريخية إلى أن قلعة عين التمر فقدت جزءاً من استحكاماتها ومنعتها. وفي عام 693 بعث السلطان كيخنوا الإيلخاني جماعة من الجند إلى هذه القلعة، فنهبوا أموال الناس، وارتكبوا بحقهم أعمالاً مشينة، وقد ذكرت هذه الحادثة في أشعار صفي الدين الحلي.
وفي نهاية بحثنا نذكر أن قلعة الأخيضر تقع على بعد 55 كم من كربلاء، إلى الغرب من نهر الفرات، وهي قلعة كبيرة وعظيمة لا مثيل لها في المنطقة ولا سيما في العراق، ومما يميزها عن القلاع الأخرى أنها مبنية من قطع الصخور التي يندر أن توجد في تلك المناطق.
والأخيضر قلعة قديمة، لا نظير لها في عظمتها وأسلوب بنائها والمواد التي استعملت فيها. وليس من الممكن أن تكون قد بنيت إلا على يد دولة كبيرة. تقع في مركز الطرق التجارية والعسكرية بين الشام والجزيرة العربية والعراق، وقد أحدثت للدفاع عن الأمبراطورية الساسانية، ومن هنا أرجح أن يكون بناؤها في عهد شابور ذو الأكتاف (210 ـ 281م) وهي تشبه كثيراً ـ في بعض النواحي ـ إيوان كسرى. وقد عرفت لدى العرب بقلعة عين التمر وأن خالد بن الوليد هو الذي فتحها. وكانت تحت سيطرة عرب العراق. وقد رممت مراراً، وأضيفت إليها بعض الأبنية.
الأدارسة([260])
169 ـ 313هـ
نقدم هنا تلخيصاً لتاريخ قيام الدولة الأدريسية في المغرب، ثم نتبعه بتفاصيل واسعة. والمقصود بهذا أن تتكون لدى القارىء أولاً فكرة عن الأدارسة وابتداء أمرهم وانتهائه، ثم يدخل بعد ذلك في التفاصيل.
لما كانت (169هـ) في خلافة موسى الهادي العباسي، خرج بالمدينة الحسين بن علي ابن الحسن المثلث بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب (ع) وكان معه جماعة من أهل بيته منهم إدريس ويحيى وسليمان بنو عبدالله بن الحسن المثنى وهم أخوة محمد النفس الزكية فكان من أمرهم ما يأتي:
كان سبب خروج الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب أن موسى الهادي ولّى المدينة اسحاق بن عيسى بن علي (ابن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور)، فاستخلف عليها رجلاً من ولد عمر بن الخطاب يعرف بعبد العزيز بن عبدالله (ابن عمر الخطاب) فحمل على الطالبيين وأساء إليهم وأفرط في التحامل عليهم وطالبهم بالعرض (إثبات الوجود) في كل يوم وكانوا يعرضون في المقصورة وأخذ كل واحد منهم بكفالة قريبه ونسيبه. وأخذ الحسن بن محمد بن عبدالله بن الحسن ومسلم بن جندب الهذلي الشاعر وعمر بن سلام مولى آل عمر بن الخطاب وهم مجتمعون وافترى عليهم بأنه وجدهم على شراب، وابن الأثير قال على نبيذ، فأمر بضربهم: الحسن ثمانين سوطاً وابن جندب خمسة عشر سوطاً وابن سلام سبعة أسواط وجعل في أعناقهم حبال وطيف بهم في المدينة مكشفي الظهور ليفضحهم.
قال أبو الفرج فبعثت الهاشمية صاحبة الراية السوداء في أيام محمد بن عبدالله فقالت له:لا ولا كرامة،لا تشهّر أحداً من بني هاشم وتشنع عليهم وأنت ظالم، فكفَّ عن ذلك وخلّى سبيلهم. وقولها (وأنت ظالم) دال على أنه ظلمهم بمجرد افتراء لا حقيقة له، وقال له: قد ضربتهم ولم يكن لك أن تضربهم لأن أهل العراق لا يرون بالنبيذ، بأساً، فلم تطوف بهم؟ فأمر فردوا وحبسهم، ثم إن الحسين بن علي بن عبدالله بن الحسن كفيل الحسن بن محمد فأخرجه العمري من الحبس. قال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين: ووافى أوائل الحاج وقدم من الشيعة نحو من سبعين رجلاً فنزلوا دار ابن أفلح بالبقيع ولقوا حسيناً وغيره وبلغ ذلك العمري فأنكره وغلظ أمر العرض وولّى على الطالبيين رجلاً يعرف بأبي بكر بن عيسى الحائك مولى الأنصار فعرضهم يوم جمعة فلم يأذن لهم في الانصراف حتى بدأ أوائل الناس يجيئون إلى المسجد، ثم أذن لهم فكان قصارى أحدهم أن يغدو ويتوضأ للصلاة ويروح إلى المسجد، فلما صلوا حبسهم في المقصورة إلى العصر ثم عرضهم فدعا باسم حسن بن محمد فلم يحضر، فقال ليحيى وحسين بن علي لتأتياني به أو لأحبسكما فإن له ثلاثة أيام لم يحضر العرض، وقال ابن الأثير فغاب الحسن بن محمد عن العرض يومين، قال أبو الفرج: فراده بعض المرادة وأسمعه يحيى وخرج فمضى ابن الحائك فدخل على العمري فأخبره. فدعا بهما فتهدّدهما وأغلظ، (قال في أعيان الشيعة) هنا موضع قول أبي تمام:
| فعلتم بأبناء النبي ورهطه | أفاعيل أدناها الخيانة والغدر |
وقول الشريف الرضي:
| ليس هذا لرسول الله يا | أمة الطغيان والبغى جزا |
وتسليط الحائك عبد الأنصار على آل رسول الله (ص) بحبسهم، ويتهددهم بغير ذنب أقل بقليل مما فعل معهم من الفظائع. قال أبو الفرج: فتضاحك حسين في وجه العمري وقال: أنت مغضب يا أبا حفض، فقال له العمري: اتهزؤني وتخاطبني بكنيتي؟ فقال: لقد كان أبو بكر وعمر وهما خير منك يخاطبان بالكنى فلا ينكران ذلك وأنت تكره الكنية وتريد المخاطبة بالولاية؟ فقال له: آخر قولك شر من أوله، فقال معاذ الله يأبى الله لي ذلك ومن أنا منه فقال له: أفإنما أدخلتك إليّ لتفاخرني وتؤدبني؟ فغضب يحيى فقال له فما تريد منا؟ قال: أريد أن تأتياني بحسن بن محمد، فقالا: لا نقدر عليه، هو في بعض ما يكون فيه الناس، فابعث إلى آل الخطاب فاجمعهم كما جمعتنا ثم أعرضهم رجلاً رجلاً فإن لم تجد فيهم من قد غاب أكثر من غيبة حسن عنك قد أنصفتنا. فحلف على الحسين بطلاق امرأته وحرية مماليكه أنه لا يخلي عنه أو يجيئه به في باقي يومه وليلته وإنه إن لم يجئ به ليركبن إلى سويقة (وهي موضع قرب المدينة فيه مساكن ونخيل للحسنيين) فيخربها أو يحرقها وليضربن الحسين ألف سوط، وحلف بهذا اليمين أن عينه إن وقعت على الحسن بن محمد ليقتله من ساعته.
قال في أعيان الشيعة: بمثل هذه السياسات الخرقاء كانت تدار بلاد الإسلام، يولى على أشراف الناس من في قلبه الضغائن عليهم حتى يحرجهم ويضطرهم إلى فعل ما لا يمكن أن يفعلوه أو الخروج عليه فتراق الدماء وتنتهك حرمات الله وتنهب الأموال ويجري أفظع الظلم والفساد، كيف يمكن أن يجيء حسين ويحيى بابن عمهما إلى العمري فيقتله؟ أو لا يجيئان به فيخرب ملكهما الذي به معاشهما ويضرب الحسين ألف سوط؟ وهل بعد هذا مخرج إلا الخروج عليه وما هو الذنب الذي استوجبوا به هذا؟ فوثب يحيى مغضباً فقال له أنا أعطي الله عهداً وكل مملوك لي حرّ إن ذقت الليلة نوماً حتى آتيك بحسن بن محمد أو لا أجده فأضرب عليك بابك حتى تعلم أني قد جئتك. وخرجا من عنده مغضبين وهو مغضب، فقال حسين ليحيى: بئس- لعمر الله- ما صنعت حين تحلف لتأتينه به وأين تجد حسناً؟ فقال: لم أرد أن آتيه بحسن لا والله بل أردت أن دخل عيني نوم حتى أضرب عليه بابه ومعي السيف أقتله به إن قدرت عليه فقال حسين: هذا ينقض علينا ما كان بيننا وبين أصحابنا من الميعاد، وكانوا تواعدوا أن يظهروا بالموسم فقال يحيى: قد كان ذلك وإنما بيننا وبين ذلك عشرة أيام حتى نسير إلى مكة فوجه الحسين إلى حسن بن محمد فقال: يا ابن عم قد بلغك ما كان بيني وبين هذا الفاسق فامض حيث أحبيت فقال الحسن: لا والله يا ابن عم بل أجيء معك الساعة حتى أضع يدي في يده فقال له الحسين ما كان الله ليطلع علي وأنا قادم على محمد (ص) وهو خصيمي وحجيجي في أمرك ولكني أفديك بنفسي لعل الله أن يقيني من النار وعملا في الخروج من ليلتهم ووجه الحسين فجاءه يحيى وسليمان وإدريس بنو عبدالله بن حسن بن عبدالله بن حسن وعبدالله بن حسن الأفطس وإبراهيم بن إسماعيل طباطبا وعمر بن الحسن بن علي بن حسن بن حسن وعبدالله بن إسحاق بن إبراهيم بن حسن بن حسن بن علي، وعبدالله بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، ووجهوا إلى فتيان من فتيانهم ومواليهم فاجتمعوا ستة وعشرين رجلاً من ولد علي (ع) وعشرة من الحاج ونفراً من الموالي وجاء يحيى فضرب على العمري باب داره فلم يجده وجاؤوا فاقتحموا المسجد وقت الصبح ثم نادوا: أحد، أحد. وصعد عبدالله بن حسن الأفطس المنارة التي عند رأس النبي (ص) عند موضع الجنائز فقال للمؤذن: أذّن بحيّ على خير العمل فلما نظر إلى السيف بيده أذّن بها وسمع العمري فأحس بالشر ودهش وصاح اعلقوا البغلة بالباب وأطعموني حبتي ماء فولده الآن بالمدينة يعرفون ببني حبتي ماء ثم مضى هارباً على وجهه يسعى ويخرج منه الريح هذه رواية المقاتل وتدل رواية ابن الأثير الآتية أن العمري بقي إلى ما بعد ذلك فصلى الحسين بالناس الصبح فلما فرغ من الصلاة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال (أيها الناس) أنا ابن رسول الله على منبر رسول الله وفي حرم (مسجد) رسول الله أدعوكم إلى سنة رسول الله (ص) (وفي رواية) أدعوكم إلى كتاب الله وسنة رسول الله استنقاذاً مما تعملون، أيها الناس أتطلبون آثار رسول الله في الحجر والعود تتمسحون بذلك وتضيعون بضعة منه؟ فقام الناس فبايعوه. وروى أبو الفرج في المقاتل بسنده: أنه لما كانت بيعة الحسين بن علي صاحب فخّ قال أبايعكم على كتاب الله وسنة رسول الله (ص) وعلى أن يطاع الله ولا يعصى وأدعوكم إلى الرضا من آل محمد، وعلى أن نعمل فيكم بكتاب الله وسنة نبيه (ص)، والعدل في الرعية، والقسم بالسوية، وعلى أن تقيموا معنا وتجاهدوا عدونا فإن نحن وفينا لكم وفيتم لنا، وإن نحن لم نف لكم فلا بيعة لنا عليكم. قال أبو الفرج ودعا بالشهود العدول الذين كان العمري أشهدهم عليه بأن يأتي بالحسن إليه وقال للشهود: هذا الحسن قد جئت به فهاتوا العمري وإلا والله أخرجت من يميني قال وجاء حماد البريدي([261]) وكان مسلحة للسلطان بالمدينة ومعه أصحابه في السلاح حتى وافوا باب المسجد الذي يقال له باب جبرئيل فقام إليه يحيى فضربه بالسيف على جبينه وعليه البيضة والمغفرة والقلنسوة فقطع ذلك كله وأطار مخّ رأسه وحمل على أصحابه فانهزموا ويدل كلام ابن الأثير أن يحيى وإدريس معاً قتلا البريدي فإنه قال: وجاء خالد البريدي في مائتين من الجند وجاء العمري ومعهم ناس كثير فدنا خالد منهم فقام إليه يحيى وإدريس ابنا عبدالله بن الحسن فضربه يحيى على أنفه فقطعه، ودار إدريس من خلفه فضربه فصرعه ثم قتلاه فانهزم أصحابه ودخل العمري في المسودة فحمل عليهم أصحاب الحسين فهزموهم من المسجد وانتهبوا بيت المال وفيه بضعة عشر ألف دينار، وقيل سبعون ألفاً وتفرّق الناس وأغلق أهل المدينة أبوابهم فلما كان الغد اجتمع عليهم شيعة بني العباس فقاتلوهم وفشت الجراحات في الفريقين واقتتلوا إلى الظهر، وكان مبارك التركي قد حجّ في تلك السنة فبدأ بالمدينة فبلغه خبر حسين وقد اختلف قول المؤرخين في أمره فقيل أنه أتى شيعة بني العباس فقاتل معهم فاقتتلوا أشدّ قتال إلى منتصف النهار ثم تفرقوا ورجع أصحاب الحسين إلى المسجد وواعد مبارك الناس في الرواح إلى القتال فلما غفلوا عنه ركب رواحله وانطلق وراح الناس فلم يجدوه فقاتلوا شيئاً من قتال إلى المغرب ثم تفرقوا وقيل أن مباركاً لم يقاتل الحسين بل أرسل إلى الحسين من الليل أني والله ما أحب أن تبتلي بي ولا أبتلي بك والله لأن أسقط من السماء فتخطفني الطير أيسر عليّ من أن تشوكك شوكة أو أقطع من رأسك شعرة فابعث الليلة إليّ نفراً من أصحابك ولو عشرة يبيتون عسكري حتى انهزم واعتل بالبيات فوجه حسين عشرة من أصحابه فلما دنوا من عسكره صاحوا وكبّروا في نواحي عسكره فطلب دليلاً يأخذ به على غير الطريق فوجده فمضى به حتى انتهى إلى مكة فصار مع بني العباس واعتلّ عليهم بالبيات فغضب عليه الهادي وأخذ ماله وجعله سائس الدواب.
قال ابن الأثير: وأقام الحسين وأصحابه أياماً يتجهزون فكان مقامهم بالمدينة أحد عشر يوماً ثم خرجوا إلى مكة لستٍ بقينَ من ذي القعدة فعاد الناس إلى المسجد. وبلغ خبرهم إلى الهادي فولّى الهادي محمد بن سليمان على الحرب وعسكروا بذي طوى. قال المسعودي: وكانوا أربعة آلاف فارس وتهيأ للمسير إلى حسين فسار حتى أتى بستان بني عامر فنزل وأرسل من ينظر له عسكر حسين فرجع الرسول له وقال ما رأيت خللاً ولا فللاً ولا رأيت إلا مصلياً أو مبتهلاً أو ناظراً في مصحف أو معداً السلاح فقال: هم والله أكرم خلق الله ثم سار إليهم قال: ولقيته الجيوش بفخّ فأمر موسى بن عيسى بالتعبئة.فالتقوا في يوم التروية وقت صلاة الصبح وكان أو ل من بدأهم موسى فحملوا عليه فاستطرد لهم شيئاً حتى انحدروا في الوادي، وحمل عليهم ابن سليمان من خلفهم فقتل أكثر أصحاب الحسين وجعلت المسودة تصيح يا حسين: لك الأمان، فيقول الأمان أريد؟ ما أريد الأمان، ويحمل عليهم يحيى، وكان حماد التركي ممن حضر وقعة فخٍّ فقال: أروني حسيناً فأروه إياه فرماه بسهمٍ فقتله فوهب له محمد بن سليمان مائة ألف درهم ومائة ثوب. وقال ابن الأثير: اقتتلوا يوم التروية فانهزم أصحاب الحسين وقتل منهم وجرح وانصرف محمد بن سليمان ومن معه إلى مكة ولا يعلمون ما حال الحسين فلحقهم خراساني يقول البشرى هذا رأس الحسين فأخرجه وبجبهته ضربة طولى وعلى قفاه أخرى، وقال المسعودي: قتل الحسين وأكثر من كان معه وأقاموا ثلاثة أيام لم يواروا حتى أكلتهم السباع والطير قال أبو الفرج: وأصاب الحسن بن محمد (وهو الذي تأخر عن العرض كما مرّ) نشابة في عينه فتركها فيها وجعل يقاتل أشدّ القتال فناداه محمد بن سليمان يا ابن خال: اتق الله في نفسك لك الأمان فقال والله ما لكم أمان، ولكن أقبل منكم ثم كسر سيفاً هندياً كان في يده ودخل إليهم فصاح العباس بابنه عبدالله: قتلك الله إن لم تقتله فقال له موسى بن عيسى: أي والله عاجلوه فحمل عليه عبدالله فطعنه وضرب العباس، وقيل موسى بن عيسى، عنقه بيده صبراً ونشب الخصام بين العباس ابن محمد ومحمد بن سليمان
وقال آمنت ابن خالي فقتلتموه؟ فقالوا نحن نعطيك رجلاً من العشيرة تقتله مكانه (وانتهت مهزلة نكث الأمان بهذا الجواب الفارغ) وقال ابن الأثير: كانوا قد نادوا بالأمان فجاء الحسن ابن محمد بن عبدالله فوقف خلف محمد بن سليمان والعباس بن محمد فأخذه موسى بن عيسى وعبدالله بن العباس بن محمد فقتلاه فغضب محمد بن سليمان غضباً شديداً (ولكن غضبه هذا الشديد لم يكن له أثر) وغضب الهادي على موسى بن عيسى في قتله الحسن بن محمد وقبض أمواله وكان يحيى الأقطع والد الفراء النحوي قد قطعت يده في الحرب مع الحسين صاحب فخ، وقال ابن الأثير: وأخذت رؤوس القتلى فكانت مائة رأس ونيفا وفيها رأس الحسن بن محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي واختلط المنهزمون بالحاج وأفلت من المنهزمين إدريس بن عبدالله بن الحسن فأتى مصر وخرج منها إلى أرض المغرب فأسس هناك دولة الأدارسة([262]).
إدريس في المغرب
لحق إدريس بالمغرب الأقصى فنزل بمدينة وليلي([263]) (172هـ)، فأجاره إسحق بن محمد بن عبد الحميد أمير البربر وأكرمه وجمع البربر على القيام بدعوته، ولما بايع البربر إدريس خطب الناس فقال بعد الحمدلله والصلاة، لا تمدّن الأعناق لغيرنا فإن الذي تجدوه عندنا من الحق لا تجدوه عند سوانا، ثم وفدت عليه قبائل زناتة وغيرها من كافة البربر من المغرب الأقصى فبايعوه أيضاً ودخلوا في طاعته فتمكن سلطانه وقويت شوكته. ثم اتّخذ جيشاً من وجوه البربر وخرج غازياً إلى بلاد تامسنا ثم زحف إلى بلاد تدلا ففتح معاقلها وحصونها. وكان أكثر هذه البلاد يدينون بغير الإسلام، والإسلام بها قليل فأسلم جميعهم على يده (172هـ)، ثم غزا في السنة التالية من كان تحصّن منهم في المعاقل والجبال، حتى دخلوا في الإسلام، ثم خرج بعد سنة أيضاً لغزو مدينة تلمسان ومن بها من قبائل البربر فبايعه صاحبها محمد بن خزر وبنى مسجد تلمسان(174هـ) ثم عاد إلى مدينة وليلي منصوراً.
ولما نال إدريس ما نال من التمكن والقوة، واتصل خبر ذلك بالخليفة العباسي هارون الرشيد وبلغه أن إدريس قد استفحل أمره وكثرت جنوده وأنه عازمٌ على غزو إفريقية خاف الرشيد عاقبة ذلك. وإنه إن لم يتدارك الأمر الآن ربما عجز عنه في المستقبل. وشاور الرشيد نصحاءه فأشاروا عليه بمن يقتله غيلة، ووقع اختيار الرشيد في ذلك على رجل من موالي والد الرشيد اسمه سليمان ويعرف بالشماخ، فأحضروه وزوده مالاً وطرفاً يستعين بها على أمره، وأصحبه الرشيد كتاباً إلى واليه على إفريقية إبراهيم بن الأغلب وقيل إلى روح بن حاتم عاملها. ثم قدم الشماخ على إدريس مظهراً النزوع إليه فيمن نزع فاختصه إدريس وعظمت منزلته لديه وكان الشماخ عارفاً بصناعة الجدل فكان إذا جلس إدريس إلى رؤساء البربر تكلم الشماخ فذكر فضل أهل البيت وعظيم بركتهم على الأمة. ويقرر ذلك ويحتجّ لإمامة إدريس وأنه الإمام الحق دون غيره، فكان ذلك يعجب إدريس. فاستولى الشماخ عليه حتى صار من ملازميه ولا يأكل إلا معه. وكان راشد مولى إدريس قلّما ينفرد عنه لأنه كان يخاف عليه لكثرة أعداء آل البيت يومئذٍ، وكان الشماخ يترصّد الغرة من راشد ويترقّب الفرصة من إدريس إلى أن غاب راشد ذات يوم فدخل الشماخ على إدريس فجلس معه كالعادة، وتحدث ملياً. ولما لم ير الشماخ راشد بالحضرة انتهز الفرصة في إدريس وكان إدريس يشتكي وجع الأسنان واللّثة فأعطاه سمّاً في سواك يستاك به وقيل سمّه بطريقة أخرى. ولما علم الشماخ أن السّمّ تمكن من إدريس خرج مسرعاً فارّاً إلى الشرق. ومات إدريس (177هـ). ويقال أن راشد لحق بالشماخ في هربه فقطع يمناه وشجّ رأسه، وقيل أن الشماخ هرب منه ورؤي بعد ذلك في بغداد مقطوع اليد.
إدريس بن إدريس (177 ـ 213هـ): لما توفي إدريس لم يترك ولداً إلا حملاً من أمة بربرية له. فاتفق وجوه البربر على جعل مقاليد الأمور لراشد مولى إدريس لعلو منزلته عندهم وفضله ودينه حتى تلد الجارية. فقام راشد بأمر البربر تلك المدة ولما تمّت للجارية أشهر حملها وضعت غلاماً أشبه الناس بأبيه إدريس فأخرجه راشد إلى رؤساء البربر حتى نظروا إليه فقالوا هذا وقام بأمره أحسن قيام فأقرأه القرآن ثم علمه الحديث والسنة والفقه في الدين والعربية ورواه الشعر وأمثال العرب وحكمها وأطلعه على سير الملوك وعرفه أيام الناس ودربه على ركوب الخيل والرمي بالسهام وغير ذلك. فلم يمض عليه مقدار من العمر يبلغ إحدى عشر سنة إلا وقد ترشّح للأمر فبايعه البربر عن طاعةٍ وإخلاصٍ بجامع وليلي (188هـ).
وكان إبراهيم بن الأغلب عامل إفريقية للرشيد قد دسّ إلى بعض البربر الأموال واستمالهم حتى قتلوا راشداً مولاه (186هـ). وقام بكفالة إدريس من بعده أبو خالد يزيد بن الياس العبدي. ولم يزل على ذلك إلى أن بايعوا لإدريس وقد أظهر إدريس من صغر سنه من وفور عقله ونباهته وفصاحته ما بهر عقول الخاصة والعامة. ولما استقام أمره وعظم سلطانه وكثرت جيوشه وفدت عليه الوفود، من البلدان ووفود العرب من إفريقية والأندلس فجعل له منهم بطانة وأدنى منزلتهم وكان إبراهيم بن الأغلب لا ينفكّ عن التخريب بين البربر واستفسادهم على إدريس فلم ينجح.
ولما كثرت الوفود على إدريس وضاقت بهم مدينة وليلى، أراد أن يبني لنفسه مدينة فركب يوماً في حاشيته وتخيّر بقعة واختطّ مدينة فاس الحالية (192هـ) وجعلها بلدين لكل بلدٍ منهما سور يحيط وأبواب تختص به وأنهرٍ فاصلةٍ بينهما. ولما فرغ من بنائها اتّخذها دار ملكه. وصار يغزو منها قبائل البربر العاصية والخارجية وغيرهم وكانت وفاته (213هـ) ودفن بفاس وقد انتظمت له كلمة البربر ومحا دعوة الخوارج وقطع المغرب عن دعوة العباسيين وضرب السكة باسمه.
محمد بن إدريس (213 ـ 221هـ): لما مات إدريس قام بالأمر بعده ابنه محمد بعهدٍ منه، ولما تولى قسم المغرب بين إخوته بإشارة جدّته، اختصّ القاسم منها بطنجة وسبتة وقصر مصمودة وقلعة حجر النسر وتطوان وما انضم لذلك من القبائل والبلاد، واختص عمر بقبائل صنهاجة وغمارة وغيرهما واختص داود ببلاد هوارة وتازة وقبائل مكاسة وغيرها، واختص يحي بأصيلة والعرائش وبلاد ورغة وغير ذلك، واختص عيسى بسلا وتامسنا وما انضم إليهما من القبائل، واختص حمزة بمدينة وليلي وأعمالها، واختص أحمد بمدينة مكناسة وغيرها، واختص عبدالله بأغمات وجبال المصامدة والسوس الأقصى، وبقيت تلمسان لولد عمه سليمان بن عبدالله واستمرت بأيديهم إلى أن تلاشى أمرهم بدخول الفاطميين. ثم أقام محمد بن إدريس بدار ملكه من فاس وإخوته ولاة على بلاد المغرب قد ضبطوا أعمالها وسدوا ثغورها وآمنوا سبلها. ثم حصلت الفتن بعد ذلك بين الأخوة فافترقوا وتحاربوا ثم صفا الأمر لمحمد بعد ذلك إلى أن مات بمدينة فاس (221هـ) بعد أن عهد بالأمر لابنه علي بن محمد المعروف بحيدرة، وقام من بعده:
علي بن محمد بن إدريس (221 ـ 234هـ): لما مات محمد بن إدريس كان علي بن محمد صغير السن فقام بأمره الأولياء والحاشية من العرب والبربر وأحسنوا كفالته وطاعته، وسار بسيرة أبيه وجده في العدل فكان الناس في أيامه في أمنٍ ودعةٍ وكانت وفاته (234هـ) وعهد بالأمر لأخيه يحيى.
يحيى بن محمد بن إدريس (234 ـ 250هـ): لما جلس يحيى على تخت بني إدريس امتدّ سلطانه وعظمت دولته واستمر عمران مدينة فاس وبنيت بها الحمامات والفنادق للتجار وبنيت خارجها الرياض ورحل إليها الناس من البلاد البعيدة وفي زمنه بنى مسجد القرويين الشهير بمدينة فاس، وقام من بعده:
يحيى بن يحيى (250 ـ 292هـ): لما مات يحيى الأول قعد يحيى الثاني على تخت الأدارسة فأساء السيرة وكثر عبثه في الحُرَم، فثاروا عليه وأخرجوه من قصره وأشارت عليه زوجته بالاختفاء بعدوة الأندلس، ريثما تسكن الفتنة فتوارى بها فمات من ليلته أسفاً على ما صنع بنفسه وكتبت زوجته إلى أبيها علي بن عمر بن إدريس صاحب الريف والسواحل تعلمه الخبر وتستدعيه، واستدعاه أيضاً أهل الدولة من العرب والبربر والموالي. فجمع حشمه وجيشه وجاء إلى فاس فاستولى عليها وانقطع الملك من عقب محمد بن إدريس وصار بعد هذا تارة يكون في عقب عمر بن إدريس صاحب الريف وتارةً يكون في عقب القاسم بن إدريس. ولما دخل علي بن عمر مدينة فاس بايعه الناس ودخلت الكافة في طاعته وخطب له بجميع المغرب إلى أن ثار عليه عبد الرزاق الفهري من الخوارج الصفرية، وحصل بينه وبين علي بن عمر حربٌ شديدةٌ كان الظفر في آخرها لعبد الرزاق، فانهزم علي وفرّ بنفسه. ودخل عبد الرزاق مدينة فاس وملك عدوة الأندلس وخطب له بها، وامتنع عنه أهل عدوة القرويين وبعثوا إلى يحيى بن القاسم ويعرف بالعوام فوصل إليهم فبايعوه وولّوه على أنفسهم. ثم قاتل عبد الرزاق حتى أخرجه من عدوة الأندلس فدخلها وبايعه أهلها. وكان للأمير يحيى بن القاسم حروب كثيرة مع الصفرية. ثم اغتاله الربيع بن سليمان (292هـ) وفي زمنه حدث قحطٌ شديدٌ ببلاد المغرب وغلاءٌ بالأندلس والمغرب وإفريقية ومصر والحجاز حتى رحل الناس عن مكة إلى الشام، وحدثت زلزلة عظيمة تهدمت منها المباني وانحطت منها الصخور من الجبال، وعمّت هذه الرجفة جميع بلاد الأندلس وجميع بلاد العدوة، واستمرت المجاعة والوباء إلى (285هـ) ولما قتل يحيى العوام ولّيَ الأمر من بعده يحيى الثالث بن إدريس وخطب له بفاس. وامتدّ ملكه على جميع أعمال المغرب وخطب له على سائر منابره وكان يحيى هذا واسطة عقد البيت الإدريسي أعلاهم قدراً وأبعدهم ذكراً وأكثرهم عدلاً وأغزرهم فضلاً وأوسعهم ملكاً وكان فقيهاً حافظاً للحديث ذا فصاحة وبيان بطلاً شجاعاً ذا دين وورع لم يبلغ أحدٌ من الأدراسة مبلغه في الدولة والسلطان إلى أن طما على ملكه عباب الفاطميين القائم بإفريقية فأغرقه. وذلك أن عبد الله المهدي أول الخلفاء الفاطميين لما استولى على إفريقية أراد تملّك المغرب الأقصى فأغزاه قائده مصالة بن حبوس فزحف إلى المغرب الأقصى (305هـ) وانتهى إلى فاس فبرز إليه يحي بن إدريس لمدافعته في جموع العرب والبربر. والتقوا بقرب مكناسة فانهزم يحيى وعاد إلى فاس. ثم تقدم مصالة إلى فاس وحاصرها إلى أن صالحه يحيى على مال يؤديه إليه وعلى البيعة لعبدالله المهدي. فقبل يحيى الشرط وأبقى عليه مصاله في سكن فاس وعقد له على عملها خاصة وعقد لابن عمه موسى بن أبي العافية المكناسي على ما سوى ذلك من بلاد المغرب.
جدول أمراء الدولة الإدريسية
1
ادريس الأول
172
ادريس الثاني (الأزهر)
188
213 محمد القاسم عمر
4 5 8 7
علي يحيى يحيى محمد علي ادريس
221 234 290
6 10 9
يحيى الحسن الحجام يحيى
310
ملحوظة: بعض الأمراء لا تعرف سنة ولايتهم بالضبط
وبذلك دخل المغرب الأقصى في يد الفاطميين واندرجت دولة الأدارسة في دولتهم (307هـ). ثم إن موسى أوغر صدر مصالة على يحيى فقبض عليه وقيّده بالحديد واستصفى أمواله ثم نفاه إلى أصيلا. ثم ساءت حالته بعد ذلك وافتقر ومات بالمهدية (332هـ). ثم خرج من الأدارسة شخصٌ يقال له الحسن بن محمد ويعرف بالحجام وطرد عامل الفاطميين على المغرب واستولى على فاس. فاجتمع الناس على بيعته ودخل في طاعته أكثر قبائل البربر وكانت دولتهم أخذت في الانحلال ودولة عبدالله المهدي في الإقبال فملك الحسن المذكور عامين، ولم يتمّ له مطلب، وانقرضت دولتهم في جميع المغرب الأقصى وحمل أغلب الأدارسة إلى المهدي المذكور وولده إلا من اختفى بالجبال (313هـ). وبعد (340هـ) ثار إدريس من ولد محمد بن القاسم فأعاد الإمامة لهذا البيت ثم تغلب على برّ العدوة عبد الملك بن المنصور بن أبي عامر الأندلسي وخطب في تلك البلاد لبني أمية بالأندلس، ثم رجع عبد الملك إلى الأندلس فاضطربت دولة بر العدوة فتغلب على فاس بنو أبي العافية الزناتيون (حتى 363هـ). ثم ظهر يوسف ابن تاشفين واستولى على تلك البلاد واستأصل ذرية ابن أبي العافية بالمغرب 140 سنة (305 ـ 445هـ) وكانوا متمسكين بالدعوة الفاطمية فكانوا كنواب عنهم بالمغرب الأقصى.
وكان للأدارسة ببلاد الريف دولة صغيرة لبثت على سبيل الاستقلال، كما كانت لهم أولا بفاس بالمغرب، إنما كانوا فيها تحت نظر المتغلب على بلاد المغرب، أما من الفاطميين أصحاب إفريقية، وأما من المروانيين أصحاب الأندلس، وبقيت بلاد الريف بيد بني إدريس يتوارثونها.
فلما انقرضت دولتهم بفاس على يد موسى بن أبي العافية انحاز من بقي منهم إلى بني عمهم وعشيرتهم ببلاد الريف وتحصّنوا بقلعة يقال لها حجر النسر وبقوا هناك إلى أن ذهبت رياستهم تماماً (363هـ). ومن أشهر أمرائهم أبو العيش أحمد بن القاسم. وعلى ذلك تكون مدة الأدارسة بالمغرب من يوم بُويِعَ إدريس بن عبدالله (172هـ) إلى أن قتل الحسين بن كانون، قتله المنصور بن أبي عامر/الأندلس (375هـ)، مائتي سنة وثلاث سنين وشهرين تقريباً. وكان عمالهم بالمغرب من السوس الأقصى إلى مدينة وهران وقاعدة ملكهم مدينة فاس وكان ينازعهم الملك دولتان عظيمتان: دولة الفاطميين بإفريقية ودولة بني أمية بالأندلس. وكانوا يزاحمون الخلفاء إلى ذروة الخلافة ويقعدهم عنها ضعف سلطانهم وقلة مالهم([264]).
التفاصيل([265])
بعد مرور حوالي 1300 سنة على مقتل إدريس بن عبدالله بن الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب على يد العباسيين، لا يزال المغاربة يحتفلون حتى اليوم بذكرى مؤسس الدولة الإدريسية الذي بايعته القبائل المغربية في العام 172هـ ـ 799م بعد أن أسلمت على يديه كافة.
ففي منتصف أيلول (سبتمبر) من كل سنة يتحول سفح جبل زرهون ـ حيث يوجد ضريح مؤسس الدولة الإدريسية ـ إلى محجّ يقصده آلاف المواطنين من كلّ فجٍّ، ليقيموا ذكراه، بالإذكار والتمجيد والذبائح التي تعني في عرف هذه الاحتفالية نهاية طقوس الموسم الحالي على أمل اللقاء في موسمٍ قادم.
وتعمل السلطات في محافظة مدينة مكناس، التي يقع في محيط نفوذها جبل زرهون، على توفير أسباب الأمن والنظام بهذه المناسبة التي تشهد المنطقة فيها إقامة آلاف الخيم. وحينما يريد المؤرخون كتابة التاريخ الإدريسي يجمعون على أمرين أو حقيقتين مختلفتين:
الأولى: أن رحلة إدريس الأولى إلى المغرب، أسبابها والظروف التي أحاطت بها ومقامه بين المغاربة كقادم محاط بهالة من التقديس والإجلال، ثم مبايعته، وتأسيسه لدولة إسلامية مغربية، إن كل ذلك في تفاصيله الجزئية أو في مظاهره العامة، يستعصي على التحليل التاريخي أو السياسي، فهو ظاهرة خارقة للعرف، ظاهرة هي إلى المعجزة أقرب منها إلى ما تعارف عليه المنطق وإجازته القواعد التي تفسر بها أحداث التاريخ الكبرى.
والثانية: أن مصادر التاريخ الإدريسي شحيحة وقليلة ومراجعه متناثرة، فسواء الذين كتبوا التاريخ العام، أو الذين أرخوا الفترة الإدريسية، من الرحلة، إلى النشأة، إلى الدولة استندوا إلى نفس الأحداث، ولهذا تعددت تفسيراتهم وتحليلاتهم وذهبت مذاهب شتى، كلٌّ حسب اجتهاده وفهمه لهذا الحدث أو ذاك.
لكني أحب أن أستعمل وصف الظاهرة الإدريسية بدل وصف المعجزة الإدريسية، فالمعجزات إنما خصّ الله بها رسله وأنبياءه وهي فوق طاقة الإدراك البشري وقوانين الطبيعة والمنطق.
فالمولى إدريس الأول كان ظاهرة فريدة على مستوى سيرته الإنسانية أو في مستوى المهمة الكبرى التي أنجزها وحققها.
ويبقى إدريس الظاهرة مثالاً شاهداً على قوة الإيمان، ورسوخ العقيدة، وثبات الموقف، وهي صفات ميّزت تلك القلة القليلة من الرجال الذين صنعوا التاريخ وحوّلوا مجراه وأخضعوه لأحلامهم النبيلة، وسخروا رياحه المضادّة لتمخر سفنهم باندفاعها أمواج البحر الطاغية، لكن هذه الصفات والمؤهلات الإنسانية والخلقية التي تحلّى بها المولى إدريس، وأهّلته لتلك المهمة الكبرى، لم تكن وحدها كافية، إن هناك العناية الإلهية التي يسّر الله بها الطريق وعبد السبل وهيّأ الأسباب هنا وهناك ليكون المولى إدريس هو الرجل الذي كان المغرب مهيأ لاستقباله، واحتضانه والالتفاف حوله، وليكون المغرب البلد والشعب مهد ومحطة انطلاق الدعوة الإسلامية والرسالة الإسلامية في هذه الرقعة من العالم، ويصبح مرصداً ثم مناراً ثم قلعة من قلاع الإسلام الحصينة ينشر رسالته، ويوزع على الدنيا إشعاعه، ويقيم في الآفاق قواعد حضارته، ويبرز لا كجزيرة في بحرٍ شاسعٍ، بل كامتداد لهذا البحر يتنفس الإسلام به غرباً وشرقاً.
ومع كون المولى إدريس ظاهرة، فإن هذه الظاهرة ليست مستعصية على الفهم والإدراك، وليست حاجزاً سميكاً يختبىء وراءه العجز عن الإحاطة بالأسباب والظروف التي تضافرت ومهّدت الطريق لانبثاق واقع جديد أو عالم جديد أو تاريخ يشكل انعطافاً حاسماً في مسيرة الأحداث، ذلك أن التاريخ جسمٌ كجسم الإنسان، له قدمان يتحرك بهما، وله يدان وله مركز أعصاب يوجّه ويضبط، لكن أيضاً له قلبٌ يوزع دورة الأحداث في ذلك الجسم، وهذا القلب هو مركز القوة التي لا يدرك كنهها وسرها بمعايير العلم والمنطق والتحليل إلا في حدود معلومة، والظاهرة الإدريسية هي قلب بداية التاريخ الإسلامي للمغرب، وعلى من يريد اكتشاف سرّ هذه الظاهرة العميق والخفيّ أن ينصت لدقات ذلك القلب ويتلقّى بشفافية المؤمن إشارته.
لقد أدهشني دائماً وأثار كوامن إحساسي ذلك التعلق القوي والعميق الذي لم تستطع السنون النيل من وجهه وصفائه والذي انتقل منة جيلٍ إلى جيلٍ، تعلق المغاربة بالمولى إدريس الأكبر، وابنه الأزهر، ومحبتهم لهما، وتقديسهم لمقامهما، وكنت أرى في طفولتي وشبابي، والمغاربة يرزحون تحت نير الاستعمار، ويتأرجحون بين اليأس والأمل للتخلص من استعباده لهم وإذلاله لكرامتهم، كنت أراهم يفزعون بيأسهم وأملهم إلى ضريحي الإدريسيين فزع من يلقي بأحمال أثقلت كاهله وهدّت قوته، يلتمس من المقامين العون والقوة ويستمد منها طاقة الاحتمال ويحتمي بهما من شدة الأهوال. فيجد في رحابهما الأمن، وفي أرجائهما الحمى. بل إن المغاربة كلهم يجدون في مقام الرجلين، الأب في جبل زرهون([266])، والثاني في قلب فاس وأعماقها المحصنة خلف متاريس التاريخ المهيب المهاب، يجدون في مقاميهما روح المغرب وسرّ أسراره ونبع قوته وعمق قراره، فالتاريخ يبتدىء بهما، فهما دوماً مصدر الإلهام والاعتزاز.
الظاهرة والتاريخ
وكان ما حدث لجده علي بن أبي طالب (ع) ثم لأبنائه من بعده. وما واجهوه من بلاءٍ ومكارهٍ، لا تزال حديث الناس وتعاليقهم وتباين آرائهم ومواقفهم، ثم إن ما حدث لم يتوقف، لأنه لم يكن خلافاً من تلك الخلافات التي تتكفّل الأيام بمحو آثارها والتئام جروحها، فما حدث كان شرخاً ما فتىء يتّسع في الجسد السياسي والفكري للدولة الإسلامية الناشئة التي اتّسعت رقعتها وانتشر شعاعها.
وكان الحديث عن الإمامة ومن هو أحقّ بها ليس مجرد حديث يدور في حلقاتٍ فكريةٍ مغلقةٍ، بين مؤيد لهذه النظرية أو تلك، ومستدل بهذه الحجة أو تلك، فهو بالإضافة إلى ذلك حديثٌ عن حالةٍ أو واقعٍ سياسيّ ومذهبيّ توزعت بشأنه المذاهب والأحزاب والشيع، وقامت بسببه حروب ومصادمات بين الفرقاء، سالت فيها الدماء، واجتثت الرؤوس، ودبرت المكائد.
كان المولى إدريس إذاً وليد هذا الصراع بل ولد وتربّى في أجوائه سواء داخل أسرته التي كانت طرفاً رئيسياً في ذلك الصراع، أو وسط الجو العام الاجتماعي والسياسي المحيط به.
والحق أن هذا الصراع قد فُرِضَ على آل بيت علي (ع) فرضاً، فسواء سيدنا علي أو ابنه الحسن من بعده، ثم بالتتابع إلى عبدالله والد المولى إدريس، كل هؤلاء وجدوا أنفسهم من جهةٍ مطوّقين برغبة لم تفتأ تعبر عن نفسها بقوة من طرف الذين التفّوا حولهم وبايعوهم، وأسندوهم، ومن جهةٍ ثانيةٍ، مطوقين بذلك الإيمان القوي الذي لا يستطيعون الفكاك منه والذي يدعوهم إلى الدفاع عن الأمة وحماية دينها ومعتقداتها، وصدّ كل زيغٍ يحوم حول وحدتها أو عقيدتها، ومن جهةٍ ثالثةٍ، فإن خصومهم لم يتوانوا عن استعمال كل الوسائل من عنفٍ ودسائس وتحريض عليهم بما في ذلك اغتصاب حقهم أو حياتهم.
وسنرى أن المولى إدريس كان صورة طبق الأصل لسيرة أجداده، في العزوف عن الجاه أو السلطة، واستهجان أساليب الكيد السياسي، أو استجداء العواطف والنعرات واستعدائها ضد خصومهم، لقد كانت هذه الأخلاقيات هي سلاحهم القوي، وفي نفس الوقت هي نقطة ضعفهم السياسي في مواجهة خصوم مسلحين.
لقد خاض المولى إدريس تجربة ذلك الصراع منذ طفولته إلى جانب والده عبدالله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب (ع) وامتلأ صدره إيماناً بالحق الذي ما فتىء أجداده وأعمامه يطالبون به، وعرف ما عرف من المكارة التي لحقت بأهله من جراء ذلك، ولكن نضجه السياسي بهذا الحق يكتمل ويتبلور إلى جانب أخيه محمد بن عبدالله المعروف بالنفس الزكية، فهذا الأخير كان آخر من عقدت له البيعة من بني علي، من فصول ذلك الصراع الذي امتد من أول خليفة أموي هو معاوية إلى مروان الحمار آخر خلفاء بني أمية.
وقصة البيعة التي عقدها أهل الحلّ والعقد بالمدينة المنورة لمحمد بن عبدالله النفس الزكية تعتبر فصلاً حاسماً في حياة ومسيرة المولى إدريس وما كان في قصة مجيئه إلى المغرب ومبايعة المغاربة له.
وأترك الكلمة هنا لمؤرخنا الكبير صاحب «الاستقصاء» الشيخ أبو العباس أحمد بن خالد الناصري، حيث يسرد قصة تلك البيعة التي أشعلت نار مواجهتين دائمتين عنيفتين كان من نتائجهما حصد رؤوس بني علي في موقعتين متباعدين نجا المولى إدريس من واحدة منهما، هي موقعة فخ.
يقول مؤرخنا الناصري:
«ولما صار أمر بني أمية إلى الاختلال أيام مروان الحمار آخر خلفائهم، اجتمع (بنو هاشم) بالمدينة وتشاوروا فيمن يقدمونه للخلافة، فوقع اختيارهم على محمد بن عبد الله النفس الزكية فبايعوا له بالخلافة وسلموا الأمر بأجمعهم، وحضر هذا العقد أبو جعفر عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن عباس وهو المنصور، وذلك قبل أن تنتقل الخلافة إلى بني العباس، فبايع للنفس الزكية فيمن بايع له من (بني هاشم) وأجمعوا على ذلك لتقدمه فيهم لما علموا له من الفضل عليهم.
نموذج من نقود الأدارسة ويرى اسم علي في الوسط
قال ابن خلدون: «ولهذا كان مالك وأبو حنيفة رحمهما الله يحتجان له حين خرج بالحجاز ويريان أن إمامته أصحّ من إمامة أبي جعفر المنصور لانعقاد هذه البيعة أولاً، وكان أبو حنيفة يقول بفضله ويحتجّ لحقه، فتأدت إلى الإمامين المحنة بسبب ذلك أيام أبي جعفر المنصور، حتى ضرب مالك على الفتيا في طلاق المكره، وحبس أبو حنيفة على القضاء».
ولما انقرضت دولة بني أمية وجاءت دولة بني العباس وصار الأمر إلى أبي جعفر المنصور منهم سعى عنده بآل البيت، وأن محمد بن عبدالله يروم الخروج عليه، وأن دعاته قد ظهروا بخراسان فأمر المنصور عامله على المدينة رباح بن عثمان المري بحبس عبدالله بن حسن ومن إليه من آل الحسن بن علي بن أبي طالب، فحبس جماعة من بنيه وإخوته وبني عمه، قال ابن خلدون: في خمسة وأربعين من أكابرهم، وقدم المنصور المدينة في حجة حجها فساقهم معه إلى العراق، وحبسهم بقصر ابن هبيرة من ظاهر الكوفة حتى هلكوا في حبسهم، وجد المنصور في طلب محمد بن عبدالله النفس الزكية وأخيه إبراهيم لكونها تغيّباً فلم يحبسا في جملة من حبس من عشيرتهم.
ثم لما كانت سنة خمس وأربعين ومائة وأرهق محمد بن عبدالله الطلب، وأعيت عليه المذاهب ظهر بالمدينة المنورة ودعا الناس إلى بيعته فبايعوه.
واستفتى أهل المدينة المنورة الإمام مالك في الخروج مع محمد بن عبدالله وقالوا في أعناقنا بيعة المنصور، فقال إنما بايعتم مكرهين، فتسارع الناس إلى محمد وأجابوا دعوته، ولزم الإمام مالك بيته وخطب محمد بن عبدالله على منبر رسول الله (ص) وذكر المنصور بما نقمه عليه، ووعد الناس واستنصر بهم، وتسمى بالمهدي، ولم يتخلف عن بيعته من وجوه الناس إلا القليل.
ولما بلغ المنصور خبر محمد بن عبدالله وما كان منه بالمدينة، أشفق من ذلك غاية الإشفاق ، وكتب إلى محمد كتاب أمان يعده بالجميل إن هو راجع الطاعة، فأجابه محمد بعدم قبول ذلك منه، ودارت بينهما مكاتبات ومحاورات في الأفضلية واستحقاق الخلافة.
وآخر الأمر أن المنصور بعث لحرب محمد ابن عمه عيسى بن موسى العباسي. فاستعدّ المهدي للقتال وأدار على المدينة الخندق الذي حفره رسول الله (ص) يوم الأحزاب وقدمت جيوش العباسيين ونزلوا على المدينة.
وخرج إليهم محمد بن عبدالله فيمن بايعه واقتتل الناس قتالاً شديداً، وأبلى محمد في ذلك اليوم بلاءً عظيماً. وقتل بيده سبعين رجلاً.
ولما اشتدّ القتال وعاين مخايل الاختلال انصرف فاغتسل وتحنط وجمع بين الظهر والعصر ومضى فأحرق الديوان الذي كانت فيه أسماء من بايعه وجاء إلى السجن فقتل رباح بن عثمان عامل المنصور على المدينة، وقتل معه جماعة كانوا مسجونين عنده ثم عاد إلى المعركة وقد تفرق عنه جلّ أصحابه ولم يبق معه إلا نحو ثلاثمئة فقال له بعضهم: نحن اليوم في عدة أهل بدر، ثم تقدم ثم احتُزَّ رأسه وأتى به عيسى بن موسى فبعث به إلى المنصور.
وكان مقتل محمد رحمه الله في منتصف رمضان سنة خمس وأربعين ومائة، وقتلت معه جماعة من أهل بيته وأصحابه ولحق ابنه علي بن محمد بالسند إلى أن هلك هناك، واختفى ابنه الآخر عبدالله الأشتر إلى أن هلك أيضاً في خبر طويل.
ثم خرج ابراهيم بن عبدالله أخوه بالبصرة عقب ذلك فبعث إليه المنصور عيسى بن موسى المذكور آنفاً فقاتله آخر ذي القعدة من السنة فانهزم وقتل رحمه الله.
ثم لما كانت سنة تسع وستين ومائة في أيام موسى الهادي بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور، خرج بالمدينة الحسين بن علي بن الحسن المثلث بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب (ع) وكان معه جماعة من أهل بيته منهم إدريس ويحيى وسليمان بنو عبدالله بن الحسن المثني ـ وهم إخوة محمد النفس الزكية ـ فاشتد أمر الحسين المذكور بالمدينة، وبايعه الناس على كتاب الله وسنة نبيه للرضى من آل محمد ـ وكانوا يكنون بذلك عن الإمام إلى أن يقدر على إظهار أمره ـ وأقام الحسين وأصحابه بالمدينة يتجهزون أياماً ثم خرجوا إلى مكة يوم السبت ـ لستٍّ بقينَ من ذي القعدة فانتهى الحسين إلى مكة، وانضم إليه جماعة.
وكان قد حجّ تلك السنة جماعة من وجوه بني العباس وشيعتهم وانضم إليهم من حجّ من قوادهم ومواليهم وهاجموا الحسين فكانت مجزرة رهيبة قتل الحسين ومن معه، يوم التروية ـ الثامن من ذي الحجة ـ واختلط المنهزمون بالحجاج فذهبوا في كل وجه وكان مقتلهم بموضع يقال له فخّ على ثلاثة أميال من مكة سنة تسع وستين ومائة كما قلنا.
إن هذه الحادثة، المأساة حقاً، هي بالتأكيد الحادثة التي أثرت أعمق التأثير في فكر وشخصية ومسيرة المولى إدريس، لقد عاش إذاً فترة الصراع الأكثر دموية بين أهله ومواليهم ومؤيديهم، وبين خصومهم الذين حسموا بالسيف الصراع لصالحهم، على الأقل في محيط سلطتهم المباشرة.
ولكن هذا «النصر» كان ثمنه باهظاً على مستوى ما خلفته الهزيمة من رواسب تفاعلت فكرياً ومذهبياً في الساحة المشرقية.
ولكن المولى إدريس الذي قدرت العناية الإلهية له أن يأتي إلى المغرب وحيداً إلا من رفقة بعض المغاربة.
فهو قد نجا من الموت في مذبحه «فخّ» فكان من المفروض أن يقضي في مكان يختبىء فيه عن عيون بني العباس وسيوفهم، إن وجد من يوفر له ذلك المكان الآمن، أو يتيه في فلاة فيموت عطشاً، أو يستسلم لقدره فيلقي مصير إخوته. ولكنه سلك الطريق الشاق الطويل إلى المغرب، متطلّعاً إلى الأمن في رحابه، والعيش في كنف رجال لن يغدروا به.
وإذا عرفنا أن وقعة فخ كانت في عام مائة وتسعة وستين، وأن بيعته في مدينة وليلي المغربية كانت عام مائة واثنين وسبعين، أي أن المدة الفاصلة بين الوقعة والبيعة كانت ثلاث سنوات وأمككنا أن نخمّن أن رحلة المولى إدريس من مكة إلى المغرب عبر مصر فليبيا فتونس فالجزائر، لأنه كان مضطراً للتّخفي وسلوك الطرق غير المطروقة عادة من القوافل، والمكوث هنا وهناك بعض الوقت، وخاصة في مصر.
بلاد اللاجئين السياسيين
ولا بد أن المولى إدريس، وهو في رحلته إلى المغرب قد سمع من مرافقيه المغاربة، وبالأخص من مولاه راشد المغربي، أشياء كثيرة عن البلد الذي شدّ إليه الرحال، فعرف من الأحوال التي ترك عليها المشرق. إن هذه المقارنة قد هدأت روعه وشحذت زناد إرادته وشحنت عاطفته المكلومة بأنوار الثقة، فها هو يبتعد شيئاً فشيئاً عن ذلك المحيط المشحون بحروب وحملات التصفية وبالاصطخاب السياسي والانفتاح الفكري على ثقافات الشعوب التي دخلت الإسلام، لقد كان العباسيون منهمكين في تصفية آثار الأمويين وأتباعهم، ومنشغلين بمطاردة خصومهم، وبث العيون لاصطيادهم، ونصب الشباك للإيقاع بهم.
كان المولى إدريس يفكر في ذلك ويراجعه ويحلّله، ليستنتج أسباب النكبة التي أصيب بها أهله، ليتطلع إلى عالمٍ آخر خالٍ من شوائب ذلك الجو المشحون بالخوف والصراع والمطاردة.
عالم آخر
إن هذا العالم الآخر هو المغرب، كان بعيداً عما يجري في مشرق الخلافة العباسية بُعدَ من تصله الأخبار لا من تؤثر فيه وتجد له الصدى في النفوس والعقول أو الميول. إن عامل الجغرافيا لم يكن هو سبب عدم انهماكه في أتون الصراعات المشرقية، بل إن العامل الأساسي كان يتعلق بطبيعة أهله، فهم أميل بتفكيرهم ومزاجهم النفسي إلى التضامن والتآلف فيما بينهم وإلى البساطة والعزوف عن التعقيدات وحبهم العميق المتأجّج للحرية والاستقلال، ولكن، مع ذلك فقد انعكست آثار الصراع الذي نشب بالمشرق على المغرب، وتجلّى ذلك بصفة خاصة في الحرية التي وجدها أتباع بعض المذاهب المشرقية في الدعوة لأنفسهم، وتكوين محيط سياسي منجذب لهم، فأسسوا دويلات صغيرة هنا وهناك، ووجدوا من يعلن الولاء المذهبي لهم، وهكذا كان « المغرب الأقصى» البعيد عن مركز الخلافة مكاناً آمناً لكل معارض أو مضطهد أو خائف، فلم تستطع يد السلطة المركزية في بغداد أن تطول تلك الأفواج من «اللاجئين السياسيين» الذين توافدوا على المغرب بحثاً عن الأمان النفسي والأمن السياسي ووجدوا في المغرب والمغاربة حسن الاستقبال وسماحة الإيواء.
وهكذا فإن المولى إدريس الظاهرة والفلتة والشعلة، كان متجهاً إلى بلد يشكل وضعه من جميع النواحي المكان الوحيد المناسب لرجل يحمل في صدره رسالة الدعوة إلى الحق، حق سلب من إخوته وأجداده، ورسالة نشر الإسلام الصافي. وهي رسالة كان سلاح المولى إدريس الوحيد من أجلها هو إيمانه وصدق نيته وسلامة طويته واعتماده على الله لا على جيش أو حزب أو طائفة وهو إن ذاق مرارة الهزيمة السياسية والحربية معاً، فإن إيمانه لم يتزعزع إلى أن يحقق النصر أو يستشهد دونه راضياً آمناً كما فعل إخوته وأبناء أعمامه وأجداده.
وعند قدومه إلى المغرب كانت جملة من الأحداث المؤثرة قد وقعت وكأنها كانت من تدبير قوة خارقة للعادة لتهيء لإدريس كل الظروف لإشعاع رسالته وانتقالها من حيّز الإيمان الكامن في صدره إلى حيّز الواقع. وجد المغاربة أنفسهم في وضعية حائرة، وبين مجموعة من الدويلات والتجمعات الكيانية المبعثرة، فإلى أين يتجّهون ولمن يمنحون ولاءهم الذي كان عميقاً وصادقاً كمسلمين لا كمحكومين؟ وكان قد مضى وقتٌ كافٍ وهم في ظلّ الإسلام ليتساءلوا ويبحثوا عن دور لهم في الحياة وفي الوجود كأمّة إسلامية، فبعد مئات السنين من الكفاح الذي لم ينقطع في مقارعة ومقاومة المحتلّين والغزاة آن لهم أن يمارسوا استقلالهم كأمة لها دين ينظّم حياتها الروحية والدنيوية. ولكن أين القائد وأين ذلك الرجل الذي يحوّل تساؤلهم وحيرتهم إلى واقع يجمع صفوفهم حول هدف محدد واضح، يتولى أمرهم ويرشدهم إلى الطريق ويترجم سياسياً تطلّعهم العميق للتعبير عن ذاتهم الجديد في ظلّ الإسلام.
كان هذا الرجل، الظاهرة، قد حلّ بين ظهرانيهم، بلا دعاية مسبقة، أو دعوة مهدوا له الطريق ونشروا بين الناس أفكاره ودعوته.
ولكن، هنا يتحتّم عليّ أن أوقف اندفاع أفكاري وألتزم بالحظ الذي رسمته مسبقاً لتتبّع ورصد رحلة المولى إدريس إلى المغرب. عليّ أن أبقى مع المولى إدريس ـ الظاهرة ـ التاريخ، وأعود إلى رحلته، قبل أن أقف أما م المولى إدريس الظاهرة ـ الرسالة، أي أنني سأعود لاحقاً إلى مقامه بالمغرب إلى حين بيعته.
وهل اختار المولى إدريس المغرب مكاناً لهجرته، أو بالأحرى مكاناً بعيداً عن اليد الطولى للعباسيين الذين كانوا يبحثون عنه وعن أخيه وهما الناجيان من مذبحة فخّ؟
هل كان المولى إدريس يريد النجاة بحياته، أم كان مصمّماً على مواصلة كفاحه والدعوة لرسالته انطلاقاً من أرض تتوفّر فيها شروط الأمن وظروف التحرك وإمكانيات نشر الدعوة وتجنيد الأنصار حولها وحوله؟ وهل كان المغرب هو تلك الأرض التي فكر فيها إدريس وشدّ إليها الرحال واعتزم الترحال؟.
ومن الصعب الجزم بما كان يفكر فيه المولى إدريس لحظة خروجه من معركة فخ سالماً ونجاته من الموت الذي حصد رؤوس أهله وعشيرته ومؤيديهم ومناصريهم، ولنا أن نتصور حجم الألم وهو يعتصر قلب رجل خرج من معركة دامية، ورأى جثث إخوته وأهله ورفاقه متناثرة هنا وهناك مخضبة بالدم والتراب، فوجد نفسه بين عشية وضحاها وحيداً طريداً تلاحقه الأعين وتتربص به السيوف وتسدّ في وجهه الأبواب والآفاق.
الموكب من الحج/ تأسيس الدولة
كان الموسم موسم حجّ، ومكة المكرمة تغصّ بالحجاج المسلمين من كل الآفاق، وكان من بين هؤلاء حجاج مغاربة لا يستطاع تقدير عددهم، ولكن بالمستطاع الاعتقاد بأنهم كانوا يشكّلون مجموعة أو ما يشبه أن يكون وفداً متّحداً جمعت بين أفراده رفقة رحلة طويلة تستغرق أشهراً من المغرب إلى الحجاز، كذلك كانت مواكب الحجاج المغاربة في ذلك الوقت وأصبحت مع مرور السنين عبارة عن قطار بشري يتكون من عدة عربات تتفاوت المسافات فيما بينها ولكنها تتقارب وتتوحّد وتتجمع في محطات معلومة على الطريق لتستريح قبل أن تستأنف المسير.
وتتحدث الروايات التاريخية عن موقعة فخ فتقول إن بعض الحجاج رأوا وشاهدوا أطواراً من تلك المعركة في ذلك اليوم الدموي، وهو أمر يمكن الوثوق به لأن المكان المسمى فخ كان يقع في ضواحي مكة وعلى بعد أميال قليلة منها، وتبعاً لذلك يتسنّى لنا المضيّ من غير جنوح في الخيال في رسم المشهد الذي لم تتحدث عنه روايات المؤرخين، لقد كان بعض الحجاج المغاربة من بين من شاهد تلك المذبحة المؤلمة، وحينما انجلى الغبار عنها، وأسدل الليل ستاره على مشاهد القتلى والمجندلين وصيحات الغالبين، اختلط الناجون من المعركة بجموع الحجاج ولا بد أن المولى إدريس كان واحداً من أولئك.
إلى هنا تنتهي حدود التّخيّل المسموح به برسم جزء من تفاصيل حدث تاريخي لا يختلف عليه المؤرخون لتبرز عدة تساؤلات واحتمالات وأولها يتعلق براشد المغربي الذي تجمع الروايات على نعته بأنه كان مغربياً، ووصفه بأنه كان رفيق إدريس في الرحلة من الحجاز إلى المغرب، وإبراز وفائه وتعلقه بالمولى إدريس.
إن المصنّفات التاريخية القديمة، وكذا مؤلفات المؤرخين المحدثين لا تشفي غليل من يريد معرفة التفاصيل عن هذا الرجل الذي لعب دوراً بالغ الأهمية والتأثير في حياة المولى إدريس الشخصية ومسيرته السياسية وخاصة بعد موقعة فخ. ولكن تلك المصنفات والمؤلفات، وما تناثر في طياتها حول المولى راشد، تمكننا من رسم صورة لراشد وأدواره وتأثيره.
وأول شيء يستوقفنا هنا الوصف الذي لازم اسمه، أي كونه مولى إدريس الأول.
فالمولى يطلق على الرفيع السامي من المراتب والمنازل، كما يطلق على عكسها، فهي كلمة يتغير معناها من سياق وضعها ومصدر الكلمة الولاء وهي كالبيعة عقدة بين شخصين أو فئتين أو جماعتين، وهي بمعنى الأنساب فيقال: قرشي ولاءً أو انتساباً، ويستعملها الصوفية في مكان التقديس فيقولون: وليّ الله، وقد وردت في القرآن الكريم في عدة سورٍ وتباينت دلالاتها فيقول الله عزّ وجلّ «يَا أَيُّهَا الّذِيْنَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوْا اليَهُوْدَ وَالنَّصَارّى أَوْلِيَاءَ‘ بَعْضُهُمْ…» وفي سورة أخرى: «وَالمُؤمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ».
وتكون الولاية بمعنى الرعاية والقيام بشؤون الغير من وضع ثقة، وهذا المعنى للكلمة هو أقرب الأوصاف وأدقّها بالنسبة لراشد مولى إدريس، فقد كان قيّماً بشؤونه راعياً لأمره، مؤتمناً على أسراره رؤوفاً رحيماً به، يؤثره على الناس جميعاً وعلى نفسه. وبهذا المعنى كان راشداً يداً يمنى لإدريس، ودرعاً يقيه من المكاره، وعقلاً يفكر ويدبر في مصلحة ونجاة وسؤدد مولاه.
ونجد اسم راشد مرتبطاً بالمولى إدريس من رحلة النجاة إلى المقام بالمغرب إلى مبايعة إدريس إلى وفاته، ثم بعد ذلك إلى مبايعة ولده إدريس الثاني، وخلال هذه الرفقة الحميمة التي لم تنقطع نرى راشداً يلعب دوراً متعاطفاً يبلغ ذروته بعد مقتل المولى إدريس على يد الشماخ، حيث يبرز راشد كرجل دولة محنك يحظى باحترام وثقة الجميع، ويتولى ما يشبه أن يكون رئيس مجلس الوصاية إلى أن ولدت زوجة إدريس كنزة المولى إدريس الثاني حيث تعهده راشد وتولى رعايته وتدبير شؤون الدولة الناشئة إلى أن بويع خلفاً لوالده.
لم يكن راشد مجرد مولى تمتع بصفات الإخلاص والوفاء، فالرجل كان بالإضافة إلى ذلك على جانب كبير من الذكاء وبعد النظر والدهاء السياسي، وكان يتمتع باحترام أهله من المغاربة القادة منهم والناس العاديين، وهذا يحمل على الاعتقاد الجازم بأنه كان من وجوه قومه، ففي مجتمع قبلي صارم في تقاليده الاجتماعية لا يمكن أن يرقى إنسان عادي تلك الدرجة من الاحترام والتوقير إن لم تكن تسنده تراتبية اجتماعية واضحة ومؤكدة لا لمجرد أن يكون وفيّاً ومخلصاً ورفيق رحلة ورسالة لسبط الرسول (ص).
نحن أمام رجل كان دوره بارزاً في قيام الدولة المغربية الإسلامية المستقلة، وفي تركيز دعائم هذه الدولة والتمكين لها، وهو دور يشبه الدور الذي لعبه أبو مسلم الخراساني في تأسيس الدولة العباسية مع الفارق الذي لا يخفى في الوسيلة التي اتخذها كل منهما، فأبو مسلم الخراساني كان قائد جيش، وكان يداً وقوة ضاربة، لأن العباسيين انتزعوا السلطة غلاباً من الأمويين وخاضوا من أجلها وفي سبيل تثبيتها معارك ضارية، أما راشد فلم يخض معركة، وإنما تجشم عناء رسالة تمثلت في مسيرة وحياة ودعوة مولاه إدريس الأول، رسالة لم تتّخذ من القوة لنشرها، ولا من المعارك أداة لتثبيتها.
ولم تتحدث المصادر التاريخية عن متى تعرف راشد على المولى إدريس، هل كان ذلك قبل موقعة فخ أم بعدها؟ وفي اعتقادي فإن معرفة ذلك تفتح المجال للتساؤل عن ظروف هجرة راشد من المغرب إلى الحجاز، وهل إذا ما كانت هجرة عادية أم هجرة ذات طابع سياسي، ولماذا اختار المولى إدريس ليكون مولى له وانضم إلى معسكر الأشراف الذي كان يخوض معركة مفتوحة ضد الحكم العباسي.
إن هذا التساؤل يكتسب مبرراته:
أولاً: من الدور الذي لعبه راشد في قيام الدولة الإسلامية المغربية المنفصلة عن الخلافة العباسية، وهو دور يثبت أن الرجل كان يتمتع بمكانة مرموقة في أوروبة التي استقبلت إدريس وبايعته ومنها انطلقت دعوته وعمّت المغرب كله.
ثانياً: إن التجارب التي مرّ بها المغاربة مع الولاة الأمويين ومع زعامات الخوارج رسخت لديهم القناعة بأن الوقت قد حان للبحث عن طريقة يدبّرون بها أمورهم ويحققون في ظلها استقلالهم في ظل الشرعية الإسلامية.
فهل كانت رحلة راشد إلى الحجاز بهدف البحث عن سبيل للإنقاذ؟ وهل كان هذا الإنقاذ الذي تطلع إليه راشد هو البحث عن رجل صالح يتفهّم هذه الرغبة العميقة التي تشبّع بها المغاربة، رجل من خارج دائرة الخلافة العباسية.
نعود إلى راشد دون أن يكون بإمكاننا الجزم القاطع بظروف وأهداف هجرته إلى الشرق والتقائه بالمولى إدريس، ولكن الشيء الذي لا يتطرّق إليه الشك أن راشداً قد ركب المخاطر حينما خاض مع مولاه تلك الرحلة المحفوفة بالأهوال من الجزيرة العربية إلى مصر إلى المغرب، ومن السذاجة الاعتقاد بأن الوفاء المجرد، الوفاء العاطفي هو وحده كافٍ ليتحمل المرء مشقة مغامرة خطيرة كتلك التي خاضها مع المولى إدريس، لا بدّ أن يكون الرجل واعياً كل الوعي بأهمية الرجل الذي وهب نفسه لحمايته ومرافقته، وكان يعرف أنه مرصود وأن العيون تلاحقه في كل مكان، وكان يعرف أنه لو حدث واكتشف أمره فسيكون مصيره الموت حتماً.
وفي أثناء الرحلة الطويلة كان راشدٌ على خلوةٍ مع مولاه، خلوة تفضي فيها النفس بلواعج وأحلام وذكريات، ولا بد أن المولى إدريس وقد رأى من وفاء وولاء رفيقه ما رأى، قد أسرّ له بكوامن نفسه، وأفضى إليه بذكرياته وأحلامه.
ونعرف من قصة مرور المولى إدريس ومولاه راشد بمصر أن قرار التوجه إلى المغرب كان قد اتّخذ لحظة الوصول إلى مصر، أو قبلها عند الانطلاق عبر البحر الأحمر من الجزيرة إلى الكنانة.
فكيف اتّخذ هذا القرار؟
هل أوحى به راشدٌ لإدريس أم أن هذا الأخير كان قد قرّر عزمه عليه بعد موقعة فخّ مباشرة، ولدى التقائه بذلك العدد من الحجاج المغاربة الذين رافقوا المولى إدريس في رحلته؟
إن المصادر التاريخية لا تشفي غليلنا مرة أخرى، لذلك لا مفرّ من استنطاق الأحداث واستكشاف دلالاتها الخفية، أنني أرجّح هنا أن يكون راشد وصحبه من المغاربة قد أشاروا على المولى إدريس بالتوجه معهم إلى المغرب، فهو البلد الذي سيجد فيه الأمن من كل خطرٍ، ولعلهم قالوا له: إن أهلنا بالمغرب سيرحبون بك وينزلونك عندهم منزلة الضيف الكريم المعزز، فأنت سبط الرسول (ص)، وآل البيت لهم بالمغرب مكانة رفيعة والاعتزاز، وإن المغاربة في حاجةٍ إلى رجلٍ مثلك يرشدهم في دينهم ويعلمهم ويفقههم. ولعلهم أيضاً حدّثوه طويلاً عن المغرب وعن الحالة التي يوجد عليها، وعن المذاهب والشّيع التي تفشّت فيه، وعن تطلّع المغاربة إلى رجلٍ يوحدهم حول كلمة الحق وصراط الإسلام المستقيم.
ولا شكّ أن المولى إدريس وقد سمع هذا قد اطمأنت نفسه أكثر، ونزلت في قلبه السكينة، ورأى أن الله سبحانه وتعالى قد عوضه عن الحزن أملاً، وعن المحنة رجاءً فهو متوجّه إلى بلد أهله على فطرة الإسلام، وأرضه في مأمنٍ من الخطر، فلا خوفٌ عليه من سيوف بني العباس.
وباستثناء اللحظات الحرجة التي مرّت بإدريس ومولاه راشد ذات يوم في مدينة الفسطاط بمصر، فإن مراحل الرحلة كانت على ما يبدو خاليةً من الخطر، وخاصة بعد اجتياز الحدود المصرية إلى برقة في ليبيا، وتتحدث الروايات عن محطة أخرى في الرحلة هي القيروان، حيث أقام المولى إدريس وراشد بعض الوقت دون أن يُكتَشَف أمرهما، ثم تحدثنا الروايات عن المولى إدريس في مدينة طنجة.
المولى إدريس في المغرب
كانت مدينة طنجة آنذاك حاضرة سياسية ومدينة كبرى في المغرب، وكان صيتها قد ذاع مرتبطاً بطارق بن زياد فاتح الأندلس، ثم بعدد من الحوادث التي عرفها المغرب إبان حكم الخوارج وكانت مدينة سبتة إلى جانب طنجة تشكل هي الأخرى مركزاً هامّاً لأحداث سياسية في فترة الحكم الإسلامي الأموي قبل مجيء المولى إدريس. والواقع أن شمال المغرب كله في الفترة من دخول الإسلام إلى قيام الدولة الإدريسية كان مركز الاستقطاب، إلى جانب سجلماسة في الجنوب، ولكن منطقة الشمال بصفة خاصة كانت سباقة إلى لعب دورٍ أساسيٍ في التاريخ الأول للإسلام بالمغرب حيث انتشر الدين الإسلامي بهذه المنطقة أكثر مما انتشر في مناطق أخرى، حتى إن مدينة «غساسة» الواقعة غرب مدينة مليلة والتي اندثرت آثارها، تعتبر أول مدينة بنيت في عهد الإسلام بالمغرب، مما يدل على استتباب الإسلام بمنطقة الشمال، فالعمران علامة من علامات الاستقرار.
إن ثلاث سنوات هي الفترة الفاصلة بين وقعة فخّ ومبايعة المولى إدريس بوليلي، ونقدر أن تكون الرحلة قد استغرقت ستة أشهر، وستة أشهر أخرى قضاها المولى إدريس في ضيافة إسحاق زعيم أوروبة، إذاً يمكننا القول أن المولى إدريس أقام بمدينة طنجة سنتين متصلتين.
فماذا فعل إدريس خلال هاتين السنتين بالمدينة، وأي أثر خلفه بها؟
إن الأثر الذي بقي واضحاً وجليّاً في نظري لحد الآن يتمثل في ظواهر:
أولها: أن شمال المغرب، وبالأخص القبائل المتناثرة على الجبال من طنجة إلى الشاون شرقاً، ومنها عبر سواحل البحر المتوسط إلى سبتة، ثم إلى حدود الريف، إن هذه القبائل قد توارثت جيلاً بعد جيلٍ، استظهار القرآن الكريم، وأصبحت تشكل مدرسة ومقصداً لحفظة الذكر الحكيم، وهو أمرٌ لا نجد نظيراً له في باقي أنحاء المغرب، ومع القرآن الكريم ازدهرت في هذه المناطق علوم اللغة وآدابها، كما ازدهرت علوم الشريعة، ولا أجد لهذه الظاهرة تفسيراً إلا أن يكون المولى إدريس بطنجة، والتفاف الناس حوله هو السبب الرئيسي، فالمولى إدريس سبط الرسول (ص) وخرّيج مدرسة القرآن والحديث بالمدينة المنورة، والمتفّقه في الدين كتاباً وسنّةً، هو الذي نشر هذه الدعوة إلى حفظ القرآن واستظهاره، فجميع الروايات تجمع على أن المولى إدريس عند مقامه بطنجة قد تفرّغ لدعوة الناس وإرشادهم وتعليمهم، فتآلفت القلوب حوله، وشاع ذكر صلاحه وشرفه بين الناس فقصدوه وعكفوا على مجالسه، ولربما قام برحلاتٍ هنا وهناك في المناطق القريبة من المدينة.
ثانيها: تتجلّى في أن مقام المولى إدريس بطنجة لمدة سنتين واعتكافه على تعليم الناس وإرشادهم ودعوتهم إلى الإسلام قد وضع اللبنات الأولى والبذرة الخيّرة لانتشار وشيوع اللغة العربية بين الناس، ذلك أن استظهار القرآن الكريم هو بحدّ ذاته المدرسة الأكثر تأثيراً في تعلم اللغة العربية والتّشبّع ببلاغتها. وقد كان المغاربة قبل مجيء المولى إدريس لا زالوا يتكلمون لهجاتهم البربرية فهي وسيلتهم في التعامل والتخاطب، وظلت اللغة العربية في ذلك الحين محصورة في أوساط فئات معينة خاصة بين العرب القادمين وجمهور محدود من الفقهاء والمتعلمين وبعض القادة المحليّين، وكان هذا النقص الملحوظ في انعزال اللغة العربية أحد الظواهر التي دلت على التقصير من الولاة الأمويين الذين انصرف أغلبهم في المغرب إلى تأمين سلطتهم لدى دولة الخلافة.
وهكذا تتوالى إشراقات المولى إدريس ـ الظاهرة، منذ اللحظة التي نجا فيها من الموت المحقق في فخّ، إلى مراحل رحلته المحفوفة بالأخطار، إلى مقامه بين المواطنين المغاربة في مدينة طنجة…
أول منشور سياسي
هو رسالة كتبها المولى إدريس لتُوَزَّع وتُقْرَأ على الناس، وأحسب أن هذه أول منشور سياسي في تاريخ الإسلام كله، والراجح أن المولى إدريس رأى نفسه مضطرّاً لتدبيج هذه الرسالة، ليس بدافع الرغبة في الدعاية أو حشد الأنصار حوله، بل لتلبية رغبات الآلاف من الذين كانوا يتوقون إلى رؤيته وسماعه والاستفادة منه ولم يكن باستطاعته تلبية رغبتهم بالانتقال إليهم، فوجّه إليهم رسالةً ضمنها توجيهاته، كما بثّ في ثناياها آلامه، وعبّر عن مبتغى ما يتوق إليه وقد رأى تطلّع الناس إلى هديه وقيادته وتوجيهه.
وجاء في تلك الرسالة ما يلي:
«بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدلله الذي جعل النصر لمن أطاعه، وعاقبة السوء لمن عند عنه، ولا إله إلا الله المنفرد بالوحدانية، الدال على ذلك بما أظهر من عجيب حكمته، ولطف تدبيره، الذي لا يدرك إلا أعلامه.
وصلى الله على محمدٍ عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، أحبه واصطفاه، واختاره وارتضاه، صلوات الله عليه وعلى آله الطيبين.
أما بعد، فإني:
1ـ أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيه (ص).
2ـ وإلى العدل في الرعية والقسم بالسّويّة، ورفع المظالم والأخذ بيد المظلوم.
3ـ وإحياء السنة وإماتة البدعة، وإنفاذ حكم الكتاب على القريب والبعيد.
4ـ واذكروا الله في ملوكٍ غيروا، وللأمان خفروا، وعهود الله وميقاته نقضوا، ولبني بيته قتلوا.
5ـ واذكروا الله في أرامل احْتُقِرَت، وحدود عطلت، وفي دماءٍ بغير حقٍّ سُفِكَت.
6ـ فقد نبذوا الكتاب والإسلام، فلم يبق من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه.
7ـ واعلموا عباد الله مما أوجب الله على أهل طاعته، المجاهرة لأهل عداوته ومعصيته، باليد وباللسان.
أ ـ فباللسان الدعاء إلى الله بالموعظة الحسنة، والنصيحة والحضّ على طاعة الله، والتوبة عن الذنوب بعد الإنابة والإقلاع، والنزوع عما يكره الله، والتواصي بالحق والصدق، والصبر، والرحمة والرفق، والتناهي عن معاصي الله كلها، والتعليم والتقديم لمن استجاب لله ورسوله، حتى تنفذ بصائرهم وتكمل، وتجتمع كلمتهم وتنتظم.
ب ـ فإذا اجتمع منهم من يكون للفاسد دافعاً وللظالمين مقاوماً، وعلى البغي والعدوان قاهراً، أظهروا دعوتهم وندبوا العباد إلى طاعة ربهم، ودفعوا أهل الجور إلى(عن) ارتكاب ما حرّم الله عليهم، وحالوا بين أهل المعاصي وبين العمل بها، فإن في معصية الله تلفاً لمن ركبها، وإهلاكاً لمن عمل بها.
ج ـ ولا يؤيسنكم من علو الحق واضطهاده، قلّة أنصاره، فإن فيما بدا من وحدة النبي (ص)، والأنبياء الداعين إلى الله قبله، وتكثيره إياهم بعد القلة، وإعزازهم بعد الذّلّة، دليلاً بيّناً، وبرهاناً واضحاً، قال الله عزّ وجلّ: «وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأنْتُمْ أَذِلَّةٌ» وقال تعالى: «وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ»، فنصر الله نبيه وكثّر جنده، وأظهر حزبه، وأنجز وعده، جزاء من الله سبحانه، وثواباً لفضله وصبره وإيثارة طاعة ربه، ورأفته بعباده، ورحمته وحسن قيامه بالعدل والقسط في تربية ومجاهدة أعدائهم، وزهده فيما زهد فيهم، ورغبته فيما يريده الله ومواساته أصحابه، وسعة أخلاقه كما أدبه الله، وأمر العباد باتّباعه والسلوك السليم، والاقتداء بهدايته، واقتفاء أثره، فإذا فعلوا ذلك أنجز لهم ما وعدهم، كما قال عزّ وجلّ: «إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ». قال تعالى: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالعُدْوَانِ» وقال: «إنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإيْتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ».
وكما مدحهم وأثنى عليهم كما يقول: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّمٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ»، وقال عزّ وجلّ: «وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ».
د ـ وفرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأضافه إلى الإيمان والإقرار بمعرفته، وأمر بالجهاد عليه، والدعاء إليه، قال تعالى: «قَاتِلُوا الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِاليَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ».
وفرض الله قتال المعاندين على الحق، والمعتدين عليه وعلى من آمن به، وصدق بكتابه، حتى يعود إليه ويفيء، كما فرض قتال من كفر به، وصدّ عنه، حتى يؤمن به، ويعترف بشرائعه. قال تعالى: «وَإنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أمْرِ اللهِ فَإنْ فَاءَتْ فَأصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالعَدْلِ وَأقْسِطُوا إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ».
هـ ـ فهذا عهد الله إليكم، وميثاقه عليكم بالتعاون على البرّ والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، فرضاً من الله واجباً وحكماً لازماً، فأين عن الله تذهبون؟ وأنّى تؤفكون؟».
و ـ وقد خانت جبابرة في الآفاق شرقاً وغرباً، وأظهروا الفساد وامتلأت الأرض ظلماً وجوراً، فليس للناس ملجأ، ولا لهم عند أعدائهم حسن رجاءٍ.
فعسى أن تكونوا معاشر إخواننا من البربر، اليد الحاصدة للظلم والجور، وأنصار الكتاب والسنة، القائمين بحق المظلومين، من ذرية النبيين، فكونوا عند الله بمنزلة من جاهد من المرسلين، ونصر الله مع النبيين.
8 ـ واعلموا معاشر البربر أني أتيتكم، وأنا المظلوم الملهوف الطريد الشريد، الخائف الموتور الذي كثر واتره، وقلّ ناصره وقتل إخواته، وأبوه وجده وأهله، فأجيبوا داعي الله فقد دعاكم إلى الله، فإن الله عزّ وجلّ يقول: «وَإنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ» أعاذنا الله وإياكم من الضلال وهدانا وإياكم إلى سبيل الرشاد.
9 ـ وأنا إدريس بن عبدالله، بن الحسن، بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وحمزة سيد الشهداء وجعفر الطيار في الجنة عمّاي، وخديجة الصديقة وفاطمة بنت أسد الشفيقة جدتاي، وفاطمة بنت رسول الله (ع) وفاطمة بنت الحسين سيد ذراري النبيين أماي، والحسن والحسين أبناء رسول الله (ص) أبواي، ومحمد إبراهيم عبدالله المهدي والزكي أخواي.
10ـ هذه دعوتي العادلة غير الجائرة، فمن أجابني فله ما لي وعليه ما علي، ومن أبي فحظه أخطأ، وسيرى ذلك عالمُ الغيب والشهادة أني لم أسفك له دماً، ولا استحللت محرماً ولا مالاً، وأستشهدك يا أكبر الشاهدين، وأستشهد جبريل وميكائيل أني أول من أجاب وأناب.
فلبيك اللهم لبيك، مُزْجِي السحاب، وهازم الأحزاب، مصيِّر الجبال سراباً، بعد أن كانت صمّاً صلاباً.
أسألك النصر لولدك من نبيك، إنك على كل شيءٍ قدير، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
وأريد أن أقف أمام هذه الوثيقة وقفة تأمل… وفي اعتقادي أن هذه الرسالة الإدريسية قد لقيت رواجاً كبيراً بين الناس، ولعلها وجدت مع ذلك الرواج من يتحمس ويدعو لصاحبها، إنها إذاً أول إعلان تلقّاه الناس وحلّلوه تحليلاً سياسياً، وقد يكون هذا ما هدف إليه المولى إدريس، وإن كان ذلك هو لبّ الحقيقة كما يذهب بعض المؤرخين، فإن ذلك يعني أن المولى إدريس قد أنس من تجاوب الناس والتفافهم حوله رغبة عبروا عنها في أن يخرج من عزلته واستنكافه للظهور السياسي، ووثق أن هذا الشعب الذي رحب به وأكرم وفادته هو في حاجةٍ إليه لتحقيق مطامحه ورغباته، وأن مقام سنتين بين ظهرانيه قد مكنته من معرفة دقيقة بأحوال المغرب، وساعدته على التعمّق في فهم الذهنية المغربية، وهي ذهنية لم يتوفق من سبقوه إلى استكناه أبعادها، فهذه الذهنية مجبولة على صفاء الرؤيا والابتعاد عن التعقيد والمغامرة، واتّخاذ القرار بعد رؤية واحتراز، والنفاذ إلى جوهر الحقائق بعفوية الطبيعة قبل جدلية المنطق والتحليل، لذلك تحتوي الرسالة الإدريسية على ذلك القدر من الوضوح والبساطة والتعبير المباشر عن الأهداف والأفكار، ولذلك فهم المغاربة مدلولها ورأوا فيها وفي صاحبها الأمل المنشود.
ويبقى مع ذلك القول بأن المولى إدريس أثناء مقامه بطنجة كان يخطّط وينتظر الفرصة المناسبة للإعلان عن هدفه السياسي. يبقى ذلك التحليل الذي ارتكز عليه بعض المؤرخين في رسم صورة للرجل الثائر المصمم على الثأر لأخوته وآل بيته وارداً وغير مستبعد، خاصة وأن الرجل بعد مقدمه للمغرب قد وجد الجو المناسب لذلك، ولا يمكن أن نستبعد طموحه وإرادته السياسية الثابتة. ولكن يجب القول أن الهدف الذي يكون قد رسمه المولى إدريس لنفسه، لم يمتط لبلوغه صهوة المغامرة، ولا عمد إلى إقناع الناس به عن طريق ما هو مألوف في سيرة باقي الزعماء السياسيين، أي ممارسة أساليب «غسل الدماغ» والدعاية، وحشد المؤيدين بالإغراء. فالمولى إدريس عاش في مدينة طنجة كإنسان عادي، لم يحط نفسه بحاشية ولا بمظاهر الإمارة أو الزعامة، لم يكسب مالاً ولا صرف ثروةً للدعاية لنفسه. ولكنه كان ذا معنوية فولاذية، وإيمان قوي راسخ وشجاعة فكرية وإنسانية مثالية، فكان تأثيره بذلك أبلغ من تأثير من يركب مراكب الدعاية والحماسة المصطنعة، لقد ملك قلوب الناس وملأها حبّاً فيه وفي دعوته.
وملاحظة أخرى تستوقفني في الرسالة الإدريسية، وهي تلك الروح الفياضة، روح الدعوة إلى كتاب الله وسنّة نبيّه وإحياء السّنّة وإماتة البدعة، ورفع المظالم والأخذ بيد المظلوم. إن هذه المبادىء التي استهلّ بها المولى إدريس رسالته تدل دلالة قاطعة على وعيه ومعرفته بالأحوال السائدة في المغرب آنذاك، فلقد كانت البدع كثيرة، والمذاهب شتى، إنها إذاً الخطوط الأساسية للدعوة الإدريسية، دعوة إلى توحيد القلوب والصفوف، ونفاذ حكم الكتاب على القريب والبعيد، لقد مسّ بهذه الدعوة وتراً حساساً فيما كان يرى المغاربة حالهم عليه، وهم التواقون إلى الوحدة في ظلّ شريعة الإسلام ودولة الإسلام.
أما ما كان من إشارات إلى ما حلّ بأهل بيته من نكبات، وما لحقهم من ظلمٍ، فذلك شيء طبيعي من رجلٍ قاتل من أجل رسالةٍ آمن بها واستشهد من أجلها إخوته وأعمامه، إنها إفضاء صريحٌ ومباشرٌ بما في نفسه من ألمٍ، والتماسٍ من شعب المغرب أن يتضامن معه فيما يعتبره حقاً وشرعاً.
لقد كانت الرسالة واضحة والدعوة صريحة والالتزام بيّناً لا غبار عليه.
كانت النتيجة السياسية المباشرة للدعوة الإدريسية هي دعوته من إسحاق عبد الحميد الأوروبي زعيم قبيلة أوروبة، ويقول بعض المؤرخين أن المولى إدريس هو الذي سعى إلى الاتصال بالزعيم الأوروبي في إطار خطةٍ لربط الصلات مع زعماء القبائل المغربية النافذة، وسواء دُعِيَ المولى إدريس أو سعى هو برغبته، فإن المكان الذي ذهب إليه، وهو أوروبة كان منطقة لها نفوذ قوي، وزعيمها من أشهر زعماء القبائل المغربية، وكان الإسلام بها مستتبّاً، وموقعها يتحكم في قلب المغرب البربري، وكان للمنطقة تاريخٌ مشهودٌ مع الرومان حيث كانت توجد مدينة وليلي أحد أشهر وأبقى المواقع التي خلفها الحكم الروماني للمغرب.
ويقيم المولى إدريس ضيفاً على زعيم أوروبة مدة ستة أشهر، كان فيها الرجلان يختليان ويتحدثان، وقد عرف إسحاق عبد الحميد الأوروبي كل شيء من ضيفه، وخبره عن قربٍ، واستمع إلى قصته وإلى معاناته وإلى ما جرى له ولأهله على يد العباسيين، ولا شك أن المولى إدريس كان صريحاً واضحاً مع مضيفه. فقد أفضى إليه بمشروعه واستماله إليه ورغبه في أن يكون عوناً له على تحقيق هذا المشروع لما فيه الخير للمغرب وشعبه، كما لا شك أن زعيم أوروبة كان وطنياً غيوراً ومسلماً مؤمناً متشبثاً بشيم النزاهة والاستقامة، مدركاً للحالة التي توجد عليها بلاده، شاعراً بتطلعات شعبه في ظلّ دولة الشرع، عارفاً بما ارتُكب من أخطاء وتجاوزات، خاصة وأن منطقة أوروبة بالذات هي موطن ذلك الزعيم الأوروبي مسيرة ـ أو كسيلة الذي لاقى معاملة سيئة من طرف عقبة بن نافع، فثار انتقاماً لكرامته وقتل مع جماعة من قومه في معركة فاصلة.
لقد كانت ستة أشهر كافية ليتدبر زعيم أوروبة أمر ضيفه وما أتى به من دعوة، وليقرر في النهاية أن يقف ذلك الموقف العظيم المثالي الشجاع الذي سجله له التاريخ، موقف الإيثار الذي لا يقدم عليه إلا الرجال الصالحون المؤمنون المجاهدون في سبيل الله.
وجاء شهر رمضان من عام 172هـ، وكان اليوم يوم جمعة.
ودعا إسحاق عبد الحميد الأوروبي قومه بعد الصلاة إلى اجتماعٍ حاسمٍ فقام فيهم خطيباً فعرفهم بنسب إدريس وبفضله ومكانته وعلمه وتقواه، ثم توقف ليرى أثر ما قال عليهم ويجسّ ردّ انفعالهم لقوله، فقام الجميع يعربون عن تقديرهم ومجبتهم لآل البيت وقالوا بلسان أحدهم: وإنه سيدنا فما يريده منا؟
فقال إسحاق عبد الحميد الأوروبي «تبايعونه».
فقال من نطق باسمهم «ما منا من يتوقف عن بيعته» وطفق الناس يتهافتون عليه مبايعين مظهرين محبتهم وعميق ولائهم.
وصعد المولى إدريس المنبر وخطب في الناس خطبةً أورد منها المؤرخ الناصري الجملة التالية «أيها الناس لا تمدنّ الأعناق إلى غيرنا، فإن الذي تجدونه من الحق عندنا لا تجدونه عند غيرنا».
وكان أول المبايعين إسحاق عبد الحميد الأوروبي زعيم أوروبة.
وكان ذلك يوم الجمعة 14 من شهر رمضان 172هـ الموافق 6 شباط (فبراير) سنة 789 ميلادية.
ميلاد الدولة المغربية المستقلة
لقد تمّ إذاً ميلاد الدولة المغربية الإسلامية المستقلة عن الخلافة العباسية، وكان ذلك حدثاً على أكبر قدرٍ من الأهمية على مستوى المغرب، ذلك أن قيام الدولة على رأسها أمير للمسلمين يستمد سلطته الدينية والدنيوية من بيعة الناس، كان أملاً تعلقت به قلوب المغاربة وانحاز إليه تفكيرهم وعزمت عليه إرادة نبهائهم. وهكذا فقد بايعوا المولى إدريس الذي هو بدوره لم يعمد طوال سنتين ونصف السنة من إقامته بين ظهراني المغاربة في إثارتهم أو تحريضهم أو استغلال الأخطاء التي وقعت بحقهم، أو استفزاز مشاعرهم الوطنية أو نزعاتهم القبلية أو العصبية، بل إنه تسامى حتى على مشاعره المكلومة مما لقيه أهله من بني العباس، ولم يتّخذ من الظلم الذي لحق به، وهو سبط الرسول (ص) ذريعة لإثارة البغضاء على خصومه، بل اكتفى بالإشارة إلى ما حلّ بأهله في إطار الدعوة إلى حق اغتصبه خصومه بقوة السيف.
وتمّت بيعة المولى إدريس أيضاً في ظروف كانت فيها سلطة الخلافة العباسية واهية على مجموعة بلدان المغرب العربي، وتكاد تكون منعدمة في المغرب الأقصى، فكان هناك فراغ سياسي حقيقي يتنافى ووجود شعب مسلم قوي متطلع إلى أن يلعب دوره في نشر الدعوة الإسلامية وإشعاع نورها، خاصة وإن هذا الدور كان قد برز مدى تأثيره وفعاليته حينما أسندت لقائد مغربي مهمة فتح الأندلس فحقق نصراً عظيماً كان انطلاقة إشعاع دولة الإسلام ورسالته في المغرب المسيحي، ولو استمر الوضع في المغرب بما يؤهله للقيام بدوره لحقق انتصارت أخرى لصالح الإسلام ورسالته.
ولا شك أن الفرحة كانت عارمة في قبائل أوروبة التي كانت السباقة إلى فتح هذا العهد الجديد للمغرب، وهو شرفٌ يليق بهذه القبائل التي كان لها شأنٌ عظيمٌ في المغرب، وكان لها دورٌ بارزٌ في نصرة الإسلام ونشر دعوته، وهي القبائل التي منحت المولى إدريس خالص محبتها وعرفته عن قربٍ، كما لا شك أن خبر البيعة قد ذاع في مجموع أنحاء المغرب وكان له الأثر القوي في النفوس والصدى الواسع في جميع الأوساط والقيادات المحلية هنا وهناك، وقد رأى فيه الجميع حدثاً بالغ الدلالة على التحول الحاسم في حياة المغرب والمغاربة في ظلّ الإسلام، لقد كانت البيعة بحق فتحاً ثانياً للإسلام بعد الفتح لدولة المغرب الإسلامية بعد فتح المغرب الإسلامي.
ولم تكن بيعة قبائل أوروبة للمولى إدريس بيعة لزعيم ينطق باسمهم أو أمير يتولى أمورهم دون غيرهم، بل كانت بيعتهم للمولى إدريس بيعة أمة لملك ورعايا لراعٍ، كذلك كانت نيّتهم وكان عزمهم، وكذلك تلقّى منهم المولى إدريس البيعة، فكان عقد البيعة عقداً تامّاً، والالتزام بها التزاماً جماعياً أو قبيلة أو أشخاص، وكذلك فهم المغاربة في جميع الأماكن الأخرى مدلول هذه البيعة وأهميتها وما ترمز إليه كالتزام من الأمة تجاه أمير الأمة وراعيها والمؤتمن على حقوقها والقائم على تنفيذ شريعة الله بين أفرادها.
وكانت البيعة من جهة أخرى على أكبر قدر من الخطورة بالنسبة لدولة الخلافة العباسية من جهة، وبالنسبة لزعماء الدويلات الضيقة التي قامت هنا وهناك بالمغرب من جهة أخرى، فالبنسبة للخلافة العباسية فإن هذه البيعة كان معناها نقض الولاء السياسي والروحي بين المغاربة ودولة الخلافة، أي فصم عرى تلك العلاقة التي كانت ضعيفة وفاترة، ولكنها على أية حال كانت من الوجهة الشرعية والإدارية قائمة لانعدام بديل لها. وكان هذا بالنسبة للعباسيين أكبر تحدٍّ يواجهونه بعد أن استتبّ لهم الأمر في مناطق الخلافة المشرقية بالقضاء نهائياً على الأمويين وبإسكات صوت أبناء عمومتهم العلويين، وكان معنى هذا أن السحابة المحملة بالمطر يمكنها أن تمطر في بقعة لا يعود ريع زرعها ونباتها وثمار أشجارها إلى هارون الرشيد! وهذ أمرٌ يخدش تلك الهيبة المحيطة بعظمة بغداد وقوتها ونفوذها، ويقصر حدود الخلافة في رقعة جغرافية ذات ذراع ونصف ذراع في المغرب العربي، ويبقى المغرب حاجزاً دون نفوذ الخلافة إلى المغرب الإسلامي، لذلك كان ردّ فعل الرشيد غاضباً قوياً، ترجم إلى فعلة شنعاء مشينة تمثلت في تلك المؤامرة المحبوكة لاغتيال المولى إدريس، ولقد قدّر هارون الرشيد الموقف تقديراً دقيقاً ولم يغامر بحربٍ تغرق هذه المنطقة في بحرٍ من دماء المسلمين، ولعله كان مقتنعاً في قرارة نفسه وبحسابات سياسية وعسكرية واستراتيجية أن من المستحيل عليه، وهو القوي والمالك لسلطة سياسية وعسكرية عظيمة، أن يكسب حرباً يريد بها إخضاع المغرب لسلطته، واكتفى بالانتقام الشخصي بديلاً عن شنّ حربٍ خاسرةٍ مسبقاً.
وقصة ذلك معروفة لا أحتاج إلى سردها، ولكن تستوقفني منها نقطتان:
الأولى: تتعلق بالمولى إدريس كإنسان، فقد وثق بالشماخ وقربه منه دون أن يخالجه أدنى شك في طويته، أو ينقص حقيقة هويته، وهذا يعكس جانباً مهماً في شخصية المولى إدريس، فهذا الرجل المؤمن المجاهد الصالح هو رجل قضية ورسالة وليس رجل سياسة بالمعنى المكيافيلي لهذه الكلمة، فالرسالة هي التي تحدد وترسم معالم أخلاقه وطبيعته، فمن خلالها يرى العالم والناس، ولو كان رجل سياسة لكان حذِرَ من قواعد تعامله وتحركاته ولأحاط نفسه بما يحيط به الزعماء والحكام أنفسهم من مظاهر ورجال وتشريفات وحرس يحيطون بها أنفسهم من المتطفلين أو المتآمرين، ويرسمون تلك الهالة التي تضع حدوداً معلومة ومطلوبة بينهم وبين كل من يقصد رحابهم أو يسعى إلى مطلب عندهم، لهذا فإن الشماخ لم يجد أية صعوبة في التقرب إلى المولى إدريس والتسرب إلى دائرته الشخصية وحياته الخاصة ولم يكلف نفسه عناءً كبيراً لامتلاك ثقته والتمكن من مودته. وأكاد أقول أن نجاح الشماخ في الوصول إلى المولى إدريس وتنفيذ الخطة التي كلّفه بها هارون الرشيد بتسميمه وقتله لا تعزى إلى دهاء الرجل ومكره بقدر ما تعزى إلى طيبة وسماحة وبراءة المولى إدريس رضي الله عنه وخلوّ قلبه الطاهر من الغلّ وسرعة وثوقه وتصديقه لما يبثه الناس على شفاههم من طيب الكلام، لا مما ينطوي عليه من مكرٍ وخديعةٍ دفينةٍ تحجبها مظاهر الود الكاذبة، إن هذه الصفات التي تحلّى بها المولى إدريس هي صفات سلالة البيت النبوي الشريف، وهي قبسٌ من نور التربية المحمدية والسيرة النبوية.
والنقطة الثانية: وهي أن الاغتيال كأسلوب طبع التاريخ السياسي في أكثر من بلدٍ، واتّخذه البعض مطيةً لتصفية الحسابات السياسية وحسم الصراعات، المذهبية أو السلطوية، إن هذا الأسلوب المستهجن كان وبقي ضد الطبيعة المغربية، ولأنه حدث وطُبِّقَ لأول مرة في حق المولى إدريس الذي اجتمعت على محبته قلوب المغاربة، فقد ترك جرحاً غائراً في المشاعر واقترن في ذاكرة المغاربة بالغدر والخيانة.
الفتح المبين
أربع سنوات هي المدة التي عاشها المولى إدريس وليّاً للمؤمنين بعد بيعة وليلي، ولكن المؤرخين حينما يستعرضون ما حققه المولى إدريس خلال هذه الفترة القصيرة، وما بناه وأنجزه، والتحول البعيد المدى الذي عرفه المغرب على المستويين الوطني؛ بوحدة المغاربة حول بيعتهم وعرشهم وكيانهم الجديد، والساسي ببزوغ هذه الدولة الجديدة وإشعاع واتّساع سلطتها، حينما يستعرض المؤرخون ذلك يقولون: إن المولى إدريس لما اشتدت شوكته وعظمت قوته «زحف» «يغزو» و«يفتح» النواحي والجهات التي كانت «خارجة» عن سلطته، يحكم قبضته عليها ويخضع أهلها لسلطانه. ويضيفون أنه قد تمّ له ذلك بسهولة ملحوظة. ويتحتّم عليّ أن أوضح أن المؤرخين لهم لغتهم ومصطلحاتهم حينما يؤرخون لحدثٍ ما، ولكن هذه اللغة وتلك المصطلحات غالباً ما تتجافى وجوهر الحقيقة التي هي المحرك لذلك الحدث، وحينما يتعلق الأمر هنا بما حققه المولى إدريس من فتحٍ فإنه ينبغي في نظري تجاوز المصطلحات ووضعها جانباً لأنه من المتعسف استعمالها في حق هذا الرجل العظيم، الظاهرة، فما حققه المولى إدريس كان فتحاً بالمعنى الجميل والمشرق لهذه الكلمة، هذا الفتح لم يصنعه المولى إدريس بحدّ السيف ولا باستعمال القوة واستخدام السلطة السياسية، لقد كان ذلك الفتح بداية المسيرة، مسيرة المغرب الموحد المسلم الملتفّ حول عرشٍ وقيادةٍ ورسالةٍ.
ولكن ما هو هذا الفتح الذي نتكلم عنه هنا؟
إنه بمجرد إعلان وإظهار البيعة للمولى إدريس في وليلي تسارعت الجهات والقبائل خارج نطاق قبائل أوروبة لتقدم البيعة، وقد تمّ ذلك بطواعيةٍ بعيداً عن أي ضغطٍ أو تخوّفٍ أو حساباتٍ سياسيةٍ أو قبليةٍ، ودلّ ذلك بكل وضوح على الحقيقة التي تغاضى عنها بعض المؤرخين، وهي أن المغاربة جميعاً كانوا يتطلعون إلى رجلٍ يوحدهم ويقودهم تحت راية الرسالة الإسلامية ويحققون به ومعه وجودهم ويثبتون كيانهم ويلعبون دورهم كأمة أصيلة وعريقة حررها الإسلام وهيأها لرسالةٍ كانت مقدرة لهذا الدين العظيم. لقد كان الشعب المغربي ظاهرةً أيضاً في تاريخ الرسالة الإسلامية، مثلما كان المولى إدريس ظاهرة في تاريخ الرجال الذين هيأهم الله لنشر هذه الرسالة، ولا تستطيع الأسباب والمبررات والتحليلات السياسية وحدها أن تشفي غليل الباحثين عن الحقيقة، وإن كانت تلك الأسباب والتحليلات تسند وتؤكد أن ما حققه المولى إدريس ومعه الشعب المؤمن الملتفّ كان تطوراً حاسماً في تاريخ المغرب المسلم. بل كان البداية الحقيقية لذلك التاريخ الذي استمرّ وتواصل على خط مستقيم.
نعم، إن المولى إدريس، وقد اجتمع الشعب المؤمن حوله، ومنحه حبه وولاءه، قاد حملة توحيدٍ وتطهيرٍ، لا حملة غزوٍ وفتوحات، لينشر دين الله في جميع أنحاء المغرب وليوحد هذه(الدولة)، والبعد السياسي للمهمة التي جرّد نفسه لها، هو تأمين سلامة الدولة الجديدة ضد تهديد العباسيين من الشرق بعد أن أقرّ تأمين كيان الدولة الروحي في الجنوب والشمال في زمرة الإسلام، وهذا هو التفسير الذي أعطيه لحملة المولى إدريس في اتجاه تلمسان وما جاورها من قبائل مغراوة حيث دخلت هذه المنطقة في ظلّ الولاء للدولة الجديدة، وشكّلت حزاماً أمنياً استراتيجياً وبشرياً في مواجهة سلطة العباسيين الذين لم تفتر محاولاتهم لاستعادة نفوذهم الضائع. لقد كان المولى إدريس واعياً لهذا الخطر، ومصمماً العزم ليس على الدخول معه في مواجهة، بل لاقتناعه بأن الوضع الجديد القائم في المغرب لم يكن مجرد فلتة أو حالة عابرة، بل واقعاً ثابتاً ومسلحاً ومستعداً للدفاع عن نفسه. وهذا ما فهمه العباسيون وأذعنوا له وتعاملوا على أساسه.
إن أربع سنوات من حكم المولى إدريس كانت حافلة بالأحداث، وشهدت بداية التحول الأكبر لتاريخ المغرب المستقلّ عن الخلافة المشرقية.
وهذا التدريج في إثبات وتثبيت السلطة الكاملة الشاملة للدول المغربية، رمزاً وسلطةً روحيةً، يدل على الثبات والأناة والحكمة، مثلما يدل على ما اتّسمت به الطبيعة والسياسة المغربية من تسامح وانفتاح.
كذلك فإن ذلك التدريج الهادىء الرزين ينمّ عن أصالة ثابتة، فالمغاربة المعتزّون بأنفسهم لا يميلون إلى إظهار ذلك الاعتزاز عن طريق الثورة أو التمرد أو العصيان أو التحدي، فهم معتزون بأنفسهم لأنهم واثقون بذاتهم ومؤهلاتهم وبقدرتهم على الاختيار الذي يناسب ويتفق مع مزاجهم وطبيعتهم ومصالحهم التي لا تتناقض مع الأهداف السامية لهم كدولة وكأمة.
وانطلاقاً من فلسفة هذا التدرج ومنهجيته كأسلوب مغربي في التعامل مع الأحداث والتحديات والمهام الكبرى نجد التفسير الواقعي للمهام التي لم يستطع إنجازها المولى إدريس في تلك الفترة القصيرة لحكمه والتي تهيّأ لبعضها وأنجزها خلفه المولى إدريس الثاني، ثم من بعده خلفه من أبنائه. إن تلك المهام كانت جسيمة وتتطلب الوقت والصبر والإعداد، وقبل كل شيء تتطلب النضج، أي تطرح نفسها كأولية تسبق غيرها من الأوليات. وهكذا بقيت في عهد المولى إدريس الأول دويلات كانت موجودة قبله، وظلت خارجة عن نطاق سلطته ونفوذه الروحي أو السياسي، مثل البرغواطيين وبني مدرار، وبني صالح، وبني عصام، وقد توزعت هذه «الدويلات» على مناطق في الشمال وفي الجنوب، وكان لها حكامها ونفوذها المحلي، ولكن يجب القول هنا أن هذه «الدويلات» لم تكن تشكل كيانات منفصلة جغرافياً وقومياً عن الوطن، والأصح أن توصف بأنها أقرب إلى إقطاعيات محلية من كونها «دويلات» منفصلة، فهي جميعاً كانت تحت مظلة وسلطة الانتماء إلى الوطن الواحد، وكان وجودها تعبيراً عن حالةٍ أو مذهبٍ أو عصبيةٍ طارئةٍ لا تتوفر على وسائل مقومات الاستمرار، وكانت «حدودها» مرسومة لحكم نفوذ تلك الحالة أو المذهب أو العصبية، وليست حدوداً «للسيادة» أو السلطة السياسية، وأحسب أن جميع قادة وزعماء تلك الإقطاعيات «الدويلات» كانوا يتوقون إلى بسط تجربتهم أو نفوذهم، أو مذهبهم ليشمل باقي أجزاء التراب الوطني، وبصرف النظر عن الحكم الذي يصدره في حق أولئك الزعماء ودويلاتهم المؤرخون فإن هؤلاء جميعاً قد اتفقوا على أن تلك الحالة من التشرذم الروحي والسياسي والقومي كانت نتيجة غياب سلطةٍ روحيةٍ سياسيةٍ مستقرةٍ في المغرب، سلطة نابعة من اختيار المغاربة مجسدة لإرادتهم معبرة عن طموحاتهم موحدة لأفكارهم ومشاعرهم في ظل الدين الإسلامي الذي وحّد قلوبهم وفتح عيونهم على آفاق الرسالة التي يسمون بها إلى ذروة العطاء والإشعاع كأمة عظيمة.
إن حالة التشرذم تلك كانت حلقة فراغٍ تالريخيّ، كانت الوحدة الوطنية المغربية قبل الإسلام وحدة مواجهة وتصدٍّ للقوى الخارجية، وبعد دخول الإسلام كانت تلك الوحدة تبحث عن وجهها الجديد لتنبعث وتعلن عن نفسها في ظل الدين الحنيف كعقيدة روحية ونظام سياسي وتنظيم مدني اجتماعي.
وجاء تأسيس الدولة المغربية على يد المولى إدريس ليعلن عن الميلاد الجديد للوحدة الوطنية المغربية وليضع حدّاً لذلك الفراغ التاريخي، ولهذا كان محكوماً على حالة التشرذم الروحي والسياسي والقومي أن تأفل وتضمحلّ وتنتهي وكان ذلك يحتاج إلى وقتٍ لا من أجل استكمال أو توفير القوة المادية لمحو الظاهرة ـ الحالة، بل من أجل أن يأخذ التغيير مجاله في العمق ليكتسح الظاهرة ـ الحالة قضاءً حتمياً وكاملاً لتتمكن الأمة من وسائل اندفاعها في بناء حضارتها الجديدة، ولتبقى الحالة مجرد ظاهرة خارجة عن نطاق التاريخ السياسي والقومي للأمة، ظاهرة لا يملك أحدٌ وسائل تبريرها أو يجد ما يبرر به التساؤل عن إمكانية تكرارها بشكلٍ أو بآخرٍ.
إن المولى إدريس ما كان له أن يجابه تلك التحديات الداخلية والخارجية بالاعتماد على قوةٍ أو جيشٍ، فلو كان هدفه هو تأسيس دولة تمتلك قوة ضاربة يبسط بها نفوذه ويواجه البؤر المرشحة للتمرد داخلياً، وفي نفس الوقت قوة خارجية، لو كان هدفه ذلك لعانى الأمرين، وحتى لو كسب بتلك القوة المعارك المتعددة، فإنه كسبٌ مؤقتٌ لن يكتب له الدوام، ولكن المولى إدريس أسس في الواقع قواعد دولة لها رسالة، أو بالأحرى قواعد رسالة بنى عليها قوام دولة رسالة تلتف حولها القلوب، وتحتشد الصفوف، وتشحذ العزائم والهمم، فكان صاحب رسالة بنى عليها المغاربة دولتهم وحموها ونأوا بها عن الدخول في مواجهات وصراعات ومعارك تسفك فيها الدماء وتعشش الحزازات والأحقاد، فكان أن كتب لهذه الدولة ـ الرسالة البقاء والاستمرار والمناعة والقوة المتجددة عبر العصور والأحقاب، فلم يكن لهذه الدولة أطماع للتوسع، ولا تطلعات للهيمنة خارج إطار وحدود وجودها وحياتها وبيئتها الحضارية والبشرية، لذا فبدل أن تدخل في مواجهات تستنفد قوتها وتفرغ رسالتها من محتواها، كان لها من الأقدار، مواعد لمعارك لنصرة المسلمين والذود عن حمى الإسلام في الأندلس، وفي المغرب العربي، وعلى المستوى الوطني فإن الدولة المغربية التي أسسها إدريس على تقوى من الله ورضوان كانت دولة الوحدة والتآلف والتضامن والعدل والمساواة، فليس في بنيانها الشامخ قطرة دم سُفِكَت غدراً أو انتقاماً أو عنتاً من مواطن، وإنما كان للحق الذي لا تفريط فيه جولات تنتهي بسيادته وانتشاره واستتبابه بين الناس.
هنا يكمن، مرة أخرى سرٌّ خفيٌّ عميقٌ من أسرار المولى إدريس الظاهرة، المولى إدريس القبس المضيء من مصباح النبوة المشرق «كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوْقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورِ» صدق الله العظيم.
عرش المغاربة
جاء المولى إدريس إذن للمغرب حاملاً رسالة في قلبه وتفكيره وهدفه، لم يأت طالباً لملكٍ يسعى إليه بقوة أو جيش أو أنصار، نعم كان طالب حقّ، وحينما بايعه الشعب المغربي تناسى ما كان يحمله في صدره من رغبةٍ في امتلاك ذلك الحق وإقامته في أرضٍ بعيدةٍ عن المكان الذي كان أهله يطالبون بإقامة حقهم فيه، وما بقي في صدره من الشرق كان هو إرادته في إقامة حكم إسلامي عادل وطاهر في المغرب، وإصلاح الوضع في العالم الإسلامي، وإقامة الحجة والبرهان على صدق وطهارة أهل البيت في قيام نظام حكمٍ يستند على الشرعية الإسلامية وأحكام الكتاب والسنة، وحينها حقق الله هدفه ويسّر له السبل، وفتح قلوب المغاربة لمحبته والالتفاف حوله، شرع القواعد الثابتة لدولةٍ إسلاميةٍ لا مشرقية ولا مغربية لا أموية، ولا عباسية، وإنما هي دولة الإسلام والمسلمين، وكان سبيله إلى ذلك هو الحوار والإقناع والشورى وإيثار المصلحة العامة على ما سواها، وكأني به كان يشعر أن حياته لن تطول، فحقق في تلك المدة القصيرة أهم وأعمق إنجاز لرجل رسالةٍ سامية، ألا وهو دستور الدولة، وما ذلك الدستور إلا رسالته لنشر الإسلام وحمايته والاهتداء بأحكامه والوحدة الوطنية في ظله.
لقد سنّ المولى إدريس قيم المرونة واللين والحسنى وسعة الصدر تجاه ما يكره، والحنكة في سياسة الملك، وجعل الاحتكام في كل موقف أو مبادرة إلى تعاليم الإسلام الحنيف وحدوده المبينة، فلا مهانة ولا تراجع حينما يتعلق الأمر بتلك التعاليم وتلك الحدود.
قتل المولى إدريس الأكبر غدراً بقارورة سمّ ناوله إياها الشماخ على أنها من طيب استجلبه من الشرق، وحينما اشتمّ ما فيها سرى السّمّ إلى خياشيمه وتسرّب إلى دماغه فغشي عليه ثم مات بعد حين.
كانت الجريمة من فعل شخصٍ واحدٍ كان مكلفاً بهذه المهمة فأنجزها وقفل هارباً إلى بغداد لينال الجزاء الذي وعد به، فهل كان هارون الرشيد يريد اغتيال رسالته، أم كان يقصد باغتياله بهذه الطريقة التستر على هذه الجريمة السياسية وهو يعلم من فضل المولى إدريس وما أظهره المغاربة من محبةٍ له وتعلّقٍ به وبآل البيت عموماً، إن الذين أرخوا لهذه الحادثة وسردوا تفاصيلها لم يطرحوا هذا الأسئلة، ذلك لأنهم تعاملوا مع الحادثة بمنهج تاريخي بحت لم يتجاوزه إلى استنباط الأبعاد السياسية الكامنة فيه، أو يستعملوا حاسة التاريخ السياسي الذي أرى أن حظه من البروز كان محدوداً تجاه هذه القضية وكأن المولى إدريس كان حلقة عادية في عقد التاريخ العام لتلك الحقبة التي تشكل، في اعتقادي، منعطفاً عميقاً لتاريخين متمايزين، تاريخ إسلامي مشرقي، وتاريخ إسلامي مغربي، أو بعبارة أدقّ تاريخ الغرب الإسلامي.
استشعر هارون الرشيد الخطر الذي يمثله المولى إدريس على سلطته، ورأى أن هذا الخطر يتمثل كما قال لوزيره حين دعاه للاستشارة فيما ينبغي عمله، في «أن الرجل قد فتح تلمسان وهي باب أفريقية ومن ملك الباب يوشك أن يدخل الدار، وقد هممت أن أبعث إليه جيشاً ثم فكرت في بعد الشقة وعظم المشقة فرجعت عن ذلك. ولكنه، في حيرته هذه كان يبحث عن طريقة ما تحول دون أن يدخل المولى إدريس الدار بعد أن فتح بابها، ولعله كان يخشى أن يتجاوز المولى إدريس حدود تلمسان، فيزحف بقوته المتنامية إلى بغداد، ولم لا وموطن الخلافة إنما هو الشرق وليس هو المغرب؟ وإدريس الناجي من وقعة فخٍّ قد يكون اتّخذ من المغرب قاعدة انطلاقه لانتزاع الخلافة من أبناء عمومته العباسيين الذين انتزعوها غلاباً وتجاوزاً للبيعة التي عقدوها هم أنفسهم للعلويين.
ولكن الوزير يحي بن خالد البرمكي غير بمشورته لهارون الرشيد وبخطته مجرى الأحداث، وعجل من حيث لا يدري بنهاية كانت محتملة ولكن لم تكن قد نضجت بعد كقرار في مخيلة المولى إدريس، وكيف يمكن تحقيقها ومتى، نهاية سلطة الخلافة المشرقية على المغرب الأقصى وقيام دولة مغربية إسلامية على أسس البيعة الشرعية ممثلة في إمام وعرش وسلطة دينية ودنيوية.
والخطة البرمكية كانت ترتكز على رهانين:
الأول: أن يموت المولى إدريس بالسّم المستنشق، فلا يعرف المقربون إليه، ولا يعرف الشعب، سرّ هذا الاغتيال الكيماوي الغريب، وبالتالي تستبعد التهمة عن الخليفة وعن بغداد.
والثاني: أن يحدث ذلك الفراغ الذي تصوره الوزير البرمكي، فكان يعتقد أن اختفاء المولى إدريس سيضع حدّاً لذلك الوضع الذي كان يمثله، وستعود المياه إلى مجاريها ولن يجد المغاربة رجلاً في مكانة المولى إدريس يمحضونه ذلك الحب الذي أحاطوا به سبط الرسول (ص).
وقد سقط الرهان الأول، ولا بدّ من وقفةٍ قصيرةٍ لمشاهدة سر آخر من أسرار العناية التي أحاط الله سبحانه وتعالى بها سبط رسوله الكريم، عناية أنقذته من موتٍ محققٍ في وقعة فخ، وعناية كشفت سرّ اغتياله في مدينة وليلي، ليبقى المولى إدريس حياً في ضمير المغاربة وحياتهم جيلاً بعد جيل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
يفهم من الروايات التاريخية أن الشماخ استوثق من المولى إدريس ووقع من نفسه موقع الأمان والثقة، أصبح يتحين الفرص للانفراد به لينفذ فعلته، ولكنه كان يجد في كل لحظة راشداً ملازماً للمولى إدريس لا يفارقه كظله، إلى أن كان يوم غاب فيه راشد في بعض حاجاته، فدخل الشماخ وجلس يحادث المولى إدريس إلى أن حانت اللحظة المناسبة فناوله القارورة المسمومة. هنا كانت العناية الإلهية حاضرة، فالشماخ وقد رأى أثر السم على وجه المولى إدريس، خرج مسرعاً إلى بيته، وركب فرسه واتجه صوب الشرق قاصداً الإفلات والهروب، وقد كان بإمكانه أن يظل حيث هو ويتحلّى بالجأش ويظهر الجزع على ما أصاب الرجل الذي محضه ثقته دون أن يخشى تهمة أو يتوقع ريبة، ولكن الجريمة المروعة أطاحت بدهائه وكشفت سرّ خيانته وشقاه، فعرف راشد والناس أن الشماخ قاتل غادر، وأنه أتى مكلفاً بتنفيذ هذه الجريمة. وأفلت الشماخ من سيف راشد الذي تقول الروايات أنه لحق به عند وادي ملوية فضربه بسيفه وقطع يمناه وشجّ رأسه ولكنه لم يمسك به… فعاد إلى بيت مولاه لتبدأ فصول عناية ربانية أخرى بهذه الأمة وبمصيرها وبما قدره الله لها على يد إدريس ومن جاء بعده، وتلك هي قصة سقوط الرهان البرمكي الثاني.
مجلس الشورى
ساد الحزن قلوب الشعب المغربي على ما حلّ بسبط الرسول (ص)، وما نزل بالرجل الذي أحبوه، والتفوا حوله، ورأوا فيه المنقذ الذي كانوا يتطلعون إليه، ولكن الجزع لم ينل من عزمهم، أو يفت في عضد أناتهم وتبصرهم، ويفقدهم صوابهم، فبعد أن حملوا نعش فقيدهم العزيز إلى مثواه الأخير، اجتمعوا ليروا في أمرهم ما يفعلون، هنا كان راشد ذلك الحكيم المدبر فخرج إلى الناس وهم مجتمعون فقال لهم: «إن إدريس لم يترك ولداً إلا حملاً من زوجته كنزة، وهي الآن في الشهر السابع من حملها، فإن رأيتم أن تصبروا حتى تضع حملها فإن كان ذكراً أحسنا تربيته حتى إذا بلغ مبلغ الرجال بايعناه تمسكاً بدعوة آل البيت وتبركاً بذرية رسول الله، وإن كان جارية نظرتم لأنفسكم»، فقالوا له: «أيها الشيخ المبارك ما لنا رأيٌ إلا ما رأيت، فإنك عندنا عوضٌ من إدريس تقوم بأمورنا كما كان إدريس يقوم بها، وتصلي بنا، وتقضي بيننا بكتاب الله وسنة رسوله (ص)، ونصبر حتى تضع زوجته حملها ويكون ما أشرت به، على أنها إن وضعت جارية كنت أحق الناس بهذا الأمر لفضلك ودينك وعلمك».
حقق الله أمره… وأرسى المولى إدريس قواعد الرسالة لدولة المغرب الإسلامية، وآلت الأمانة إلى شعبٍ آمن بتلك الرسالة وتشبّع بها والتفّ حول أهدافها، ولم يحدث ما كان قد خطط له يحي البرمكي ونفذه الشماخ. فالشعب المغربي بايع المولى إدريس الأزهر وهو ما يزال حملاً في رحم أمه كنزة. وتعهد سلفاً أن يكون خلفاً لوالده. وهكذا، وفي انتظار المولود شكل المغاربة لأول مرة في التاريخ الإسلامي مجلساً للوصاية ووصياً على هذا المجلس هو راشد الأمين الذي أدى الأمانة، وقام بها على أكمل وجه وأوفاه. وتمثلت في هذا الرجل تلك الصفة الخالدة للوفاء والولاء التي كانت وبقيت ولا تزال بحمد الله سمة المغاربة المسلمين المؤمنين.
وولد المولى إدريس الأزهر يوم الإثنين ثالث رجب عام 177هـ، فكفله مولاه راشد وتعهده تربيةً ورعايةً وتثقيفاً وإعدادً للمهمة التي تنتظره.
وكان المولى إدريس الأزهر استمراراً لوالده وكان أول ملك مغربي الأم والنشأة والمسقط. كان نتاج تلك المصاهرة الزكية الطاهرة بين المولى إدريس وكنزة بنت زعيم أوروبة، مصاهرة من الدم بعد مصاهرة الروح والعهد والالتحام!
أول عاصمة… وأول حكومة
كان المولى إدريس الأزهر على موعد وهو بعد في يفاعته، مع إتمام رسالة والده في بناء أسس الدولة بعد قيامها واستقرار وجودها، وهكذا فإن الحديث عن المولى إدريس الأزهر ليس بالحديث عن إمام مختلف عن أبيه، بل حديث عن رسالة أبيه في شخصه، وحديث عن قوام وأسس وقواعد الدولة التي أنشأها والده فهو سر أبيه بكل ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ، وعلى هدي هذه الحقيقة يكمن فهم أبعاد ودلالات المنجزات التي حققها المولى إدريس الأزهر، كبناء أول عاصمة للدولة الجديدة، وإقامة أول «حكومة» بها وزراء ومستشارون في عهد المغرب الإسلامي وتنظيم الحياة المدنية، واستقبال النازحين من علماء وفقهاء ونبهاء ورجال السياسة من أفريقيا ومن الأندلس ومن المشرق العربي، كأول بادرة في تاريخ المغرب الإسلامي لاستقبال كل مضطهد أو مظلوم، وفتح الأبواب لهجرة الأدمغة إلى المغرب لا للاستفادة من خبرتهم كأجانب، بل ولإتاحة كل الفرص لهم للاندماج في الكيان الوطني كمواطنين مسلمين في بلدٍ إسلاميٍّ ووسط أمة إسلامية، كذلك قام المولى إدريس الأزهر باستكمال ما بدأه والده في نشر العقيدة الإسلامية في طول المغرب وعرضه وتطهير ما بقي في المغرب من بؤر الخوارج، وتعريب الدولة المغربية لساناً وثقافةً وتربيةً ومعاملات، وإبراز وجه المغرب في بعده الحضاري المتفتح.
وكان المولى إدريس الأزهر هو الملك الذي بنى مركز دولة المغرب الجديدة خارجياً، مثلما دعم وأرسى أسسها داخلياً، فقد أصبح المغرب في عهده دولة لها نظامها المتكامل وسيادتها السياسية والاقتصادية، والمالية وممثلوها ومؤسساتها، وتجلّى أثر هذه الهيبة وتلك المكانة فيما أصبح يدبر للدولة الجديدة من مكائد للنيل من مقومات وجودها ووحدتها وإثارة الفتن هنا وهناك لإشعالها وإنهاكها كمدخل لبسط الهيمنة من جديد على المغرب.
وقد بدأت هذه المكائد على يد إبراهيم بن الأغلب صاحب أفريقيا كما يصطلح على تسميته المؤرخون القدامى أو والي الخليفة العباسي على ما كان يعرف بأفريقيا في المصطلح السياسي آنذاك، أي المغرب العربي ابتداءً من برقة إلى طنجة، وكان إبراهيم بن الأغلب هذا أقوى وأنفذ الولاة الذين عرفتهم منطقة المغرب العربي منذ دخول الإسلام إلى ذلك الحين، وكان يتمتع بأكبر قدر من الاستقلال والتصرف، ويحظى بكامل ثقة العباسيين، وهو الذي كان قد اجتمع بالشماخ قبل قدومه إلى المغرب وأعدّ معه تفاصيل خطة اغتيال المولى إدريس، وكان مقرّ حكمه وإقامته في تونس، وحين رأى فشل الخطة التي استهدفت اغتيال المولى إدريس، ورأى المغاربة وقد بايعوا إدريس الثاني وهو حملٌ في بطن أمه، وكيف أن الفراغ الذي كان يأمل حدوثه لم يقع، وأن المغاربة ظلو على وفائهم وولائهم وتشبثهم بعهدهم، دبّر خطةً لاغتيال راشد ظاناً منه أنه هو العقبة والأداة التي تقف في وجهه لاستعادة هيمنته على المغرب كوالٍ للخليفة، ولكنه هذه المرة لجأ إلى وسيلة جديدة هي الإغراء بالمال لاستمالة بعض المغاربة وامتلاك بعض ضعاف النفوس لإحداث ثغرة في جدار الوحدة الوطنية للمغاربة وضرب بعضهم ببعضٍ، وهكذا استطاع أن يجد من ينفذ له هذه المؤامرة، فقتل المولى راشد رحمه الله واجتُثَّت رأسه وحملت إلى إبراهيم بن الأغلب، وحدث هذا حسب بعض الروايات في السنة التي بُويِع فيها المولى إدريس الأزهر وهو يومئذٍ ابن إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر، وإذا اعتمدنا على هذه الرواية وهي في نظرنا تبدو أقرب إلى منطق الأحداث وتسلسلها، فإن إبراهيم بن الأغلب قد نفّذ خطته في وقتٍ دقيقٍ وحاسمٍ، وأن الخطة كانت تشتمل على العناصر التالية:
ـ اغتيال راشد الرأس المدبر رئيس مجلس الوصاية.
ـ استمالة بعض القادة النافذين وإغراؤهم بالمال والنفوذ في مقدمتهم إسحاق بن محمد الأوروبي زعيم أوروبة المشهور وجدّ المولى إدريس من أمه.
ـ إحياء الدعوة من جديد لحمل الناس على خلع بيعتهم للمولى إدريس وتجديدها للخليفة العباسي.
وبذلك يتمّ إجهاض الدولة الجديدة التي أسسها المولى إدريس الأكبر.
وأمام هذه الخطة المحبوكة، وجدت الإرادة المغربية نفسها أمام اختباراتٍ صعبةٍ وخطيرةٍ، اختبار الإيمان والوفاء من جهةٍ، واختبار الإرادة السياسية من جهةٍ أخرى.
فماذا كان ردّ المغاربة:
أولاً: قام بكفالة المولى إدريس بعد مقتل رفيق أبيه ومربيه والساهر عليه، راشد، مواطن مغربي آخر لم تورد الروايات التاريخية تفاصيل عنه، وهو أبو خالد يزيد بن الياس العبدي، ويفهم مت تركيب الاسم أنه كان من رجال أوروبة، ولربما كان أحد الذين كان يستعين بهم راشد في إدارة شؤون الدولة ومجلس الوصاية.
ثانياً: الإسراع بعقد البيعة للمولى إدريس الأزهر وهو ما يزال فتى في الحادية عشرة وخمسة أشهر من عمره، لوضع حدٍّ للفراغ الدستوري من جهة، ووضع حدّ لنموّ واستفحال الأطماع تحت تأثير الإغراء المالي، ووضع الجميع أمام الواقع من جهة أخرى.
فهل كان هذا الرّدّ في مستوى الأحداث والأخطار المحدقة بالدولة الجديدة الوليدة؟
لقد قلت أن المولى إدريس الأزهر كان سر أبيه، وأقول الآن أنه كان أيضاً استمراراً نورانياً لأبيه ـ الظاهرة.
فعندما بايعه شعبه صعد نفس المنبر الذي خطب فيه أبوه عندما بُويَع وقال:
«الحمدلله أحمده وأستغفره وأستعين به وأتوكل عليه وأعوذ بالله من شرّ نفسي ومن شر كل ذي شرّ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله المبعوث إلى الثقلين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجز وطهرهم تطهيراً. أيها الناس إنا قد وُلّينا هذا الأمر الذي يضاعف فيه للمحسن الأجر، وعلى المسيء الوزر، ونحن والحمدلله على قصد، فلا تمدّوا الأعناق إلى غيرنا، فإن الذي تطلبونه من إقامة الحق إنما تجدونه عندنا».
وعند انتهاء خطبته، تزاحم الناس حوله وإليه، يبايعونه ويقبلون كفّه تبركاً وإظهاراً للولاء والمحبة، وهم أشد ما يكونون إعجاباً وإكباراً لهذا الملك الفتى شبيه أبيه في سمته وإشراقة وجهه وفصاحة لسانه وقوة شخصيته. وتواردت عليه الوفود من كلّ صوبٍ تجدد البيعة له، وتعلن التفافها حول قيادته.
سياسة الملك
وكان التحدي الأول الذي واجهه تحدٍّ داخلي، تمثّل فيما بذله ابن الأغلب من جهدٍ وتخطيطٍ لاستمالة رجال قومه عليه واستعدائهم له بالخروج عن طاعة ولائهم وبيعتهم، وكان من بين هؤلاء رجلٌ يدعى بهلول بن عبد الواحد المضغري، وكان هذا من خاصة المقربين للمولى إدريس ومن مجلس مشورته وأركان دولته، وقد استطاع ابن الأغلب استهواءه بالمال وتحريضه على خلع ما بعنقه لإدريس وإعلانها لهارون الرشيد. وهنا أبان المولى إدريس الأزهر ليس فقط من الحكمة التي يقتضيها تطويع الصعاب، بل وضع في نظري قاعدة متينة وأساسية من قواعد السياسة الملكية بالمغرب، ألا وهي سلوك سبيل اللين لا ضعفاً ولكن تسامحاً وإرشاداً وفرد أجنحة الرحمة وسعة الصدر إيقاظاً لنوازع الخير في النفوس حتى تغلّب على ما فيها من شرّ وهكذا شمل برحمته وسماحته ذلك الخارج عن الطاعة، وبدل أن ينزل به العقاب ويسلّط عليه سيف العذاب ألزمه بالاعتزال في بيته، أي فرض عليه ما يعرف في عالم اليوم بالإقامة الإجبارية ليتركه في مواجهة نفسه وضميره ليرجع إلى رشده إن كان ما فعله تأثيراً مفروضاً عليه لا تأثراً حمله على ما فعل، وكانت النتيجة أن بهلول بن عبد الواحد المضغري استنجد برحمة إدريس وسابغ سماحته وسعى لنيل رضاه باستعطافه بقرابته من رسول الله (ص) فعفى عنه المولى إدريس وأعاد له حريته واعتباره وضمن مودته وصدق ولائه.
وبقدر ما كان المولى إدريس عطوفاً رحيماً حكيماً على من توسّم فيه الندم والتوبة، كان شديداً حاسماً تجاه جده من أمه إسحاق الأوروبي الذي شق عصا الطاعة لحفيده وأعلن موالاته لابن الأغلب، فما كان منه إلا أن حسم الأمر بما تستوجبه المصلحة العامة التي تعلو وتسمو فوق أي اعتبار وأية عاطفة حتى لو كان المستهدف للعقاب هو أقرب الناس إليه، وهو والد أمه بالذات، ولقد كان ذلك شاقّاً عليه كإنسان بدون شك ولكن الحزم الذي لا مفرّ من استعماله وتنفيذه شرعاً وسياسة ومسؤولية لا يملك حتى التصرف فيها أو التهاون في أدائها.
ولعل هذه الحادثة ، أي تنفيذ حق الشرع في جده، كانت أحد الأسباب التي حدت به إلى الابتعاد عن مدينة وليلي وبناء عاصمةٍ جديدةٍ بعيدةٍ عنها تكون مستقرّ حكمه ومقامه، ولكنه ترك هناك ضريح والده المؤسس شاهداً على ما كان لذلك المكان من تاريخٍ مجيدٍ وذكر تليد لميلاد ونشأة الدولة المغربية الإسلامية.
وكان التحدي الثاني الذي واجه المولى إدريس تحدّياً خارجياً ذا اتجاهين ومركزين، من المشرق ممثلاً في والي الخليفة العباسي القوي ابن الأغلب في تونس، ومن الشمال ممثلاً في حاكم الأندلس وخليفتها الحكم بن هشام الأموي، فالمغرب يوجد بينهما مستهدفاً منهما، وكلا الرجلين يملكان قوة الجيش والمال والسلطة وادّعاء الشرعية فيما يطمحان إليه من إخضاع المغرب لسلطتيهما. لقد كانت الشرعية المغربية أمام امتحان عسير عليها أن تواجهه لفرض وجودها واحترامها وبقائها واستقرارها.
فكيف واجه المولى إدريس الأزهر هذا التحدي الخارجي؟
كان ذكره قد شاع وعدله وسماحته وشهامته قد طبقت أنوارها الآفاق، ولله جنود السماوات والأرض، يعزّ من يشاء ويذل من يشاء. فما هي إلا سنة من تقلده مهام القيادة حتى توافدت عليه الوفود من تونس، مقرّ ابن الأغلب، ومن الأندلس مقرّ الحكم بن هشام، ووفود من الفرسان والعلماء والوجهاء ومن أهل الورع والتقوى، شدت الرحال إليه طلباً لعدله، واحتماءً بشرف نسبه، وتقرباً لخدمته وإعانته على نشر دعوة الإسلام وتثبيت أركان دولته في المغرب على بيعة الرضوان وطاعة الإمام، وكانت هذه الوفود وفود مهاجرين أو لاجئين سياسيين، كل واحدٍ من أفرادها ذاق إما مرارة الاضطهاد المذهبي الديني أو السياسي، أو الاثنين معاً. وكان من بينهم محدثان عالمان جليلان أحدهما عامر بن محمد بن سعيد القيسي، والثاني هو يحي الليثي. واحد أتى من الشرق والآخر جاء من الأندلس.
الملك العالِم
وهكذا سنّ المولى إدريس الأزهر تلك السنة الزكية المباركة بملازمة الملوك المغاربة للعلماء وجعلهم عماد مشورته وأساس دعوته ورسالته.
وهكذا اشتدّ ساعد المولى إدريس الأزهر برجال كانوا عوناً له في نشر دعوته وأداء رسالته واستتباب الأمن الروحي لأمته، وأكرم المولى إدريس وفادة القادمين وأنزلهم عنده منزلة التقدير والاعتبار، وعهد إلى بعضهم بمسؤولياتٍ جسيمةٍ، واستعان بخبرتهم وكفاءتهم على تشييد اللبنات الأولى لمؤسسات الدولة كالقضاء والوزارة وديوان الملك. وكان لهجرة تلك الوفود إلى المغرب وفي حمى المولى إدريس أثرها المعنوي الذي لا يخفى، فالمغرب أصبح دولةً مهابة الجانب، وفيها ملكٌ عادلٌ تقيٌّ من آل رسول الله، ودولة يسودها الأمن وترفرف عليها ألوية التسامح، فلا عصبية ولا اضطهاد وإنما عدل واحتكام إلى كتاب الله وسنّة رسوله الكريم، وكان لهذا الواقع القوي أثره على خصوم الدولة المغربية فنزعوا إلى المهادنة بدل المواجهة، وكفّوا عن التحرش واستبدلوه بتحيّن فرصٍ للضعف أو التراجع، وهكذا عمد المولى إدريس الأزهر إلى مصالحة ابن الأغلب والحدّ من غلواء أطماعه واستجلاب مهادنته بدل محاربته، وقد كان المولى إدريس بذلك يصدر عن إيمان نابعٍ من قلبه لتجنيب المسلمين مغبّة المقاتلة والمخاصمة وإراقة الدماء دفعاً للحقد والضغينة بينهم، كما كان يصدر عن إيمانه بالرسالة التي ينوء بها والتي يجب عليه أن يعبىء لها كل قواه وكل الموارد المتاحة له من رجالٍ ومالٍ وسلاحٍ، ألا وهي رسالة استكمال توحيد المغرب تحت راية الإسلام ودعوته، واجتثاث شأفة الخوارج.
وبعد أن ضمن سلامة جبهة المغرب الشرقية، عمد إلى إبقاء الجبهة الشمالية المواجهة لدولة الأمويين بالأندلس بعيدة عن مخطط الحملة التي قادها لتطهير النواحي الأخرى من حكم الخوارج حتى لا يفتح أمامه واجهات كثيرة في وقتٍ واحدٍ وحتى لا يثير عليه وعلى بلاده قوة الأمويين الذين كانوا يعتبرون منطقة شمال المغرب المواجهة للثغر الأندلسي عمقاً استراتيجياً لأمنهم ونفاذ سلطتهم، لأنهم يعرفون أن الخطر إنما يتهددهم من هذه الناحية، فعملوا على بثّ نفوذهم بها، ومؤازرة خلفائهم البورغواطيين بهذه المنطقة، وترك المولى إدريس للزمن وتغيير الظروف أن تهيىء الأسباب المناسبة لتوحيد جميع مناطق المغرب تحت راية الشرعية وفي ظلّ الوحدة الوطنية وتطهير الوطن كله من بذور الفرقة ودعاة الفتنة.
من ولاء الطبيعة… إلى ولاء العقيدة
هكذا أمن جانب الأمويين بالأندلس وتفرّغ لبناء الجبهة الداخلية وتأمين وحدتها الروحية والدينية وتأسيس قواعد الدولة وبناء مؤسساتها الراسخة، ومن أهم هذه المؤسسات في نظري هي خلق تلك الروح الجماعية بوجود نظام، وشرعية، ودولة كيان سياسي وطني، وتفتيت الإقطاع والعصبية الجهوية أو القبلية واستبدالها بالوعي الوطني، وبالمصلحة العليا للوطن، وبلورة ذلك الولاء الطبيعي للأرض، إلى ولاء وطني للأرض والإنسان والسيادة والوطنية، وكان سبيله إلى ذلك هو الشورى والاحتكام إلى كتاب الله وسنة رسوله كقاعدة روحية وكتنظيم ونظام يكفل الحرية والعدالة والأمن والاطمئنان.
إن بناء هذه المؤسسة كان عملاً تاريخياً باهراً أنجزه المولى إدريس الأزهر، وأقام على أركانه قواعد دولة المغرب الإسلامية.
وتوفي إدريس الأزهر وعمره ستّ وثلاثون سنة، ودفن بالمسجد ـ الذي ساهم بيده في حفر أساسه وبناء أسواره ـ وخلف من الولد اثني عشر ذكراً، كانوا هم بذور دوحة الشرفاء التي ورقت أغصانها وسرى عبير أزهارها في المغرب كله، ليصبح هذا البلد دون غيره من بلاد الإسلام وأرضه موطن أكبر عدد من آل البيت وأسره.
لبنة النظام الفيديرالي
وانتشر أولاد المولى إدريس على عهد خلفه ابنه الأكبر سيدي محمد، انتشروا في نواحي المغرب من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه، واختص كل واحد منهم، إلا الأصغرون سناً، بناحيةٍ يسيّر شؤونها ويرعى أمر الله من أهلها، ويسهر على استتباب الأمن فيها، وكان هذا أول تقسيم إداري للمملكة في عهود نشأتها الأولى، ومن الناحية العلمية فإن هذا التقسيم يمكن اعتباره أول لبنة لنظام الدولة الفيديرالي، أو اللامركزية، فكل أمير من أمراء هذه النواحي يدير شؤون ناحيته بقدرٍ واسعٍ من السلطة واستقرار القرار في مجالات الحياة العامة للمواطنين، ولا شك أن هذا التنظيم الذي سنّه المولى محمد بن إدريس بن إدريس كان نواة ما عرفه المغرب بعد ذلك من أشكال تنظيم السلطة المحلية، وهو تنظيم عرف بنماذج مختلفة في أشكالها وإطارها وحدودها، ولكن الفكرة ظلت ثابتة كاختيار أظهر فائدته وجدواه من الناحية العملية، وأكد تطابقة للرغبات والحاجات والتقاليد الديموقراطية عند المغاربة، وإذا كان هذا التنظيم أو هذا النظام صالحاً في كل زمان وفي كل مكان ولجميع الناس، فإنه للمغرب كان فوق ذلك اختياراً موافقاً لطبيعة المغرب الجغرافية، ولطبائع المغاربة.
وينبغي أن نقول أن نظام اللامركزية في ظلّ نشأة الدولة الجديدة كان لا بدّ من محك الاختبار وترسيخ التجربة وتأصيلها، أن يفرز تجاوزات وأخطاء وتصرفات هي من طبيعة البشر، وعلى ضوء هذه الحقيقة يمكن تفسير الأحداث التي عرفتها الدولة الجديدة، وتناولها المؤرخون كظواهر للفتنة والصراع على السلطة مما أدى بالتراكم وضعف إرادة أو قوة الحسم، إلى أن تبرز على السطح مرة أخرى زعامات وقيادات اقتطعت هذه الناحية أو تلك لسلطتها، ونزع بعضها إلى «امتلاك» الشرعية لنفسه بدل الشرعية القائمة، وتزامنت هذه الأحداث في المغرب مع ظهور عدد من الإمارات المستقلة في الشرق وحتى في المغرب العربي كالأغالبة الذين استقلوا بالحكم عن الخلافة العباسية. كانت هناك إذاً ثلاث خلافات: العباسيون في الشرق، والأمويون في الأندلس، والفاطميون في المغرب الأدنى والأوسط، ولكن المغرب رغم تأثره بما كان يشهده العالم الإسلامي حوله، ورغم الانعكاسات السياسية الخارجية عليه، ظلّ متماسكاً وقادراً على مواجهة العواصف وتجاوزها والتمسك بوحدته والدفاع عن كيانه والتشبث بقداسة نظامه المستقل والمعبر عن ذاته وشخصيته.
لقد أرسى الإدريسان قواعد البقاء والاستمرار للمغرب وللمغاربة في ظلّ رسالة الإسلام، ويسّر الله لهما ما تعجز عنه إرادة البشر وحدها، ذلك لأن العناية الإلهية قدرت لمسيرة المولى إدريس الأكبر من مكة إلى المغرب أن تكون مسيرة فتح حقيقية، فتح الله بها على يد المغاربة آفاقاً ودياراً وشعوباً للإسلام ولحضارته وعالميته.
نظرة عامة عن الدولة
لم يلبث إدريس أن حلّ بالمغرب الأقصى حيث نزل بوليلي([267]) عند إسحاق بن محمد الذي رحب به وقبل دعوته وهكذا تمّت بيعته سنة 172 وبمساعدة هذ القبيلة التي تنتسب إلى البرانس، تمكن إدريس من الزحف إلى تامسنا لمحاربة الرغواطيين. ونشر الإسلام بين القبائل البربرية التي كانت لا تزال تدين بغير الإسلام. وفي سنة 173 انتهى إلى تلمسان حيث بايعه أميرها محمد بن خزر. وأسس بها مسجداً. كان لا يزال قائماً في عهد ابن خلدون على ما ذكروه في تاريخه (مجلد4). وقد تمّ اكتشاف المسجد الإدريسي سنة 1974.
وقد ضايق العباسيون الأدارسة منذ قيام دولتهم حتى أنهم عملوا على تأسيس دولة الأغالبة في أفريقية لهذا الغرض([268]) وقد كان هناك اصطدام حقيقي بجيوش العباسيين قبل أن يضطر الرشيد إلى توجيه سليمان بن جرير. فقد استعمل على أفريقية روح بن حاتم وأمره بأن يغزو مناطق النفوذ الإدريسي، فلم يحصل على طائل([269]).
دور العظمة: إدريس الثاني
(177 ـ 213هـ/793 ـ 828)
ترك إدريس الأول الذي دُفِن بزرهون جنيناً في بطن أمه كنزة، ولم تلبث أن وضعت هذه ولداً فسمي باسم والده بينما تولى أمور الحكم راشد بموافقة البربر. حتى إذا كانت سنة 188 تمت مبايعته وهو بعد في مطلع العقد الثاني من عمره. وقد تمكن إبراهيم بن الأغلب من استمالة بعض البربر الذين حرضهم على قتل راشدٍ، فأتوه برأسه سنة 186 بينما قام بكفالة إدريس بعده رجلٌ يدعى يزيد بن إلياس العبدي، وروى صاحب الاستقصا أن راشد لم يمت إلا بعد مبايعة إدريس([270]) سنة 188. ولم تلبث وفود العرب أن قدمت على إدريس الثاني من الأندلس وأفريقيا. والظاهر أنه لم يطمئن كثيراً إلى البربر. فقد اتخذ من هؤلاء العرب بطانته وعيّن منهم وزيراً هو عمير بن مصعب الأزدي القادم من الأندلس كما استكتب عبدالله بن مالك الخزرجي واستقضى عامر القيسي الوارد من الأندلس أيضاَ.
وبينما كان إدريس يستعد لبناء مدينة فاس، كان إبراهيم بن الأغلب يهيىء الخطط لإثارة البربر ضده بزعامة بهلول المضغري الذي كان من كبار رجال الدولة. ولم يتأخر إدريس الثاني عن مكاتبة ابن الأغلب ملتمساً منه أن يخلي بينه وبين المغرب، فتركه وشأنه([271]) كما أن إدريس استمال بهلولاً من جديد بينما قتل إسحاق ابن محمد الأوروبي الموالي لابن الأغلب وقد ظلت أوروبة وفية للأدارسة حتى بعد مقتل زعيمها هذا حيث نرى أن علي بن عمر بن إدريس صاحب الريف قد التجأ إليها بعد ثورة عبد الرزاق الخارجي المديوني الصفري([272]).
ولما كانت سنة 192 اختطّ أو أتم اختطاط مدينة فاس التي سيأتي الكلام عليها في موضوع الحضارة في عهد الأدارسة، ثم راح إدريس يحارب صفرية البربر ويقضي على دعوتهم([273]) . وكانت وفاته سنة 213 بعد أن امتد حكمه من السوس الأقصى إلى وادي شلف.
محمد بن إدريس
(213 ـ 221/ 828 ـ 836)
ترك إدريس الثاني 12 ولداً ذكراً. وقد عهد بالأمر إلى ابنه محمد الذي قسم المغرب بين إخوته. بإشارة كنزة جدته([274]).وكان في هذا التقسيم ضرر على الدولة. إذ لم يلبث أن خرج على محمد بن إدريس بأزمور أخوه عيسى الذي دعا الناس إلى نفسه. وتدخل عندئذٍ عمر صاحب تكساس بأمر من أخيه محمد بعد أن رفض القاسم بن إدريس أن يواجه شقيقه عيسى وهكذا تعين على عمر أن يزحف إلى أزمور وطنجة ويستولي عليهما ليضيفهما إلى ما بيديه. بقرار من أخيه محمد. واعتزل القاسم في مسجدٍ بناه قرب أصيلا حيث ظلّ يتعبّد الله سائر حياته، بينما لم يلبث عمر الذي أخلص الطاعة لأخيه، أن اختارته المنية سنة 220هـ وتلاه محمد سنة 221هـ.
علي بن محمد
(221 ـ 234هـ/ 836 ـ 848)
عهد إليه أبوه محمد قبل وفاته، ولم يقع في عهده ما يستحق الذكر رغم أنه ولي صغيراً في العاشرة من عمره. بل أن الأحوال كانت مرضية في عهده، نظراً لاجتماع الكلمة عليه، وكان يلقب بحيدرة، وهو لقب الإمام علي (ع).
دور الضعف (234 ـ275 هـ / 848 ـ985م)
يحيى بن محمد وولده يحيى
تولى يحيى سنة 234هـ. وفي عهده اتّسع العمران بفاس. وبني مسجد القرويين. ثم تولى بعده ابنه يحي الذي أساء السيرة فأغضب بذلك أهل فاس ومات بعدوة الأندلس التي اختفى بها فراراً من نقمتهم ولم يضبط تاريخ وفاة هذين الملكين.
علي بن عمر
هو جدّ الحموديين، وقد انتقل به الملك من بني محمد بن إدريس إلى بني عمر ابن إدريس. وثار ضده عبد الرزاق الخارجي الصفري من مديونة بناحية فاس. وأصله من وشقة بالأندلس، ولم يستطع علي أن يتغلب عليه. فدخل الخارجي فاساً، بينما استغاث سكان عدوة القرويين بيحيى بن القاسم بن إدريس ولا يعرف شيء كثير عن مصير علي بن عمر بعد استيلاء يحيى بن القاسم على فاس.
يحيى بن القاسم بن إدريس مات سنة (292هـ/ 904م)
طرد عبد الرزاق الخارجي من فاس، ويقول ابن خلدون أن الربيع بن سليمان قد اغتاله سنة 292هـ وكان يحيى هذا يلقب بالصرام أو العدام، وفي عهده ساءت الحالة الاقتصادية إلى حد بالغ الخطورة. وانتشرت الأوبئة والأمراض.
يحيى بن إدريس بن عمر (مات سنة 332هـ/ 943م):
كان على شيء كثير بالعلم والفقه والحديث، وقد شمل بسلطته عموم المغرب الأقصى، وهو ابن أخ علي بن عمر وفي أيامه استتب الأمر للفاطميين بافريقية. وطمعوا في بسط نفوذهم على المغرب، واستعانوا في ذلك بمصالة بن حبوس صاحب تاهرت، وعجز يحيى بن إدريس عن الصمود أمامه فتنازل للفاطميين عن الأمر. غير أن مصالة أقرّه أميراً على فاس وحدها وعيّن على باقي المغرب ابن عمه موسى بن أبي العافية المكناسي صاحب تازا، وكان يكره يحيى لعطف سكان المغرب عليه، فكاد له حتى نفاه إلى أصيلا بأمرٍ من مصالة. حتى إذا حاول أن يبرىء نفسه أمام الفاطميين بتوجهه إلى افريقية وجد الثورة قائمة عليهم هناك. يحركها أبو زيد. وهلك أثناء تلك الثورة.
حسن بن محمد الحجام
(مات سنة 313هـ/ 925م)
هو من عقب إدريس الثاني. ثار سنة 310 بفاس ضد الوالي الذي عينه عليها موسى بن أبي العافية، ولكنه ما لبث أن وقع في قبضة حامد الأوروبي الذي اعتقله ليتقرب بذلك إلى موسى، ثم ندم على اعتقاله. وأطلق سراحه ودعاه إلى الإفلات. فرمى بنفسه من السور فقتل، بينما هرب حامد الأوروبي إلى المهدية. أما موسى فقد نفى الأدارسة من فاس إلى الريف حيث ضيّق عليهم الخناق في حجر النسر وهو عبارة عن حصنٍ عظيمٍ بناه أحدهم سنة 317هـ. ولم يوافق البربر موسى على القضاء على الأدارسة نهائياً. وبعد بضع سنوات أصبح نفوذ بن أبي العافية يشمل المغربين الأقصى والأوسط.
تدخل المروانيين [الأمويين]
رغب عبد الرحمان الناصر في أن يشمل بنفوذه المغرب. فراسل موسى بن أبي العافية الذي لم يكن يعتمد على نسبٍ قرشيٍّ ليحول الخلافة لصالحه. وتكررت الاتصالات عن طريق مبعوثي عبد الرحمن حتى وافق موسى على الثورة على الفاطميين. وخطب في المساجد للناصر. فجرد إليه الفاطميون جيشاً عظيماً برياسة حميد المكناسي. وكانت الهزيمة على موسى. ثم سرحوا جيشاً ثانياً بقيادة ميسور الخصي. بعد أن ثار أحمد الجدامي بفاس عليهم لصالح الأمويين. وتعقب ميسور موسى الذي أصبح شريداً في الشمال الشرقي من المغرب ومات حوالي سنة 341هـ.
أدارسة الريف وتداول النفوذ الفاطمي والأموي
منذ انحاز أدارسة فاس إلى أدارسة الريف سنة 313 أصبحوا تارةً للفاطميين وتارةً للأمويين. وأصبحوا يستقرّون بحجر النسر. وطيلة إمارة موسى بن أبي العافية، لم يكن لهم أي نفوذ سياسي حتى في منطقة الريف نفسها. أما بعد فراره إلى شرق المغرب، فقد بايعوا القاسم كنون بن محمد بن القاسم بن إدريس الذي دعا للفاطميين فتركز بذلك نفوذه في المغرب على العموم، واتخذ من «حجر النسر» عاصمة، وتوفي سنة 337، فتولى ابنه أبو العيش أحمد الذي دعا للأمويين. ولم يكتف عبد الرحمن الناصر بذلك. بل طلب منه أن يتخلّى له عن طنجة، لتكون تحت نفوذه المباشر. حتى إذا رفض أبو العيش جرد إليه جيشاً. فلم ير بدّاً من التخلي نهائياً عن الحكم ليلتحق بالأندلس كمجاهد للأسبان ومات سنة 344؟هـ. وخلال ذلك. أصبح يتداول إمارة فاس بنو يفرن ومغراوة الذين كانوا يتعاطفون مع الأمويين. غير أن أدارسة الريف حاولوا في يأس أن يستمروا في إمارتهم الصغيرة بحجر النسر. فعينوا عليهم الحسن بن كنون. وفي سنة 347 أرسل الفاطميون أشهر قوادهم جوهر الصقلي على رأس جبش واجه جيش زناتة الموالي للناصر في تاهرت، وكان على رأس هذا الجيش، يعلي اليفرني الذي اغتاله بعض قواد كتامة. ثم زحف جوهر إلى سجلماسة فاستولى عليها. واستمر في فتحه للمغرب حتى اقتحم فاساً([275]) ورجع إلى المهدية بعد أن نكل بالزناتيين. أما الحسن بن كنون فلم يكن من الممكن أن تثبت إمارته من غير تبعية للفاطميين أو الأمويين. وقد فضل الأولين لبعدهم النسبي عن المغرب، ولكراهته لللأمويين. ولم يلبث الحَكم المستنصر أن بعث بجيشٍ إلى المغرب في غيبة القائد الفاطمي، ثم أتبعه بجيشٍ ثانٍ يرأسه مولاه غالب فلم يجد الحسن بدّاً من التنازل عن البصرة وقلعة حجر النسر ثم نفاه غالب إلى الأندلس وطرد جميع الأدارسة من هذه القلعة، حتى إذا كانت سنة 365هـ. لم يستطب الحَكم بقاء الحسن بن كنون بالأندلس، فسمح له بالذهاب إلى مصر حيث استنجد بالعزيز الفاطمي الذي أمر عامله بأفريقية بلكين الصنهاجي أن يمده بجيشٍ يقتحم به المغرب، وأثناء ذلك كان الأمر في الأندلس قد صار إلى المنصور بن أبي عامر فبعث بجيشٍ لحرب ابن كنون. فيئس هذا من بسط نفوذه على المغرب، والتمس الرجوع إلى الأندلس من جديد. ولكن المنصور بعث إليه من اغتاله سنة 375هـ وبه انتهت دولة الأدارسة بالمغرب.
دويلات في عهد الأدارسة
الواقع أن المغرب لم يخلص كله للأدارسة، فلئن استطاعوا أن يمدوا نفوذهم شرقاً إلى تلمسان. فقد كانت ناحية تامسنا خارجة عن ملكهم، يتحكم في شؤونها البرغواطيون بينما كان في سجلماسة بنو مدرار وبنو صالح في نكور، وبنو عصام في سبتة.
وقد عجز الأدارسة عن إخضاع البرغواطيين الذين استمرت دولتهم حوالي أربعة قرون، وامتد نفوذهم من أبي رقراق إلى حدود سوس. وحتى جيش المنصور بن أبي عامر لم يستطع اقتحام بلادهم ولا إخضاعهم لنفوذ الأمويين. واستمروا يؤدون طقوسهم الغريبة في حرية تامة. يمتنعون عن أكل البيض، ولا يتناولون رأس السمك ولا لحم الديك. ويصومون يوم الخميس من كل أسبوع ويصلون عشر صلوات في اليوم. وعاملوا بقسوة قطاع الطرق واللصوص. كما أخضعوا لسيطرتهم القبائل الإسلامية المجاورة لهم.
أما بنو صالح([276]). فهم نسل صالح بن منصور الذي بنى حفيده سعيد مدينة نكور في الشمال. وكان صالح قد اقتطع ناحية تمسامان وأقره عليها الوليد بن عبد الملك، حتى إذا بنيت نكور، أصبحت مركزاً للدعاية الإسلامية التي شملت قبائل غمارة. وبقي أكثر الغماريين مخلصين لدويلة بني صالح الذين تعاقبوا على نكور أزيد من مائتي سنة، حتى قضى عليهم الفاطميون في مطلع القرن الرابع الهجري وعلى العموم فقد كانت علاقتهم طيبة بالأمويين أصحاب الأندلس. وحتى الأدارسة لم يبطشوا بهم نظراً لإخلاص الغماريين لهم.
وأما بنو عصام فهم بربر استقلوا بسبتة منذ سنة 123هـ وبقيت بأيديهم إلى أن استولى عليها الناصر الأموي بعد قرنين ونيف.
وعلى كل حال فإن قسماً كبيراً من المغرب خرج عن سلطة الأدارسة، أو على الأصح، استمر في خروجه على الأدارسة، أما الصحراء المغربية. فلا نكاد نعرف شيئاً عن تدخل الأدارسة في شؤونها باستثناء منطقة كوليمين التي عين عليها أحد إخوة محمد بن إدريس، ولكن من المؤكد أن نشر الإسلام في ربوع الصحراء خلال القرن الثالث، يرجع الفضل فيه إلى الأدارسة.
الأدارسة والثقافة العربية الإسلامية في المغرب: فاس
نستطيع القول بأن قيام إمامات الأدارسة في المغرب الأقصى وجزء من المغرب الأوسط يعتبر نقطة البداية الحقيقية لتعريب المغرب الفعلي، وأول ظاهرة نلاحظها نتيجة لقيام تلك الإمامات هي بداية ما يمكن أن يسمى بمصالحة بين العرب والبربر في المغرب الأقصى، فبعد الفتنة المغربية وما شهدناه من صراع بين عناصر العرب وبعض عناصر البربر خلال هذه الفتنة، وما أدت إليه هذه الفتنة من عداوة بين الجانبين كما رأينا في معركة الاشراف ثم في معركتي القرن والأصنام ظلت نفوس العرب والبربر متوترة تفيض بالتخوف وعدم الثقة، وهاتان المعركتان الأخيرتان كانتا كما قلنا إنقاذاً لعروبة إفريقية ومذهب السنة والجماعة فيها علي يد حنظلة بن صفوان الكلبي. فهنا، أي في إفريقية، كان انتصار مذهب السنة والجماعة بدء المصالحة بين العرب والبربر، أما فيما وراء نهر شلف غرباً فقد ترك مصير العروبة والإسلام فيه للأقدار فلم تكن هناك دولة قائمة أو نظام عربي سائد في أي جزء من المغربين الأوسط والأقصى، إنما هي المشيخات القبلية البربرية المستعربة في كل مكان. وبين القبائل اندسّ عرب كثيرون بعضهم سنّة وبعضهم خوارج، وقد كان لهؤلاء العرب أثر في التعريب ولكنه قليل، فيما عدا ما كان من أمر إمارة نكور التي أقامها صالح بن منصور الحميري في بلاد غمارة وسنتحدث عنها بعد قليل، والظاهرة السياسية الكبيرة التي لاحظناها وأشرنا إليها مراراً في المغرب الأقصى هي زندقة برغواطة وكانت عقبة في سبيل التعريب وفي سبيل سيادة السّنّة والجماعة.
وعندما وصل إدريس الأول إلى طنجة ثم إلى وليلي كانت العلاقات بين العرب والبربر في هذه النواحي واهية جداً فأحياها وجود هذا الشريف العلوي، الذي رأى فيه البربر حفيداً من حفدة رسول الله صلى الله عليه وسلّم يحمل إليهم الخير والبركة والقوة التي تخلصهم من أعدائهم البرغواطيين، ولكنه كان في نفس الوقت ممثلاً للعروبة، فتفتحت قلوب الناس للعرب من جديد، وتوالى وصول العرب من إفريقية والأندلس إلى دولة إدريس الأول، وقد أعجبهم منه نشاطه وتفانيه وورعه، فهذا الشاب لم يكد يستقر في وليلي حتى غزا ريف تامسنا وكان جزءاً من مواطن برغواطة، ثم اتّجه إلى الشرق فغزا إقليم فازاز أو أزرو، ثم استولى على ممرّ تازا فتلمسان في المغرب الأوسط، ثم ترك هذه لابن عمه سليمان.
واستمر هذا النشاط في أيام إدريس الثاني حيث زادت حركة المصالحة بين العرب والبربر خلالها، وأسرع التعريب بفضل اتجاهه العربي واستقدامه نحو خمسمائة أسرة عربية من الأندلس والمشرق وإفريقية ثم أخذت هذه الحركة أبعاداً أوسع بكثير بإنشاء مدينة فاس.
أما الحركة الأدبية، فقد عرفت نشاطاً عظيماً حفظت لنا منه المراجع نبذاً قليلة متفرقة، ولكنها تنبىء بحق عن الروح التي كانت تسود الأدب في ذلك العصر.
وقد عرف عهد الأدارسة معظم أبواب الأدب التقليدية، غير أن الشعر السياسي كان طاغياً على الأبواب الأخرى، نظراً للصراع بين مختلف النزعات أنئذٍ، وكان بين أمراء الأدارسة عدد كبير من الأدباء والشعراء، ومنهم إدريس الثاني. ومن شعره الأبيات التالية التي يعاتب فيها بهلولاً الخارجي الذي خرج عن بيعته ودعا لإبراهيم بن الأغلب.
| أبهلول قد شممت نفسك خطة | تبدلت منها عولة برشاد | |
| أضلك إبراهيم من بعد داره | فاصبحت منقاداً بغير قياد | |
| كأنك لم تسمع بكيد ابن أغلب | غدا آخذاً بالسيف كل بلاد | |
| ومن دون ما منتك نفسك خاليا | ومناك إبراهيم شوك قتاد |
وقد حضر داوود الجعفري المتوفى سنة 261هـ إلى جانب إدريس الثاني في إحدى غزواته مع الصفرية فلاحظ تقلبه على السرج وقلة استقراره، فأجابه إدريس بقوله: «ذاك مني زمع إلى القتال وصرامة فيه، فلا تظنه رعباً» ثم تمثل بيتين نسبا إلى الإمام علي، وهما:
| أليس أبونا هاشم شد أزره | وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب | |
| فلسنا نملّ الحرب حتى تملّنا | ولا نشتكي مما يؤول من النصب |
وينم أدب المولى إدريس الثاني عن حماسته الفياضة وعزّة نفسه وثباته في الحرب. ولدينا أبيات أخرى لإبراهيم بن القاسم بن إدريس يعاتب أموييي الأندلس على استكانتهم لاستبداد المنصور بن أبي عامر، وإن كان الأدارسة يكرهون كلاً من الفريقين، بيد أن تدخل المنصور كان أشد عليهم من تدخل ملوك بني أمية:
| فيما أرى عجباً لمن يتعجب | جلت مصيبتنا وضاق المذهب | |
| أيكون حياً من أمية واحد
تمشي عساكرهم حوالي هودج |
ويسوس هذا الملك هذا الأحدب؟
أعواده فيهن قردٌ أشهب |
وقد اشترك البربر بطبيعة الحال، في الحركة الأدبية، وهكذا نرى سعيد بن هاشم المصمودي يخاطب البرغواطيين في وقعة بهت التي قتل فيها عددٌ كبيرٌ من البربر، ونلاحظ في هذه القصيدة الطويلة التي قدم لنا منها ابن عذارى بضعة أبيات تقليداً واضحاً لمعلقة عمرو بن كلثوم وزناً وقافيةً، بالإضافة إلى تقارب المناسبتين. بل نلاحظ أكثر من ذلك وأهم تأثير القرآن في أسلوب الشاعر الذي يقول:
| قفي قبل التفرق فاخبرينا | وقولي واخبري خيراً مبينا | |
| هموم برابر خسروا وضلوا يقولون النبي أبو عفير ألم تسمع ولم تر يوم بهت رنين الباكيات بهم ثكالى هنالك يونس وبنو أبيه فليس اليوم ردتكم ولكن |
وخابوا لا سقوا ماء معينا فأخزى الله أم الكاذبينا على آثار خيلهم رنينا وعاوية ومسقطة جنيا يوالون البوار معظمينا ليالي كنتم مستيسرينا([277]) |
الشكوى
ظهر الألم في شعر الأدارسة الذين أحس الأولون منهم بحنين إلى مواطنهم الأصلية. وفي الأبيات التالية يعبر إدريس الثاني عن شوقه إلى آل البيت:
| بان الأحبة فاستبدلت بعدهم | همّاً مقيماً وشملاً غير مجتمع | |
| كأنني حين يجري الهم ذكرهم تأوي همومي إذا حركت ذكرهم |
على ضميري مجبول على الفزع إلى جوانح جسم دائم الهلع |
ويقول شاعر آخر سكن بين البربر في ورغة وسماهم أعاجم:
| ألا هل أتى أهل المدينة إنني | بورغة بين الأعجمين غريب | |
| إذا قلت شيئاً قيل: ماذا تريد؟ | لهم بين أحرار الوجوه قطوب!(*) |
حول الأدارسة
يقول المؤرخ المغربي الأستاذ عبد الهادي التازي:
امتدت دولة إدريس الأول من المحيط إلى قلب القطر الجزائري ولم يستثن من كل هذه المساحات سوى إمارات بني عاصم بسبتة، وبني صالح بنكور وبني مدرار بسجلماسة..
وقد تميزت الصلات بين الأدارسة من جهة وبين هذه الإمارات من جهة أخرى بأنها كانت على ما تقتضيه تقاليد الجوار نظراً لما عرفت به تلك الإمارات من تمسك متين بهداب الشريعة وتحاشيها عن الرغبة في تسلط بعضها على البعض الآخر. (*:انظرابياتاً أخرى لإدريس الثاني في الحلة السيراء لإبن الأبار1،55)
وعندما اطمأن الإمام إدريس على الأحوال في المغرب الأقصى أخذ يخطط ليجعل منفذاً لدولته على المشرق، ومن هنا اتجه نحو تلمسان حيث بايعه في رجب (172هـ ـ 788م) عن طواعية واختيار أمير تلمسان أبو عبدالله محمد بن خزر بن صولات المغراوي، الأمر الذي كان له أثر قوي في فصل الشمال الإفريقي كله عن الخلافة العباسية منذ هذا التاريخ.
وهنا وجد نفسه وجهاً لوجه مع دولة عبد الوهاب بن عبد الرحمان بن رستم الفارسي الذي كان على رأس ثاني إمارة استقلت عن بغداد في هذه الجهة. وهي دولة للخورارج الإباضية.
ولم يكن يهم الإمام إدريس الأول من دولة الرستميين أن تبسط نفوذها على المنطقة التي كانت تحكم فيها بقدر ما كان يهمه أن يكون هدفها البعيد مما يتفق وهدفه هو، فقد أصبح بحكم الواقع جاراً لها ولا بد حينئذٍ من أن يطمئن على رفقة الطريق.
ويظهر أن قبيلة زناتة التي كانت تتحكم في المغرب الأوسط آنئذٍ لم تجد ما يبرر بقاء الدولة الرستمية مع ظهور الدولة الإدريسية، ولذلك نراها تعلن تمردها على تلك، باسطة يدها لهذا الأمر الذي دفع الرستميين إلى مواجهة الزناتيين أصحاب السيادة في البلاد([278]) وبخاصة منهم بطنا مغراوة وبني يفرن بالرغم من الروابط العائلية التي كانت تشد بعضهم إلى البعض الآخر([279]).
لقد أصرّت القبيلتان على طلبهما إلى الرستميين أن يندمجوا في الأدارسة كما ألحوا في ضغطهم على الأدارسة لكي يشهروا الحرب على الرستميين.
وبالرغم من وجود هذا العنصر القوي إلى جانب الأدارسة فإنهم ظلوا متشبثين بعهودهم التي قطعوها للرستميين منذ البداية وظلوا مع ذلك يحاولون حمل أنصارهم الزناتيين على تغيير موقفهم وأنه لم يكن هناك مصلحة في مناهضة جيرانهم الذين كانوا يهيمنون على جل المرافق الاقتصادية في البلاد، وكانوا من ناحية أخرى حاجزاً أميناً بين مملكتهم وبين إمارة الأغالبة([280]). عملاء خصومهم الطبيعيين فكانت لهم بمثابة ما يسمى اليوم بالمنطقة الفاصلة التي تحميهم وتوفر لهم الأمن والاستقرار والعمل بمنأى عن التهديدات([281]).
وبالرغم مما لحق الأدارسة من ظلمٍ سياسيٍ في مساقط رؤوسهم فإنهم عندما التحقوا بالمغرب في أعقاب وقعة فخ انصرفوا لأداء رسالتهم في هذه الجهات وما كان أحد ليثق في أن مخطط إدريس الأول كان يقصد إلى الإطاحة بدولة بني العباس في بغداد، فإن إمكانياته من جهة، وتنائي المسافات من جهة ثانية كل ذلك مما كان يبعد ـ في نظر الملاحظين ـ احتمال التفكير في أخذ وشيك بالثأر.
وعلى العكس من ذلك فإن الخليفة هارون الرشيد قلق جداً من وصول إدريس سالماً إلى بلاد المغرب، وقد زاد في مشاعره بالخوف ما بلغه من استجابات تلقائية وجماعية لتوجيهات إدريس ولم تكمل خمس سنوات على نجاته، وكان ما أرعبه دون شك التقرير اليائس الذي وصله من عامله روح بن حاتم أمير القيروان، وكان الخليفة عهد إليه بمقاومة المغرب الإدريسي. لكن الذي فتح عينيه على الخطر ما بلغه أيضاً من الفضل بن روح من أن الجيش تمرد عليه عندما أعطاه الأمر بمقاتلة إدريس، وأن الناس في بلاد المغرب يتهيبون النيل من حفدة رسول الله…! فهنا جمع الخليفة ديوانه وكان الهاجس الأسود الذي أوحى به وزيره جعفر البرمكي: أن لا وسيلة للاستعانة بالجيوش مهما كانت لإخضاع إدريس، وأن الطريق الوحيد للتخلص من الدولة الناشئة هو في إرسال مبعوث يختلط بالإمام ليجهز عليه عندما تسنح له الفرصة… وهكذا كانت المؤامرة الدنيئة الرخيصة التي نفذها عميل عرفه التاريخ بعد باسم «الشماخ» وظل اسمه يحمل معاني الغدر والقذارة في كل بيت وعلى كل لسان في مغرب البلاد ومشرقها.
ونعتقد أنه لولا ذلك التصرف الأهوج من بلاط العباسيين لأمكن للأيام أن تعمل على تضميد الجروح التي خلفها قمع القائد العسكري محمد بن سليمان([282]) ولأمكن أن نجد الأدارسة في لقاء محتمل مع قادة بغداد، ولأمكن بالتالي أن لا تزداد العلاقات تقدماً وتطوراً مع خصوم العباسيين في بلاد الشام الإفريقي وفي الأندلس.
ونريد أن نستنتج من كل هذا إصرار الخلافة في بغداد على مضايقة العلويين الطالبيين كان مما زاد في دعم العلاقات بين الدولتين المستقلتين الإدريسية والرستمية.
ولو أن الخلافة في بغداد كانت على جانب من التدبير والتفكير على نحو ما كانت عليه في سعة الملك، لعرفت كيف تعمل على امتصاص نقمة خصومها وخاصة منهم الموتورين لكنها كانت عاجزة بالفعل عن التفكير في أمر من هذا القبيل ولهذا نراها تمعن في الاستفزاز والإثارة.
استنصار الرشيد بشارلمان
ويقول التازي:
ومن هذا القبيل بعث الخليفة هارون الرشيد سنة 184هـ (801م) بسفارة هامة إلى إيكس لاشابيل، اختار كبار أعضائها من شخصية مشرقية وشخصية مغربية إفريقية من فوساطوم([283]) كانت الأولى أحد رجال ثقته من أهل فاس، وكانت الثانية تمثل إبراهيم بن الأغلب أمير القيروان، وقد تلاقيا قبل أن يلتحقا معاً ببلاط الأمبراطور… وقد أجمعت المصادر على أن الهدف من هذه السفارة هي الإستعانة بالأمبراطور شارلمان على خصوم الخليفة الذين يوجدون على حوض المتوسط: الأمويين والرستميين والإدريسيين وتذكر المصادر التي تحدثت عن هذه السفارة أنه في صدر ما عرض على الأمبراطور التنازل له عن حق حماية الفلسطينيين بالأراضي المقدسة ضمن الخلافة، في مقابلة مضايقة بني أمية بالأندلس الأمر الذي قد يفسره احتلال برشلونة من جانب الإفرنج، إثر هذا التاريخ، ويفسره كذلك مداهمة طرطوشا من قبل جيش بقيادة لويز ولد شارلمان عام 192هـ 808م.. وكان هذا بعد أن عجزت عدة محاولات كان في أولها التي قام فيها والي القيروان العلاء بن مغيث عام 154هـ، والتي قام بها سليمان بن يقظان وابنه يوسف عام 160هـ عندما اجتمعا بشارلمان في مدينة باديربون.
لقد كان ذلك التعنت مما حدا بالأندلس إلى أن تستنجد بالمغرب، وهكذا فكما وردت بالأمس وفادة من يوليان على موسى بن نصير تستنجد ضد ردريكو([284]) أرسل الحكم بن هشام بعثة إلى إدريس الثاني منذ سنة 188هـ (804م) بمناسبة اعتلاء العرش وليفاتحه بأن يكونا يداً واحدةً على خصومهم مما حدا بالعاهل الشاب إلى الرد على هذه السفارة بأخرى… وكان هذا أيضاً مما قوّى من عزم عبد الوهاب بن رستم فداهم بشجاعة أبا العباس عبدالله بن إبراهيم الأغلبي وحاصره بطرابلس عام 196هـ (811م).
لكن الطريف في العلاقات الإدريسية الرستمية أن نجد الأدارسة يوافقون جيرانهم الرستميين في أن يبعثوا بسفارة لهم إلى قرطبة عام 207هـ (822 ـ 823م) تصل في يومٍ مشهودٍ محفوظٍ في التاريخ، لغرض إظهار التضامن ضد الذين كانوا يحاولون التخلص منهم.
استنصار الأمويين بالروم
ويقول التازي: وباسم الأمويين راحت سفارة عام 225هـ (839 ـ840م) برئاسة يحي بن حكم البكري (الغزال)([285]) من عبد الرحمن الناصر إلى أمبراطور بيزنطية تيوفيلوس لإثارته ضد الخلافة، وذلك كردّ فعل لما قام به هارون الرشيد من مساعٍ مع الأمبراطور شارلمان([286]) (انتهى).
ويذكر محمد عبدالله عنان في العدد 88 من السنة الثالثة من مجلة الرسالة القاهرية هذه المحالفات التي قامت بين هارون الرشيد والفرنج لمحاربة أمويي الأندلس. وبين أمويي الأندلس والبيزنطيين لمحاربة العباسيين قائلاً: «ومن ثم كانت هذه العلائق والمراسلات الدبلوماسية التي تبادلتها الخلافة العباسية مع مملكة الفرنج، ولم تكن بلا ريب بعيدة عن الفكرة المشتركة في التعاون على سحق الدولة الأموية الجديدة في الأندلس. وكانت ثمة فكرة مماثلة تحمل الدولة الأموية في الأندلس. والدولة البيزنطية خصيمة الدولة العباسية ومناوئتها في المشرق على عقد التفاهم والصلات الودية فكانت بين أمراء بني أمية وقياصرة قسطنطينية مراسلات وسفارات سياسية هامة. ففي سنة (839م) بعث الأمبراطور تيوفيلوس إلى عبد الرحمن بن الحكم أمير الأندلس سفراء بهدية فخمة ورسالة يدعوه فيها إلى التحالف ويرغبه في ملك أجداده بالمشرق. وكانت هذه المحاولة الدبلوماسية من جانب القسطنطينة على أثر اضطرام الخصومة والحرب بين الدولة العباسية والدولة البيزنطية وعبث المأمون ثم المعتصم في أراضيها. فرد عبد الرحمن بن الحكم على القيصر بهدية فخمة وبعث إليه سفيره يحي بن الغزال، وهو من كبار الدولة وفحول الشعراء فأحكم بينهما الصلة والتحالف» (انتهى).
وللكاتب المغربي محمد بن تاويت رأي في سبب ترحيب عبد الحميد محمد بن إسحاق الأوروبي بدعوة إدريس وتبنيها ومناصرتها هي أن عبد الحميد المذكور كان معتزلياً وأنه كان للاعتزال ركائز في المغرب. قال ابن تاويت من مقال له في مجلة دعوة الحق: نجد هناك موجة من الاعتزال طغت في بلاد المغرب أيضاً، ويذكر ياقوت وغيره أن الواصلية من المعتزلة كانت في المغرب تربو على ثلاثين ألفاً، فكانت هذه تضرب في بلاد المغرب طولاً وعرضاً وهي تدعو إلى مبدئها بألسنة حداد غير أشحة ببيانها المعروف، ولقد رأينا من شعراء الاعتزال من يشيد بزعيم الواصلية فيقول:
| له خلف شعب الصين في كل ثغرة | إلى سوسها الأقصى وخلف البرابر | |
| رجال دعاة لا يفل عزيمتهم | تهكم جبار ولا كيد ماكر |
وكان جمع من الاعتزال أتى بالواصلية إلى المغرب، ذكر التاريخ منهم: زيد بن سنان الزناتي الذي كان يعيش في أوائل القرن الثاني، وقد تركزت جماعتهم أخيراً في أيزرج قرب تاهرت.
وعلى العموم فإن هؤلاء المعتزلة انتشروا في جهات من المغرب، فأقاموا لهم مراكز عديدة في المغرب، الأقصى وفي مزواب والزاب، وكونوا إمارة بمكان يذكره الجغرافيون القدامى باسم «أيزرج» وهي تلي تاهرت كما يقول ابن خرداذبه، وذكر أنها كانت لعهده بيد إبراهيم بن محمد البربري المعتزلي، وغيره يذكره بمحمد بن محمد. كما كان نفوذهم يقوى في المغرب الأقصى ويتركزون في طنجة ووليلي التي وجد عليها إدريس بن عبدالله أميرها عبد الحميد بن إسحاق الأوروبي المعتزلي، وكان اعتزاله هذا مما مهّد لإدريس أن يقيم دولته في يسرٍ وطاعةٍ لما بين الاعتزال والعلوية من صلة (انتهى).
ولنا أن نعلق على قول ابن تاويت بأن من الممكن بأن يكون من نسبوا إلى الاعتزال في المغرب هم في الحقيقة من الشيعة لا من المعتزلة. وذلك لأن الكثيرين ممن كتبوا يمزجون من حيث لا يدرون بين المعتزلة والشيعة. وذلك بسبب توافق بعض الآراء بين المعتزلة والشيعة. فقد قيل مثلاً عن السيد المرتضى وهو من هو في التشيع أنه معتزلي كما قيل ذلك عن الصاحب ابن عباد. كما وجد من يقول عن المعتزلي ابن أبي الحديد شارح النهج أنه شيعي.
على أن ابن تاويت نفسه عاد فأشار إلى شيء من هذا حين قال: «فالصلة من حيث التعليم شديدة وثيقة بين المذهبين» إلى آخر ما قال ابن تاويت.
والواقع أن المعتزلة وافقوا الشيعة في آراء معينة ليس هذا مكان تفصيلها. كما خالفوهم في أمورٍ أساسيةٍ. ويقابل الفريقين فيما اتفقا عليه أهل السّنّة المعبر عنهم بالأشاعرة لأن الناطق بلسانهم عند احتدام المناظرة كان أبو الحسن الأشعري.
وينقل ابن تاويت عن قدامة بن جعفر في كتابه: الخراج وصناعة الكتابة، أن مملكة الأدارسة كانت موطناً للاعتزال، إذ يقول قدامة: «إن وراء تاهرت مسيرة أربعة وعشرين يوماً بلد المعتزلة وعليهم رئيس عادل، وعدلهم فائضٌ وسيرتهم حميدةٌ ودارهم طنجة ونواحيها، والمستولي عليها في هذا الوقت ولد محمد بن إدريس».
ويزيد ابن تاوت قائلاً: «كما أن معاصره ـ (معاصر قدامة) ابن خرداذبه ـ يقول بوجودهم ـ أي المعتزلة ـ في إيزرج. ونحوه يقول به ابن الفقيه الهمذاني معاصرهم أيضاً. وفي القرن الرابع يزور المقدسي المغرب فيتحدث عن الشيعة فيقول: نظرت في كتاب الدعائم فإذا هم يوافقون المعتزلة في أكثر الأصول، وهذه الأصول هي مذهب الإدريسية وغلبتهم بكورة السوس الأقصى.
وينقل ابن عذارى في الجزء الثاني عن ابن حزم أن الأدارسة هم أصحاب الاعتزال والشيعة في المغرب، وزاد فنسب إليهم حتى الخارجة (انتهى).
ونسبة الخارجة إلى الأدراسة هي من تفاهات ابن حزم ـ وما أكثر تفاهاته ـ ومن سطحيته في التفكير ـ وما أكثر السطحية في تفكيره…
لقد رأى اتفاق الأدارسة (الشيعة ) في بعض القول مع المعتزلة فقال عنهم: إنهم أصحاب الاعتزال والشيعة ثم ارتأى أنهم ما داموا أصحاب مذهبين فليكونوا أصحاب مذهب ثالث. هكذا بكل بساطة، دون أن يفكر أن الجمع بين عقيدة الأدارسة وعقيدة الخوارج هو كالجمع بين النار والماء.
وقال (سيديو) في كتاب تاريخ العرب: «ظل الأدارسة قابضين على ما ملكوه من سنة 803 إلى 949م مقيمين في البلاد التي هي مدينةٌ لهم بجليل الأعمال، فأسسوا مدينة فاس التي أضحى مسجدها مقدساً لدى جميع الأهالي المجاورين ونال شهرة عظيمة في زمنٍ قليلٍ واشتملت مدينة فاس على مدارس ومكتبات تساوت هي والحركة العلمية التي حمل لوائها بنو العباس في الشرق، وغدت مستودعاً واسعاً بين عرب إسبانيا وعرب إفريقيا».
والحقيقة أن قيام الدولة الإدريسية في المغرب أدى إلى نتائج جليلة، فإن ما أصاب تلك الرقعة قبل الأدارسة لم يثبت قدم الإسلام فيها وحال دون انتشاره انتشاراً واسعاً، فبفضل الأدارسة انتشر الإسلام حتى بلغ كل مكان([287]) وبفضلهم قامت الحركة العلمية فأنشأت المدارس والمكتبات، كما توسع العمران وأسست المدن مما أدى إلى التوسع في تحضير البلاد وازدهار المدنية.
ولولا الظروف القاهرة التي أحاطت بهم فحصرت جهودهم وشلّت هممهم لكان لهم شأنٌ أبعد من هذا الشأن.
والعمل الأكبر الذي يتوّج كفاح الأدارسة هو تعميمهم الإسلام بين القبائل البربرية وترسيخ قدمه فيها، حتى أصبحت من أشد قبائل المغرب الأقصى شكيمة وأحسنها بلاء في الدفاع عن بيضة الإسلام، لأن الحكام الفاتحين قبل ذلك كانوا يعاملون البربر أسوأ معاملة، ولما وصل إدريس الأكبر إلى المغرب أقام في بلادهم وتزوج منهم وولد له ثم لأولاده من أمهات بربرية اندمجوا هم وأحفادهم من بعدهم في القبائل البربرية، ويقول غير واحد من المؤلفين والمؤرخين في هذا الصدد ـ أي في صدد اندماج أعقاب إدريس الأول في قبائل البربر «تبرير ولده» وهم ـ أعني هؤلاء الأدارسة المندمجين في البربر ـ الذين قاموا بنشر الدعوات الى الدين الحنيف في تلك الأقطار الشاسعة فأنشؤوا دولتين من أشهر الدول الإسلامية في تلك البلاد([288]).
ومن أكبر العومل التي ساعدت على نجاح دعوة الأدارسة واعتناق البربر للإسلام اعتناقاً عاماً على أيديهم ما كان يلقاه البربر من عمال الأمويين والعباسيين من الظلم الفادح والاستغلال البشع مما يتنافى مع الإسلام ويصوره بأبشع الصور، لذلك ظلّ المغرب كله، الأقصى منه([289])، والأوسط([290]) والأدنى([291]) في ثورات دائمة لا يقرّ له قرار، وكان أحراره يفتشون عن متنفس لهم، فكثيراً ما كانوا يؤيدون دعوة الخوارج ويثورون معهم، وللدلالة على فساد الحكم الأموي وسوء المعاملة التي كان الامويون يعاملون بها الرعايا ومنهم قبائل البربر فيبعدونهم بذلك عن الإسلام ويدفعونهم للثورات. ونقصّ ما رواه المؤرخون مما كان مظهر الحكم يومذاك، فمن هذا أن يزيد بن أبي مسلم دينار (مولى الحجاج الثقفي) جعله الحجاج كاتبه وصاحب شرطته، وفي عهد يزيد بن عبد الملك ولّاه يزيد على بلاد المغرب، فسار هناك بسيرة الحجاج، ومن أفعاله أن الحجاج كان قد وضع الجزية على رقاب الذين أسلموا من أهل السواد وأمر بردّهم إلى قراهم ورساتيقهم على الحالة التي كانوا عليها قبل الإسلام. وأراد يزيد بن أبي مسلم أن يفعل عين ما فعله الحجاج ويطبق ذلك على البربر. فاستفظع البربر هذا الأمر ولم يصبروا عليه فتآمروا فيه وأجمعوا على قتله فقتلوه([292]).
وفي عهد هشام بن عبد الملك، كان عمر بن عبدالله المرادي والياً على طنجة والمغرب الأقصى، فأساء السيرة في البربر وأراد أن يخمس من أسلم منهم وزعم أنه الفيء فنفرت قلوب البربر وأحسوا أنهم طعمة للعرب([293]) وقد كان الولاة بعامة يرهقون البربر بما يطالبونهم به من المطالب الظالمة، فمن ذلك مثلاً أنه كانت تشوقهم الجلود العسلية اللون، فكانوا يتغالون في جمع ذلك حتى كان القطيع من الغنم يهلك ذبحاً لا لشيء إلا لاتخاذ الجلود العسلية من سخاله، ولا يوجد فيها مع ذلك إلا الواحد وما قرب منه، ويقول صاحب الاستقصا «فكثر عبثهم بذلك في أموال البربر فأجمعوا على الانتفاض». والجلود العسلية هي مثل مما كانوا يطلبونه، فقد كانوا يفتنون بطلب أنواعٍ من طرف المغرب بمثل هذه الأساليب.
فلما وصل إدريس الأكبر وقامت دولة الأدارسة عرف البربر أن الإسلام الصحيح ليس هو الذي كان يمثله أولئك الحكام الطغاة، وأنه ليس إلا عدلاً وتسامحاً ورحمةً فأقبلوا يدخلون فيه أفواجاً على أيدي الأدارسة أحفاد محمد وعلي.
وقد خلفت هذه القبائل البربرية دولة الأدارسة بعد ذلك في مراكش وما يليها من بلاد الأندلس وأسست غير دولة من دول البربر كدولة الموحدين وبني مرين والمرابطين ولبعض هذه الدول البربرية مواقف مشهورة في الدفاع عن بيضة الإسلام في الأندلس والنكاية بمن هاجمها من طغاة الفرنجة مثل ملوك أرغان وقشتالة في غرب الأندلس. وقد توارثت هذه القبائل إلى اليوم ولاء أهل البيت والإخلاص لهم، وما أكثر بيوت العلويين على اختلاف بطونهم في المغرب، وما زالوا يتمتعون بحرمة وافرة([294]).
بعد هذا نترك الكلام للدكتور حسين مؤنس:
ما زالت الدولة الإدريسية تنتظر من يكتب تاريخها ويحدد دورها في بناء المغرب العربي، ولا زال أصحاب كتب التاريخ الإسلامي العام ينظمونها في سلك الدويلات التي تقاسمت نواحي المغرب الإسلامي ابتداءً من منتصف القرن الهجري الثاني جاعلين إياها صنواً لدولة بني الأغلب أو دولة بني رستم التاهرتيين أو حتى دولة بني مدرار أصحاب سجلماسة، ويفوتهم في أثناء هذا العرض السريع المتواضع أن يتبينوا مكانها كحجر الزاوية في بناء إسلام المغرب وعروبته، وما قامت به من دور عظيم في مدّ رقعة الإسلام في شمال المغرب الأقصى وغربي المغرب الأوسط والقضاء على نزعات الخارجية التي اجتاحت هذه النواحي من أواخر القرن الهجري الأول في إرساء أسس الإسلام الصحيح، وتثبيت دعائم العروبة ولغتها وثقافتها في بلد أصبح بفضل الأدارسة الدرع الواقي للجناح الغربي في مملكة الإسلام.
والحقيقة أن كتابة هذا التاريخ والقيام بحقه عسيرة كل العسر، فإن المعلومات عن دولة الأدارسة قليلة لا تزيد على صفحات عند أبي عبيد البكري وابن الأثير وابن خلدون وابن عذاري وصاحب روض القرطاس، والغويري وابن الأبار وابن حمادة، وهذا النزر اليسير من المعلومات بعد ذلك متناقض متعارض سطحي يصعب معه الوصول إلى الحقائق والأصول التي يطلبها من يقوم على كتابة التاريخ بحقه ولا يكتفي بظواهر الأحداث وبسائط الوقائع.
وقد ألم أ. ف. جوتييه بتاريخ الأدارسة في كتابة المعروف عن القرون الغامضة من تاريخ المغرب، وربط قيام دولتهم بما كان لبلدة وليلي Volubilis من دورٍ كبيرٍ في تاريخ المغرب الأقصى على أيام الرومان، وشطح بالموضوع على طريقته في تصور التاريخ، وزاد الأمر بذلك تعقيداً، وعلى هذه الشطحات بنى جورج مارسيه ما قاله عن الأدارسة في كتابه عن المغرب خلال العصور الوسطى، وطوع المادة اليسيرة التي جمعها لتلك النظرية الضّالّة التي ما زال الفرنسييون متشبثين بها من أيام هنري فورنل، وهي نظرية زورها أصحابها لتأييد ما كانت فرنسا ترمي إليه من فضل المغرب عن الكيان العربي، وقد كذّب الله ظنونهم وله الحمد.
نظرة عامة في تاريخ الأدارسة
وقد تبينت جانباً من هذه الصعوبة عندما مسّت الحاجة إلى تقويم شجرة النسب الإدريسي لتحقيق بعض الأخبار التي أوردها أبو عبدالله بن الأبار في كتابه المبدع «الحلة السيراء» وقد اعتمدت أول الأمر على «جمهرة» ابن حزم، وعندما شرعت في تحقيق ما جاء فيها ومقارنته بما ذكره أبو عبيد البكري وابن عذارى وابن الأثير وابن خلدون والنويري من أحداث التاريخ الإدريسي تبينت أن صاحب «الجمهرة» قد وقع في أخطاء كثيرة وخلط في أنساب الأدارسة، ثم راجعت ذلك كله على ما في روض القرطاس، واستطعت أن اقوّم معظم فروع الشجرة وأربطها إلى الجذع الإدريسي على نحوٍ معقولٍ. وقد أخرت الرجوع إلى روض القرطاس لأن صاحبه من أقل المؤرخين تدقيقاً وضبطاً. وقد عانيت من أخطائه الشيء الكثير.
وتتجلّى صعوبة ضبط هذا النسب عندما تصل إلى الجيل السادس وما بعده من أجيال الأدارسة، فإن الأمر هنا يختلط اختلاطاً شديداً لكثرة الفروع وتشابه الأسماء، فإن الأدارسة كان لهم ولع بأسماء معينة نجدها في كل فرعٍ تقريباً مثل القاسم ويحيى وعلي ومحمد وأحمد وكنون وإدريس والحسين، ويزيد الأمر تعقيداً أن الرجل منهم قد يسمي ابنين من أبنائه باسم يحيى واثنين باسم القاسم واثنين باسم علي وهكذا، والمؤرخون يميزون بعضهم عن بعضٍ بقولهم القاسم الأكبر والقاسم الأصغر أو يحيى الأكبر ويحيى الأصغر وهكذا، وأوضح أن ازدواج الأسماء هذا راجعٌ إلى تعدد الزوجات.
أضف إلى ذلك تفرق فروع هذا البيت من نواحي المغرب الأقصى ابتداءً من جيله الثالث، فقد ولّى محمد بن إدريس إخوته الكبار داوود ويحيى وعيسى وعمر وحمزة والقاسم وعلياً على نواحي مملكته، وأقام فيها وصاهر أهلها، ونشأ أبناؤهم واتصلت أنسابهم واشجة في أنساب أهل القبائل، ويبدو ذلك بصورة واضحة في أبناء علي وعمر والقاسم، وقد بلغ هذا الامتزاج مع القبائل مبلغ الاندماج الكامل واتخاذ الأنساب المحلية، فظهرت في أسماء فرع القاسم أسماء كنون وأبي العيس، وفي فرع علي أسماء ونعال وفكّ الله وتعود الخير، وحمل بعض سلائلهم نسبات محلية مثل أحمد الكرتي من أبناء القاسم بن إدريس بن إدريس ويحيى الجوطي وهو من أحفاد القاسم هذا، وتسلسلت من أحفاد علي حيدرة بن محمد بن إدريس بن إدريس بيوت الأشراف العلميين والمشيشيين والوزانيين، ومثل ذلك كثير.
ثم إن تاريخ الأدارسة لم يسر في خط متصل، ولم يتركز في عاصمة واحدة، وهو في تقطعه أشبه بسراجٍ في مهبّ الريح، إذا هدأت سكنت شعلته واستقامت وارتفعت، وإذا هبّت عبثت بها فمالت في كل ناحية، وربما خبت حتى تكاد تخفى، ثم تعود إلى الاستقامة والارتفاع من جديد. والحق أن دولة الأدارسة لم تكن في مهب ريحٍ فحسب، بل كانت في ملتقى عواصف وأنواء فتعرضت في حياة محمد بن إدريس لعواصف الحرب بين الإخوة، وتعرضت في حياة يحيى بن محمد بن إدريس لمأساة كادت تطيح بها، وانتقل الملك من فرع محمد بن إدريس إلى فرع أخيه، ثم إلى فرع أخيهما الاسم عقب ثورة عبد الرزاق الفهري، ثم عاد إلى فرع عمر بعد مقتل يحيى العدام سنة 292هـ 905م وانتقال الملك إلى يحيى بن إدريس، وهنا تصل الدولة إلى ذروتها.
وقد شاءت المقادير أن يتوافق هذا الأوج مع ظهور الفاطميين، فقد كان هؤلاء منذ استقام لهم الأمر في هذه الناحية التي قام لهم الملك فيها، فطفقوا يبحثون عن مستقرٍّ آخر لسلطانهم، ومضت جيوشهم تضرب شرقاً وغرباً، وبعثوا قوادهم يجوسون خلال نواحي الغرب، واستشعر بنو أمية الأندلسيون خطرهم، فتجردوا لدرئه وكان ميدان الصراع بين الدولتين ذلك الجزء الشمالي من المغرب الأقصى الذي أقام فيه إدريس ملكهم، ولم يكن الأدارسة على قوةٍ تمكنهم من الثبات في ذلك الصراع ولم يلبث أمرهم في فاس أن انتهى على يد مصالة بن حبوس وموسى بن أبي العافية فيما بين سنتي 308هـ (921 ـ 922م) و 332هـ (944م)، وقد كانت دولة الأدارسة في فاس قد صحت صحوة قصيرة بعد ذلك على يد الحسن الحجام بن محمد بن القاسم بن إدريس بن إدريس، ولكنها كانت إيماضة عابرة دامت نحو السنتين، ثم تلاشت سنة 313هـ (925م) وعلى يد موسى بن أبي العافية.
وقد تجرد بن أبي العافية هذا للقضاء على بقاياهم في نواحي المغرب فأجلاهم عن النواحي التي كانت بعض فروعهم قد تأصلت فيها مثل شالة وأصيلا، وتجمع الباقون منهم في قلعة حجر النسر، وهي قلعة ابتناها محمد بن إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس سنة 317هـ (929م) على أصح الأقوال.
وفي هذا الصحن وما حوله أقام بنو إدريس من فرع محمد بن القاسم في ضمول تاركين بقية المغرب الأقصى لآل أبي العافية، فلما تلاشت دولة هؤلاء سنة 360هـ (971م) تنفس بنو إدريس الصعداء وخرجوا من معقلهم وعاد لهم سلطان على كثير من نواحي المغرب الأقصى،وقد تولى كبر ذلك القاسم كنون بن محمد باني قلعة الحجر، وبه بدأ ما يعرف بالدور الثاني من تاريخ الأدارسة، وهو في حقيقة الأمر الدور الرابع أو الخامس، فما أكثر ما مرّ به تاريخ هذه الدولة من أدوار، وعلى أي حال فقد كان دوراً باهتاً مضطرباً كان الأدارسة فيه تارةً في طاعة بني أمية القرطبيين وتارةً ضحية لأتباع الفاطميين، وفي بعض الأحيان نجد أمراء الأدارسة بين رجال الناصر الأموي يعيشون في قرطبة ويخرجون للجهاد مع جيش الخليفة الأموي، وفي أحيان أخرى نجدهم محاربين لهم، وفي أيام الحَكَم المستنصر الأموي استولى قائده غالب المعروف بفارس الأندلس على حجر النسر، واستلم له الحسن بن كنون بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس سنة 363هـ (973 ـ 974م)، وانتقل إلى قرطبة هو وآله حيث عاشوا في كنف المستنصر، وتجرّد غالب لاستنزال من بقي منهم من معاقله وإجلائهم إلى قرطبة.
وحياة الحسن بن كنون هذه مأساة طويلة هي أشبه بالقصص فقد وقعت النفرة بينه وبين الحكَم المستنصر، فأخرجه هذا الأخير مع أهله إلى المشرق، فمضى إلى مصر، ولقي الخليفة الفاطمي العزيز نزار بن المعز بعد سنة 365هـ (976م)، وكان الأمل يراود حسناً في محاولة السلطان في المغرب الأقصى مرة أخرى، وصادفت هذه الرغبة اتجاه العزيز إلى مناوأة بني أمية الأندلسيين، فأعانه على ما طلب، وخرج إلى المغرب الأقصى حيث زوده بلكين بن زيري بقوة يسيرة استطاع أن يقيم لنفسه بها أمراً، ولكن المنصور بن أبي عامر وصي الدولة الأموية إذ ذاك، لم يزل يحتال عليه حتى استقدمه على أمانٍ، ثم غدر به وقتله وهو في الطريق إلى قرطبة في جمادى الأولى سنة 375هـ (اكتوبر سنة 985م).
وكانت تلك هي نهاية الملك في الفروع الرئيسية من آل إدريس وقد ظهر لهم ملك بعد ذلك في فرعٍ بعيدٍ يعرف بالحمودي نسبة إلى حمود بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبيدالله بن عمر بن إدريس بن إدريس، وقد ظهر أمر هذا الفرع في جنوب الأندلس وسبتة وطنجة عقب انتشار عهد الخلافة الأموية، فلم يتردد في طلب الأمر من أولئك الحموديين في اتخاذ لقب الخلافة، وكانت لهم في اضطرابات الفتنة الكبرى في الأندلس وقائع ومجالات انتهت كما يقول ابن حزم في رجب سنة 448هـ (نوفمبر 1056م) وبقي من بقي منهم «شريداً طريداً في غمار العامة»([295]).
الشريف الإدريسي ورجار
وواضح أن عبارة ابن حزم هذه فيها مبالغة ظاهرة، فإن زوال الملك والسلطان من أيدي سلائل الأدارسة ليس معناه أنهم أصبحوا مشردين طريدين، وإنما معناه العيش كما يطلبه سائر الناس محتفظين بما يضفيه عليهم حسبهم من المهابة والاحترام، وابن حزم يذكر من هؤلاء نفراً ممن طلبوا العلم وظهر أمرهم فيه مثل محمد قاضي القيروان، وهو ليس ابن الحسن الحجام كما يقول ابن حزم، ولكنه كان من أعقابه، ولدينا أبعد من ذلك الشريف الإدريسي، وهو واضح النسبة إلى بيت إدريس من فرع الحموديين أي من جِذْم عمر بن القاسم بن إدريس بن إدريس، ومع أننا لا نعرف من نسبته إلا أباه وجدّاً واحداً من أجداده ـ فهو محمد بن محمد بن عبدالله ـ إلا أن نسبه الإدريسي الحمودي لا يمكن إنكاره، فقد كان أمراً معروفاً على أيامه، ولم تقتصر شهرته به على بلاد المسلمين بل عرفه به رجار الثاني صاحب صقلية الذي ألّف له الشريف الإدريسي كتاب «نزهة المشتاق».
وقد تعودنا أن ننظر إلى دخول الشريف الإدريسي في خدمة ملك نصراني وعيشه في كنفه وتأليفه له كتاباً في الجغرافية كأنه أمرٌ طبيعيٌ لا غرابة فيه، والحق أنه في ذاته مشكلة، فإن القول المتواتر هو أن رجار استدعى الشريف الإدريسي ليصنع له صورة الأرض ويؤلف له كتاباً في شرحها، ولا نعرف كيف سمع رجار بأمره ولا كيف استدعاه، فإن الإدريسي لم يشتهر بالجغرافية قبل أن يستدعيه رجار، فهو لم يؤلف فيها قبل ذلك كتاباً، ولا سمع أحدٌ في بلاد المسلمين نفسها أنه متضلّعٌ فيها، فكيف يتصل أمر علمه بهذا الملك النصراني، وعلى فرض أنه سمع به فكيف يستدعيه؟ لقد كان الإدريسي قد فرغ إذ ذاك من رحلته الشرقية وعاد إلى المغرب ومضى يتجول في أنحائه حيناً، ثم مضى إلى الأندلس ودرس في قرطبة، ولا ندري إن كان قد ظلّ في الأندلس أو عاد إلى سبتة، وإنما الذي نعلمه أنه ظهر بعد ذلك في صقلية ودخل في خدمة رجار ومضى يعمل في رسم صورة الأرض، فهل علم رجار بمكانه فبعث يستدعيه كما يستدعي الأساتذة والعلماء اليوم من معاهدهم وجامعاتهم لينشروا علمهم في بلاد أخرى؟.
إننا نتناقل ذلك ونأخذه قضية مسلمة على عهدة سطور قليلة مشكوك في قيمتها، بعضها منسوب إلى خليل بن أيبك الصفدي وبعضها الآخر منسوب إلى ابن العماد الأصبهاني عن ابن بشرون أو منقول عن حاجي خليفة في كشف الظنون، وهي سطور قلائل لا تكاد تلقي على حياة الشريف الإدريسي ضوءاً، حتى سنة مولده وهو في القول المتعارف سنة 493هـ 1099 ـ 1100م مرجعها الراهب الماروني ميخائيل الغزيري صاحب الفهرس اللاتيني القديم لمخطوطات الأسكوريال، ذكرها دون أن يشير إلى مرجعه فيها، وتناقلها الناس عنه بعد ذلك دون محاولة البحث عن حقيقتها.
ولكن الثابت أن الشريف الإدريسي عاش وعمل في صقلية في بلاط رجار الثاني، وليس لدينا ما يسمح لنا بالقول بأن الإدريسي لجأ بنفسه إلى رجار وطلب الدخول في خدمته. وقد استبعدنا أن يكون رجار قد سمع به واستدعاه، فلا بد أن تكون هناك طريق أخرى وصل بها الإدريسي إلى رجار وحظي عنده وكسب ثقته وعمل معه في ذلك الميدان الجغرافي، وكان رجار مشغوفاً به متطلّعاً إلى التوسع فيه.
وعبثاً نحاول أن نجد مفتاحاً لهذا السر في مقدمة «نزهة المشتاق» فإن الإدريسي فيها متحفظاً تحفظاً شديداً حتى لا يكاد يذكر اسم نفسه أو يشير إلى نصيبه في العمل الجغرافي الكبير الذي قام به، وقد بدا لي بعد أن قرأت هذه المقدمة أكثر من مرة أن الإدريسي إما أن يكون قد وجد حرجاً كبيراً في تقديم كتابه إلى الملك النصراني فصاغ مقدمته في هذا الأسلوب المبهم الذي لا ينم عن شخصه أو أن غيره قام عنه بهذا التقديم، فكتب هذه الفاتحة التي نجدها بين أيدينا، وربما كان هذا الفرض الثاني أقرب إلى المعقول، فإننا نستعبد أن يقول الشريف الإدريسي: «….الملك المعظم رجار المعتز بالله المقتدر بقدرته» أو «فمن بعض معارفه السنية ونزعاته الشريفة العلوية أنه لما اتسعت مملكته…» فمهما كان من تقدير الإدريسي لرجار فما نحسب أنه كان يرى أنه جدير بأن يلقب بألقاب خلفاء الإسلام كالمعتز والمقتدر، أو تخلع عليه صفة خاصة بالبيت النبوي الكريم، نعم إن «العلوية» تقرأ هنا بضم العين وسكون اللام، ولكنها تبدو لنا على أي حال هنا غريبة على لسان علوي شريف.
أدارسة صقلية
ولا بد على أي حال أن رجار عرف من أمر الإدريسي شيئاً قبل أن يدعوه للعمل معه، وهذه المعرفة لا يمكن أن تكون كتاباً في الجغرافية كتبه الشريف ووصل إلى يد رجار، فوقف منه على مكانة من العلم، فإننا لم نسمع بمثل هذا الكتاب، وإنما الطريق الوحيد هو أن يكون رجار قد عرف الشريف الإدريسي معرفة شخصية قبل أن يدعوه إلى العمل معه.
ويبدو أن هذا الفرض مستبعداً لأول وهلة، ولكننا إذا درسنا تاريخ الإسلام في صقلية خلال حقبته الأخيرة عثرنا على شعاع من الضوء ينير لنا جوانب هذه المشكلة بعض الشيء، بل يضع يدنا على حقيقة هامة جديرة بعناية المهتمين بتاريخ الأدارسة، وهي وجود بيت إدريسي علوي فيها كان له سلطان كبير ودور واسع في تاريخها حتى النصف الثاني للقرن الخامس الهجري إلى أواخر القرن السادس.
ذلك أننا نلاحظ في أخبار غزو النرمان لصقلية وجود بيت من سروات المسلمين وقادتهم يعرف ببيت حمود كان ينشر سلطانه على أجرجنت Girgent وقصريانه Castrogiovanni.
وما حولهما من بلاد وسط الجزيرة ـ كما يقول ميكيلي أماري([296]). خلال الفترة التي تقدمت فيها جيوش رجار الأول لانتزاعها من أيدي المسلمين ابتداءً من سنة 453هـ (1061م) وما بعدها.
وذكر أماري أن أولئك الحموديين أدارسة علويون وأنهم من نفس بيت بني حمود المغاربة الأندلسيين الذين ينتسب إليهم الشريف الإدريسي، وأن ذكرهم متوارد في النصوص اللاتينية والإيطالية من ذلك الحين إلى أيام فردريك الثاني أمبراطور الدولة التيوتونية المعروف ببارباروسا ـ أي ذي اللحية الحمراء ـ فهم يسمون بآل شموت Hamutus أو Chamut وأضاف أماري أن البيت الذي أسس هذه الأسرة لا بد أن يكون قد وفد الى صقلية بعد زوال أمر البيت الحمودي في الأندلس والمغرب.
ومن أسفٍ أن مراجعنا العربية لم تأتنا بنبأ عن أوليات هذا البيت الإدريسي في صقلية، وعمادنا هنا على المراجع الفرنجية التي أرخت لغزو النرمان لصقلية، وهذه المراجع تؤيد ما ذكره ابن الأثير في كلامه عن سقوط قصريانه وأجرجنت من أنه «لم يثبت بين أيديهم ـ أي أمام النرمان ـ غير قصريانه وأجرجنت، فحصرهما الفرنج، ولم يبق عندهم ما يأكلونه، فأما أهل أجرجنت فسلموها إلى الفرنج، وبقيت قصريانه بعدها ثلاث سنين، فلما اشتد الأمر عليهم أذعنوا إلى التسليم، فتسلمها الفرنج لعنهم الله سنة 484هـ، وملك رجار جميع الجزيرة»، ثم تنفرد المراجع النصرانية بعد ذلك بالقول بأن صاحب البلدتين كان رجلاً يسمى القاسم بن حمود وأنه هو الذي قام بتسليم قصريانه إلى رجار الأول بعد أن استنفد وسائل الدفاع، ولم يبق من التسليم مفرّ.
وليس لدينا ما يمنع من قبول رأي أماري من وجود ذلك البيت الحمودي الإدريسي في صقلية، فقد ذكر ابن حزم أن أمر بني حمود انتهى في الأندلس في رجب سنة 448هـ، وبقي من بقي منهم شريداً طريداً في غمار العامة، وفي ذلك الحين كان المرابطون قد ثبتوا أقدامهم في جنوب المغرب الأقصى ومضوا يتطلعون للامتداد شمالاً، ففي سنة 450هـ (1058م) تمت بيعة أبي بكر بن عمر اللمتوني على جنوبي المغرب الأقصى حتى وادي درعة، وفي سنة 462 هـ (1069ـ 1070م) كانوا قد تمكنوا من الأراضي الممتدة شمالاً إلى مجرى نهر تانسفت وضاقت بهم أغمات وريكة، فبدِىء في بناء مراكش في رجب من تلك السنة، وفي أواخر سنة 462هـ، 1070م تقدم يوسف بن تاشفين ابن عم الأمير أبي بكر بن عمر شمالاً حتى وصل إلى وادي ملوية، وفي ربيع الأول سنة 465هـ (نوفمبر 1072م) تنازل أبو بكر بن عمر عن الإمارة ليوسف بن تاشفين، وانفرد هذا بالملك وبدأ التوسع السريع إلى الشمال، فاستولى على فاس سنة 467هـ (1074م)، وفي السنة التالية استولى على تلمسان، ودخل شمال المغرب الأقصى كله في حكم المرابطين.
وفي هذه الظروف لم يعد للباقين من بني إدريس أمل في السلطان فانزوى من استطاع الانزواء منهم في ناحيته، وفرّ من فرّ، فيما عدا ولد من أولاد إدريس بن علي بن حمود يذكر البكري أنه كان يعيش خاملاً بمدينة المرية بالأندلس عندما استدعاه جماعة بني ورتدي إلى مليلة ونواحيها، فعبر البحر إليهم وظلّ على سلطان بينهم بضع سنين.
وإذا نحن تأملنا ما يذكره البكري من تاريخ الأدارسة بمناسبة كلامه عن فاس وحجر النسر تبينا أن كل النواحي الواقعة بين فاس وسبتة، وتتوسطها حجر النسر كانت أشبه بإقطاعيات لنفر من بني إدريس معظمهم من فرع القاسم بن إدريس عن طريق ابنه محمد، فقرية أفتس على نهر أولكس إلى غربي حجر النسر تسمى مدينة جنون بن إبراهيم بن محمد بن القاسم، وكانت في منطقة تابعة لقبيلة كتامة، وكذلك زهكوجة على مقربة من شوق كتامة تسمى مدينة إبراهيم بن محمد أي أنها كانت إقطاعاً لوالد الذي ذكرناه، وقرية تشومس إلى جوارهما كانت إقطاعاً لميمون بن القاسم، وهو ميمون بن أحمد بن القاسم جنون، وكانت تسمى بمدينة ميمون، ومن هذا الموضع إلى سبتة كانت قسمة بين بني إبراهيم بن محمد، فأما أحمد بن إبراهيم بن محمد فكان له ما امتدّ من أجاجي إلى سبتة في حين ملك الأب وبقية الأبناء دار طنجة إلى حدّ سبتة، وما دام الإدريسي من سبتة فيحتمل جداً أن يكون من أبناء هؤلاء، وهذه الحوادث التي نذكرها كانت في حدود 460هـ (1067ـ 1068م) أما سبتة فقد كان يتولى الأمر فيها رجلٌ يسمى سواجات البرغواطي، وأصلة من قبيلة غمارة، ثم دخل بعد ذلك في قبيلة برغواطة وانتسب إليها، وغمارة كانت العماد الذي قامت عليه دولة الأدارسة، حتى ليجعلهما ابن خلدون شيئاً واحداً: « والخبر عن دولة الأدارسة وهي غمارة وتصاريف أحوالهم…»، وكان سواجات أول الأمر مولى من موالي الحموديين، فجعلوه على سبتة، فانقلب عليهم وطلب السلطان لنفسه، وقتل بعضهم وحبس بعضهم الآخر بعد أن زال أمر بني حمود، ولهذا يغلب على ظنّنا أن أسرة الشريف الإدريسي لم يطل بها المقام في ذلك البلد، والغالب أنهم طلبوا الأمان عند بعض ذوي قرباهم الذين ذكرناهم فيما قرب من سبتة من البلاد، وربما كان هذا أيضاً هو السبب في خروج الشريف الإدريسي إلى المشرق في تلك السن الباكرة، وقد رجحنا أن يكون قد خرج إليه مع أبيه طلباً للنجاة من أحوالٍ غير مؤاتية من ناحية والتماساً للحج وطلب العلم من ناحية أخرى.
والرأي السائد أن نسبه يرتفع إلى حمود، أي إلى فرع عمر بن إدريس بد إدريس، وربما كان هذا هو الأقرب إلى الصحة، فإن القول به متواتر على الألسن دون أن يكون لدينا عليه دليل واحد يمكن التعويل عليه، وقد بحثت دون جدوى في كتاب شذور الذهب في خبر النسب لابن رحمون التهامي بن أحمد بن محمد عن خيط أستطيع الاهتداء به، وإنه من الغريب أن نسابة كهذا يتصدى لتتبع سلائل البيت الإدريسي وهو منهم ـ فهو من الشرفاء العلميين ـ ثم يغيب عنه ذكر أشهر من عرف بهذا النسب، كأن اسمه لم يخطر له على بال، ولو أنه كتب في عصر تقدم لعذرناه، ولكنه كتب كتابه سنة 1105هـ (1693 ـ 1694)، وذكر الشريف الإدريسي ذائع في عشرات الكتب بين يديه.
وإلى هذا الفرع أيضاً ينتسب الحموديون الصقليون، وقد رأينا أو أول ذكر لهم في حوليات صقلية الإسلامية كان سنة 479هـ 1087م، فلا بد أنهم دخلوا صقلية قبل ذلك بسنوات لا نستطيع تحديدها، ولكنها ليست بكثيرة على أي حال، فإن أمر بني حمود قد انتهى كما ذكر ابن حزم في رجب سنة 448هـ (نوفمبر 1056م)، وتفرق الباقون منهم بعد ذلك التاريخ، وخلال السنوات القليلة التي كان المرابطون يتقدمون فيها إلى الشمال مؤذنين بالقضاء الأخير على كل أمل للحموديين وغيرهم في طلب السلطان.
وقد اجتذب هذا الفرع إلى صقلية ما شاع في ذلك الحين من تفرق أمر المسلمين هناك وسنوح الفرصة لطلب السلطان، وكانت في الحموديين جرأة على المخاطر يعرفها من يلم بتاريخها أثناء الفتنة الكبرى في الأندلس، وقد ذكر ابن الأثير أن أجرجنت وقصريانه كانتا منذ سنة 427هـ (1035 ـ 1036م) في طاعة القائد علي بن نعمة المعروف بابن الحواس، وأن ابن الحواس هذا قتل سنة 453هـ (1061ـ 1062م) أو بعدها بقليل، فصارتا إلى أيوب بن تميم بن المعز الزيري، ولم يستطع أيوب وأخوه البقاء في الجزيرة، فعادا إلى إفريقيا سنة 461هـ (1068م)، وبقيت الناحية دون رئيس، حتى نسمع بذكر القاسم بن حمود عند استيلاء رجار الأول على قصريانه وأجرجنت بعد ذلك بثماني عشرة سنة، فلا بد أنه انتهز فرصة خلوّ الموضع من رئيس مسلم، فاستعان بجاه نسبه وخدمته ملكاته فوصل إلى الرئاسة، وهذا يستلزم أن يكون موجوداً هناك قبل ذلك، إذ ليس معقولاً أن يدخل الجزيرة ويستولي على السلطان في ناحية منها مباشرة، والمعقول إنه يقال إنه دخلها سنة 450هـ (1058م) أو نحوها.
القاسم بن علي بن حمود الصقلي
وهذا الحمودي الإدريسي الذي هاجر إلى صقلية ووصل إلى السيادة من ناحية أجرجنت وقصريانه هو القاسم بن حمود، والمفهوم أن المراد بذلك أنه القاسم من أبناء حمود، أو القاسم الحمودي، ولا نستطيع تتبع نسبه إلى أي من فروع الحموديين الكثيرة، لأن القواسم فيهم كثيرون جداً، ويزيد الأمر تعقيداً أنه كان يلقب بابن الحجر، وهو لقبٌ لا يمكن أن يفسر إلا بأنه كان من أدارسة حجر النسر، والحموديون لم يكونوا من أهل حجر النسر، وقد حاول أماري تفسيره فقال: إن الحجر هنا كناية عن الكرم وإن المراد هنا أنه كان يلقب ابن الكريم، وهو تفسير ظاهر الافتعال.
وتذهب المراجع اللاتينية والزمانية القديمة التي رجع إليها أماري في تتبع أخبار استيلاء النرمان على صقلية إلى أن القاسم بن حمود هذا بعد أن أسلم قصريانه إلى رجار الأول اعتنق النصرانية مع أهله أجمعين، وخاف على نفسه بعد ذلك من مسلمي البلد، فطلب إلى رجار أن ينقله إلى بلد من بلاده في شبه الجزيرة الإيطالية، فنقله إلى بلدة ميلاطو حيث عاش إلى أن مات، وهذا قول ظاهر الاختلاق، فإن بني القاسم بن حمود ظلّوا بعد ذلك أصحاب أجرجنت وقصريانه تحت سلطان النرمان، وكان لهم دورٌ كبيرٌ في شؤون الجزيرة بعد ذلك كما سنرى، ثم إن ابن جبير الرحالة لقي رئيساً من رؤساء هذا البيت بعد ذلك بقرنٍ من الزمان في ذي القعدة سنة 580هـ (مارس 1185م) ووصفه بالجلالة واتساع الجاه ثم قال: «ومن عظم هذا الرجل الحمودي المذكور في نفوس النصارى ـ أبادهم الله ـ أنهم يزعمون أنه لو تنصر لما بقي في الجزيرة مسلم إلا وفعل فعله، اتباعاً له واقتداءً به، تكفل الله بعصمته جميعهم، ونجاهم مما هم فيه بفضله وكرمه» فكيف يقال بعد هذا إن جده قد تنصر هو وأهله جميعاً من مائة سنة؟
ويسمى القاسم هذا في بعض النصوص بأبي القاسم، وربما كان المراد أنه كان من سلائل أحد القواسم الحموديين، وسنرى من إشارة لابن ظفر أن أباه كان يسمى علياً.
وقد اطمأن القاسم أو أبو القاسم بن علي بن حمود في ظلّ رجار الأول وظلّ له سلطانه على قصريانه وأجرجنت، شأنه في ذلك شأن الكثير من رؤساء مسلمي صقلية الذين أبقاهم النرمان على حالهم ما دانوا بالطاعة لهم، ولم يكن ذلك تسامحاً صرفاً من النرمان وإنما كانت سياسة أملتها عليهم ظروفهم، فإن النرمان كانوا قلة في وسط الجموع النصرانية التي غزوا بها الجزيرة، فقد كانوا هم النواة والرؤساء، أما معظم جندهم ورجالهم فقد كانوا أخلاطاً من الإيطاليين وأهل الجزر والمغامرين، وكان استيلاؤهم على الجزيرة اغتصاباً لا من المسلمين وحدهم بل من البيزنطيين الذين كانوا يرون أن الجزيرة من أملاكهم، ولم يكن لهم سند إلا إذن البابويه لهم في انتزاع الجزيرة من أيدي المسلمين وكانوا قد خرجوا لغزو الجزيرة من جنوبي إيطاليا، وكان سلطانهم هناك غير معترف به من أباطرة التيوتون الذين كانوا يدعون هم الآخرون أنهم أصحاب إيطالية، أي إن مركزهم في إيطاليا وصقلية لم يكن معترفاً به من أحدٍ ثم إن السند الذي كانوا يعتمدون عليه، وهو إذن البابا لهم في انتزاع الجزيرة من أيدي المسلمين لم يلبث أن تداعى، فقد اختلفوا مع البابويه وحاربوها، فأسقطت عنهم حمايتها، ولم يعد لهم من سند بعد ذلك إلا ما يكسبونه من حسن ظنّ أهل الجزيرة ومعظمهم من المسلمين، ورجلٌ مثل أبي القاسم بن حمود لم يكن مجرد رعية لرجار الأول، وإنما كان عماداً من العمد التي قام عليها حكمه، خاصةً وقد كان رجلاً شهماً دافع عن ناحيته فأحسن الدفاع، ولم يسلمها للأعداء إلا بعد أن طاول إلى الحدّ الأقصى، وهذه الشهامة جديرة بأن تلقى في نفس أعدائه من النرمان شهامة وفروسية.
وليس معنى ذلك أننا نجرد رجار ورجاله من فضيلة التسامح، فقد كان بالفعل متسامحاً لا مع المسلمين وحدهم بل مع معظم رعاياه، فإن المسيحيين منهم كانوا طوائف شتى فيهم من يدين بالولاء للكنيسة الرومانية، وفيهم من يتبع بطريق القسطنطينية، ولكن رجار لم يصرف إلى ذلك بالاً، واهتم بصالح دولته وعرشه فحسب، والحق أن النرمان كانوا بدعاً في اتساع الذهن وبُعد الذكاء بين معاصريهم أجمعين، فقد غزت طائفة أخرى منهم إنجلترا قبل ذلك بإحدى وعشرين سنة، قادهم إليها أميرهم وليم الفاتح، فكان مسلكهم في الجزر البريطانية هو نفس مسلك روبرت جسكارد منشىء الدولة الرومانية في جنوب إيطاليا ووسطها، وابن عمه رجار الأول الذي قام بغزو صقلية، وهو مسلك يتلخص في الاجتهاد في استئلاف الرعية والتقرب منها والانتفاع بخير عناصرها واقتباس ما يجدونه من النظم والعادات ومظاهر الحضارة وترك الناس أحراراً فيما يتبعون من عقيدةٍ ثم ميلٍ إلى القانون واهتمام بالتزامه وإلزام الناس به، يحوطون ذلك كله بذكاء يميل إلى الخبث حتى يصبح لؤماً إذا دعت الحاجة وشجاعة تصل إلى التهور في أحيان كثيرة، وقد امتازوا كذلك بتطلع إلى كل ما هو طريف وجديد جعلهم في كل مكان نزلوه رعاة لأهل العلم والفن، حتى لقد نشأ في البلاد التي سادوها من شمال غربي فرنسا وانجلترا طراز من طراز العمارة يسمى الطراز النرماني، وليس لهم فيه إلا تشجيع من ابتكروه، هذا إلى من احتضنوهم من أهل العلم من كل ملّة ونحلة، وما ألّف هؤلاء من الكتب باسمهم، ومن بين هؤلاء يبدو شريفنا الإدريسي أعظم من شرّف بلاطهم بالعمل فيه.
والحياة مع ملوك كهؤلاء لم تكن عسيرة على أبي القاسم وآله وبقية المسلمين في الجزيرة، فإن النرمان لم يكونوا يطلبون إلا الولاء والمعاونة والنصح، وكان مسلمو صقلية مستعدين لتقديم هذه في مقابل حريتهم الدينية، ولهذا فلا غرابة في أن نجد أبا القاسم بن علي الحمودي وطائفة أخرى من المسلمين في مكان الصدارة والتكرمة، ولم تقتصر صدارتهم على نواحيهم، بل كان لهم شأنٌ كبيرٌ في البلاط وشؤون الدولة الكبرى، جنباً إلى جنب مع من كان هناك من البيزنطيين والإيطاليين والنرمان.
ولكن المتاعب تأتي عادةً من المنافسين والأنداد، وفي تلك العصور كان الوصول إلى مركزٍ ممتازٍ أو التمتع بنعمة جاهٍ معناه الوصول إلى المتاعب والشقاء بالحسد والسعايات وما يأتي منها، وليس لدينا من أخبار أبي القاسم بن علي بن حمود ما يسمح لنا بتفصيل شيءٍ عن حياته مع النرمان أكثر مما قلناه، ولكن لدينا شيئاً عن ابنه أبي عبدالله محمد بن أبي القاسم بن علي بن حمود، ويبدو أن محمداً هذا ورث مكان أبيه لا في أجرجنت وقصريانه وحدهما، بل في البلاد والدولة أيضاَ.
محمد بن أبي القاسم بن علي بن حمود
ونحب أن ننبّه الأذهان إلى أننا لا نتحدث هنا عن أسرة مالكة أو عن دولة يتوارث الملك فيها الأبناء عن الآباء، بل عن بيتٍ عربيٍّ إسلاميٍّ أرادت له المقادير أن يعيش في كنف ملكٍ نصرانيٍّ ومكنت له من الاحتفاظ بما كان لأفراده من الأملاك والمكانة قبل الدخول في طاعة هذا الملك، وهذه في ذاتها ظاهرةٌ فريدةٌ في بابها جديرةٌ بالدراسة، فلم يكن الحموديون وحدهم في هذه الظروف، وإنما كانت هناك أسرات عربية إسلامية أخرى في صقلية مثل بني التمنة، وكانت هناك أسرة مماثلة فيما وقع تحت سلطان النرمان من بلاد إفريقية مثل المهدية وبونة وقابس وطرابلس.
وهذا الشيء الذي نعرفه عن أبي عبدالله محمد بن أبي القاسم بن علي أتانا عفواً، فقد كان هذا الرجل صاحباً لفقيه صقلية الأكبر محمد بن أبي محمد بن ظفر (497 ـ 567هـ ـ 1104 ـ 1171م)، وكان الفقيه يجلّه ويقدّره، وله ألّفَ طائفة من كتبه أهمها «سلوان المطاع في عدوان الأتباع»، وسرّ كتاب حافل بالدلالات، ينطق بها عنوانه وموضوعه وسياق كلامه وفاتحته، فالعنوان يدل على أنه ألّف لرجل عدا عليه أتباعه أو انقلبوا عليه وأنزلوا به ضرراً، فاحتاج إلى من يسليه عمّا نزل به، ومادة الكتاب تدور حول هذا المحور بالفعل وتفصل الأمر بعض التفصيل، أما فاتحته فتعرفنا به لأن ابن ظفر يقول عنه إنه «سائد السادة وقائد القادة، أبي عبدالله محمد بن أبي القاسم بن علي العلوي القرشي» وكل لفظ هنا له معناه، فالسيد هنا ليس صفة ولكنه لقب معناه أن محمد بن أبي القاسم هذا كان من الأشراف الإقطاعيين Signore feadati حسب النظام الإقطاعي العام الذي كان سائداً في أوروبا كلها إذ ذلك، وأن إقطاعه كان خبزاً له، والخبز في مصطلحنا الإقطاعي هو ما يقابل لفظ fief في المصطلح الإقطاعي الغربي، إقطاع الأرض في مقابل وظيفة أو خدمة يؤديها المقطع للملك، والوظيفة في حالتنا هذه قيادة عسكرية وحكومة على موضعه، ولهذا يلقبه ابن ظفر بقائد القواد أو قائد القادة.
ويبدو أن هذه المعاملة الحسنة التي لقيها بنو القاسم بن حمود من جانب النرمان ترجع إلى ما أبدوه من الشهامة والاستبسال، ثم ما أظهروه بعد ذلك من العقل والحكمة، فاستسلموا على شروط الأمان والاطمئنان إلى الإسلام وضمان حقوق من معهم من المسلمين، فكانوا بهذا أحكم من قائد عربي مسلم آخر يسميه جودفروا ما لا ترا. مؤرخ الغزو النرماني «بينا فيرت Benavert » وهو اسمٌ طالما حيّر الباحثين أصله العربي، وغالبيتهم على أنه ابن عباد، وهو رأيٌ مستبعدٌ ما بين الصيغتين الإفرنجية والعربية، وهو عندنا أقرب إلى أن يكون «ابن ورد» وأيّاً كان اسمه فقد كان هذا الرجل رئيساً على قطانية قبل دخول النرمان فلما أقبلوا تصدّى لهم وحاربهم حرباً عنيفةً هلك فيها من رجالهم مئات، وقتل نفرٌ من قوادهم منهم هوجو دي جيرسي Ugo di Jersey الذي كان رجار الأول قد أقامه نائباً عنه في الجزيرة عندما عاد إلى قلورية Calaluria سنة 467 ـ 468هـ (1075م) وما زال ابن ورد يصاول النرمان حتى عجز أمامه القائد النرماني جوردان واضطر إلى الاستعانة عليه برجار، فأقبل بكل قواه، وتعاون الاثنان على القائد العربي واستوليا على قطانية، وانتقل ابن رود إلى نوط Not واستمر في المقاومة حتى قتل بسقوط آخر معاقل الجزيرة سنة 484هـ (1091م) بعد أن أصاب أهلها من المسلمين بلاء شديد.
ولم يكن أبو القاسم بن علي بن حمود يستطيع أن يفعل فعل ابن ورد، لأن هذا الأخير كان من أهل صقلية الذين تطاولت العهود بهم فيها، فهو يعرف نواحيها جميعاً وتربطه بالرؤساء في كل ناحية صلات قديمة مكنت له من استعانة بهم والانتقال إلى حصونهم ونواحيهم ليستمر في الدفاع، فبعد أن سقطت قطانية انتقل إلى نوط ثم إلى بتيرة Butera أما أبو القاسم بن حمود فقد كان جديد عهد بالجزيرة لا يعرف من شؤونها إلا ما عرف خلال السنوات القليلة التي قضاها فيها، ولم يكن في استطاعته بعد سقوط أجرجنت وقصريانه أنه ينتقل إلى ناحيةٍ أخرى، فليس له رجال وأنصار ومحاربون ينتقلون معه من ناحية إلى ناحية كما كانت الحالة مع ابن ورد، ثم إنه كان سليل بيت عرف السياسة والحكم، وقد أدرك لهذا أن الاستمرار في المقاومة بعد أن هلك الناس وانقطع الأمل في الفرج لن يؤدي إلا إلى ضياع ما بقي من أموال الناس وذراريهم دون جدوى، فآثر أن يسلم على صلحٍ وعهدٍ، وحفظ بهذا نفسه ومن كان معه.
ولا يغيبن عن بالنا أن المسلمين إذ ذاك كانوا لا يتصورون سواء في المغرب أو الأندلس أو المشرق أو صقلية أن أمر الإسلام في ناحية من نواحيه يمكن أن يزول إلى غير رجعة أو أن النصرانية إذا غلبت على ناحية من نواحيه ستستمر في حكمها إلى الأبد، وإنما هي نكسات من الدهر الخؤون وتمحيص من الله للمسلمين، ثم تشرق الشمس مرة أخرى وتعود البلاد للإسلام، وهذا شعورٌ ظلّ يملأ نفوس المسلمين في مناسبة أصاب بلادهم فيها مكروه، ويعبر عنه مؤرخونا بقولهم بعد ذلك سقوط أي بلد من بلاد الإسلام «أعاده الله للإسلام»، وأبلغ من عبّر عنه ابن عاصم في كتابه المثير للأشجان «جنة الرضا فيما قدّر الله وقضى»، وهو عنوان حزين أشبه بأن يكون نهاية للمل، وهو أبلغ في هذا المعنى من قصيدة أبي البقاء الرندي ذات الصيت البعيد.
ونفهم من كلام ابن ظفر في فاتحة «سلوان المطاع» أن محمد بن أبي القاسم بن علي بن حمود كان يمر إذ ذاك بمحنة ليس سببها أن السلطان غضب عليه أو أن أحوال من معه من المسلمين ساءت، وإنما سببها أن بعض رجاله وأتباعه انقلبوا عليه وأحرجوا أمره وعرّضوه لغضب رجار، وهو هنا رجار الثاني، فإن الأول كان قد مات قبل ذلك سنة 495هـ (1101م)، وكان رجار الثاني هذا أكيس من أبيه وأقدر وأوسع عقلاً وقلباً، وهو صاحب الشريف الإدريسي وممدوح نفر من شعراء صقلية والمغرب، ولهذا لم يكن محمد بن أبي القاسم يخشاه بقدر ما كان يخشى أولئك الأتباع الذين انقلبوا عليه وسعوا إليه بالمضرة، ولهذا يقول ابن ظفر في التقديم «… والحمدلله جاعل الصبر للنجاح ضميناً، والمحبوب في المكروه كميناً، الذي ضرب دون أسرار الأقدار حجاباً مستوراً، وقضى أن الخير على الفطن لا يزال حجراً محجوراً، وأوطأ المسلمين لمشاياه ممهوداً وثيراً، وأمطأ المتبرمين بقضاياه كنوداً وعثوراً، وقال سبحانه: «فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً». وهذه كلها عبارات مواساة وتصبير، وتقسيم الكتاب ليس مقسماً إلى فصول بل إلى سلوانات: «السلوانة الأولى في التفويض، والسلوانة الثانية في التأسي، والسلوانة الثالثة في الصبر، والسلوانة الرابعة في الرضا، والسلوانة الخامسة في الزهد»، ثم يفصح ابن ظفر بعض الشيء عما دعا إلى تأليف الكتاب فيقول: «وبعد فإن ملكاً ميمون السيرة، حميد الفكرة، شديد العبرة، شغف العلم حباً، توثب خارجي على رعيته فاقتطع منهم حزباً، وأنس من وجوه أتباعه شغباً، فسألني في تلك الحال أن أؤنسه بكتابٍ يشتمل على حكم وآداب…».
ويبدو من خلال الضباب الذي يخيم على تاريخ المسلمين في صقلية خلال هذه الحقبة الأخيرة أن أمور محمد بن أبي القاسم استقرت من جديد وصفا له الجو واطمأن خاطره، فنجده إلى جانب رجار الثاني في مكانٍ عزيزٍ يتولى ناحيته ويشتمل من فيها من المسلمين بحمايته. ويشترك في تدبير الأمور مع كبار رجال الدولة، وتتسع حاله، وتكثر أمواله، حتى يفد عليه الشعراء من بلاد صقلية وبعض نواحي المغرب ينتجعون فضله ويتوسمون نداه، فيشير عليهم بأن يختصوا رجار ببعض أمداحهم، وقد حفظ المؤرخون لنا أسماء بعضهم وبعض أشعارهم ومثال ذلك عبد الرحمن بن رمضان الشاعر المعروف بالقاضي وعبد الرحمن بن محمد بن عمر البشيري الصقلي وأبو حفص عمر بن حسن النحوي الصقلي وغيرهم ممن أورد عماد الدين أبو عبدالله محمد بن حامد الأصبهاني أطرافاً من أشعارهم في «الخريدة» بل بلغ من كثرتهم أن العماد سئم ذكر بقيتهم وقال: «فما أوثر مديح الكفر».
ويكاد أن يكون من المرجح عندنا أن محمد بن أبي القاسم الحمودي هذا كان هو وسيلة الشريف الإدريسي إلى رجار فهو حمودي، شريف مثله، وقد دللنا في الفصل الخاص بالإدريسي من بحثنا عن «الجغرافية والجغرافيين في الأندلس» على أن الشريف الإدريسي عندما خرج من المشرق عائداً إلى المغرب مرّ بصقلية وأقام فيها ردحاً من الزمن، فإن القسم الخاص بصقلية من «نزهة المشتاق» يضم معلومات وملاحظات تدل على أنه عرفها قبل وفوده عليها لعمل صورة الأرض وتأليف شرحها المسمى «نزهة المشتاق»، وقد رجحنا لهذا أن يكون الشريف قد نزل بالجزيرة منتجعاً لقريبه الحمودي، وعرف هذا ولعه بالجغرافية والأعشاب واتساع باعه فيهما، ومن المعقول أن يكون قد قدمه إلى رجار الثاني كما كان يقدم إليه من يفد عليه من الشعراء، وقد كان هذا معنياً بهذين العلمين شديد الطلب لهما، فلما لقي الإدريسي دعاه إلى المقام عنده للعمل معه في الجغرافية، وهنا أحسب ـ موضع العبارة التي ذكرها خليل بن أيبك الصفدي في «الوافي بالوفيات» وقال إن رجار الثاني قال للشريف الإدريسي: «أنت من بيت الخلافة، ومتى كنت بين المسلمين عمل ملوكهم على قتلك، ومتى كنت عندي أمنت على نفسك»، فاستقرت هذه الكلمة في نفس الإدريسي، ومضى إلى المغرب ثم إلى قرطبة وجنوب الأندلس كان قبل سنة 537هـ (1142 ـ 1143م) أي قبل وفوده على صقلية وشروعه في العمل مع رجار، ويبدو أن الإدريسي لاحظ أثناء تلك الإقامة في الأندلس استقرار الأمر للمرابطين وحسن بلائهم في الدفاع عن الإسلام، وأحس ألّا أمل في العودة إلى السلطان، فمضى إلى صقلية لينصرف إلى عمله العلمي، وقد حمل في نفسه أحسن الأثر للمرابطين، ولذا فهو لا يزال يثني عليهم في كتابه، ولا بد أنه لم يرض عن الموحدين بعد ذلك لقيامهم على المرابطين وعملهم على القضاء عليهم، ولهذا فهو شديد النقد لهم، لا يكاد يغادر فرصة للحملة عليهم إلا ابتدرها.
وقد ظلت أحوال المسلمين طيبة في صقلية طالما عاش رجار الثاني، وهذا واضح على الأقل من عمل الإدريسي معه وما كان يلقاه من الكرامة عنده حتى قال الصفدي: «إنه رتب له كفاية لا تكون إلا للملوك، وكان يجيء إليه راكب بغلة، فإذا صار عنده تنحّى له عن مجلسه، فيأتي فيجلسان معاً» وهذا الإكرام للإدريسي لم يكن مقصوداً به شخصه وحده، وإنما كان رجار ينظر من ورائه إلى غرضٍ آخر، وهو كسب ثقة رعاياه من المسلمين بتقريب هذا العلامة الشريف العلوي والحفاوة به ومعاملته معاملة الأمراء فإن الشريف الإدريسي لم يكن يطلب هذا كله ولا نظر إليه، وإنما كان عالماً وجد فرصةً مؤاتيةً للعمل وتشجيعاً عليه فانصرف إليه، وبديهي أن هذه الكرامة أيضاً كانت من نصيب قريبه ورئيس المسلمين في صقلية إذ ذاك: محمد بن أبي القاسم بن علي بن حمود.
أحوال صقلية بعد وفاة رجار الثاني
غير أن أحوال المسلمين بدأت تتغير بعد وفاة رجار الثاني وتولّي ابنه غليالم الأول في سنة 1152م (547هـ)، فإن الولد لم يرث من ملكات أبيه إلا القليل، وقد كان كسولاً عنيفاً متعالياً وبخيلاً، كما يقول معاصروه من المؤرخين النصارى، ولم يحسن إلى جانب ذلك اختيار نصحائه ورجال دولته، ولهذا فقد شقي به رعاياه جميعاً مسلمين وغير مسلمين ثم إن الظروف كانت قد تغيرت من حوله، فقد اشتد ساعد الأمبراطورية التيوتونية لانتزاع جنوبي إيطاليا من النرمان، ومن ناحية أخرى استقام الأمر للموحدين وأقبلوا يضمون شتات المغرب ويستعيدون ما كان النرمان قد استولوا عليه من مواضع على الساحل الإفريقي، ومالت طائفة من رجال الدولة من النصارى إلى الأباطرة أو الباباوات، وطبيعي أن تميل أفئدة المسلمين إلى الموحدين أو الأيوبيين، وهو ميلٌ طبيعيٌّ من جماعة إسلامية غلبت على أمرها وباتت ترجو الخلاص، وسنرى بعد قليل أن آل حمود الصقليين لم يقتصروا على مجرد الرجاء، بل سعوا بالفعل نحو الخلاص.
والمهم لدينا الآن أن ظنون غليالم الأول ساءت فيمن حوله من كبار رجال الدولة، فوقعت الفتنة فيما بينهم من ناحية، وبينهم وبينه من ناحية أخرى، وكان لهذا أثره على آل حمود وبقية مسلمي الجزيرة. وقد بدأت الثورة عليه من أملاكه في أبوليا وقلورية وأيدها آل كومنين أباطرة الدولة البيزنطية بأسطول، وبعد لأي ما استطاع غليالم إطفاء هذه الفتنة وعقد صلح مع البيزنطيين في سنة 1157م (552هـ)، ثم وثب أهل صفاقس بالنرمان وتزعمهم أبو الحسن الغرياني وابنه، وقامت الثورة كذلك في معظم جهات الساحل الإفريقي، ولم تلبث جيوش الموحدين المظفرة أن أقبلت يقودها الخليفة عبد المؤمن بن علي، واستردت معاقل الشاطىء الإفريقي كلها حتى طرابلس.
وعلى أثر ذلك انقض نصارى بلرم على مسلميها على حين غفلة، وكان المسلمون يسكنون أغنى أحياء المدينة، وكان يسمى حي قصارة Cassara وأنزلوا بهم مذبحة دامية، وقتلوا منهم المئات من بينهم الشاعر يحي بن التيفاشي القابسي، ويظن أن الإدريسي ترك بلرم في هذه الآونة، فقد كان يعيش منذ وفاة رجار الثاني على مقربةٍ من القصر مشتغلاً بتأليف كتابه الثاني «روض الأنس، ونزهة النفس»، وكان ذلك سنة 557هـ (1161)م ، وهذه آخر مرة نسمع فيها بذكر جغرافينا العظيم، وذهب العماد في «الخريدة» إلى أن هذه المذبحة كانت سنة 550هـ (1155ـ 1156م)، ولكن الغالب أنه خلط بينها وبين فتن أخرى مما وقع للمسلمين في صقلية في هذه الفترة العصيبة.
وقد ذكر الحسن الوازن الذي عرف باسم ليون الإفريقي في رحلته أن الإدريسي مات في صقلية سنة 516هـ، وهو وهم من الناسخ صححه دي سلين الى 560هـ (1164 ـ 1165م)، ومن هنا نرى أن تاريخي مولد ووفاة أعظم من أنجب العرب من الجغرافيين عن مصدرين مشكوك في سلامتهما، الأول راهب ماروني والثاني رحالة ارتدّ عن الإسلام.
أبو القاسم بن محمد بن أبي القاسم بن علي حمود
وطبيعي أن تسوء حال آل حمود الصقليين، ولدينا عن أخبار رئيس هذا البيت في تلك الأيام خبران: أحدهما قصير أتانا به علي بن أبي بكر الهروي، وقد زار صقلية سنة 569هـ (1173م)، قال: «واجتمعت بجزيرة صقلية بالقائد أبي القاسم بن حمود بن الحجر، وذكر لي أنه من ولد عمر بن عبد العزيز، وكنت مرضت في مسجد عين الشفاء وهذه العين تزار، وأحسن هذا القائد إليّ، وكنت أخذت منه كتاباً إلى السلطان بحثّه على أخذ هذه الجزيرة، وغرق المركب عند خروجي من هذه الجزيرة، وركبت مع قومٍ من الروم إلى جزيرو «قبرص» ولا ندري إن كان المراد بأبي القاسم بن حمود هنا محمد بن أبي القاسم الذي نحن بصدده أو ابناً له يسمى أبا القاسم، ونرجح الرأي الأخير، لأن صورة الاسم هنا واضحة، وبهذا الاسم سيذكره ابن جبير بعد ذلك بأكثر من عشر سنوات، ويستبعد أن تطول مدة محمد بن أبي القاسم هذه الحقبة كلها، وسنرى كذلك أن الشاعر الإسكندري ابن قلاقس قد وفد على أبي القاسم هذا ومدحه وألّف كتاباً.
ولا شك أن علي بن أبي بكر الهروي أخطأ عندما قال أن أبا القاسم قال له أنه من ولد عمر بن عبد العزيز، وربما يكون قد خلط هنا بينه وبين رجلٍ آخر، والخلط والسهو هنا ممكنان إذا ذكرنا ما يقوله الهروي من أن المركب غرقت به وهو في طريق العودة من صقلية، فانتقل إلى مركب رومي نقله إلى قبرص.
وإشارة الهروي إلى أخذه كتاباً إلى السلطان يستحثه فيه على أخذ الجزيرة جديرة بالملاحظة، والسلطان المراد هنا هو صلاح الدين الأيوبي، وكان الحمودي قد استبطأ الغوث من الموحدين، فاتجه إلى الأيوبيين.
وكان أبو القاسم بن محمد بن أبي القاسم بن علي بن حمود ـ إذا صحّ ما افترضناه ـ في ذلك الحين من كبار رجال الدولة، لا يزال له مركزه وحظوته، وكانت المنافسة شديدة بينه وبين وزير بيزنطي يسمى أصطفان، وكان كل منهما يسعى بالآخر قدر ما يستطيع، ولدينا من الدلائل ما يشهد بأن الحمودي كان ندّاً لصاحبه، وكان لكل منهما أنصار وأعوان، وتقلبت الأحوال بهما معاً ما بين سعود ونحوس، وكان من أكبر مؤيدي أبي القاسم بن حمود جوردان بن جوردان ابن أخي رجار الأول الذي ذكرناه، وكان قد أسنَّ إذ ذاك، ولكنه ظلّ محتفظاً بمكانته وحظوته، وكان كارهاً لأصطفان، الماكر المتآمر، وكان تأثير هذا الأخير على والدة غليالم الأول عظيماً.
ولا بدّ أن الحمودي الصقلي الذي وفد عليه الشاعر الإسكندري ابن قلاقس أبو الفتوح نصر بن عبدالله بن مخلوف بن علي بن عبد القوي اللخمي الملقب بضياء الدين القاضي الأعز هو أبو القاسم هذا، وكان ابن قلاقس رجلاً قلقاً جوالاً لا يكاد يستقر في مكان، ولا ندري ما الذي أقدمه على صقلية، وقد ذكر ابن ميسر في تاريخه «أن رجار كان يحب مدح الشعراء ويجيزهم، فذهب إليه جماعة من الشعراء ومدحوه، منهم ابن قلاقس، وأمر أن يصنف له تاريخ، فصنف له تاريخ كبير». وعبارة ابن ميسر كما لاحظ الدكتور إحسان عباس حافلة بالخطأ، فإن ابن قلاقس لم يزر صقلية في أيام رجار، بل في أيام ابنه غليالم الأول، فقد بدأ هذا الأخير حكمه سنة 1152م (547 أو 548هـ)، ونزل ابن قلاقس صقلية سنة 562م (1167ـ 1168م)، ولم يطلب الملك النصراني إلى ابن قلاقس أن يؤلف له كتاب تاريخ أو غيره، والمسألة كلها تبدو وكأنها صدى مضطرب لما طلبه رجار من الشريف الإدريسي.
والمعقول أن يكون ابن قلاقس قد وفد على أبي القاسم بن حمود، فقد أكرمه هذا وأضفى عليه من برّه ما ألهج لسانه بمديحه، بل جعله يؤلف كتاباً يطرزه باسمه عنوانه «الزهر الباسم، في أوصاف أبي القاسم»، وقد اتصل ابن قلاقس بثلاثة آخرين من زعماء المسلمين في الجزيرة هم القائد غارات بن جوشن، وقد وصفه في إحدى رسائله بأنه «خاصة المملكة الغليلمية بصقلية»، والقائد السديد الحصري، والقائد ابن فاتح، ويبدو أن هؤلاء كانوا من حزب أبي القاسم بن حمود وأنصاره.
وعن طريق أبي القاسم بن حمود تعرف ابن قلاقس على جوردان وزير المملكة الصقلية ومدحه بشعرٍ غريبٍ فيه تكلفٍ كقوله:
| وجردنا المدائح فاستقرت | على أوصاف جردنا الوزير | |
| فنظمنا المفاخر كاللآلي | وحلينا المعالي كالنحور |
ومديح ابن قلاقس لأبي القاسم بن حمود يدل على أن الرجل كان إذ ذاك في حال عظيمة من القوة والغنى والسلطان، وهو يشيد ببلاغته وفصاحته في عبارات طنّانة تذكرنا بعبارات الفتح بن خاقان في «القلائد» و«المطمح»، وله فيه أشعار تدل على أنه كان يتولى المهم من شؤون الدولة:
| وبيمناك طير يمن وسعد | أصفر الظهر أسود المنقار | |
| قلم دبر الأقاليم فالكتب
يا طراز الديوان والملك |
به من كتائب الأقدار
اصبحت طراز الديوان والأشعار |
ومعنى ذلك أن أبا القاسم كان رئيس ديوان كبير تصدر عنه الأوامر والكتب إلى الأقاليم، ومعلوماتنا عن تنظيم الدولة النرمانية قليلة، وخاصة فيما يتصل بالناحية الإسلامية، أي ما يخص المسلمين منها، ولكن وثائق الدولة كانت تكتب باللغات الثلاث: العربية واللاتينية واليونانية، ولهذا فلا يستبعد أن يكون هو المشرف على القسم العربي أو الأقسام العربية من دواوين الدولة، وابن قلاقس يصفه بالبلاغة فيقول:
| وتلتقي كتبه الكتائب في | جيش من الخط صائد الصيد | |
| بكل لفظ كأنه نفس
صحت معانيه فانتسبن إلى |
غير ممل بطول ترديد
فضل ابتكار وحسن توليد |
والغريب مع هذا أنه لا يصفه بما يوحي بمعنى القيادة العسكرية، مع أن لقبه الرسمي كان «القائد»، ولا يستبعد أن يكون هذا الثالث من رؤساء أدارسة صقلية رب قلم لا رب سيف، وأنه انصرف بكليته إلى الكتابة والإنشاء ووظائف الإدارة، ويؤيد هذا أنه كان يقيم في بلاط الملك في بلرم عندما نزل به ابن قلاقس ولكنه لم يتخلّ مع ذلك عن إقطاعه وإقطاع أسرته في وسط الجزيرة.
وقد قضى ابن قلاقس نحو سنتين في صقلية تنقّل خلالهما في نواحيها وقال الشعر في أكثر من موضع، وشعره الصقلي فيه رصانة وفحولة وخفة، وفد عليها أوائل 563هـ (1168م)، وفي سنة 565هـ (1170م) نجده في اليمن.
كلام ابن جبير عن أبي القاسم بن محمد بن أبي
القاسم بن حمود
والإشارة الأخيرة عن أبي القاسم بن محمد بن أبي القاسم بن محمود أتانا بها الرحالة الطلعة المبدع محمد بن جبير الكناني الأندلسي، وقد أراد حسن الطالع أن يمر بصقلية أثناء عودته من رحلته الأولى التي ألف بعدها «رحلته» فقد نزل صقلية في رمضان سنة 580هـ (يناير 1185م)، ولم يغادرها إلا في ذي الحجة من نفس السنة، وألم بالكثير من بلادها، ووصف لنا أحوال المسلمين وما عاينه في الجزيرة بأسلوبه الجميل الصادق، وأتيحت له فرصة لقاء أبي القاسم بن حمود أثناء مقامه في مدينة أطرابنش Trapani في ذي القعدة من نفس السنة، وكلامه أوسع ما لدينا عن أي رجل من أولئك الحموديين، ولهذا فهو جدير منا بوقفة طويلة، ولن نستطيع أن نأتي بكلامه كله، ولهذا فسنكتفي بما يهم موضوعنا منه:
قال محمد بن جبير: «ووصل هذه الأيام إلى هذه البلدة ـ أطرابنش ـ زعيم أهل هذه الجزيرة من المسلمين وسيدهم القائد أبو القاسم بن حمود المعروف بابن الحجر، وهذا الرجل من أهل بيت بهذه الجزيرة توارثوا السيادة كابراً عن كابر، وقرر لدينا مع ذلك أنه من أهل العلم الصالح مريد للخير محبّ في أهله كثير الصنائع الأخروية من افتكاك الأسرى وبثّ الصدقات في الغرباء والمنقطعين من الحجاج، إلى مآثر جمة، ومناقب كريمة، فارتجّت هذه المدينة لوصوله». وهذا تعريف طيب بالرجل وبيته ومناقبه ومركزه في صقلية.
ثم يضيف ابن جبير إشارة غاية في الأهمية عن بعض ما وقع له من أحداث: «وكان في هذه المدة تحت هجران من هذه الطاغية، ألزمه داره بمطالبة توجهت عليه من أعدائه، افتروا عليه فيها أحاديث مزورة، نسبوه فيها إلى مخاطبة الموحدين أعزهم الله، فكادت تقضي عليه لولا حارس المدة، وتوالت عليه مصادرات اغرمته نيفاً على الثلاثين ألف دينار مؤمنية، ولم يزل يتخلى عن جميع دياره وأملاكه الموروثة عن سلفه، حتى بقي دون مال. فاتفق في هذه الأيام رضا الطاغية عنه، فأمره بالنفوذ لمهام من أشغاله السلطانية، فنفذ لها نفوذ المملوك المغلوب على نفسه وماله، وصدرت عند وصوله إلى هذه البلدة رغبة في الاجتماع بنا، فاجتمعنا به، فأظهر لنا في باطن حاله، وبواطن أحوال هذه الجزيرة مع أعدائهم ما يبكي العيون دماً، ويذيب القلوب ألماً، فمن ذلك أنه قال: كنت أودّ لو أباع أنا وأهل بيتي، فلعل البيع كان يخلصنا مما نحن فيه، ويؤدي بنا إلى الحصول في بلاد المسلمين. فتأمل حالاً يؤدي بهذا الرجل ـ مع جلالة قدره وعظم منصبه ـ إلى أن يتمنى هذا التمني، مع كونه مثقلاً عيالاً وبنين وبنات، فسألنا الله عز وجلّ حسن التخلص مما هو فيه، ولسائر المسلمين من أهل هذه الجزيرة، وواجب على كل مسلم الدعاء لهم في كل موقف يقفه بين يدي الله عز وجل، وفارقناه باكياً مبكياً، واستمال نفوسنا بشرف منزعه، وخصوصية شمائله، ورزانة حصاته، وشمول مبرته وتكرمته، وحسن خلقه وخليقته، وكنا قد أبصرنا له ولأهل بيته بالمدينة دياراً كأنها القصور المشيدة الأنيقة، وشأنهم بالجملة كبير، ولا سيما هذا الرجل منهم، وكانت له أيام مقامه هنا أفعال جميلة مع فقراء الحجاج وصعاليكهم أصلحت أحوالهم، ويسرت لهم الكراء الزاد، والله ينفعه بها، ويجازيه الجزاء الأوفى عليها، بمنه».
وهذه العبارة عظيمة الفائدة حافلة بالتفاصيل، ولكنها مع ذلك قلقة فيها تناقض كثير، ولولا أن صاحبها رجلٌ صدوق يروي ما رأى وما سمع بأمانة لا يرقى إليها شك لترددنا في قبول بعض ما فيها، فنحن لا نفهم كيف أن غليالم الأول استصفى أموال أبي القاسم بن حمود حتى بقي دون مال ثم يرى له ابن جبير بعد ذلك «دياراً كأنها القصور المشيدة» في بلد لم يكن مركز إقطاعه، فما بالك بما كان له ولأهله في قصريانه وأجرجنت؟ ثم إن هذا التذلل وتمني أن يباع هو وأهل بيته ليخلص مما كان فيه لا معنى له أصلاً، فلم يكن هناك أي تضييق على المسلمين في مغادرة صقلية إذا شاؤوا، وقد هاجر بالفعل كثيرون جداً، وكيف لم يتكلم هذا الرجل مع ابن جبير في شأن استخلاص الجزيرة على أيدي الموحدين، وكان ابن جبير من رجالهم المخلصين لهم المقربين إلى أمرائهم؟
الذي أستطيع أن أفهمه من هذه العبارة هو أنها نفثة مصدور قالها أبو القاسم لأخ مسلمٍ للتعبير عن الخوف والضيق ليس إلا، وليس معناها أنه كان في حالة الذل التي يصورها ابن جبير، ولم يكن يفكر جادّاً في مغادرة الجزيرة، ففيها على الأقل أمواله وضياعه، وله فيها مكانة عالية، ولبيته تاريخ طويل، ومن العسير على رجلٍ هذا مركزه أن يتخلى عما كان فيه ويترك معاهد أهله وأجداده ويهاجر إلى بلاد لا يعرفه فيها أحد، وربما لم تكن حاله فيها أحسن بكثير مما كان فيه.
وعلى أي حال فهذه آخر إشارة لدينا عن بني حمود الأدارسة الصقليين، فقد اجتاحت الجزيرة بعد أيام غليالم الأول فتن وحروب على أيام ابنه غليالم الثاني، وانتهى الأمر بضياع أمر النرمان جملة، ودخول الجزيرة في طاعة أباطرة التيوتون مرة أخرى، وتتويج فريدريك بارباروسا نفسه ملكاً عليها في بلرم، وفي أثناء هذه الفتن عمّ البلاء أهل الجزيرة جميعاً مسلمين وغير مسلمين، واختفت البيوت الكبرى التي قامت عليها دولة النرمان سواء أكانت بيزنطية أو نرمانية أم إسلامية.
وفي غضون هذه الاضطرابات اختفى بنو حمود، فلم نعد نسمع لهم ذكراً، وقد يكونون غادروا الجزيرة عندما استبانت لهم استحالة المقام وضياع الأمن وانقطاع الآمال في الصلاح. قد يكونون غادروا الجزيرة في صمتٍ وحلوا في أي بلد من بلاد الإسلام كما دخلوا صقلية واستقروا فيها في سكون، ولسان حالهم يردد هذه الأبيات الجميلة التي تنسب إلى أعظم من نزل منهم صقلية، وهو الشريف الإدريسي:
| ليت شعري أين قبري | ضاع في الغربة عمري | |
| لم أدع للعين ما تشتاق
وخبرت الناس والأرض لم أجد جاراً ولا داراً فكأني لم أسر |
في بر وبحر
لدى خير وشر كما في طي صدري إلا بميت أو بقفر |
بين الأدارسة والخوارج الصفرية
بعد مقتل الزعيم الخارجي أبي بلال مرداس بن حديد الحنظلي اجتمع الخوارج للنظر في أمرهم فاقترح عليهم نافع بن الأزرق أن ينضموا إلى عبدالله بن الزبير الذي كان في ذلك الوقت يقود ثورة على الأمويين في مكة، فمضوا إليه وقاتلوا معه أهل الشام حتى مات يزيد بن معاوية ورجع أهل الشام. ويبدو أن توقف القتال قد أثار فيهم التفكير في صحة تحالفهم مع عبدالله بن الزبير، وإلى أي مدى تتفق آراؤه مع آرائهم. وفي مقدمة تلك الآراء كرههم عثمان بن عفان ونقمتهم عليه، وتذكروا أن ابن الزبير قد حارب يوم الجمل طلباً بثأر عثمان فأتوه وسألوه رأيه في عثمان فخالفهم في رأيهم فنقموا عليه وفارقوه. ثم انقسموا فريقين: فريق فيهم نافع بن الأزرق الحنظلي وعبدالله بن الصفار السعدي وعبدالله بن أباض، وسيصبح هؤلاء الثلاثة رؤوساء لثلاث فرق من الخوارج تختلف اعتدالاً وتطرفاً، هي: الأزارقة والصفارية والإباضية. وهذا الفريق ذهب إلى البصرة، وفريق آخر ذهب إلى اليمامة، وسيصبح رجال هذا الفريق أتباعاً لنجدة بن عامر الحنفي.
وقد أثار نافع حركة عسكرية في البصرة انتهت بانسحابه إلى الأهواز وذلك في شوال سنة 64هـ وانفصل عنه عبدالله بن الصفار وعبدالله بن أباض ورجال معهما. وهنا تبدأ حركة الانشقاق وإعلان ولادة مبادىء الأزارقة التي حددها نافع بما يأتي: وهي أن المسلمين من غير الأزارقة «لا تحل مناكحتهم، ولا أكل ذبائحهم ولا يجوز قبول شهادتهم وأخذ علم الدين عنهم ولا يحل ميراثهم وأن جميع المسلمين كفار مثل كفار العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل».، ورأى كذلك جواز قتل الأطفال والاستعراض. (والاستعراض اصطلاح خارجي يتناول قتل كل من يخالف معتقدهم رجالاً أو نساءً أو أطفالاً).
أعلن نافع هذه المبادىء على من معه وكتب بها إلى ابن أباض وابن الصفار، فوافقه فريق ممن معه وخالفه نجدة بن عامر وانطلق نجدة بمن معه إلى اليمامة، وصار زعيم فرقة من الخوارج عرفت باسم النجدات.
ولما وصلت الرسالة إلى ابن أباض وابن الصفار علق عليها ابن أباض بقوله: إن القوم براء من الشرك ولكنهم كفار بالنعم والأحكام ولا يحل لنا إلا دماؤهم.
أما ابن الصفار فقد علق على رسالة ابن الأزرق وكلام ابن أباض بقوله مخاطباً ابن أباض: برىء الله منك فقد قصرت، وبرىء الله من ابن الأزرق فقد غلا.
فكان ذلك إيذاناً بتشكل فرق الخوارج الأربع الأزارقة، والصفارية، والإباضية والنجدات التي سيكون لكل واحدة منها شأنٌ في التاريخ، كما كان تحديداً لمبادىء كل منها: الأزارقة في منتهى التطرف الأباضية على شيء من الاعتدال، وبينهما الصفارية والنجدات، ولم يكتب البقاء ذلك إلا للأباضية.
لقد كللت ثورات الخوارج الصفرية بالنجاح في المغرب الأقصى على يد ميسرة وخليفته خالد بن حميد الزناتي، كما نجح الخوارج الإباضية في بسط نفوذهم على المغرب الأدنى بعد قيام «إمامة الظهور» على يد أبي الخطاب المعارفي سنة 139هـ (756م). غير أن نشاط الخوارج لازمه الفشل حين رنوا بأبصارهم صوب إفريقية لسببين رئيسيين، أولهما: التنافس بين الصفرية والاباضية على امتلاك القيروان واندلاع الحرب بينهما سنة 140هـ (757م)، الأمر الذي أضعفهما معاً، فوقعوا لقمة سائغة لجيوش ابن الأشعث سنة 141هـ (758م). وتسبب هذا التنافس أيضاً في فشلهم في حصار عمر بن حفص بطنبة سنة 153هـ (770م)، وأسفر اختلافهم عن تنكيل يزيد بن حاتم بهم جماعة في إثر أخرى سنة 155هـ (772م).
وثانيهما: صحوة الخلافة العباسية وحرصها على دعم نفوذها في إفريقية بإنفاذ الحملات المتتابعة التي عهد بقيادتها إلى قواد أكفاء من أمثال ابن الأشعث والأغلب بن سالم وعمر بن حفص ويزيد بن حاتم.
ولذلك استحال استمرار نشاط الخوارج في إفريقية وخاصة بعد قيام حكم آل المهلب الأقوياء في القيروان وعدم توانيهم عن ملاحقة حركاتهم ومناهضتها. عندئذِ اتخذت حركات الخوارج طابعاً عملياً([297])، فعزفوا عن مناطق النفوذ العربي نهائياً واتجهوا إلى المناطق الصحراوية النائية بالمغربين الأقصى والأوسط حيث عول الصفرية على إقامة دولة في جنوبي المغرب الأقصى معقل الخوارج الصفرية كانت سجلماسة عاصمة لها. بينما آثر الأباضية إقامة دولتهم بالمغرب الأوسط حيث تضرب كثير من القبائل التي تدين بالمذهب الإباضي مثل زناتة ولماية وهوارة ولواتة وسدراتة وغيرها([298]) واتخذوا من مدينة تاهرت عاصمة لها.
والواقع أن ظهور دولتي الخوارج يمثل نقلة هامة في تاريخ الخوارج وتاريخ المغرب على السواء. فقد توجت دعوتهم في بلاد المغرب بتحقيق أهدافها في إقامة دولة خارجية([299]) بعد أن فشلوا في تحقيق ذلك بالمشرق وأتاح ذلك لهم أن ينعموا بالاستقرار السياسي بعد حروب استمرت ما يقرب من نصف قرن من الزمان، ومن ناحية أخرى فإن قيام دولتي الخوارج كانت بمثابة تعبير عن روح القومية والاستقلال عند المغاربة. فضلاً عن الآثار الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها بلاد المغرب.
قيام دولة بني مدرار الصفرية
كان الخوارج الصفرية سباقين إلى إنشاء دولتهم في سجلماسة سنة 140هـ (757م)، كما كانت لهم الأسبقية من قبل في المبادرة بالثورة سنة 121هـ (739م)، غير أن المؤرخين الغربيين([300]) درجوا على التقليل من شأن هذه الدولة فاعتبروها مجرد دويلة لا يعتد بدورها في تاريخ المغرب. ويخيل إلينا أن الباعث على ذلك يكمن في أمرين أساسيين، أولهما: أن دولة بني مدرار كانت دولة داخلية صحراوية لم تسهم بدور مباشر في التيارات السياسية العالمية ـ كدولة الأغالبة المعاصرة لها على سبيل المثال – واقتصر نشاطها على المشاركة في حركة التجارة عبر الصحراء شمالاً وجنوباً.
وثانيهما: ندرة المعلومات عن هذه الدولة بدرجة جعلت المؤرخين يحجمون عن التأريخ لها، فظل تاريخها يلفه الغموض والإبهام([301]).
وعلى كل حال ـ استطاع الخوارج الصفرية في سنة 140هـ (757م) أن يستنفذوا من اضطراب الأحوال في إفريقية ويقيموا دولتهم في سجلماسة على وادي ملوية([302])، فعمال الخلافة في المغرب شغلوا آنذاك عن الأقاليم الغربية والجنوبية بتدعيم نفوذها في المغرب الأدنى وإفريقية([303])، فوجد الصفرية في ذلك فرصة مواتية لتأسيس دولتهم في مأمن من نقمة الخلافة وعمالها.
وينم اختيارهم إقليم تافيللت بأقصى الصحراء الكبرى عن حكمة وذكاء، ذلك أن هذا الإقليم النائي عن بلاد المغرب يمثل نهاية العمران من ناحية الجنوب والغرب([304]) والطريق إليه غاية من الوعورة إذ يمتد خلال متاهات من القفار والرمال، ولذلك فهو في حماية طبيعية أتاحت لبربر مكناسة أن يتخذوا من قصبته سجلماسة([305]) عاصمة لهم.
ومكناسة هي العصبية التي ارتكزت عليها دولة بني مدرار([306]) وليست زناتة أو نفوسة([307])، ومواطنها على وادي ملوية([308]) ـ حيث تقع سجلماسة في أعلاه ـ هذا الوادي يصب في البحر المتوسط، وكذلك تقطن بعض بطونها في نواحي تازا وتسول بالمغرب الأقصى([309]). وبربر مكناسة من البتر وبطونهم كثيرة منها «صولات وبوحات وبنو ورفلاس وقيصارة وورقطنة وورصطف»([310]) وكلهم من سكان الصحراء([311]).
وأسهمت عناصر أخرى غير مكناسة في قيام الدولة، ولعل من أبرزها بربر صنهاجة وزويلة وزناتة وزنوج السودان وأهل الربض الأندلسيين، ويفهم هذا من قول اليعقوبي([312]) بأن عناصر شتى استقرت في سجلماسة، فقبائل صنهاجة اللثام من مسوفة ولمتونة كانت تضرب في أحواز سجلماسة على طول المفازة بينها وبين غانة السودانية([313]) ويبدو أنهم كانوا من الكثرة بالمدينة حتى أن البكري وصف سكانها بأنهم «كانوا يلتزمون النقاب»([314]). ونعلم أن عنصرالسودان أسهم في قيام دولة مدرار، فكانت جماعات منهم تقيم بإقليم تافيللت بعد اعتناقهم المذهب الصفري على يد أبي القاسم سمكو بن واسول([315]). وحسبنا أو أول من تولى الإمامة في الدولة كان سودانيا يدعى عيسى بن يزيد الأسود. وكان اشتغال بربر زويلة ـ ومواطنهم جنوبي سجلماسة ـ بالوساطة التجارية ومرافقه القوافل عبر المفاوز ما بين سجلماسة وبلاد السودان سبباً في اعتناقهم المذهب الصفري ومشاركتهم صفرية تافيللت في إنشاء دولة بني مدرار([316]).
وعلى الرغم من استبعاد الرواية القائلة بتأسيس ربض الأندلس مدينة سجلماسة وأن أول أئمة الدول كان منهم([317])، فلا شك في أنهم قاموا بدورٍ واضحٍ في تدعيم الدولة بعد نزول أعداد غفيرة منهم بسجلماسة واعتناقهم المذهب الصفري([318])، وخاصة فيما يتعلق بالنواحي المهنية والعمرانية.
وعلى أن الفضل يعزى إلى مكناسة في جمع شمل هذه العناصر جميعاً في نظام سياسي واحد بعد أن كانت تضرب في إقليم تافيللت دونما صلة أو رباط يجمعها([319])، فتمكن زعيمها أبو القاسم سمكو بن واسول من تجميعها حول المذهب الصفري وضمها في كيان واحد. ويعزى دور مكناسة القيادي هذا إلى أسبقيتها في اعتناق المذهب الصفري، فقد وصلها في وقتٍ مبكرٍ إذ تلقاه المكناسيون «عن أئمتهم ورؤسهم من المغرب»([320]) فكان زعيمهم أبو القاسم سمكو على صلة بعكرمة منذ وصوله إلى القيروان، وهو من أشهر دعاة الصفرية في بلاد المغرب على الإطلاق. وبعد نشره المذهب بين قومه من مكناسة، عكف على بثه بين سكان إقليم تافللت، وهذا يخالف قول صاحب الأزهار الرياضية([321]) بأن المذهب الصفري انتقل إلى مكناسة عن طريق أهل تافيللت في وقتٍ متأخرٍ أثناء شروعهم في إقامة دولة بني مدرار. إذ الثابت أن بربر مكناسة وزعيمهم أبي القاسم سمكو اشتركوا في ثورة ميسرة المطغري سنة 121هـ([322])، (739م).
ولم نقف على دور لأبي القاسم في ثورات الصفرية بعد ميسرة، ويبدو أن سيطرة زناتة على الحركة وتولي من هم أقل منه مكانة وسابقة في المذهب زعامتها، جعله يعزف عن المشاركة فيها، أو لعله زهد في أسلوب الثورة وآثر الانقطاع لنشر المذهب في الأصقاع الجنوبية تمهيداً لإنشاء دولة للصفرية هناك، فتوجه إلى تافيللت حيث تضرب جماعات من السودان وبعض بطون صنهاجة وهم غالبية سكانها([323])، وجدير بالذكر أن هذه الجماعات «كانوا أهل بادية وحواضر وحراثات»([324])، فكانوا يعملون بالرعي والزراعة([325]) إلى جانب التجارة([326]) كما عرفوا بالتدين وحب العلم والرغبة في طلبه إلى جانب البأس والنجدة وقوة العريكة. «فهم أهل علم وسلاح»([327])، لذلك وجد فيهم أبو القاسم سمكو ـ الملقب بمدرار([328]) ـ ضالته المنشودة فكانوا أعواناً له على إنشاء الدولة التي نسبت إليه.
نزل أبو القاسم أرض تافيللت سنة 138هـ([329]) (755م) واشتغل بالرعي وأخذ يتصل بغيره من الرعاة الذين كانوا ينتجعون بقطعانهم موضع سجلماسة، ويعلمهم أصول المذهب الصفري([330])، وأصبحت خيمة أبي القاسم بمثابة مجمع يلتقي به أنصاره([331])، ولما اشتد ساعده وكثر أتباعه نصبوا خيامهم إلى جواره([332]) ويذهب بعض المؤرخين([333]) إلى أن أبا القاسم شرع في إعلان قيام دولته سنة 140هـ (757م) لما بلغ عدد أنصاره أربعين رجلاً، «فعندئذٍ بايع بالإمامة عيسى بن يزيد الأسود وحمل قومه من مكناسة على طاعته».
على كل حال ـ كانت مبايعة عيسى بن يزيد الأسود بالإمامة([334]) وهو من موالي العرب([335]) ـ وانصياع صفرية مكناسة لبيعته بعد أن حملهم أبو القاسم على الاعتراف بإمامته([336])، تطبيقاً عملياً لرأي الخوارج في الإمامة. ولما كان عيسى بن يزيد الأسود لا يرقى إلى منزلة أبي القاسم سمكو من حيث السابقة في المذهب أو الأفضلية في العلم، فإن اختياره للإمامة يدل على ثقل وزن عنصر السودان ورجحانه على سائر العناصر الصفرية بإقليم تافيللت([337]). ومما يؤكد ذلك أن غالبية بربر مكناسة لم يكونا قد انتقلوا بعد من مواطنهم الأولى ليستقروا في إقليم تافيللت، فلم يحدث هذا إلا بعد اختطاط سجلماسة، يؤيد ذلك قول ابن خلدون([338]) «… وبعد أن اختطوا سجلماسة سنة 140هـ دخل سائر مكناسة من أهل تلك الناحية في دينهم».
أجمع الصفرية إذن على مبايعة عيسى بن يزيد بالإمامة([339]) سنة 140هـ (757م)، وفي نفس السنة شرعوا في اختطاط سجلماسة([340]) لتكون حاضرة للدولة([341]). وقد أصبحت سجلماسة مركزاً للإمارة([342]) ومقراً للمذهب الصفري.
وقد حرص الصفرية على إنشاء هذه العاصمة في مكان حصين، فأقاموها في «موسطة الصحراء»([343]) جنوبي تلمسان بعشرة مراحل، وفي موضع التقاء فرعي نهر ملوية([344]). وأسس الصفرية حصناً في وسط المدينة أسموه العسكر، كما أسسوا المسجد الجامع ودار الإمارة([345]). ثم أقبل الناس على بناء دورهم حول الحصن([346])، فاتسع العمران حتى جاوزت المدينة فرعي نهر ملوية([347]). وقد أسهم في بنائها معماريو الأندلس فضلاً عن اليهود الذين استقروا بها لاستغلال التبر([348]). كما أسس سورها سنة 208هـ (823م) في عهد اليسع بن أبي القاسم، وبه من الأبواب اثني عشر باباً([349]). «منها الباب القبلي والباب الغربي وباب غدير الجزارين وباب زناتة»([350]). ويصف ابن حوقل([351]) ـ الذي زارها في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري ـ ابنيتها بأنها «شاهقة كأبنية الكوفة». لأنها بنيت بالصخر فبقيت قائمة عدة قرون حتى وصفها ابن مقديش([352]) بأنها «مسنة». ولما كانت سجلماسة محصورة بين فرعي نهر ملوية، فقد توفرت لها المياه. لهذا عمل عيسى بن يزيد على تنظيم الإفادة منها، فشق القنوات «وصرف إلى كل ناحية قدرها من مائة» واستكثر من غرس النخيل([353]). وهذا يعني أن تأسيس سجلماسة ارتبط به تحول في حياة السكان من الرعي والبداوة إلى الزراعة والاستقرار([354])، ولا غرو فقد غدت سجلماسة مدينة النخيل والأعناب والفاكهة([355]). وقد أفاض الجغرافيون([356]) والرحالة في وصف غروسها التي غطت مساحة قدرها أربعين ميلاً.
وإلى جانب الفاكهة تنوعت المحاصيل «حسب زروع مصر في الفلاحة»([357]) مما حدا بالإدريسي([358]) إلى أن يصف المدينة بأنها «كثيرة الخضر والنبات». وبفضل هذه المنتجات المتعددة قدر لها أن تلعب دوراً هاماً في بلاد المغرب([359]) والسودان حتى أضحى سكانها «سراة مياسير يباينون سائر أهل المغرب بالمخبر والمنظر»([360])، مما ساعد على تدعيم دولة بني مدرار، فقد غدت قبلة للخوارج الصفرية في بلاد المغرب بأسره. وقصدها جموع الصفرية من كل صوبٍ لائذين هرباً من انتقام ولاة بني العباس من آل المهلب. وكان لذلك أثره في تقوية الكيان السياسي لدولة كانت تعاني من نقص في السكان([361]).
كما أدت هذه الهجرات بدورها إلى نتائج سياسية غاية في الأهمية في التطور السياسي لدولة بني مدرار، إذ هجرت بقية بطون مكناسة مواطنها الأصلية، واستقرت بالمدينة الجديدة، وغدت أكثر العصبيات وأقواها، وأهَّلَها ذلك للزعامة السياسية والتطلع لمنصب الإمامة.
ثم انتقلت الإمامة بالفعل إلى أبي القاسم سمكو، حين سخط صفرية مكناسة على الإمام عيسى بن يزيد ونحوه، وولّوا زعيمهم أبا القاسم سمكو مكانه. وما يسوقه المؤرخون من أسباب في هذا الصدد تتّسم بالإبهام وتفتقر إلى التحديد، إذ ذكر بعضهم([362]) «أنهم نقموا عليه كثيراً في أحواله»([363]).
وثمة رأيٌ ثالثٌ ساقه البكري([364]). حيث قال أن «أبا الخطاب قال يوماً لأصحابه في مجلس عيسى: السودان كلهم سراق حتى هذا، وأشار على عيسى. فأخذوه وشدوه وثاقاً إلى شجرة في رأس جبل وتركوه كذلك حتى قتله البعوض». كما يذهب ابن الخطيب([365]) إلى أن الصفرية ـ بعد قتل عيسى ابن يزيد ـ «ولّوا على أنفسهم أبا الخطاب الصفري». ويرجح الدكتور سعد زغلول عبد الحميد([366]) أن يكون أبو حاتم الأباضي أو عبد الرحمن بن رستم هو الذي أمر صفرية سجلماسة بعزل إمامهم وقتله.
والحق ـ أن البكري ومن أخذ عنه قد جانبهم التوفيق. وليس أدلّ على ذلك من أن مقتل عيسى بن يزيد حدث سنة 155هـ (772م)([367]) أي بعد أن ظلّ إماماً لمدة خمسة عشر عاماً([368]). بينما قتل أبو الخطاب المعافري سنة 144هـ (761م) في معركة تاورغا. كما أن المصادر الأباضية ـ على وفرتها ـ لم تشر إلى مثل هذا الأمر. فلم يكن من المألوف تدخل الأباضية والصفرية بالمغرب في شؤؤن بعضها البعض([369])، الأمر الذي يشكك في هذه الرواية من أساسها. ومع ذلك يستفاد منها أن عيسى بن يزيد انحرف عن خط المذهب، وأسرف في تطبيقه واشتط في أحكامه. كما أن نقمة الصفرية عليه وتعذيبه وقتله بطريقة قاسية تنمّ عن تطرّف الخوارج الصفرية وميلهم إلى العنف([370]) لكن الذي نؤكده أن الدافع الأساسي للثورة عليه هو ازدياد قوة مكناسة بعد قدوم بطونها من مواطنها الأصلية إلى سجلماسة، وتطلعها إلى الحكم والسلطة.
على كل حال ـ آلت الإمامة إلى أبي القاسم سمكو، وظلت من بعده حكراً على صفرية مكناسة التي اختصت باختيار الأئمة من آل بيت أبي القاسم وأخذ البيعة لهم من جمهور الصفرية في سجلماسة وتوابعها([371]).
وعكف أبو القاسم طيلة إمامته (155 ـ 168هـ)([372]) (772 ـ 784م) على إرساء قواعد دولته، عازفاً عن المشاركة في ثورات الصفرية في العصر العباسي الأول، ولعل هذا يفسر قول ابن خلدون([373]) ومن أخذ عنه([374]) أن أبا القاسم «خطب في عمله للمنصور والمهدي من بني العباس». والواقع أن أبا القاسم لم يسهم في حركات الصفرية الأخيرة لا لكونه تابعاً للخلافة العباسية ـ كما يذهب ابن خلدون ـ ولكن لإحساسه بعدم جدوى هذه الحركات التي اتخذت شكل ثورات غير منظمة ولانشغاله من ناحية اخرى بمشاكل دولته الجديد. وليس ببعيد أن يكون قد اضطر امام هذه المشاكل إلى مسالمة الولاة العباسيين في المغرب و من المحتمل أن يكون قد وعدهم بتبعية اسمية ليضمن سلامة دولته التي لم تكن قد استقرت بعد، وان كان من الراجح أن دولة بني مدرار تمتعت باستقلال سياسي تام عن سلطة الخلافة وعمالها.
وهكذا- استطاع أبو القاسم سمكو بن واسول المكناسي «مقدم الصفرية»([375]) بالمغرب الاقصى تحقيق أهداف الخوارج الصفرية بإقامة دولة لهم في بلاد المغرب توارثها بنوه من بعده.
بنو مدرار والأدارسة
تحفل المراجع بكثير من القرائن والشواهد([376]) التي تؤكد طابع العداء الصارخ بين بني مدرار والأدارسة، فقد قامت دولة الأدارسة بالمغرب الأقصى سنة 172هـ (789م) على حساب نفوذ الخوارج الصفرية، إذ نعلم أنهم اقتطعوا هذه الجهات عن نفوذ الخلافة وولائها بالقيروان منذ ثورة ميسرة سنة 121هـ (739م). فلما نجح إدريس الأول في إقامة دولته ـ ذوى شأن الصفرية فيها وتعرضوا للبطش والاضطهاد من جانب آل إدريس. وزاد هذا العداء([377]) حدة بسبب الخلاف المذهبي. فالأدارسة من الشيعة، وبنو مدرار من الخوارج الصفرية، ولا يخفي العداء التقليدي بين الشيعة والخوارج.
لا ننكر وجود حاجز جبلي يفصل بين الدولتين، وإن الطبيعة الجبلية في المغرب الأقصى شكلت نوعاً من الحماية لكلتا الدولتين([378]) إلى حدٍّ كبيرٍ، لكن ذلك لم يكن عائقاً دون إمكانية غزو إحداهما للأخرى. فثمة طريق ممهد يبدأ من «فاس إلى صفر فقلعة مهدي فتادلة فوادي شعب الصفا» ثم يمر عبر الجبل الكبير على الجنوب حيث توجد سجلماسة([379]). وكانت القوافل ترتاد هذا الطريق فتخرج «من باب الغوارة بفاس إلى مدينة سجلماسة»([380]) حيث تتوافر الزروع والمياه في إقليم أغمات الموجود على يساره([381]) بل لا يخالجنا شك فيما ذهب إليه جورج مارسيه([382]) بأن «إدريس الأول وخلفائه كانوا عازمين على استئصال شأفة صفرية تافيلات». ويخيل إلينا أنهم عزفوا عن تحقيق ذلك بسبب صراعهم الحاد مع الأغالبة الذين نجحوا في إثارة القلاقل وحيك المؤامرات في أوجه أئمة فاس، فاغتالوا إدريس الأول([383]) والثاني([384])، ومولاهما([385]) راشد وألّبوا وزراءهم وكبار دولتهم عليهم، واستمالوا بعضهم إلى جانبهم([386]). كذلك كان ضعف الدولة بعد موت إدريس الثاني من أسباب تقاعس الأدارسة عن غزو سجلماسة، واكتفائهم بتصفية نفوذ الصفرية داخل دولتهم، فضلاً عن استقطاع بعض أطراف الدولة المدرارية.
أنا عن بني مدرار، فلم يكن بوسعهم ـ أمام مشاكلهم الداخلية ـ الشروع في تدبير غزو بلاد الأدارسة خاصة في عهدي إدريس الأول والثاني وحين أتيح لهم القيام بهذا الدور في عهد اليسع بن مدرار، دهمهم الخطر الفاطمي الذي قضى على بني مدرار والأدارسة معاً. لكن بني مدرار لم يعدموا وسائل الكيد والدس لجيرانهم، وإثارة القلاقل في دولتهم عن طريق صنائعهم من الصفرية في الدولة الإدريسية.
وقد اتخذ هذا العداء السياسي بين فاس وسجلماسة مظاهر من الفعل وردّ الفعل، كان الأدارسة يمسكون فيها بزمام المبادرة، بينما لاذ بنو مدرار إزائها بالصمت حيناً وتصدّوا لمواجهتها حيناً آخر.
وتجلّت مظاهر العداء فيما قام به إدريس الأول من حملات لاستئصال شأفة صفرية تلمسان من بني يفرن الزناتيين([387]) بعد أن بايعته القبائل الصفرية الأخرى قسراً ومن بينها بعض بطون مكناسة([388]).
ففي منتصف رجب من عام 173هـ (790م) توجه إدريس على رأس حملة إلى تلمسان وأخضع أهلها دون عناء([389])، وظل مقيماً بها حتى عام 174هـ 791م) ليوطّد نفوذه فيها. ثم أسند حكمها إلى أخيه سليمان([390])، وعاد إلى وليلي. وهكذا قدّر له الاستيلاء على كل معاقل الصفرية في بلاد المغرب الأقصى فيما عدا سجلماسة. غير أن اغتياله المفاجىء شجع صفرية تلمسان على الانتفاض، وظلوا خارجين على الأدارسة حتى عام 197هـ (813م) حين عوّل إدريس الثاني على إعادتهم إلى طاعته، فأعدّ الحملة التي جهزها «لمحو آثار دعوة الخوارج الصفرية»([391]) في تلك السنة واستمر يحاربهم طيلة ثلاث سنوات([392]) إلى أن أذعنوا لطاعته([393]).
ولم يستطع صفرية سجلماسة مدّ يد العون لإخوانهم بتلمسان واستنقاذهم من ضربات الأدارسة، ويعزي ذلك إلى استحالة الاتصال بين سجلماسة وتلمسان إلا عبر أراضي الدولة الإدريسية، فكان الطريق إليها يمر بدرعة وأغمات وتادلا وفاس ومنها إلى تلمسان([394]).
وعوّل خلفاء إدريس الثاني على اقتطاع الأجزاء المجاورة لدولتهم والتابعة لبني مدرار، فتمكن عبدالله بن إدريس ـ الذي تولى أغمات والسوس الأقصى وبلاد نفيس ـ من مدّ نفوذه على صنهاجة اللثام الضاربة حول سجلماسة واستولى على بعض الحصون التابعة لبني مدرار([395]). كما اقتطع يحيى بن إدريس بلدة تامدلت ـ قرب درعة ـ وهدّد بحرمان بني مدرار من مناجم درعة الغنية بالذهب والفضة([396]).
وتمثل رد الفعل من جانب بني مدرار في تحريض الصفرية في فاس على الثورة ضد الأمير علي بن عمر بن إدريس. وبالفعل نجح أحد صنائعهم ويدعى عبد الرزاق الصفري في لمّ شمل صفرية مديونة وغياثة ومكناسة وغيرهم، واستولى على مدينة صفروي ـ جنوبي فاس ـ وبايعه كافة الصفرية في نواحيها، ثم اتجه بجموعه إلى فاس وهزم علي بن عمر ابن إدريس الذي فرّ لائذاً بقبيلة أوروبة، وتمكن عبد الرزاق من دخول العاصمة، وخطب له على منابر عدوة الأندلسيين. لكن حركته لم تستمر طويلاً، فقد استدعى أهل عدوة القرويين يحيى بن القاسم بن إدريس المعروف بالعدام وبايعوه بالإمامة. وتمكن العدام من طرد عبد الرزاق الصفري من عدوة الأندلسيين، وظل يقاتل الصفرية في عدة وقائع حتى فلّ شوكتهم وقتل زعيمهم سنة 293هـ (907م)([397]) ونحن نرجح ما ذهب إليه جورج مارسيه([398]) من أن حركة عبد الرزاق الصفري هذه كانت من تدبير بني مدرار في سجلماسة، ومما يرجح ذلك قيامها في المناطق المجاورة للإمارة المدرارية وامتدادها إلى الشمال حتى وصلت إلى قصبة دولة الأدارسة.
ولعل ما أحدثته تلك الحركة من تصدّع في دولة الأدارسة، وما وصلت إليه دولة بني مدرار من قوة واستقرار على عهد اليسع بن مدرار هو ما جعل الأمير المدراري يعدّ العدة لبسط نفوذه على إخوانه في المذهب المقيمين داخل الدولة الإدريسية. فعوّل على تجهيز جيش يغزو به دولة الأدارسة لتحقيق هذه الغاية. لكن جهوده في هذا الصدد لم تتم بسبب تعرض بلاده للخطر الشيعي([399])… وهكذا غلب طابع العداء على السياسة بين سجلماسة وفاس.
الدكتور محمد إسماعيل عبد الرزاق
قيام دولة بني رستم الأباضية
يرتبط قيام دولة بني رستم بمؤسسها عبد الرحمن بن رستم الفارسي الأباضي، فإليه يعزي الفضل في تأسيس دولة للخوارج الأباضية كان حكمها في أسرته من بعده.
وغني عن الذكر أن المصادر جميعاً تتفق مع انتماء عبد الرحمن بن رستم إلى الفرس. وتضطرب تواريخ الأباضية حين تتحدث عن نشأة عبد الرحمن. ورواية ابن عذارى([400]) عن نشأة رستم وابنه عبد الرحمن بالحجاز أكثر قبولاً، فهو يذكر أن بهراما والد رستم كان من موالي عثمان بن عفان، ولما مات رستم والد عبد الرحمن تزوجت أمه من أحد الحجاج المغاربة الذي اصطحبه معهما إلى بلاد المغرب. والراجح أن وصول عبد الرحمن إلى المغرب حدث في أواخر القرن الأول الهجري([401])، فنعلم أنه كان شاباً يافعاً عندما قدم سلمة بن سعيد يدعو للمذهب الأباضي في بلاد المغرب، ويخبرنا الشماخي([402]) عن لقاء عبد الرحمن بسلمة وشغفه بتعاليمه «وتعلق قوله بقلبه».
ثم توجه عبد الرحمن بن رستم إلى البصرة وانضم الى إخوانه المغاربة في حلقة ابي عبيدة مسلم بن ابي كريمة سنة 135هـ (752م)، حيث قضى خمس سنوات في حضرته يتلقى اصول المذهب وفروعه ويعد مع إخوانه «حملة العلم المغاربة» مع مشايخ المذهب في البصرة لإقامة «إمامة الظهور» عقب عودتهم إلى بلاد المغرب.
ولما عادت بعثة المغاربة إلى المغرب سنة 140هـ (757م) وتولى أبو الخطاب المعافري الإمامة، اختار عبد الرحمن بن رستم قاضياً على طرابلس([403]). وعندما أقصى أبو الخطاب الصفرية عن القيروان ودخلها سنة 141هـ (758م) تولى عبد الرحمن بن رستم حكمها نيابةً عنه([404]) في حين توجه أبو الخطاب لملاقاة جيوش ابن الأشعث، فكان عبد الرحمن لذلك «خليفته على إفريقية»([405]).
وقد خرج عبد الرحمن بجيش القيروان لنجدة إمامه حين دهمته جيوش ابن الأشعث، لكنه توقف عند قابس عندما وصلته أنباء قتله وهزيمة جيوشه، واضطر للعودة إلى القيروان لثورة أهل قابس عليه، لكنه أسرع بمبارحتها عندما علم بثورة أهلها على نائبه فيها([406]).
والمعقول أن يكون عبد الرحمن قد نزل القيروان في محاولة لجمع شمل الأباضية فيها، ثم أسرع بمغادرتها لثورة أهلها على الأباضية من ناحية ولوصول ابن الأشعث وجيوشه إليها من ناحية أخرى([407]).
وبديهي أن يتجه عبد الرحمن إلى المغرب الأوسط لائذاً بالقبائل الأباضية هناك. وكانت رحلته هذه شاقة وعسيرة، إذ آثر المسير في الطريق الجنوبي المارّ بقسطيلية ـ وهو طريقٌ وعرٌ وطويلٌ ـ إلى أن وصل إلى جبل سوفجج([408]) فاتخذ منه ملاذاً لمناعته([409])، ثم أخذت جموع الأباضية تفد إليه، فقصده شيوخ المذهب ورؤساؤه من طرابلس وما جاورها([410])، كما توجه إليه علماء الأباضية وأعلامهم من سائر أقاليم المغرب([411])، وعوّ ل عبد الرحمن على جمع شمل اتباع المذهب بهدف استرداد نفوذه، ولعلّ هذا ما حدا بمحمد ابن الأشعث إلى اقتفاء أثره بقصد القضاء عليه قبل استفحال خطره. فتحصن عبد الرحمن بالجبل وخندق على نفسه([412]). وضرب ابن الأشعث وجيشه الحصار على ابن رستم ورجاله دون طائل، فاضطر للعودة من حيث أتى بعد أن حلّ الوباء بجيشه، وأفنى كثيرين من رجاله([413])، فضلاً عن خوفه من تمرد أهل القيروان عليه ولم يكن قد وطّد فيها سلطانه بعد([414]).
وبرحيل ابن الأشعث أتيح لابن رستم ومن معه من شيوخ المذهب واعلامه الاتصال بأباضية المغرب الأوسط، فغادر سوفجج إلى تاهرت القديمة، وكانت تنزل حولها قبائل من هوارة ولواتة ومكناسة ومزاتة ولماية وأغلبها أباضية([415])، وقد أحسن ابن رستم الاختيار لنزوله في إقليم عامر بالخوارج الأباضية([416]). وبديهي أن ترحب هذه القبائل بمقدمه وخاصة أباضية لماية « لقديم حلف بينه وبينهم»([417]) أيام كان نائباً لأبي الخطاب على إفريقية، فلم يعتمد ابن رستم إذن ـ كما زعم جوتييه([418]) ـ على قبيلة زناتة.
على كل حال ـ أثمرت اتصالات ابن رستم بأباضية المغرب الأوسط، فآزروه في حصار عمر بن حفص بطنبة سنة 151هـ (768م)، وكانت هزيمتهم في تهودة في نفس العام سبباً في اقتناعهم بضرورة تأسيس دولة تلم شمل أباضية المغرب، وإنشاء مدينة تكون قصبة للدولة ومركزاً للمذهب.
وقد تريّث الأباضية في اختيار موضع مدينتهم، وحرصوا على إقامتها «في مكان جيد الهواء، كثير المياه، خصب الأرض، قابل للعمارة، مأمون من العدو»([419]). وطفق الرواد يجوبون أطراف الإقليم بحثاً عن الموضع المختار، وأجمعت آراؤهم على استحسان موضع تاهرت([420]). ثم أخذ الأباضية في تأسيس المدينة فبادروا باختطاط تاهرت سنة 777م.
وبادر رؤساء الأباضية ومشايخهم باختيار إمام بعد اختطاط تاهرت حتى تستكمل دولتهم طابعها السياسي وتبلغ إمامتهم «مرحلة الظهور».
وأجمع مشايخ الأباضية على اختيار عبد الرحمن «لدينه وسابقته ومكانه وغير ذلك من حميد الصفات».
وقبل عبد الرحمن بن رستم الإمامة سنة 162هـ (779م) «على سنة الله ورسوله وآثار الخلفاء الراشدين» بعد أن عاهده رؤساء المذهب «على الطاعة فيما وافق الحق وطابقه»([421])، وأصبح أول أئمة الدولة الرستمية التي اشتقت اسمها من اسمه.
وشرع عبد الرحمن بعد بيعته في العمل على توطيد حكمه وإرساء دعائم دولته، ومواجهة المشاكل المصاحبة لقيام الدول سواء فيما يتعلق بسياستها الخارجية أو الداخلية وجدير بالذكر أنه كرّس جهوده لمواجهة الأعباء الداخلية ملتزماً سياسة المهادنة في الخارج، فقد حرص على موادعة عمال بني العباس في إفريقية([422]) ـ كما أصهر إلى اليسع بن أبي القاسم رغبة في مسألة بني مدرار([423]).
ولما اطمأن إلى سلامة دولته من الأخطار الخارجية شرع في إرساء دعائمها. وكان عليه أن يبسط نفوذه على سائر القبائل داخل حدودها ويستكمل إنشاء عاصمتها ويرسي نظمها في الحكم والإدارة.
بين الأدارسة وبني رستم الأباضيين
رغم ما ساد علاقات بني رستم الأباضيين بالأدارسة من عداء نتيجة خلافاتهم المذهبية والاجتماعية والسياسية فإن المصادر الأباضية تلوذ بالصمت التام فلا تذكر شيئاً البتّة عن هذه العلاقات، وقد فسر كثيرون من الدارسين([424]) هذا الصمت على أنه دليل على ما ساد هذه العلاقات من طابع الود وحسن الجوار، لكن كُتّاباً آخرون ذكروا([425]) حقيقة هذه العلاقات وانطوائها على الخصومة والعداء. وسبب هذا العداء أن الأدارسة كانوا من الشيعة بينما كان بنو رستم من الخوارج الأباضية، كذلك كانت دولة الأدارسة دولة حضر، بينما غلب الطابع البدوي على الدولة الرستمية. هذا فضلاً عما كان بينهما من تنافر سياسي ـ بسبب صداقة بني رستم لبني مدرار والأمويين في الأندلس أعداء الأدارسة ،ـ على الرغم من اشتراكهما في معاداة الخلافة العباسية.
وجدير بالذكر أن الأدارسة ـ مدفوعين بهذه الخصومة المذهبية والتباين الاجتماعي والعداء السياسي ـ عوّلوا على الإغارة على أملاك دولة الرستميين واقتطاع بعض أجزائها، بينما ركن الرستميون إلى المسالمة لقصور في قوتهم، فلم يكن بوسعهم مناجزة جيرانهم الأقوياء، وإذا كانت غزوات الأدارسة لم تشكل خطراً على حكومة تاهرت ـ حسبما اعتقد ماسكراى([426])، فحسبهم اقتطاع إقليم تلمسان ـ وسكانه من مغراوة وبني يفرن الزناتيين ـ من بني رستم وضمه إلى دولتهم.
ولم يكن ثمة ما يحول دون احتكاك الأدارسة بجيرانهم الرستميين، خاصة وأن دولتهم ارتبطت في قيامها وتوسعها بخوارج المغربين الأقصى والأوسط فغالبية القبائل التي بايعت إدريس الأول كانت على مذهب الخوارج، فزناتة، وزواغة ولماية ولواتة وسدراتة ونفرة ـ وهي أباضية المذهب ـ رحبت بإدريس الأول ودخلت في طاعته([427])، وإن ظلت بعض بطونها على مذهبها وولائها لبني رستم. وكان على إدريس وخلفائه أن يدخلوا في صراع مع بني رستم إذا ما أرادوا التوسع شرقاً لضم هذه البطون واستئصال شأفة الخوارج في منطقة تلمسان وأسافل شلف، وقد تحقق لهم ذلك بالفعل فيما يتعلق بأباضية زناتة بالذات([428]).
ففي سنة 173هـ (789م) توجه إدريس الأول على رأس جيش للاستيلاء على تلمسان وإخضاع قبائل مغراوة وبني يفرن وغيرهم من الخوارج الصفرية والأباضية، وتمكن من دخولها دون كبير جهد([429]).
ونجح في توحيد جموع زناتة في غربي بلاد المغرب تحت لوائه، واستولى على مدينة ذات أهمية استراتيجية خاصة «فتلمسان قفل بلاد المغرب»([430]) ذات شهرة تجارية عريضة([431])، فضلاً عن قوة بشرية كبيرة سلخها عن نفوذ دولتي الخوارج.
ويبدو أن عبد الوهاب الرستمي حاول استعادة نفوذه في هذه النواحي، لكنه لم يجرؤ على غزو تلمسان. ولم يكن بوسعه سوى تأليب أصهاره من بني يفرن، فقاموا بالثورة على الأدارسة، وظلوا بمنأى عن نفوذهم إلى أن أخضعهم إدريس الثاني سنة 197هـ (813م) فدانوا له بالطاعة من جديد وتخلوا نهائياً عن مذهب الخوارج([432]).
بل حاول زعماء مغراوة وبني يفرن إغراء بني رستم للدخول في طاعة الأدارسة، فلم يستجيبوا، وناصبوهم العداء ودخلوا معهم في حروب فتَّت في عضد بني رستم على عكس ما يذكره مارسيه([433]) من «خروج تاهرت ظافرة من هذا الصراع» فالثابت أن الإمامة الرستمية لم تقم بمحاولة جدية في هذا الصدد، واقتصر الأمر على مجرد إغارات محدودة قامت بها جماعات من نفوسة ردّاً على اعتداءات بني يفرن على رعايا الدولة الرستمية([434]).
وفضلاً عن إغارات بني يفرن ومغراوة على الأطراف الشمالية للدولة الرستمية حرص الأدارسة على إثارة العراقيل في تاهرت نفسها، ولا يخامرنا شك في أن إدريس الثاني كان من وراء تمرد الواصلية على عبد الوهاب الرستمي سنة 195هـ([435]) ، (811م)، فمن المعروف أن طنجة كانت معقلاً لواصلية المغرب([436]). وإن أوروبا دانت بمذهب الواصلية، كما أقبلت بعض بطون زناتة على اعتناقه كذلك([437])، ومعلوم أن أوروبة كانت عصب دولة الأدارسة، وأن ولاء زناتة الغرب تحول إلى بني إدريس وبديهي ألا تقطع الصلة بين الواصلية الضاربين خارج تاهرت وبين معاقلهم في دولة الأدارسة. وليس غريباً إقدام الأدارسة على استغلال هذه الصلة في إثارة العراقيل أمام خصومهم من بني رستم، مصداق ذلك قول أبي زكريا([438]) «فتكاثفت كلمة الواصلية، واجتمعوا من كل نقب، وجاءَوْا من كل أوب… وأظهروا مخالفة الإمام».
وأغلب الظن أن ثورات هوارة على الأئمة الرستميين لم تخل كذلك من تحريض الأدارسة، فمواطنها الأصلية كانت داخل دولة الأدارسة، حيث اتخذت من جبل ينجان معقلاً وملاذاً حين تعرضت لبطش عبد الوهاب ابن رستم. ومن المرجح أن تكون حركتها التي انتهت باستيلاء زعيمها محمد ابن مسالة على السلطة في تاهرت سنة 260هـ (874م) قد قامت بمساعدة آل إدريس وتحريض منهم.
عزف الرستميون نهائياً عن محاولة استرداد نفوذهم المفقود في الأقاليم الشمالية والساحلية، على الرغم مما حلّ بدولة الأدارسة من ضعف وتفتت إثر وفاة إدريس الثاني سنة 213هـ (828م)([439]). فقد آلت تلمسان وما حولها إلى آل سليمان([440]) وأضحت ولاية حاجزة بين الدولتين. وقد تعرضت ولاية تلمسان للتجزئة والتمزق الساسي أيضاً، فقسمت إلى ثلاثة أقسام بين أبناء محمد بن سليمان، إذ استقل ابنه أحمد بمدينة تلمسان وعيسى بأرشقول، أما جراوة فكانت من نصيب إدريس ثم آلت إلى ابنه عيسى المكنى بأبي العيش([441]). هذه الفرقة السياسية([442]) أفضت إلى إضعافهم جميعاً الأمر الذي حدا بفورنل([443]) إلى الاعتقاد باستعانة زناتة لنفوذها القديم في هذه الجهات. ومع ذلك لم تسلم الدولة الرستمية من أخطارهم ومؤامراتهم.
لقد ضعفت الدولة الرستمية بعد أن أفلح ابن عبد الوهاب، وشغل أئمتها بأحداث تاهرت وما جاورها، فاجترأ أمراء آل سليمان على اقتطاع بعض البلاد والقلاع التابعة لبني رستم([444])، كمدينة الخضراء وسوق إبراهيم وغيرها([445]) بعد البطش بسكانها من الأباضية([446])، دون أن يحرك أئمة تاهرت ساكناً([447]). وفضلاً عن ذلك فقد أسهموا في إثارة الفتن والثورات التي أضعفت الحكم الرستمي في سنينه الأخيرة، فبكر بن حماد ـ أخ محمد بن حماد زعيم الثوار عن أبي حاتم يوسف ـ كان على صلة مريبة بأبي العيش عيسى بن إدريس العلوي حاكم جراوة([448])، وبأحمد بن القاسم بن إدريس حاكم مدينة كرت([449]). ولما أخفقت الثورة، واستعاد أبو حاتم الإمامة هرب كثيرون من الثوار لائذين بآل سليمان والأدارسة([450]).
هكذاـ اتسمت علاقات بني رستم السياسية مع الأدارسة بطابع العداء، وأسفر الصراع بين الدولتين عن تغلب الأدارسة واستكانة بني رستم.
وإتماماً للحديث عن الرستميين ننشر ما يلي مكتوباً بقلم خليفة قرطبي.
في النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي أنشأ عبد الرحمن بن رستم أول دولة للأباضيين الخوارج في بلاد المغرب، تمتد بين دولة القيروان ودولة فاس، واتخذ من تاهرت عاصمة له. وامتد نفوذ الدولة الرستمية إلى حدود طرابلس الغرب. وبعد قرن ونصف القرن من ذلك تمكن الفاطميون من إعلان دولتهم وقضوا على الدولة الرستمية فلجأ الرستميون إلى سدراته بورجلان أو ورقلة حالياً (جنوب شرق تاهرت).
ومع حلول القرن الحادي عشر الميلادي، تعرضت سدراته إلى تدميرٍ شبه كلّي ففرّ بعض من نجا من أهاليها غرباً باتجاه الصحراء واستقروا قرب وادي ميزاب منذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا، وشيدوا مدنهم الشهيرة بهندستها المعمارية المتميزة التي احتفظت بطابع محلي خاص لا يكاد يشبهه أي طابع عمراني في العالم، وبنظم حياتية وثقافية واجتماعية.
ويحرص أهل ميزاب على تميز الطابع المعماري لمدنهم وبيوتهم، لذلك فإن أية مدينة لا تخلو من عناصر معمارية أدت، ولا تزال وظائف نفعية من بينها السوق التي تعدّ مكان تبادل بين سكان المنطقة في ما بينهم، أو بينهم وبين الأجانب الوافدين إليها من مناطق أخرى بعيدة، من الشمال ومن الجنوب. وتكتظ هذه السوق الخاضعة لنظام تسيير خاص بالسلع المختلفة المحلية منها والأجنبية.
وحرص الميزابيون على تحصين مدنهم منذ القديم لاتقاء غارات النهب التي كانت تسنهدف المدن. وإذا كانت بعض مدن وادي ميزاب لا تحميها الأسوار من كل نواحيها ـ كما هي حال بني يزغن ـ فإن عوامل الطبيعة كالوادي والصخور، أو التلاحم الهندسي للبيوت هو الذي يتولى عملية التحصين ـ كما نجد ذلك في بونورة ـ حيث تشكل جدران البيوت المرتفعة عالياً فوق الصخور التي نحتها الوادي حصناً منيعاً يصعب اختراقه يحاذيه بما يوجد على جدرانه من فتحات تشكل النوافذ، وبالأشكال التي تتخذها السطوح وكذا بنوعية المواد التي بنيت بها الجدران، ولكنها تبدو كلها ضيقة متلاصقة. ولا يوجد أسفل المدينة سوى مجرى الوادي، وإلى اليمين المقبرة التي تتوغّل مباشرة في رمال الصحراء وإلى اليسار توجد واحات النخيل المحاطة بالتلال الرملية العارية.
كانت عملية الدفاع أو المراقبة جماعية إذ كان يمنع على كل شخص فتح إحدى هذه النوافذ الخارجية المطلة على الوادي، ولا يسمح بالعبور إلا عبر أبواب المدينة التي كانت تقام عليها حراسة يتناوب عليها طلبة زوايا القرآن الكريم.
وشيّد الأهالي الأبراج، وهي عبارة عن قلاعٍ وظيفتها دفاعية في المقام الأول. وكانت الضرورة تقتضي أحياناً بناء البرج في فترة لا تتجاوز اليوم الواحد، كما كان
الشأن في برج مدينة بني يزغن مسقط رأس الشاعر الكبير مفدي زكريا، وهو ما ينبىء عن روحٍ جماعيةٍ كانت تحرك السكان الميزابيين تجسدت في تكاتفهم دفاعاً عن مدنهم ولا تزال إلى اليوم ملامحها بادية في تكافلهم وتضامنهم الاجتماعي.
وبالإضافة إلى أبراج المدن هذه، توجد أبراج أخرى شيدت فوق التلال الرملية خارج المدن، على امتداد واحات النخيل. ووظيفتها، فيما يبدو، اقتصادية وعسكرية ولاتقاء الخسائر في واحات النخيل من جراء فيضان محتمل للوادي، أحيطت كل واحة بأسوارٍ واتخذت الممرات الموجودة بين الأسوار مسالك سرعان ما تتحول إلى قنوات ومجاري للمياه عندما يغمرها الوادي. كما أقيمت سدود ضخمة لتكسير قوة المياه وتوصيلها إلى القنوات ومن ثم توزيعها على الواحات بشكلٍ عادلٍ من خلال الفتحات الموجودة على الأسوار، ويقوم بعملية التوزيع هذه مهندسٌ محلّفٌ.
وقام أهل ميزاب بحفر آبارٍ يصل عمقها إلى نحو مئة متر، ويقال أن الآبار الجماعية حفرها زعماء الأسر المعروفة وأولادهم، وكانوا يقتاتون من التمر كمادة سكرية أساسية تمدهم بالطاقة اللازمة أثناء عملية الحفر في أعماق الأرض، وكان لا بد من الحفر سنوات عدة، أحياناً، لبلوغ مستوى الماء.
وبالإضافة إلى البيوت الخاصة داخل المدن، يتخذ الميزابيون بيوتاً أخرى وسط واحات النخيل كإقامات صيفية، وهي بيوت في غاية الروعة والجمال على رغم بساطة هندستها وتواضع تخطيطها. فالأثاث بها عبارة عن كوات محفورة في الجدران وتحت السلاسل وحول المداخل. أما الحجرات فهي ضيقة لكنها تفي بالغرض المطلوب، كما تشكل بعض جذوع النخل التي لم يشأ أصحابها قطعها أساساً في البيت كانت تُتَّخَذ أعمدة للرفوف أو محاور للسلالم، وتطل بعض النخلات من وسط السطح فيسهل الارتقاء إليها.
وتنفتح بيوت الواحات هذه على حدائق مغلقة أو على صحون يتسرب عبرها الضوء، إلى كل الحجرات كما يمكن المرور عبر رواق من الصحن إلى السطح الذي يتخذ مكاناً للنوم ليلاً حيث درجة الحرارة منخفضة، والليل في الميزاب ساحرٌ بنسيمه المنعش وهدوئه الرهباني والتمازج العجيب المتفرد للألوان الناشئة من دكنة النخيل والأشعة القمرية وبياض الطلاء.
أما المساجد في وادي ميزاب فتتوزع على ثلاث مناطق: في أعالي المدن يوجد المسجد الرئيسي الذي يتميز بمنارته الشامخة. وفي ضواحي المدن والمقابر توجد مساجد ومصليات، وهناك المساجد المشيدة وسط الواحات التي تتخذ أماكن للعبادة حين يهبط سكان المدن إلى إقاماتهم الصيفية. وفي حين تتوافر مساجد المدن على منارات متباينة الإرتفاع والأشكال نجد المساجد المنتشرة في المقابر والواحات من دون منارات. لكنها مزودة بقاعات تحت الأرض.
منظر عام لمدينة العطف في وادي ميزاب
وإلى جانب المنارة، تتميز مساجد المدن عن مساجد الأماكن الأخرى بأبعادها الهندسية، وهي تخلو أيضاً من عناصر الزخرفة، لكنها تستمد جمالها ورونقها من أشكالها المعمارية البسيطة والمتقنة والمعبرة في الوقت نفسه عن صفاء سريرة الإنسان الميزابي وتواضعه واهتمامه بالعمق العربي الإسلامي الذي يميز شخصيته، من دون تفريطٍ في بعده الأمازيغي المحلي، وهو ما شغله عن الاعتناء بمظاهر الزخرفة. ولعل جمالية عمارة المساجد الميزابية تتأتّى، إلى جانب بساطتها، من الكوات والأعمدة والسقوف المصنوعة من جذوع النخل، ويدعم هذه العناصر كلها القوس الميزابية المشكلة من السعف، إذ تتخذ الأقواس أبعادها من الأحجام المتباينة للسعف، وتتشابه مساجد المقابر ومساجد الواحات، مع فارق في الدور والوظيفة. ففي الوقت الذي يقتصر دور مساجد الواحات على فترات الصيف، نجد مساجد المقابر عامرة دائماً، خصوصاً في الشتاء حين يأتيها كل جمعة طلبة وحفّاظ القرآن للتلاوة، وهي أماكن لجمع الصدقات والتبرعات لصالح الفقراء الذين يلزمون بأخذها… حسب الأعراف.
وللأضرحة مكانها في العمارة الميزابية وخاصيات تنفرد بها أيضاً. فمقابر الميزابيين لا تكاد تظهر للعين من بعيد، لأنهم لا يهتمون ببناء القبور وإعلائها، إذ يتمّ الاكتفاء بوضع حجرٍ عند رأس الميت وآخر عند قدميه وبينها توضع الأواني القديمة المستعملة كمعالم يتم التعرف من خلالها على قبر الميت. ومن الأعراف الجارية منع نقل الرفات أو البناء في الأماكن المخصصة للمقابر. ولذلك نجد مقابر قديمة كثيرة لا تزال مغلقة ومدفونة تحت الرمال. ويحظى بعض العلماء والأولياء بأضرحة خاصة تُشيّد على شكل محاريب تعلوها قباب تنتهي بنتوءات أو أشكال هندسية هرمية أو شبيهة بالقمة تتصاعد إلى أعلى. ولكل ضريح شكلٌ خاصّ، وهي في الغالب مزارات للاستفادة من النصائح أو معالجة بعض المشكلات الخاصة.
الشريف الإدريسي يضع أقدم وأوضح خريطة
جغرافية للدنيا القديمة
إنني إذا تحدثت عن الخريطة الإدريسية فإنما أتحدث عن مجهود عملٍ خالدٍ من مجهودات أحد أسلافنا الأمجاد، أتحدث عن أقدم خريطة عالمية جغرافية صادقة عرفها التاريخ ووصلت إلى أيدينا، وأقرب صورة عرفت في تلك العصور السالفة مطابقة لما وصل إليه العلم الحديث ولما نعلمه الآن علم اليقين، تلك هي «خريطة الشريف الإدريسي».
ولم يكن كتابه (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) إلا شرحاً لهذه الخريطة وتعليقاً عليها، وهو كتابٌ ضخمٌ يقع في جزأين كبيري الحجم، وإن كثيراً من علماء البحث في الشرق والغرب وفي مختلف العصور، قد بحثوا بحوثاً مستفيضةً في هذا الموضوع الشائق. ولقد كان آخر من عُنِيَ بذلك من علماء البحث الجديد الأستاذ «كونراد ميللر» أحد العلماء الألمان فإنه أخرج الخريطة في ثوبٍ قشيبٍ، وطبعها طبعة ملونة سنة 1928م وكتب عنها الفصول الطّوال، وعقد الموازنات بينها وبين الخرائط الجغرافية القديمة والحديثة، وأشاد بمنزلتها كأساس قوي متين، ومرجع منظور إليه بعين التجلّة والاحترام من مراجع هذا العلم وأسسه.
مؤلفات الإدريسي في المدة التي قضاها في صقلية
لم يقتصر عمل الإدريسي في تلك المدة التي قضاها في بلاط الروم على وضع تلك الخريطة، ولكنه ألّف غير ذلك أربعة كتب: 1ـ كتاب نزهة المشتاق أو كتاب رجار الذي سبقت الإشارة إليه، والذي اختُصِر فيما بعد تحت هذا الاسم عينه، ولقد اطّلعت على نسخة من هذا المختصر في مكتبه المعهد الشرقي بهامبورج مطبوعة بروما في سنة 1592م ومكتوب على هامشها: إن هذا الكتاب أول ما طبع باللغة العربية. 2ـ كتاب الممالك والمسالك الذي لم يصلنا منه إلا بعض مقتبسات اقتبسها أبو الفداء عند كلامه على الجغرافية العربية. كذلك حدثنا عنه الشاعر ابن بشرون الأندلسي وحدث أن الإدريسي ألّف هذا الكتاب سنة 1161م لنجل رجار الثاني «فلهلم» الذي حكم من سنة 1154 إلى 1166م. 3ـ كتاب روض الفرج، وهو كتاب جغرافي صغير اكتشفه أحد الباحثين من نحو ثلاثين سنة بمكتبة خاصة في استامبول. 4ـ كتاب يبحث في وسائل العلاج البسيطة. فوق هذا نقل الأستاذ ميللر عن المؤرخين أنه كان شاعراً وأنه لم يصلنا من شعره إلا بعض مقطوعات، ولكنني لم أعثر على شيءٍ من هذه المقطوعات.
كيف فكر روجر الثاني في وضع هذه الخريطة
وكيف عهد إلى الإدريسي بذلك؟
عُنِيَ روجر الثاني عناية خاصة بالمسائل الجغرافية وأخذ يشتغل بدراسة الكتب الجغرافية المختارة الموجودة في ذلك العهد، ولا سيما العربية منها، ولكنه لما لم يجد بعد البحث الطويل ما يطفىء غلّته ويقضي به لبانته ويريح ضميره كباحث مجدّ. ولما لم يجد جواباً واضحاً وحلّاً موفقاً لما كان يجول بخاطره من المشكلات العلمية أخذ يستحضر رجال الخبرة الأجانب الذين وفدوا على مملكته من كلّ فجٍّ يسألهم بواسطة المترجمين منفردين أو مجتمعين عن مواقع البلدان وحدودها، وعن كل ما يتعلق بها جغرافياً كلّاً بقدر ما تصل إليه معرفته، وقد كانوا كثيري العدد، فإن توافقت أجوبتهم ولم تختلف أقوالهم اعتبر إجابتهم صحيحة وقيدها وإلا ردّها عليهم ولم يعتبرها، وبعد أكثر من خمس عشر سنة قضاها بلا انقطاع مع صاحبه الإدريسي في هذا العمل الخطير والبحث الشائق استقر الرأي على تقييد ما وصلوا إليه ورسمه في خريطة عالمية كاملة تبين فيها مواقع البلدان والبحار والأنهار والجبال إلى غير ذلك كما وصل إليه البحث وانتهى إليه الاستقراء، وعهد بهذه المهمة الكبيرة إلى الشريف الإدريسي الذي رسم أصل هذه الخريطة ثم بعد هذا أراد الملك أن تحفر هذا الخريطة ثانية على لوحٍ من الفضة، فأحضر الصناع المهرة الذين أتموا هذا العمل تحت رعاية الإدريسي ورقابته، وبعد أن جعل الملك مقدار أربعمائة ألف درهم من الفضة كما روى خليل الصفدي تحت تصرف الإدريسي لهذا الغرض اتخذ الإدريسي أقل من ثلث المقدار مائدة مستطيلة يبلغ طولها كما قدر الأستاذ (ميللر) ثلاثة أمتار ونصف متر وارتفاعها متراً ونصف متر تقريباً ثم حفر عليها بواسطة الصناع المهرة كما قدمنا خريطة بغاية الدقة والإتقان وتمام الموافقة لتلك الخريطة التي رسمها قبل القيام بعملية الحفر، وكان الفراغ من هذا العمل الجليل الشأن في يناير سنة 1154م. وكشرح لهذه الخريطة وتعليق عليها ألّف الإدريسي كتابة نزهة المشتاق في اختراق الآفاق.
كيف كانت صورة الأرض في نظر الإدريسي
عند وضعه الخريطة
ولا بدّ لنا قبل أن نتكلم عن شرح الخريطة وبيان بنائها أن نشرح الصورة الأرضية التي كان يعتقدها الإدريسي عند وضع خريطته. كان الرأي الشائع إلى أواخر العصر المتوسط أن الأرض مسطحة عائمة على وجه الماء. نعم لقد شكّ بعض علماء اليونان في ذلك وثار عليه أفراد آخرون بعدهم، ولكنه لم يزل رأي الأغلبية حتى نهاية ذلك الوقت: أما رأي الإدريسي يشاركه فيه علماء الجغرافيا الأخصائيون من العرب فقد كان غير ذلك، اعتقد الإدريسي أن الأرض مكورة على شكل بيضةٍ يحيط بها الماء ويتعلق بها بواسطة قوة جاذبية طبيعية، فالماء يغمر نصفها وينحسر عن نصفها الآخر مع كون هذا النصف الأخير المنحسر عنه الماء أخذ شكلاً بيضاويّاً منقسماً بواسطة خط الاستواء إلى قسمين متساويين: شمالي وجنوبي، والمعمور منها الشمالي فقط. أما الجنوبي فهو خراب غير معمور لشدة الحرارة ولعدم وجود الماء.
الإدريسي يضع خريطته بناءً على نظريته السابقة
وبناءً على نظرية الإدريسي التي شرحناها وضع خريطته العالمية هذه، فهي تمثل القسم المعمور من الكرة الأرضية وهو القسم الشمالي منها كما قدمنا. هذا القسم يشمل القارات الثلاث: إفريقيا الشمالية في الجهة اليمنى العليا (الجنوب الغربي) أوروبا في الجهة اليمنى السفلى (الشمال الغربي) يفصل بينهما بحر الروم (البحر الأبيض المتوسط)، وآسيا في النصف الشرقي تشمل جميع الجهة اليسرى. وأميركا طبعاً لم تكن عرفت بعد، وكذلك هذا التقسيم إلى القارات الثلاث لم يكن معروفاً لدى العرب على الإطلاق، وإنما كانوا يقسمون الكرة الأرضية إلى الأقاليم السبعة من الجنوب إلى الشمال، ثم كل إقليم إلى عشرة أقسام من الغرب إلى الشرق، وفوق هذا كانوا يقسمونها إلى الدول والممالك التي كانت معروفة في ذلك الوقت.
صورة الأرض
للشريف الإدريسي المتوفى 560هـ ـ 1164م
الأقاليم السبعة وخطوط العرض
والأقاليم السبعة كانت عند قدماء اليونان عبارة عن خطوط أفقية تبتدىء من خط الإستواء نحو الشمال وتحدد النقط التي تتم فيها زيادة النهار نصف ساعة على طوله في المنطقة السابقة من جهة الجنوب، ثم استعمل العرب الأقاليم وأرادوا منها المناطق التي تقع بين هذه الخطوط، وتلك المناطق لم تكن متساوية عندهم. أما الإدريسي فإنه أراد من الأقاليم السبعة التي قسم خريطته إليها هذه المناطق التي كانت معروفة عند العرب، ولكنها عنده متساوية المقدار إذا استثنينا الإقليم الأول الذي يمتد إلى درجة 23 شمال خط الإستواء، فالأقاليم الستة الباقية يشمل كل منها ست درجات من درجات العرض، وعليه فالأقاليم: الثاني من 24 ـ 29 والثالث من 30 ـ 35، والرابع من 36 ـ 41، والخامس من 42 ـ 47، والسادس من 48 ـ 53، والسابع من 54 ـ 59. ولما كانت نظرية الإدريسي أن المسكون من جهة الشمال هو لغاية درجة 63 فقط، لأن المنطقة التي تقع بعد ذلك شديدة البرودة ومغمورة بالثلوج فهي غير صالحة للسكن والعمران. لما كانت هذه نظريته أضاف إلى الإقليم السابع الذي ينتهي بدرجة 59 أربع درجات أخرى من جهة الشمال من 60 ـ 63 وبذلك يتم الجزء المعمور من الأرض. ومما يذكر للإدريسي بالإعجاب والفخر أنه حاول بتقسيمه الأرض إلى الأقاليم السبعة إثبات درجات العرض وتحديدها، وأنه أفلح في محاولته هذه إلى حدٍّ بعيدٍ بحيث يجعل علماء الاختصاص في الوقت الحديث يطأطئون الرأس له إعجاباً وتقديراً. ابتدأ الإدريسي في إثبات درجات العرض من درجة 28 إلى درجة 63 على التوالي، والدرجات التي أثبتها توافق الدرجات الحقيقية تمام الموافقة في جميع البحار وفي معظم اليابسة حيث توافرت لديه الأسباب، وأمكنة إجراء المقاييس الصحيحة، وفي بعض جهات قليلة من اليابسة حيث لم تتم لديه الأسباب تختلف الدرجات التي أثبتها عن الدرجات الحقيقية اختلافاً بسيطاً. فمثلاً وضع الإدريسي مدينة «كلمار» ببلاد السويد عند درجة 1/63 وهي تقع عند درجة 56 ونصف، وجعل الدانمرك ابتداء من 54 ونصف إلى 58 والصحيح أنها من درجة 54 إلى 57 ونصف، انكلترا من 52 ـ 58 بدلاً من 50 ـ 58 ونصف، وهذا طبعاً فرقٌ بسيط في جهات قليلة دعا إلى ارتكابه عدم توفر الأسباب كما قدمنا، ولم تنقصه عناية الإدريسي ودقته. أضاف الإدريسي إلى القسم الشمالي من الكرة الأرضية جزءاً بسيطاً من القسم الجنوبي إلى درجة 16 جنوب خط الإستواء، هذا الجزء الذي تقع فيه منابع النيل، وبيّن عليه منابع النيل بشكلٍ واضحٍ يدل على مقدار براعته العلمية، ومدّ الساحل الشرقي لإفريقيا نحو الشرق وجعله حدّاً للمحيط الهندي، من جهة الجنوب، وطبعاً لم يلق هذا الجزء عناية الإدريسي لخلوّه من السكان وعدم صلاحيته لذلك طبقاً لنظريته التي شرحناها. وكذلك لم يثبت الإدريسي درجات العرض إلى درجة 28 شمال خط الإستواء وإنما اكتفى بوضع أرقام بجانب أسماء البلاد التي تقع في هذه المنطقة. ولما كانت هذه الأرقام لا تتطابق مع درجات العرض للبلاد الموضوعة بجوارها وإنما تختلف عنها اختلافاً كبيراً فإننا نستطيع أن نفهم السر في أن الإدريسي لم يثبت هنا درجات العرض متوالية كما فعل بعد تلك المنطقة، بل اكتفى بوضع الأرقام التي وصلت إليه في مواضعها كما أخبر عنها.
صورة الأرض
لجغرافي مجهول من جغرافيي العرب (ص223)
التقسيم الثاني (تقسيم كل من الأقاليم السبعة إلى عشرة أقسام)
وبعد هذا قسم الإدريسي كلاً من الأقاليم السبعة إلى عشرة أقسام متساوية من جهة الغرب إلى جهة الشرق فالإقليم الأول يبتدىء من القسم الأول غرباً إلى العاشر شرقاً والثاني من الحادي عشر إلى العشرين، وهكذا إلى الإقليم السابع الذي يبتدىء بالحادي والستين وينتهي بالسبعين. وعليه فأول الأقسام السبعين يوجد في الجهة العليا من الغرب، وآخرها في الجهة السفلى من الشرق.
بحث الأستاذ «ميللر» هذا التقسيم الثاني فتبين له كما ذكرنا أن الإدريسي لم يرد به إثبات درجات الطول، وأن الباحث لخريطته والقارىء لكتابه نزهة المشتاق لا يستطيع أخذ ذلك منهما، فضلاً عن أن هذا التقسيم يختلف اختلافاً كبيراً عن درجات الطول. لهذا أريد أنا هنا أن أفرض أن الإدريسي اتّخذ هذا التقسيم الثاني تسهيلاً للقيام بالمهمة ورسم الخريطة لا غير.
البحار السبعة
وبعد هذا نريد أن نتكلم على البحار السبعة التي ضمنها الإدريسي خريطته، وهي شيءٌ آخر غير البحر المحيط أو بحر الظلمات الذي يحيط بالكرة الأرضية.
1ـ البحر الشامي أو الرومي (البحر الأبيض المتوسط) الذي يتفرع من بحر الظلمات الغربي نحو الشرق.
2ـ خليج البندقية (بحر الأدرياتيك).
3ـ خليج النطاس (البحر الأسود) وهذان يتفرعان من بحر متصل بالمحيط الأعظم.
4ـ البحر القزويني أو بحر الخزر وهو بحرٌ داخليٌّ غير متصل بالمحيط الأعظم.
5ـ بحر الهند (المحيط الهندي) وهو يحتوي على ثلاثمائة جزيرة يستمد ماءه من بحر الظلمات الشرقي.
6ـ البحر الفارسي.
7ـ بحر السويس أو بحر القلزم (البحر الأحمر) وكل من هذين يتفرع من بحر الهند.
خريطة العالم للإدريسي كما كونها ميللر من الخرائط الجزئية التي عملها الإدريسي ووجدت في مخطوطات كتابة في صور يختلف بعضها عن بعض اختلافاً يسيراً وقد جمعها ونشرها ميللر في كتاب الخرائط العربية
الإدريسي يسير في وصفه للكرة الأرضية
بناءً على التقسيم الثاني
هذه البحار السبعة تخترق الأقاليم السبعة بحسب مواقعها. ولقد وصفها الإدريسي وصفاً مسهباً دقيقاً ووصف جزرها والبلاد التي تقع عليها إلى غير ذلك في كتابه نزهة المشتاق عند كلامه عن الأقاليم السبعين التي شرحناها في التقسيم الثاني. فإنه اتخذ في طريقة وصفه للكرة الأرضية أن ابتدأ بوصف القسم الأول من الإقليم متدرجاً نحو الشرق إلى العاشر ثم عاد إلى القسم الأول من الإقليم الثاني متدرّجاً إلى العشرين وهكذا سار في طريقه إلى أن تمّ الكلام على القسم الأخير من الكرة وهو القسم السبعون، وعند كلامه عن كل قسمٍ منها حدد وبيّن موقعه وتكلم عن مدنه وجباله وبحاره وأنهاره وعن كل ما يحتوي من ماءٍ ويابسٍ. وعن الدول التي تشغله وعن سكانه وجنسياتهم وعاداتهم وعما يعيش فيه من حيوانٍ وما ينبت فيه من نباتٍ، مبيناً كثيراً من خواص ذلك، طبيعية وطبية إلى آخر ما ضمنه نزهة المشتاق من الشرح المسهب والملاحظات الدقيقة.
مصير المائدة الفضية وأثر خريطة الإدريسي الذي
تركته في علم الجغرافية ورسم الخرائط
خريطة العالم، من رسم الإدريسي
الأستاذ كونراد ميللر يعني عناية خاصة بدرس خريطة
الإدريسي وطبعها طبعة ملونة لأول مرة
لم تخف قيمة هذه الخريطة العلمية والفنية على علماء الجغرافيا المستشرقين، فالكثير قد اشتغل بدراستها في مختلف العصور، ولكنهم شغلوا أنفسهم بنواحٍ خاصة منها، ولم يجرِ واحدٌ منهم بحثاً شاملاً مستقصياً مع اعترافهم جميعاً بمنزلتها وتقديرهم لها. وما زالوا على طريقتهم هذه ولم يخرجوا عنها إلى أن أتى الأستاذ كونراد ميللر فأجرى على هذه الخريطة البحوث المستفيضة وكتب عنها الفصول الطوال التي استغرقت أعداداً كاملة من مجموعته العربية.
تلك المجموعة التي ضمتها أبحاثه في الجغرافية العربية، ثم توّج هذا العمل الجليل بطبع الخريطة سنة 1928م لأول مرة طبعة ملونة. أبرزها في تلك الحلة الفاخرة المتناسبة الأجزاء، فدلّ على المدن بدوائر ملونة باللون المذهب، ورسم الأنهار والبحيرات بلونٍ أخضر فاتح، والجبال بألوان مختلفة أحمر وأصفر وبنفسجي إلى جانب بعضها، كل هذا فوق أرضيةٍ فاتحة اللون تدع نفسها متميزة بوضوح عن لون البحار المدلول عليه باللون الأزرق السماوي المموّج بخطوطٍ رفيعةٍ بيضاء، كما أنها تساعد على تحديد المسالك بعضها عن بعض بسهولة. ولقد كتب أسماءها بحروفٍ رفيعةٍ حمراء وجعل طولها مترين وارتفاعها متراً تقريباً. وقد قدمنا أن مساحتها الأصلية كانت بطول ثلاثة أمتار ونصف متر، وارتفاع متر ونصف متر تقريباً. هذا وقد يظن أن المساحة الأصلية كانت كبيرة بشكلٍ زائدٍ على اللزوم، ولكن سوف يتلاشى هذا الظن إذا علمنا أنها تتضمن من أسماء المدن فقط التي كانت مائجة العمران في ذلك العصر 3064 أسماء: (365) بإفريقيا (740) بأوروبا، (959) بآسيا، ويوجد بين هذه الأسماء كل أسماء المدن الشهيرة المهمة في ذلك الوقت.
قبل هذه الطبعة لم تكن الخريطة موجودة بشكلٍ تامٍّ مشتبكة الأجزاء بعد فقدان الأصل للخريطة الحائطية، وإنما كانت موجودة في قطع متفرقة داخل كتاب نزهة المشتاق أو مستقلة بذاتها، ومجموع هذه القطع الموجودة إلى الآن منها يبلغ 255 قطعة كما ذكر الأستاذ ميللر، توجد بمكاتب باريس وأكسفورد واستانبول وليننغراد والقاهرة، وكانت هذه القطع من الأصل الذي طبع عنه الأستاذ ميللر تلك الطبعة التي بين أيدينا.
وهناك خريطة أخرى تدعى الخريطة الإدريسية الصغيرة طبعها الأستاذ ميللر كذلك في مجموعته، وهي ليست لصاحبنا الإدريسي وإنما هي لابنه محمد وضعها سنة 1192، واسمها روض الفرج. ولقد وجدها بعض الباحثين كذلك في استانبول في 73 قطعة وإذا وازنّا بينها وبين خريطة والده فإننا نجده قد أخذها صورة طبق الأصل عنها بشيءٍ يسيرٍ من التغيير، ومع هذا فقد فاتته عناية والده في الرسم.
بقي أن نذكر مع الفخر والإعجاب أن الخريطة الإدريسية أقدم خريطة عالمية صحيحة كبيرة مفصلة وموضوعة بغاية الضبط والإتقان والوضوح عرفها التاريخ إلى الآن. نعم لقد وصل إلى أيدي علماء الجغرافية خريطةٌ من عهد قياصرة الروم لها من العمر ضعف ما للخريطة الإدريسية وهي خريطة (بويتنجر) التي وضعت في عام 365 بعد الميلاد. ولكنها ليست خريطة عالمية للدنيا القديمة كخريطة الإدريسي وإنما هي خريطة لبيان طرق المواصلات فقط، فضلاً عن أن المدن والمحافظات التي ذكرتها أصبحت كلها أنقاضاً لا يعرف لها أثر، فالناظر إلى هذه الخريطة إنما يستطيع أن يتصور موضوعها بالتقريب. وأما خريطة الإدريسي فهي فوق كونها عالمية تمثل الدنيا القديمة، وبالرغم من أنها تبلغ من العمر نحو ثمانمائة سنة فكل المواضع التي ذكرتها يستطيع الباحث أن يعثر عليها ويتثبت منها إلى الآن، وما زال أغلبها يعرف بنفس الأسماء التي ذكرها الإدريسي إلى يومنا هذا. نحن لم نرث من العصر خرائط من هذا النوع مبنية على طريقة فلكية متقنة، وأشهرها خريطة الدنيا لبطليموس التي تزيد على خريطة الإدريسي بألف سنة في القدم، ولكنها ليست خريطة للدنيا بالمعنى الذي نعرفه ولا على منهج خريطة الإدريسي تبين الممالك ومواقعها إلى آخر ذلك، وإنما هي خريطة للدنيا بمعنى أنها تعطي نظرة عامة فقط عن الدنيا القديمة وتبلغ مساحتها 35سم في 52سم. هذه الصورة التي أعطتها خريطة بطليموس ظلت معتبرة في بلاد الشرق والغرب إلى آخر العصر المتوسط ولقد أخذ الإدريسي حدودها واستعان بها عند وضع خريطته، ولكن من حسن الحظ كما يعبر الأستاذ ميللر أن الإدريسي قطع النظر بالكلية عما احتوته خريطة بطليموس بعد الصورة والتحديدات العامة تنفيذاً لأمر رجار الثاني، نقول من حسن الحظ لأن الأسماء التي ذكرها بطليموس في خريطته على كثرتها غير مطابقة للواقع بأكثر من 1 بالمئة مع التسامح في هذه النسبة، وكذلك درجات العرض والطول المثبتة في خريطة بطليموس تختلف عن الحقيقة بمئات من الأميال لهذا كان من الحكمة والسداد قطع النظر عما في تلك الخريطة بالكلية، وكذلك فعل الإدريسي ووصل بمجهوده المستقل إلى أن يعطينا صورة صحيحة مطابقة للعصر الذي عاش فيه بما لا ينتظر خيراً منه، الأمر الذي جعل لتقسيمات الممالك في الخريطة الإدريسية وللتقسيمات السياسية على الإطلاق قيمة علمية فائقة. نعم أظهر بطليموس مقدرة العالم الفلكي عند وضعه لخريطته في الوقت الذي أثبت فيه درجات العرض والطول بناءً على حساباته العلمية المبنية على القواعد بمقدار لم يصل اليه الإدريسي ولكن هذا لا يغنيه شيئاً بجانب عدم التحري للحقيقة. وعند الموازنة بين خريطته وخريطة الإدريسي نجد أن بطليموس أثبت خطوط الطول والعرض معاً ولكنها تختلف عن الواقع بشكلٍ غير مقبولٍ. أما الإدريسي فقد أثبت درجات العرض فقط ولكن بعد قياسات صحيحة، فهي مطابقة للحقيقة بمقدار يدعو المقدر للخريطة الإدريسية علمياً إلى أن ينظر إليها بعين الإكبار والإجلال. وأما خطوط الطول فقد ترك إثباتها الإدريسي عن قصدٍ، إذ تبيّن له أن مقادير المقاييس التي وصلت إليه غير صحيحة، ولأنه لم يتيسر له بعد هذا إجراء قياسات أرضية لبيان درجات الطول وقياس الكرة السماوية وإن كان في الاستطاعة فإنه لا يعطي نتيجة مقطوع بها.
1ـ خريطة ebstrof نسبة للدير الذي وجدت فيه بمدينة هانوفر من أعمال ألمانيا.
2ـ خريطة Hereford التي وجدت بإحدى كنائس هرفورد بإنجلترا.
وهاتان الخريطتان بالرغم من أنهما وضعتا بعد الخريطة الإدريسية بمائة سنة فلم تكونا عملاً علمياً، وإنما كانت عبارة عن تخطيطات زخرفية كما عبر الأستاذ ميللر، تمثلان شيئاً من العصور السابقة لعصرهما، غير محتويتين إلا على شيءٍ يسيرٍ من الجغرافية المعاصرة لهما.
لعل القارىء يتساءل الآن عن مقياس الرسم للخريطة الإدريسية، وهنا أقول إن مقياس الرسم بالمعنى الحديث الذي نعرفه والذي بمساعدته يستطيع الإنسان أن يعرف مساحة جهة من الجهات بقياس مساحتها فوق الخريطة، مقياس الرسم بهذا المعنى لا نجده في خريطة الإدريسي، وهو طبعاً لم يوجد في جميع الخرائط القديمة، وإنما وجد بعد وضع خريطتنا بمئات السنين. وعلى أن الإدريسي قد أشار إلى طريق الوصول إلى معرفة مثل هذا المقياس الحديث، الإدريسي ذكر درجات العرض وقدر الدرجة بخمسة وعشرين فرسخاً، والفرسخ ثلاثة أميال، وعليه فالدرجة 75 ميلاً، ولكن الذي لم يذكر قدره الإدريسي هو الميل، فإن قدرنا الميل بما كان معروفاً عند الروم وهو كيلومتر ونصف تكون الدرجة مقدرة عنده بـ 112.5 كيلومتر، وبهذا يكون الإدريسي أعطانا مقياس الرسم لخريطته بشكلٍ واضحٍ.
في الختام أريد أن أذكر بعض المميزات التي تزيد في قيمة الخريطة الإدريسية، وقيمة شرحها نزهة المشتاق:
1ـ تجنّب الإدريسي ذكر الخرافات التي كانت شائعة في العصر المتوسط، والتي تورّط في ذكرها غيره من المؤلفين.
2ـ ولقد كان من حنكته أنه إذا ذكر شيئاً خارجاً عن حدود العادة نسبه إلى ناقله، ثم أعقبه بكلمة احتياط كقوله: «والقادر على كل شيء أعلم بما في هذا من الحقيقة» ولم يرسم ما كان شائعاً رسمه عند علماء الجغرافية مما يمثل الغرائب الخرافية، وطبعاً كان لتعاليم الإسلام الفضل الأكبر في هذا.
2ـ انفردت خريطة الإدريسي بأنها هي الخريطة الوحيدة التي تعطينا صورة صحيحة عن البلاد الواقعة حول البحر القزويني، وصحراء إيران في مدة من الزمن تبلغ نحو قرن، هذه المدة لولا خريطة الإدريسي لظلت حلقة مفقودة في تاريخ هذه البلاد.
وإنني في الختام أدع الحكم على قيمة هذا العمل العلمي الكبير، وعلى مجهودات الإدريسي ورجار المشكورة لرجلٍ خبيرٍ درس الخريطة وشرحها «نزهة المشتاق» دراسة وافية، ولا مجال لاتهامه بالتحيز في حكمه، ذلك هو الأستاذ «كونراد ميللر» إذ يقول في آخر بحثٍ أجراه لشرح الخريطة ما معناه: «إن رجار الثاني والإدريسي بوضعهما لهذه الخريطة قد وضعا أهم حجر أساسي في تاريخ انتشار العلم الإنساني». (راجع: فاس).
محمد عبدالله ماضي
مخطوطة نزهة المشتاق للإدريسي في صوفيا
فتح الاحتلال العثماني لبلغاريا العام 1396م، نافذة للتواصل التجاري والثقافي بين هذا البلد والولايات العربية في سوريا والأردن وفلسطين ومصر والجزيرة العربية وكان من نتائج التواصل، انتقال عدد من الوثائق والمخطوطات العربية والتركية إلى بلغاريا خلال فترة الحكم العثماني الذي بدأ زواله العام 1878م مع تحرّر أولى المقاطعات البلغارية على يد الجيش القيصري الروسي.
يبلغ مجموع الوثائق العربية المحفوظة في أرشيف «القسم الشرقي» التابع للمكتبة الوطنية البلغارية (كيريل وميتودي) 2834 وثيقة. وهي عبارة عن رسائل وعرائض من الولاة الموجودين في الشام وطرابلس وصيدا واللاذقية وعكا والقدس وبيروت، ووثائق من القاهرة والحجاز.
تتناول هذه الوثائق الأحوال السياسية والتجارية والعسكرية التي كانت سائدة في هذه الولايات في الفترة الواقعة بين القرن السادس عشر والقرن العشرين، ويشتمل جزءٌ منها على شروحات تفصيلية عن أنواع الأرض ونظام الضرائب وبيان عن الإيرادات والنفقات في جمارك اللاذقية وطرابلس.
بعض الوثائق يعالج مواضيع ترميم القلاع وأصناف الأسلحة وترميم المساجد وبنائها. ويبحث بعضها الآخر في وقائع تقديم المساعدات للمسيحيين المتضررين من الكوارث الطبيعية في سوريا ولبنان.
ومن أبرز الوثائق التي يضمها القسم، الوثائق الخمس التي تتناول الحركة الوهابية في شبه الجزيرة العربية، وتضم وثيقتين أصليتين هما عبارة عن رسالتين موجهتين من عبد العزيز بن سعود إلى السلطان العثماني سليم الثالث 1789 ـ 1807م، وتحملان ختمه الخاص.
وفي ثماني وثائق أخرى، عرضٌ تفصيليٌّ لحملة نابليون بونابرت على مصر واحتلاله لمدينة الإسكندرية، وهي تقدم صورة عن الوضع الداخلي في مصر ومواقف الزعيمين المصريين مراد بك وإبراهيم بك. وتناول المؤرخ المصري عبد الرحمن الحبرتي (1756 ـ 1825م) في كتابه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» إحدى هذه الوثائق بالشرح المفصل.
أول العاملين على تنظيم الوثائق المحفوظة في المكتبة هو الأكاديمي العراقي يوسف عز الدين الذي أعدّ فهرساً لبعض الوثائق والمخطوطات التي يضمها القسم الشرقي، صدر في بغداد عن المجمع العلمي العراقي العام 1969م. وفي العام 1984م استكملت الباحثة البلغارية ستويانكا كنديرفا مديرة «القسم الشرقي» هذا الجهد، فأعدّت فهرساً تفصيلياً للوثائق العربية تضمن شروحات عن كل وثيقة باللغتين «الإنكليزية والروسية».
إلا أن جهد عز الدين كان أقرب إلى الكمال من الناحية البيبلوغرافية، ففي الفهرس الذي أعدّه عز الدين تمّ تحديد منشأ الوثيقة والأماكن التي جمعت منها ومالكها وفقرات موجزة من مقدمتها وخاتمتها وملاحظات عن حالها وعدد صفحاتها وما فقد منها أو ما تعرض للتلف.
أما المخطوطات فقد جمعت في أماكن مختلفة: الجوامع والمدارس الدينية الإسلامية ومكتبات الأوقاف المنتشرة في بلغارية. وتعددت مصادر طباعتها وتوزيعها، فهناك مخطوط طبع في بولاق (صعيد مصر) وانتقل عددٌ آخر من بغداد ومصر عن طريق بلغراد.
المخطوطات تضم آثاراً في جميع فروع المعرفة: الفقه، النحو، الصرف، البلاغة، الفلسفة الإسلامية، أصول البحث وعلم الكلام. وهناك حوالي مائتي مخطوطة في الطب والفلك والرياضيات علاوة عن كتب التاريخ والجغرافيا والأدب.
يبلغ المجموع العام للمخطوطات العربية 2981 مخطوطاً، نقل بعضها من القدس ككتاب «البركة في فضل السعي والحركة» لجمال الدين محمد بن عمر بن محمد الحبشي المتوفى في سنة 833هـ. وهناك مخطوطات لم تطبع في كتب مثل «تواريخ الأنبياء، لقره يعقوب إدريس القرمائي المتوفى سنة 833هـ وهو يحوي أخبار الأنبياء وأهل البيت والعشرة المبشرين وتواريخ الأئمة، وكتاب« توالي التأنيس في فضائل ابن إدريس» لشهاب الدين بن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ ويبحث في حياة الإمام الشافعي وما روى عن الأحاديث النبوية.
أقدم المخطوطات «لطائف الإشارات» لأبي قاسم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري المتوفى سنة 465هـ ويشتمل على تفسير النصف الثاني من القرآن الكريم الذي يبدأ بسورة الكهف.
ومن النسخ النادرة «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» للشريف الإدريسي، وهي نسخة كاملة تشتمل على خرائط ملونة. أما أقدم الكتب المطبوعة باللغة العربية فهو كتاب «القانون في الطب» لابن سينا وهو مطبوع في روما العام 1593م.
وعن الشريف الإدريسي يقول الدكتور نقولا زيادة: عمل الشريف الإدريسي يعتبره الكثيرون ثروة التأليف الجغرافي عند العرب. ومع أن الإدريسي شغل الباحثين طويلاً ولا يزال يشغلهم، فإن معرفتنا به لا تزال محدودة ونحن نحيل القارىء الذي يريد أن يتعرف إلى القضايا المختلفة المتعلقة بحياته وكتابه إلى الفصل الطويل الممتع الذي كتبه الدكتور حسين مؤنس في كتابه «تاريخ الجغرافية والجغرافيين في الأندلس» المنشور في مدريد سنة 1386هـ (1967م) ص: 165 ـ 280، فهو أحدث ما كتب في الموضوع، ومن أفضل ما وضع فيه.
وتعود الصعوبات المتعلقة بالرجل وعمله الكبير إلى أمور يمكن إجمالها فيما يلي:
* إن الذي نعرفه عن حياة الإدريسي قليل جداً، وذلك بأن أصحاب التراجم لم يعنوا به إلا فيما ندر.
* إن كتاب الإدريسي «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» لم ينشر بعد تاماً في مجلدٍ واحدٍ، ذلك بأن الاهتمام انصبّ على أجزاء منه، فنشر الباحثون الفصول التي تهمهم بشكلٍ خاص.
* ثمة اختلافٌ كبيرٌ بين النسخ التي هي بايدي الدارسين لآثار الإدريسي الجغرافية، ولكن معهد الدراسات الشرقية في إيطاليا أخذ على عاتقه قبل سنوات تهيئة طبعة علمية لكتاب الإدريسي، وعهد إلى عدد من المهتمين بالموضوع القيام بذلك. ولا شك أن هذا الأمر يستغرق بعض الوقت قبل أو يوضع المؤلَف كاملاً بين أيدينا، إلا أن الدكتور إحسان عباس يعدّ الآن نصاً كاملاً لنزهة المشتاق، وسينشر قريباً.
بعد إيراد هذه التحفظات نضع بين أيدي القرّاء خلاصة ما وصل إليه الباحثون حول المؤلِف وكتابه «نزهة المشتاق».
ولد الشريف الإدريسي في «سبته» بالمغرب سنة 493هـ (1100م) وفي شبابه خرج من تلك البلاد سائحاً متجوّلاً في الشرق، وقد زار مصر وآسيا الصغرى، وليس ما يدل على أنه زار ديار الشام مثلاً. ومن الواضح أن الإدريسي أقام وقتاً طويلاً بقرطبة، وتلقى العلم بها، ومن الواضح أن هذا جاء بعد رحلته إلى المشرق. ويرى البعض أنه زار لشبونة وسواحل فرنسا، بل لعله وصل إلى إنكلترا. والمهم أن الشريف الإدريسي وفد على صقلية سنة 533هـ (1139م)، ونزل في ضيافة ملكها «روجار» الثاني في «بلرمو»، وهناك وضع كتابه «نزهة المشتاق».
ويجدر بنا أن نتذكر أن صقلية كانت في أيدي العرب مدة طويلة قبل أن احتلها النورمان في القرن الرابع (العاشر). ولكن ملوك النورمان حافظوا على ما كان في الجزيرة من حضارة بيزنطية عربية، لأنهم أدركوا الفائدة التي تعود عليهم من ذلك. وكان البلاط النورماني يجد فيه أهل العلم والمعرفة ترحاباً كبيراً بقطع النظر عن مذاهبهم. وكان روجار الثاني معنياً بالجغرافيا وتقصي أخبار الأقطار، لذلك لقي الإدريسي في البلاط التكرمة اللائقة به. وهناك طلب منه روجار أن يضع له كتاباً لجغرافية العالم، فقام الرجل بذلك، ولكنه صنع في ذلك شيئين آخرين: أولهما أنه رسم خارطة مستديرة للعالم على كرةٍ أو قرصٍ من الفضة، وثانيهما أنه رسم سبعين خارطة للأجزاء التي قسم العالم إليها. ولسنا نعرف في أيّ منها بدأ الإدريسي عمله، ولكن من المرجح أن العمل تمّ في هذه الأشياء الثلاثة معاً. ولنذكر بادىء ذي بدء، أن الإدريسي كان على علمٍ واسعٍ بالجغرافية والفلك والحساب والتاريخ، وكذا الأدوية والأعشاب.
والباحثون يذهبون إلى أن الإدريسي اطّلع على ما كتبه الجغرافيون العرب من قبل، سواء في ذلك ما نقلوه عن بطليموس أو ما وضعوه مستقلين منفردين. وقد درس الدكتور حسين مؤنس مصادر الإدريسي ومنهجه في العمل فخلص من ذلك إلى أن الرجل:
«بعد أن قرأ ما قرأ من كتب الجغرافيا والفلك، وبعد أن ساح في البلاد على قدر ما استطاع، بدأ يرتسم في ذهنه تصوّر جديد لجغرافية الأرض ومنهج جديد لكتابتها مختلف تمام الاختلاف عما سبق إلى ذلك الحين، تصوّر عام يشمل الأرض كلها على أنها كل واحد كل ما فيه جدير للوصف والتحقيق، فلا يقتصر التحقيق على حوض البحر الأبيض كما عند بطليموس، أو على عالم الإسلام، كما عند معظم جغرافيي العرب إلى ذلك الحين، تصوّر جغرافي خالص لا يختلط بالتاريخ هذا الاختلاط الذي جعل الكثير من كتب الجغرافية كتب تاريخ أيضاً، كما نجد عند أبي عبيد البكري، ولا يخلط بين الحقيقة والأسطورة، كما نجد عند الهمداني، تصوّر جغرافي علمي خالص، وبناءً على هذا التصور رسم منهجه: منهج مشاهدة وقياس ومقارنة وربط بين الأجزاء بعضها ببعض ومراعاة النسب بينها، وعمل صورة كاملة للأرض ثم كتابة وصفٍ كاملٍ لهذه الصورة يشمل وصف هيئتها العامة وتقسيمها بعد ذلك إلى مناطق يستقصي الكلام عنها في تفصيل، ويجمع عنها كل ما تيسر له من المعلومات، فما شهده بنفسه أثبته كما رآه، وما لم يشهده سأل عنه أهله ومن رحلوا إليه وساروا في طرقه أو أبحروا في أمواجه أو اشتغلوا بالتجارة فيه. ويستكمل ذلك بما عسى أن يجده في كتب الجغرافية التي تتيسر له.
وليس معنى هذا أن الإدريسي فكر في هذه العناصر كلها وهو يرسم منهجه الجغرافي، فإن تصور الجغرافية على هذا النحو لم يولد إلا بعد عصره بقرون، ولكنه على أي حال فكر في منهج جديد أو بتعبيرٍ أدقّ: سار في طريق جديد، هو الطريق الذي وصل بالجغرافية إلى ما هو عليه اليوم، وتطلب منه السير في ذلك الطريق عناصر لم يجدها فيما بين يديه من الكتب، لا مصورات عامة أو جزئية دقيقة ولا قياسات يمكن التعويل عليها، ولا أوصاف للنواحي يمكن الاعتماد عليها، ولا تفاصيل موثوق فيها كل الثقة على أجناس البشر ومصادر ثروتهم وميادين نشاطهم وإنتاجهم. وكان عليه أن يبدأ هو بذلك، فقرر أولاً أن يرسم صورة شاملة للأرض حتى يسير على خطة واضحة في عمله، ثم قسم هذه الخريطة إلى أقسام صغيرة، ومضى يبحث المعلومات الموجودة عن كلّ قسمٍ ويحققها بسؤال من يعرفونها ومقارنة أقوال بعضهم ببعض واستخراج شيء يمكنه الاطمئنان إليه من ذلك كله».
والأسس التي بنى عليها الإدريسي جغرافيته هي: كروية الأرض ووجود الأقاليم السبعة بدءاً من خط الإستواء والإبتداء بالأطوال من جزر «الخالدات» (جزائر كناري). واتخذ خريطة بطليموس أساساً لخريطته، لكنه أصلح ما فيها من أخطاء. وبدل أن يكتفي بقسمة الأرض إلى أحزمة عرضية موازية لخط الإستواء فقد قسم كل إقليم إلى عشرة أجزاء طويلة، وبذلك تحتّم عليه أن يصف سبعين جزءاً بدل أن يصف سبعة أقاليم، على طريقة بطليموس، أو المناطق الجغرافية على طريقة أهل القرن الرابع (العاشر). ولعل الرجل رسم خارطة العالم المستديرة أولاً، ثم نزع الأقسام السبعين وبسطها بحيث حولها إلى خريطة مسطحة. وهو عملٌ شبيهٌ بالذي قام به «مركاتور الفلمنكي» في القرن السادس عشر من رسم الأطوال والعروض على زوايا قائمة. ولعله أثناء ذلك قام بعمل كرة أرضية من الفضة وجعل الرسامين والنقاشين ينقلون على مستطيلاتها محتويات كل مستطيل من الخريطة المسطحة.
وكان أن وضع كتاباً مطولاً يشرح فيه هذه الخريطة وأجزاءها، فجاء كتابه «نزهة المشتاق في اختراق الأفاق»، حاوياً وصف البلاد والبقاع والبحار والجبال والأنهار والمزروعات والغلال وأجناس النبات والصناعات والتجارات والسكان وعاداتهم وملابسهم ولغاتهم.
وجاء إتمام العمل في رسم الخرائط الصغيرة التي بلغ عددها سبعين خارطة أو صورة.
أدفو
بلد في جمهورية مصر العربية، تقع على الضفة الغربية للنيل، في منتصف المسافة بين طيبة وأسوان، وسكنها اليوم القبط والمسلمون قال صاحب كتاب الطالع السعيد المتوفى سنة 748هـ: كان التشيع بها فاشياً وأهلها طائفتان الإسماعيلية والإمامية ثم ضعف حتى لا يكاد يميز به إلا أشخاص قليلة جداً.
إدلب
محافظة إدلب: أحدثت عام 1960 في الشمال الغربي من الجمهورية العربية السورية. مركزها مدينة إدلب. مساحتها 6100 كم2 تمثل 3.4 بالمئة من مساحة سوريا. تحدها شرقاً محافظة حلب وجنوباً محافظة حماه وغرباً محافظة حماه واللاذقية، وغرب شمال لواء إسكندرون. مشكّلة من خمس مناطق إدارية وكل منطقة من نواحي:
1ـ منطقة إدلب ونواحيها: قرى مركز إدلب: أبو الظهور ـ بنش ـ تفتناز ـ سراقب ـ معرة مصرين.
2ـ منطقة معرة النعمان ونواحيها: قرى مركز المعرة ـ خان شيخون ـ كفرنيل.
3ـ منطقة جسر الشغور ونواحيها: قرى مركز جسر الشغور: بداما ـ دركوش.
4ـ منطقة أريحا ونواحيها: قرى مركز أريحا: حسم ـ محمبل.
5ـ منطقة حارم ونواحيها: قرى مركز حارم: كفر تخاريم ـ سلقين ـ دانا ـ أرمناز ـ قورقنيا.
أهم الجبال فيها جبل الزاوية ـ جبل باريشا ـ جبل الأعلى ـ جبل دويلي ـ جبل الوسطاني ـ وأهم السهول: سهل الروج ـ سهل إدلب ـ سهل معرة مصرين ـ سهل الدانا ـ وسهل حارم. مناخها متوسط معتدل البرودة ماطر شتاء يخترقها نهر العاصي من طرفها الغربي بوادٍ عميقٍ. نصف أراضيها صالحة للزراعة من أهمها القمح ـ القطن ـ التبغ ـ الشمندر السكري ـ البطاطا ـ البندورة ـ ولكن أهم شجرة فيها الزيتون وهي الأولى في القطر بإنتاج الزيت تليها شجرة الكرز ثم الكرمة والتفاح. وأما الصناعة فأهمها صناعة عصر الزيتون ومشتقاته والزجاج والفخار والسكر والمعلبات والغزل الرفيع والسجاد اليدوي. عدد سكانها عام 2000 بلغ/ 1,100,000 نسمة في أصولهم عرب أموريين ومن أهم القبائل التي استوطنت فيها قبل الإسلام تنّوخ ـ غسان ـ كلاب ـ سليح ـ وآخرها الموالي فيها قليل من الأرمن (قرية القنية) ينطقون اللغة العربية ولكن أصل لهجاتهم المحلية إبلالية ـ آرامية. وأما موقعها الهامّ (الإستراتيجي) كطريق مرور لمحور أوروبا وتجارة الشرق منذ آلاف السنين فقد ساعد على نشوء حضارات: أهمها إبل الواقعة قرب طريق سراقب ـ معرة النعمان ـ حماه. ترقى إلى الأف الرابع ق.م كانت عاصمة مملكة ضمت مدن وقرى بلغ عدد سكانها 260 ألف نسمة وجهاز إداري من 1200 موظف.
اكتشف فيها رقم مسمارية خاصة بلغتها وهي العربية القديمة وغيرت مجرى الوقائع التاريخية. دمرت على يد نارام سن الآكادي حوالي 2250 ق.م ثم أُعيد بناؤها لتزدهر بين 2000 ـ 1800 ق.م عرفت بمدينة المعابد.
وعرفت بالتحصينات الدفاعية والعلاقات الدبلوماسية والتجارية مع ملوك الرافدين ومصر والأناضول. أهم ملوكها: إجريش ـ خلم ـ إركب ـ دمر أنوم إبريوم ـ أبي زكير ـ أبيت ليم. أهم أوابدها القصر الملكي ومحفوظاته المسمارية التي أرخت لـ 2300 ق.م.
وفي المحافظة تلول أثرية كثيرة غير تلّ مرديغ (إبل) تأكد أنها مواقع لمدن وقرى قديمة منها (آفس ـ دانيت ـ كرخ ـ قميناس ـ خان شيخون) والتنقيب الأثري أظهر الاستيطان والتدجين فيها منذ الألف السادس ق.م بعد انحسار نفوذ إبل السياسي أصبحت تابعة لمملكة يمحاض (حلب) والالاخ (سهل العمق) في الألف الثاني ق.م من ملوكها: ياريم وادريمي ليم. غزاها الحثيون ثم الميتانيون والفراعنة خاصة تحتمس الثالث بعد منتصف الألف الثاني ق.م ظهرت فيها ممالك أخرى حاولت الاستقلال مثل نوخاشي ـ بركا ـ تلاها مملكة حزرق ـ آفس الآرامية بزعامة زاكير. غزاها الإسكندر المقدوني عام 333 ق.م والفرس في عدة غزوات ثم الرومان 64 ق.م وحين ساد السلام في المنطقة نهض العمران من الحجر الحواري المحلي في الجبال منذ القرن الأول إلى القرن السادس الميلادي في أوابد الكنائس والأديرة والمدافن والحمامات والمعاصر أهمها البارا ـ سرجلا ـ رويحا في جبل الزاوية وداحس ـ باقرحا ـ بابسقا ـ دارقيتا ـ في جبل باريشا طورين ـ كفر تعقاب في جبل الوسطاني وقلب لوزة ـ قرق بيزة ـ بحيو في جبل الأعلى. والطريق المرصوف بالحجارة في سهل دانا (يرقى إلى العهد الروماني) وفي جنوب شرق المحافظة أطلال لأوابد مبنية من الحجر الأسود البازلتي أهمها كراتين ـ غدفة.
فتحها المسلمون سنة 17هـ/ 637م بقيادة أبي عبيدة بن الجراح ثم غزاها الروم البيزنطيون عدة مرات والفرنجة الصليبيون سنة 491هـ/ 1097م ليبقوا في بعض نواحيها حوالي مائتي عام وانشأوا فيها بعض الحصون كحصن زردنا ـ حارم ـ شغر بكاس ـ هاب ـ كفر طاب… وقد قامت فيها إحدى أهم ثورات الشمال السوري ضد الاستعمار الفرنسي (ثورة إبراهيم هنانو: 1919 ـ 1922).
موقعها الهام جعلها ممرّاً للقوافل التجارية والحجيج فأقيمت الخانات خان شيخون (خان السبل (العهد المملوكي) وخان جسر الشغور وخان مراد باشا في المعرة (العهد العثماني) وفيها يرقد الخليفة عمر بن عبد العزيز (101هـ) في قرية دير شرقي قرب معرة النعمان وفيها ولد وتوفي الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري (363 ـ 449هـ) وأما المساجد فأهمها الجامع الكبير في معرة النعمان (العهد الأيوبي) والجامع الكبير في إدلب وسرمين وريحا (العهد المملوكي).
يعتنق سكانها الديانتين الإسلامية والمسيحية. المسلمون من أتباع المذهب السني (الشافعي ويليه الحنفي). وانتشر فيها المذهب الشيعي الإمامي منذ أيام سيف الدولة الحمداني في مدينة معرة مصرين (مشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بني سنة 427/ زمن حكم المرداسيين لها)، ومشهد روحين في ناحية الدانا والذي كان مزاراً لجميع المذاهب الإسلامية والمسيحية وفيه قبر قس بن ساعدة الإيادي، كما انتشر المذهب الشيعي في قرية الفوعة ومدينة سرمين، وامتدّ من جنوب إدلب إلى البارا في زمن ملك حلب رضوان السلجوقي (كان متشيعاً وقد حكم خلال الفترة الممتدة من سنة 488 ـ 506هـ).
كما انتشر فيها المذهب الإسماعيلي بقوة في القرن السابع الهجري في كل من مدينة سرمين (كانت فيها دار الدعوة) وفي قرية كفر لانا.
وأما المذهب الدرزي فظهر منذ القرن الحادي عشر الميلادي في جبل الأعلى وتتبعه الآن عدة قرى أهمها معرة الأخوان ـ كفتين ـ قلب لوزة ومعظم أصول الدروز في لبنان من هذه المنطقة.
وأما المسيحية فقد اتّبعها الكثيرون منذ القرن الأول الميلادي ولكن لم تصبح الدين الرسمي إلا في عام 325م، كانت أهم المذاهب فيها الخلقدونية والطبيعة الواحدة (اليعاقبة) الأرثوذكس والموارنة بقيت حواضرهم إلى القرن الثاني عشر الميلادي في كفر طاب غرب خان شيخون إلى أن هاجروا إلى لبنان، والآن أهم مذاهب المسيحية الأرثوذكس في إدلب وجسر الشغور والغسانية وقليل من البروتستانت في إدلب والغسانية والكاثوليك في قنية ويعقوبية. لقد تطورت المحافظة في كافة الميادين ولكن تظل الحياة الاقتصادية فيها تعتمد على الزراعة أكثر من الصناعة أو التجارة.
إدلب: مدينة ومركز محافظة إدلب في الجمهورية العربية السورية تقع شمال غرب سوريا وسط أرض منبسطة ترتفع 448م عن سطح البحر هي عقدة مواصلات بين حلب واللاذقية ودمشق وتركيا تبعد عن حلب 59 كلم وعن دمشق 315 كلم وعن اللاذقية 127 كلم أراضيها حمراء يزرع فيها الزيتون والتين. يد العمران السريع تطالها في الجهة الجنوبية والغربية، وتتركز القديمة في حي الصليبية والحي الشمالي. فيها معمل الكونسروة ـ حلج القطن ـ الغزل الرفيع ـ ومعاصر الزيتون ـ والسجاد اليدوي والزجاج والبلاط. عدد سكانها عام 2000م/ 95000 نسمة وهم عربٌ مسلمون يعتنقون الإسلام والمسيحية. في أصلها قريتان إدلب الشمالية أو الكبرى وهي الآن دائرة ولكنها كانت عامرة ولها دورٌ حضاريٌ في الألف الثاني قبل الميلاد كعاصمة مملكة (بركة أو برقة) اكتُشِفَ فيها نصبٌ حجريٌ من القرن الثالث الميلادي منحوت عليه وجهين لشخصين حاكم وسفير، واحتلها الصليبيون عام 1098م وحررت سنة 1188م، وتشير الوثائق العثمانية الرسمية إلى أهميتها الاقتصادية في القرن السادس عشر والسابع عشر الميلاديين (صناعة الصابون والزيت والتجارة) وهاجر أهلها إلى إدلب الصغرى (وهي المسماة إدلب حالياً) في نهاية القرن الثامن عشر. ترقى إدلب الصغرى إلى عصر إبل، في أصلها معبد ديني وثني ثم إلى دير (دلبين) في العهد البيزنطي خاص بأتباع مذهب الطبيعة الواحدة (اليعاقبة) وقد سميت به، وقد تكونت قرية حول هذا الدير في أواخر العهد المملوكي تحت اسم إذليب وإدليب وإدلب الصغرى، وفي العهد العثماني صارت صناعة الصابون فيها الأولى فدعيت إدلب الصابون وفي النصف الثاني من القرن السابع عشر اهتم بها الصدر الأعظم محمد باشا الكوبرلي وابنه أحمد ليقيم فيها الدور والأسواق والخانات مع إعفائها من الرسوم والتكاليف لأنها وقفٌ للحرمين الشريفين، فازدهرت اقتصادياً على حساب إدلب الكبرى، وهاجر إليها معظم سكان القرى المجاورة لتصبح قضاءً بعد أن كانت قرية تابعة لقضاء سرمين.
من أهم آثارها الجامع الكبير (العهد المملوكي) وجامع بشير آغا (العهد العثماني) وخان الرز (دار الحكومة العثمانية من أيام الكوبرلي) وكنيسة الروم الأرثوذكس. وفيها معاهد عليا للتدريس ومدرسة شرعية واحدة.
فايز قوصرة
البلدات الشيعية في محافظة إدلب
الفوعة:
تقع شمال شرق إدلب، عدد سكانها حوالي 17500 نسمة سكانها كلهم من الشيعة منذ قديم الزمن كما يذكر الغزي حيث يذكر أنها كانت من أعمال سرمين إلى أن أفردها الملك الظاهر غياث الدين غازي بولايته وجعلها في خاصته ولم تزل ترسل لها الولاة والقضاة إلى أوائل الدولة العثمانية.
فيها من الآثار القديمة الجامع الكبير وجامع الزهراء ومقبرة تضم قبور بعض بني زهرة الذين انتقلوا إليها من حلب، وفي المقبرة مقام كتب عليه «هذا مقام السيد أبو سالم الرابع ركن الدين الفاضل انتقل من حلب إلى الفوعة سنة 707».
كفريا:
تقع قريباً من الفوعة، وعدد سكانها حوالي 6500 نسمة كلهم من الشيعة فيها ثلاثة مساجد اثنان قديمان وواحد يُشاد الآن.
معرة مصرين:
تقع شمال غرب الفوعة عدد سكانها 30000 نسمة يشكل الشيعة 10 بالمئة منهم فيها ثلاثة مساجد (المشهد، والزيارة، والحسين الذي يُشاد الآن وفيها مشهد الإمام علي(ع) كُتِبَ على مدخله هذه العبارة: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله محمد رسول الله عليٌّ وليّ الله صلى الله عليهما. هذا مشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بناه سلطان بن إبراهيم بن علي في سنة ستة وعشرين وأربعمائة». يقع المشهد حالياً ضمن مساحة من الأرض فيها حسينية مسجلة باسم الشيعة فيها مغسلة أموات ومكان لإقامة التعزية لأموات الفقراء ومقبرة.
إدلب
ـ 2 ـ
تعتبر محافظة إدلب من المحافظات الهامة بآثارها الكثيرة التي تنتشر بين ربوعها وضمن تلالها الدفينة والتي تعود لفترات زمنيةٍ مختلفةٍ، وتضم المحافظة أكبر مجموعة أثرية رومانية بيزنطية في شمال سورية بنيت فوق هضبة كلسية لا تزال تتحدى عوامل الزمن وقهر الطبيعة.
تضم محافظة إدلب نحو 400 موقع أثري منها زهاء 200 تلّ أثري، ما لفت أنظار علماء الآثار والباحثين في مجال البحث والتحري عن تلك الحضارات التي تعاقبت وفق تسلسل زمني منذ ثمانية آلاف عام قبل الميلاد إلى القرن الثاني والثالث عشر الميلادي.
1ـ موقع تل مرديخ «إيبلا» حضارة جديدة وعهد جديد لتلك المملكة الراقدة عبر الزمن والتي استيقظت من جديد بعدما نفضت عن أجفانها… وأبصرت العالم من جديد وأصبحت حديث القرن العشرين بعدما مضى عليها غارقة في…. أكثر من 4400 سنة قبل الميلاد.
ويقع تل مرديخ على بعد 25 كلم من جنوب شرق مدينة إدلب على خط حلب ـ دمشق وتبلغ مساحة التل نحو 56 هكتاراً ويشمل البهو ثلاثة هكتارات تقريباً من المساحة الكلية للموقع الذي عززه جدار تحصيني من جميع جهاته.
وتقوم بعثة إيطالية برئاسة البروفسور ونوماتييه بالتنقيب في هذا التل منذ عام 1964 كان الهدف الأساسي من أعمال التنقيب كشف النقاب عن المراحل الأولى لنشوء التمدن وتطوره خلال العصر البرونزي القديم (2600 ـ 2000ق.م).
2ـ تل أفس (حزرق): يقع على بعد 12 كلم شرق مدينة إدلب. يتم التنقيب فيه منذ عام 1980 وتبلغ مساحته نحو 285 ألف متر مربع ويبلغ طوله 570 متراً وعرضه 500 متر ويعتبر حلقة الوصل منذ القدم بين حلب والعمق السوري. ويظن الباحثون أن مدينة حزرق هذه هي عاصمة حماة الآرامية التي عرفت نهاية القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد.
3ـ تل دينيت: يقع شرق مدينة إدلب على بعد خمسة كيلومترات ويرتفع عن سطح البحر 426 متراً ويعتبر عقدة مواصلات بين المنطقة الساحلية وطريق جسر الشغور والمناطق الداخلية قديماً. حدثت فيه معارك هامة بين الصليبيين والمسلمين.
4ـ البارة: تقع في قلب جبل الزاوية وتبعد نحو 30 كلم عن مدينة إدلب على طريق أريحا ـ اللاذقية ويبلغ ارتفاعها 650 متراً عن سطح البحر. تضم أكبر مجموعة خرائب أثرية رومانية بيزنطية يعود تاريخها إلى القرون الوسطى. لكن زمن تأسيسها لا يزال مجهولاً وقد تكون موغلة في القدم. واستناداً إلى بعض النصوص السريانية فهي كانت تدعى «كفر أدبرتا» ودرج اسمها من قبل مؤرخي الفرنجة «البارا» ثم أطلق العرب عليها «البارة».
أقدم الأبنية الموجودة فيها يعود إلى القرن الثاني الميلادي وقد ورد اسمها في كتبٍ تاريخيةٍ عدة فيها الكثير من الكنائس والقبور الهرمية ومعاصر الزيتون والكرمة تعرضت لزلازل كثيرة أهمها الزلزال الذي حدث عام 1958. شهدت معارك طاحنة بين العرب المسلمين والصليبيين والبزنطيين ونتيجة ذلك تزعزع وضعها الاقتصادي والاجتماعي وتآكلت ثروتها الزراعية والحيوانية وبدأت المدينة تخبو وأخذ نجمها بالأفول بعد مغادرة السكان لها.
5ـ كنيسة قلب: تقع في منطقة حارم بالجهة الغربية من مدينة إدلب وعلى بعد 50 كلم من أجمل الكنائس المسيحية البيزنطية المتأثرة بذروة فن العمارة السورية القديمة في العهد البيزنطي وهي تعود إلى القرن السادس الميلادي. وتتألف من أروقة على الجانبين مزينة بزخارف جميلة تعلوها أعمدة وتيجان كورنثية إضافة إلى سور من الحجر الكلسي الكبير يحيط بها.
يبلغ طولها نحو 25 متراً وعرضها 15 متراً وتقوم «المديرية العامة للآثار والمتاحف» بإجراء بعض الترميمات فيها للمحافظة عليها.
6ـ عمود سرمدا: يقع في ناحية سرمدا على طريق إدلب ـ باب الهوى (على الحدود مع تركيا) وهو يبعد عن مدينة إدلب 40 كلم شمالاً ويعود تاريخه إلى القرن الثاني الميلادي 130 م. وهو روماني بناه لنفسه بعض الأرستقراطيين ويدعى الكسندروس وكان أحد البنائين المهرة ويدعى سقراطوي أنطونيوس. وقامت «المديرية العامة للآثار والمتاحف ـ دائرة آثار إدلب» وبالتعاون مع بلدية سرمدا بتسويره وإنارته وترميمه.
7ـ الطريق الروماني: يقع في قرية تل عقبرين (تل الكرامة) ناحية الدانا ويبعد عن مركز مدينة إدلب 45 كلم شمالاً وهو الطريق الحجري الوحيد الموجود في القطر والذي يربط أنطاكية مع حلب وقنسرين معاً ولا يزال جزءاً كبيراً منه محافظاً على وضعه ويبلغ طول الحجر الواحد 6.5 قدم وهي مخرزة لمنع انزلاق الحيوانات عليها أثناء سيرها. وقامت «المديرية العامة للآثار والمتاحف» بترميمه للحفاظ على معالمه الأثرية عام 1991.
8ـ قلعة حارم: وتعني حرم أي الحرام في اللغة السريانية القديمة ولحصانتها يحرمها العدو وتدل اللقى الأثرية على أنها تعود إلى العصر الأخميني (535 ـ 330ق.م) فتحت حارم على يد أبي عبيدة الجراح عام 637م وقال عنها ابن شداد بأنها دمشق الصغرى، وفيها قلعة كبيرة سميت باسمها وهي من أهم القلاع العربية الإسلامية وبنيت على طراز الهندسة المعمارية الأيوبية العسكرية ويشبه سورها النصف دائري قلعة بصرى.
تبعد القلعة عن مدينة إدلب 50 كلم غرباً ويحيط بها خندق كبير قسم منه محفور في الصخر وفيها أبراج وحمامات وجدران ضخمة وسراديب سرّيّة تربط أعلى القلعة بأسفلها كما تضم نبع ماء يسقي أهل البلدة وهي تتمتع بمركز استراتيجي وعسكري كبير.
9ـ مدفن المغارة: وهو مدفن «أبدو سبارتوي» وزوجته «ميرا» تمّ اكتشافه عام 1991 ويعتبر من أهم المدافن الأثنية الرومانية في المنطقة ويعود تاريخه إلى 3 آب (أغسطس) 246م ويتألف من ردهة واسعة وقوس عليه كتابات وفي داخله قبر حجري وتمثال لصاحبه وهو عبارة عن كاهن أو عراف يجلس على كرسيه نقش اسمه على الواجهة الأمامية وزوجته ميرا في الواجهة الثانية بالألوان وتمسك كتاباً مما يدلنا على التطور الفكري الموجود في هذا المدفن وفي تلك المنطقة خلال تلك الحقبة الزمنية. كما تشير الكتابات الموجودة في المدفن إلى ارتفاع كلفته المادية وإلى الطقوس الدينية لأهل المنطقة.
الأدلة الأربعة
مصطلح أصولي يشير إلى: الكتاب والسّنّة والعقل والإجماع، والكتاب هو القرآن الكريم، والسّنّة في اصطلاح الأصوليين تعبر عن الأخبار والأحاديث التي وصلت إلينا عن الرسول الأعظم(ص) والأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، والعقل هو القوة المدركة التي يميز الإنسان بها بين الخير والشر والحسن والقبح. أما الإجماع فيعني اتفاق آراء جميع علماء الشيعة أو أكثرهم بما يكشف عن رأي المعصوم.
وكانت الأدلة الأربعة موضوعاً لعلم الأصول حتى زمن الآخوند الملا محمد كاظم الخراساني، وكان ذلك يثير جدلاً ومنذ زمن طويل كان هذا الجدال قائماً، ويثار إشكال علمي حول كون الأدلة الأربعة موضوعاً لعلم الأصول، فأراد الآخوند الخراساني التخلص من هذا الإشكال، فعرف موضوع الأصول بشيءٍ آخر. ومحور الإشكال هو ما يلي:
تتمايز العلوم حسب تمايز موضوعاتها، وموضوع كل علم هو المادة التي يبحث ذلك العلم عن عوارضها الذاتية، بينما لا يبحث علم الأصول عن العوارض الذاتية للأدلة الأربعة وإنما يبحث عن نفس هذه الأدلة، هل الكتاب (القرآن) حجّة أم لا؟ هل نستطيع العمل بظواهر القرآن أم لا؟ وهل لأخبار الآحاد حجية أم لا؟ وفي جميع هذه الأسئلة نحاول أن نعرف هل هذه الأمور تصلح كأدلة أم لا؟
إذن فإن جميع مباحث الأصول تبحث عن وجود الدليل إلا خاتمة علم الأصول فهي تبحث التعادل والتراجيح والتعارض أي أن هذه الخاتمة هي التي تبحث العوارض الذاتية للأدلة الأربعة فمثلاً تبحث العمل في حال تعارض الأدلة، أي الأدلة مقدم؟ وأيها مؤخر؟ وأي الأدلة يعمل به؟ وحسب المتعارف عليه فإن خاتمة العلوم خارجة عنها.
ومن ثم فإن علم الأصول بكل طوله وعرضه يفتقر إلى الموضوع، وبعبارة أخرى ليس لدينا علم باسم علم الأصول، وكان هذا الإشكال موضعاً للبحث في (القوانين والرسائل) وغيرها وثمة ردود على هذا الإشكال. والشخص الوحيد الذي تهرّب من هذا الإشكال هو الآخوند الخراساني فجعل موضوع علم الأصول هو «ما يصلح للدليلة» أي إن الشيء الذي يبحثه علم الأصول، هو ما يصلح لأن يكون دليلاً في المسائل الفقهية وهذا أمر كلي، فكل شيء يصلح لأن يكون دليلاً يدخل تحت هذا العنوان فيصبح موضوعاً لعلم الأصول، وقد سار بعد الآخوند عدد من العلماء على نفس طريقته في تعريف علم الأصول.
الأراضي الخراجية
هي بعض الأراضي التي شملتها الفتوحات الإسلامية وفرض عليها دفع الخراج وهي على أنواع:
1ـ جميع الأراضي التي فتحت بالمصالحة.
2ـ جميع الأراضي التي استولى عليها المسلمون بالفتح، ولم تكن مقسمة.
3ـ الأراضي التي يتركها أهلها من غير المسلمين قبل وقوع الحرب. وجميع هذه الأراضي التي يحصل عليها المسلمون بأي من الطرق الثلاث، تدخل في ملكية الدولة الإسلامية ويسمح لأهلها بالبقاء فيها بشرط أن يدفعوا الخراج للدولة، أي يصبح الأمر كالعلاقة بين المستأجر والمالك.
أما أهل الذمة الين يسكنون هذه الأراضي فتفرض عليهم الجزية بالإضافة إلى الخراج، ويسقط عنهم ذلك في حال اعتناقهم للإسلام، فيدفعون بدلاً عن الخراج عشر محصولاتهم، إلا أن تبديل أراضي الخراج إلى أراضي العشر لم يكن ممكناً الا بإذنٍ من الخليفة، وإذا لم يرغبوا في ذلك يمكنهم ترك الأرض وفي هذه الحال يبسط الخليفة يده عليها بعنوان ملك عام للمسلمين، أو يفوّض أمرها إلى شخصٍ آخر مقابل مبلغ من المال.
وبقي أمر الجباية مفوّضاً إلى رؤساء القرى كما كان في السابق، وهؤلاء يتعهدون بجميع الجزية بالإضافة إلى جمع الخراج، وعدا المقاسمة التي تعني دفع سهم من المحصول، كان هناك نوع رائج من أنواع الخراج المتعلق بمساحة الآرض وفي بعض الأحيان يصعب التمييز بين الجزية وخراج الأرض فتخلط بعض المصادر بين الاصطلاحيين، فترى عبارات «الجزية على الأراضي» و(الخراج على الرؤوس) واردة في الكثير من هذه المصادر، ولم تكتسب هذه المصطلحات مفهوماً ثابتاً ومحدداً إلا في زمن العباسيين.
وكان دافِعُوا الخراج مخيرين بين دفع خراجهم في نفس أرضهم أو حمله إلى الديوان، وكان الخراج النقدي يؤخذ على دفعتين، الدفعة الأولى في موسم الربيع والدفعة الثانية في موسم الخريف بينما كان الخراج العيني يؤخذ حين جني المحصول.
في العصور الإسلامية الأولى كان مصطلح الخراج يطلق على الضرائب التي تؤخذ من الذميين، إلا أنه أخذ يتوسع بالتدريج ليشمل في القرن الثاني الهجري ضرائب الأرض التي كان المزارعون المسلمون يدفعونها. ولم يكن مستوى الخراج ثابتاً، إنما كان يرتبط بالسياسة الاجتماعية للدولة وكذلك بالقوانين المحلية المتعارف عليها في كل منطقة.
وحسب الفقه الشيعي فإن أراضي الخراج تتعلق بجميع المسلمين دون استثناء، ولكن في العصور الأخيرة وعندما ندر وجود خراج أهل الذمة، ذهب بعض علماء الشيعة إلى الاعتقاد بكون أراضي الخراج ملكاً تاماً للمستولين عليها وأن ليس ثمة فرق بين أراضي الخراج والأراضي الأخرى إلا أخذ الضرائب من الأولى تحت عنوان الخراج.
ويجب أن يدفع الخراج إلى الإمام(ع) لينفقه بنفسه على مصالح المسلمين، ولكن بعد أن أجاز الأئمة (عليهم السلام) في حياتهم تصرف الخلفاء وولاتهم بأموال الخراج، فإن دفع الخراج في زمن غيبتهم إلى الحكام المسلمين، غير الشيعة يعتبر أمراً جائزاً.
أراك
يبلغ عدد سكان مدينة أراك حسب إحصائية 1986م حوالي 365,349 نسمة، وهي مركز قضاء أراك الذي يبلغ عدد سكانه حسب نفس الإحصائية 476,759 نسمة.
تقع أراك على خط طول 49 درجة، 42 شرقاً وخط عرض 34 درجة، 5 شمالاً، ويبلغ ارتفاعها عن مستوى سطح البحر 1759م وتبعد عن العاصمة طهران حوالي 302 كلم.
تقع منطقة أراك في وسط ناحية الجبال التاريخية تقريباً، وهي عبارة عن فلاة مرتفعة نسبياً تتصل من الجنوب والغرب بالمناطق الجنوبية وتتصل بالصحراء من جهتيها الشرقية والشمالية، وتمتد هذه الصحراء بدورها حتى تصل إلى صحراء ميغان الملحية. ويتراوح مناخ ناحية أراك بين البرودة الشديدة شتاءً والاعتدال صيفاً، وتستمر فترة الانجماد فيها حوالي 85 يوماً، وتبتدىء الأيام الباردة عادة في الشهر الثاني من فصل الخريف لتستمر في بعض السنوات إلى الشهر الثاني من فصل الربيع.
وخلال فصل الشتاء تنبعث الغيوم والضباب بكثافة من المستنقعات التي يكثر وجودها في المنطقة لتغطي سماء هذه المنطقة وأجواءها.
تنخفض درجة الحرارة في فصل الشتاء إلى 20.9 درجة تحت الصفر كأدنى حد لها، وترتفع إلى 44 درجة خلال الصيف كأقصى حد لها.
تشتهر أراك بالزراعة وتربية المواشي وأهم محصولاتها الزراعية: القمح والشعير وشمندر السكر والقطن والبطاطا وأنواع الفواكه مثل التفاح والعنب والكمثري والخوخ والإجاص.
وليس لأراك ماضٍ طويلٍ، حيث يرجع أمر بنائها إلى عام 1231هـ. بأمر من يوسف خان الكرجي، الذي كان آنذاك قائداً لمعسكر في هذه المنطقة، وسميت باسم فتح علي شاه القاجاري (م1250هـ) فكانت (سلطان آباد) ثم غير اسمها إلى أراك خلال التقسيمات الإدارية لعام 1937م.
أخذت مدينة أراك تخطو نحو الازدهار بخطوات واسعة بعد أن عبرت خلالها خطوط السكك الحديدية الرئيسية الممتدة بين طهران وخوزستان، وتزامناً مع هذا النمو والازدهار أخذ عدد سكانها يتزايد باستمرار. وفي عام 1977م قسمت المحافظة المركزية إلى قسمين: طهران والمحافظة المركزية، وأصبحت أراك مركزاً للمحافظة المركزية، ونفذ هذا التقسيم عملياً في عام 1978م.
أقيمت في الفترة الأخيرة في أراك عدة مؤسسات صناعية، أهمها: شركة صناعة السيارات، وشركة صناعة الألمنيوم، وشركة هيكو لتصنيع آلات البناء وآلات تعبيد الطرق، وشركة صناعة (الموكيت) والبطانيات ومعمل الحياكة والنسيج.
وتزدهر الصناعات اليدوية بين القرويين في أراك، وأهم هذه الصناعات هي: حياكة السجاد والحصر.
وتحتوي مدينة أراك على مدرسة للعلوم العالية، يدرس فيها 1500 طالب يتلقون فيها مختلف الدروس في فروع الرياضيات والأحياء والفيزياء والكيمياء والأدب الفارسي.
وفي أراك العديد من المدارس القديمة مثل: مدرسة حاج محمد إبراهيم ومدرسة سبهدار ومدرسة الصمصامية.
من أبرز علماء أراك: الحاج آقا محسن العراقي (م 1325هـ) وابنه آقا مصطفي العراقي (م 1371هـ) وحفيده الحاج حسن آقا المعروف بآية الله فريد (المتوفى عام 1390هـ).
الأربس
مدينة الأربس آخر قلاع المقاومة الأغلبية أمام الزحف الفاطمي، أضحت ثغر إفريقية وقاعدة للنشاط الأغلبي الحثيث منذ بدء حركة التوسع الفاطمي إلى سقوطها: هي إحدى مدن ولاية الكاف التونسية تقع في الشمال الغربي من جمهورية تونس، ومن المراكز القريبة من الحدود الجزائرية وقد لاحظ الجغرافيون الذين سموها بلد العنبر أيضاً، أنها تقع غربي جبل زاغون([451]). في بسيط من الأرض ولا تبعد عن حاضرة رقادة والقيروان بأكثر من مسافة ثلاثة أيام([452])، وكانت حصينة ومن المدن الميسورة والغنية بالينابيع وبالعمران المتصل.
وقد قدر أن تشهد أرباض هذه المدينة كبرى معارك القرن الثالث للهجرة التي طوت صفحة النظام القديم، وآذنت بانبلاج فجرٍ مشرقٍ في العهد الجديد([453]). وقد جرى قبيل الالتحام الذي ابتدأ صبيحة 23 أو 24 جمادى الآخرة 296هـ استعداد ضخم ونشاط حثيث في كلا المعسكرين.
فابن أبي الأغلب تعهد قواته وعبّأ صفوفه مرة أخرى بالنجدات التي تقاطرت عليه من الأمير أبي مضر «وأصبح في وضع المتهيء للهجوم».
والداعي الفاطمي أبو عبدالله الشيعي بدوره ـ بعد أن أعلن التعبئة العامة في كتامة والزاب وانطلق من إيكجان مستهلّ جمادى الآخرة 296هـ، حيث عبأ صفوفه في باغاية واستعرض قواته التي بلغت حسب بعض النصوص مائتي ألف بين فرسان ومشاة، واستقرّ جنوب الأربس، على وادي الرمل من فروع وادي ملاق (وهو فرع من مجرده) ـ بدأ من هذا المقرّ، يرسل طلائعه، للتعرف على ميدان المعركة، وتحديد مدى قوة خصمه ولإرهاب سكان النواحي الموالية، سرية اتجهت نحو مكان منيولة وأخرى وصلت حتى سقبنارية (Sicca Veneria) ومنها أخذ بعض سكانها إلى معسكر وادي الرمل، وثالثة توغلت حتى مضارب قبيلة بني جودان ويظهر أن ابن أبي الأغلب الذي لم تخف عليه أهداف هذه التحركات أرسل سرية للتصدي لها فتمكنت من أسر أحد جنوده كتامة، الذي قتله ابن أبي الأغلب ورفض التدخلات لفائدة إبقائه حيّاً([454]).
ويبدو أن المعلومات التي توافرت لدى الطرفين هي التي عجلت ببدء الهجوم العام حيث لا يمكن التراجع أو الانتظار.
غير أن الداعي وقد هاله حجم القوات التي يتصرف فيها خصمه وخشي الهزيمة رغم ضخامة حجم قواته أيضاً أراد أن يضمن لأنصاره قدراً كبيراً من التماسك، والنظام والتنسيق احتياطاً لأسوأ التقديرات.
فوزع رجاله على أربع كتلات راعى في كل كتلة قيامها مع عصبيتها بالاستماتة في القتال وفي الدفاع عن مراكزها.
وحسب ترتيبه الخاص كان على الميمنة فريق (بني ينطاسن) ومنهم إجانة وعثمان، وكانت الميسرة في فريق (بني يناوة) ومن ضمنهم جيملة ولهيصة ومسالته ووقف (بنو أيان) ومنهم ملوزة في القلب. أما الداعي فاختار مجموعة كبيرة من أخلاط كتامة ومن الدعاة وكبار المشايخ وانتحى بهم جانباً حيث أشرف على ميدان المعركة من بعيد.
ورغم هذه الاحتياطات فإن سير المعركة في المرحلة الأولى من صبيحة 24 جمادى الآخرة 296هـ لم يكن مرضياً للداعي ولم يجر في صالح أنصاره الذين بانت عليهم أعراض الضعف والتراجع بسبب ضغط رجال الأغلبي وهجوماتهم المركزة.
وخوف الداعي من هزيمة أنصاره، وتلاشي معسكره هو الذي جعله يتحرك بسرعة ويلتجىء هذه المرة إلى خطة جديدة([455]) أنبنت على عنصر المفاجأة لخصمه من وراء ظهره، فانتدب مجموعة من رجاله وكلفهم بالسير في بعض المنخفضات([456]) القريبة التي تؤدي إلى طرف المعسكر الأغلبي. وفي نطاق السرية بدأت حركة التشويش على الخيل المعادية حتى تنفر ليخف الضغط على رجاله بإبعاد جانب من الجيش الأغلبي عن ميدان المعركة وكان هذا التدبير بمثابة شارة على تحول الموقف لصالح الداعي لأن اصطدام هؤلاء برجال أرسلوا لنفس المهمة من طرف ابن أبي الأغلب كان مفاجأة للآخرين بحيث أدخلت الاضطرابات على نفوسهم فتعالى الصياح الذي لحقت أصداؤه جانباً كبيراً من الجيش الأغلبي فتفككت عراه وانسحب هؤلاء وأولئك في حركة فوضوية تاركين وراءهم ذخائر ومعدات، وانتحى كل فريق جانباً وسلك الطريق الذي يؤدي إلى ناحيته، وعندما أصبح ابن أبي الأغلب في قلة من رجاله ومساعديه وفشت روح الهزيمة في معسكره وقوي الضغط عليه من فرسان ومشاة الداعي انسحب من ميدان المعركة واتجه إلى ناحية مجهولة حيث ظهر بعد ذلك في القيروان.
أما الداعي فقد سيطر على الموقف ورجع إلى معسكره في وادي الرمل دون أن يدخل مدينة الأربس التي أصبحت مدينة مفتوحة إلا صبيحة اليوم التالي.
ثم مضى صباح الاثنين جمادى الآخرة 296هـ إلى قرية دقة القريبة منها حيث تصور السكان أنه يقصد مرة أخرى إقليم قسطيلية عبر منطقة قمودة التي توجد رقادة في هامشها.
وتشير بعض النصوص إلى أن الداعي غداة خروجه من الأربس، انسحب في طريقه إلى باغاية احتياطاً من ظهور حركة مقاومة جديدة ينظمها سكان النواحي القريبة خاصة وأن القائد الأغلبي نجا من المعركة مع أغلب مساعديه، ودخل القيروان.
ويرجح أن هذا هو ما عزم عليه الداعي فعلاً بعد انتهاء المعركة لصالحه لأنها كانت أيضاً سبباً في خسائر وضحايا في جانب أنصاره الذين تعبوا كما أثقلوا بالغنائم والأموال وهذه تحتاج إلى رعاية خاصة في حرز أمين. وأقرب المراكز الحصينة والموالية له في باغاية.
أما الاتجاه نحو قسطيلية فيبدو أنه حركة بارعة قصدها الداعي للتضليل كي يبعد عن ميدان المعركة أو عن الأربس التي أصبحت دورها خراباً وغدا سكانها يسبحون في بركة من الدماء وفي نفوس من بقي منهم غيظ وموجدة وأمل في الثأر، وقابلية للانفجار، ويؤيد ذلك أن إقليمي قسطيلية وقمودة قد طرقهما الداعي من قبل ولم يجد ما يدعو إلى قصدهما ثانية إلا أن يكون ابن أبي الأغلب قد التجأ إلى هناك لتدبير حركة جديدة أو يكون عزم الداعي قد استقر على الاتجاه نحو رقادة لتصفية نظام الإمارة بعد انهيار خط دفاعها الأساسي وهذا غير مستبعد لأن بعض النصوص تشير إلى أنه عندما سمع خبر فرار زيادة الله كان بين دقة التي فارقها وسبيبة التي لم يصل إليها ويعني هذا أنه كان في عمق إقليم قمودة.
ويبدو أن تطور أوضاع الإمارة بفرار زيادة الله، إلى الشرق ولحاق إبراهيم بن أبي الأغلب به بعد أن رفض جمهور سكان القيروان التعاون معه ومدّه بالأموال والرجال والاعتراف به أميراً([457])، هو الذي حمل الداعي على تغيير خط سيره والتوجه مباشرة إلى رقادة من مكان معسكره في وادي الرمل.
ولأنه بعد هذه النهاية السعيدة لجهوده، لا يريد أن يتعجل بالدخول إلى رقادة، وفي نفس الوقت خشي أن تظهر مفاجآت بسبب سيطرة جوّ الخوف والرعب والسلب والنهب في المدينة التي أصبحت ضمن مسؤوليته فقد أرسل بعض رجاله ليضبطوا الأمن ويحفظوا النظام.
ولأن الأمير الأغلبي الذي سمع نبأ الانكسار ظهر يوم الأحد لخمس بقين من جمادى الآخرة 296هـ كان من قبل قد ربط مصيره ومصير أسرته بالنتيجة التي ستسفر عنها المعركة لأن ما هيأه لها كان «آخر ما قدر عليه الخيالة واستفراغ المجهود» فقد تظاهر في بدء الأمر بأن البشائر بالفتح وصلته ثم جمع في سرعة ما قدر على حمله من متاعٍ وأموالٍ واستصحب خواصه وفارق عاصمته ليلاً إلى طرابلس.
وقد كان من رأي ابن الصائغ هذه المرة أن يبقى الأمير حتى آخر لحظة في حاضرة الإمارة، ليدافع عن شرفه مثل أسلافه الشجعان ويعبىء القوى ويجمع موارده كلها للقاء آخر. ولأن الأمير كان في أزمة نفسية حادة وكان من قبل قد سمع همساً عن مكاتبة وزيره للداعي سرّاً، فقد رفض الرأي الصائب وختم نضاله الرائع بعار الفرار عن دار ملكه، ومناط عزّه وشرفه وواجه ابن الصائغ من غير حجة ظاهرة بما يشاع عنه من وصف الخيانة والاتصال بالداعي([458]) لمجرد إلحاحه عليه في مواصلة المقاومة وكان من قبل قد قبل ذلك من قريبه إبراهيم بن حبشي غداة سقوط باغاية ولم يلتفت إلى اقتراح ابن الصائغ بالخروج سرّاً إلى مصر كما أسلفنا.
ويبدو أن تهمة الخيانة لا يوجد ما يؤيدها غير حسد المنافسين لابن الصائغ ومزاج الأمير الذي أصبح حادّاً، ويدحضها في نظري عدة اعتبارات في مقدمتها:
أن النعمان، كان معاصراً لهذه الأحداث وكتب عنها وأشار إلى العناصر التي عرفت بالتشيع منذ قديم وليس من بينهم عبدالله بن الصائغ كما ذكر أن والي طبنة فضّل البقاء إلى جوار الداعي عن الرجوع إلى رقادة ومثله عامل تيفاش الذي ترك مدينته والتجأ إلى إيكجان لكنه لم يشر إلى أن ابن الصائغ كاتب الداعي أو حاول الاتصال به بسبب من الأسباب غير سبب الحرب الشديدة التي كرّس لها جهده.
ـ ولم يبق ابن الصائغ برقادة إلا يسيراً، بعد أن فارقها الأمير ثم غادرها عبر سوسة إلى صقلية لأسبابٍ خاصة.
ـ فلو كان متشيعاً أو كاتب الشيعي بما يفيده ويشجعه على المقاومة لما أسرع في النجاة بنفسه ولبقي مثل المتشيعين الذين أصبح لهم مكان مرموق في النظام الجديد مثل المروزي والنعمان وأبي اليسر الشيباني لأن الداعي سوف يرعاه بعنايته ويحفظ له الصنيعة.
ـ وتصرفاته الخاصة بعد سماعه نبأ الهزيمة يدل على إخلاصه للنظام ورباطة جأشه عكس الأمير، وقريبه الذي فرّ من ميدان المعركة إلى القيروان.
وتشير بعض النصوص إلى أن ابن الصائغ كان يستر خبر الهزيمة ويزيف الحقيقة حتى لا تنهار القوة المعنوية عند السكان وحاول انقاذ الموقف بتقديم الأموال الجزيلة لكل من يقبل التجنيد للدفاع عن شرف الدولة. وفي هذا الوقت كان الأمير وحاشيته منهمكين فقط في جمع الأموال، والأمتعة وانتقاء الجواري تمهيداً للفرار ليلاً، خوفاً من ثورة العامة.
فلو كان هذا الأمير منطقياً مع نفسه، ومع أخلص رجاله عبدالله بن الصائغ لسمع لنداء الحكمة، ولأنقذ شرف أسرته بغير الفرار، وقد بقي عنده متّسع من الوقت لكي يعبىء جنداً آخرين ويجمع فلول القدماء ويغير خط دفاعه ويتظاهر بالقوة ليعطل حركة سير الداعي أو يحمله على تأجيل الهجوم على رقادة ريثما يتغلب رجاله على آثار هزيمة الأربس سيما وأن الداعي ربما كان في نيته أن يرجع إلى باغاية.
ولو تدبّر الأمير القضية المطروحة عليه لتخلص من أولئك الأعوان المزيفين الذين زينوا له فكرة الفرار، وحملوه على تنفيذها لأنهم في الحقيقة هم أعداؤه الذين حكموا عليه بحياة الذّلّة والهوان والتشرد، بين مصر وفلسطين والرقة حتى لفظ أنفاسه في الرملة وحيداً وعلى حالة مهينة.
وهؤلاء هم الذين أغروه بابن الصائغ الذي ساقته الأقدار إلى ساحل طرابلس فقتله كما دسّوا له عند البوشري والي مصر. وبعضهم هو الذي أغرى الأمير باستعمال القوة ضد هذا الوالي، الذي تباطأ في الإذن له بالدخول حتى يعرف رأي الخليفة العباسي المقتدر بالله وتصرفاتهم هي التي عرضته للذل والمهانة وجعلته تحت طائلة التعزيز من طرف أحد المحتسبين في مدينة الرقة، ومحل احتقار من طرف الخليفة العباسي المقتدر بالله الذي لم يأذن له بدخول بغداد وصرفه إلى المغرب عبر مصر ليأخذ منها القوة الكافية لمقاومة الحركة الفاطمية غير أن تصرفات رجاله ثم ما بدر منه في حق والي مصر سابقاً هي التي حالت دون الوفاء بالنجدة التي انتظرها الأمير طويلاً في ذات الحمام([459]) دون جدوى.
أما ابن الصائغ الذي قبل فيه الوشاية فقد كان نموذجاً في الإخلاص والثبات على المبدأ فلم يلجأ إلى الداعي أو يحاول ضمان مستقبله عنده وكان يمكنه ذلك بقدر يسير من الجهد. ولم يفر إلا بعد أن أصبحت رقادة بدون أمير شرعي. أما تحاشيه الخروج بمعية الأمير فلم يكن دافعه نفاقاً أو خيانة وإنما خوفاً على نفسه من بطانة الأمير لأنه «كان معادياً لأكثرهم وكانوا يعادونه لتقدمه على زيادة الله وغلبته عليه فلم يأمنهم أن يسعوا به إليه وسمع ما كان رموه به من مكاتبة أبي عبدالله»([460]).
ولا يؤثر على مستوى إخلاصه تصرفه الخاص في الأموال التي عزم الأمير على نهبها حيث أراد استبقاءها لنفسه لأن الأموال ليست للأمير وإنما هي أموال الإمارة وقد صفيت هذه بفرار زيادة الله. وأخذ الأمير لبعضها عندما فرّ إلى المشرق مثل رغبة ابن الصائغ في الاحتفاظ ببعضها الآخر لنفسه يدخل في إطار السلب والنهب لأموال الرعية استغلالاً لظروفٍ خاصة.
ويلاحظ أن الأحمال التي أرادها ابن الصائغ لنفسه لم تؤل إليه بل بقيت لسبب خاص، مخزونة في قصر الرباط في مدينة سوسة يرعاها ابن الهمداني عاملها حتى أخذها عروبة بن يوسف بأمر من الداعي أبي عبد الله([461]).
ولو بقي لابن الصائغ أدنى قدر من الاقتناع بأهمية إبراهيم بن أبي الأغلب([462]) الذي فرّ من الأربس إلى مكانٍ مجهولٍ ولم يظهر إلا بعد فرار زيادة الله لأجل سفره وبقي إلى جانبه للاحتفاظ بما بقي ولتنظيم مقاومةٍ جديدةٍ.
ـ ومعركة الأربس، التي أنهت نظام الامارة الأغلبية اختلفت النصوص حول تاريخ وقوعها، فالبكري وابن خلدون يجعلانها في سنة 296هـ (908 ـ 909م) بدون تحديد معين لاسم الشهر أو اليوم الذي وقعت فيه والمقريزي وابن الأثير والدواداري يشيرون إلى وقوعها في نهاية شهر جمادى الآخرة من نفس السنة بدون تحديد اسم اليوم الذي وقعت فيه، وكان المقريزي قد أشار إلى سير الداعي من إيكجان في مستهل جمادى الآخرة مثل القاضي النعمان، الذي يتفق مع ابن عذارى على تحديد يومٍ معينٍ للمعركة. رغم أن روايتهما عنها وعن ظروفها تختلف في التفاصيل حيث نجدها كثيرة عند النعمان قليلة عند ابن عذارى.
ومن خلال رويتهما يتضح ان المعركة جرت لستٍ بقين من جمادى الآخر 296هــ، ويضيف ابن عذارى، إلى ذلك إشارة عن سماع زيادة الله لخبر الهزيمة في اليوم الثاني وهو الأحد لخمس بقين من الشهر. ويعني هذا التحديد الدقيق أن المعركة جرت وانتهت يوم السبت وما يفهم ضمناً واستنتاجاً من هذا الأخير أوضحه النعمان بدقة عندما أشار إلى إرسال الداعي، من معسكره في وادي الرمل، عدة سرايا، سرية يوم الخميس لثمان بقين من الشهر، ولست بقين منه وقعت المعركة وهو يوافق يوم السبت وأضاف أنها استمرت حتى آخر الليل وهو نفس ما أشار إليه كل من البكري وابن عذارى وانفرد النعمان بقوله «إن رجال الداعي احتفظوا بمراكزهم» تلك الليلة فلم يقتحموا المدينة إلا صباح يوم الأحد ولم يغادرها إلا يوم الإثنين أي لأربع بقين من الشهر عكس ابن عذارى الذي أوضح أن انسحاب الداعي من الأربس تمّ صباح اليوم التالي للمعركة وهو الأحد لخمس بقين من الشهر أي في نفس اليوم الذي انتشر فيه خبر الهزيمة في رقادة وسمعه الأمير بعد الظهر حسب رواية النعمان، فأعدّ لفراره في نفس الليلة حيث تمّ ذلك في الثلث الأول منها في رواية ابن عذارى.
وكيفما كان اختلاف النصوص حول تاريخ المعركة ووجهة الداعي بعدها ثم مكانه عندما سمع نبأ فرار الأمير فإن المؤكد أن الداعي أرسل في نهاية جمادى الآخرة 296هـ إلى رقادة سرية من كتامة بمعية عروبة بن يوسف وابن أبي خنزير بقصد الإشراف على الوضعية المتدهورة في المدينة بسبب اتّساع حركة السلب والنهب واللصوصية وأعمال العنف التي اضطربت كثيراً من سكانها إلى تركها والتوجه إلى إما القصر القديم أو إلى سوسة أو القيروان. وكان لوصولها نتائج حسنة خاصة عند الضعفاء الذين لم يستطيعوا الفرار ثم عند بعض أفراد الأسر الأغلبية ووجوه المجتمع الذين استقر جانبٌ منهم في القصر القديم، تمهيداً لاختفاء كثير منهم في القرى وفي البوادي النائية فيما بعد([463])، ولم يغادر الداعي معسكره متوجهاً إلى رقادة إلا يوم السبت غرة رجب الفرد 296هـ أي بعد أن لقي وفد القيروان في ساقية ممس وهؤلاء هم الذين جاؤوا بمعيّته إلى المدينة ولم ينصرفوا عنه وإثر ذلك استقر بقصر الصحن أحد قصور إبراهيم بن أحمد([464]) بعد أن وزع رجاله على معسكرت خاصة، في نواحي المدينة وفي القصر القديم وكان عددٌ من صحبه منهم حسب رواية ابن عذارى نحو ثلاثمائة ألف بين فرسان ومشاة([465]).
ولأن المهمة الرئيسية للداعي لم تكتمل بعد، وفي نفس الوقت تقتضي هذه النهاية السعيدة، القيام ببعض الإصلاحات السريعة تعبيراً عن الوضعية الجديدة بكامل أبعادها السياسية والمذهبية فقد أشرف على إجراء تغييرات في الهياكل الإدارية وفي الناحية المذهبية اقتضت منه أكثر من شهرين أي من مستهلّ رجب إلى منتصف رمضان 296هـ وذلك قبل أن ينطلق لإنهاء مهمته بتحرير عبيد الله المهدي وولده من سجن سجلماسة. ويأتي في مقدمة الإجراءات:
منح الأمان العام لسكان القيروان ورقادة بما في ذلك بقايا الأسرة الأغلبية ومواليهم في القصر القديم، لم يستثن من ذلك غير مجموعة من الفتيان بقيادة إبراهيم بن بربر التميمي الملقب بالقوس الذي حرّض على الثورة ضد الداعي وقادها لأنه كان يضمر الشر للحركة الجديدة واشتهر بالشجاعة وقوة البأس وعندما أمر الداعي بخنقه قال لرجاله:«ما امنت بإفريقية حتى قتلت القوس»([466]).
وأصدر سجلاً خاصاً بالأمان العام يشرح فيه أبعاد المعركة الأخيرة، ويشير إلى بعض ملامح السياسة الجديدة التي ستطبّق في سائر ولاية إفريقية، وملحقاتها كجزيرة صقلية ومما جاء فيه خاصة بهذه الجزيرة قوله يخاطب سكانها «وسوف أملأ جزيرتكم خيلاً ورجلاً من المؤمنين الذين يجاهدون في الله حق جهاده فيعز الله بهم الدين والمسلمين ويذلّ بهم الشرك والمشركين».
وقد كفّ أذى جند كتامة عن السكان، ومنعهم من السلب والنهب والتعدي على غيرهم، لكنه في نفس الوقت أرضاهم بتوزيعهم على النواحي ومنح كل واحد منهم مكاناً يأوي إليه والذي كان محل إعجاب ودهشة جماهير السكان هو مدى طواعية هؤلاء لأوامر الداعي وسرعة استجابتهم لكافة رغباته.
وقد حرص على أن يكونوا في هاتين الحاضرتين، قوة بناء وأداة جذب وعناصر فعالة في الدعوة للمذهب الشيعي ولإشاعة مبدأ تقديس علي(ع) وتفضيله على بقية الصحابة.
وعلى عناصر من جند كتامة، بقيادة عروبة بن يوسف الملوسي، اعتمد في ضبط الأمن وإشاعة الألفة والرحمة بين سكان مدينة سوسة([467])، وبهؤلاء تمكن من استرجاع أموال الإمارة الأغلبية التي كانت مخزونة حتى هذا الوقت في قصر الرباط في المدينة([468]).
ـ وعلى مجموعة أخرى، اعتمد في إحضار كل من أبي المقارع من إيكجان وأخيه أبي العباس المخطوم، من طرابلس، وقد حضر الأخير وبمعيّته أبو جعفر الجزري وأم عبيدالله([469]). فكان سروره بوصولهم عظيماً، وقدم لأخيه ما هو أهل له من الاحترام والتقدير بسبب كبر سنه. وكان هذا التدبير مقدمة لاستخلافه على إفريقية بعد مغادرتها إلى سجلماسة. أما أبو المقارع فتلطّف به وأكرمه لكنه لم يعهد إليه بأية مهمة جديدة.
ـ ثم أمر بجمع مخلفات الإمارة وأموال الأمير، وجواريه وسائر ما انتهب من أموال الفارين في مكان أمين وكلف برعايته الأحدب أحمد بن فروخ الطبني، أما الجواري فقد اهتمت بشؤونهن امرأة تسمى روند، التي زوّدها الداعي بما يحتجن إليه من طعام، ولباس، ولكنه رفض الشرب أو أن يمارسن اللهو مع أيّ كان قبل وصول صاحبهن، وقد بقي الداعي متعففاً عن كل المباهج، ولم يمدّ يده إلى أية واحدة منهن، ولما استطلعت «روند» رأيه حول رغبة هؤلاء الجواري، في المرح واللذة بقولها «ويردن من الرجال ما يريد الرجال منهن» أجابها بقوله: «هذا لمولاهن وعن قريب يأتي إليهن».
ـ وقد عهد الداعي لرجال كتامة وللعناصر المتشيعة بالإشراف على النواحي الإدارية والمذهبية والعسكرية.
فكان الحسن بن أحمد بن علي بن أبي كليب المعروف بابن أبي خنزير عاملاً على القيروان، وأخوه خلف بن أحمد على مدينة القصر القديم (العباسية) وقد زودوا بتعليمات دقيقة تقتضي اليقظة لمراقبة الأمن والنظام والالتزام بحدود معينة فكل من خرج «ليلاً» أو شرب مسكراً أو حمله، أو وجد في حوزته تنفذ فيه عقوبة القتل، وفكرة تقديم هذين الرجلين لهذه المهمة، قصد به الرفق بالسكان، لما اشتهر به من التعقل وسداد الرأي وكان في إمكانه أن يعين عروبة بن يوسف خصوصاً وقد اشتهر بالحكمة، ونجح في المهمات التي أسندت إليه في سوسة وفي رقادة ولم ير الناس منه إلا خيراً، لكنه أمسك عن ذلك وتركه في الميدان العسكري لأنه كان من أخص قادته وقد قصد أن يدخره لعملٍ خطيرٍ هو تحرير عبيدالله من سجنه وتأديب القبائل والأنظمة المعارضة على طول الطريق من رقادة إلى سجلماسة.
ـ أما قضاء القيروان وسائر بلاد إفريقية فقد أصبح من نصيب متشيع قديم هو محمد بن عمر بن يحي بن عبد الأعلى، المعروف بالمروزي الذي تمتع بحق الإشراف العام على سائر قضاء النواحي، حتى شمخت نفسه، وأصبح يكتب على سجلاته «من محمد بن عمر قاضي القضاة»([470]).
ولأول عهده أمر بترك صلاة التراويح في شهر رمضان. كما أمر المؤذنين بزيادة حيّ على خير العمل في الأذان وإسقاط «الصلاة خير من النوم» في «أذان الفجر».
ـ وقد عين أئمة لمساجد القيروان ورقادة كلفوا بالدعاء لعلي بن أبي طالب وسائر أصحاب الكساء كما عمم هذا الدعاء في سائر منابر إفريقية إظهاراً لمذهب الشيعة في تفضيل علي(ع).
ويلاحظ أن خطب الجُمع والأعياد لم تتضمن الدعوة لأي إمام، قبل وصول عبدالله المهدي([471]).
ـ وعلى دار الضرب اعتمد على خبرة أبي بكر بن القمودي الفيلسوف وفي أول سكة تذكارية ضربت وعرفت السيدية يذكر اسم الخليفة ولا غيره وإنما نقش عليها «الحمدلله رب العالمين».
أما السكة الأخرى فتضمن أحد وجهيها عبارة «بلغت حجة الله» وفي الوجه الآخر كتبت عبارة «تفرق أعداء الله».
وخاتمة الخاص، نقش عليها آية قرآنية أيضاً هي «فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إنّكَ عَلَى الحَقِّ المُبِينِ» أما الخاتم الرسمي الذي يطبع به على السجلات ويودع في دار الإمارة فقد نقشت عليه آية «وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبّدِّلَ لَكَلَمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ» ووسم فخاذ الخيل بآية «الملك لله» ونقش على البنود «سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ» و «وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقا» وعلى الأسلحة نقش عبارة «عدة في سبيل الله».
وكلف أخاه أبو العباس محمداً المخطوم وأبا زاكي تماماً بن معارك بالإشراف على ولاية إفريقية أثناء رحيله إلى سجلماسة ويبدو أن أخوه كان بمثابة المفوض العام أما أبو زاكي فكانت مهمته ذات طابع عسكري يراقب الأمن في نواحي الولاية بمساعدة جند كتامة في رقادة وفي النواحي.
وحتى لا يفاجأ اهل إفريقية بسرعة مغادرته للمنطقة ويطلقوا العنان لتأويلات شتى أو يفكروا في الثورة والعصيان فإنه أصدر سجلاً خاصاً قرىء على سائر منابر إفريقية فضلاً عن القيروان ورقادة، وفي هذا السجل إشار إلى ما منحه الله من النصر على أعدائه «حتى انقادت إليه الأمور بأزمتها وسلسلت أعنتها.».
وركز مسؤولياته الجديدة في المنطقة وأنه سوف يتصرف فيها طبق قواعد العدل ويرعى كل ما يلتزم بالأوامر وأظهر حب العترة واقتفى أثر أهل البيت، ويعمل على إشاعة جو السلام والأمن في المنطقة «إلى غاية يشرب لها الذئب والشاة من منهل ويجتمع العدو مع عدوه في منزل ويسلك السفر والسيارة بلا خفير ولا سفير من لدن أرض مصر إلى أقصى حجر بالمغرب».
ورغم أنه لم يشر إلى اسم عبدالله المهدي صراحة ولم يوضح مهمته في هذا السجل فإنه لمّح إلى ذلك بقوله «آثرت ترك الدعة والسعة وهجرت مهاد الخفض ورفاهة العيش ابتغاء ثواب الله في لمّ شعثكم وضم نشركم وما يعود نفعه عليكم في يومكم وغدكم وعاجلكم وآجلكم».
وقد تحاشى في هذا السجل أن يذكر غير نائبه تمام بن معارك مع أن أبا العباس محمداً المخطوم([472]) كان مكلفاً بمهمة وقد استقدم من طرابلس لهذه الغاية ولم يصطحبه معه إلى سجلماسة على الرغم من أنه يفيده في التعرف على عبدالله وولده لأنه لم يسبق له أن اتصل بهما مباشرة.
وأبو العباس كان ضمن الرفقة التي صحبت عبدالله في رحلته من سلمية عبر مصر إلى سجلماسة في صحراء المغرب لكنه فارقه في طرابلس للقيام بمهمة خاصة عند أخيه في كتامة.
وينهض وجود هذا الرجل ـ بين رجال عبدالله عندما فارق سلمية دليلاً على أن الأخير كان قد عزم على التوجه الى المغرب قبل مغادرته سلمية لأسباب تتعلق بأمنه ومصيره وبمصير حركته لكنه احتفظ بحق عدم إطلاع أي أحد من رجاله وكبار أنصاره وفي مصر، أيد هذا الاتجاه أبو علي من كبار دعاته بدون تردد وعزم على أن يرافقه في رحلته إلى بلاد المغرب بخلاف صهره فيروز باب الأبواب وكبير الدعاة وصاحب الحظوة الذي تظاهر بإشفاقه على عبدالله من الرحلة إلى بلادٍ قصيةٍ وفضل اليمن لنجاح الدعوة على يد أنصاره هناك.
بعد انتصار الأربس
أول نظام صفي في بلاد المغرب بعد معركة الأربس وسقوط الإمارة الأغلبية هو نظام الإمامة الرستمية الإباضية في المغرب الأوسط وجبل نفوسة.
ويلاحظ أن هذه الإمامة، التي كانت عبارة عن تجمّع قبائل ألّف بينها المذهب والحلف والعصبية لم تعرف في حياتها الوحدة والتماسك، إلا في ظلّ مؤسسها عبد الرحمن بن رستم وإلى حدّ ما في عهد ابنه، عبد الوهاب. بحيث تعتبر هذه الفترة عصرها الذهبي من الناحية السياسية.
ولكن نشأ عن معارضة يزيد بن فندين ـ وهو من بين رجال الشورى المرشحين للإمامة بعد وفاة ابن رستم ـ لإمامة عبد الوهاب، الذي اختير من طرفهم، أول تصدّع أو انشقاق، في صلب المذهب الإباضي، وبين رجال الطائفة، وظهرت إلى الوجود السياسي، فئة إباضية تنكر إمامة عبد الوهاب وتشنّع عليه، عرفت بطائفة النكارية، والنجوية، والنكثات، والشغبية، والملحدة أيضاً([473])، وكان يشايعها في آرائها ضده، فريق الواصلية، أو المعتزلة، وهم من بين بدو زناتة، الذين وجدوا في بيئة تاهرت، وفي تسامح عبد الرحمن بن رستم مجالاً خصباً، لإشاعة آرائهم بالجدل والمناظرة حولها، مع غيرهم من الطوائف المذهبية([474]).
وكان الواصلية والنكارية ضد من تمسك بإمامة عبد الوهاب واعتبرها شرعية، وهؤلاء هم أنصاره الذين عرفوا بالوهابية (الوهبية)([475]).
وعندما ضاق مجال تاهرت بالنكارية بعد هزيمتهم وخابت مساعيهم وفشلت مشروعاتهم في تغذية حركة الثورة ضد عبد الوهاب، لعزله أو قتله، هاجر فريق كبير منهم إلى جبل نفوسة، حيث أصبحوا هناك أداة للتشهير به، وعقبة في سبيل توطيد نفوذه في المنطقة. ويبدو أن إباضية جبل نفوسة لم يتأثروا في بادىء الأمر بآراء النكارية وبقوا على ولائهم للبيت الرستمي ولإمامة عبد الوهاب بن عبد الرحمن في تاهرت حتى أنه استعان بجهود رجالهم في التغلب على الأزمة الداخلية، فطلب من بينهم علماء، وجدليين لينافحوا عن المذهب، ويناظروا النكارية والواصلية فيما ادّعوه من آراء مذهبية مخالفة.
وقد احتفوا به أيضاً، وأضافوه في منطقتهم عندما مرّ بهم في طريقه إلى الحج، وعندما همّ بالرجوع إلى تاهرت استجابةً لرغبتهم خاصة بعد وصول فتوى علماء المذهب الإباضي في البصرة وبلاد المشرق بعدم جواز ذلك له خوفاً من المسودة ومن انعدام الأمن في الطريق([476]) عيّن نائباً عنه في الجبل من نسل الإمام أبي الخطاب، هو ابنه السمح تلبية لرغبة جماهير السكان الذين ما زالوا يكنون تقديراً لأسرة أبي الخطاب أول أئمة الظهور عند الإباضية([477]).
غير أن وفاة السمح بن عبد الأعلى المعافري كانت سبباً في حدوث انتفاض إباضية جبل نفوسة ضد الإمام عبد الوهاب الذي تأكد في عهد ابنه أفلح أيضاً.
وأسباب هذا الخلاف، الذي يعتبر الانشقاق الثاني في صلب الطائفة الإباضية يرجع إلى رفض الإمام عبد الوهاب لرأي سكان الجبل في تعيين خلف بن السمح والياً عليهم بعد وفاة أبيه وتمسك برأيه وعزله رغم التفاهم حوله وتشجيعهم له على البقاء في مركزه. وقد رفضوا رأي الإمام ولم يأخذوا بفتوى علماء المذهب بل بايعوا خلفاً بن المسح([478]) إماماً وأعلنوا الثورة الانفصالية في إقليم طرابلس، ضد الإمامية الرستمية في تاهرت. ولأول مرة أصبحت هناك إمامة شرعية من الرستميين في تاهرت وأخرى خطابية (نسبة لأبي الخطاب) في جبل نفوسة، ويمثلها إمام من غير الرستميين وراءه وقفت عصبيته وأنصار أبيه وجده من قبائل نفوسة وهوارة، وغيرهما. وهم الذين عرفوا بالخلفية، ويمكن اعتبارهم خطابية أيضاً، وهم يمثلون في التاريخ السياسي والمذهبي لإباضية إفريقية والمغرب، الصدع الثاني، والانفصال السياسي، بين تاهرت الرستمية، وإقليم جبل نفوسة.
ولا يستبعد أن يكون للإقليمية وللعصبية القبلية دخلٌ فيما حصل من تطورات في منطقة جبل نفوسة لغير صالح الرستميين، وعناصر السلطة في تاهرت. ويبدو أن نفوسة وأحلافها كانت رغبتهم أيضاً أن يظهروا في ميدان التوجيه والزعامة السياسية في الجبل مثل لماية، ولواتة ومزاتة، التي كانت زعامتها بارزة في تاهرت. بحيث تأخذ نفوسة على عاتقها توجيه إباضية إقليم طرابلس الذي هو منعزل جغرافياً عن بيئة تاهرت، ولا ينال من الأئمة الرستميين عناية كبيرة، في نظير ما يساهم به في حياة الإمامة وفي مشاريعها وفي ربط علاقاتها بالمشرق والسبب في ذلك انشغال الأئمة بمناطق نفوذهم وبرعاياهم في المغرب الأوسط.
وهكذا يصبح إقليم جبل نفوسة، في عهد خلف بن السمح كما كان في عهد جده الإمام أبي الخطاب مركز الدولة ومناط الاهتمام ومستقلاً عن الأنظمة السياسية التي تجاوره. ثم إن أهمية جبل نفوسة وإقليم طرابلس كله من الناحية التاريخية تفوق أهمية تاهرت لأن المنطقة الأولى ارتبطت بأبي الخطاب بخلاف الثانية التي ارتبطت فقط بأحد زملائه من حملة المذهب الإباضي، ونائبه عن القيروان ووارث مجده في إمامة الإباضية([479]).
ولذلك فشلت كل المحاولات التوفيقية وتأكد الوضع الانفصالي لجبل نفوسة في عهد أفلح بن عبد الوهاب ثالث الأئمة الرستميين الذي رفض خلف بن السمح وأنصاره الاعتراف بإمامته، وناصبوه العداء. وأشهروا حرباً عنيفةً ضد واليه أبي عبيد عبد الحميد الجناوني الذي عيّنه أبوه من قبل لمراقبة شؤون المنطقة وللقضاء على انفصال خلف الذي وصف، بالخبيث ابن الطيب في بعض المصادر الإباضية.
ورغم أن الجناوني ظفر ببعض المزايا في الإقليم وألحق بعض الهزائم بالخلفيين فإنهم بقوا في هذه المنطقة ضمن فئات الإباضية الأخرى المنتشرة في بلاد المغرب عنواناً على الانشقاق، والاستقلال بالرأي، والانقسام في صلب الطائفة الإباضية الكبرى التي تعرضت بعد ذلك لعدة هزات بسبب الاختلاف المذهبي حول بعض الفروع([480]) والقضايا.
ويلاحظ أن انفصال معظم إقليم نفوسة إن كان قد أتاح لهذه القبيلة أن تعبر عن استقلالها وتشارك في مواجهة بعض الأحداث الخارجية التي عرفتها منطقة طرابلس ومن أهمها فتنة العباس بن أحمد بن طولون (267هـ 880 ـ 881)، الذي خرج مغاضباً لأبيه يريد التوسع على حساب الأغالبة. حيث ظهر دورها بقيادة أبي منصور الياس «صاحب نفوسة» الذي قام محتسباً وناصراً جيرانه من المسلمين، فأنزل الهزيمة بجند العباس بن طولون وأجلاه إلى برقة، وكفى الأغالبة مؤونة حربه مرة أخرى([481])، فإنه سرعان ما أساء إلى وضعها، خاصة عندما بدأت تتحدى نفوذ الأغالبة من غير تنسيق مع القوى المعادية لهم، فقد أغرتها قوتها وميزات موقعها بالتعرض لإبراهيم بن أحمد، أمير بني الأغلب (283هـ/ 896 ـ 897م) في الطريق بين قابس وطرابلس ومنعته من المرور فكان ذلك بداية لانهيارها إثر سلسلة من الهزائم منيت بها على يد هذا الأمير (283هـ) ثم على يد ابنه أبي العباس عبدالله([482]) (284هـ 897 ـ 898م)، وانهيار هذه القبيلة وعداؤها للإمامة الرستمية هما اللذان حالا دون التجاء بقايا الأسرة الرستمية إلى منطقتها فيما بعد لتدبير شأن الطائفة أو لإحياء نظام الإمامة وفضلوا جوار بني وارقلان في صحراء المغرب الأوسط.
ومع أن انفصال معظم إقليم جبل نفوسة، قد أراح الإمامة منذ عصر أفلح بن عبد الوهاب من كثير من المشاكل الخارجية إلا أن المشاكل الداخلية بقيت، والصراع على الحكم استمرّ وكل ما هنالك أنه أصبح الآن يدور في تاهرت وبين أعضاء الأسرة الرستمية أنفسهم، ابتدأ منذ عصر إمامة أبي بكر بن أفلح ـ رابع الأئمة ـ الذي اختلف السكان عليه وطردوه ثم رجعوا إلى طاعته وأعادوه إلى تاهرت، كما استمروا على ولائهم لأخيه أبي اليقظان محمد بن أفلح، فلما توفي سنة (281هـ/ 894 ـ 895م) بدأ فصلٌ من الصراع الأسري الحاد الذي انتهى بسقوط نظام الإمامة الرستمية، بدون قتال أو زحوف عسكرية هادفة.
ذلك أن إمامة ابنه أبي حاتم يوسف منذ سنة 281هـ، لقيت معارضة شديدة من طرف سكان تاهرت ومن عمه يعقوب بن أفلح، الذي اضطره إلى ترك تاهرت، والاتجاء إلى حصنٍ قريبٍ يعرف بحصن لواتة، وبدأ في تدبير شؤون الحرب التي أعلنها ضد المخالفين ومن ضمنهم عمه يعقوب الذي استبدّ بالإمامة وأحاط نفسه بأنصار كثيرين من سكان تاهرت([483]) هم الذين ساعدوه على البقاء مدة أربع سنوات، وعندما ظفر بعمه، الذي تنكر له أنصاره بعد هزيمته ودخل تاهرت([484]) واستعاد حقوقه في الإمامة، لم يلبث إلا سنين قليلة وقتله أبناء أخيه([485]) سنة 294هـ/ 907م ليخلو الجو لأبيهم اليقظان بن أبي اليقظان وهو ثامن الأئمة الرستميين الذي قدر له أن يقتل هو وأسرته ويصفى نظام الإمامية الرستمية في تاهرت بعده على أيدي جند كتامة، وداعية المهدي الفاطمي أبي عبدالله الشيعي.
وهكذا يلاحظ أن الأزمات التي كانت ذات طابع مذهبي في عصري عبد الوهاب وأفلح في تاهرت وجبل نفوسة، والتي تحولت منذ إمامة أبي بكر بن أفلح، القصيرة، إلى صراعٍ حادٍّ على السلطة بين الأقارب في تاهرت، تؤيد كلّاً منهم عصبة خاصة، هي التي عاقت جهود المخلصين ومساعيهم من أجل بعث وحدة قوية في مجتمع تاهرت الرستمي لمواجهة الأخطار، التي بدأت تلوح من بعيد في أرض إفريقية، بل إن الأخبار المروعة عن حركات وزحوف كتامة ونشاط حركة التوسع في إفريقية ضد مدن الزاب وكتامة الأغلبية، كانت تصل إليهم، ومع ذلك ما استطاع الأئمة الأواخر في غمرة الصراع المذهبي والأسري والنزعات القبلية والتمزق الاجتماعي مواجهة الأحداث وبعث الاستقرار في الحكم والتغلب على التناقضات الداخلية وجمع طاقات السكان في صعيد واحد من أجل تدعيم مركز الإمامة وتمتين جهاز دفاعها حماية لها من السقوط تحت طائلة القوى الخارجية.
ومجتمع تاهرت كان نقطة ضعف بارزة في نظام الإمامة إذ أنه كان خليطاً غير متجانس سياسياً ومذهبياً، فأغلبه من فرع البتر، وأقلّه من فرع البرانس، هذا إلى جانب جاليات أندلسية ومجموعات من النصارى والفرس المستعربين، وكثير من تجار المشرق والمغرب، وطلاب العلم والمعرفة الذين ارتضوا تاهرت مقاماً لهم ومستقراً([486]).
ومن بين عناصر السكان كان الفرس وبربر نفوسة، ولماية، وهوارة، ومزاتة، حماة النظام، وحراساً على مكاسب الإمامة، ومنهم الطبقات العليا باعتبارهم عصبية الدولة وعلى مذهبها، وهم مصدر قوتها الأدبية والمادية. أما بقية الطوائف فكانت إلى جانب أن لها مصالح خاصة، ومتناقضة في المدينة تخالف مذهب الدولة، ولا تهتم بمصير نظام الإمامة ولا تفكر في التضحية أو التنازل عن أي شيء من امتيازاتها خدمة للمصلحة العامة.
وهذا الوضع الذي يمتاز باختلاف الأجناس والمذاهب، والمصالح، جعل مجتمع تاهرت يعيش حياة طائفية منفصلة ممزقة، فلا صلة لطائفة بأخرى ولا بنظام الإمامة التي أصبحت رمزاً لطائفة معينة، شغلها صراعها الداخلي عن التفكير، في مصير الإمامة، وصرفها إلى تكتيل الأنصار والمساعدين حولها، ولو كانوا من غير الإباضية([487]).
وكانت هذه الناحية نقطة ضعف بارزة في نظام الإمامة، التي كان يعرضها صراع الطوائف أحياناً لمشاكل ولحروب تطبع حياتها بطابع الفوضى، وعدم الاستقرار. ويعني أيضاً أن دور الأئمة الرستميين في حياة الطوائف غير الإباضية كان ضعيفاً وأن سلطتهم الروحية كانت منعدمة مثل أثرهم المادي. ولو كانت الأسرة الرستمية متماسكة، مثل أسرة بني مدرار في سجلماسة، لها جيشٌ قويٌ، ومجتمعٌ موحدٌ، وعصبيةٌ مواليةٌ، لكان من الميسور على اليقظان آخر الأئمة أن يقود حركة المقاومة، ضد كتائب الشيعي ويمنع عناصر التآمر من الاتصال به، والتنسيق معه، غير أن الخلاف الأسري، والتمزق الاجتماعي وضعف قوة الدفاع الذاتية، بسبب فناء خيرة الرجال في الفتن والحروب الداخلية أو ضد تحرشات مغراوة وبني يفرن الزناتية هي التي جعلت نظام الإمامة يتهاوى بسرعة وبدون أية مقاومة داخلية.
وقد تسببت في هذه النتيجة أيضاً، ظاهرة أخرى، هي الانحلال الخلقي الذي أدى إلى اغتيال أبي حاتم يوسف على يد بني أخيه اليقظان الذي استبد بالإمامة مغتبطاً، وأثار عضب أبناء أخيه ودفعهم إلى سلوك طرق ملتوية، للثأر وللانتقام منه. فأصبحت دوسرا وإخوتها عيوناً للداعي الفاطمي ضد بلادهم وسبباً في تخريب نظام الإمامة الرستمية، وقد اتصلت دوسرا بالداعي منذ أن فارق رقادة وبعد أن صورت له وضع الإمام في تاهرت على حقيقته، متهاوياً، منطوياً على نفسه مبغضاً من طرف السكان، رغبت منه أن يثأر لها ولإخوتها من قاتلي أبيهم على أن تساعده، بما أمكنها، وتصير له زوجة المستقبل.
وقد انضاف إلى رغبة دوسرا، بدافع الحقد والحرص، على الأخذ بالثأر، رجاء وإلحاح بقية الطوائف غير الإباضية عليه ومنهم، الصفرية، والواصلية وأهل السّنّة والشيعة، في أن يريحهم من حكم اليقظان ومن نظام الإمامة الرستمية، التي أصبحت تقوم على الغدر، والخيانة واللأخلاقية.
ورغم أن الداعي الفاطمي، لم يكن في نيته عندما فارق رقادة، غير مشروع تحرير عبدالله المهدي من سجنه، بسبب الخوف على مصير الحركة، إذا لم يأت صاحب الدعوة، فإنه مضى قدماً، في تنفيذ فكرة ضمّ أملاك الإمامة الرستمية، بعد تصفيتها إلى إطار الحركة الفاطمية، لاطمئنانه إلى سهولة الأمر بسبب استعداد السكان، وعدم الخوف من أية ردود فعل داخلية أو خارجية قد تعطل حركة سيره نحو سجلماسة وهي هدفه البعيد، واحتمال تدخل الأمويين في الأندلس لفائدة الإمامة الرستمية بعيد، رغم ما كان بين الإمارة الأموية ونظام الإمامة، من علاقات مودة وصداقة، وتعاون، لأنهم كانوا منشغلين بمشاكلهم الخاصة في شبه الجزيرة ومن أخطرها تمرّد عمر بن حفصون ضد الإمارة في قرطبة([488]) كذلك كان الأدارسة في وضع سياسي غير مستقر، ولم تكن علاقتهم وماضيهم يسمحان لهم بالتحرك لنجدة فئات من الخوارج. أما إمارة سجلماسة الصفرية التي كانت حليفاً طبيعياً للإمامة في تاهرت وراعية للصفرية فيها، فعلى الرغم من أنها كانت ضعيفة وبعيدة نسبياً عن تاهرت فإنها أسهمت إلى حدٍّ ما بجهد، في التنكيل بعبيدالله المهدي وبابنه ورجاله، والتضييق عليهم، وربما قتل أهمهم، ثأراً لما حلّ بتاهرت، وبالإمام اليقظان وأسرته وبنظام الإمامة الرستمية كما أشرنا.
ومع اقتناع الداعي بأهمية تاهرت وسهولة ذلك في ظل أوضاعها الدقيقة فإنه احتاط للأمر خيفة من ظهور مفاجآت قد تقضي على بعض أنصاره، فأرسل رسلاً إلى الإمام اليقظان يطلب الاجتماع به خارج المدينة، فسعى إليه الأخير بأبنائه وإخوته ورجاله، وأثناء المحاورة التي جرت لجسّ النبض أساء الداعي لمقام الإمام وتجاهله، وخاطبه من مركز القوة. ووصفه بالحيران، وعيّره بسوء التدبير، والجبن، وبارتكاب ما لا يحل للمسلمين فعله «ما بالكم قتلتم أميركم، وسلبتم من أنفسكم ملككم، وأطفيتم نور الإسلام وألقيتم إلينا بأيديكم، بغير قتال ولا حصار».
وتظاهر الداعي أمام السكان، بمنح الأمان العام للجميع ووعد بالتسامح مع الطوائف غير الشيعية، وأرسل من مكانه ـ خارج المدينة، من يشيع هذه الاتجاهات، لتطمئن النفوس.
وقد ظهرت نتائج هذه الأعمال، فتمكن رجاله من دخول تاهرت أماناً، وبدون أدنى مقاومة في شوال 296هـ/ يونيه 908م، وفي داخل المدينة، تنكر جند كتامة لوعودهم السابقة بالأمان والتسامح وارتكبوا أفعالاً سيئة ضد السكان، كما أمر الداعي بقتل اليقظان وأبنائه وإخوته وسائر من ينتمي إلى البيت الرستمي، ولم يفرق في ذلك بين من سبق لهم الاتصال به وبين من لم يسبق لهم ذلك إلا من اختفى، أو فرّ من قبضته إلى جهات بعيدة.
وبدأت حركة نشيطة من أجل العثور على دوسرا وأخواتها، وبقية أعضاء الأسرة الرستمية، غير أن هذه المرأة اختفت خوفاً على نفسها من القتل، أو من أن تُسْبَى، وكانت هي وعمها أبو يوسف يعقوب، وابنه أبو سليمان مع بعض الحراس، والأتباع، قد تمكنوا من النجاة بأنفسهم حيث التجؤوا بعد صعوبة إلى صحراء بني وارجلان وبقوا هناك في حماية إباضية المنطقة.
وفي صحراء بني وارجلان استقبلهم شيخ إباضية الجهة وعالمهم أبو صالح جنون بن يمريان بما يليق بمكانتهم كأعضاء في بيت الإمامة الرستمية، وعرض عليهم، مشروع إعادة إحياء نظام الإمامة، في هذه الجهة، لكن أبا يوسف يعقوب، رفض هذا العرض، لأنه غير عملي، بسبب صعوبة البيئة، وعدم وجود القوة الكافية لحماية النظام الجديد، الذي لا يكفي لبقائه، في هذه الفترة إخلاص، أو حماس مجموعة من الأنصار المستضعفين([489]).
ويبدو أن مشروع إحياء نظام الإمامة وإيواء الفارّين من البيت الرستمي اعتبرا عملين موجهين ضد الحركة الفاطمية، ولذلك أمر عبدالله المهدي، بعد تحريره من سجلماسة، قوة عسكرية بالتوجه لحصار بني وارجلان، وتأديبهم، على إظهارهم العداء. ثم على إساءة معاملته عندما كان في طريقه إلى سجلماسة، حيث ألقى سفهاء قصر بكر التراب على وجهه فغادرهم إلى سجلماسة بسرعة.
وتشير بعض النصوص إلى أن الداعي أرسل رؤوس القتلى في تاهرت إلى أبي زاكي، وأبي العباس في رقادة، لكي تشهر في المنطقة، ترهيباً لمن قد تحدثهم أنفسهم بتدبير المقاومة، أو بإظهار العداء والعناد. وقد طوفت الرؤوس في القيروان ثم نصبت على باب رقادة([490]) ليراها السكان المارّون، وينقلوا أخبارها إلى الآفاق البعيدة فيزداد اقتناع السكان بقوة الدولة الجديدة.
وقد كفل سقوط الإمامة الرستمية على يد جند كتامة وضم تاهرت لإطار الدولة الفاطمية عدة مميزات هامة يأتي في مقدمتها:
(أ) أن الدولة الفاطمية نجحت في القضاء على قوة المذهب الإباضي عندما تشتت شمل أنصاره في مجاهل الصحراء، وصفت نظام الإمامة الرستمية، بعد ماضٍ طويلٍ في المنطقة فأصبحت الطائفة الإباضية في المغرب الأوسط لأول مرة تعيش بدون كيان سياسي، ونظام جامع، وكان يمكن أن تهدد حركة التصفية، بزوال المذهب، لولا أن بعض المخلصين من الطائفة حافظوا على تماسكها في أماكن منعزلة، عن طريق نظام العزابة، الذي حفظ كيانها، وهي تعيش في إطاره حتى وقتنا الحاضر([491]).
ولم يخل مشروع تصفية الإمامة، من ردود فعلٍ أخرى، حيث كان تمنع إباضية جبل نفوسة، وإقليم طرابلس، وثوراتهم ضد الفاطميين، ثم ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد وتهديدها لكيان الفاطميين فصولاً من حركة المعارضة الإباضية.
(ب) ثم إن سقوط مدينة تاهرت، التي تقع في مجال البتر، على أيدي بربر كتامة، من البرانس كان يعني تمسك البتر، وبدو زناتة، بالعداء، وبالمقاومة الشديدة للخلافة الفاطمية، التي ارتبط مصيرها بسيادة فرع البرانس وكتامة خاصة.
(ج) وقد كسبت الدولة الفاطمية من الاستيلاء على تاهرت، مركزاً هاماً في طريق القوافل التجارية يضمن لها الإشراف والسيطرة على حركة التجارة بين المشرق والمغرب، والصحراء، حيث توجد منابع البتر في السودان الغربي.
وغدت أهمية تاهرت أكثر بروزاً عندما انضمت سجلماسة، باب السودان الغربي، إلى إطار الدولة الفاطمية، فكانت تاهرت بمثابة المحطة الوسطى للقوافل المتجهة نحو السودان الغربي، عبر مدينة سجلماسة.
(د) ثم إن ضمّ تاهرت ـ وهي كما أشرنا، في مجالات البتر، كان يشير إلى أن قلب بلاد البتر، وزناتة، قد أصبح محاصراً، ومن ثم فإن حركات هؤلاء سوف تكون مراقبة بدقة، أما معارضتهم للنظام الجديد، فإنها لن تكون ذات جدوى ما دامت تاهرت قاعدة من قواعده الموالية.
وقد دلّت الأحداث التالية لضم تاهرت إلى إدراك كل من الفريقين المتنازعين لأهمية الاستيلاء عليها.
وغدا النزاع من أجلها، طابع الحياة السياسية حتى بعد رحيل الفاطميين إلى مصر. وكان يتصدر النزاع، من البرانس، كتامة، وأحلافها، ثم صنهاجة، أما من جانب البتر فتصدرت النزاع زناتة، بفرعيها الكبيرين، مغراوة وبني يفرن، كما أسهمت مكناسة في عصر سيادة ابن أبي العافية بدورٍ كبيرٍ في حركة الصراع العنيف من أجل الظفر بميزات موقع تاهرت، خدمة للأمويين في قرطبة.
وطالما احتفظ الفاطميون بمركزهم القوي، في تاهرت، كان بتر زناتة، رغم حركات الشغب، والتخريب، لا يجدون ثغرة ينفذون منها، للنيل منهم ومن ولاتهم الأقوياء.
وإدراك المهدي وخلفائه لأهمية المدينة، في أية معركة ناجحة ضد زناتة وغيرها من البتر المعادين هو الذي أملى عليهم اختيار نخبة من أخلص قادتهم، ورجالات كتامة، للإشراف منها، على حركات البتر، وعلى الجزء الغربي من الدولة الفاطمية، الذي اتّسع حتى مشارف طنجة، وواحات الصحراء ومراكز العلويين وبني صالح أمراء نكور. ومن بين الولاة أبو حميد دواس بن صولات اللهيصي، وعروبة بن يوسف الملوسي([492]) ومصالة بن حبوس المكناسي.
وتشير النصوص الإباضية إلى حادث استيلاء الداعي، على المكتبة المعروفة بلقب «المعصومة» في مدينة تاهرت، التي كانت على جانب كبير من الغنى والأهمية، فأخذ منها أمهات كتب الرياضة، والصنائع وما شابهها من الكتب الفنية والعلمية، وأحرق بقية الكتب والآثار المذهبية، ومن ضمنها أمهات كتب المذهب، ودواوينه، ومن ثم فقدت أغلب هذه الأصول المذهبية، وغدا رجال المذهب الإباضي، بدون مصادر مذهبهم لأول مرة([493]).
يبدو أن هذه الدعوى، تفتقر إلى السند التاريخي الصحيح، ولا يوجد ما يؤيدها، في النصوص التاريخية السنية والفاطمية أيضاً.
وتقاليد الداعي كانت مؤسسة على احترام الآثار الأدبية القديمة وعدم اللجوء إلى أسلوب الحرق والتخريب إلا لضرورة حربية، وهذا عندما تستعصي المدن المسورة، ويتمادى سكانها في المقاومة، وفي إظهار العناد، مثلما جرى ذلك في مدينة الأربس، وفي سجلماسة، وبلزمة، حيث استخدم النار، لحرق الأبراج، أو بعض الأماكن المحصنة، أو الهامة بالنسبة للمعارضين له، لكن لم يؤثر عنه أنه عمد إلى حرق الكتب، والآثار الأدبية، حتى بالنسبة لهذه المدن السابقة التي استعصت عليه، وقاومت أنصاره.
ولم تشر النصوص إلى سلوكه سياسة حرق الكتب المذهبية سواء في رقادة، أو في القيروان، أو في سجلماسة، لذلك تبدو الرواية الإباضية فريدة ومستغربة، ودفع إليها فيما يظهر، الغضب والكراهية والرغبة في التشهير وإظهار العداء للشيعة، وتلك صفات بقيت تلازم الإباضية وظهرت أصداؤها في أغلب كتبهم المتأخرة.
ولنا أن نتساءل أيضاً، عن أهمية كتب «الحرف» والفنون «الدنيوية» التي اختصت بها تاهرت ومكتبة الأئمة الرستميين دون حواضر إفريقية الكبرى، ومكتبات الأغالبة، وأهمها بيت الحكمة في القيروان الذي أشرف على تأسيسها وتجهيزها زيادة الله 290هـ/ 902م ثم مكتبات فاس وروائع الآثار الإدريسية وقد لاحظنا أن النصوص لم تشر إلى فكرة الاستيلاء على المكتبات الخاصة بالأمراء والأغالبة، ولا على الآثار التي كان يملكها علماء المالكية أو الحنفية، الذين اصطدموا مع الخلفاء الفاطميين، وعارضوا سياستهم المذهبية.
ومن دون شك، كانت حواضر القيروان ورقادة وتلمسان وفاس وسجلماسة، زاخرة أيضاً بالكتب وبالمكتبات مثل تاهرت، ومع ذلك يفتقر الباحث إلى إشارات عن حرق الكتب أو المكتبات حتى في عهود الفتن والصراع المذهبي بين الشيعة والسنة.
ثم إن الداعي، كان في طريقه إلى سجلماسة، لا إلى رقادة، فكيف يثقل نفسه بالكتب، ويشغلها بالنشاط الثقافي وهو يعد للحرب، ولا سيما وأن النصوص الإباضية تبالغ في وصف المكتبة المعصومة([494])، وفي عدد الأسفار التي كانت تشتمل عليها.
ولو أن تاهرت لم تصبح الآن منطقة نفوذ فاطمية، لكان لرواية حرق الكتب، وجه صوابٍ. أما وقد صارت المدينة، وما فيها، ملكاً خالصاً للفاطميين، فإن الأقرب إلى التصديق أن يكون الداعي قد أمر بالعناية «بالمعصومة» وبالآثار القديمة، ويؤكد ذلك أن الداعي تصرف في المدينة بطريقة تشعر بأنه أصبح سيد الموقف فيها ومسؤولاً على أمنها، وراحة سكانها، فلم يبرحها حتى ترك حامية كتامية لحفظ الأمن، وقائداً كتامياً من لهيصة، هو أبو حميد دواس بن صولات، الذي بقي معه إبراهيم بن محمد اليماني، الذي كان يرافق الداعي الفاطمي، وعرف في كتامة بالسيد الصغير([495]).
ولعل حرق المعصومة، إن حصل فعلاً، يعود إلى عصر الفتن الداخلية والصراع بين الأئمة الأواخر وما تخلّله من حروب مهلكة، ثم لماذا لا نفترض أن الفارّين من بقايا الأسرة الرستمية، هم الذين أخذوا شيئاً غير قليل من هذه الكتب المذهبية والدنيوية، غير أن بعضها ضاع في الطريق لانشغالهم بالدفاع عن أنفسهم ضد فرسان كتامة الذين كادوا يقبضون عليهم، أما البعض الآخر فقد ناله البلى، أو أعدمه المعارضون لحكم الإمامة، والمنشقون عن الطائفة الإباضية، وقد لاحظنا أن الانشقاق المذهبي، أدى إلى استقلال معظم إباضية نفوسة وطرابلس كما أن الخلاف المذهبي بين صفرية سجلماسة وإباضية تاهرت كان عميقاً، رغم ما وجد بين الأسرتين الحاكمتين من رباط المصاهرة([496])، وقد ضم صفرية تاهرت، أصواتهم إلى أصوات المالكية والواصلية والشيعة والإباضية المعارضين، وطالبوا الداعي بالتدخل لوضع حدّ لنظام اليقظان وأسرته الرستمية على أن يكونوا عوناً له في مجهوداته.
فلعل هذه الطوائف، بحكم تعايشها مع إباضية تاهرت وتأثرها من استبدادهم، وتعصبهم وعنادهم التي كانت تظهره في حلقات الجدل والمناظرة بين رجال الطوائف، هي التي قادت المعركة ضد آثارهم الأدبية والمذهبية، مثلما ساهمت بتواطئها ومساعدتها في محو كيانهم السياسي.
وإذا كانت ظروف احتلال تاهرت، وما صاحبه من اختلال الأمن واستبداد جند كتامة بالسكان، وسلوكهم سياسة السلب والنهب قد هيأت فرصة مناسبة لضياع، أو لإفساد كتب المذهب الإباضي، فإنه يلاحظ أن إباضية نفوسة بقوا حتى هذا الوقت في حرزٍ أمينٍ.
ومنطقة الجبل كانت تعتبر مركزاً هاماً للمذهب وموطناً لعلمائه وحملته، وأولي الرأي فيه، وقد كان بعض الأئمة يستعين بهم في الفتوى وفي تسيير بعض الخطط الشرعية، مثل القضاء والحسبة، وفي الرد على بعض المعارضين للمذهب، مثل الواصلية، وعلى ذلك، فما كان يوجد في تاهرت من كتبٍ مذهبيةٍ لا يمكن اعتبارها هي الفريدة في بابها، وبضياعها ضاعت الأمهات، كما يزعم مؤرخو الإباضية، بل إن الموطن الثاني للأمهات كان أيضاً في قرى جبل نفوسة، وما ضاع من تاهرت كان له بدون شك نظير، أو أصل في منطقة الجبل([497]).
ويلاحظ أن الداعي لم يكن قاسياً مع سكان تاهرت الإباضية وهذا سر بقاء أغلبهم في المدينة بعد حادث الفتح، أما أقلّهم فقد غادروا المدينة إلى صحراء وادي ريغ وصدراته، ووارجلان وكريمة وإلى كتلة أوراس، ومنطقة الزاب، حيث بقوا بجوار إخوانهم يعيشون في إطار مذهبهم وتقاليدهم، وإليهم التجأ أبو زيد فيما بعد فحموه، وأيدوه، ووقفوا إلى جانبه، وأمدّوه بالقوة التي ساعدته على الاستمرار في مقاومة النفوذ الفاطمي وفي كسب معارك كبرى وفي التغلب على أغلب حواضر إفريقية.
وقد لاحظ الرحالة البكري انتشار الإباضية في مدن الزاب، وأوراس([498])، كما لاحظ ذلك ابن حوقل قبله بالنسبة لإقليم قسطيلية، وقفصة، وبشرة، وسوماطة في منطقة نفزاوة([499]).
وهؤلاء الإباضية كانوا في المنطقة قبل عصر الإمامة لكن عددهم زاد بسيلٍ من المهاجرين واللاجئين إليهم في عهود الفتن والحروب الداخلية وإثر سقوط الإمامة أيضاً.
ويظهر أن فشل حركة أبي يزيد، هي التي قضت على آمالهم ووضعت حداً لوجودهم في المناطق القريبة من مراكز العمران فهاجروا الى أماكن منعزلة في واحات الصحراء، وفي الشطوط على فترات متقطعة حيث توجد منهم حتى وقتنا، مجموعات ضخمة في واحة الشبكة أو بلاد مزاب، موزعين على عدة قصور ومدن متقاربة أكبرها غارداية.
وعندما أضحت تاهرت قاعدة فاطمية احتفظت بمكانتها كحاضرة إقليمية كبرى ومركزاً للانطلاق إلى جهات مختلفة في أرض المغرب، وفي عصرها الجديد، لم تتأثر وضعيتها، من سياسة الفاطميين المذهبية على عكس ما كان ينتظر لها فعلاً، وإنما عانت من دسائس مجموعاتها وطوائفها المذهبية، ومن حركات زناتة وإلحاح محمد بن خزر المغراوي عليها، بتنسيق مع بعض المعارضين للحكم الفاطمي فيها.
الدكتور موسى لقبال
الأربعون حديثاً
روي عن النبي(ص) ثناء من حفظ أربعين حديثاً، بهذا النص: «من حفظ على أمتي أربعين حديثاً بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً». كما روي الحديث بنصوص أخرى. سواء كان المقصود بالحفظ هو الحفظ عن ظهر قلب، أو كان الحفظ بالتدبر المقصود بالحديث. أو كان الحفظ بالعمل بمضمون الحديث، فإن تدوين هذه الأحاديث هو آكد أنواع حفظها.
ومن هنا انبرى فريق من علماء الشيعة إلى تأليف كتب يدونون فيها أربعين حديثاً مشروحة موضوحة، وقد أطلق بعضهم على ما ألّف أسماء معينة مثل (لسان الصادقين) أو (الزلال المعين) أو (الماء المعين) وبعضهم أسماها باسمها (الأربعون حديثاً)، والكتب التي سميت بهذا الاسم يبلغ عددها الثمانية والخمسين كتاباً جلّها بالعربية وبعضها مشروحة أحاديثه بالفارسية وبعض هذا مشروح بهذه اللغة شعراً.
والأربعون حديثاً في تلك المؤلفات ليست كلها واحدة دائماً بل تعود لاختيار المؤلف. ولكن الكثير منها يتعلق بعلي وآل البيت (عليهم السلام). وبعضهم اختار بعض مشكلات الأحاديث التي تحتاج إلى شرح وإيضاح. وبعضهم اختار أحاديث مشتملة على مواضيع متعددة.
ومما يذكر أن بين هؤلاء المؤلفين سيدة إيرانية معاصرة تعتبر في عداد المجتهدين هي السيدة نصرت أمين. ابتدأت دراستها في مدينة أصفهان واستمرت بها حتى أجيزت بالاجتهاد ولها عدة مؤلفات منها باللغة العربية كتاب (أربعين الهاشمية) وموضوعه: الأربعون حديثاً وقد طبعته الطبعة الأولى سنة 1355هـ، ثم أعادت طبعه سنة 1378هـ.
أربيل
ـ1ـ
ويقال أربل: هي قاعدة المحافظة المسماة باسمها في محافظان كردستان العراقية وتتبعها الأقضية الآتية: مخمور، كويسنجق، راوندوز، رانية، الزيبار، شقلاوة.
وتقع مدينة أربل على بعد حوالي 80 كيلومتراً من مدينة الموصل.
وعلى خط عرض 11 و36 شمالاً وخط طول 2 و42 شرقاً. على مسافة واحدة تقريباً من كل من نهر الزاب الكبير والزاب الصغير.
لم تشتهر أربل في العهود الإسلامية إلا حين أسس زين الدين علي كوجك بن بكتكين مملكة صغيرة، كانت أربل عاصمتها. (563هـ) (1167م) واشتهر من ملوك هذه المملكة مظفر الدين كوكيوري صهر صلاح الدين الذي تولى الملك سنة 586هـ 1190م ووسع مملكته إلى بعض ما جاورها.
ويرجع مبدأ الاحتفال بيوم المولد النبوي إلى مظفر الدين هذا. وقد ذكر ابن خلكان أنه كان يقيم احتفالاً هائلاً ينصب له السرادقات أياماً، ويبالغ في البذل والعطاء ويستدعي الفقهاء والوعاظ والشعراء لإحياء تلك الذكرى. ولموقفه هذا ألّفت الكتب عن خبر المولد وأولها كتاب الحافظ ابن دحية أهداه للملك المذكور.
ويدل خروج علي بن عيسى الإربلي صاحب كتاب كشف الغمة من إربل على أن أهلها كانوا شيعة أو كان فيهم شيعة.
أربيل
ـ2ـ
تقع مدينة أربيل (أو هولير كما تلفظ في اللغة الكردية) في السهول الزراعية الخصبة المحصورة بين الزابين (الأعلى والأسفل) من روافد نهر دجلة، وذلك في المنطقة الكردية من العراق. ويرى بعض الباحثين، أن أربيل من أقدم المدن الحية في العالم من حيث بقاؤها مأهولة بالسكان على مرّ التاريخ.
وكشفت التحريات الأركيولوجية التي قادها البروفسور سليكي من جامعة كولومبيا الأميركية العام 1960م عن هياكل عظيمة لإنسان النياندرتال من منتصف العصر الحجري القديم، وذلك في كهف شاندر القريب من المدينة. وكشفت التنقيبات التي جرت في الطرف الجنوبي من المدينة نفسها، تلة (قالينج آغا)، عن تجمعات سكنية مطمورة تعود إلى بدايات العهد الآشوري. وهناك آراء تقول إن قلعة أربيل، التي تمثل الجزء التاريخي من المدينة، تقوم على تلة تشكلت مع أنقاض سبعة تجمعات سكنية كانت موجودة من عهد السومريين.
يرد اسن أربيل في المنحوتات السومرية على شكل (أوروبيلم) وفي الوثائق البابلية والآشورية (أربائيلو) التي تعني (الآلهات الأربع) وفي العهد القديم (آربيلا) وفي النقوش الفارسية القديمة (آربيرا) و(آديابين)، وفي مصادر تاريخية أخرى على شكل (دياب). كما يشتهر اسم المدينة بارتباطه مع معركة (كومل) بين اليونانيين بقيادة الإسكندر المقدوني والفرس بقيادة الأمبراطور الهخامنشي داريوس، وهي جرت بالقرب من أربيل في العام 331 ق.م. وانتهت بسقوط الأمبراطورية الهخامنشية الإيرانية وقيام دولة هيلينية يونانية في هضاب إيران الوسطى.
والواقع أنه لا تتوافر معلومات وافية عن الأطوار التاريخية القديمة لأربيل، إذ لم تجر دراسة الآثار المنقبة عنها بشكلٍ علمي حتى الآن، إضافة إلى توقف عمليات التنقيب منذ بداية الستينات للظروف الاستثنائية التي مرت بها المنطقة. كما وأن المصادر الإسلامية من فترتي الأمويين والعباسيين لا تتحدث عنها إلا النزر اليسير، إذ لم يكن لأربيل أو قلعتها، على ما يبدو، أي شأن سياسي في العهدين الإسلاميين المذكورين. ولم يذكرها الطبري والإصطخري وابن حوقل والمقدسي والمسعودي في مصنفاتهم التاريخية. وابن خرداذبة في كتابه «المسالك والممالك» وقدامة بن جعفر في كتابه «الخراج وصناعة الكتابة» لا يذكرانها إلا باعتبارها طسوجاً ضمن التقسيمات الإدارية لإقليم حلوان.
لكن دورها الأبرز كان في فترة الأتابكيين، خصوصاً في سنوات حكم أبي سعيد كوكبري ابن أبي الحسن علي ابن بكتيني الملقب بالملك العظيم مظفر الدين كوكبري صاحب أربيل 580 ـ 630هـ (1155 ـ 1233م).
اهتم الأتابكيون بالمدينة وبنوا فيها داراً للضيافة ومراكز للصوفية، إضافة إلى مدرسة (1163م) اجتمع فيها فقهاء من المذهبين الشافعي والحنفي. واشتهرت أربيل آنذاك بالاحتفالات والمناقب النبوية التي كان يصل إليها الفقهاء والصوفية والشعراء والوعاظ من بغداد والموصل وسنجار وإيران والجزيرة. ويقول المؤرخ ياقوت الحموي عن أربيل في ذلك العهد «أربيل قلعة حصينة ومدينة كبيرة في فضاء من الأرض واسع بسيط وبقلعتها خندق عميق وهي طرف المدينة، وفي هذه القلعة أسواق ومنازل للرعية وجامع للصلاة وفي ربض هذه القلعة مدينة كبيرة عريضة طويلة قام بعمارتها وبناء سورها وعمارة أسواقها وقيسرياتها الأمير مظفر الدين وأهلها أكراد». وكان الحموي زار المدينة مرتين، الأولى في العام 1216م في طريقه إلى خراسان وخوارزم، والثانية في العام 1220م عند عودته من تلك البلاد.
كشفت التنقيبات الأثرية داخل المدينة نفسها أن مظفر الدين (مرقده يقوم في أربيل على رغم التكهنات القائلة بوفاته في مكة المكرمة) بنى جامعاً كبيراً في الجزء الغربي من ربض المدينة، اندثرت آثارها عدا المئذنة (تعرف اليوم بالمئذنة المظفرية) التي سقط قسمها العلوي فيما ظلّت قاعدتها وجزء أساسي من بدنها شاخصين حتى اليوم. ويبلغ ارتفاع الأجزاء المتبقية من المئذنة مع قاعدتها 14 متراً.
بعد الفترة الأتابكية أفل دور أربيل وقلعتها من جراء تفاقم الصراعات بين الإمارات والإقطاعيات في المنطقة من جهة، ووقوعها في الأطراف الجنوبية الغربية النائية من الأمبراطورية العثمانية التي تحكمت بالمدينة طوال أربعة قرون، من جهة أخرى. إضافة إلى أجواء الإهمال التي سادتها نتيجة قيام سكانها الأكراد بانتفاضات عدة على الدولة العثمانية. ووصل الأمر بالمدينة إلى أن أصبحت قضاءً تابعاً لولاية الموصل في العهد العثماني، ثم تحولت في بداية تأسيس الدولة العراقية 1921 إلى لواء إداري من ألوية العراق. لكن ذلك لم يستطع إنقاذ المدينة من خبو دورها التاريخي، على رغم أهميتها التاريخية واحتوائها على آثار حضارية غنية.
قلعة أربيل
ـ1ـ
تقوم القلعة التي تتوسط المدينة على تلة اصطناعية في شكل شبه دائري، وترتفع على سطح البحر 414 متراً وعن سطح الأجزاء السهلية من المدينة 30 متراً، وتبلغ مساحتها حوالي 110 آلاف متر مربع. وعلى الرغم من أن القلعة تضم اليوم حوالي 500 دار سكنية، يسكنها حوالي 6000 نسمة، نجد مصادر تاريخية، كما في رواية المنشىء البغدادي حين زارها العام 1822م، تؤكد أن عدد دورها 1000 دار سكنية.
إلى جانب الأحياء السكنية، تحوي القلعة حماماً عمومياً مثيراً في تصميمه يعود تاريخ بنائه إلى العام 1775م، ومسجداً كان حتى العقود الأخيرة يضم مدرسة دينية علم فيها والد المؤرخ ابن خلكان، وتعلم فيها المؤرخ الأربيلي المشهور ابن المستوفي، وأمّها علماء دين كبار من مختلف أصقاع العاالم الإسلامي. وكانت في الجهة الجنوبية من القلعة بوابة كبيرة تهدمت في بداية الخمسينات بفعل عوامل التعرية والمناخ (أعادت الجهات المسؤولة في بداية الثمانينات بناء بوابة حديثة محلها). أما أسوار القلعة فكانت تتشكل من الجدران السميكة والمحكمة للمنازل الواقعة على حافتها.
بصدد تاريخ مسجد قلعة أربيل، يعتقد بعض أهالي القلعة أنه كان في الأصل موضعاً لعبادة الإلهة الآشورية (عشتار) وتحول بعد سقوط الأمبراطورية الآشورية ومجيء الميديين إلى أربيل العام 608 ق.م. إلى معبد لتقديس النيران الميدية، ثم إلى كنيسة نصرانية بعد انتشار المسيحية في القلعة في القرن الثالث للميلاد، ثم إلى معبد نار في الفترة الساسانية، وأخيراً إلى مسجد بعد دخول الجيش الإسلامي إلى القلعة في العام 16هـ، وإلى مسجد كبير ومدرسة دينية في العام 533هـ.
وكانت للقلعة بوابتان متقابلتان، إحداهما البوابة الجنوبية التي كانت ولا تزال تشرف على السوق القديمة المسقوفة التي بناها مظفر الدين كوكبري، والبوابة الشمالية المنفتحة على الأجزاء الشمالية والغربية من سهل أربيل. وما زالت البوابتان قائمتين على رغم أن عوامل التعرية والتآكل تسببت في انهيار استحكامات البوابة الجنوبية في نهاية الأربعينات من هذا القرن.
وشكلت القلعة نتيجة موقعها الجغرافي مفترقاً مهماً لطرق تجارية قديمة ربطت حلب ـ الموصل بمدن غربي إيران والشرق الأدنى، ومثلت ممراً طبيعياً لجيوش الأمبراطوريات الشرقية القديمة (الأرمنية والآشورية والإيرانية واليونانية والعثمانية والإسلامية والقوات المغولية). لذلك كان الماء على الدوام أهم ما يشغل بال أهالي القلعة، خصوصاً أن أقرب الأنهار (باستوره والزاب) يبعد عن القلعة أكثر من عشرين كيلومتراً.
مشروع سنحاريب
وفي وسط القلعة بئرٌ قديمٌ بعمق 60 متراً لا يعرف تاريخ حفره. وتنتشر في السهول المحيطة بالقلعة آبار قديمة متصلة ببعضها عن طريق قنوات أرضية، تعرف بين الأكراد بـ «كاريز» وبين العرب بـ «الأفلاج» تدفع بالمياه الجوفية نحو القلعة، إضافة لري السهول في أطرافها. ويقول الكابتن الإنكليزي هاي الذي كان الحاكم السياسي للمنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، نقلاً عن مصدر تاريخي لا يذكره، إن أكثر من 365 من تلك الآبار كانت موجودة في سهول أربيل في الفترة العباسية. وتقول موسوعة العراق الحديثة إن في بداية هذا القرن كان هناك أكثر من ستين بئراً، إحداها تؤمن مليونين ونصف مليون غالون من الماء في اليوم الواحد.
لكن أهم مشروع مائي عرفته المدينة كان مشروع الملك الآشوري سنحاريب (705 ـ 681 ق.م.) الذي ما زالت أحجاره وآثاره شاخصة، بينها لوحة حجرية صغيرة تضم كتابات آشورية تؤكد فيها أن سنحاريب أقام المشروع من أجل إيصال الماء إلى مدينة الإلهة عشتار.
كان مشروع سنحاريب يتكون من سد صخري يجمع مياه نهير صغير (باستوره) على بعد 20 كيلومتراً إلى شمال قلعة أربيل، لتندفع المياه المتجمعة بعد ذلك عبر قنوات مفتوحة باتجاه القلعة. وعلى رغم تأكيد اللوحة الآشورية التي تم اكتشافها في الثلاثينات من هذا القرن على أن هدف المشروع هو إيصال الماء إلى وسط المدينة، وعلى رغم تناسب ارتفاع موقع السد مع ارتفاع القلعة أو ربضها لم تتوضح بعد، ربما لقلة الدراسات الأثرية في المنطقة الكردية من العراق.
ويبدو أن قلعة أربيل كانت على مر تاريخها الغامض موقعاً عسكرياً حصيناً على رغم عدم توافر معطيات توضح درجة مناعة القلعة ونوعية الاستحكامات الدفاعية فيها. لكن الحوادث التاريخية التي جرت على أسوارها توحي بأنها كانت قلعة حصينة ومنيعة ومحكمة الاحتياطات يصعب فتحها على الجيوش الكبيرة.
ففي العام 1131م حاصرها عماد الدين زنكي الأتابكي فترة طويلة من دون أن يتمكن من دخولها إلى أن اتفق مع السلطان السلجوقي مسعود بن محمد بن ملكشاه على تنازل الأخير للأتابكيين عن القلعة. واستعصت القلعة أيضاً على القوات العباسية نحو عام حين أعلن أهاليها خروجهم على الطاعة العام 1233م على رغم الجيوش الكبيرة التي أرسلها الخليفة المستنصر بالله. وكان أكبر حصار شهدته القلعة هو حصار المغول الذين بقوا يحاصرونها ويشنون عليها هجمات متتالية أكثر من عام، منذ بداية اجتياحهم للأراضي الإسلامية حتى سقوط بغداد. كذلك شهدت القلعة حصار قوات دولة القرقويونلو التركمانية في العام 1435م، والحصار الكبير الذي فرضه عليها الملك الإيراني نادرشاه في العام 1732م.
سامي شورش
قلعة أربيل
ـ2ـ
تكمن أهمية قلعة أربيل في أنها تتوسط مدينة أربيل الحديثة التي يحف بها شارع حديث يرتفع سطح القلعة عنه بحوالي عشرة أمتار، ويعود سبب ارتفاعها إلى استمرار السكن فيها لفترات قد تمتد آلاف السنوات.
وأكدت التنقيبات الأثرية في القلعة أهمية هذه المدينة العريقة، فمن ملوك العراق المهمين الذين تركوا أثراً عمرانياً فيها الملك الأشوري سنحاريب الذي أنشأ قناة إروائية ترفد أربيل بالمياه من عيون «قلعة مورنكة» الواقعة على بعد 20 كلم. وسجل الملك اعتزازه بمشروعه قائلاً: «أنا سنحاريب ملك العالم، وملك بلاد صور حفرت أنهاراً ثلاثة في جبال خاني، هي جبال أعالي مدينة أربيل، وأضفت إليها مياه العيون التي في اليمين واليسار، ثم حفرت قناة تمتد إلى أواسط مدينة أربيل، وطن السيدة العظيمة الإلهة عشتار. وجعلت مجراها مستقيماً». وبعد انتهاء الفترة البابلية الحديثة وقعت أربيل تحت التسلط الأجنبي الذي بدأ بالفترة الأخمينية. وكان الإسكندر المقدوني (331 ق.م) قد التقى في سهل «كوكميله» في أربيل بالجيش الفارسي وانتصر عليه. وخلد الفنانون معركة أربيل في أعمالهم، وأبرزها لوحة الفسيفساء التي وجدت في مدينة بومبي ونقلت بعدها إلى متحف مدينة نابولي في إيطاليا. أما خلال الفترة الإسلامية فقد ازدهرت في النصف الثاني من العصر العباسي بشكل واضح. نالت المدينة اهتمام الكتّاب العرب والمسلمين الذين سطروا تاريخها في مؤلفاتهم، ومنهم ياقوت الحموي الذي قال فيها: «قلعة حصينة ومدينة كبيرة، في فضاء من الأرض واسع بسيط، ولقلعتها خندق عميق وهي في طرف من المدينة وسور المدينة ينقطع في نصفها، هي على تلّ عالٍ من التراب عظيم، واسع الرأس. وفي هذه القلعة أسوار ومنازل للرعية وجامع للصلاة. وهي شبيهة بقلعة حلب،
قلعة أربيل
الخصائص المعمارية
تحتل القلعة مساحة قدرها 110.000م2 وتنحدر جوانبها على طول محيطها، ويمكن الارتقاء إليها عبر ممرين رئيسيين في الشمال والجنوب: الأول منهما مبلط ومنحدر يسمح بمرور السيارات إلى داخلها، والثاني مدرج للمشاة. وهناك ممران آخران مدرجان يخترقان دكاكين السوق المحيطة بالقلعة.
وتشير الدلائل على أن المدينة كانت مسورة وتشغل القلعة الفعلية جزءاً منها وعلى شكل برج ضخم، وآخر ذكر للقلعة كمركز دفاعي جاء عند احتلال نادر شاه لأربيل سنة 1732م بعد حصار دام شهرين. وذكر أحد السياح الأجانب أنه مر بأربيل العام 1766م فلم ير شيئاً من استحكامات القلعة ولا حتى سور المدينة، وفي الفترات المتأخرة استخدم ما بقي من أجزاء القلعة كدار للحكومة وكمدرسة ومستوصف، إلا أن تلك الأجزاء هدمت خوفاً من تداعيها في ما بعد.
واليوم عندما ترتقي إلى أعلى القلعة تشاهد شارعاً يقطعها من الشمال إلى الجنوب وفي وسطها حمام أثري مبني بنسق هندسي جيد، وهو بثلاثة أجزاء رئيسية تسقفها قبتان وعقادات. وهذا التقسيم يعمل على التدرج في حرارة الحمام من البارد إلى الحار، ونرى مثل هذا الترتيب في قصر الأخيضر. وإلى جوار هذا البناء مسجد ذو مئذنة قديمة مشيدة بالآجر.
تكونت قلعة أربيل في الماضي من ثلاثة أقسام:
طوبخانة، وسراي، وتكية. وعدد الدور فيها تجاوز 700 دار وتقطن في كل دار عائلتان أو أكثر لأن أهالي القلعة في الأزمنة الغابرة كانوا لا يرغبون في تركها والسكن خارج نطاقها. وفي حالات الاضطرار كان بعضهم ينتقل ليسكن في القسم الأسفل، أي في أطراف القلعة.
والقلعة بشكلها القديم لم يكن لها سوى باب واحد كان يغلق عادة بشكلٍ محكمٍ، ويتمّ وضع الحراس عليها ليلاً. وأقيم بعض الدور بصورة مرتفعة في أطراف القلعة وكانت تسمى «دور البدن» وذلك لحمايتها ومنع التعرض لها والحيلولة دون خرق هذا الحصن الدفاعي المنيع.
وعند الهجمات أو الغارات أو حصار المدينة كان يمنع خروج الأهالي منها، وكان السكان يتزودن بالماء من الآبار الوفيرة المياه في موقع حمام القلعة وفي محلة طوبخانة وفي محلة السراي.
وإضافة إلى ما تقدم هناك طرق خارجية للقلعة على شكل أنفاق لا تفتح إلا بأمر من حاكم المدينة أثناء الحصار ولأغراض معينة محدودة. واستخدمت تلك الطرق التي كانت أماكنها ومسالكها من الأمور السرية التي لا يعلم بها إلا عدد من كبار المسؤولين لأغراض معينة ليلاً في حالة الضرورة القصوى وتحت حماية قوية لإرسال الرسل إلى المناطق المجاورة أو العاصمة لغرض طلب النجدة لفك الحصار عن المدينة أو لإرسال وفد للمفاوضة أو لجلب الأسلحة والمواد المعيشية الضرورية.
وفي أواخر العهد العثماني قام أحد رؤساء البلديات بفتح باب آخر للقلعة من الجهة الشرقية عرف باسم «الباب الصغير»، أما الباب الثالث فتمّ فتحه في أوائل تأسيس الحكومة العراقية.
وفي داخل القلعة جوامع ومساجد دينية كثيرة أغلبها قديم وبالأخص الجامع الكبير، وهو المكان الوحيد الذي كانت تجري فيه صلاة الجمعة في أواخر العهد العثماني مع وجود عدد من التكايا للمتصوفين من طريقتي القادرية والنقشبندية.
وللقلعة طرازها الخاص من البناء، فقد وجدت في بعض دور الأثرياء نقوش وزخارف في سقوفها وبعض جدرانها ومواقد فولكورية في بعض غرفها. وغالبية مباني القلعة من غرفتين إحداهما داخل الأخرى؛ الأولى للمنام والثانية كمخزن، وموقع باب الغرفة الثانية يقع ضمن الغرفة الأولى عادة. وكانت جدران البيوت سميكة جداً وبالأخص الدور المشيدة على أطراف التلّ، إذ بلغ عرض الحائط فيها مترين تقريباً.
وكانت أبنية الدوائر الرسمية في العهود القديمة وحتى أواخر العهد العثماني موجودة في مدخل القلعة عند بناية السراي التي تضم معظم إدارات الدولة والسجن. وهنالك بناية خاصة كدار لسكن القائمقام وملحقة بها دار للضيافة مع وجود بناية لمدرسة علمية قديمة وفي العهد العثماني تمّ تشييد بناية كمقرّ لقيادة الجيش في القسم الأرضي من المدينة وهذه البناية كانت تعرف بالقشلة. وفي زمن الاحتلال البريطاني نقل بعض الدوائر من سراي القلعة إلى هذه البناية وأصبحت مقراً للمتصرف ودوائر الإدارة والشرطة والمالية وغيرها.
لطيف علي
الأرتقيات
هي قصائد نظمها الشاعر صفي الدين الحلي في مدح المنصور الأرتقي حوالي سنة 620هـ على عدد حروف الهجاء والتزم فيها أن يجعل حروف أوائل الأبيات كحروف أواخرها فإذا كانت القافية همزية كانت أوائل الأبيات كذلك كقوله:
| أبت الوصال مخافة الرقباء | وأتتك تحت مدارع الظلماء | |
| أصفتك من بعد الصدود مودة | وكذا الدواء يكون بعد الداء |
وإذا كانت القافية بائيّة كانت أوائل الأبيات كذلك كقوله:
| بدت لنا الراح في تاج من الحبب | فمزقت حلة الظلماء باللهب | |
| بكر إذا بالماء أولدها | أطفال درّ على مهد من الذهب |
وإذا كانت القافية تائيّة كانت أوائل الأبيات كذلك كقوله:
| تاب الزمان من الذنوب فوات | وأغنم لذيذ العيش قبل فوات | |
| تمّ السرور بنا فقم يا صاحبي | نستدرك الماضي بنهب الآتي |
وهكذا حتى تنتهي الحروف الهجائية وهي تسع وعشرون قصيدة، كل قصيدة تسعة وعشرون بيتاً وفيها يقول:
| تسع وعشرون قد عدت قصائدها | ومثلها عدد الأبيات في النسق | |
| لم أقتنع بالقوافي في أواخرها | حتى لزمت أواليها فلم تعق |
وقد سبق صفي الدين الحلي بهذا الضرب من الشعر شاعران هما: أبو زيد عبد الرحمن الأندلسي المتوفى سنة 637هـ أي قبل ولادة صفي الدين بأربعين عاماً. وأبو عبدالله محمد بن أبي بكر البغدادي المشهور بالوتري المتوفى سنة 622هـ في بغداد أي قبل ولادة صفي الدين بأكثر من خمسة عشر عاماً. ولكن الشاعرين لم يشتهرا ولا اشتهر شعرهما.
والأرتقيون الذين نسبت إليهم القصائد وإن كانوا أتراكاً إلا أنهم كانوا يستجيدون الشعر ويستنشدونه ويطربون للمدائح. لذلك استقبل صفي الدين الحلي في البلاط الأرتقي استقبالاً حسناً واحتضنه الملك المنصور في عاصمته ماردين وأكرمه وأنشد صفي الدين في مدائحه مطولات القصائد ومنها الأرتقيات.
الإرث
آيات قرآنية ثلاث عالجت أصول الفرائض، وكانت مصدراً عاماً لعلم المواريث، وهي:
«يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَولادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءٌ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلْثَا مَا تَرَكَ وَإنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِ وَاحِدٍ مِنْهُمّا السُّدُسُ مِمَأ تَرَكَ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أبَوَاهُ فَلأمِهِ الثُّلُثُ فَإنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوْصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأبناؤكم لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمُ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً» «وَلَكُم نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبْعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْن وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُم إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُم وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِنْ بَعدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ أو دَين وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أو امرأةٌ وله أخٌ أو أختٌ فلكُلِّ واحدٍ منهما السُدُسُ فإن كانوا أكثرَ من ذلك فهم شركاءُ في الثُلُثِ من بعد وصيةٍّ يُوصَى بها او دَيْنٍ غيرَ مُضَارٍّ وصيَّةً من الله والله عليمٌ حكيمٌ» (النساء 11 ـ 12)
«يَستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن اْمرُؤاً هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولدٌ فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالاً ونساءً فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيءٍ عليمٌ» (النساء الآية 176).
«تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يُدخلهُ جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ».« ومن يعصِ الله ورسوله ويتعدَّ حدودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالداً فيها وله عذابٌ مهينٌ» (النساء 13ـ 14).
هذه الآيات الثلاث بينت حقوق الوارثين والوارثات، ونصيب كل منهم بالقدر الذي قدّره الله وجعله سبباً في استحقاق الإرث.
ميراث الوالدين والأولاد
اشتملت هذه الآية على أحكام متعددة في المواريث، وهي:
أولاً: «يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين»..
تقرر هذه الفقرة من الآية أن يكون إرث الولد في حال الاجتماع مع البنات في الطبقة ضعف ما تستحقه فيكون للابن نصيبان وللبنت نصيب واحد.
ثانياً: «فإن كن نساءً فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف».
وفي حال موت الرجل وخلف إناثاً فقط، ليس معهن من الأولاد في طبقتهن ذكر واحد فإن كانت الوارثات أكثر من بنتين فيعطي لهن ثلثا التركة. أما إن كانت واحدة فلها نصف التركة.
ولم تشر الآية إلى حظ البنتين لو انحصرت بهما التركة، بعد أن بينت الآية حظ الواحدة، وهو النصف، وحظ الثلاثة فصاعداً وهو الثلثان.
قال الكليني في هذا الصدد: إن الله جعل حظّاً للأنثيين الثلثين بقوله: «لِلذَّكَرِ مَثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ». وذلك أنه إذا ترك الرجل بنتاً وإبناً فللذكر مثل حظ الأنثيين وهو الثلثان. فحظ الأنثيين الثلثان، ونقل مثله عن أبي مسلم المفسر وغيره([500]).
وقال ابن عباس: إن لها النصف ورد هذا القول من وجوه.
1ـ النص عن أهل البيت (عليهم السلام)، وإجماع الطائفة، بل إجماع الأمة.
2ـ ولو كان لها النصف لكان التقييد بالواحدة ضائعاً.
3ـ إن البنت الواحدة لها مع أخيها الثلث إذا انفردت فبالأولى أن يكون لها مع أختها الثلث لها، فيكمل الثلثان.
4ـ إنه تعالى أوجب للأختين الثلثين. والبنات أمس رحماً من الأختين. فيكون لهما أيضاً الثلثان على وجه الأولى([501]).
ثالثاً: «وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ».
وفي حق الأبوين مع الولد صور:
1ـ إن كان مع الأبوين ولد سواء كان ذكراً أو أنثى فلكل منهما السدس. وليس في ذلك خلاف.
2ـ وإن كان واحد من الأبوين مع الولد، كان له السدس بالتسمية بلا خلاف ثم ينظر:
أ ـ فإن كان الولد ذكراً، كان الباقي للولد واحداً كان أو أكثر بلا خلاف. وكذلك إن كانوا ذكوراً وإناثاً فالمال بينهم «لَلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ».
ب ـ وإن كانت بنتاً كان لها النصف ولأحد الأبوين السدس، والباقي عند الشيعة يرد على البنت، وأحد الأبوين على قدر سهامهما أيهما كان لأن قرابتهما سواء.
وعلى حدّ رأي السنة: إن كان أحد الأبوين أباً كان الباقي له، لأنه عصبة. وإن كانت أماً: فبعضهم يقول: بالرد على البنت، وعلى الأم. وبعضهم يقول: الباقي لبيت المال([502]).
رابعا: «فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ».
فإذا كان الوارثان الأبوين فحسب، ولم يكن له ولد. فيكون حق الأم الثلث، والباقي هو الثلثان للأب، للذكر مثل حظ الأنثيين. ولا خلاف فيه.
إذا كان في الفريضة زوج كان له النصف. وللأم الثلث بالظاهر. وما بقي للأب ومن قال: للأم ثلث ما يبقى، فقد ترك الظاهر.
فإن كان بدل الزوج زوجة كانت الفريضة للزوجة الربع، وللأم الثلث، والباقي للأب([503]).
خامساً: «فَإنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ»…
وفي هذا الفرض اختلاف نلخصه بما يلي:
1ـ ذهب الشيعة إلى أن السدس يكون حق الأم فيما إذا كان هناك أب، وإخوة… وهناك رأي أن حقها السدس مع وجود لإخوة، وإن لم يكن هناك أب.
2ـ اتفق الأعلام أن الأخوين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس، وقد روي عن ابن عباس بأنه لا يمكن الحجب بأقل من ثلاثة من الأخوة والأخوات، كما يقتضيه ظاهر الآية، وأن أقل لجمع ثلاثة.
وقال الطبرسي: وأصحابنا يقولون لا تحجب الأم عن الثلث إلى السدس إلا بالأخوين أو أخ وأختين، أو أربع أخوات من قبل الأب خاصة دون الأم. وفي ذلك خلاف بين الفقهاء. والعرب تسمي الاثنين للفظ الجميع في كثير من كلامهم.
قال قتادة: إنما تحجب الإخوة الأم مع أنهم لا يرثون من المال شيئاً معونة للأب. لأن الأب يقوم بنفقتهم ونكاحهم دون الأم.
ويستفاد من هنا رأيه أن الإخوة من الأم لا يحجبون، لأن الأب لا يلزمه نفقتهم. كما ذهب إليه الشيعة.
وقد اشترط الشيعة لحجب الإخوة شروط.
الأول: وجود الأب.
الثاني: العدد المقرر للإخوة اثنين على رأي ـ وثلاثة على الأقل على حد رأي ابن عباس.
الثالث: أن لا يكونوا كفرة، ولا قتلة، ولا رقّاً.
الرابع: أن لا يكونوا كلهم منفصلين لا حملاً.
الخامس: كونهم للأبوين، أو لأب([504]).
«مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوْصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنِ».
فلا تقسم التركة على الوجه المتقدم إلا بعد أن تقضي الديون، وتقرر الوصية. ولا خلاف في أن الدَّيْن مقدم على الوصية والميراث… وقد روي عن الإمام علي(ع) أنه قال: إنكم تقرؤون أو في هذه الآية الوصية قبل الدين، وإن رسول الله(ص) قضى بالدين قبل الوصية.
ثم إن الكلام ربما يقدم فيه غير الأهم على الأهم. لأن الأهم لمكانته وقوة ثبوته ربما لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه غيره من التأكيد والتشديد. ومنه التقديم. وعلى هذا فقوله أو دين في مقام الإضراب والترقي طبعاً.
«آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أيُّهُمْ أقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً»
تقرر هذه الفقرة: أنكم لا تعلمون أيهم أقرب لكم نفعاً في الدين والدنيا والله يعلمه. وقد اختلف في معنى هذه الفقرة فقيل:
1ـ لا تدرون أي هؤلاء أنفع لكم في الدنيا فتعطونه من الميراث ما يستحق ولكن الله قد فرض الفرائض على ما هو عنده حكمة. (عن مجاهد).
2ـ لا تدرون أي من الوارثين والموروثين أسرع موتاً فيرثه صاحبه.
«فَرِيضَةً مِنَ اللهِ».
أي إن هذه السهام المتقدمة فرضها الله، ولا يمكن التخلف عنها.
«إنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً».
لم يزل عليماً بمصالحكم فيم يحكم به عليكم من هذه الأموال وغيرها([505]).
ميراث الأزواج والكلالات
ميراث الأزواج:
الزوج (لغة): يطلق على الرجل والمرأة..وفي (العرف). يخص بالرجل، وتميز الأنثى بالتاء: زوج، وزوجة([506]).
والفقرة من الآية الكريمة، والتي تخص ميراث الأزواج نستفيد منها أحكاماً متعددة، وهي:
أولاً: «وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزْوَاجُكُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ…» إذا ماتت الزوجة، ولم تخلف ولداً فللزوج نصف التركة، ولا خلاف فيه.
ثانياً: «فَإنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الّرُبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أوْ دَيْنِ». أما إذا كانت قد أخلفت ولداً سواء كان الولد منه، أو من غيره فله الربع فلا خلاف والباقي للولد.
ولا توزع هذه الحصص إلا بعد إخراج الدين أو الوصية، إذا كان هناك دين، أو وصية.
ثالثاً: «وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ»([507]).
وفي حالة وفاة الزوج، ولم يخلف عدا الزوجة فلها الربع فقط.
رابعاً: «فَإنْ كَانَ لَكُمْ وَلّدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أوْ دَيْنٍ…».
وعندما يكون للمتوفي ولد فيكون حق الزوجة ثمن التركة فقط. والباقي للولد وهنا أيضاً لا تستخرج الحصص إلا بعد الدين أو الوصية إذا كان ذلك.
ميراث الكلالة
أصل الكلالة: الإحاطة، ومنه الإكليل لإحاطته بالرأس.
أما معنى الكلالة في الشرع: فهو الوارث البعيد. قال أبو مسلم: أصلها من كل إذا أعيا، فكأنه تناول الميراث من بعد على كلال وإعياء.
وقد اختلف هل إنها اسم للوارث، أم للموروث.
قال الراغب: الكلالة اسم لما عدا الولد والوالد من الورثة. ومعنى هذا أنها اسم «للوارث».
ويؤيد هذا ما روي عن جابر أنه قال: أتاني رسول الله(ص) وأنا مريض، فقلت: وكيف الميراث؟، وإنما يرثني كلالة. فنزلت آية الفرائض.
فالكلالة على حد هذا الرأي في النسب من أحاط بالميت، وتكلله من الأخوة، والأخوات، فهما كالأكليل الذي يشتمل على الرأس، ويحيط به، وليس من أصله.
ويقولون لابن الأخ ومن يجري مجراه هذا كلي. لأنه يعال على وجه التبرع.
وروي عن النبي(ص) أنه سئل عن الكلالة، فقال: من مات وليس له ولد ولا والد. فجعله اسماً للميت (المورث). فإذا مات الرجل، ولم يخلف ولداً ولا والداً، فقد مات عن ذهاب طرفيه فسمي ذهاب طرفيه كلالة، فهما أصل النسب الذي ينتمي إلى الميت([508]).
وأحكام ميراث الكلالة فيما يختص من يتقرب بالأم فقط، وهي:
أولاً: «وَإنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوْ امْرَأةٌ وَلَهُ أخٌ أوْ أخْتٌ فَلِكُلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ».
هذه الفقرة تقرر أن الطبقة التي ترث كلالة ، وهم الإخوة والأخوات من الأم سواء كان الوارث ـ كلالة ـ رجلاً أو امرأة فلكل واحد منهما مع اجتماعهما أو انفرادهما السدس من التركة.
وقد عطفت الآية (أو امرأة) على قوله، وإن كان رجل، ويكون معناه وإن كان رجل كلالة يورث ماله، أو امرأة كلالة تورث مالها، على قول من قال: إن الميت يسمى كلالة.
ومن قال: إنه الحي الوارث فتقديره وإن كان رجل يورث في حال تكلل نسبه به، أو امرأة تورث كذلك، وهو قول ابن عمر، وأهل الكوفة.
ثانياً: «فَإنْ كَانُوا أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثُ».
فإذا كان الإخوة أكثر من واحد وواحدة فلهم ثلث التركة شركاء فيها على السواء لا يفضل حظ الذكر على حظ الأنثى في هذا الوجه.
فإن الأخ من الأم أو الأخت يأخذ كل منهما من الكلالة السدس، لأن كلاً منهما حلّ محل أمه فأخذ نصيبها وإذا كانوا متعددين أخذوا الثلث، وكانوا فيه سواء لا فرق بين ذكورهم وإناثهم.
كل ذلك: «مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أو دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ».
هذا إذا لم تكن هناك وصية قد وصى بها، أو دين غير مضار… والمضارة في الوصية: هو أن يوصي بأكثر من (ثلث) ماله، ليضر الورثة والمضارة في الدين: أن يوصي بدينٍ ليس عليه يريد بذلك ضرر الورثة.
قال الطبرسي: «فالضرار في الوصية راجع إلى الميراث، وهو أن يضر في وصيته بماله، أو بعضه لأجنبي، أو يقرّ بدين لا حقيقة له دفعاً للميراث عن وارثه، أو يقر باستيفاء دين له في مرضه أو بيع ماله في مرضه، واستيفاء ثمنه لئلا يصل إلى وارثه. وجاء في الحديث: إن الضرار في الوصية من الكبائر»([509]).
«وَصِيَّةً مِنَ اللهِ واللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ».
أي يوصيكم الله بذلك وصية جديرة بالإذعان، والعمل بموجبها والله سبحانه عليم بمصالح عباده، يحكم بما توجب الحكمة في قسمة الميراث والوصايا وغيرها. حليم لا يسمح لعباده أن يعجلوا بعقوبة من يستاؤون منهم، ويعملوا على مضارته بالوصية ولا يعاجل العصاة بالعقوبة، ويمنّ عليهم بالانتظار والمهلة عسى أن يتوب المخالف، ويؤوب إلى رشده([510]).
ثالثاً: «يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ إنْ امْرُؤٌاْ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ مَا تَرَكَ».
مات شخصٌ وليس له ولد ذكراً كان أو أنثى، وله (أخت) لأبيه وأمه، فلها نصف ما ترك، وإن لم تكن أختاً لأب وأم، وكانت أختاً لأب قامت مقامها، والباقي عند الشيعة يرد على الأخت سواء كان هناك عصبة، أو لم يكن. وقال جميع الفقهاء من غير الشيعة إن الباقي للعصبة، وإن لم يكن هناك عصبة ـ وهم العم وبنو العم، وأولاد أخ. قال فمن قال: الرد على ذوي الأرحام، رد على الأخت الباقي، وهو اختيار الجبائي وأكثر أهل العلم. وقال زيد بن ثابت، والشافعي وجماعة: إن الباقي لبيت المال يرثه جميع المسلمين.
رابعاً: «وَهُوَ يَرِثُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ».
وإن كانت الأخت هي الميتة، ولها أخ من أب وأم، أو من أب فالمال كله له بلا خلاف.
أما إذا كان لها ولد سواء كان ذكراً أو أنثى فالمال لهما، ويسقط الأخ فإن كان ولدها ذكراً فالمال له بلا خلاف، وإن كانت بنتاً كان لها النصف بالتسمية بلا خلاف والباقي رد عليها لأنه أقرب دون الأخ.
خامساً: «فَإنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ…».
إذا كان الميت قد خلف أختين فلهما ثلثا التركة، والباقي يرد عليهما دون عصبتهما، ودون ذوي الأرحام عند الشيعة.
أماعند الفقهاء غير الشيعة: فيرد على العصبة، أو على بيت المال ـ على اختلاف ـ في قولهم.
فإن كانت إحدى الأختين لأب وأم، والأخرى لأب، فالنصف للأخت من الأب والأم بلا خلاف. والباقي يرد عليها ـ عند الشيعة ـ لأنها تجمع السببين، ولا شيء للأخت للأب لأنها انفردت بسبب واحد.
أما عند الفقهاء غير الشيعة: فلها السدس تكملة الثلثين: والباقي من التركة، يوزع على العصبة أو بيت المال على الخلاف الذي مرّ.
سادساً: «وَإنْ كَانُوا إخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ…».
وإذا كان الورثة إخوة ـ رجالاً ونساءً ـ للأب والأم، أو للأب فللذكر مثل حظ الأنثيين بلا خلاف.
وإن كان الذكور منهم للأب والأم، والإناث للأب، انفرد الذكور بجميع المال بلا خلاف.
وإن كانت الإناث للأب والأم، والذكور للأب كان للإناث الثلثان مما سمي بلا خلاف، والباقي عند الشيعة رد عليهن، لما تقدم من اجتماع السببين لهن.. وعند جميع الفقهاء غير الشيعة أن الباقي للإخوة من الأب لأنهم عصبة([511]).
ولا بد لنا بعد هذا من الإيضاحات التالية:
1ـ أولاد الإخوة والأخوات يقومون عند الشيعة ـ مقام آبائهم، ويرث كل من يتقرب به.
2ـ الأجداد: عند الشيعة في مرتبة الإخوة، فإذا اجتمعوا معهم كان الجد للأب كالأخ له، والجدة له كالأخت له، والجد للأم كالأخ منها، والجدة لها كالأخت منها.
3ـ المرتبة الثالثة من مراتب الإرث: الأعمام، والأخوال، عند الشيعة وبعض فقهاء غير الشيعة.
وليس في الكتاب دلالة صريحة على إرثهم، نعم يمكن الاستدلال على ذلك بآية «وَأُولُوا الأرْحَامِ» فإنها عامة في كل ذي رحم، وهؤلاء ذوو أرحام.
4ـ غير المسلم لا يرث المسلم ولا يحجب وراثه، وعلى ذلك إجماع المسلمين.
5ـ المسلم يرث غير المسلم، وعليه إجماع أهل البيت (عليهم السلام) والشيعة.
محمد السيد علي
التعصيب والعول في الإرث
ونزيد الأمر إيضاحاً بما يتعلق بالعول والتعصيب فيما يلي مكتوباً بقلم السيد محسن الأمين:
إن معظم مسائل المواريث التي وقع فيها الخلاف بين فقهاء الشيعة وغيرهم تبتني على الخلاف في مسألتي التعصيب والعول ومعرفة ذلك تتوقف على تقديم مقدمات:
المقدمة الأولى: الوارث منهم من يرث بالفرض وهم الذين فرض الله لهم سهاماً مخصوصة في القرآن وهي ستة (النصف): للزوج مع عدم الولد للزوجة، وللبنت مع انفرادها عن الإبن، وللأخت للأبوين أو الأب مع انفرادها عن الأخ منهما أو من أحدهما. (والربع): للزوج مع الولد وللزوجة مع عدمه. (والثمن): للزوجة مع الولد للزوج. (والثلثان): للبنتين فصاعداً والأختين فصاعداً للأبوين أو الأب مع الانفراد عن الإبن والأخ. (والثلث): للأم مع عدم الولد وللاثنين فأكثر من ولد الأم. (والسدس): لكل من الأبوين مع الولد وللأم مع من يحجبها من الأخوة وللواحد من كلالة الأم.
ومنهم من يرث بالقرابة وهم الذين لم يفرض الله لهم سهاماً معينة في القرآن وهم من عدا من ذكر كالأولاد الذكور وحدهم أو مع الإناث، فإنه لم يفرض لهم في القرآن سهم معين، وإنما بيّن كيفية قسمتهم بأن للذكر مثل الأنثيين المدلول عليهم بآية أولي الأرحام.
المقدمة الثانية: في حساب الفرائض والغرض منه معرفة أقل عدد يمكن إخراج سهام الوارث منه صحيحة بدون كسر ليسهل معرفة قسمة التركة على الورثة على وجه الضبط ويتوقف على أمور:
الأول العددان، (إما متماثلان): كثلاثة وثلاثة، وستة وستة، (أو متداخلان: وهما اللذان إذا أسقط أقلهما من الأكثر بغير رجوع مرتين أو مراراً أفناه، أو إذا زيد على الأقل مثله مرة أو مراراً ساوى الأكثر. ويلزمه أن لا يزيد الأقل عن نصف الأكثر كثلاثة وستة، وأربعة واثني عشر. وهذا بالنسبة إلى غير الواحد مع جميع الأعداد التباين. (أو متوافقان): وهو ما لا يعد الأقل الأكثر بغير رجوع ويفنيهما عدد آخر غير الواحد، فإن أفناهما الاثنان فمتوافقان بالنصف كالستة والعشرة، أو الثلاثة فمتوافقان بالثلث كالتسعة والاثني عشر، أوالأربعة فبالربع كالثمانية والاثني عشر وهكذا.
هذا إذا كان العدد المفني لهما مخرجاً لأحد الكسور التسعة المشهورة وهي النصف إلى العشر. وإن كان العدد المفني لهما مما فوق العشرة فالموافقة بالكسر المضاف كنصف السدس إذا أفناهما الاثنا عشر كالأربعة والعشرين والستة والثلاثين أو نصف السبع أو ثلث الخمس أو غير ذلك وإن تعدد المفني لهما فالموافقة بأقل عدد يفنيهما. (أو متباينان): وهما اللذان إذا أسقط واحد لا يفنيهما إلا الواحد سواء تجاوز أقلهما نصف الأكثر كثلاثة وخمسة، أو لا كثلاثة وسبعة.
الثاني: جرت عادة أهل الحساب بإخراج الحصص من أقل عدد ينقسم على أرباب الحقوق من دون كسر، ومخارج السهام أقل عدد يخرج منه السهم صحيحاً فمخرج النصف أقل عدد له نصف صحيح وهو اثنان وهكذا، فمخارج السهام الستة المفروضة خمسة: النصف من اثنين، والثلث والثلثان من ثلاثة، والربع من أربعة، والسدس من ستة، والثمن من ثمانية.
الثالث: إما أن يقع في المسألة واحد من المفروض الستة المتقدمة أولاً؟ (وعلى الثاني) إن تساووا في الاستحقاق قسم المال على عدد رؤوسهم، كأربعة أولاد ذكور القسمة من أربعة، وإن اختلفوا في الاستحقاق كأولاد ذكور، وإناث فاجعل لكل ذكر سهمين ولكل أنثى سهماً، فما اجتمع منه القسمة وإن وقع في المسألة واحد من هذه الفروض أو اثنان، من اتحاد المخرج كالثلث والثلثين، فالقسمة من ثلاثة: للأختين للأب الثلثان اثنان ينقسم عليهما، وللأختين للأم الثلث، واحد لا ينقسم عليهما فانكسرت الفريضة في مخرج النصف فنضرب اثنين مخرج النصف في أصل الفريضة ثلاثة الخارج ستة تنقسم على الكل بدون كسر. (إن وقع) فيها اثنان فصاعداً مع اختلاف المخرج: فإن كان المخرجين متداخلين اكتفي بالأكثر ومنه القسمة، كما لو خلف زوجة وبنتاً. للزوجة الثمن مخرجه ثمانية، والبنت النصف مخرجه اثنان، نكتفي بالثمانية. أو خلف بنتاً وأحد الأبوين، فنكتفي بالستة. وإن كانا متابينين ضربنا أحدهما في الآخر فما خرج فمنه القسمة كما لو خلف زوجة وأماً، للزوجة الربع مخرجه أربعة وللأم الثلث مخرجه ثلاثة. والثلاثة والأربعة متباينان نضرب أحدهما في الأخر فالقسمة من اثني عشر. أو زوجة وبنتين: فالقسمة من أربعة وعشرين. أو زوجاً وأماً، فالقسمة من ستة. (وإن كانا متوافقين) نضرب وفق أحدهما في مجموع الآخر كما لو خلف زوجة وواحداً من كلالة الأم، للزوجة الربع ومخرجه أربعة، وللواحد من كلالة الأم السدس ومخرجه ستة، يتوافقان بالنصف، نضرب نصف أحدهما في الآخر، فالقسمة من اثني عشر. أو خلف زوجة وأحد الأبوين: فالقسمة من أربعة وعشرين (وإن كان) في الورثة ذو فرض وغيره فالعبرة بذي الفرض.
إذا عرفت ذلك، ظهر لك أن كل فريضة فيها نصف، وما بقي كزوج وأخ أو نصفان كزوج وأخت لأب، فهي من اثنين، وكل فريضة فيها ثلثان أو هما وما بقي كأختين من أب منفردات أو مع جد مثلاً أو ثلث وما بقي كإخوة من الأم وإخوة من الأب أو ثلثان وثلث كأختين لأب مع إخوة لأم فهي من ثلاثة وكل فريضة فيها ربع وما بقي كزوج وابن أو زوج وأخوة أو ربع ونصف كزوج وبنت فهي من أربعة للتداخل، وكل فريضة فيها سدس وما بقي كأحد الأبوين مع ابن أو سدس ونصف كأخت لأب واحد من كلالة الأم أو سدس وثلثا كأحد الأبوين مع البنتين فهي من ستة للتداخل أيضاً. وكل فريضة فيها ثمن وما بقي كزوج مع ابن، أو ثمن ونصف كزوجة مع بنت، فهي من ثمانية. وكل فريضة فيها ربع وثلثان، كزوج وبنتين أو ربع وثلث كزوجة وأم أو ربع وسدس وما بقي كزوج وأم وابن فهي من اثني عشر، للتباين في الأولين والتوافق في الثالث بالنصف. وكل فريضة فيها ثُمن وثلثان كزوجة وبنتين أو ثمن سدس وما بقي، كزوجة وأحد الأبوين وإبن، فهي من أربعة وعشرين للتباين في الأول والتوافق بالنصف في الثاني وقس على ذلك الباقي.
الرابع: إذا لم يكن في الوارث صاحب فرض بالأمر واضح من أنه يقسم المال عليهم بحسب ما ثبت في الشرع كعمة وخال مثلاً، ولا يحتاج إلى عمل آخر. وإذا كان في الوارث من له سهام مقدرة من السهام الستة المتقدمة، فإما أن يكون المال الموروث يفي بتلك السهام ولا يزيد منه شيء، وإما أن يفي ويزيد، وإما أن يكون ناقصاً عن تلك السهام فهنا أقسام ثلاثة.
القسم الأول
أن يكون المال الموروث يفي بتك السهام ولا يزيد منه شيء فالأمر واضح كزوج وأخت لأب لكل منهما النصف. وكل مال له نصفان لا أزيد ولا أقل وكبنتين وأبوين: للأبوين الثلث وللبنتين الثلثان. وكل مال له ثلث لا أزيد ولا أقل، وكزوج وأخوين للأب، للزوج النصف بالفرض وللأخوين النصف بالقرابة.
القسم الثاني
أن يكون المال الموروث يفي بتلك السهام ويزيد عنها. فإن كان هناك مساو في المرتبة لا فرض له فالفاضل له بالقرابة كأبوين وزوج، للزوج النصف وللأم الثلث يبقى سدس يعطى للأب، وكأبوين وزوجة: للزوجة الربع وللأم الثلث والباقي للأب، وكأبوين وابن زوج، للزوج الربع وللأبوين سدسان والباقي للابن، وكزوج وأخوين من أم وأخوين من أم وأخ من أب، للزوج النصف وللأخوين من الأم الثلث والباقي للأخ من الأب إلى غير ذلك. وإن لم يكن مساوٍ في المرتبة رد على ذوي الفروض كلهم أو بعضهم بالتفصيل الآتي بنسبة سهامهم عند الشيعة. أما عند غيرهم من الفقهاء فيعطى الزائد للعصبة وإن بعدوا وهذه هي مسألة (التعصيب).
التعصيب
وهو توريث العصبة ما زاد عن نصيب ذوي الفروض. والعصبة «بفتحتين» جمع عاصب ككفرة وكافر. قال في النهاية: وقرابته لأبيه. وفي القاموس: العصبة: الذين يرثون الرجل عن كلالة من غير والد ولا ولد. فأما في الفرائض فكل من لم يكن له فريضة مسماة وقوم الرجل الذين يتعصبون له. وفي المصباح: العصبة: القرابة الذكور الذين يولدون بالذكور. هذا معنى ما قاله أئمة اللغة «انتهى» قال الجوهري: وأنهم سموا عصبة لأنهم عصبوا بالرجل أي أحاطوا به، فالأب طرف والابن طرف والأخ جانب والعم جانب «انتهى». وقيل أن العصبة من العصب بمعنى الشدة والقوة لأنهم قوة له أو بمعنى المحاماة والمدافعة، أو أن الإنسان كشجرة وهم عروقها وأعصابها، أو من العصب لما ورد أن أعصاب الولد وعظامه وعروقه من نقطة الأب واللحم والدم، وغيرهما من الأم.»
وكيف كان فالمراد بالعصبة الولد ذكراً أو أنثى والأب من تدلى بهما وبعبارة أخرى: ما عدا قرابة الأم وحدها، لكن لا يخفى أن النزاع بين الشيعة وغيرهم ليس في مطلق العصبة لأن بعضهما كالإبن والبنت وغيرهما من ذوي الفروض أو من هو في درجتهم ليس قابلاً لهذا النزاع، ولهذا فسر بعض أصحابنا العصبة بمن يتقري بالأب من الإخوة والأعمام، وغرضه تفسير العصبة التي وقع فيها الخلاف، لا الأعم، وقد سمعت تصريح القاموس وبخروج الوالد والولد عن العصبة. ولغير الشيعة في التعصيب تفاصيل وأحكام متشبعة تطلب من محالها ويطول الكلام بذكرها. ومحل الخلاف بين الفريقين أمران على ما قيل:
الأول: إنه مع عدم وجود صاحب الفرض يقدم العصبة على غير العصبة عند غير الشيعة، وإن تساويا في القرب كمن مات وخلف عماً وعمة فالإرث للعم دون العمة وعند الشيعة يتشاركان.
الثاني: إنه مع زيادة الفريضة على السهام يعطي الزائد للعصبة عند غير الشيعة وهم من يتقرب بالأب من الإخوة والأعمام وإن بعدت الأقرب فالأقرب، ولا يعطى لذوي الفروض إذا لم يكونوا عصبة. وعند الشيعة يرد الفاضل على ذوي الفروض بنسبة سهامهم، ولكن لا يكون الرد على جميع أهل الفروض بل يستثنى منهم أصناف خمسة ولا يرد عليهم أصلاً.
الأول: الأم مع الحاجب لها من الإخوة بالشروط المقررة إجماعاً.
الثاني والثاالث: الزوج والزوجة مع وجود وارث غيرهما عدا الإمام فلا يرد عليهما إجماعاً أما مع الإمام فيرد على الزوج دون الزوجة على المشهور المنصور.
الرابع: ذو السبب الواحد إذا اجتمع مع من له سببان كالأخت أو الأختين للأبوين مع واحد، أو أكثر من كلالة الأم، فالزائد عن فريضة الكلالتين يرد على الأخت للأبوين أو الأختين على المشهور المنصور. وقال الحسن بن أبي عقيل العماني والفضل بن شاذان: يرد على الجميع وهو قول شاذ. فإذا اجتمع أخت للأبوين مع واحد من كلالة الأم فالفريضة من ستة: للأخت للأبوين النصف/ ثلاثة وللواحد من كلالة الأم السدس/ واحد يبقى اثنان يردان على الأخت للأبوين على المشهور، وعلى الجميع أرباعاً عند الحسن والفضل فتصير قسمة التركة من أربعة. وإذا اجتمع الأخت للأبوين مع متعدد من كلالة الأم فالفريضة من ستة أيضاً، للأخت للأبوين النصف، ثلاثة، ولكلالة الأم الثلث يبقى واحد يرد على الأخت للأبوين على المشهور وعلى الجميع أخماساً عند الحسن والفضل فقسمة التركة من خمسة وإذا اجتمع أختان للأبوين مع واحد من كلالة الأم فالفريضة من ستة، للأختين الثلثان: أربعة، وللواحد من كلالة الأم السدس، واحد يبقى واحد يرد على الأختين على المشهور، وعلى الجميع أخماساً عند الحسن والفضل. فالقسمة من خمسة.
الخامس: المتقرب بالأب وحده مع المتقرب بالأم وحدها فهل يختص الرد بقرابة الأب أو يرد على الجميع بنسبة سهامهم. قولان مشهوران أظهرهما الأول. كما لو اجتمع أخت أو أختان للأب مع ذكر فيختص الرد بالمتقرب بالأب على أحد القولين ويرد على الجميع أرباعاً أو أخماساً على القول الآخر.
قال المرتضى: إن القائلين بالتعصيب يعولون في هذا الأصل الجليل على أخبار ضعيفة، وادّعاء الإجماع على قولهم في التعصيب غير ممكن مع الخلاف المعروف سابقاً ولاحقاً لأن ابن عباس كان يخالفهم ويذهب إلى مثل مذهب الشيعة، ويقول فيمن خلف ابنة وأختاً، إن المال كله للبنات دون الأخت، ووافقه في ذلك جابر بن عبد الله. وحكى الساجي أن عبدالله بن الزبير قضى بذلك وحكى الطبري مثله ورويت موافقة ابن عباس عن إبراهيم النخعي في رواية الأعمش عنه. وذهب داود بن علي الأصفهاني إلى مثل ما حكيناه ولم يجعل الأخوات عصبة مع البنات، فبطل ادّعاء الإجماع مع ثبوت الخلاف متقدماً ومتأخراً ثم استدل على بطلان التعصيب بقوله تعالى «لِلرِجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الوَلِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَلِلنِسِاءِ نَصِيبٌ مِمَا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمَا قَلَّ مِنْهُ أوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً».
وهذا نص في أن للرجال من الميراث نصيباً وأن للنساء نصيباً، فمن قال بتوريث الرجال دون النساء كالعم مع العمة فجعل الميراث للعم دونها فقد خالف ظاهر الآية. وأيضاً فتوريث الرجال دون النساء مع التساوي في القربى والدرجة من أحكام الجاهلية. وقد قال الله تعالى: «أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً». قال: واعتماد المخالفين في العصبة على حديث رواه ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس عن النبي(ص) أنه قال: يقسم المال على أهل الفرائض على كتاب الله فما تركت فلأولي ذكر قرب. قال: وهذا خبر لم يروه أحد من أصحاب الحديث إلا من طريق طاوس ولا رواه ابن طاوس إلا عن أبيه عن ابن عباس ولم يقل ابن عباس فيه سمعت ولا حدثنا وطاوس يسنده تارة إلى ابن عباس في رواية وهب ومعمر وتارة يرويه عن الثوري وعلي بن عاصم عن أبيه مرسلاً غير مذكور فيه ابن عباس فيقول الثوري وعلي بن عاصم عن ابن طاوس عن أبيه قال، رسول الله(ص). ثم هو مختلف اللفظ لأنه يروي: فما أبقت الفرائض فلأولي عصبة ذكر وفي رواية أخرى: فلأولي رجل ذكر عصبة. واختلاف اللفظ والطريق واحد يدل على ضعفه وقد خالف ابن عباس الذي يسند هذا الخبر إليه مدلوله في توريث الأخت بالتعصيب إذا خلف الميت بنتاً وأختاً كما مر. وراوي الخبر إذا خالف معناه كان فيه ما هو معلوم.
ثم من أين لنا أن معنى العصبة المذكورة في الخبر ما يذهبون إليه. وليس في اللغة العربية لذلك شاهد ولا في العرف الشرعي. فأما اللغة، فإن الخليل ابن أحمد قال في كتاب العين: إن العصبة مشتقة من الأعصاب وهي التي بين أطراف العظام، ولما كانت هي الواصلة بين المتفرق من الأعضاء حتى التأمت وكان ولد البنات أولاد للجد كما أن أولاد الأولاد ولد للجد، والجد جد للجميع كان البنات في جميع ولدهن إلى الجد وضم الأهل والقبيلة المنسوبة إلى الجد كالبنين وكانوا جميعاً كالأعصاب التي تجمع العظام وتلائم الجسد فوجب أن يسموا جميعاً بـ (عصبة). وذكر أبو عمرو غلام ثعلب قال: قال ثعلي، قال بن الأعرابي: العصبة جميع الأهل من الرجال والنساء، فإن هذا هو المعروف المشهور في لغة العرب، وأن الكلالة ما عدا الوالدين والولد من الأهل.
فإذا كانت اللغة على ما ذكرنا فهي شاهدة بضدّ ما يذهب إليه مخالفونا في العصبة. وليس ههنا عرف شرعي مستقر في هذه اللفظة لأن الاختلاف واقع في معناها لأن في الناس من يذهب إلى أن العصبة إنما هي القرابة من جهة الأب وفيهم من يذهب إلى أن العصبة إنما هي قرابة الميت من الرجال الذين اتصلت قرابتهم من جهة الرجال كالعم والأخ دون الأخت والعمة، ولا يجعل للرجال الذين اتصلت قرابتهم من جهة النساء عصبة كإخوة الميت. وفيهم من جعل العصبة مأخوذة من التعصب والنصرة. ومع هذا الاختلاف لا إجماع يستقر على معناها على أنهم يخالفون لفظ هذا الحديث. فإن قالوا: نخص هذا اللفظ إذا ورثنا الأخت مع البنت قلنا: ما الفرق بينكم إذا خصصتموه ببعض المواضع وبيننا إذا فعلنا في تخصيصه مثل ما فعلتم فجعلناه مستعملاً فيمن خلف أختين لأم وإبن أخ وإبنة أخ لأب وأم وأخ لأب فإن الأختين من الأم فرضهما الثلث وما بقي فلأولي ذكر قرب وهو الأخ من الأب وسقط ابن الأخ وبنت الأخت لأن الأخ أقرب منهما. وفي من خلف امرأة وعماً وعمة وخالاً وخالة وابن أخ أو أخاً للمرأة الربع وما بقي فلأولي ذكر وهو الأخ أو ابن الأخ وسقط الباقون ثم يقال لهم: من أي وجه كانت الأخت مع البنت عصبة؟ فإن قالوا: من حيث عصبها أخوها، قلنا: ألاَ جعلتم البنت عصبة مع عدم البنين ويكون أبوها هو الذي يعصبها، وإذا كان الإبن أحق بالتعصب من الأب والأب أحق من الأخ، فأخت الأب أحق بالتعصب كثيراً من أخت الأخ فيلزمهم أن يجعلوا العمة عند عدم العم عصبة. فإن قالو: البنت لا تعقل عن أبيها. قلنا: والأخت أيضاً لا تعقل فلم تجعلونها عصبة مع البنات؟ فإن تعلقوا بما رووه على النبي(ص) أنه أعطى الأخت مع البنت قلنا: هذا حديث لو صحّ وبرىء من كل قدح لكان مخالفاً لنص الكتاب لأن الله تعالى قال: «وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابَ اللهِ» فنص على أن القربى وتداني الأرحام سبب في استحقاق الميراث، والبنت أقرب من الأخت وأدنى رحماً (وخبرهم) الذين يعملون عليه في توريث الأخت مع البنت رواه هذيل بن شراحيل أن أبا موسى الأشعري سئل عن رجل ترك بنتاً وابنة ابن وأختاً من أبيه وأمه فقال لابنته النصف وما بقي فللأخت.(بخبر) يرويه الأسود بن زيد قال قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله(ص) فأعطى البنت النصف والأخت النصف ولم يورث العصبة شيئاً (أما الخبر الأول) فقد قدح أصحاب الحديث في روايته وضعفوا رجاله قيل إن هذيل ابن شراحيل مجهول ضعيف ولو زال هذا القدح لم يكن فيه حجة لأنه ما أسنده عن النبي(ص) (وكذلك) القول في خبر معاذ وليس في قوله. إنه كان على عهد رسول الله(ص) حجة لأنه قد يكون على عهده ما لا يعرفه ولو عرفه لأنكره وقد امتنع من توريث الأخت مع البنت من هو أقوى من معاذ وهو أولى بان يتبع وهو ابن عباس وفي حديث معاذ أيضاً ما يقتضي بطلان قول من يذهب إلى أن الأخت تأخذ بالتعصب مع البنت لأنه قال ولم يورث العصبة شيئاً لأنها لو كانت عصبة في هذا الموضع لم يقل ذلك بل كان يقول ولم يورث باقي العصبة شيئاً (قال): ولا يجوز أن يستدل على أن الأخت لا ترث مع البنت بقوله تعالى: «إنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ». فشرط في توريث الأخت فَقْد الولد فلا ترث مع البنت لأنها ولد ذلك لأنه تعالى إنما شرط في هذا الفرض المخصوص للأخت فقد الولد وليس ذلك بمانع من أن ترث مع فقد هذا الشرط بسبب آخر فإن تعليق الحكم بشرط لا يدل على ارتفاعه مع فقد الشرط على ما بيّنّاه في كتاب أصول الفقه (وأقول) الحق كما بين في أصول الفقه ثبوت مفهوم الشرط فالآية بمفهومها دالة على عدم إرث الأخت مع البنت (ومما) ذكره رحمه الله من الفروع المتفرعة على القول بالتعصيب وعدمه ما لو خلف بنتاً وعمّاً فعلى التعصيب للبنت النصف وللعم الباقي وعلى عدمه المال كله للبنت بالفرض والرد. وكذا لو كان مكان البنت اثنتان. ولو خلف الميت عمومة وعمات أو بني عم فمخالفنا يورث الذكور من هؤلاء دون الإناث. لأجل التعصيب ونحن نورث الذكور والإناث (قال) فإن قيل إذا كنتم تستدلون على أن العمات يرثن مع العمومة وبنات العم يرثن مع بني العم ونحو ذلك بآية للرجال نصيب الآية ففيها حجة عليكم في موضع آخر إذ يقال لكم ألا ورثتم العم وابن العم مع البنت بظاهر هذه الآية (قلنا) لا خلاف أن المراد بالآية مع الاستواء في القرابة والدرجة ألا ترى أنه لا يرث ولد الولد ذكوراً كانوا أو إناثاً مع الولد لعدم التساوي في الدرجة والقرابة وليس كذلك العمومة والعمات وبنات العم وبنو العم لتساوي الدرجة والقرابة والمخالف يورث الرجال منهم دون النساء وظاهر الآية حجة عليه ا.هـ.
وقال الشيخ الطوسي رحمه الله في التهذيب: إنهم تعلقوا في صحة التعصيب بخبر رووه عن وهيب عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس عن النبي(ص) أنه قال الحقوا الفرائض فما أبقت الفرائض فلأولي عصبة ذكر (وبخبر) رواه عبدالله بن محمد بن عقيل عن جابر أن سعد بن الربيع قتل يوم أحد وأن النبي(ص) زار امرأته فجاءت بابنتي سعد فقالت يا رسول الله إن أباهما قتل يوم أحد وأخذ عمهما المال كله ولا تنكحان إلا ولهما مال فقال النبي(ص) سيقضي الله في ذلك فأنزل الله تعالى «يُوْصِيكُمُ اللهُ فِي أوْلادِكُمْ» حتى ختم الآية فدعا النبي(ص) عمهما وقال له أعط الجاريتين الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي فلك (واستدلوا) أيضاً بقوله تعالى: «وَإنِي خِفْتُ المَواْلِي مِنْ وَرَائِي وَكَانَتْ امْرَأتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيَّاً» وإنما خاف أن يرثه عصبته فسأل الله ولياً يرثه ولم يسأله وليّة لأنها لا تمنع العصبة (وأجاب الشيخ رحمه الله عن ذلك) بآية «لِلرِجَالِ نَصِيبٌ» الآية وتقدمت في كلام المرتضى (وبقوله تعالى) «وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ» فحكم الله تعالى أن ذوي الأرحام بعضهم أولى ببعض وإنما أراد بذلك الأقرب فالأقرب بلا خلاف ونحن نعلم أن البنت أقرب من ابن الأخ ومن ابن العم ومن العم نفسه لأنها إنما تتقرب بنفسها إلى الميت وابن العم يتقرب بالعم والعم بالجد بالأب والأب بنفسه، وما يتقرب بنفسه أولى ممن يتقرب بغيره بظاهر التنزيل. فإذا كان الخبر الذي رووه يقتضي أن من يتقرب بغيره أولى ممن يتقرب بنفسه فينبغي أن نحكم ببطلانه. قال: وقد طعن في هذه الأخبار بما يرجع إلى سندها. وقيل في الخبر الأول إنه رواه يزيد بن هارون عن سفيان عن ابن طاوس عن أبيه عن النبي(ص) مرسلاً ولم يذكر فيه ابن عباس إنما ذكر فيه ابن عباس وهيب، وسفيان أثبت من وهيب وأحفظ منه ومن غيره. فقالوا وهذا يدل على أن الرواية غير محفوظة، حكى ذلك الشيخ عن الفضل بن شاذان. وقال هو: إن هذا ليس طعناً لأنهم قد رووها مسندة من غير طريق وهيب. روى أبو طالب الأنباري عن الفريابي والصاغاني جميعاً قالا حدثنا أبو كريب عن علي بن سعيد الكندي عن علي بن عباس عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس عن النبي(ص) أنه قال: ألحقوا بالأموال الفرائض فما أبقت الفرائض فلأولي عصبة ذكر. قال: ولكن الذي يدل على بطلان هذه الرواية أنهم رووا عن طاوس خلاف ذلك وأنه تبرّأ من هذا الخبر وذكر أنه لم يروه وإنما هو شيء ألقاه الشيطان على ألسنة العامة. روى ذلك أبو طالب الأنباري، قال حدثنا محمد بن أحمد البربري قال: حدثنا بشر بن هارون، قال حدثنا الحميري (الحميدي)، قال حدثني سفيان عن أبي إسحاق عن قارية بن مضرب قال: جلست إلى ابن عباس وهو بمكة فقلت: يا ابن عباس حديث يرويه أهل العراق عنك، وطاوس مولاك يرويه: أن ما أبقت الفرائض فلأولي عصبة ذكر. قال: أمن أهل العراق أنت؟ قلت : نعم. قال: أبلغ من وراءك أني أقول: إن قول الله عز وجل: «آبَاؤُكُمْ وَأبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أيُهُمْ أقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللهِ»، وقوله: «وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ». وهل هذه إلا فريضتان وهل أبقتا شيئاً؟ ما قلت هذا ولا طاوس يرويه عليّ. قال قارية بن مضرب: فلقيت طاووساً فقال لا والله ما رويت هذا على ابن عباس قط وإنما الشيطان ألقاه على ألسنتهم، قال سفيان: أراه من قبل ابنه عبدالله بن طاوس، فإنه كان على خاتم سليمان بن عبد الملك وكان يحمل على هؤلاء القوم حملاً شديداً يعني بني هاشم قال: ثم لا خلاف بين الأمة أن هذا الخبر ليس على ظاهره لأن ظاهره يقتضي ما أجمع المسلمون على خلافه. ألا ترى أن رجلاً لو مات وخلف بنتاً وأخاً وأختاً فمن قولهم أجمع أن للبنت النصف وما بقي فللأخ والأخت للذكر مثل حظ الأنثيين. والخبر يقتضي أن ما بقي للأخ لأنه الذكر ولا يكون للأخت شيء وكذلك لو أن رجلاً مات وترك بنتاً وابنة ابن وعماً، أن يكون للبنت النصف وما بقي للعم لأنه أولى ذكر، ولا تعطى بنت الابن شيئاً وكذلك في أخت لأب وأو أخت لأب وابن عم أن لا تعطى الأخت من الأب شيئاً بل تعطى الأخت من قبل الأب والأم النصف وما يبقى لابن العم لأنه أولى ذكر، وكذلك في بنت وابن ابن وابنة ابن وكذلك في بنت وبنت ابن وإخوة وأخوات لأب وأم. وأمثال ذلك كثيرة جداً فإن قالوا: جميع ما ذكرتموه لا يلزمنا شيء منه لأنا لم نقل في هذه المواضيع إلا لظواهر دلت عليه صرفتنا عن استعمال الخبر فيه ألا ترى أن البنت مع بنت الابن والعم إنما أعطينا لابنة الابن السدس لأن الظاهر يقتضي أن ما يبقى وهو السدس لبنت الابن وكذلك في بنت وبنت ابن وابن عم لأن للأختين الثلثين وقد علمنا أن للأخت من قبل الأب والأم النصف فما بقي بعد ذلك وهو السدس للأخت من قبل الأب وكذلك قوله: «يُوْصِيكُمُ اللهُ فِي أوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ» يقتضي أن بنت الصلب وبنت الابن وابن الابن، المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين وإذا علمنا أن للبنت من الصلب النصف علمنا أن ما بقي للباقين على ما فرض قيل لهم: هذا الذي ذكرتموه باطل لأن الموضع الذي يتناول أن للأختين الثلثين يقتضي أن لكل واحدة منهما مثل نصيب صاحبتها وليس فرض كل واحدة منهما مع الانضمام فرضها من الانفراد وكذلك القول في البنت من الصلب مع بنت الابن فإن كان الظاهر يتناوله يقتضي أن يكون لكل واحدة منهما مثل نصيب صاحبتها وإذا لم يفعلوا ذلك علمنا أنهم مناقضون ومتعلقون بالأباطيل وكذلك القول في المسائل الأخر جارٍ هذا المجرى.
على أن هذا إنما ألزمناهم به على أصولهم ومذاهبهم لأن عندنا أن هذه المسائل كلها الأمر فيها بخلاف ذلك لأن مع البنت لا يرث أحد من الإخوة والأخوات على حال ولا يرث معها أحد من ولد الوالد ولا مع الأخت من الأب والأم يرث العم ولا الأخت من قبل الأب لقوله تعالى: «وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ». والبنت للصلب أولى وأقرب من جميع من ذكروه. لكن على تسليم ذلك قد بيّنّا أنهم تاركون لظاهر الخبر، وإذا تركوا ظاهره إلى ما قالوه جاز لنا أن نحمله على ما نقوله بأن نقول: إنه على تسليمه يحتمل أشياء، منها: أن يكون مقدراً في رجل مات وخلف أختين من قبل الأم وابن أخ وابنة أخ لأب وأم وأخاً لأب إلى آخر ما تقدم في كلام السيد. قال: فإن قيل ليس ما ذكرتموه صحيحاً لأن أولى ذكر يجوز الميراث مع التساوي في الدرج فأما إذا كان أحدهما أقرب فلا يتناوله الخبر. قلنا ليس في ظاهر الخبر أنه مع التساوي في الدرج، بل هو عام في المتساويين والمتباعدين. وإذا حملنا على شيء برئت عهدتنا. على أنه لو كان المراد به مع التساوي في الدرج لم يجز لهم أن يورثوا ابن العم والعم مع البنت لأن البنت أقرب منهما، ولا محيص عن ذلك إلا بالتعلق بعموم الخبر مع أن ذلك أيضاً ممكن مع التساوي في الدرج كمن خلف زوجة وأختاً لأب وأخاً لأب وأم: للزوجة سهمها المسمى الربع والباقي للأخ للأب والأم لا ترث معه الأخت للأب. أو من خلفت زوجاً وعماً من قبل الأب والأم وعمة من قبل الأب: للزوج النصف سهمه المسمى والباقي للعم وليس للعمة شيء.
قال الشيخ رحمه الله: وقد ألزم القائلون بالعصبة من الأقوال… ما لا يحصى كثرة منها: أن يكون الولد الذكر للصلب أضعف سبباً من ابن ابن ابن عم فيمن خلف ثمان وعشرين بنتاً وابناً واحداً: للابن سهماً من ثلاثين، وعشرون سهماً للبنات لأن فرضهن الثلثان والباقي له بالتعصيب فيلزم تفضيل البعيد على الولد للصلب وفي ذلك خروج عن العرف والشريعة وترك لقوله تعالى: «وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ». ثم قيل لهم: فما تقولون إن ترك هؤلاء البنات، ومعهن بنت ابن، فقالوا للبنات الثلثان وما بقي للعصبة، وليس لبنت الإبن شيء لأن البنات قد استكملن الثلثين وإنما يكون لبنات الإبن إذا لم تستكمل البنات الثلثين. قيل لهم: فإن المسألة على حالها، إلا أنه مع بنت الإبن إبن إبن. قالوا: للبنات الثلثان وما بقي فبين إبن الإبن وإبنة الإبن للذكر مثل حظ الأنثيين. قلنا لهم: فقد نقضتم أصلكم وخالفتم حديثكم فلم لا تجعلون ما بقي للعصبة في هذه المسألة كما جعلتموه في التي قبلها فتجعلون ما بقي لإبن الإبن الذي هو عصبته إذ كنّ البنات قد استكملن الثلثين كما استكملن في التي قبلها ولم تأخذوا في هذه المسألة بالخبر الذي رويتموه فتعطوا إبن الإبن ولا تعطوا إبنة الإبن شيئاً. وفي أي كتاب أو سُنّة وجدتم أن بنات الإبن إذا لم يكن معهنّ أخوهنّ لم يرثن شيئاً فإذا حضر أخوهن ورثن بسبب أخيهن؟ ثم أجاب عن الخبر الثاني الذي احتجّوا به بأن راويه رجل واحد هو عبدالله بن محمد بن عقيل وهو عندهم ضعيف ولا يحتجون بحديثه وهو منفرد بهذه الرواية.
أقول: وأما التعليق بآية «وَإنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ» إلى قوله «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيَّاً، يَرِثُنِي» فعجيب ممن يروي ويعتقد قوله: إنا معشر الأنبياء لا نورث.
قال الشيخ في التهذيب: أما قوله إنه سأل ولياً ولم يسأل وليّة فإنما ذلك لأن الخلق كلهم يرغبون في البنين دون البنات فهو(ع) إنما سأل ما عليه طبع البشر وهو كان يعلم أنه لو ولد له أنثى لم تكن ترث العصبة البعداء مع الولد الأقرب ولكن رغب فيما يرغب الناس كلهم فيه. على أن الآية دالّة على أن العصبة لا ترث مع الولد الأنثى لقوله تعالى: «وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً» والعاقر التي لا تلد فلو لم تمن امرأته عاقراً وكانت تلد لم يخف الموالي من ورائه لأنها متى ولدت ولداً ما كان ذكراً أو أنثى ارتفع عقرها وأحرز الولد الميراث، ففي الآية دلالة واضحة على أن العصبة لا ترث مع أحد من الولد ذكوراً كانوا أو إناثاً. على أنّا لا نسلم أن زكريا(ع) سأل الذكر دون الأنثى بل الظاهر يقتضي أنه طلب الأنثى كما طلب الذكر، ألا ترى إلى قوله تعالى: «وَكَفَّلَهَا زَكَرِيّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيّا المِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إنَّ اللهً يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّي هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ». فإنما طلب زكريا حين رأى مريم على حالها أن يرزقه الله مثل مريم لما رأى في منزلتها عند الله ورغب إلى الله في مثلها وطلب إليه عز وجل أن يهب له ذرية طيبة مثل مريم فأعطاه الله أفضل مما سأل. فأمر زكريا حجة عليهم في إبطال العصبة إن كانوا (….) (انتهى ما أورده الشيخ رحمه الله في التهذيب).
أما ما ورد عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في إبطال التعصيب فبالغ حدّ التواتر وسئل الصادق(ع): المال لمن هو للأقرب أم للعصبة؟ فقال: المال للأقرب، والعصبة في فيه التراب، ومثل ذلك في أخبار كثيرة وعليه انعقد إجماع الشيعة ولم يخالف فيه أحد منهم.
القسم الثالث
أن يكون المال الموروث ناقصاً عن تلك السهام كأن يجتمع في الوارث من فرض له ثلثان ومن فرض له ربع ومن فرض لهما سدسان ومن فرض له ثلثان ونحو ذلك فإن المال لا يمكن أن يخرج منه نصف وثلثان أو ربع وسدسان ولا يكون النقص إلا بوجود الزوجين بين الوارث وهذه هي مسألة العول.
العول
وهو في اللغة يقال للزيادة والنقيصة فهو من أسماء الأضداد ويقال للميل كما عن أبي عبيدة ومنه قوله تعالى: «أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا». وعال إذا كثر عياله وعالت الناقة بذنبها رفعته. وعند الفقهاء: هو الزيادة في السهام عند زيادتها عن الفريضة بحيث يحصل النقص على الجميع فيمكن كونه من الزيادة لزيادة السهام، ومن النقص لحصوله على الجميع فإذا أضيف العول الى المال كان نقصاناً وإذا أضيف إلى السهام كان زيادة. ومن الميل لميل الفريضة بالجور على أهل السهام بنقصانها عليهم فكانت عائلة. ومن عال بمعنى كثرت عياله لكثرة السهام في الفريضة فشبهت بمن كثر عياله ومن الارتفاع لارتفاع الفريضة بزيادة السهام.
وهذه المسألة مما وقع فيه الخلاف بين علماء الشيعة وغيرهم كمسألة التعصيب المتقدمة. وعليهما يبتني معظم مسائل الميراث كما تقدم وتختلف القسمة على المذهبين اختلافاً كثيراً فذهب فقهاء الشيعة كافة إلى بطلان العول وأن النقص إما يكون على بعض ذوي السهام دون بعض فلا يكونون كلهم في هذه الصورة وارثين بالفرض بل بعضهم بالقرابة وهو من يدخل عليه النقص ومن لا يدخل وذهب إلى ما تذهب إليه الشيعة من الصحابة ابن عباس وشدّد النكير في ذلك، وعطاء ابن أبي رباح. ومن الفقهاء داود بن علي الأصفهاني وحكاه الفقهاء من غير الشيعة عن محمد بن علي بن الحسين الباقر(ع) وعن محمد بن الحنفية. وقال باقي الفقهاء: بل يدخل النقص على جميع الورثة بنسبة سهامهم كأصحاب الديون إذا ضاق المال عن حقهم وهو العول.
مثال ذلك: إذا ماتت امرأة وتركت زوجاً وأختين للأبوين أو للأب: للزوج النصف بالفرض وللأختين الثلثان بالفرض، مخرج النصف اثنان ومخرج الثلثين ثلاثة، نضرب أحدهما في الآخر للتباين، يحصل ستة فالفريضة من ستة، للزوج نصفها ثلاثة وللأختين ثلثاها أربعة عالت الفريضة بواحد فعند الشيعة يأخذ الزوج النصف تامّاً ويدخل النقص على الأختين فيكون لهما الباقي، وعند غير الشيعة يزاد على الفريضة واحد فتجعل من سبعة، أي تجعل التركة سبعة أجزاء بدلاً من ستة فيأخذ الزوج ثلاثة أجزاء من سبعة من التركة، وقد كان له ثلاثة من ستة، وتأخذ الأختان أربعة أجزاء من سبعة من التركة وقد كان لهما أربعة من ستة فيكون النقص قد دخل على الزوج والأختين بنسبة سهامهم. وهكذا باقي مسائل العول على هذا القياس.
والضابط عندنا أن النقص يدخل على البنت أو البنتين فصاعداً وعلى من تقرب بالأبوين أو الأب خاصة من الأخت والأخوات دون من يتقرب بالأم ولا يدخل النقص على الزوجين ولا على الأبوين وعلى كلالة الأم.
فلو تركت زوجاً وأبوين وبنتاً: الفريضة من اثني عشر، حاصلة من ضرب اثنين في ستة أو ثلاثة في أربعة للزوج ربعها ثلاثة وللأبوين سدسها أربعة وللبنت نصفها ستة، فالسهام ثلاثة عشر، عالت الفريضة بواحد فتأخذ البنت الباقي بعد الربع والسدسين. ولو تركت زوجاً وأحد الأبوين وبنتين فصاعداً: الفريضة من اثني عشر، فتأخذ البنتان الباقي بعد الربع والسدس. ولو تركت زوجاً وأبوين وبنتين فصاعداً: الفريضة من اثني عشر، حاصلة من ضرب اثنين في ستة أو ثلاثة في أربعة. والسهام خمسة عشر، عالت الفريضة بثلاثة فتأخذ البنتان الباقي بعد الثمن والسدسين. ولو تركت زوجاً مع كلالة الأم وأخت أو أخوات للأب أو للأب والأم فللزوج النصف ولكلالة الأم السدس أو الثلث والباقي للأخت والأخوات.
وربما جعل الضابط في دخول النقص وفي الرد في مسألتي العول والتعصيب أن النقص يدخل على من له فرض واحد في الكتاب المجيد كالبنت والبنات والأخت والأخوات فإن البنت قد فرض لها فرض واحد وهو النصف وكذا الأخت. والبنتان فرض لهما فرض واحد وهو الثلثان وكذا الأختان، فهؤلاء يدخل عليهم النقص عند النقيصة ويرد عليهم عند الزيادة، بخلاف فرض له فرضان كالزوج حيث فرض له النصف مع عدم الولد والربع معه. والزوجة حيث فرض لها الربع مع عدم الولد والثمن معه. والأم حيث فرض لها الثلث مع عدم الولد والسدس معه. فهؤلاء لا يكون عليهم رد كما لا يدخل عليهم نقص وذلك لأن من له الغنم فعليه الغرم ومن لا غنم له لا غرم عليه.
وقال المرتضى في الانتصار: الذي يذهب إليه الشيعة أن المال إذا ضاق عن سهام الورثة قدم ذوو السهام المؤكدة من الأبوين والزوجين على البنات. والأخوات من الأم على الأخوات من الأب والأم أو من الأب، وجعل الفاضل عن سهامهم لهن (انتهى) ومراده بتأكيد السهام: أن من فرض له سهم على حال ثم سهم آخر أقل منه على حال آخر فهذا سهمه غير مؤكد. وهذه الضابطة منقوضة بالأب فليس له في الكتاب إلا سهم واحد ومع ذلك لا يدخل النقص عليه، وبكلالة الأم فليس لها في الكتاب إلا سهم واحد ومع ذلك لا يدخل النقص عليها ولا يرد عليها كما مر.
ويمكن الحمل على الغالب لا على الضابطة الحقيقية وهذه الضابطة مستفادة من قول ابن عباس في الحديث الآتي: كل فريضة لم يهبطها الله عن فريضة إلا إلى فريضة فهذا ما قدم الله. وكل فريضة إذا أنزلت عن فرضها لم يبق لها إلا ما بقي فتلك التي أخر.
وأول مسألة وقع فيها العول في الإسلام على ما روي في زمن عمر حين ماتت امرأة في عهده عن زوج وأختين فجمع الصحابة وقال لهم: فرض الله للزوج النصف وللأختين الثلثين فإن بدأت بالزوج لم يبق للأختين حقهما وإن بدأت بالأختين لم يبق للزوج حقه فأشيروا عليّ. فاتفق رأي أكثرهم على العول. ثم أظهر ابن عباس الخلاف وبالغ فيه. وكان ابن عباس على الرأي التالي: كل فريضة لم يهبطها الله عن فريضة إلا إلى فريضة فهذا ما قدم الله. وأما ما أخر فكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يبق لها إلا ما بقي فتلك التي أخر. فأما الذي قدم: فالزوج له النصف، فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع الربع، لا يزيله عنه شيء والزوجة لها الربع، فإذا دخل عليها ما يزيلها عنه صارت إلى السدس، ولا يزيلها عنه شيء. فهذه الفرائض التي قدم الله. وأما التي أخر: ففريضة البنات والأخوات، لها النصف والثلثان، فإذا أزالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لهن إلا ما بقي. فتلك التي أخر. فإذا اجتمع ما قدم فهذه الفرائض التي قدم الله وما أخر بدِىء بما قدم الله فأعطي حقه كاملاً فإن بقي شيء كان لمن أخر فإن لم يبق شيء فلاشيء له. وقوله: وإن لم يبق شيء فلا شيء له، لا يخفي أنه فرض غير واقع إذ لا بد أن يفضل لهم شيء. وحمله في المسالك على المبالغة في تقديم من قدمهم الله تعالى.
ثم إن هذا الرأي قد اشتمل على فوائد كثيرة: منها بيان استفادة من يدخل عليه النقص من آيات الفرائض حيث جعل لهم فرضاً واحداً وجعل لغيرهم فرضاً أدنى عند وجود من يزيلهم عن فرضهم الأعلى ففرض لهم فرضين تنبيهاً على الاهتمام بهم وأنهم لا ينقصون عن فرضهم الأعلى إلا الى هذا الأدنى وهو اعتبار حسب قريب من دقائق القرآن. والظاهر أن ابن عباس ذكره رواية لا استنباطاً. ومنها بيان ضابطة من يدخل عليه النقص ومن لا يدخل بالتقريب المذكور. ومنها إمكان استفادة ضابطة النقص فيرد على من له فرض واحد دون من له فرضان، فإن من فرض له فرضان كما استفيد من ذلك إنه لا ينقص عن الأعلى إلا الأدنى قد يستفاد منه أنه لا يزيد عن الأعلى مؤيداً بأن من له الغنم عليه الغرم وقد مر انتقاض الضابطين وتوجيهه.
حجة الشيعة على بطلان العول أمور:
الأول: العقل وهو أنه يستحيل على الله تعالى أن يفرض في ما لا يسعه من السهام. لا يقال: القائلون بالعول لا يقولون إن الله تعالى قد فرض في المال الواحد ما لا يسعه بل مقتضى عموم أدلة الفروض ذلك لكن استحالته قرينة عقلية على إرادة لكل واحد بنسبة ما فرض له لأنا نقول: استحالة ذلك لا تعين إرادة دخول النقص على الكل بنسبة سهامهم، بل كما يحتمل ذلك يحتمل كون البعض ليس من أهل الفروض في هذه الصورة، فيكون له الباقي. فتعيين أحد الاحتمالين يحتاج إلى دليل ويمكن تعيين الاحتمال الثاني من أن اللازم منه تقييد بعض أدلة الفروض بخلاف الأول فإنه يقتضي الخروج عن الظاهر في جميعها.
الثاني: ما أشار إليه المرتضى في الانتصار: وهو أنا إذا أنقصنا جميع ذوي السهام وأعطينا كل واحد منهم بعض ما تناوله النص خصصنا ظواهر كثيرة وصرفناه عن الحقيقة إلى المجاز وإذا أنقصنا أحدهم عدلنا فيما يخص هذا المنقوص وحده عن الظواهر وأبقينا ما عداه على ظاهره وحقيقته فإذا كان التخصيص والانصراف عن الحقيقة إنما يفعل للضرورة فقليله أولى من كثيره ولا يعتبر بما يفعله مخالفونا من تسميتهم ما هو خمس في الحقيقة ربما وما هو أقل من السدسين بأنه سدسان ولا بالثمن عن التسع وما أشبه ذلك لأنهم سموا الشيء بغير اسمه الموضوع له وخرجوا عن موجب اللغة «انتهى».
ويمكن أن يقال إن الخصم إما أن يدعي شمول أدلة الفروض لصورة العول حقيقة ولكنه حيث لم يمكن القسمة على مقتضى المعاني الحقيقية قسمنا على مقتضى ما يقارب منها أو مجازاً أما شمولها فموجب لنسبة الجهل إليه تعالى عن ذلك أو الحكم بالمحال وأما شمولها مجازاً فموجب لاستعمال اللفظ في المعنى الحقيقي والمجازي في استعمال واحد وهو باطل كما قرر في الأصول. وحمله على عموم المجاز بأن يكون استعمل في معنى يعم الحقيقي والمجازي مجازاً باطلاً إذ لا يوجد قدر جامع لا سيما مع أن تلك المعاني المجازية غير محصورة ولا مضبوطة أريد بها معانيها الحقيقية لا معاني أخر مجازية على أن القرينة على عموم المجاز لا تعين هذا المجاز كما مر على أن دخول النقص على الجميع بنسبة سهامهم أيضاً فرع شمول إطلاق السهم لموضع النزاع حقيقة وإلا فلا تبقى سهام حتى ينسب النقص إليها وجعل النسبة إليها باعتبار ثبوتها في غير المقام لا يصح لأن ثبوتها في غير المقام مع العلم بعدم ثبوتها في المقام والشك فيما هو الثابت لا يصحح أن الثابت هو بنسبة غير المقام.
الثالث: ما أشار إليه المرتضى في الانتصار أيضاً من أن الذي يجعل النقص داخلاً عليه وحده قد اجتمعت الأمة على دخول النقص عليه في الجملة فنحن نقول وحده وأنتم تقولون مع غيره. أما غيره فما وقع إجماع على نقصه من سهامه ولا قام دليل على ذلك، وظاهر الكتاب يقتضي له أن سهماً معلوماً فيجب أن نوفيه إياه ونجعل النقص لاحقاً بمن أجمعوا على نقصه.
الرابع: إن الله تعالى قد فضّل البنين على البنات في كل الفرائض فمن تركت زوجاً وأبوين وعشر بنين لا يكون للبنين إلا ما يبقى فإذا كانت مكان البنين بنت أفلا ترضى لهن أن يأخذن مثل ما يأخذ البنون وقد فضل الله البنين على البنات بالضعف؟ واعترض: بأن البنتين ذوات سهام مسماة مثل الأبوين وليس للبنين سهم مسمى كما يوفر على الأبوين أو العول. وأجيب: بأن الإبن إنما لم يكن له أسهم لأن له الكل وللبنات النصف ومتى اجتمعا كان للإبن مثلان وللبنت مثل واحد.
الخامس: الروايات المستفيضة بل المتواترة فيها الصحاح عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بعد إطباق الشيعة عليه وقد ثبت في غير المقام حجية أقوالهم وأنهم أحد الثقلين الواجب اتباعهما كصحيحة ابن مسلم وصحيحة الفضلاء الأربعة: عن الباقر(ع) أن السهام لا تعول. وفي صحيحة أخرى عنه(ع): أنه أقرأ ابن مسلم صحيفه كتاب الفرائض التي هي إملاء الرسول(ص) وخط علي بيده فإذا فيها: السهام لا تعول. وفي كتاب الرضا(ع) إلى المأمون: والفرائض على ما أنزل الله في كتابه ولا عول فيها. وقال الباقر(ع): إن السهام لا تعول، لا تكون أكثر من ستة. وقال: زرارة: هذا ليس مما فيه اختلاف بين أصحابنا، عن أبي جعفر وأبي عبدالله(ع). وقال الباقر(ع) أيضاً: إن السهام لا تكون أكثر من ستة أسهم. وقال الصادق(ع): أصل الفرائض من ستة أسهم لا تزيد على ذلك ولا تعول عليها. إلى غير ذلك من الأخبار.
والظاهر أن المراد بالسهام هي الستة المفروضة في الكتاب والمراد بقوله: لا تعول ولا عول فيها أنها لا تنقص بحيث يصير الثمن تسعاً والربع خمساً مثلاً، ونحو ذلك أو لا تزيد عن الستة المعهودة بأن لا يزاد عليها التسع والخمس وغير ذلك. ويؤيد الأخير قوله في بعض الروايات لا تكون أكثر من ستة، بعد قوله: لا تعول، وكذا قوله: لا تعول على أكثر من ستة أي لا تزيد وكان الظاهر لا تعول على ستة كما في الخبر الآخر. ولعله بمعنى على ستة فأكثر كما قالوا في قوله(ع): لا تسافر المرأة فوق ثلاثة أيام إلا ومعها زوجها أو ذو محرم أو ما هذا معناه: إن المراد ثلاثة أيام فما فوق. وكذا قوله: لا تجوز ستة لا تتعداها فتكون أكثر بزيادة التسع والخمس وغيرهما بسبب العول.
أما قوله: لا تزيد على ذلك ولا تعول عليها فلعله من عطف التفسير. وقوله: لا تعول من ستة أي لا تنقص ولا تزيد عنها على أن تكون من بمعنى عن.
احتجّ القائلون بالعول بأمور:
أحدها: القياس على الدين مع قصور المال فإنهم يقتسمونه بنسبة ديونهم، والجامع الاستحقاق وقصور المال. وهذا الوجه محكي عن أبي ثور. والجواب: بالفرق بين الدين والميراث إذ لا يستحيل أن يكون على شخص من الدين ما لا يفي به ماله بل مع فقد المال كلية بخلاف الميراث فإنه يستحيل أن يفرض الله في مال ما يقصر عنه فيكون له نصف وثلثان أو أن يستحق شخص الإرث مع فقد التركة، وذلك لأن الدين يتعلق بالذمة وهي تقبل تحمل الجميع فإذا عرض تعلقه بعين المال ولم يسع الجميع لهم لم يكن ذلك محالاً إذ معنى هذا التعلق استحقاق كل أن يستوفي بنسبة دينه، وهذا لا محال فيه، إنما المحال استحقاق كل استيفاء جميع دينه بخلاف الإرث فإنه يتعلق بنفس التركة تعلق انحصار وهي لا تقبل تعلق جميع حقوق الديان كلاً. ولا يعد أخذ أحد منهم قسطه استيفاء لجميع حقه بل لبعضه فلو قدر المديون على إيفاء الدين بعد تقسيط ماله وجب عليه الخروج من باقي حقهم ومع موته يبقى الباقي في ذمته ويصح احتسابه عليه من الحق وإبراؤه منه. ومع بقائه يعوضون عنه في الآخرة. والإرث مخالف للدَين في جميع ذلك. ولو فرض اتساع أموال الميت أمكن استيفاء جميع الديون منها بخلاف العول فإن الحقوق متعلقة بأجزاء مسماة ولا يجوز أن تستوفى قط من مال ميت واحد قلّ أو كثر فبطل القياس.
وأجاب المرتضى رضي الله عنه في الانتصار: بأن أصحاب الديون مستوون في وجوب استيفاء أموالهم من تركة الميت وليس لأحد مزية على الآخر في ذلك، فإن اتسع المال لحقوقهم استوفوها وإن قصر تساهموا وليس كذلك مسائل العول لأن بعض الورثة أولى بالنقص من بعض (انتهى).
وما ذكرناه من الجواب أولي لعدم احتياجه إلى إثبات أن بعض الورثة أولى بالنقص من بعض.
الثاني: القياس على الوصية إذا أوصى لاثنين أو ثلاثة وضاق المال فإنه يدخل النقص على الكل والجواب: أن الحق عندنا أن يقدم ما أوصى به أولاً فما بعده حتى يستوفي الثلث ويبطل ما عداه. وإن لم يرتب بل أوصى لجماعة دفعة واحدة بمال بأن قال: اعطوهم ألفاً ولم يف الثلث فإنه يدخل النقصان على الجميع لأنه ليس لكل واحد منهم سهم معين بل إن ما استحقوا على الاجتماع قدراً مخصوصاً فقسم فيهم كما يقسم الشيء المستحق بين الشركاء. هكذا أجاب الشيخ رحمه الله في التهذيب.
الثالث: ما رووه عن عبيدة السلماني عن أمير المؤمنين(ع) أنه سئل وهو على المنبر عن رجل مات وخلف زوجة وأبوين وبنتين: فقال(ع): صار ثمنهما تسعاً وتسمى هذه (بالمسألة المنبرية) وهي لا تنطبق إلا على العول.
وأجاب المرتضى رضي الله عنه في الانتصار: بأن دعواهم أنه(ع) كان يقول بالعول باطلة لأننا نروي عنه خلاف هذا القول ووسائطنا إليه النجوم الزاهرة من عترته كزين العابدين والباقر والصادق والكاظم (عليهم السلام) وهؤلاء أعرف بمذهب أبيهم ممن نقل خلاف ما نقلوه وابن عباس ما تلقى إبطال العول في الفرائض إلا عنه. ومعولهم في الرواية عنه أنه كان يقول بالعول عن الشعبي والحسن بن عمارة والنخعي. فأما الشعبي فإنه ولد سنة 36 والنخعي ولد سنة 37 وقتل أمير المؤمنين(ع) سنة 40 فكيف تصحّ رواياتهم عنه. والحسن بن عمارة مضعف عند أصحاب الحديث. ولما ولي المظالم قال سليمان بن هرمان: الأعمش ظالم ولي المظالم. ولو سلم كل ما ذكرناه من كل قدح وجرح لم يكونوا بإزاء من ذكرناه من السادة والقادة الذين رووا عنه إبطال العول. فأما الخبر المتضمن أن ثمنها صار تسعاً فإنما رواه سفيان عن رجل لم يسمه، والمجهول لا حكم له. وما رواه عنه أهله أولى وأثبت. وفي أصحابنا من تأول هذا الخبر إذا صحّ على أن المراد به أن ثمنها صار تسعاً عندكم أو أراد الاستفهام وأسقط حرفه كما أسقط في مواضع كثيرة (انتهى كلام المرتضى).
ويكون الاستفهام إنكارياً كما ذكره الشيخ في التهذيب. «انتهى».
تلخيص الفروق بين السنة والشيعة في مسائل الإرث
مكتوبة بقلم الشيخ محمد جواد مغنية:
إن مراتب الإرث عند الشيعة ثلاث:
1ـ الأبوان، والأولاد وإن نزلوا.
2ـ الإخوة والأخوات وإن نزلوا، والأجداد والجدات وإن علوا.
3ـ الأعمام والعمات والأخوال والخالات وأولادهم، وأنه متى وجد واحد من المرتبة المتقدمة حجب عن الإرث كل من كان في المرتبة المتأخرة.
أما السنة فلم يعتبروا هذه المراتب، ولم يبنوا التقسيم في الميراث على أساسها. فأدخلوا المرتبة الثانية في الأولى، والأولى في الثانية والثالثة، فالجد أبو الأب الذي هو من المرتبة الثانية عند الشيعة، ولا يتجاوزها أبداً، يشارك عند السنة الورثة الذين هم من المرتبة الأولى، وذلك إذا لم يوجد أب. قالوا: يقوم الجد لأب مقام الأب نفسه، فيرث مع الأم ومع الأولاد. وعند الشيعة. كما علمت ـ لا يرث أحد من الأجداد إلا عند فقدان الأبوين والأولاد وأولادهم أيضاً.
والجدات اللاتي هن من المرتبة الثانية عند الشيعة يشاركن عند السنة الورثة الذين هم من المرتبة الأولى، وذلك إذا لم توجد الأم. قالوا: إنهن يرثن مع الأب، ويرثن مع الأولاد أيضاً وعند الشيعة. كما أسلفنا ـ لا ترث الجدات ولا الأجداد إلا بعد فقدان الأبوين والأولاد وإن نزلوا.
وعند السنة ترث الإخوة والأخوات مع الأم ولا جد ولا بنون ولا بنو بنين. وعند الشيعة: الإخوة والأخوات من المرتبة الثانية لا يرثون إلا بعد فقدان الأولاد وأولادهم وفقدان الأب والأم.
وعند السنة يرث العم مع الأم والبنات إذا لم يكن أب ولا جد ولا إبن ولا إبن إبن ولا أخ لأبوين أو لأب، ولا أخت لأبوين أو لأب ولا إبن أخ لأبوين أو لأب.
فيشترك العم في بعض الأحيان مع الأم والبنات اللاتي هنّ من المرتبة الأولى كما يشترك مع الأخوات من الأم اللاتي هن من المرتبة الثانية.
والعم مرتبة ثالثة عند الشيعة لا يرث إلا بعد فقدان الأم والأب وأولادهم ذكوراً وإناثاً، والأجداد والجدات، والأخوات والأخوة وأولادهم ذكوراً وإناثاً ومتى وجد واحد من هؤلاء لا يرث العم شيئاً.
هذا هو الأساس الذي يرتكز عليه الخلاف في مواد الإرث بين السنة والشيعة. أما التفصيل وبيان الفروع وذكر المواد مادة فإنه يحتاج إلى وضع كتاب مستقل. ونكتفي بذكر بعضها من باب الشاهد والتمثيل.
1ـ إذا كان أبوان وأحد الزوجين قال السنة: للأم ثلث ما بقي بعد نصيب أحد الزوجين وقال الشيعة: لها ثلث مجموع التركة، لا ثلث الباقي عن نصيب أحد الزوجين.
2ـ لو ترك الميت أو وجد الأب وأحد الزوجين، قال السنة: يأخذ أحد الزوجين نصيبه والأم ثلث مجموع التركة، والباقي للجد.
وقال الشيعة: ما بقي من نصيب أحد الزوجين فهو للأم بكامله. ولا يرث الجد من أي نوع كان مع الأم شيئاً. لأن الأم أقرب، والأقرب يحجب الأبعد.
3ـ الإخوة الأشقاء أو لأب فقط يسقطون بالجد ولا يرثون معه شيئاً عند أبي حنيفة، وعند الشيعة يشترك الإخوة والأخوات من أي نوع كانوا يشتركون مع الجد والجدة، لأن الإخوة والأجداد في مستوى واحد من جهة الإرث.
4ـ السنة: قالوا ترث الزوجة من جميع تركة زوجها المنقول وغير المنقول أرضاً وشجراً وقال الشيعة: لا ترث الزوجة من الأرض أبداً. وترث من غيرها منقولاً كان أم غير منقول كالأشجار والعمار.
وهذه المسألة من أمهات المسائل الخلافية بين الشيعة أنفسهم، فإن من فقهائهم من قال: إن الزوجة كالزوج ترث من كل شيء، وهو قول الإسكافي وابن الجنيد، ومنهم من فرق بين الزوجة إذا كان لها من الميت ولد، فترث أرضاً وغيرها، وإذا لم يكن له ولد لا ترث من الأرض، ونسب هذا القول إلى مشهوري القدماء وبه قال العلامة في القواعد والمحقق في الشرائع، ومنهم من قال: تحرم من الأرض، وتعطى ثمن الأشجار والبناء من غير فرق بين من كان لها ولد ولم يكن، وإليه ذهب مشهورو المتأخرين، وسبب اختلاف الأقوال هو اختلاف الروايات، فرواية ابن أبي يعفور تدل على أن الزوجة كالزوج ترث من كل شيء ورواية ابن أبي عمير فرقت بين اللاتي لهن ولد، واللاتي لا ولد لهن، وفي رواية محمد بن مسلم أن الزوجة لا ترث من الرباع شيئاً، والرباع هي الدور والمساكن، وغير هذه الروايات روايات كثيرة مختلفة المبنى والمعنى، ولو اتسع المقام لنقلتها وبينت ما فيها من التنافي، بحسب الظاهر وجمعتها على معنى واحد.
5ـ قال السنة: إذا لم يكن للميت بنات وكان له بنات إبن، فالبنت الواحدة للإبن النصف، وللاثنتين فصاعداً الثلثان، وقال الشيعة: أولاد الأولاد يأخذون نصيب آبائهم ذكوراً كانوا أم إناثاً، فكل واحد يأخذ نصيب من يتقرب به، فبنت الإبن تأخذ نصيب أبيها، وابن البنت يأخذ نصيب والدته، فإذا ترك ابن بنت، وبنت إبن، أخذت بنت الإبن سهمين وإبن البنت سهماً واحداً.
6ـ قال السنة: إذا كانت بنت صلبية، وبنات إبن، أخذت بنات الإبن السدس. أما الشيعة فلا يعطون بنات الإبن شيئاً مع وجود البنت الصلبية لأن أولاد الأولاد لا يرثون مع وجود أحد الأولاد ذكراً كان أم أنثى لأن الأقرب يحجب الأبعد.
7ـ السنة قالوا: إذا كانت بنات صلبيات، فبنت الإبن لا ترث معهن شيئاً، إلا إذا كان معها أخ، فتأخذ البنات الصلبيات الثلثين وبنت الإبن وأخوها الثلث. وقال الشيعة لا ترث بنت الإبن ولا أخوها مع وجود البنات الصلبيات.
وأنكروا هذه المادة إنكاراً شديداً حيث صرحوا أنه لا يقبل العقل ولا الشرع أن ترث بنت الإبن في حالة دون حالة، فمع أخيها ترث وإن لم يكن لها أخ فلا ترث مع أنها في كلتا الحالتين بنت إبن لم تتغير، ولم تتبدل، فإما أن ترث على كل حال وإما أن لا ترث أبداً.
8ـ قال السنة: الأخوات لأب وأم يرثون مع البنات الصلبيات، ومع بنات الإبن، وقال الشيعة: لا ترث الإخوة ولا الأخوات مع البنات الصلبيات ولا مع بنات الإبن، فالأولاد وأولاد الأولاد عند الشيعة يحجبون الإخوة والأخوات والأجداد والجدات.
9ـ قال السنة: تأخذ الأخوات لأب فقط السدس مع الأخت الواحدة للأبوين، ويقول الشيعة لا تأخذ الأخوات لأب، ولا الإخوة لأب شيئاً مع وجود الأخت للأبوين. لأن المتقرب بالأبوين يحجب المتقرب بالأب خاصة.
10ـ السنة قالوا: إن الأخوات لأب فقط يشاركن الأختين لأبوين في الإرث إلا أن يكون مع الأختين لأب أخ، أما الشيعة فقد أنكروا ذلك حيث يلزم منه أن ترث الأخوات لأب في حالة دون حالة أي يرثن إذا كان لهن أخ، ولا يرثن إن لم يكن لهن أخ مع أن قرابتهن ومنزلتهن لم يطرأ عليها تغيير ولا تبديل. ويحكمون بأن الإرث لمن تقرب بالأبوين ويحرمون المتقرب بالأب خاصة، فالأخت من الأبوين تحجب الأخ من الأب فقط.
11ـ قال السنة: الأخوات والإخوة لأبوين، والإخوة والأخوات لأب كلهم يسقطون بالجد، لا يرثون معه شيئاً. وقال الشيعة: الإخوة والأخوات من أي نوع كانوا يشتركون في الإرث مع الأجداد والجدات من أي نوع كانوا، ولا يسقط أحد من الإخوة بأحد من الأجداد والجدات.
12ـ قال السنة: يشارك الإخوة والأخوات من أي جهة كانوا الأم في الميراث.
وقال الشيعة: تحجب الأم الإخوة والأخوات عن الميراث، ولا يشتركون معها أبداً لأن الأم نوع أول، وهم نوع ثاني، والقريب يمنع البعيد، فإذا مات إنسان وليس له أولاد ولا أب وكان له أم وإخوة، فالمال كله لأمه.
13ـ قال السنة: أبو الأب يقوم مقام الأب عند فقدان الأب، فيشترك في الميراث مع الأولد ومع الأم إذا لم يكن هناك أب.
وقال الشيعة: الجد لا يشترك مع الأولاد في الميراث ولا مع الأم. فإذا كان للميت أم أو بنت فلا يرث الأجداد ولا الجدات شيئاً لأنه بعيد والأم والبنت قريبة والقريب يطرد البعيد.
14ـ قال السنة: الجدات لأم يرثن مع الأب ومع الأولاد إذا لم يكن هناك أم. ولا يسقطهن شيء إلا وجود الأم. وقال الشيعة: الجدات من أي جهة كنّ لا يرثن مع الأب ولا مع الأولاد لأنهن نوع ثاني والأب والأولاد نوع أول.
15ـ قال السنة: للجدة السدس لأم كانت أو لأب. واحدة كانت أو أكثر، فلا تأخذ الجدات أكثر من السدس. وقال الشيعة: إذا مات إنسان، ولم يكن له إخوة ولا أخوات ولا أب ولا أم ولا أولاد وكان له جدة من قبل الأم، وجدة من قبل الأب، للجدة من قبل الأم الثلث. وللجدة من قبل الأب الثلثان، وإذا كان له إخوة وأخوات، وأجداد وجدات كان الجد لأب كالأخ لأب، والجدة لأب كالأخت لأب، والجدة لأم كالأخت لأم والجد لأم كالأخ لأم من غير تفاوت.
16ـ قال السنة: الأخت لأبوين تشترك في الميراث مع أخوات لأب فقط.
وقال الشيعة: لا ترث الأخوات من الأب مع الأخت لأبوين شيئاً، لأن المتقرب بالأبوين يحجب المتقرب بالأب خاصة كائناً من كان.
أرجان (كورة ومدينة)
كورة أرجان قصبتها مدينة أرجان في أقصى حدها الغربي على نهر طاب. ونهر طاب يؤلف في هذا الجانب الحد الفاصل بين إقليمي فارس وخوزستان. وأطلال أرجان على بضعة أميال من شمال مدينة بهبهان الحالية التي انتقل إليها أهلها وصارت أهم مدن هذه الكورة منذ ختام المائة السادسة هـ (الثانية عشرةم).
وكانت أرجان في المائة الرابعة هـ (العاشرةم) «مدينة كبيرة كثيرة الخير بها نخيل كثير وزيتون»، وكان عليها ستة أبواب تغلق كل ليلة، وهي: باب الأهواز، وباب ريشهر، وباب شيراز، ثم باب الرصافة، وباب الميدان، وأخيراً باب الكيالين. وبها جامع حسن وأسواق عامرة.
وفي المدينة يعمل الصابون. وكان قرب أرجان قنطرتان مشهورتان من حجر على نهر طاب تعبرهما الطرق الذاهبة إلى خوزستان، وما زالت بقاياهما شاخصة، ويقال إن إحداهما تنسب إلى الديلمي طبيب الحجاج، عامل بني أمية على العراق. قال الأصطخري في وصفها «هي طاق واحد سعة الطاق على الأرض ما بين العمودين نحو ثمانين خطوة وارتفاعه مقدار ما يجوز فيه راكب الجمل بيده علم من أكبر ما يكون». وكانت هذه القنطرة، وتعرف بقنطرة ثكان، على رمية سهم من مدينة أرجان في الطريق إلى سنبيل. أما القنطرة الثانية فكان طولها أكثر من 3000 ذراع، وهي من بناء الساسانيين. تعرف بالقنطرة الكسروية، وكانت في الطريق الذاهب إلى قرية دهلزان. وفي جبل قرب أرجان كهف قال القزويني في وصفه «ينبع منه الموميا الجيد» وله خواص طبية وفي أرجان أيضاً بئر لا قرار لها يقال لها بئر صاهك «يفور الدهر كله منها ماء» يسقي تلك القرية حتى في أجف أيام الصيف.
وفي مطلع المائة الثامنة هـ (الرابعة عشرة م) ذكر المستوفي، أن أرجان كان يسميها العامة أرخان أو أرغان. وأشار علي اليزدي في نهاية هذه المائة إلى نهر طاب باسم آب أرغون. وعلى ما جاء في المستوفي، قاست أرجان كثيراً من الأهوال حين استولى عليها في المائة السابعة هـ (الثالثة عشرة م) الإسماعيلية النزارية. ولم يقيّض لها أن تستعيد ازدهارها الأول. وقد كان للإسماعيلية قلاع في قمم الجبل المجاور لها اسم إحداها قلعة طيغور والأخرى دزكلات. وكثيراً ما كان رجال هذه القلاع ينزلون إلى المدينة فينهبون ما فيها وما في رستاقها. ثم إن أرجان في النصف الأخير من المائة الثامنة هـ (الرابعة عشرة م) استحوذ عليها الخراب وقام مقامها بعد وقت قصير مدينة بهبهان وهي على نحو من ستة أميال أسفل منها على نهر طاب. ولم يذكر أحد من البلدانيين الغرب اسم بهبهان. وأول من ذكرها علي اليزدي في وصفه مسير تيمور من الأهواز إلى شيراز في ربيع 795هـ (1393م). وصارت بهبهان منذ هذا التاريخ أجل مدينة في هذه الناحية التي كانت تعرف قبلاً بكورة أرجان.
وقد ذكر صنيع الدولة في كتابه (مرآة البلدان) أن أول من نزل بهبهان بأمر تيمور عشائر الكوهكلو البدوية، وقد انتقلوا إليها من الكوفة.
أردبيل
ـ1ـ
من مدن آذربيجان.
وفي هذه المدينة كان نشوء الأسرة الصفوية التي حكمت إيران ونشرت فيها التشيع. وفيها قبر جد الصفويين إسحاق صفي الدين الذي عاش في أردبيل في النصف الأول من القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) وتوفي سنة 735هـ 1334م ودفن في أردبيل.
وكان منة نتائج الحرب الروسية الإيرانية سنة 1826 ـ 1828م أن احتلوا أردبيل ثم جلوا عنها بعد الصلح ولكنهم نقلوا منها مكتبة صفي الدين التي كانت أكبر مكتبة في إيران، نقلها القائد الروسي بسكيفيتش إلى سنت بطرسبورج وضمت إلى المكتبة الأمبراطورية هناك.
وعدا قبر صفي الدين الفخم فإن في أردبيل قبور كثير من كبراء الصفويين ومنها قبر الشاه إسماعيل المتوفى سنة 930هـ 1524م.
وأردبيل شديدة البرودة لارتفاعها عن سطح البحر 1520 متراً وهي محاطة بالجبال من جميع جهاتها، وتوجد خارجها عدة ينابيع للمياه الحارة التي يقصدها الناس مستشفين، كما تخترقها عدة فروع لنهر (بلق صو).
بدأ تأخر أردبيل في أوائل القرن التاسع عشر بسبب الحروب والزلازل في حين أنها كانت أيام الصوفيين من أعمر المدن الإيرانية وأكثرها سكاناً.
وقد خرج من أردبيل العديد من فحول علماء الشيعة.
أردبيل
ـ2ـ
تقع أردبيل في عرض شمالي 38,15 وطول شرقي 48,17، ويبلغ عدد سكانها وفقاً للإحصائية العامة للسكان التي جرت عام 1986م حوالي (281,973) نسمة، وهي ثاني مدينة في محافظة آذربيجان الشرقية من حيث الجانب السياسي والاجتماعي وتقع في صحراء دائرية محصورة بين مجموعة من الجبال على بعد (210 كلم) عن مدينة تبريز و(40كلم) عن الحدود المشتركة بين إيران وما كان يعرف بالاتحاد السوفياتي.
يعتبر مناخها بارداً وتبلغ هذه البرودة غايتها في فصل الشتاء، ويمر نهر (بالغلو) في أجزائها الجنوبية بعد أن تتجمع مياهه من منابع وروافد (قره سو)، وتوجد في أطراف المدينة عدة عيون للمياه المعدنية التي تحظى بشهرة خاصة وكانت منذ أزمان بعيدة محطاً للسائحين. وتتميز المدينة بالإضافة إلى ذلك بموقعها العسكري الخاص.
لا يعرف على وجه الدقة تاريخ هذه المدينة قبل الإسلام، ولكن أبا القاسم الفردوسي وياقوت الحموي ينسبان بناءها إلى الملك الساساني فيروز (القرن الخامس الميلادي) حيث ذكر أن هذا الملك أمر ببنائها وعرفت منذ ذلك الحين باسم (باذان بيروز) أو (بيروز آباد) ثم (فيروز كرد).
يتحدث مير خواند صاحب (روضة الصفا) عن ظهور هذه المدينة، فيقول نقلاً عن تاريخ الجعفري: يعود بناء أردبيل وبابل وقومس ومكران إلى الملك كيومرث، أحد الملوك الكيسانيين. بينما يذكر حمد الله المستوفي في نزهة القلوب أن بناء أردبيل تمّ على يد كيخسرو ثامن الملوك الكيسانيين واحتلها المغول في عام 617هـ ثم هدموها، ولكنها استعادت حيويتها ونشاطها منذ زمن الشيخ صفي الدين الأردبيلي جد الملوك الصفويين وخصوصاً عندما زين الملك الصفوي عباس الأول مقبرة ومسجد الشيخ صفي بالهدايا الثمينة.
ووقعت هذه المدينة في أواخر العهد الصفوي تحت الاحتلال العثماني لفترة قصيرة ولكنها استعيدت مرة أخرى بهمة الملك نادر شاه. وفي زمن نابليون أحكم بناءها الجنرال كاردان([512]) واتخذ منها ولي العهد آنذاك عباس ميرزا مقراً له.
كانت أردبيل في غابر الأزمان قرية تدعى «كدج» وواضح أنها نفس كلمة «كده». وكلمة (أردبيل) نفسها كلمة أوستائيه، حيث أن هذه الكلمة أو كلمة (آرتافيل) متكونة من مقطعين «آرتا» بمعنى المقدس و«فيل» بمعنى مكان أو موضع فيكون معنى الكلمة هو المكان المقدس، وفي الوقت الراهن وجد في منطقة أردبيل أسماء مثل «فيله ورق» و(بيله رود) و(شورابيل) وفي أطراف مشكين شهر (شاه بيل) و(مقيل) وفي أطراف آستار (لوندفيل).
أردبيل قبل الإسلام
كانت آشرو باتن قبل تأسيس الدولة المادية وحتى بعد قرن من تأسيسها تعد مركزاً اقتصادياً وثقافياً للحكومة الملكية آنذاك وتتفوق على سائر المناطق الأخرى بازدهارها الاقتصادي ووجود المزارع الخصبة وكروم العنب وكثرة الغابات فيها.
حتى أواخر القرن السابع قبل الميلاد، لم يكن الماديون يتمتعون بقوة كبيرة في آذربيجان، حيث كانت الحكومة في هذه الناحية بيد الأقوام اللؤلؤيين والماننائيين والسكائيين والأورارتوئيين، ولكن هؤلاء الماديين استطاعوا أن يبسطوا نفوذهم على جميع إيران وخاصة آذربيجان وحتى ما وراء أرس.
يبدو من الآثار المكتشفة بالقرب من أردبيل والتي يعود تاريخها إلى القرن الثاني عشر وحتى السادس عشر قبل الميلاد والصخور التي تحتوي على كتابة أورارتوئية تتعلق بالقرن السابع وحتى التاسع قبل الميلاد والتي عثر عليها في قره داغ (في سفوح جبل سيلان بالقرب من سيراب وأردبيل) يبدو من هذه الآثار وجود حضارة في منطقة أردبيل في هذه الفترة من التاريخ.
وقبل الميلاد ظهر زرادشت وبناءً على رواية أوستا فقد كتب كتابه فوق جبل سبلان.
ويتحدث عبد الكريم الشهرستاني في كتاب الملل والنحل عن ولادة روح زرادشت في جبل من آذربيجان فيقول: أنشئت روح زرادشت في شجرة في أعلى علّيين ثم غرس هذه الشجرة في قمة جبل من جبال آذربيجان.
وفي هذا المضمار يتحدث زكريا القزويني في كتاب «آثار البلاد وأخبار العباد» فيقول: ولد زرادشت في آذربيجان ثم اعتزل الناس فترة من الزمن في جبل سبلان ورجع إليهم بكتاب اسمه لينا([513]).
ويتحدث ميرخواند في روضة الصفا عن زرادشت بقوله: عندما كبر زرادشت صعد إلى جبل من جبال أردبيل ثم نزل وهو يحمل كتاباً بيده ويقول بأن هذا الكتاب أنزل إليه من سقف دار في أعالي الجبل([514]).
عمد خسرو انوشيروان (531 ـ 579م) بعد أن أقام صلحاً مع ملك الخزر إلى إحداث جدار طويل في جبل القفقاز للحيلولة دون استمرار الخزريين في حملاتهم ويتكون هذا الجدار من الصخور ورصاص وكساء من الحديد، ويبدأ من دربند التي تسمى في العصور الإسلامية باسم باب الأبواب وباب الحديد.
خلال فترة بناء الجدار أمر أنوشيروان بترميم خرائب أردبيل، ولذلك ينسب بعض المؤرخين المسلمين أردبيل إلى هذا الملك.
وفي هذا المضمار يتحدث أبو سعيد عبد الحي الكرديزي في كتابه زين الأخبار قائلاً: «بنى خسرو أنوشيروان مدن بندكان وهمدان وبغداد القديمة وأردبيل والمدائن وجدار باب الأبواب»([515]).
ويشير الفردوسي في شاهنامته إلى إعمار أردبيل في زمن خسرو أنوشيروان، وفي الوقت الذي كانت الجيوش الإيرانية تخوض معاركها مع جيوش الروم في زمن هرمز الرابع في عام 588م تعرضت أردبيل وأرمينيا إلى هجوم جيوش الروم، ولكنهم تشتتوا فيما بعد بين أردبيل وأرمينيا وكانت الحكومة في بردع وأردبيل في زمن هذا الملك بيد القائد الإيراني الكبير بهرام جوبينه، وعندما خرج بهرام جوبينه استنصر بأهل بردع وأردبيل ولكنهم امتنعوا عن نصرته وقد أشار الفردوسي في شاهنامته إلى هذا المعنى في فصل سلطنة خسرو برويز.
أردبيل بعد الإسلام
توجه العرب في فتحهم لآذربيجان إلى عاصمتها أردبيل حيث كان مقرّ الحكم فيها، وقد تم فتح آذربيجان على يد حذيفة بن اليمان في عام 22هـ، فتصالح حاكم أردبيل آنذاك مع حذيفة على أن يدفع الخراج للمسلمين، واعتنق جميع أهل آذربيجان وعاصمتها أردبيل الدين الإسلامي وقبلوا أصوله، ولكن تمييز الأمويين لأنفسهم عن بقية المسلمين وتعاليهم عليهم لم يرق للمواطنين فاضطروا إلى إلغاء الصلح وتجاهل معاهدتهم مع العرب.
وقد حظيت مراغة في أوائل خلافة العباسيين بالمركز الأول بين مدن آذربيجان وتلتها في ذلك مدينة أردبيل وكان هذا الحال في أواخر حكومتهم أيضاً. إلا أن مدينة تبريز تصدرت مدن آذربيجان منذ نهاية الخلافة العباسية حتى الآن.
وصف ابن حوقل مدينة مراغة في القرن الرابع الهجري بأنها بحجم مدينة أردبيل، ثم يقول: «كانت مراغة لفترة من الزمن عاصمة لآذربيجان، ثم انتقلت العاصمة إلى أردبيل([516]) وفي سفره إلى أردبيل في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري» يقول صاحب حدود العالم: «تحمل الثياب من هذه المدينة، وفي هذا الوقت أعيد بناء سور أردبيل بأمر من وهسودان وهي عاصمة آذربيجان وأكبر من مدينة تبريز» وبعد ملاحظته لمدينتي أردبيل وتبريز، يصف أردبيل بأنها عظيمة ويذكر بأن تبريز مدينة صغيرة، فهو يقول: أردبيل هي قصبة آزربادكان، وهي مدينة عظيمة، يحيطها سور ويتخذ منها ملوك آذربادكان مقراً لهم، وهي مدينة كثيرة الخيرات([517]).
وفي القرنين السادس والسابع آلت مدينة أردبيل إلى الخراب بسبب حملات الكرجيين المتتالية عليها، حيث قتل هؤلاء جماعة كثيرة من أهل المدينة ودمروا المسجد الجامع فيها.
وفي أوائل القرن السابع الهجري (عام 618هـ) تعرضت أردبيل لهجوم المغول الذين قتلوا من أهلها خلقاً كثيراً، ثم دمروا المدينة التي كان لها حصن وبرج صغيران. وكان ياقوت الحموي قد شاهد هذه المدينة قبل حملة المغول بفترة قصيرة، ويتحدث عن ذلك قائلاً ما مضمونه:
«بعد مغادرتي لأردبيل شنّ المغول هجومهم على أردبيل، ووقعت الحرب بينهم وبين الأهالي الذين دافعوا دفاعاً شديداً حتى أرغموا المغول على الانسحاب مرتين، ولكنهم عادوا في المرة الثالثة وتغلبوا على أهل المدينة ففتحوا مدينتهم وأعملو السيف فيهم ولم يغادروا أحداً رأوه إلا قتلوه ولم يسلم من الهلاك إلا من تسنّى له الاختفاء، ثم عاد المغول أدراجهم بعد أن تركوا المدينة خربة قليلة السكان، ولكنها استعادت حالها الأولى في هذه الأيام بل أفضل منها وهي الآن بيد المغول».
وفي النصف الثاني من القرن السابع سافر المقدسي صاحب كتاب أحسن التقاسيم إلى مدينة أردبيل، وكتب عن سفره هذا قائلاً: «تكثر الخيرات في هذه المدينة» ثم يشير إلى قلعة العلماء والأطباء والواعظين فيها، ويمتدح حماماتها النظيفة.
وفي كتاب نزهة القلوب يتحدث حمد الله المستوفي عن زيارته لمدينة أردبيل قائلاً: «تنقسم ولاية أردبيل إلى مائة قسم وتبلغ حقوق ديوانها خمسة آلاف دينار» وحسب قول المستوفي فإن أردبيل كانت تصدر الشعير إلى كيلان حيث تستبدل به الرز الذي يشكل الناتج الرئيسي لكيلان.
في هذا الوقت كانت ثمة مجموعتان من المغول والطاجيك تسكنان أردبيل وبعبارة أخرى مجموعتان من الإيرانيين، ولم يكن التركمان يشكلون أغلبية في أردبيل آنذاك فكانت الغلبة للطاجيكيين.
في هذه الأوقات تعرضت أملاك وأوقاف الشيخ صفي الدين الأردبيلي للاعتداء، فصدر عن السلطان أبي سعيد بهادر خان أمر مؤكد بعدم السماح لأحد من المغول والطاجيك بالاعتداء والتطاول على أملاك وأوقاف الشيخ صفي الدين الأردبيلي، وكان في الأمر:
«ليعلم سكان أردبيل وتوابعها أن مريدي شيخ الإسلام السعيد صفي الدين قدس سره قد أخذوا يتكاثرون ببركة الدعاء… ولهذا أصدرنا هذا الكتاب».
أبو ذر بيدار
أردبيل
ـ3ـ
تعد أردبيل من أقدم المدن الإيرانية وفي نفس الوقت من أهمها، وقد ورد ذكرها في الشاهنامه أكثر من سائر مدن آذربيجان الأخرى ويفهم من هذا أهمية موقعها بين المدن الإيرانية القديمة.
وقد ورد في الشاهنامة أنه في عهد الكيانيين كانت قلعة بهمن قريبة من أردبيل، وعندما فتحها كيخسرو أقام فيها معبداً للنار.
كانت أردبيل مركزاً لآذربيجان في عهد الساسانيين وأوئل العصور الإسلامية، ثم تحولت إلى مركز للتشيع والحركات السياسية الإيرانية في زمن التيموريين والصفويين حتى أفلحت تلك الحركات بتشكيل الحكومة الصفوية. وتحولت هذه المدينة في العهد القاجاري إلى منفى سياسي بعد أن كانت مقصداً للزيارة وملجأً للمجرمين في زمن الصفويين.
ظهور مدينة أردبيل
ينسب أكثر المؤرخين المسلمين بناء مدينة أردبيل إلى الملك الساساني فيروز (1018 ـ 1042 السنة الشاهنشاهية الإيرانية ـ 459 ـ 483م) حيث يذكرون بأنه أمر ببنائها وسميت بـ (باذان بيروز) أو بيروز آباد ثم فيروز كرد.
ويذهب كاتب هذه السطور إلى الاعتقاد بأن بناء مدينة أردبيل يسبق عهد الشاه فيروز بكثير، ففيروز هذا وصل إلى سدة الحكم في 459م بينما تذكر التواريخ أن بهرام الخامس الملقب ببهرام كور توجه قبل هذا التاريخ بـ 34 عاماً لصد حملات الهياطلة إلى آمل وكركان ثم إلى خراسان سالكاً طريق أردبيل وقد ورد ذلك في الشاهنامه.
وثمة مصدر موثوق آخر يعيد تاريخ بناء هذه المدينة إلى عهد الأشكانيين، فقد ورد اسم أردبيل في قصة ويس ورامين التي تعتبر من آثار الأشكانيين وإلى جانب هذه المصادر هناك مصادر أخرى تنسب بناء هذه المدينة إلى الملوك الكيانيين وفيما يلي بعض هذه المصادر:
روضة الصفا([518]): ورد فيها عن تاريخ الجعفري أن أردبيل وفلسطين وبابل وقومس ومكراف من أبنية الملك الكياني كيومرث.
نزهة القلوب: ورد فيها أن بناء أردبيل يعود إلى ثامن الملوك الكيانيين كيخسرو بن سياوش الكياني([519]).
وقد كانت أردبيل في السابق تسمى (كذج)، وأردبيل ذاتها أو آرتاويل تتكون من مقطعين: (آرتا) بمعنى المقدس و(ويل) بمعى المكان وهي تعني بهذا المكان أو المدينة المقدسة.
وتؤكد الاكتشافات الأثرية عراقة هذه المدينة وقدمها، فقد عثر فيها على بعض الآثار التي يعود تاريخها إلى الفترة الممتدة بين القرنين السادس عشر والثاني عشر قبل الميلاد وعثر أيضاً على آثار أخرى يعود تاريخها إلى القرنين التاسع والسابع قبل الميلاد في قره داغ بالقرب من سراب وأردبيل.
وهنا يجدر بنا أن نتساءل: لماذا ينسب المؤرخون بناء هذه المدينة إلى فيروز (459 ـ 483م) جد أنوشيروان على الرغم من كل المعلومات التي تؤكد سبقها لعهده؟
الجدير بالذكر أن عهد الإسكندر وخلفائه كان عهد الظهور السريع للمدن في بلدان المشرق، ومن المعمول به آنذاك عدم إقامة المدن في أماكن خالية إنما كانت تقام في محل قرية أو نقطة سكنية أخرى حيث يعمد إلى إحكامها وتحصينها ثم تبنى فيها الأبنية الرسمية والأبنية العامة، وهكذا تتحول القرية إلى مدينة ثم يطلق عليها اسم بانيها.
وأما بشأن الملك الساساني بيروز شاه فقد كانت الأراضي الإيرانية في القرن الرابع وحتى القرن السادس الميلادي عرضة لهجمات قبائل الشمال المسماة بـ «قبائل الهون» واشتدت هذه الحملات في عهده.
وقد كانت مدينة أردبيل آنذاك تتمتع بموقع مهم لقربها من كرجستان والقفقاز فهي مركز لاستقرار القوات الإيرانية وأركانها الحربية المتصدية لهجمات طوائف الشمال كما أصبحت فيما بعد وعلى وجه التحديد في العهد القاجاري مركزاً لقيادة العمليات الحربية ضد الجيوش الروسية.
وفي زمن الشاه فيروز أعيد بناء أردبيل التي خربتها قبائل الشمال وبنى حولها حصن وأبراج، ولذلك نسب بناؤها إلى فيروز الساساني منذ ذلك الوقت وأصبحت تعرف باسم (باذان بيروز).
أردبيل وعصر الكيانيين
كانت أردبيل في عصر الكيانيين تحتل موقعاً مهماً إلى جانب بردع وتشكل معها منطقة واحدة، وتشغل مكانة متميزة بين مدن آذربيجان، وكانت قوات أردبيل وبردع في ذلك العصر جزءاً من قوات كودرز وتعمل في الجناح الأيسر من هذه القوات.
وثمة أمر تجدر الإشارة إليه وهو اعتقاد الإيرانيين القدماء أن جبل القفقاز وهو نفس جبل (قاف) أو جبل (قبق) يمثل آخر الدنيا، لأن جبال القفقاز الوعرة، العالية كانت تمثل سداً منيعاً بوجه المهاجرين آنذاك ولذلك كانت قلعة بهمن القريبة من أردبيل آخر المناطق التي فتحها كيخسرو في زمن كاوس.
أردبيل في عصر ما قبل الإسلام
كانت آتروباتن([520]) قبل تأسيس الدولة المادية وحتى قرن بعد تأسيس هذه الدولة المركز الثقافي والاقتصادي للحكومة الشاهنشاهية فهي تفوق بازدهارها الاقتصادي جميع النواحي الأخرى لاحتوائها على العديد من كروم العنب وحقول الغلال والمحصولات الزراعية الأخرى.
وحتى أواخر القرن السابع قبل الميلاد لم يكن الماديون يتمتعون بقوة ونفوذ كبيرين في آذربيجان لأن حكومة هذه النواحي كانت في أغلب الأحيان بيد الأقوام اللولوبيين والماننائيين والأوارتوئيين والسكائيين. ثم استطاع الماديون بعد هزيمة الأشوريين في عام 612 قبل الميلاد بسط نفوذهم على جميع الأراضي الإيرانية وخصوصاً آذربيجان وما وراء أرس.
وقد ثبت وجود حضارة قديمة في منطقة أردبيل من خلال ما اكتشف في نمين (على بعد ثلاثة فراسخ من أردبيل) من آثار يعود تاريخها إلى القرن السادس عشر وحتى القرن الثاني عشر قبل الميلاد وآثار الأوارتوئيين التي اكتشفت في قره داغ (على سفوح جبل سبلان بالقرب من سراب وأردبيل) والتي يعود تاريخها إلى الفترة الممتدة بين القرنين التاسع والسابع قبل الميلاد.
وتذكر رواية الأوستا أن نبي إيران الكبير زرادشت (485 ـ 225 ق.م) كتب كتابه فوق جبل سبلان.
ويتحدث الشهرستاني في كتاب الملل والنحل عن ولادة زرادشت في أحد جبال آذربيجان قائلاً ما مضمونه: أنشئت روح زرادشت في شجرة في أعلى علّيّين ثم غرست هذه الشجرة على قمة جبل من جبال آذربيجان وفي هذا المضمار يتحدث زكريا بن محمد القزويني في كتاب آثار البلاد وأخبار العباد قائلاً ما مضمونه: «زرادشت من أهل آذربيجان، اعتزل الناس فترة في جبل سبلان ثم عاد إليهم بكتابه».
وكذلك يتعرض مير خواند في روضة الصفا لذكر زرادشت فيقول:
«عندما كبر زرادشت صعد إلى جبل من جبال أردبيل ثم هبط منه بكتاب كان يقول أنه نزل عليه من سقف داره الواقعة فوق الجبل».
كانت آتروباتن (آذربيجان) في العصر الأشكاني لا تزال دولة شبه مستقلة، وكانت أردبيل تحتل موقعاً متميزاً بين مدن آذربيجان.
وفي زمن الساسانيين (211 ـ 642م) كانت آذربيجان منقسمة إلى منطقتي حكم، هما أردبيل وكنزك([521]). إلا أن هذا الوضع تغير في أواسط عهد الساسانيين وأواخر حكمهم حيث أصبحت أردبيل المركز الوحيد لحكومة آذربيحان. وحين فتح العرب آذربيجان انصبّ اهتمامهم على عاصمتها أردبيل.
ومن مشخصات ذلك العصر، الحملات المتتالية، التي كانت قبائل الهون تشنّها بين آونة وأخرى على الأراضي الإيرانية في الفترة الواقعة بين القرنين الرابع والسادس للميلاد، وفي إحدى هذه الحملات توجه بهرام الخامس الملقب بهرام كور إلى آمل وكركان عن طريق أردبيل ومن هناك توجه إلى خراسان وأفلح في قتل خاقان الهياطلة.
وقام الشاه بيروز الساساني الذي وصل سدّة الحكم في عام 459م بتعمير خراب أردبيل الذي لحق بها الجفاف وحملات قبائل الشمال (قبائل الهون) وأغلب الظن أن بناء الحصن المحيط بالمدينة يرجع إليه، وقد نسب اسمها إليه منذ ذلك الحين فسميت بـ (باذان بيروز).
وبعد أن عقد خسرو أنوشيروان (531 ـ 579م) صلحاً مع ملك الخزر أقام في جبل القفقاز جداراً طويلاً من الحجر والنحاس ووضع له بوابة من حديد، ليشكل حاجزاً أمام الحملات الخزرية التي من الممكن أن تشن فيما بعد.
وقد سمي هذا الجدار الذي يبدأ من دربند في العصور الإسلامية باسم باب الأبواب وباب الحديد، وقد عمر خراب أردبيل أثناء بناء الجدار، وربما دعا هذا الأمر بعض المؤرخين المسلمين إلى ربط بناء أردبيل بأنوشيروان. فمثلاً يذكر صاحب زين الأخبار في هذا المجال أن أنوشيروان هو باني مدن: نبدكان وهمدان وبغداد القديمة وأردبيل والمدائن وجدار باب الأبواب([522]).
أردبيل في عصر الإسلام
في فتحهم لآذربيجان توجه العرب إلى عاصمتها أردبيل التي كانت حكومتها تمتد من مدينة (بانه) حتى (باحروان) ومدينة (شيز). وقد تم فتح آذربيجان في عام 22هـ على يد حذيفة بن اليمان.
كان في ذلك الوقت حاكم آذربيجان يستقر في أردبيل فجمع المحاربين من باجروان وميمد وسراب وشيز وميانة ومن عدد من نواحي آذربيجان الأخرى وحاول جاهداً التصدي لهجمات العرب ولكنه لم يفلح في ذلك فتصالح معهم على دفع ثمانمائة ألف درهم (وزن كل عشرة منها تعادل ثمانية مثاقيل) واشترط عليهم أن لا يقتلوا أو يأسروا من أصحابه أحداً ولا يهدموا معابد النار وألا يتعرضوا لأكراد بلاسجان وسبلان وساتدودان وألا يمنعوا أهالي شيز التي كانت آنذاك إحدى مدن الزرادشتيين المقدسة من الرقص في أعيادهم وممارسة شعائرهم وطقوسهم الأخرى.
وبعد فترة عزل عمر حذيفة وعيّن عتبة بن الفرقد بدلاً عنه، فحدثت في زمنه اضطرابات في أردبيل وخرج أهلها على العرب فدخلها عتبة وقاتل الثائرين فأخمد ثورتهم وغنم منهم الكثير من الغنائم.
وفي زمن خلافة علي (ع) كانت ولاية آذربيجان في البداية بيد سعيد بن سارية الخزاعي ثم آلت إلى الأشعث، ثم استدعي إلى الكوفة، وفي ذلك الوقت أقبل أكثر أهالي آذربيجان على اعتناق الإسلام وقراءة القرآن. وقد عمد الوالي إلى إسكان جماعة من العرب في أردبيل وخصص لهم عطاء من بيت المال ليتفرغوا لدعوة سكان تلك المناطق لاعتناق الإسلام.
وفي عهد ولاية الأشعث اتخذ من أردبيل عاصمة له وقد ازدهرت في عهده بعمرانها.
وحينما كانت جيوش العرب مرابطة في آذربيجان وأردبيل انتقل إلى هذه المناطق العديد من قبائل العرب من الكوفة والبصرة والشام. وقد بذلت هذه القبائل جهدها في الحصول على الأراضي وعمد بعضهم إلى شراء أراضي الإيرانيين.
وفي عام 107هـ أي في زمن هشام بن عبد الملك الأموي هاجم الخزريون ولاية البيلقان على ضفاف نهر أرس سالكين طريق دربند، ثم اجتازوا أرس ودخلوا الأراضي الإيرانية فاحتلوا ودمروا أردبيل، وقام الخزريون بنقل جميع الذكور البالغين من سكان المدينة وأسروا نساءها وأطفالها، وكان عدد المسلمين فيها آنذاك ثلاثة آلاف شخص([523]).
وفي أواخر القرن الثاني الهجري أي في زمن حكومة المأمون، كانت آذربيجان لا تزال خاضعة لخلفاء بغداد فحدثت فيها ثورة دينية على أساس العقائد المزدكية ومع حلول عام 201هـ تزعّم الثورة (بابك)، واتخذ من أردبيل منطلقاً له واستمر في مقارعة العباسيين اثنين وعشرين سنة، حتى هزم في آخر المطاف.
وبعد هزيمة بابك بخمسين سنة ظهرت في آذربيجان سلالة الساجيين وذلك في عام 276هـ. وقد اتخذ الساجيون من مراغة مركزاً لهم في بادىء الأمر ثم انتقلوا منها إلى أردبيل.
وقد استمر أبناء محمد بن أبي الساج في حكمهم في أردبيل ومراغة حتى عام 325هـ، ولكنهم ضعفوا في آخر الأمر وأصبحوا تابعين لحكومة بغداد، وبعد وفاة (أبو المسافر) الفتح بن محمد الأفشين في شعبان عام 317هـ عادت آذربيجان إلى سلطة خلفاء بني العباس مرة أخرى. وقد كانت مراغة تحتل الصدارة بين مدن آذربيجان في أوائل الحكومة العباسية ثم تلتها أردبيل في ذلك. ولكن الأمر تغير في أواخر العهد العباسي حيث احتلت تبريز وما زالت تحتل المقام الأول بين مدن آذربيجان.
وقد وصف ابن حوقل مراغة في القرن الرابع الهجري بأنها مدينة أردبيل ويذكر بأنها كانت مركز الحكم في آذربيجان ثم انتقل هذا المركز إلى أردبيل.
وقد ظلت أردبيل حتى أوائل القرن الرابع الهجري عاصمة آذربيجان وأهم مدينة فيها وكان لها برج وحصن وحسب ما ذكره ابن حوقل فإن طول المدينة آنذاك كان ثلثي الفرسخ وعرضها مثل ذلك، وأغلب أبنيتها من الطين والآجر وكان لها حصنٌ منيعُ، وأربع بوابات([524]).
وإضافة إلى ذلك كانت المدينة تحتوي على قلعة تحيط بها أرض واسعة، وكان ثمة قوات منظمة تقيم فيها باستمرار وتتقاضى مرتبات معينة. ويصف المؤرخون أهل أردبيل بحدة الطبع.
وفي أوائل القرن الرابع الهجري وقعت الحرب بين المرزبان وديسم كرد فأصدر المرزبان أوامره بتدمير سور المدينة ونفذ التجار وأصحاب الحرف الأوامر فدمروه، وبلغ المرزبان في قساوته في جمع الضرائب وأخذ أموال الناس حدّاً لجأ العديد من الأهالي إلى الجبال والصحارى فكانوا يقتلون المسافرين وينهبون أموالهم([525]).
ونتيجة للحروب المتتالية في تلك الفترة دبّ الاضطراب في مدينة أردبيل واختلّ النظام فيها، ويذكر ابن حوقل أن الناس لم يكونا يخشون السلطان فكان الباعة يجحفون بحق الناس([526]).
وفي النصف الثاني من القرن الرابع الهجري زار صاحب كتاب (حدود العالم) أردبيل وذكر أنها تصنع مختلف أنواع الأقمشة، وكان في ذلك الوقت قد أعيد بناء سورها بأمرٍ من وهسودان وكانت لا تزال عاصمة لآذربيجان وتفوق تبريز بحجمها، وقد وصفها صاحب حدود العالم بأنها مدينة عظيمة بينما وصف تبريز بالمدينة الصغيرة فهو يقول ما مضمونه: «أردبيل من نواحي آذربيجان وهي مدينة عظيمة، يحيط بها حصن وقد كانت موفورة الخيرات إلا أنها أقل من السابق، وهي مقر ملوك آذربيجان».
وقد وصفها أحد المؤرخين في النصف الثاني من القرن السادس الهجري بأنها مدينة موفورة النعم ومقر للحكم ووصف أهلها بالشجاعة والتدين([527]).
ثم تعرضت أردبيل للدمار في القرنين السادس والسابع للهجرة إثر هجمات الكرجيين المتتالية عليها، وقد قتل هؤلاء العديد من سكانها ودمروا مسجدها الجامع.
وقد ورد في كتاب (صريح الملك) الخطي في هذا الشأن ما يلي: «نقل الشيخ صدر الدين أن الشيخ صفي مرّ بأردبيل ذات يوم وكانت أطرافها لا تزال مهجورة لما لحق بها من خراب الكرجيين وبعض من حصنها لا يزال قائماً بعد أن دمر أغلبه».
كان سوق أردبيل آنذاك على شكل صليب يقع في وسطها ويقع المسجد الجامع في وسط السوق.
وفي أوائل القرن السابع كان هناك العديد من الأنهار الجارية في داخلها وخارجها وكانت صناعتها مزدهرة، وحسب وصف ياقوت الحموي لها كانت جيدة وخالية من العيوب إلا أن صناعة النسيج لم تكن جيدة ولذلك كانوا يستوردون الأقمشة الجيدة من الري.
في ذلك العصر كان الناس يستفيدون من أشجار الغابات في صناعتهم، ويتحدث ياقوت الحموي عن ذلك بقوله: «… وبينها وبين بحر الخزر مسيرة يومين، بينهما غيضة أشبة، إذا دهمهم أمر التجؤوا إليها فتمنعهم وتعصمهم ممن يريد أذاهم، فهي معقلهم، ومنها يقطعون الخشب الذي يصنعون منه قصاع الخلنج والصواني، وفي المدينة صناع كثيرة برسم إصلاحه وعمله، وليس المجلوب منه من هذا البلد بالجيد، فإنه لا توجد منه قط قطعة خالية من عيب مصلحة. وقد حضرت عند صناعه والتمست منهم قطعة خالية من العيب فعرفوني أن ذلك معدوم، إنما الفاضل من هذا المجلوب من الري، فإني حضرت عند صناعه أيضاً فوجدت السليم كثيراً».
وفي أوائل القرن السابع الهجري (618هـ) أغار المغول على أردبيل فدمروا حصنها وبرجها وقتلوا أهلها، وكان ياقوت الحموي موجوداً فيها قبل حملة المغول بفترة قصيرة ويكتب عن ذلك قائلاً:
«ثم نزل عليها التتر وأبادوهم بعد انفصالي عنها، وجرت بينهم وبين أهلها حروب، ومانعوا عن أنفسهم أحسن ممانعة حتى صرفوهم عنهم مرتين، ثم عادوا إليهم في الثالثة فضعفوا عنهم فغلبوا أهلها عليها وفتحوها عنوة، وأوقعوا بالمسلمين وقتلوهم، ولم يتركوا منهم أحداً وقعت عينهم عليه، ولم ينج منهم إلا من أخفى نفسه عنهم، وخربوها خراباً فاحشاً، ثم انصرفوا عنها وهي على صورة قبيحة من الخراب وقلة الأهل، والآن عادت إلى حالتها الأولى وأحسن منها، وهي في يد التتر».
وفي النصف الثاني من القرن السابع الهجري سافر اليها المقدسي ووصفها بكثرة الخيرات وذكر انها خالية من الاطباء الحاذقين والوعاظ ويندر ان يتواجد فيها عالم، وأثنى على نظافة حماماتها.
وفي أوائل القرن الثامن زارها حمد الله المستوفي وذكر أن حقوق ديوانها تبلغ خمسة وثمانين ألف دينار.
ولم تكن ضرائب مدن آذربيجان متساوية فيما بينها فمثلاً كانت ضرائب أردبيل تزيد على ضرائب سراب وخلخال على الرغم من وجود مائة قرية في كل منها وهي تزيد على سائر مدن آذربيجان الأخرى لقرب موقعها من المدن الكبرى وطرق القوافل.
والجدول التالي يظهر أرقام ضرائب أردبيل وسراب وزنجان وخوي وأرومية في أوائل القرن الثامن([528]):
| المدينة | عدد القرى | ضرائب الديوان بالدينار |
| أردبيل | 100 | 85000 |
| سراب | 100 | 81000 |
| خلخال | 100 | 3000 |
| زنجان | 100 | 8000 |
| خوي | 80 | 53000 |
| أرومية | 120 | 74000 |
ويذكر المستوفي أن أردبيل كانت تصدر الشعير في ذلك الوقت إلى كيلان وتستبدله بالرز.
وكانت أردبيل آنذاك تتقاسمها جماعتان من المغول والطاجيك أي الإيرانيين ولم يكن الأتراك يشكلون أغلبية فيها إنما كان الطاجيك هم أغلبية السكان.
وفي تلك الحقبة من الزمن تعرضت الأملاك الموقوفة للشيخ صفي للاعتداء، فأصدر السلطان أبو سعيد بهادرخان (716 ـ 736هـ) حكماً مؤكداً إلى أهالي أردبيل يمنع فيه أياً من المغول والطاجيك من الاعتداء على أوقاف مقبرة الشيخ صفي الدين الأردبيلي.
أردبيل والصفويون
استمرت الزعامة الدينية والحكومة في إيران للشيخ صفي وأبنائه ما يقارب 460 عاماً. فقد كان كل من الشيخ صدر الدين موسى (735 إلى 795هـ) والشيخ الخواجة علي (أو السلطان علي) (795 ـ 833هـ) يعيش في أردبيل وأمر بجعلها داراً للأمان فاضطر الحكام إلى عدم تعرض اللاجئين إلى ضريح الشيخ صفي.
وبلغ نفوذ الشيخ جنيد الديني حدّاً بعيداً بحيث شكل حكومة في أردبيل.
ثم ساهم سفر الشيخ جنيد إلى ديار بكر وزواجه فيها من أخت أوزون حسن في خلق نفوذ سياسي للعائلة الصفوية إضافة إلى نفوذها الديني، بحيث عاد إلى أردبيل بعد زواجه السياسي هذا وبرفقته حشود من الأنصار ومن بينهم عدد كبير من قبيلة ذو القدر، وقد نهض إلى قتال داغستان بعشرة آلاف مقاتل ولكنه قتل في أول هجوم له على كرجستان.
وبعد مقتله، جمع ابنه الشيخ حيدر أنصاره في عام 860هـ وكان أغلبهم من الشيعة التركمان فألبسهم تيجاناً حمراً ذات اثني عشر خرقاً إشارة إلى الأئمة الاثني عشر، وسمي أنصاره منذ ذلك الوقت بالقزلباش (أي ذوي الرؤوس الحمراء).
وكان الشيخ حيدر أول من جهز أفراد القزلباش بالسيوف والحراب والدروع وغيرها من آلات الحرب وعمد إلى تدريبهم في خانقاهه على طريقة صناعة الأسلحة.
وسافر الشيخ حيدر إلى ديار بكر وتزوج من ابنة أوزون حسن، كما تقدم فدعته هذه الخطوة إلى التفكير جدياً بالعرش والتاج، فما كاد يعود إلى أردبيل حتى أعلن الجهاد وسار عن طريق شيروان إلى الجركس وداغستان على رأس اثني عشر ألف مقاتل من القزلباش.
وقد غنمت قوات الصفويين في حملاتها تلك غنائم كبيرة وخصوصاً الخيول والدواب ووقع العديد من الرجال أسرى بيد افراد القزلباش.
وأعاد الشيخ حيدر الكرة في السنة التالية بعد أن اجتمع حوله عدد أكبر ، ويذكر مؤلف (عالم آراي أميني) أنه جلب إلى أردبيل بعد حربه هذه ستة آلاف أسير. وخشي يعقوب شاه آق قويونلو بن أوزون حسن من تعاظم قوة ونفوذ زوج أخته الشيخ حيدر، فأمد ملك شيروان بقوة منه وألحق هذا هزيمة منكرة بقوات الشيخ حيدر في الرابع من رجب عام 893هـ وبعث برأسه إلى يعقوب شاه.
ورغم تشدد الاق قويونلو على العائلة الصفوية، استطاع أصغر أبناء الشيخ حيدر الأمير إسماعيل دخول أردبيل في المحرم عام 905هـ أي بعد مرور ستة أعوام ونصف العام على مقتل أبيه، ولم يكن سنّه يتجاوز الثالثة عشرة آنذاك وسار إسماعيل إلى شيروان في عام 906 للثأر لأبيه فهزم ملكها فرخ يسار واستطاع في فترة قصيرة بسط نفوذه على أرض شيروان حتى ميناء باكو مع بعض أجزاء آذربيجان.
ثم أعلن نفسه ملكاً على إيران في عام 917هـ وتوج في تبريز وضرب النقد باسمه، وأعلن التشيع مذهباً رسمياً للبلاد.
صورة مدينة أردبيل في العهد الصفوي
كانت أردبيل في العهد الصفوي مجردة من البرج والحصن وتحتوي على العديد من المحلات وأماكن استراحة القوافل، وتتواجد فيها الخضروات بكثرة وتجلب إليها الأسماك من بحر كيلان ومصب نهر كور وكان فيها العديد من البوابات ومنها بوابة الرئيس سعد وبوابة نوشهر وبوابة أسفريس وبوابة المقابر، وكانت بوابة أسفريس قريبة من مقبرة الشيخ صفي وكان أكبر ميادين المدينة في تلك الفترة ميدان عالي قابو الذي يبلغ طوله 300 قدم وعرضه 150 قدماً.
وفي زمن الشاه عباس الثاني زار السائح الفرنسي تافرنييه أردبيل ووصف ميدان عالي قابو بما يلي: «…وهو ميدان كبير يفوق طوله عرضه ويحتوي على محل جميل لاستراحة القوافل وكلها جيدة ومريحة، وتقع على جوانب الميدان بساتين جميلة، لا سيما بستان الشاه الذي يبدأ من شارع طويل وينتهي في مدخل الميدان».
ويتحدث آدام أولياريوس عن الميدان قائلاً: «تفضي بوابة الميدان الحديثة إلى أزقة مسقوفة تباع فيها البضائع العادية، وهناك محلات لاستراحة القوافل ينزل فيها التجار الأتراك والتتر والهنود، ويوجد إلى جانب هؤلاء تجار من الصين يبيعون الصيني».
وكان أغلب التجار يستأجرون دكاكينهم من المتصدي للمقبرة ولما كانت أردبيل تحظى بموقع تجاري جيد فقد كان المتصدي للمقبرة يجمع عن هذا الطريق أموالاً طائلة.
وكانت المياه تتوفر في أردبيل آنذاك بكميات كبيرة بحيث شبهها بترو دلا واله بمدينة فينيسيا (البندقية) وكانت هذه الأنهار تحوي كميات كبيرة جداً من الأسماك. ويتحدث بترو دلا واله الذي زار أردبيل في عام 1027هـ برفقة الشاه عباس عن هذا الأمر قائلاً: «لم يحدث لي أن أكلت سمكاً لذيذاً منذ عودتي من الإسكندرية كما أكلته في أردبيل».
وكان عبور الأنهار في فصل الصيف سهلاً إلا أنها تطغى في فصل الشتاء بحيث يضطر الناس في جميع الأزقة إلى عبور الجسور المصنوعة من الآجر، وتضفي الأشجار المزروعة على ضفاف الأنهار جمالاً إلى جمال المدينة، وتحتوي جميع البيوت على أشجار حتى تبدو أردبيل عن بعد وكأنها غابة.
كان يتخلل أردبيل العديد من الأزقة، أهمها خمسة. ويتحدث السائح الفرنسي تافرنييه عن وضع أردبيل في ذلك الوقت قائلاً: «تبدو شوارع أردبيل غاية في الروعة والجمال لوجود الأشجار الضخمة المزروعة على جانبي الشوارع بفواصل منتظمة. وأما وسعة المدينة فهي متوسطة».
ومثل بيوت سائر المدن الإيرانية الأخرى كانت بيوت أردبيل تُبْنَى من الطين والآجر، وتتصف الأزقة بضيقها واعوجاجها وعدم انتظامها، وليس فيها سوى زقاق منتظم واحد، توجد كنيسة الأرمن في نهايته ويجري النهر في وسط المدينة.
وكان السائح الإنجليزي المعروف آنطوني جنكس قد زار أردبيل عام 970هـ وكتب عنها يقول: «نزلنا فيها في فندق مشيد من الرخام مخصص لإقامة الضيوف والشخصيات المعروفة وكان إيوان هذا الفندق الذي بناه الشاه إسماعيل يطل على المشهد العام للمدينة ويشرف على طريق القوافل التي تمر بالمدينة باستمرار وتسمع فيه أصوات أجراس القوافل».
وكان في أردبيل بعض الأبنية الجميلة، فإلى جانب مقبرة الشيخ صفي التي بنيت في زمن الشيخ صدر الدين كان هناك قصر الشاه الموجود في محلة (شاه باغي) وكان ذو الفقار خان قد شيّده على نفقته الخاصة حسب الطراز التركي، وكان ثماني الأضلاع ويبلغ ارتفاعه ثلاثة طوابق، وهو مشيد من أحجار حمراء وزرقاء وخضراء مرتبة في أشكال متنوعة، وقد أصبح هذا القصر مقراً للحكم في زمن الشاه إذ لم يكن في المدينة ما هو أفضل منه وحسب قول بترو دلا واله كان هذا المنزل بميدانه الأمامي وحديقته الكبيرة ودار حريمه وتوابعه الأخرى المكان الوحيد الملائم لإقامة الشاه.
وتأتي بعد القصر الملكي منازل تجدر الإشارة إليها وهي المنازل التي كان الشاه ينزل ضيوفه فيها، وقد تعرض بترو دلا واله للحديث عنها بقوله: «…وفي السبت الحادي عشر من آب غادرنا (كيوى)([529]) متجهين إلى أردبيل فدخلناها في الثالث عشر من أب، وتقرر نزولنا في أحد منازل المدينة، ولم يكن مهيأ لإقامتنا بعد فخيّمنا بالقرب من المدينة وفي صباح اليوم التالي انتقلنا إلى المنزل وكان غاية في الروعة والجمال محاطاً بحديقة كبيرة يجري من خلالها نهر كبير، وتعود ملكية الدار إلى إحدى قريبات الشاه كان زوجها أحد رجال الدولة فتعرض لسخط الشاه وتوارى عن الأنظار فصودرت داره، وعلى الرغم من أنه لا يزال المالك الحقيقي للدار إلا أنه وذويه محرومون من السكن فيها لأنها تحولت إلى مقرٍ خاصٍ لضيوف الشاه».
ويذكر صاحب «سلسلة النسب» أن المتصدي لمقبرة الشيخ صفي الشيخ أبدال الزاهدي قام بتعمير منارات وبوابات ومعابر المقبرة وبعض أبنيتها الأخرى التي كانت موشكة على الخراب وإضافة إلى ذلك قام ببعض الخطوات العملية في سبيل إصلاح المقبرة وإعمارها وهي كما يلي:
1ـ بنى بماله الخاص 21 دكاناً وشيد في أحد جوانب الميدان عدداً من الأبنية التي تحتوي على دكاكين ومحلات تجارية ودور استراحة.
2ـ أحيا الحديقة المجاورة للمدرسة بعد أن كانت مشرفة على البوار وأحاطها بجدار وزرع فيها الأزهار.
3ـ أعاد بناء بعض دور استراحة القوافل والعديد من الأبنية الأخرى التي تتصل بسوق الإسكافيين وهو أفضل سوق في المدينة.
4ـ جدّد بناء الفندق الشاهنشاهي والأبنية التابعة له بعد أن كانت آيلة إلى الانهدام وكان يتميز بموقع هام لانفتاح بابه على الساحة المجاورة للمقبرة ولذلك كان يدر على المزار مبلغ ثمانين تومان سنوياً هو مبلغ إيجاره.
5ـ شيّد جداراً منيعاً في قرية كلخوران (يبدو أن الغرض منه كان التصدي لهجمات قطّاع الطرق) وكان لهذا الجدار دور في ازدهار تلك القرية وعمرانها.
وكان أولياروس أول سائح أوروبي يعد خرائط ومناظر لمدن إيران مثل: أردبيل وقم وكاشان وأصفهان.
ويبدو في خريطة أردبيل نهر يجري في وسطها وهو يتفرع إلى شعبتين في أطراف المدينة وعلى وجه التحديد في شمال غربيها قبل دخولها، تستدير إحدى هاتين الشعبتين في شمال المدينة ثم تتجه نحو شمالها الشرقي حتى تصل جنوبها، بينما تدخل الشعبة الأخرى المدينة من جانبها الشمال شرقي وتتجه مباشرة نحو الجنوب سالكة وسط المدينة.
وثمة صورة أخرى رسمت لأردبيل بعد أولياروس بسبعين سنة تقريباً يبدو من خلال مقارنتها مع صورة أولياروس أنه لم يتبق من أبنية أردبيل الكبرى سوى عدد ضئيل.
الأوضاع الاجتماعية والسياسية في مدينة أردبيل في زمن الصفويين
كان أهالي أردبيل يتبعون المذهب الشافعي حتى القرن الثامن الهجري، ولكن الأمر تغير مع حلول القرن التاسع حيث أخذ المذهب الشيعي يظهر في المدينة خلال عهد الخواجة علي وفي أواسط ذلك القرن كان مريدو الشيخ صفي يشنّون الحملات على البلدان المجاورة مثل: داغستان وجركستان وكرجستان، ثم انتهت حركة التشيع إلى تشكيل الدولة الجديدة للسلالة الصفوية.
وبدأت منذ ذلك الحين سلسلة من الحروب بين الملوك الصفويين والسلاطين العثمانيين بدأها العثمانيون بهجومهم على الدولة الجديدة.
وقد أصبحت أردبيل في عهد السلطان جنيد جد الشاه إسماعيل الأول في مصاف المدن المقدسة وتحظى بجميع مميزات وخصائص هذه المدن، فكان الناس حتى أواخر العهد القاجاري يقدمون لزيارتها من داخل البلاد وخارجها.
وقد كتب الشاه إسماعيل في رسالة إلى السلطان العثماني السلطان بايزيد خان الثاني يطلب منه إصدار أوامره إلى حكام الولايات العثمانية لترك الحرية لمريدي العائلة الصفوية من رعاياهم في السفر لزيارة أردبيل وعدم منعهم من ذلك([530]).
وفي القرن العاشر الهجري أي في بداية الحكم الصفوي كانت أردبيل عاصمة لإيران قبل تبريز وقزوين وأصفهان، ولكن لفترة لم تستمر طويلاً.
ولم يكن الملوك الصفويون لينسوا مسقط رأس أجدادهم في أردبيل بعد نقلهم لعاصمتهم إلى تبريز وقزوين ثم أصفهان ولم يكونوا يغفلون عن الاهتمام بمقبرة جدهم الشيخ صفي بل كانوا على الدوام يوقفون لها الأشياء الثمينة.
وكانت أردبيل في ذلك العهد دار الأمان وملجأ المذنبين، فقد أصدر الشاه عباس أمراً في أواخر شهر شعبان عام 1014هـ يقضي باعتبار الحكام مدينة أردبيل داراً للأمان كما كان حالها منذ زمن الأمير تيمور كوركان.
وفي القرن الحادي عشر الهجري حظيت أغلب المدن المركزية والغربية في إيران بنهضة اقتصادية، ومن ضمن هذه المدن تبريز وأردبيل، وكانت أردبيل وكيلان ومازندران آنذاك تدار بواسطة عمال بارعين في إدارة الشؤون الإدارية يعينون من قبل الشاه.
وفي عام 1085هـ (1673م) أي في زمن الشاه سليمان الصفوي زار (شاردن) أردبيل، وذكر بأنها أكبر المدن الإيرانية بعد تبريز وأن حاكمها يلقب بالـ (بيكلربيكي) ويحتفظ هذا الحاكم على الدوام بثلاثة آلاف فارس في تبريز ويخضع حكام قارص وأرومية ومراغة وأردبيل لطاعته.
وزار (سانسون) إيران عام 1095هـ (1683م) وأقام فيها ما يقارب الثماني سنوات وذكر ما يلي:
«بذل الإيرانيون جهوداً لعشر سنين في سبيل تحديث وإصلاح النقد، حتى أفلحوا آخر الأمر في ضرب عملة على مستوى كبير من الجودة والدقة وهي متداولة الآن في مدن أصفهان وتبريز وأردبيل»([531]).
وفي عام 1050هـ أي في زمن سلطنة الشاه صفي سافر إلى آذربيجان وأردبيل أحد مشاهير السائحين والعلماء العثمانيين وهو (أوليا جلبي) وكتب ما يلي:
«أردبيل مدينة غاية في السعة والأهمية، ويوجد فيها ما يقارب ثلاثة آلاف جندي وفيها أيضاً قضاة وشيوخ الإسلام وكتاب وشرطة».
ويبدو من الأمر الذي أصدره الشاه طهماسب الثاني لأهل أردبيل والذي يلغي فيه ضرائب (التمغا)([532]) أنهم كانوا مستائين لكثرة الضرائب التي كان الحكام يتقاضونها منهم.
وفي فترة الحروب العثمانية ـ الصفوية كانت أردبيل تعيش أزمة إقتصادية على غرار سائر مدن آذربيجان الأخرى، وكان الخبازون والقصابون يستغلون تلك الأزمة فيرفعون الأسعار ويخفضون كميات مبيعاتهم.
وكان القرويون آنذاك يعيشون حياة قاسية، وبلغ بهم الأمر أن أخذوا يشكون أمرهم إلى الشاه مباشرة راجين منه كف ظلم الولاة عنهم.
الوضع الاقتصادي في أردبيل
كانت تجارة أردبيل مزدهرة في العهد الصفوي، لوقوع المدينة على الطرق المؤدية إلى تفليس ولنكران ودربند وبادكوبه وكيلان وتبريز.
وقد كانت أردبيل آنذاك مركزاً تجارياً هاماً معروفاً حيث كان العديد من تجار كيلان وكردستان وكرجستان والعديد من البلدان يترددون عليها، وكان دخل أردبيل كبيراً من زوار مقبرتها، ولم تكن القوافل التي تدخلها تقلّ شأناً عن تلك التي تدخل أصفهان أو تخرج منها، وكان يتشكل سوق في أردبيل مرتين كل أسبوع يحمل اليه المزارعون بضائعهم من مختلف النواحي ويستعمل هؤلاء المزارعون الأبقار والجاموس في نقل بضائعهم بدلاً من الخيول والإبل.
وكانت أردبيل آنذاك تُعَدّ من المدن المتوسطة في إيران وهي أكبر قليلاً من مدينة شماخي، وهي تقع على مفترق الطرق وتحمل إليها أموالاً طائلة من أرمينيا وكرجستان والقفقاز وولاية كيلان ولذلك كانت البضائع متوفرة وفيها ويسكنها عددٌ كبيرٌ من السكان.
وفي القرن الحادي عشر ازدادت مساحة أراضي المؤسسات الدينية والأوقاف. وازدادت مساحة الأملاك الخاصة بالشاه زيادة كبيرة، وكانت عادة اقتطاع الأراضي دارجة منذ العصور الغابرة وكذلك في العهد الساساني والمغولي إلا أن تلك الأراضي الخاصة لم تبلغ ما بلغته في القرن الحادي عشر، ففي ذلك القرن لم تكن الأراضي الخاصة بالشاه مقتصرة على بعض المناطق مثل أصفهان وأملاك الصفويين الموروثة في أردبيل إنما كانت تتعداها لتشمل ولايات كبرى مثل ولاية كيلان.
أوقاف الشيخ صفي
كانت عائدات مقبرة الشيخ صفي تبلغ سنوياً ملايين الريالات لكثرة الموقوفات التابعة لها، إضافة إلى كثرة الزوار الذين كانوا يقدمون إليها سنوياً من الداخل والخارج، وكان الملوك يرون لزاماً عليهم زيارة قبور أسلافهم بين الحين والآخر.
وكان (أولياريوس) قد زار أردبيل في القرن الحادي عشر وذكر بأن مقبرة الشيخ صفي وبعض المؤسسات التابعة للشاه تحصل سنوياً على مبالغ طائلة وهدايا مستمرة تبلغ عدة ملايين من الريالات بحيث لو وقعت الحرب لكانت كافية لتجهيز جيش كامل أكثر من قدرة الشاه على ذلك، وإلى جانب الأموال الطائلة التي يحملها مريدو الشيخ صفي الدين إلى مقبرته كان في أردبيل 200 دار وتسعة حمامات وثمانية فنادق وأسواق كبيرة معروفة بالقيصرية و100 دكان وميدان للدواب وميدان للغلال والملح والسمنة، وكان كل ذلك تابعاً للمقبرة.
وفي عام 1082هـ كان في آذربيجان وحدها أربعون قرية وقفاً لمسجد الشيخ صفي وفي مدينة تبريز ستون داراً و100 دكان وقريتان في خارجها وفي مدينة قزوين العديد من الفنادق والحمامات وهكذا الحال في مغان وكيلان وكركان وآستارا وسائر المناطق الأخرى.
وكان بعض سكان بلاد التتر والهند ممن يتبعون المذهب الشيعي يرسلون مبالغ كبيرة إلى صندوق مطبخ المرقد، إضافة إلى ما كانوا ينذرونه في أسفارهم البعيدة أو في مواقع الشدة أو المرض.
وكان البعض الآخر يوقف في وصيته أمواله المنقولة وغير المنقولة لمرقد الشيخ فكانت أموال المرقد تزداد يوماً بعد آخر إضافة إلى ما كان يوقف له من خيول وحمير وأبقار وإبل وأغنام وماعز.
وكان الشاه عباس في أسفاره إلى أردبيل يشارك بنفسه في إطعام الفقراء وكان في بعض الأحيان يتأزّر ليوزع الرز عليهم. ثم أمر في عام 1041هـ أن يوزع الطعام عليهم مرتين يومياً وبنى مطبخاً جديداً لمرقد الشيخ.
أردبيل في عهد نادر
كان سقوط الدولة الصفوية حافزاً لروسيا وتركيا على زيادة نشاطهما السياسي ضد إيران، ثم بادرت القوات الروسية في عام 1135هـ إلى احتلال دربند واحتلال باكو في عام 1136هـ.
وفي عام 1140 احتل الأتراك مدينة أردبيل، وسخطت قبائل الشقائق والشاهسون لاحتلال مدينتهم فثاروا بوجه المحتلين ولكنهم لم يستطيعوا الصمود بوجه عشرين ألف مقاتل تركي فانسحبوا إلى صحراء مغان. وفي عام 1143هـ هاجم نادر شاه آذربيجان بمائة ألف مقاتل فانتزع تبريز ثم أردبيل من يد الأتراك.
واستطاع نادر بين عامي 1147 و1148هـ أن ينهي وجود القوات التركية في شمال آذربيجان وشرق كرجستان وشمال أرمينيا، وفي الثامن من رمضان عام 1148هـ وصل ضفة أرس وعسكر في صحراء مغان.
ثم تُوّج نادر ملكاً في الرابع والعشرين من شوال 1148هـ. وقد حاول نادر شاه الأفشاري وكريم خان زند الملوك القاجاريون الحد من قوة العشائر فعمدوا إلى تفريقهم وترحيلهم، فهجرت قبيلة (الإينانلو) من مغان إلى ساوة وهجرت جماعات من الشاهسون إلى بغداد في أواخر العهد الصفوي إلا أن نادر شاه أعادهم فيما بعد إلى شيراز.
وقد أثرت حملات نادر شاه تأثيراً كبيراً على أردبيل من الناحية الاقتصادية كما هو حال سائر مدن آذربيجان الأخرى التي انخفض عدد سكانها إلى الثلث تقريباً.
وكان أغلب التجار الأجانب يتعرضون في جميع الأماكن تقريباً للغارات وقطع الطريق، وعلى سبيل المثال تعرضت جماعات من التجار الروس في شماخي وأردبيل وتبريز وأصفهان لمصادرة أموالهم بأمر من نادر شاه، وكان في ذلك الوقت يؤخذ من المسافرين بين رشت وتبريز ممن يسلكون طريق أردبيل ضرائب عبور في أردبيل وقد بلغ الوضع في أردبيل إلى حدّ المأساة فكان أهلها يعيشون فقراً مدقعاً، واستمر حالهم هذا حتى أواخر العهد الأفشاري ثم تحسن بعض الشيء في عهد كريم خان زند كما هو حال سائر نقاط آذربيجان الأخرى.
أردبيل والقاجارية
كان العامل الرئيسي في ازدهار مدينة أردبيل في عهد الصفويين هو وجود مقبرة الشيخ صفي الدين إلا أن انقراض الصفويين ألحق أضراراً كبيرةً بوضع المدينة التي أصبحت في زمن القاجاريين منفى للسياسيين.
وفي عام 1219هـ (1804م) قدم (جوبر) إلى إيران مندوباً من قبل أمبراطور فرنسا نابليون، واستطاع التقاء الميرزا عباس في عام 1220هـ (1805م) بعد أن كان الأخير مقيماً في أردبيل بسبب الحرب بين إيران وروسيا وتحقق (جوبر) بنفسه من وضع القوات في أردبيل.
وفي عام 1227هـ هاجمت القوات الروسية في ناحية أصلاندوز قوات الميرزا عباس التي كان الشاهسونيون يشكلون قسماً منها وكان الهجوم مباغتاً فألحقت بقوات الميرزا أضراراً فادحةً وتلا تلك الهزيمة توقيع اتفاقية (كلستان) في 29 شوال عام 1228هـ بين أيران وروسيا، وقد أقرت هذا الإتفاقية سيطرة روسيا على قراباغ وشيروان وباكو ودربند ولنكران وبعض أجزاء طالش، ثم سكن الروس بعد ذلك في منطقة طالش والأجزاء الشمالية من مغان فكان ذلك تهديداً للأراضي الشتوية للشاهسونيين.
وفي عام 1242هـ احتل الروس ناحية كوكوجه الحدودية ورفضوا التخلي عنها، وبعد ذلك بسنة أي في رجب عام 1243هـ (السادس من شباط عام 1828م) دخلت القوات الروسية مدينة أردبيل بقيادة القائد الروسي شوستلن، وأمر هذا القائد بنصب اثني عشر مدفعاً على بعد 282م من قلعة أردبيل، وكانت القلعة آنذاك تحتوي على 27 مدفعاً و200 جندي على رأسهم أبناء الميرزا عباس وكانت المدفعية بقيادة شخص إيطالي يدعى برناردي.
وبمجرد سقوط ثلاث قذائف على القلعة، سقطت واحدة منها على منزل أبناء الميرزا عباس فبادر هؤلاء الأمراء إلى الاستسلام. فعيّن شوستلن بعد ذلك سنيافين حاكماً على أردبيل وشكل شورى إدارية من أهالي المدينة ورجال الدين.
وقبل توقيع معاهدة الصلح صادر الروس مكتبة مقبرة الشيخ صفي التي تحتوي على كتبٍ عربيةٍ وفارسيةٍ وتركية وأرسلوها إلى بطرسبورغ.
وفي الخامس من شعبان عام 1243هـ وقّع القائد الروسي باسكيوفيج معاهدة تركمانجاي، وبعد عشرة أيام من توقيعها غادر باسكيوفيج قرية تركمانجاي إلى تبريز وأمر قوات الجناح الأيسر لجبهته بتخلية أردبيل والعودة إلى كرجستان.
وكانت اتفاقية تركمانجاي تنص على تخلّي إيران عن إيروان ونخجوان وأجزاء كبيرة من المناطق الشتوية للشاهسونيين لروسيا، وبناء على هذا يمنع الشاهسونيون من دخول منطقة شروان ويسمح لهم بالاستفادة فقط من مزارع ومراتع طالش ومغان، إلا أن هؤلاء لم يكونوا يعيرون أهمية لتلك المعاهدة فكانوا يجتازون الحدود باستمرار ويقومون أحياناً بشن الغارات في المناطق المحتلة من الروس.
وفي عام 1297هـ (1879م) تباحثت حكومتا إيران وروسيا في السبل الكفيلة في إنهاء الخلافات الحدودية والإسكان المؤقت للشاهسونيين في مغان، وانتهت المباحثات بتحديد الأجزاء الجنوبية من مغان مشاتي للشاهسونيين.
حركة المشروطة وأردبيل
كانت أردبيل في بداية حركة المشروطة بيد القنصلية الروسية والعشائر والميرزا علي أكبر المجتهد، وفي الوقت الذي كانت أغلب مدن آذربيجان تعجّ بنشاطات دعاة التحرر كان العديد من رجال أردبيل من أمثال الملا أمام وردي والأخوندوف يتعرضون للقتل بجرم تأييدهم للمشروطة ولدعاة التحرر. ثم حاولت العشائر القبض على ستارخان وقتله بعد أن قدم إلى أردبيل لمناصرة دعاة التحرر فيها ومن ثم شنّت العشائر عدة هجمات على أردبيل.
وفي عام 1326هـ (1908م) صدرت في أردبيل صحيفة باسم (برك سبز)([533]) بطبعة حجرية وكان صدورها مرة كل أسبوعين على يد آقا مير أحمد. وهي تتكون من أربع صفحات بقطع 8.5 ـ 11 وكان الاشتراك السنوي فيها داخل أردبيل تومان واحد وفي غيرها من مدن إيران خمسة عشر ريالاً.
وكان الميرزا علي أكبر في ذلك الوقت يجمع في يده الحكومة الإدارية إلى جانب سلطة الشرع وقد أعلن الجهاد في أردبيل ضد البلاشفة ووقف بوجه فتح المدارس، وكتب أهالي أستارا إليه بدلاً من حاكم أردبيل مطالبين بإرسال مدفعين وعدد من البنادق للوقوف بها بوجه حملة البلاشفة المحتملة.
وأخذ آقا ميرزا علي أكبر يتنقل بين قرى أردبيل لجمع الزكاة، وبعد وقوع الثورة ضد البلاشفة أعلن الجهاد في أردبيل وأجرى لأهلها استعراضاً عسكرياً وجمع المال لأهالي آستارا لمساعدتهم في الوقوف بوجه البلاشفة.
موقع أردبيل في العصر القاجاري
لم تستطع أردبيل الاحتفاظ بموقعها الذي كانت تتميز به في عصر الصفويين بعد انقراضهم ووصول القاجاريين إلى السلطة في إيران، إلا أن الإيرانيين وخصوصاً الشيعة منهم كانوا يكنّون احتراماً خاصاً لمقبرة الشيخ صفي ويواظبون على زيارتها حتى أواخر عهد القاجاريين، ولذلك كانت الحكومة الإيرانية تحس بالضيق تجاه احتلال الروس لأردبيل في نهاية الحرب الثانية بين إيران وروسيا.
ويذكر جروبد أن أردبيل كانت آنذاك مستودعاً للبضائع المحمولة من تفليس ودربند وباكو إلى طهران وأصفهان وكانت تحتوي على أسواق مزدهرة، ويضيف بأنها كانت متوسطة التحصين وتفتقر إلى الأبنية الجيدة، بحيث اضطر الميرزا عباس خلال الحروب الأولى بين إيران وروسيا في عام 1220هـ (1805م) إلى قضاء فصل الشتاء خارج أردبيل، وكان عدد سكانها آنذاك اثني عشر ألف نسمة.
وكانت تجارة المدينة مزدهرة نسبياً بسبب وقوعها على بعد 12 فرسخاً من ميناء (آستارا) حيث كان الكثير من البضائع والمنتوجات الروسية تمر عبرها إلى آذربيجان ولذلك كانت تحتوي على أماكن جيدة لاستراحة القوافل.
وتقع المدينة كذلك على الطريق التجارية بين تبريز وآستارا ولنكران وتمثل المنفذ التجاري بين القفقاز والمدن الداخلية وآذربيجان وغيرها، وقد بلغ وزن البضائع المستوردة إليها في عام 1305هـ 10,000 طن، والمصدرة منها 5,700 طن وكان أفضل صادراتها السجاد والصوف.
وكان نقل البضائع آنذاك يتم بواسطة البغال والخيول والإبل وكانت أجرة الحصان بين أردبيل ومراغة 18 ريالاً.
وتقع عدة مناجم في أطراف أردبيل كانت تحظى بأهمية قصوى لسد الحاجات آنذاك.
وفي الوقت الذي كان فيه نائب السلطنة الميرزا عباس والياً على آذربيجان كانت حكومة أردبيل بيد اثنين من أبنائه، وكانت قلعة أردبيل في ذلك الوقت منفس للمعارضين لمناعتها وقوة استحكامها وعندما تولى محمد شاه السلطة أمر بسجن ابني الميرزا عباس في قلعة أردبيل بتوصية من القائمقام.
وضع الحكم في أردبيل خلال العهد القاجاري
كانت قلعة أردبيل تمثل المقر الحكومي للمدينة في زمن القاجاريين، إضافة إلى كونها في نفس الوقت معسكراً وسجناً، وكانت حكومة المدينة توكل لمن يدفع أكثر فكان أصحاب الثروة يستأجرون الحكومة ويوكلونها إلى المقربين منهم وكان المستأجرين للحكومة في بعض الأحيان أميين يستعينون بأناس متعلمين في إدارة الأمور.
وكان الحكام بدورهم يعرضون المناصب في مدينتهم للإيجار فمن يدفع أكثر يشغل المنصب وكان هؤلاء يأمنون الأموال من فرض ضرائب العسس على الدكاكين فكانوا يأخذون ريالاً واحداً شهرياً من كل دكان ولم يكن هذا المبلغ كافياً لتأمين إجاراتهم فكانوا يحبسون بعض الأغنياء في القلعة وينتزعون منهم المال بالقوة وغالباً بالتعذيب.
وكان الحكام يرتكبون أنواع المظالم ومنها فرضهم للضرائب دون مبرر مما كان يضطر الناس إلى بيع أغنامهم وأملاكهم وحتى أثاث منازلهم، فكان الحاكم يتنعّم بتلك الضرائب القاسية ويشرك أتباعه والمقربين منه بحصة منها.
ويذكر الميرزا حسين خان كرانماية أن رواتب الجنود المرابطين في أردبيل كانت تؤمن من الأهالي وعندما كان فوج من الجنود يهم بالحركة في مهمة في إحدى المهمات فإنه لم يكن ليتحرك ما لم تجبَ له خمسة وعشرون إلى أربعين توماناً.
وكثيراً ما كانت تحدث بعض أعمال الغش والتزوير من قبل أصحاب المناصب، فحدث ذات مرة أن لم يستلم الجنود رواتبهم فثارت ثائرتهم وهاجموا مركز الحكومة في أردبيل وأخرجوا عقيداً وعميداً من القلعة بصورة مزرية.
وخلاصة الأمر كان أهالي أردبيل يعانون من مظالم الحكومة في ذلك الوقت وكثيراً ما تعرضوا للقتل وهتك الأعراض ونهب الأموال بين حين وآخر.
وقد كان حكام أردبيل ينتقلون على رأس مائتي فارس بين قرى أردبيل مرتين أو ثلاث مرات في السنة ويقيمون ليلة في كل قرية، ولكي لا تصل أخبار مخالفاتهم واعتداءاتهم مسامع ناصر الدين شاه كانوا يهددون المزارعين بنهب دورهم في حال إرسالهم عريضة إلى بلاط الشاه.
ولم يكن الوضع هذا مقتصراً على أردبيل بل كان يشمل آذربيجان برمّتها.
داريوش به آذين
أردبيل
ـ 4 ـ
أردبيل، ثاني بلاد آذربايجان سياسياً واجتماعياً عرضها الشمالي (15 ,38درجة) وطولها الشرقي (48,17 درجة) عدد نفوسها حسب الإحصاء لعام 1985 (973, 281)، تقع على 210 كيلومترات من تبريز و40 كيلومتراً من حدود جمهورية آذربايجان المستقلة (الاتحاد السوفياتي سابقاً) وهي فلاة محصورة بين جبال، وطقسها بارد قاسٍ في الشتاء. يمر في جنوب البلد نهر (باليغلو) من بقايا «قره سو» وفي أطراف البلد عيون للمياه المعدنية الحارة لها اشتهار عظيم وجالبة للسياح منذ قديم الأعصار وللبلد أهمية عسكرية استراتيجية لإيران.
لا يعلم عن تاريخها القديم قبل الإسلام إلا قليلاً، فالفردوسي (المتوفى 316هـ) والحموي (574ـ 623هـ) ينسبان بناءها إلى فيروز (لعله فيروز الأول، الملك الساساني (459 ـ 483م) وإنه سماها (باذان بيروز) أو فيروز آباد ثم سميت فيروز كرد.
وذكر ميرخواند في روضة الصفا نقلاَ عن تاريخ جعفري أن أردبيل وفلسطين وبابل وقومس ومكران هي مما بناها كيومرث من الملوك الكيانيين ونسب حمد الله المستوفي ( -750) في نزهة القلوب([534]) (تأليف 730) بناء أردبيل إلى كيخسرو ثامن ملوك الكيانيين وهم الهخامنشيين ملوك إيران قبل فتح الإسكندر.
وفي عهد علي (ع) وُلِيَ عليها أشعث واستقر بها، وفي سنة 617هـ هاجمها المغول وهدموها، ثم في عهد الشيخ صفي الدين الأردبيلي (655 ـ 735هـ)، جد الملوك الصفويين بدأت حياة جديدة، وخاصة في عهد الشاه عباس الأول (ملكَ 996 ـ 1038هـ) فعمر هذا مقبرة الشيخ صفي ومسجده وزينها بزخارف فاخرة، وفي أواخر العهد الصفوي تسلط عليها العثمانيون مدة قصيرة فأرجعها منهم نادر شاه.
وفي عهد فتحعلي شاه قاجار حصنها مستشاره الجنرال غاردان الفرنسي مبعوث نابليون(بنابارت) تحصيناً ينتاب الحدود الروسية فأقام عباس ميرزا ولي العهد بلاطه في هذا البلد، ويليق أن نذكر من السياح الأوروبيين الذين زاروا هذه البلدة وكتبوا عنها بترو دلا واله في سنة 1619م، وأولئاريوس سنة 1637م، وتاورنيه، وجيمز موريه سنة 1821م.
كان في قديم الأزمان في مكان أردبيل رستاق تسمى «كذج» وأصلها «كده» وأصل كلمة أردبيل في اللغة الأفستائية «آرتاويل» وهي مركبة من «آرتا» بمعنى «مقدس» و«ويل» بمعنى «مكان» فمعناها البلدة المقدسة، وقي بقي حتى اليوم بقايا من هذه الكلمة في تلك المنطقة، فهناك «ويله درق»، «بيله رود»، «شورابيل»، ويوجد في حوالي «مشكين شهرشاه بيل» و«مويل» وفي حوالي آستارا ما يسمى «لوندويل»([535]).
مع الشيخ أبو ذر بيدار كاتب البحث وأحد أعلام أردبيل
أردبيل قبل الإسلام:
كانت بلدة «آتروياتن» قبل تأسيس حكومة ماد (أسست701 وانقرضت550 ق.م) وهم أجداد الأكراد الحاليين، وحتى قرن واحد بعد انقراضهم كانت تعد مركزاً اقتصادياً وثقافياً لتلك الأمبراطورية، وكانت هذه المنطقة من الناحية الاقتصادية أكثر تقدماً من النواحي المجاورة لها، حيث تحتوي على مزارع وبساتين أعناب ومراتع واسعة([536]).
وحتى أواخر القرن السابع قبل الميلاد لم تكن لحكومة ماد سيطرة تامة على آذربيجان، فكان أكثر نواحي هذه المنطقة بيد أقوام ماننائي ـ أورارتو السكائيين ومنذ عام 612 ق.م وبعد هزيمة آشور، أقامت حكومة ماد سيطرتها على جميع مناطق إيران وخاصة آذربيجان حتى ما وراء نهر أرس([537])، وتدل الآثار الباقية عن القرن الثاني عشر إلى السادس عشر قبل الميلاد المكتشفة في «نمين» قريباً من بلدة أردبيل وكذلك المكتوبات والمحكومات الحجرية الأورارتورية للقرن 7ـ 9 قبل الميلاد المكتشفة في «قره داغ» في سفح جبل «سبلان» القريبة من سراب وأردبيل تدل على حضارة عريقة كانت منتشرة في منطقة أردبيل.
وفي القرن 6 قبل الميلاد برز النبي الإيراني زرادشت (522 ـ 485ق.م) إلى الوجود وعلى ما نقل في «أفستا» فإن زرادشت قد ألّف كتابه في أعالي جبل سبلان.
وقد أشار الشهرستاني (548) في الملل والنحل: إلى ظهور روح زرادشت([538]) في شجرة أنشأها في أعلى علّيّين وغرسها في قلة جبل في آذربيجان يعرف بـ… وقال زكريا القزويني في آثار البلاد: «كان زرادشت من «شيز» بآذربيجان فاعتزل عن الناس مدة في جبل سبلان وألّف كتابه «يسنا»([539]).
وقال ميرخواند في روضة الصفا: لما ترعرع زرادشت، صعد على جبل من جبال أردبيل ولما نزل عنه كان يحمل كتاباً ويقول: إنه نزل عليه من سقف بيت فوق هذا الجبل([540]).
ولما صالح خسرو أنوشيروان (531 ـ 579م) مع ملك الخزر بنى حائطاً طويلاً وسدّاً عظيماً من الحجر والأسرب في دربند بين جبال قوقاز ليمنع من إغارة طوائف الخزر وجعل له باباً من حديد، سميت بعد الإسلام بباب الحديد أو سيرقابو وضمن بناء السد هذا جدّد بناء أردبيل، ولهذا السبب نسب بعض المؤرخين الاسلاميين بناء أردبيل إلى أنوشيروان أيضاً.
قال أبو سعيد عبد الحي الكرديزي في «زين الأخبار، الذي ألّفه سنة 440هـ»: إن أنوشيروان بنى بلاد بندكان، همدان، بغداد القديمة، أردبيل المدائن وباب الأبواب([541]).
وأشار الفردوسي إلى إعمار أردبيل في الشاهنامه، وفي سنة 88هـ عندما وقعت الحرب بين هرمز الرابع ودولة الروم هاجم الروم بلاد أرمينة وأردبيل([542]).
وفي عهد هذا الملك كانت حراسة الحدود لبرذعة وحكومة أردبيل بيد القائد الإيراني العظيم بهرام جوبينه، وعندما خرج بهرام جوبينه عن طاعة الدولة وقام ضد الملك خسرو الثاني أبرويز، طلب جوبينه من أهالي برذعة وأردبيل مساعدته، فأبى الشعب عن ذلك كما أشار إليه الفردوسي كذلك في فصل يختص بسلطنه خسرو برويز.
أردبيل بعد الإسلام
عند فتح العرب لآذربيجان توجهوا نحو عاصمتها أردبيل وكانت حينئذٍ واسعة الأطراف تشمل بلاد «ميانه» إلى «باجروان» و «شيز» كان فتح آذربيجان بيد حذيفة بن اليمان سنة 22هـ فصالحه مرزبان أردبيل وحاكم البلد على الجزية فأسلم شعب آذربيجان وقبلوا بأصوله ولكن القومية العنصرية عند العرب جعلهم يكافحون الشعوبية وهم الذين يطالبون بتساوي العرب وغيرهم ويستندون بآية: «وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقَاكُم» فمزقت معاهدة الصلح مراراً، ولكثرة العرب التجأ المناضلون إلى قلل الجبال ذات النعم الوافرة ولم يتمكن العرب من الصعود إليها وفتح حصونها المستصعبة فقاوموا أمام العرب قروناً متمادية، ومن جملتهم «بابك خرم دين» فإنه حارب العرب إلى عام 220هـ حيث أسره إيراني مثله يسمى «أفشين» وأرسله إلى العاصمة سامراء فقتله المعتصم هناك، وبعد قتل بابك أعاد العرب نفوذهم لمدة قصيرة ولكن الثورات الشعبية المتكررة كسرت سطوة العرب فرجعوا إلى العراق والجزيرة، وتشهد الدراسات العلمية أن شعب آذربيجان كانوا يفرقون بين العرب والإسلام دائماً.
كانت حكومة آذربيجان في عهد علي(ع) بيد سعيد بن ماريه الخزاعي، ثم أحيلت إلى الأشعث، وفي عهد الأشعث هذا استجاب أكثر شعب آذربيجان للإسلام وتعلموا القرآن، فبعث الأشعث قوماً من العرب يرتزقون من بيت المال والعطاء، إلى أردبيل يدعون إلى الإسلام فجعل أردبيل عاصمة لحكومته وبنى فيها مسجداً، وفي عهده عمرت أردبيل، وفي عهد الاحتلال العربي نزحت قبائل عربية عن طريق الكوفة والبصرة والشام إلى أردبيل وامتلكوا الأراضي الخصيبة والحصون المنيعة وبعض المالكين طردوا قسراً وبعضهم خضعوا طوعاً وعملوا كفلاحين للملاحين الجدد من العرب.
وفي العشر الأخير من القرن الثاني في عصر المأمون ظهرت حركة شعبية بعنوان «خرم دينان» لها شعارات مزدكية للعدالة الاقتصادية وفي سنة 201 انتخب «بابك» قائداً لها فحارب العباسيين سنة 220هـ حتى قتله المعتصم، وكانت لغة القوم مثل سائر الناس في آذربيجان في ذلك العصر هي اللغة الفارسية ولم تدخلها التركية بعد أبداً، وهذا يظهر من الطبري عند ذكره ابن بعيث أحد رؤساء «مراغة» اتهم بمماشاته مع أتباع «بابك» وأتى به أسيراً إلى سامراء سنة 235هـ فقال عنه الطبري: أنشدني بمراغة جماعة من أشياخها أشعاراً بالفارسية يذكرون أدبه وشجاعته وله أخبار وأحاديث..(تاريخ الطبري ج11، ص1387 ـ 1388) وبعد مضي نصف قرن من قتل بابك قامت النهضة الساجية وهم من أولاد ابن الساج ديوداد([543]) الذي اعترف به الموفق أخو الخليفة المعتمد كأمير على آذربيجان في سنة 276هـ فاتخذ أردبيل عاصمة لها، ثم استولى على «مراغة» وطرد عبدالله بن الحسن الهمداني سنة 280هـ فحكم أولاده الساجين على البلاد حتى عام 317هـ في استقلال نسبي، وبعد موت أبي المسافر فتح بن محمد الأفشين عام 317هـ انقاد الساجيون حكام آذربايجان لحكومة بغداد، كانت مراغة وبعدها أردبيل المدينتان الأوليان فيها، وكانت مراغة عاصمة في العهد العباسي الأول، ومن أواخر العهد العباسي تغير الترتيب فكان الأول «أردبيل» وبعده «مراغة» وبعد سقوط بغداد ومعها الخلافة بيد المغول صارت «تبريز» البلد الأول وعاصمة آذربيجان حتى اليوم.
قال ابن حوقل في القرن الرابع: إن مراغة تعادل في عظمتها أردبيل وكانت عاصمة آذربيجان، ثم انتقل مقامها الإداري إلى بلدة أردبيل([544])، وفي حدود العام الذي سافر مؤلفه في النصف الثاني من القرن الرابع إلى أردبيل: إن فيها تصنع ملابس البرد الملونة، وفي هذا العصر جدد بناء سور بلدة أردبيل بأمرٍ من وهسودان، فصارت أكبر من تبريز وجعلت عاصمة آذربيجان حيث رأى مؤلف حدود العالم كلتا البلدتين. وقال: أردبيل قصبة آذربيجان ومستقر ملوكها، وهي بلدة عظيمة كان لها نعم وافرة قد قلّت أخيراً ويحيط بها سور([545])، وفي النصف الثاني من القرن الرابع سافر إلى هذه البلدة المقدسي مؤلف أحسن التقاسيم وكتب عنها يقول: أردبيل قصبة آذربيجان ومصر الإقليم، عليه حصن منيع وهو أصغر من دبيل أسواقه مصلبة إلى أربعة دروب والجامع وسط الصليب… كثير الرواشن والفواكه وبه مياه جارية وخيرات وحمامات طيبة، ثم يذم البلد بالنتن وقلة العلماء والوعاظ.
وفي القرنين السادس والسابع خربت أردبيل إثر حملات الكرجيين عليها حتى قتلوا كثيراً من سكانها وهدموا المسجد الجامع.
وفي سنة 618هـ أغار المغول على أردبيل وأباحوها وهدموا البلدة، فقال ياقوت الحموي (574 ـ 626هـ) الذي رأى البلدة قبيل خرابها: رأيتها سنة سبع عشرة وستمئة فوجدتها في فضاء فسيح يتسرب فيها عدة أنهار وبعد ذكر محامد البلد قال: ثم نزل عليها التتر وأبادوهم بعد انفصالي عنها وجرت بينهم وبين أهلها حروب حتى صرفوا عنها مرتين ثم عادوا إليهم في الثالثة فضعفوا عنهم ففتحوها عنوة وقتلوا المسلمين ولم يتركوا منهم أحداً ولم ينج منهم إلا من أخفى نفسه وخربوها خراباً فاحشاً ثم انصرفوا عنها وهي على صورة قبيحة، والآن عادت إلى حالتها الأولى وأحسن منها وهي الآن بيد التتر([546]) وقال صاحب «نزهة القلوب» التي ألّفها سنة 740هـ: إن أردبيل مؤلفة من مئة قرية وخراجها خمسة آلاف ديناراً، ويظهر من المستوفي: أن سكان أردبيل في ذلك العصر كانوا يصدرون الشعير من أردبيل إلى جيلان ويوردون بدلها الرز الذي كانت المحصول الزراعي الأهم في جيلان.
كان يتشكل سكان أردبيل في هذا القرن من الأكثرية الفارسية التاجيكية وأقلية مغولية تركية حاكمة، ولم يكن بعد للأتراك أكثرية حتى مع انضمام المغول إليهم([547]) لتقارب اللغتين.
وفي هذا العهد حصل بعض الإنتهاك لموقوفات الشيخ صفي الدين الأردبيلي، فأصدر السلطان أبو سعيد بهادرخان (716 ـ 736هـ) فرماناً يخاطب به الشعبين التاجيك والمغول ويمنعهم عن التجاوز على أموال الشيخ السعيد شيخ الإسلام صفي الدين قدس الله سره العزيز([548]). علماً بأن الشيخ صفي وأولاده حكموا دينياً وسياسياً في إيران 360 سنة تقريباً، فالشيخ صدر الدين موسى (735 ـ 795هـ)، ثم الشيخ خواجه علي (795 ـ 833هـ)، كلاهما سكنا أردبيل، وكان لهما حرمة عظيمة ولكن نفوذ كلمتهما لم يتعد الأمور الدينية، وفي عهد الخواجه علي ورد الأمير تيمور أردبيل وأصدر حكماً وصف فيه أردبيل بدار الأمان، وأجرى الحكام على إعطاء الأمان لكل من لجأ ببقعة الشيخ صفي بأردبيل.
ولما رأى الصفويون تدرع العثمانيون بعنوان الخلافة، التي شروها من رجل ادّعى أنه من أحفاد الخلفاء العباسيين بالقاهرة وتأسيسهم الخلافة التركية باسطنبول وتوسعهم بآسيا الصغرى نحو الشرق إلى حدود إيران وعاينوا رضوخ الإمراء السنية واحداً بعد واحد للعثمانيين لاعتقادهم بوجوب إطاعة أولي الأمر، وكذلك صمود شعب إيران الرافض للخلافة منذ قرون من هرات إلى سبزوار وكاشان على التشيع لآل محمد والإسلام الحقيقي، رأوا خلاصهم في الالتحاق بهم، فقوي مذهب الشيعة وتمكن الشيخ جنيد من تأسيس حكومة محلية. ثم سافر الشيخ جنيد إلى ديار بكر وتزوج بأخت أوزون حسين (858 ـ 882هـ) فعظمت قدرة الصفويين وتجاوزت عن النفوذ الديني إلى ساحة السياسة ورجع جنيد إلى أردبيل مع جماعة كبيرة من أتباعه من طوائف ذي القدر، وأخذ يضغط على أهل السنة الداغستانيين.
ثم هاجم كرجستان في عشرة آلاف من جنوده فقتل هناك.
وبعد مقتل جنيد جلس مكانه سنة 860هـ ولده الشيخ حيدر ولبس أتباعه وهم من التركمان الشيعة تاجاً أحمراً ذا اثني عشر خطاً إشارة إلى الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) وسموا بعد ذلك «قزلباش».
كان الشيخ جنيد أول من جهز القزلباش بالسيف والسنان والرماح وغيرهما من الأسلحة الحربية، ولتعليم أتباعه استعمال السلاح جعل خانقاه أردبيل مركزاً لتوليد السلاح وتعليمه([549]).
لم يأل ابنه الشيخ حيدر جهداً في سبيل الوصول إلى أهدافه، واستفاد من التطميع والإرعاب فلما واجه مخالفة أحد الرجال أمر بكلب فلطخ بالنفط والكبريت وأشعل فيه النار ثم ألقاه في داخل بيت المخالف.
وبعد سفره إلى ديار بكر وتزوجه بأخت أوزون حسن، جعل يفكر بالملوكية وإحراز التاج فأعلن كوالده الجهاد الديني وجمع لذلك اثني عشر ألف رجل قزلباش وجهزهم للقيام بثارات والده ثم أرسلهم عن طريق شروان إلى جركس وداغستان، وفي هذه الهجمات نال الجيش الصفوي غنائم وافرة وخاصة الخيل والأسراء رجالاً ونساءً استرقهم ووزعوا بين أتباع الشيخ فباعوهم في أسواق النخاسين، وقال «كارترينو زنو» سفير الونيز: إنهم بيعوا في أسواق أردبيل([550]).
كرر الشيخ مثل هذه الحملات في السنة اللاحقة. قال الأميني في «عالم آرا»: إن الشيخ حيدر استولى في هذه الحملة على ستة آلاف أسير جاء بهم إلى أردبيل([551]) فخاف منه يعقوب شاه بن أوزون حسن أخو زوجته وللخلاص منه بعث في 4 رجب 893هـ، بجيش يدافع عن شروا نشاه فكسروا جيش الشيخ حيدر وبعثوا برأسه إلى يعقوب شاه آق قوينلو.
رغماً لجميع الضغوط التي اتخذتها حكومة آق قوينلو ضد الصفويين تمكن إسماعيل وهو أصغر أولاد الشيخ حيدر بعد ست سنوات قضاها مشرداً في بلاد جيلان من الرجوع إلى أردبيل في شهر محرم سنة 905هـ وهو ابن 13 سنة، وفي سنة 906هـ تمكن من تجهيز جيش للأخذ بثارات والده، فأرسله إلى شيروان فقتل شيروانشاه وفرخ يسار عدو الصفويين، واحتل بلاد شيروان إلى باب الأبواب باكو وقسماً من آذربيجان.
ثم إن الشاه إسماعيل الصفوي في سنة 917هـ جلس في تبريز على الملك وأعلن نفسه شاهنشاه (ملك الملوك) لإيران وضرب المسكوكات والنقود باسمه، وأعلن التشيع مذهباً رسمياً للبلاد وبذل الجهد لعمران بلدة «أردبيل» فكان البلد في عصره في أوج عظمته وكماله.
كان هذا مختصراً من تاريخ أردبيل قبل الإسلام وبعده حتى وصول الصفويين إلى الحكم.
أبو ذر بيدار
أردستان
مركز قضاء أردستان الذي يبلغ عدد سكانه حسب إحصائية (1986م) 51,888 نسمة، أما مدينة أردستان فيبلغ عدد سكانها حسب هذه الإحصائية 19,588 نسمة.
تقع أردستان في محافظة أصفهان على مشارف الصحراء الملحية وعلى الطريق الذي يربط بين نطنز ونائين. وهي واقعة على خط طول (52,22 درجة،) وخط عرض (22,33 درجة،).
تعتبر أردستان من مدن إيران القديمة، حيث شيد فيها الملك أردشير الساساني معابد للنار وينقل أن أنوشيروان ولد فيها، ويرى البعض أن بناء أردستان يرجع الى (دستان سام) والد البطل رستم، ومن ثم فإسم هذه المدينة محرف عن كلمة (أرك دستان)([552]).
كانت أردستان في العصور الإسلامية مدينة عامرة ومزدهرة وقد بني مسجدها الجامع في القرن الرابع الهجري ثم جدد بناءه المعمار محمود الأصفهاني بأمر من حسين بن عالي ووسع مساحته. ويحتوي هذا المسجد على نقوش وزخارف جصية آية في الجمال والروعة.
وقد تحدث الأصطخري وهو أحد كبار الجغرافيين في القرن الرابع الهجري عن أردستان قائلاً: «… وهي مدينة محكمة محاطة بسور ولها خمس بوابات، وتبلغ مساحتها ميلاً مربعاً واحداً، وتصنع الأقمشة الحريرية فيها بكثرة، ويصدر أغلبها…» وأشهر محصولاتها الزراعية هي: القمح والشعير والذرة والقطن والخروع والسمسم، أما صناعاتها اليدوية فهي حياكة السجادة ونسج الأقبية (جمع قباء).
وآثارها التاريخية، خلا المسجد الجامع، مقبرة الأمير أويس شيروانشاهي (المعاصر للملك إسماعيل الصفوي) وهي واقعة في الجانب الغربي من المدينة، وتحتوي على نقوش ورسوم نفيسة.
أردكان
مدينة هي مركز قضاء يسمى باسمها ويتبع محافظة يزد، وتقع المدينة على بعد 62 كلم إلى الشمال الغربي من يزد، ويبلغ ارتفاعها عن سطح البحر 1600م ويتبعها ثلاث نواحٍ وثماني قرى.
يوجد فيها خانقاه يرجع بناؤه للشيخ تقي الدين دادا محمد يرجح في القرن الهجري (الخامس)؟.
أشهر منتوجاتها: الفستق والقطن والسمسم والبطاطا والعنب والفواكه الصيفية وأنواع السجاد.
يوجد بين سكان القرى التابعة لها من هم من الزردشتيين.
ومفخرة أردكان أنها أنجبت السيد محمد الخاتمي رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذي أحكم قيادة الجمهورية وسار بها بين الزعازع إلى معارج الإصلاح، وكان عالمياً بدعوته إلى حوار الحضارات.
أردل
السيد محمد الخاتمي رئيس الجمهورية الإسلامية
تتميز بمناخها المعتدل وتؤمن المياه فيها من الأنهار المحلية والعيون والقنوات والآبار. وتحيط بها الجبال المرتفعة، فتتخذ منها العشائر البختارية مصيفاً لها.
أهم محصولاتها الزراعية هي الغلال والرز والحبوب والقطن والسمسم والخروع والتبغ والتنباك والبطاطا والفواكه الصيفية والتفاح والكمثري. وتشتهر عشائرها البختارية بتربية المواشي.
ويتحدث أهالي أردل باللغة الفارسية واللهجة اللرية، ومن الصناعات اليدوية الشائعة في أردل، حياكة السجاد ونسيج القبعات والأقبية والخيم السوداء والحصران.
أرسنجان
تقع هذه المدينة في محافظة شيراز إلى الشمال الشرقي من مدينة شيراز بين مدن: آباده ونيريز وشيراز وقرى سربنيران وخفرك عليا والقرى المتاخمة لمرودشت، ويبلغ عدد سكانها حسب إحصائية عام 1986م 10,685 نسمة.
يتميز مناخها بالاعتدال صيفاً وبالبرودة نسبياً خلال فصل الشتاء، وتؤمن مياهها من نهر وآبار وعدد من العيون وبعض القنوات. وتكثر فيها الزراعة وتربية المواشي. وأهم محصولاتها الزراعية هي: الحبوب الدهنية والقطن والشمندر والخضراوات والفواكه الصيفية مثل الشمام والبطيخ والخيار وغيرها، والحبوب والعلف الحيواني والرمان.
تتميز أرسنجان باحتوائها على مساجد كبيرة. وفي عام 1080هـ شيد الحاج سعيد الأرسنجاني مدرسة للعلوم الدينية، ووقف أراضي واسعة لتأمين معيشة أساتذتها وطلابها، ولترميمها.
وينتمي أهل أرسنجان إلى الأصل الفارسي وأشهر علماء الشيعة في ناحية أرسنجان هو الملا أحمد الأرسنجاني (م1274هـ) والملا علي عسكر الأرسنجاني (م1302هـ) وابنه الملا محمد شفيع الأرسنجاني (م1338هـ).
الأردن (دولة)
لو أتيح لنا أن نرتفع في الجو بحيث نتمكن من إلقاء نظرة على الأردن بكامله، لاتّضح لنا أن تضاريس هذا البلد الطبيعية بيّنة المعالم والحدود. وذلك بأننا نرى سلسلة من المرتفعات والهضبات تتكون من مناطق يفصل بين الواحدة والأخرى وادٍ عميقٍ يمتد من الشرق إلى الغرب. فمنطقة عجلون في الشمال تنتهي جنوباً بوادي الزرقاء الذي يحمل مياهه إلى نهر الأردن. وبين وادي الزرقاء ووادي الموجب، الذي تصب مياهه في البحر الميت، تقع منطقة البلقاء. ويحصر وادي الموجب ووادي الحسا مرتفعات الكرك والطفيلة. وتمتد جبال الشراة، التي تصل إلى مشارف الحجاز، جنوبي وادي الحسا. والمناطق الأربع هذه تنحدر نحو الغرب انحداراً فجائياً إلى غور الأردن والبحر الميت ووادي عربة، أما الى الجهة الشرقية فإن انحدارها يكون تدريجياً، فتذوب في البادية السورية. وتبدو لنا حدود الأردن السياسية واضحة: فنهر الأردن والبحر الميت ووادي عربة تحده غرباً، وسوريا شمالاً، والعراق وما سمي المملكة العربية السعودية شرقاً، وهذه جنوباً أيضاً.
1ـ غور الأردن هو جزء من خلع جيولوجي يمتد من شمال سورية عبر سهل الغاب والبقاع وسهل الحولة وبحيرة طبرية وغور الأردن والبحر الميت ووادي عربة وخليج العقبة والبحر الأحمر إلى شرق إفريقية، ويبلغ طوله نحو خمسة آلاف كيلومتر. وغور الأردن بكامله هو تحت سطح البحر. فبحيرة طبرية تقع على مائتي متر تحت سطح البحر، والبحر الميت منخفض 392 متراً عن سطح البحر. والمنطقة، من حيث المناخ شبه مدارية. فالحرارة في شهر تموز (يوليو) تزيد عن 38 درجة مئوية دوماً، وقلّما تنزل حرارة شهر كانون الثاني، (يناير) عن 9 درجات مئوية. والمطر قليل سقوطه، إذ ندر أن يزيد عن مائتي ملمتر.
ويستمد نهر الأردن مياهه، في منابعه الأصلية، من ثلاثة أنهر هي الحاصباني و(الوزان) في لبنان، واللدان (تل القاضي) في فلسطين، وبانياس في سورية. وهذه تجتمع في الجزء الشمالي من سهل الحولة (بحيرة الحولة سابقاً)، ثم يجري النهر إلى بحيرة طبرية. وإلى الجنوب في هذه البحيرة يلتقي نهر الأردن بنهر اليرموك. ونهر الزرقاء المتمعج في سيره الطويل نسبياً، يصب في الأردن من الشرق. ومع أن نهر شعيب دائم الجريان، فإن مياهه قلّما تصل نهر الأردن، لأنها تستغل في الري في طريقها غرباً. أما زرقاء معين والموجب ووادي الكرك فإنها تصب في البحر الميت. وثمة مجموعة من الأنهار والوديان التي تنبع في فلسطين وتحمل مياهها إلى نهر الأردن، ولعل وادي بيسان ونهر الفارعة أهمها.
2ـ المنطقة الجبلية تصاحب الغور إلى المغرب، وترتفع منه ارتفاعاً فجائياً. وهي أعرض في الشمال منها في الجنوب، كما أنها أكثر ارتفاعاً هنا منها هناك. هذه المنطقة هي الأكثر ارتفاعاً في الأردن بأجمعه، وفيها مدن مزدهرة. إربد وعجلون والسلط ومادبا والكرك والطفيلة. وهي منطقة باردة، وسقوط الثلج فيها لا سيما في شهر كانون الثاني (يناير) أمر مألوف وصيفها حار، وتزداد الحرارة كلما اتجهنا شرقاً، ومعدل النهاية العظمى للحرارة هو نحو 33 درجة مئوية. والمطر يزداد سقوطه مع ارتفاع الجبال، ويقل كلما اتجهنا شرقاً. ومعدل سقوط المطر في هذه لمنطقة هو 400 ملمتر.
3ـ الهضبة الأردنية تقع بين المنطقة الجبلية غرباً والصحراء شرقاً. وتكاد سكة حديد الحجاز تكون الحد الشرقي لها. ويتراوح ارتفاعها بين 800 متر و1220 متراً. ومع أن الحرارة فيها شبيهة بالمنطقة الجبلية، فإن الفرق بين النهاية العظمى والنهاية الصغرى أقل منه في تلك المنطقة. أما المطر فيها فقلّما يتجاوز المائتين من المليمترات. وفي هذه المنطقة نجد عمان، العاصمة، والمفرق ومعان. ومع أن أراضي عجلون والبلقاء خصبة، فإن كمية المطر لا تسمح بقيام زراعة على مقياس كبير.
4ـ والمنطقة الممتدة بين جبال الشراة في الشمال والشمال الشرقي ووادي عربة في الغرب، وخليج العقبة في الجنوب، هي منطقة صخرية رملية، الزراعة فيها قليلة، والمطر فيها قليل جداً، والفرق بين حرارة الصيف والشتاء فيها كبير. فالعقبة مثلاً قلما يسقط فيها أكثر من عشرة مليمترات من المطر. وتزيد الحرارة فيها عن أربعين درجة مئوية في الصيف، كما أنها تهبط إلى خمس درجات مئوية في الشتاء.
5ـ منطقة السهوب والصحراء التي تشغل نحو أربعة أخماس مساحة الأردن، وهي تتمة انحدار الهضبة التدريجي نحو بادية الشام، التي هي في الواقع، جزء منها، والحرارة فيها قارية تامة، مرتفعة صيفاً، منخفضة شتاءً، وقلما يسقط فيها من المطر أكثر من مائة مليمتر. وتقع في هذه المنطقة واحتا الأزرق والجفر الغنيتان بالماء نسبياً. وثمة واحات صغيرة مثل باير. وقد يسقط المطر دفعة واحدة، فيملأ بعض الأودية بالماء، فتنبت على جنباتها الأعشاب التي تتغذى بها الأغنام والماعز والإبل التي يملكها السكان القلائل المنتشرون في أرجائها.
6ـ وادي السرحان يكاد يكون الحد الشرقي الطبيعي للبلاد. وأكثر هذه المنطقة هو دون 300 متر فوق سطح البحر. وهذا الوادي، الذي يتجه من جهة الشمال الغربي إلى جهة الجنوب الشرقي تزوده أودية متعددة بالمياه التي تصبها فيه من الجهتين، وهي مياه تأتي من ينابيع دائمة، هي قوام حياة السكان البدو وقطعانهم في تلك المنطقة.
هذه هي المناطق الطبيعية التي يتكون منها الأردن. والأردن، الذي تبلغ مساحته نحو خمسة وتسعين ألفاً من الكيلومترات المربعة، يعتبر، جغرافياً، من منطقة حوض البحر المتوسط، ذات الصيف الحار والشتاء البارد، إلا أن الفروق البيّنة في مناخه تعود إلى تباين ارتفاع مناطقه عن سطح البحر أو انخفاضها عنه، وإلى قرب البلاد من الصحراء. ولذلك فإن التغير في الطقس من فصلٍ إلى آخر ترافقه الرياح المعروفة بالخماسين، التي تهب من الجهة الجنوبية الغربية، أو الرياح الشرقية الهابة من الشرق، فتحرق الأولى الزرع والضرع، وتنخر الثانية في العظام.
ومع أن الأودية التي ذكرنا من قبل ـ الزرقاء والموجب والحسا ـ عميقة، فإنها لم تكن في يوم من الأيام حاجزاً في سبيل الاتصال بين الشمال والجنوب، فهذا الطريق المعروف تاريخياً بالطريق السلطاني يمتد من إربد شمالاً إلى العقبة جنوباً مروراً بجرش والسلط (أو عمان) وماديا والكرك والطفيلة والشوبك ووادي موسى والقويرة. كما أن هناك آخر موازياً له إلى الشرق، ويتبع سيف البادية، من المفرق شمالاً إلى المدورة جنوباً عبر المشتى والقطرانة وجرف الدراويش ومعان. هذا هو الذي عرف، منذ ظهور الإسلام، باسم درب الحج. وقد اتبع هذا الطريق في جزء كبير من سكة حديد الحجاز لما بنيت في مطلع القرن الحالي.
وقد كانت ثمة طرق تقطع البلاد من الشرق إلى الغرب فتصلها بموانىء فلسطين ولبنان، كما كانت هناك طرق تمتد شرقاً في شمال وشرقاً في جنوب، هي سبل اتصال بين أنحاء البادية السورية والجزيرة العربية.
والأردن هو الزاوية الجنوبية الشرقية من بلاد الشام، وهذه تكوّن جزءاً من منطقة المشرق العربي وجيرانه الأقربين، في هذه المنطقة الأوسع نشأت الحضارات وتفاعلت، ونال الأردن حظه من التأثر، كما قام بدوره في التأثير. وقد كانت هذه المسائل مجهولة إلى عقود من السنين خلت، لأن الكثير مما خلفه الإنسان القديم هنا كان الزمن قد طمره. لكن لمّا جاء علماء الآثار بالرفش والمعول أظهروا هذا المخبأ للعيان. وانتهى الأمر بهم إلى أن اعتبروا ما سبق 3000 ق.م أزمنة ما قبل التاريخ. أما الأزمنة التاريخية فتبدأ في تلك السنة أو حولها. وأولها العصر البرونزي (3000 ـ 1200 ق.م) ويتلوه العصر الحديدي (1200 ق.م) الفتح اليوناني، على خلاف طفيف بين الباحثين).
والسؤال الذي يطرح نفسه علينا الآن هو: من أين جاءت هذه الشعوب التي عملت في الحضارة وخلفت الآثار، وكانت منها، في نهاية المطاف هذه الجماعات التي تعيش اليوم في الأردن؟
إذا تذكرنا أن الأردن هو جزء من مسرح التاريخ الأكبر المحيط به، عرفنا أن الشعوب التي جاءت الجزء الأصغر هي في الغالب، نفسها التي هبطت المحيط الأكبر، ولسنا نعرف هوية الأقوام الأولى. ولكن الصورة يمكن تقريبها منذ بدء العصور التاريخية، إلا أنها تظل باهتة مقلقة في أول الأمر، ثم تأخذ في التشكل تدريجاً، ثم تبين ظلالها، ثم تتضح خطوطها ثم تبدو أبعادها.
والمتعارف عليه أن الصحراء العربية كانت المصدر الأهم للشعوب السامية التي هبطت الأردن وبقية بلاد الشام، ولعل الكنعانيين (الألف الثالث ق.م) أبعدها صيتاً، وبخاصة تفرعاتهم. وفي العصور اللاحقة جاءت شعوب سامية أخرى، وهبط أهل اليونان والرومان بلاد الشام، واستقرت من الأولين جماعات في شمال الأردن.
لكن العنصر الأهم، الذي بدأ يدخل الأردن قبل خمسة وعشرين قرناً أو يزيد، هو العنصر العربي. والأنباط أقدم جماعة معروفة تاريخياً، والغساسنة يتلونهم. ثم جاء الفتح العربي وانتشر العرب في بلاد الشام جمعاء. فسكان الأردن عرب في أرومتهم، والنقلة من البادية إلى الداخل لم تنقطع قط.
على أننا يجب أن نذكر أنه في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي جاءت الأردن جماعات شركسية لا تزال مقيمة فيه، وهي جزء أصيل من سكان البلاد.
وعدد سكان الأردن بموجب التقديرات الأولية لسكانه (كما كانوا يوم التعداد العام في 10 ـ11ـ 1979م) هو 2,152,273 نسمو (منهم 1,124,977 ذكور، و1,027,296 إناث)، وإذا عدنا إلى تعداد سابق (18ـ 11ـ 1961م) وجدنا أن مجموع السكان كان 900,779 وفي عام 1953م كان المجموع 586,885 نسمة. وسنعود إلى الحديث عن السكان فيما بعد.
شيء من التاريخ القديم
تعتمد معرفتنا عن العصور السحيقة في تاريخ الأردن على التنقيب الأثري. فقد حضر العلماء ونقبوا في أماكن تعد بالعشرات ونظموا ما عثروا عليه ودرسوه. ونحن نقدم للقارىء في هذه العجالة، نماذج مما تمّ على أيدي علماء الآثار، وهي أريحا والبيضا وتليلات الغسول بالنسبة إلى العصور الحجرية الحديثة (أي قبل سنة 3000 ق.م) وجاوا وسحاب وتل المزار، بالنسبة إلى الفترة التي تلت 3000 ق.م.
ومع أن أريحا تقع في فلسطين فإن ذكرها هنا ضروري لأنها وبسبب وفرة الماء بها، ظل الناس يستعملونها باستمرار منذ أن دجن الإنسان القمح فيها (وهي أقدم مكان معروف في العالم تم فيه ذلك) في أوائل الألف السابع ق.م ولعله دجن حبوباً أخرى ومعها بعض أنواع الحيوان (الماعز)… ومن أريحا انتشرت زراعة القمح في دوائر كانت تتسع حتى شملت معظم مهد الحضارات الشرقية القديمة. وتقع البيضا في جنوب الأردن (شمالي البتراء). وقد عثر فيها على أربع قرى تعود أقدمها إلى الألف السادس ق.م ويبدو أن حضارتها متأثرة بأريحها. والمثل الثالث هو تليلات الغسول التي تعود أبنيتها القروية إلى الألف الرابع ق.م وأهمية البيضا، من الناحية الحضارية، هي أن سكانها أقاموا سدوداً احتجزوا خلفها ماء المطر القليل ليستعملوه لحاجاتهم. فلما تهدمت السدود تفرق القوم أيدي سبا.
وفي الألف الثالث ق.م وفد الكنعانيون وفروعهم إلى الأردن، أما في الأف الذي يليه فقد جاء العموريون. والصفة البارزة لهذه الفترة في ظهور المدن المسورة المحصنة، التي كانت كل منها دولة قائمة بذاتها. وقد بنيت مدن كثيرة، في الأردن وفلسطين، على مقربة من ينابيع المياه. لكن لدينا مدينة تعود إلى تلك الفترة قامت في شمال الأردن هي جاوا. وتقوم جاوا وسط منطقة بازلتية لا ينابيع فيها، ومع ذلك فقد بنى أهلها سدّاً، جمعوا خلفه مياه المطر، ثم أجروا ماءه إلى مزارعهم وبيوتهم ومعابدهم. وقد قدر عدد سكان جاوا بما يتراوح بين 4,000 و5,000 نسمة.
وقد استمرت هذه الحياة المدنية في البلاد، بحيث كان هناك من الممالك بقدر ما يمكن للقبائل المستقرة والمدن المحصنة من الدفاع عن نفسها أو التحالف مع غيرها. وتدل الدراسات والتنقيبات الأثرية على أن البلاد تعرضت حوالي سنة 1900ق.م لغزوٍ كبيرٍ جاءها من الشرق، وقد أدى ذلك إلى تدمير أكثر معالم الحضارة فيها، بحيث أن مدنها وحصونها ومستوطناتها لم تستعد الحياة إلى مدة طويلة، أي إلى القرن الثالث عشر ق.م.
وبين القرنين الثالث عشر والسابع ق.م نجد في الأردن عدداً من الممالك تكاد تتفق في حدودها مع التضاريس الطبيعية للبلاد. ولسنا نرى فائدة من تتبع تطور هذه الممالك، لكننا لا بد من أن نذكر أن ثراءها كان يعود أصلاً إلى العناية بالزراعة حيث يسر الأمن على العموم ذلك للسكان، وإلى كون المنطقة كانت جسراً تجارياً بين بلاد العرب وسورية وفينيقيا وفلسطين (ومن هنا إلى مصر). وفي هذه الفترة، وبخاصة في القرن العاشر، استخرج النحاس في وادي عربة، فكانت صناعته مورد رزق كبير.
ومع أن البلاد، مثل بقية أجزاء بلاد الشام، خضعت منذ القرن السابع ق.م على التوالي، للأشوريين والكلدانيين والفرس واليونان والرومان والبيزنطيين، فقد كانت لها، في أجزاء كثيرة منها، مشاركات مدنية بسبب ما كان يصلها من عناصر المدنية المختلفة مع هؤلاء القادمين، وبسبب استعداد سكان البلاد للتفاعل مع هذه العناصر الحضارية القادمة. ولسنا نريد الإطالة، لكننا، رغبة في ضرب الأمثلة، نريد أن نشير إلى أمور ثلاثة تعطينا معنى تلك العصور وهي: الأنباط والمدن العشر والغساسنة.
الأنباط
استقر الأنباط في البتراء وما يحيط بها في القرن الخامس قبل الميلاد. وهم عرب جاؤوا هذه الرقعة من أواسط الجزيرة العربية أو حتى من جنوبها. وقد حاول السلوقيون، خلفاء الإسكندر في سورية، احتلال بلاد الأنباط لكنهم فشلوا. وسبب هذه المحاولات تعود إلى رغبة السلوقيين في الاستيلاء على مصادر الثروة في البتراء وما جاورها. وهذه المصادر كانت تشمل القار الذي كان يطوف قطعاً صغيرة على سطح البحر الميت، والذي كان يجمع في شباك، وينقل إلى مصر ليستعمل في صنع العقاقير، كما كان مادة أصلية في التحنيط. وأهم من القار هو أن البتراء كانت مركزاً للطرق التجارية (البرية والبحرية عبر خليج العقبة والبحر الأحمر) الآتية من اليمن عبر الحجاز، والواصلة من دومة الجندل (الجوف) عبر وادي السرحان، والموصلة إلى فلسطين ومصر وشواطىء البحر المتوسط (في غزة وصور وصيدا) وسورية شمالاً. هذه الطرق كانت تلتقي في البتراء، وتحمل القوافل (من الإبل) لبان حضرموت وموز الصومال وطيوب الهند وتوابلها وبرود اليمن وسيوفها إلى البتراء، حيث تقوم هذه بتوزيعها على الأقطار الشمالية والغربية. يضاف إلى هذا أن الأنباط كانوا صناعاً ماهرين. فالفخار الذي صنعوه كان من أجمل ما أنتجته المنطقة جمعاء، فهو إضافة إلى زخرفه الأنيق الملون الدقيق رقيق إلى حد الشفافية. ومنه صنعوا المعاطر والمكاحل والصحون والأطباق والأباريق. كما أنهم استغلوا مناجم النحاس في وادي عربة، وصنعوا العطور الجيدة. وقد أقام الأنباط حصوناً لحماية طرقهم وقوافلهم وتجارتهم في ملكهم الواسع الذي امتد، قبيل زمن السيد المسيح، من مدائن صالح في شمال الحجاز إلى دمشق التي احتلوها وأشهر ملوك الأنباط هو الحارث الرابع (حكم 9ق.م 40ب.م) الذي عرف باسم «حبيب الشعب» وكان الرومان قد احتلوا سورية سنة 64 ـ 63 ق.م لكن بومبي وخلفاءه وأغسطوس قيصر والأباطرة الذين خلفوه تركوا للأنباط استقلالهم وتجارتهم، وإن كانوا قد ارتبطوا معهم بمعاهدة. فلما تولى العرش تراجان أرسل جيشاً لاحتلال البتراء، فتم له ذلك سنة 106م. وعندها أنشأ ولاية سماها «العربية» هي في واقع الأردن مع امتداد إلى الشمال. ووصل العقبة والبتراء بطريق امتد إلى بصرى ودمشق. وكانت بصرى عاصمة هذه الولاية.
ومع أن دور الأنباط السياسي انتهى يومها، فإن نشاطهم التجاري والصناعي والمعماري لم يتوقف، بل استمر بعد ذلك أكثر من قرن من الزمان. والبتراء اليوم قبلة الزوار، يشاهدون آثارها المكونة من هياكل وبيوت منحوتة في صخرها الوردي الجميل، والأقنية التي كانت توصل الماء إلى تلك الأماكن المرتفعة، والبقايا التي عثر عليها في متحف البتراء.
المدن العشر
لما احتل بومبي سورية (64 ـ 63 ق.م.) كان حريصاً على تقوية دفاعها ضد الهجمات من الشرق. فأفاد من مدن كانت قد قامت في شمال الأردن وشمال فلسطين وجنوب سورية وهي مدن يونانية الإنشاء والبناء لكن سكانها كانوا إلى درجة كبيرة، خليطاً من أهل البلاد الأصليين، وبعضهم عرب، واليونان الذين استقروا فيها ومع أن هذه المدن كانت تحت إشراف حاكم سورية الروماني، فقد ترك لها الكثير من الاستقلال الذاتي. وقد عرفت هذه المدن تاريخياً باسم «المدن العشر»، ولو أنها لم تكن دوماً عشراً. فقد كانت ثمانٍ منها أصلية هي النواة، وقد بلغت في أحد الأوقات ثماني عشرة مدينة، والمدن الثمان الأصلية هي سكيثوبولس (بيسان) ويلا (طبقة فحل) وغدارا (أم قيس) وهيبو (قلعة الحصن) وديون (أيدون) وكناثة (القنوات) وغراسا (جرش) وفيلادلفيا (عمان). وست من هذه في الأردن (بيسان في فلسطين والقنوات في سورية). أما المدن التي كانت تنضم إليها (وقد تنفصل مختارة) فمنها أربلا (إربد) وكابيتولياس (بيت راس) وكلاهما في الأردن، ودمشق. ومن اليسير أن يتعرف المرء إلى أهمية هذه المجموعة من المدن إذا ألقى نظرة على خارطة للمنطقة. فهناك تلتقي طرق تتجه جنوباً وشمالاً وشرقاً وغرباً، وفي هذه المنطقة يمكن إقامة خطوط دفاع.
ونود أن نقول هنا كلمة قد نعيدها ثانية فيما بعد. وهي أن هذه المدن، وغيرها من المدن التي قامت في العصر اليوناني الروماني في أنحاء سورية بأجمعها، لها صفة المدينة اليونانية ـ الرومانية، من حيث هندستها ومبانيها العامة وهياكلها ومسارحها. ولكن من هم الصناعيون والبناؤون والفنييون الذين قطعوا الحجارة وشذبوها وحفروا تيجان الأعمدة وقواعدها، ونحتوا التماثيل القائمة في هذه المدن وفي بعلبك وتدمر وإنطاكية والقدس وغيرها؟ لقد كان هؤلاء من أبناء المنطقة بالذات، الذين كان خلفهم مئات السنين من الخبرة الصناعية والمعمارية والفنية.
ولنذكر أيضاً أن سكان المدن العشر أسهموا في الحياة الفكرية، فعندنا مينبوس الشاعر الساخر (القرن الثالث ق.م.) وهناك ميليا نغر الغداري (القرن الثاني ـ القرن الأول ق.م.) المواطن الأصلي الذي كان يتقن الأرامية والفينيقية واليونانية، وقد كان فيلسوفاً على الطريقة الأبيقورية. وثمة أربعة أسماء تعود إلى القرنين الثاني والثالث للميلاد وهي: تيودور وأوينوماوس وأسبينس وأرخاياس. وكلهم أسهم في الحركة الفكرية والفلسفية والأدبية.
الغساسنة
كانت جماعات أو عشائر عربية تنتقل باستمرار إلى أواسط الأردن وشماله. ولكننا نجد أن عدد الجماعات أخذ يزداد منذ القرن الثاني للميلاد. ويبدو أن ارتباطات قبلية كانت قائمة باستمرار بين هذه الجماعات، ومن ثم فإننا نجد أن الغساسنة العرب استقروا في الأردن والجولان في القرنين الرابع والخامس للميلاد. وأصبحت لهم في البلاد قوة وبلاط وحضارة، وكانت المسيحية قد انتشرت انتشاراً واسعاً في ربوع الأردن منذ القرن الرابع. ومن هنا كانت هذه الكنائس الكثيرة التي بنيت بين القرنين الرابع والسادس في ربوع الأردن. فجرش وحدها فيها آثار اثنتي عشر كنيسة! وكاتدرائيتها كانت موجودة سنة 359 (اشترك أسقف جرش في مجمع سلوقية المسكوني الذي عقد في تلك السنة). وكان الغساسنة مسيحيين، لكنهم كانوا يعاقبة يقولون بالطبيعة الواحدة للمسيح، وهو مذهب يخالف المذهب البيزنطي الرسمي، والغساسنة والبيزنطيون كانوا حلفاء مع ذلك.
وكان أقباط مصر يعاقبة أيضاً. ومن المؤرخين من يرى في موقف الغساسنة والأقباط من البيزنطيين شيئاً أكثر من خلاف على قضية دينية، إنهم يرون في ذلك موقفاً وطنياً ضد السلطة الأجنبية، وإن اتخذ التعبير عنه الأسلوب الديني.
والكنائس التي بنيت في الأردن في ذلك العصر تمتاز بزخرفتها بالفسيفساء، التي كانت تستعمل للجدران والأرضين. وأجمل الزخارف الفسيفسائية في الأردن هي التي توجد في مادبا وجوارها. وأشهر هذه الزخارف خارطة الأرض المقدسة والبلاد المجاورة لها يتوسطها مصور لمدينة القدس. وحول هذا كله الأبراج السماوية وصور لبعض أنواع النباتات المرتبط نموها بالأبراج. (هذه الفسيفساء موجودة في الكنيسة الأرثوذكسية في مادبا). ومن سوء حظ عدد كبير من هذه المباني أن الزلازل التي كانت تصيب البلاد دمرت الكثير منها، ولعل الزلزال الذي وقع سنة 746 للميلاد كان من أشدها ضرراً. وهو الذي خلف جرش مدينة شبه مهجورة.
العصر اليوناني الروماني البيزنطي
أشرنا من قبل إلى أهمية الأردن بالنسبة إلى تجارة المناطق المجاورة وحتى البعيدة عنه. وكثير من المدن التي أنشأها اليونان في العصر الهلينستي (من الإسكندر إلى أغسطوس)، والتي بناها الرومان على غرارها، في الأردن وجواره، لها صفات خاصة. منها تعامد شوارعها، ومنها وجود الهياكل (الكنائس فيما بعد) والمسارح والسوق أو دار الندوة، ومنها العناية بتزيينها وزخرفتها، ومنها الاهتمام بنقل المياه إليها في أقنية من أماكن بعيدة (نقلت المياه إلى درعا من نبع يبعد عنها 15 كيلومتراً).
وقد اهتمت جميع السلطات التي قامت في الأردن وجواره في هذا العصر (نحو عشرة قرون) السلطات المركزية والمحلية، والمدينة العسكرية، بتأمين طرق التجارة لأن التجارة كانت مورداً كبيراً من موارد الدولة والشعب، ولذلك فقد بنى الرومان (وبخاصة في القرن الثالث الميلادي) المسالح والحصون في الأردن لتأمين الطرق ودفع المغيرين من الشرق والشمال الشرقي، فقد كان ثمة خط دفاعي من المدورة في جنوب البلاد إلى مشارب الفرات ـ وأهم مراكزه كلوة والأزرق والمشتى وعمان وبصرى. وهذا كله أضاف، في فترات كثيرة، إلى انتشار الأمن في المناطق الداخلية فنشطت الزراعة وزادت العناية بالمواشي، بالإضافة إلى ازدهار الصناعة والتجارة. ولولا ذلك لما أمكن للبلاد أن تقيم مثل هذه المدن وما فيها من الأبنية الضخمة الجميلة التي عملت فيها يد الصانع المحلي الوطني!
الأردن العربي المسلم
كان العرب، على ما رأينا، قد استوطنوا الأردن قبل الإسلام بمدة لا تقل عن أحد عشر قرناً، من أيام الأنباط. لكن الفتح العربي في القرن الأول للهجرة (السابع للميلاد) أدى إلى زيادة في عدد العرب في الأردن، كما كان دخولهم أقوى وأشد زخماً.
في السنة الثامنة للهجرة جهز النبي (ص) حملة إلى بلاد الشام. إذ أنه كان يرى في تلك البلاد طريقاً إلى العالم الخارجي. وسار الجيش يقطع قفار الحجاز حتى هبط معان، إذ عرفوا أن جيش البيزنطيين يتمركز في اللجون. وتحرك الفريقان، كل في اتجاه الآخر، حتى التقيا في مؤتة. حيث جرت معركة انتهت بانكسار الجيش العربي، إلا أن هذه المعركة كان لها ما بعدها. فقد سارت فيما بعد الجيوش ونجحت في احتلال الأردن.وفلسطين وحتى مناطق في أواسط سورية. إلا أن المعركة الفاصلة كانت في اليرموك (15هـ/ 636م) التي كانت نتيجتها أن فتحت بلاد الشام بأكملها أبوابها أمام العرب، ومنها اتجهوا إلى مصر.
وبازدياد عدد العرب في الأردن انتشرت اللغة العربية وقويت مكانتها، كما حدث في كل بلاد الشام، وذلك بسبب ارتباطها بالقرآن الكريم. وأخذ الإسلام بالانتشار تدريجياً، حتى أصبح فيما بعد، دين الأكثرية من السكان أما المسيحيون الأردنيون فهم بقية المسيحيين العرب الذين تحدروا من الغساسنة وغيرهم.
وقد اعتبر الأردن جنداً من أجناد بلاد الشام الستة، وكانت عاصمته طبرية، كما كان يمتد إلى البحر فيشمل صور وعكا، والجند الموازي له إلى الغرب كان جند فلسطين وعاصمته اللد (إلى أن بنى سليمان بن عبد الملك الأموي الرملة ونقل الإدارة إليها). وقد ظل هذا التقسيم الإداري معمولاً به بضعة قرون.
وكان قيام الدولة العباسية (132هـ/ 750م) إيذاناً بانتقال مركز الثقل من سورية إلى العراق، فقد استمرت عملية التعريب في هذه البلاد، كما استمر انتشار الإسلام بين سكانها. وبسبب من عناية المسلمين بأداء فريضة الحج، ازداد الأردن أهمية لوقوعه على طريق الحج الشامي، الأمر الذي كان يزداد مع انتشار الإسلام في ربوع آسية الصغرى فيما بعد. ولنذكر أخيراً أن الأردن، وبلاد الشام بجملتها أصبحت الآن جزءاً من دولة واسعة تمتد في أواسط آسية إلى جبال البرانس، وجزءاً من مجتمع يقطن هذه الرقعة الواسعة.
وفي الفترة التي تمتد من الفتح العربي إلى أواخر القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) كان الأردن في منأى إلى درجة ما عن النزاعات المباشرة التي قامت تحت مختلف العناوين، لكنه لم يسلم من كل المحاولات. على أن الذي يمكن ذكره هو أن عدد القادمين من الصحراء تزايد، وبخاصة في مناطب السهوب وشبه الصحراء في الأردن، وكان من أثر ذلك تأخر في المحاصيل الطبيعية النباتية ونقص في الحياة الحيوانية البرية. وكانت الأوقات مناسبة لأن تقيم القبائل كيانات لها، فتفيد من وجودها في هذه الرقعة الهامة من بلاد الشام. وهي منطقة هامة لأنها طريق تجاري، وكانت التجارة تسير قدماً أم تتأخر بنسبة ما يمكن للقبائل من فرض لسلطتها. على أن الموسم الرئيسي الذي كانت البلاد تفيد منه هو موسم الحج الشامي، الذي كان عدد مرافقيه يتزايد كلما اتسعت رقعة الإسلام في آسية الصغرى.
على أن الوضع في بلاد الشام بأجمعها تبدل اعتباراً من أواخر القرن الخامس للهجرة. فقد هاجم الفرنجة (الصليبيون) الساحل الشامي آتين بطريق آسيا الصغرى، واحتلوا مدينة القدس (493هـ/ 1099م). وأنشؤوا مملكة القدس اللاتينية (بالإضافة إلى إمارات ثلاث في الرها ـ أدسا ـ وإنطاكية وطرابلس). وفي أوائل القرن التالي توسع الصليبيون عبر نهر الأردن، وأقاموا لهم سلطة في الجزء الجنوبي من البلاد، رغبة منهم في السيطرة على الطريق البحري والموانىء اللازمة له. ولأن مواقعهم هناك كانت معرضة لهجمات من جنوب فلسطين، فقد اهتموا ببناء قلاع لهم يتحصنون فيها، ويتخذها أمراؤهم مراكز للإدارة أيضاً. فبنيت قلعة الشوبك (1115م) وقلعة أيلة على جزيرة في خليج العقبة (1116م) وقلعتان في وادي موسى قرب البتراء ثم قلعة الكرك (1138م).
وفي التنظيم الإداري الذي وضعه المماليك لبلاد الشام قسموها إلى ست وحدات إدارية، سموا الواحد منها مملكة وكانت مملكة الكرك واحدة منها، ومملكة الكرك كانت تشمل الأردن تقريباً، والعاصمة الكرك، حيث يقيم نائب السلطنة، وهو الحاكم الإداري والعسكري لمملكة الكرك. كما كان سلاطين المماليك يقيمون في الكرك مدداً متفاوتة، إما في طريقهم لإداء فريضة الحج، أو للصيد والنزهة. وقد أنشأ المماليك طريقاً يصل الكرك بالعقبة.
وقد كانت للماليك عناية بالحج المصري والشامي على السواء، لذلك فإن مواسم الحج الشامي في أيامهم كانت غاية في الأهمية والمنفعة في الأردن. فمن خانات يجب أن تُعَدّ وبرك يجب أن يوَفَّر لها الماء، ومن زادٍ يجب أن يؤمن، ومن جمالٍ للحاج، ومن جندٍ يحرسون الطريق، ومن هدايا تقدم لزعماء القبائل اشتراء لتعاونها. كل هذه الأمور، ومثلها كثير، كانت تفيد منه الأماكن التي يهبطها الحجاج في الأردن في طريقهم إلى أرض الحجاز. والطريق كما ذكرنا، هو الطريق الصحراوي، المحاذي، إلى درجة كبيرة، لسكة حديد الحجاز.
احتل الأتراك العثمانيون بلاد الشام في العام السابق لقضائهم على دولة المماليك (922/ 1517). فأصبح الأردن جزءاً من الأمبراطورية العثمانية.
والدولة العثمانية نجحت في إدارتها لأجزاء واسعة من الأمبراطورية في اتجاهين: الأول أنها تركت لأصحاب النفوذ المحليين، ما داموا مبدئياً بعيدين عن العاصمة والسواحل، مكانتهم والثاني أنها اهتمت بما يصلها (ويجب أن يصلها) من الضرائب.
فإذا أخذنا الأردن وجدنا أن البلاد كانت تتعرض إلى هذا الذي ذكرنا، والذي يضاف إليه الغزو البدوي فقد قامت في بلاد الشام الداخلية زعامات بدوية هامة منها، على سبيل المثال، عنزة وصخر، الأولى في سورية والثانية في الأردن. وهذه الزعامات كانت عرضة لمن ينازعها إياها. وقد تعثر الأردن كما تعثرت بلاد الشام بأكثرها. فانعدم النظام إلا ما ندر، وتعطلت الموارد الاقتصادية في غالب الحالات. ومع أن الدولة العثمانية كانت تفيق أحياناً وتحاول وضع حدّ لاعتداءات البدو، فإن المحاولات لم تكن مجدية تماماً، كما أنها لم تكن مستمرة لتؤتي أكلها فمحاولة نامق باشا (1844 ـ 1848م) في إرسال حملات لإخضاع عنزة وبني صخر، بعد الدمار الذي أوقعوه بالبلاد، لم تؤت النتيجة المتوخاة، لأنها كانت عملاً فردياً ينقصه التنسيق مع الولايات الأخرى.
في القرن التاسع عشر كانت ولاية الشام، أو إيالة دمشق، يخضع لها الأردن، ولكن هذا الخضوع أو التبعية كانت اسماً أكثر مما كانت واقعاً عملياً. على أننا يجب أن نذكر أن الدولة العثمانية، بالإضافة إلى اهتمامها بالحصول على الأموال عن طريق الملتزمين والولاة، كانت تولي طريق الحج الشامي اهتمامها. فدرب الحج الذي كان يتبدل بعض الشيء من قبل، استقر في القرن السادس عشر بحيث كان الحجاج الشاميون يمرون، بعد أن يتركوا المزيريب (جنوب سورية) بقلعة المفرق وقلعة الزرقاء وقلعة الضبعة والقطرانة وقلعة الحسا وعنيزة ومعان وعقبة الشام (وهي غير العقبة البحرية) والمدورة، وهذه كلها في الأردن. والذي نعرفه، مما نقله لنا الرحالة الأوروبيون هو أن الحج كان يريح أياماً في المزيريب (ذكر هذا دي فارتما سنة 1503م، وورد في مذكرات الرحالة الذين زاروا البلاد في القرن التاسع عشر) وفي معان.
ونعرف من دوطي أنه في سنة 1876م كان عدد الحجيج نحو ستة آلاف وكانت تحملهم ومتاعهم ومتاجرهم عشرة آلاف من الدواب.
ونحن إذا نظرنا إلى مواقع هذه القلاع، وبعضها من بناء العثمانيين، نجد أن المسافات فيما بينها تتراوح بين 35 و40 كيلومتراً، وهي المسافة التي يستطيع الجمل قطعها في اليوم (بين 10 و12 ساعة).
كان من المألوف أن يقيم في القلعة أسرة بدوية أو أكثر، ويقيم معها ثلاثة أو أربعة من الجنود. وكان لكل قلعة خزانان واحد للناس والآخر للدواب. فإذا دنا موعد الحج وسير الحجاج، عهدت الدولة إلى من يملأ الخزانين (أو أحدهما على الأقل عند شح الماء) بالماء اللازم للحجيج.
وكان على الدولة أن تؤمن للحجاج سلامة الطريق. فكانت فرقة من الجنود تواكب الحجاج، إلا أن هذه الحراسة لم تكن دوماً كافية، لذلك كان لا بد من إرضاء زعماء القبائل الضاربة أطنابها في تلك الأرجاء، ومن هنا كانت الدولة تبعث إلى هؤلاء الزعماء بالهدايا، وأفضل الهدايا كانت «الصرة» التي تحوي مبلغاً من المال.
ولعل أكبر عمل قامت به الدولة العثمانية هو بناء سكة حديد الحجاز، وقد تمّ ذلك في زمن عبد الحميد الثاني (1876 ـ 1909).
واحتفل بوصول أول قطار إليها في خريف سنة 1908م.
وطول السكة الحديدية الحجازية من دمشق إلى المدينة نحو 1300ك.م منها 470ك.م تمر في الأردن. وبهذه المناسبة فقد كانت لسكة حديد الحجاز امتدادات في فلسطين منها خط درعا ـ حيفا وخط حيفا ـ نابلس وخط نابلس (عند مفرق سبسطية) طولكرم واللد (وادي الصرار).
بسبب الحرب التركية ـ الروسية (1877 ـ 1878م) انتزعت من الدولة العثمانية منطقة القفقاس الغربية وضمت إلى روسيا. ورغب جماعات من سكانها وهم الشركس في أن يخرجوا إلى بلاد الإسلام، فأنزلهم عبد الحميد في وادي السير وجرش وناعور وصويلح وعمان. وكانت جماعة من داغستان قد خرجت من بلادها إلى تركيا لما احتل الروس بلادها (1864م)، فأنزل عبد الحميد هؤلاء أيضاً وهم الشيشان، في الزرقاء والرصيفة والسخنة وصويلح.
الأردن الحديث
جاءت الحرب العالمية الأولى (1914م) ودخلت تركيا الحرب إلى جانب المانيا (دول الوسط). وهذا ما حدا بالعرب إلى النظر حولهم محاولين الحصول على العون والمساعدة من جهات أخرى. وكانت قد قامت مفاوضات بين بريطانية (نيابة عن الحلفاء) وبين الشريف حسين بن علي أمير مكة، انتهت بأن وعد البريطانيون شريف مكة بتحرير البلاد العربية من النير التركي، وتيسير وحدة العرب واستقلالهم.
فنحن عندما نذكر أن الثورة العربية انطلقت من الحجاز لما أطلق الشريف حسين الرصاصة الأولى في التاسع من شعبان 1334 للهجرة (في العاشر من حزيران 1916 للميلاد، يجب أن نذكر دوماً أن الحجاز كان المكان الصالح لبعده عن متناول السلطة.
وكانت مسيرة الثورة من الحجاز إلى الأردن ـ ومعان والطفيلة وكرك ومادبا وعمان ودرعا.
وفي 18 تشرين الأول (أوكتوبر) 1918 دخل الأمير فيصل دمشق على رأس جيش عربي كان ضباطه وأفراده من الحجاز والأردن وفلسطين ولبنان وسورية، والعراق، إضافة إلى متطوعة جاؤوا من أقطار عربية أخرى.
ونحن عندما نقول أن الثورة كانت مسيرتها عبر الأردن، فلسنا نقصد أنها اجتازته فقط. إن المعارك التي دارت رحاها من الطفيلة إلى درعا، والأفراد الذين استشهدوا والزعماء الذين ألقوا بأنفسهم إلى جانب الثورة والثوار ـ كل هذا يشير إلى إسهام فعلي كبير. وكان ذلك إيماناً من القوم، كما كان إيمان إخوانهم العرب، أنهم كانوا يقاتلون في سبيل أمر جلل ـ في سبيل الحرية والاستقلال والوحدة.
وضعت الحرب (العالمية الأولى) أوزارها باتفاقية الهدنة في 11/11/1918م (وكانت تركية قد خرجت من الحرب على أساس اتفاقية مدرس، نهاية تشرين الأول/أكتوبر 1918م). واتضح للعرب أن الحلفاء قد غرروا بهم. فمع بدء الثورة العربية كانت اتفاقية سَيْكس ـ بيكو قد وقعت (1916م) بين بريطانيا وفرنسا وروسيا لاقتسام أملاك الدولة العثمانية الآسيوية وبموجبها أعطى لبنان وسورية وولاية الموصل لفرنسا، وأكثر العراق لبريطانيا (مع جزء من فلسطين)، على أن تكون فلسطين دولية. وقد عدلت هذه الاتفاقية بعد مؤتمر الصلح (1919م) ومؤتمر سان ريمو للحلفاء (1920م) بحيث أصبحت فلسطين بكاملها والأردن والعراق لبريطانيا، وسوريا ولبنان لفرنسا.
وعرف العرب أيضاً أن بريطانيا أعطت، بموافقة حلفائها، وعداً لليهود (وعد بلفور، تشرين الثاني ـ نوفمبر ـ 1917م) بأن يكون لهم وطن قومي في فلسطين.
ومع أن دولة عربية أقيمت في دمشق بقيادة فيصل بن الحسين، فإن المناداة بفيصل ملكاً دستورياً على سوريا المستقلة، اتخذت ذريعة لهجوم فرنسي (معتمد على مؤتمر سان ريمو) على دمشق والقضاء على هذه الدولة (تموز/ يوليو 1920م).
كان الأردن، في عهد الحكومة السورية الفيصلية، جزءاً من الدولة التي قامت في سوريا، قد قسم إلى ثلاثة ألوية لتسهيل الإدارة وهي: لواء الكرك، ومركزه بلدة الكرك، ويشمل الجزء الجنوبي من البلاد، ولواء البلقاء ومركزه السلط، ويشتمل على أواسط البلاد. وكان الجزء الشمالي من الأردن جزءاً من لواء حوران، ومركزه درعا، وكان يشمل ازرع والمسمية وبصرى الشام (من سورية) بالإضافة إلى عجلون وجرش (من الأردن).
ولما قضى الفرنسيون على الدولة العربية في سوريا، أصبح الأردن عرضة لكثير من الفوضى. وقد استنجد السوريون بالملك حسين بن علي، وكان لا يزال في الحجاز، لطرد الفرنسيين، فقاد الأمير عبدالله جيشاً مؤلفاً من حوالي ألفي رجل، ووصل إلى معان في تشرين الثاني/ نوفمبر 1920م. وكانت البلاد قد قامت فيها حكومات محلية (أيلول/ سبتمبر 1920م) بلغ عددها سبعاً وهذه الحكومات المحلية كان كل منها يأتمر بإمرة ضابط سياسي بريطاني، وكان رؤساؤها أقوى شيوخ العشائر وأكثرهم سطوة. وجدير بالذكر أن أياً منهم لم تتلق معرفة مالية أو عسكرية من أي جهة كانت. ومن الطبيعي أن لا يكون لأي منها صفة دولية.
في هذا الجو الأردني الذي كانت تعتمل فيه أمور كثيرة: منها أن بريطانيا، بعد أن زال ملك فيصل، كانت تود أن تحل هي محله في الأردن، كي تربط بين فلسطين (والبحر المتوسط) والعراق (والخليج ـ طريق الهند). ومنها أن الأمير عبدالله كان في معان، ومنها أن الثورة العراقية قامت في صيف 1920م، ومنها أن فرنسا وبريطانيا، وقد كسبتا الحرب، عادتا إلى التنافس الظاهر والمستتر، ومنها أن زعماء القبائل والعشائر في الأردن كانوا يحبون أن يحتفظوا بهذه الزعامات الصغيرة (وكأنهم كانوا يعيدون تاريخ فترة قديمة في الأردن تعود إلى حوالي 1200 ـ 600 ق.م).
وفي آذار/مارس 1925م عقد في القاهرة مؤتمر ضم رجال السياسة البريطانية وخبرائها لوضع الترتيبات اللازمة (من وجهة النظر البريطانية) لما سمي يومها الشرق الأدنى (الجزء الذي وقع لبريطانية). وكان تشرشل رئيساً للمؤتمر بوصفه وزيراً للمستعمرات. وبعد انقضاء المؤتمر التقى تشرشل الأمير عبدالله في القدس. وقد تمخض ذلك كله عن اتفاقية مؤقتة تقول بإقامة حكومة وطنية في شرقي الأردن (كما سميت المنطقة رسمياً فيما بعد) برئاسة الأمير عبدالله، يكون لها استقلال إداري تامّ، وتسترشد برأي مقيم بريطاني، وتساعدها بريطانيا مادياً لتوطيد الأمن.
وشرع الأمير عبدالله في إقامة الحكومة المركزية في نيسان/أبريل 1921م. وبذلك انتهى دور الحكومات المحلية.
ولما أقرّ مجلس عصبة الأمم الانتداب البريطاني على فلسطين وصيغته، طلبت الحكومة البريطانية استثناء الأردن من الأحكام الواردة في صك الانتداب فيما يتعلق بوعد بلفور وإقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين.
وفي سنة 1946 وقّع الأردن معاهدة جديدة مع بريطانية. وأعلنت الملكية في البلاد.
وكان أن أعلنت الأمم المتحدة تقسيم فلسطين (29 تشرين الثاني/نوفمبر) وقامت حرب فلسطين (1948م) اشترك فيها الجيش العربي (الأردني) (وكانت قيادته لا تزال بريطانية). وفي سنة 1951م ضمت الضفة الغربية (من فلسطين) إلى الأردن.
وفي عام 1957م ألغيت المعاهدة الأردنية البريطانية وعرِّبَت قيادة الجيش العربي (الأردني)، وانضم الأردن إلى الأمم المتحدة. وقد كان للنكبة التي أصابت العرب في حرب 1967م من أثرها في الأردن، إذ أن العدو انتزع من المملكة الأردنية الهاشمية الضفة الغربية.
المجتمع الأردني
أكثر سكان محافظة معان من البدو. أما محافظتا البلقاء والكرك، وتقعان في أواسط البلاد، والمناطق الشرقية من هاتين المحافظتين فيها عدد كبير من البدو ومعنى ذلك فيما يقال قبل نحو خمس وعشرين سنة عن المجتمع الأردني أنه مجتمع تغلب عليه البداوة، لم يعد صالحاً
للتعبير عن ذلك. ومع أننا لا نملك أرقاماً دقيقة لسكان المدن والبلدان الأردنية، فإن التقدير هو أن عمان (العاصمة) والزرقاء وإربد، وهذه أكبر مدن الأردن، تحوي أكثر من نصف السكان. والانتقال من الريف إلى المدينة ظاهرة واضحة في الأردن. ومحافظتا عمان وإربد تحويا أكثر الأراضي الزراعية (في الأغوار وفي المناطق التي تفيد من الأمطار أو الآبار الأرتوازية). ولذلك فإن السكان الزراعيين هم أكثر عدداً في هاتين المحافظتين من بقية البلاد.
نقولا زيادة
التشيع في الأردن
جاء وقتٌ كان فيه التشيع منتشراً في الأردن انتشاره في غيره من بلاد الشام وذلك في القرن الرابع الهجري وما بعده، حتى أن عمان نفسها عاصمة الأردن الحالية كانت ذات أكثرية شيعية، فقد جاء في كتاب خطط الشام نقلاً عن المقدسي قوله عن مذاهب الشام في ذلك القرن: «وأهل طبرية ونصف نابلس والقدس وأكثر عمان شيعة»، واليوم فإن الشيعة في الأردن قلّة، يوجدون في الرمثة، وفي دير أبي سعيد وكفر جابر، وهما من توابع محافظة إربد. كما يوجدون في عمان والسلط وجرش. ويقال أن منهم في قرية المزار التي
مشهد من عمان
الأزرق
كان الرومان أول من اكتشف أهمية واحة الأزرق الواقعة في الجزء الشمالي الشرقي من بادية الأردن. وفي هذه الواحة الفريدة الغنية بالمياه الراقدة في قلب البادية أقام الرومان قلعة حصينة على غرار القلاع التي كانوا يقيمونها في المنطقة فهي وإن ابتعدت عن مدينة عمان التي كانت تعرف باسم ربة عمون، فإنها كانت قريبة من جبل العرب في سورية.
ومع مرور الزمن تهدمت القلعة بعدما تحولت عنها طرق القوافل حتى جاء المماليك فأعادوا بناءها واستخدموها في قتالهم للصليبيين.
وتقف قلعة الأزرق الشهيرة اليوم بحجارتها السوداء الشبيهة بحجارة حوران وجبل العرب، ويعود سواد لونها إلى الطبيعة البركانية للمنطقة التي أحالت الصخور إلى كتلٍ سوداء تنتصب وسط البادية الممتدة من الأزرق حتى جبل العرب وحوران.
وعلى رغم وجود القلعة واستمرارها على مر السنين، فإن الأزرق ليست موقعاً استرتيجياً، بل هي في الأساس منطقة سياحية من طراز فريد، وهي واحة كانت غنية بالمياه حتى أواسط الثمانينات حين زادت وتيرة الاستخدام للمياه التي يضخّها إلى الواحة نبعان كبيران يرويان الأرض وتفيض بهما لتتكون البرك الطبيعية ثم لتنتهي المياه إلى مسبخات كبيرة تبرز من بين مياهها الأعشاب والشجيرات والنباتات البرية. ولهذا السبب تحديداً كانت واحة الأزرق على الدوام محطة لأنواع كثيرة من الطيور في رحلاتها الموسمية، وموئلاً لأعداد من الحيوانات بعضها نادر لا يعيش إلا في هذه المنطقة من العالم.
وأقيمت لهذا الغرض بالقرب من الواحة محمية الشومري للأحياء البرية حيث يعاد توطين بعض الحيوانات التي كادت تنقرض من البادية الأردنية، ومنها طيور النعام والمها العربي وبعض أنواع الغزلان الأخرى. وتقوم المحمية على أرض مساحتها 22 كلم مربع تحيط بها الأسلاك الشائكة وينمو فيها مختلف أنواع النباتات البرية الصحراوية.
إلى ذلك فالأزرق على الطريق بين عمان وبغداد من جهة، وعمان وبلدان الخليج العربية لا سيما المملكة العربية السعودية من جهة أخرى، ما جعلها محطة للزوار القادمين من هذه المناطق ممن يقصدونها للراحة بعد السفر في هجير الصحراء وبردها، فيتوزعون على مطاعمها واستراحاتها المنتشرة في المدينة الواحة.
لكن كل شيء بدأ في التغير أواسط الثمانينات، إذ بدأ استنزاف المياه من الواحة وجرها إلى مدينتي عمان والزرقاء القريبتين اللتين تفتقران إلى المياه في صورة ماسة. ولأخذ فكرة عن مدى الجور الذي لحق بمياه الواحة التي كانت تتوسط الصحراء يوماً ما لا بد من إدراك أن عمان والزرقاء هما أكبر مدينتين في الأردن، وأن النشاط التجاري والصناعي والثقافي والفني وغيره من أنواع النشاط يتركز فيهما ما قد يشير إلى حجم المياه الذي تحتاجه هاتان المدينتان.
وكانت الأزرق اشتهرت على مرّ السنين بنخيلها الوارف وأشجارها التي أعطت الواحة لونها الأخضر وسط مساحات شاسعة من الأرض الرملية ذات اللون الأصفر الحائل، وقامت على أرضها هذه الأبنية الحجرية باللونين الأبيض والأسود فتحولت إلى بقعة تضجّ فيها الألوان فوق جسد البادية المترامي.
وبفضل هذا الموقع تحولت إلى موقع للجذب السياحي للأردنيين الذين كانوا يقصدونها للترويح في فصل الشتاء وقضاء أيام في هذه الواحة المعتدلة الطقس، وكذلك للعرب الذين يفدون إلى الأردن من الدول المجاورة لا سيما المملكة العربية السعودية. ومنهم من يفضل قضاء بضع ليال قبل مواصلة الطريق إلى عمان، أو إلى سورية القريبة.
وعام 1992 تنبّهت الحكومة إلى التغير الذي طرأ على هذه الواحة التي كانت يوماً غنية بالمياه العذبة قبل أن تجفّ مياهها وتزداد نسبة الملوحة فيها، وتتوقف الطيور عن الوقوف فيها في رحلاتها الموسمية. وبدأت لهذا الغرض تطبيق خطة لإعادة الحياة إليها من طريق المحافظة على المياه التي ما زال النبعان يزوّدان المدينة بها.
وفي العام المذكور بدأ تطبيق مشروع رعته منظمات دولية عدة بينها «صندوق التنمية» التابع للأمم المتحدة. وبدأت العملية بإزالة المخلّفات ومنع الاستخدام العشوائي للمياه وتنظيم عملية الرعي وتركيب مضخات ضخمة على النبعين، وعام 1994 بدأ مخزون المياه بالازدياد من جديد، وقدر حجم المياه في الأزرق بنحو 1.5 مليون متر مكعب، أي ما نسبته 10 في المئة فقط من الحجم الأصلي لها قبل الجفاف في الثمانينات. وعادت البركتان إلى الامتلاء بالماء مجدّداً.
وخلال الأعوام الماضية بدأ «مهرجان الأزرق»الذي يعقد في الخريف من كل عام، يتحول إلى حدث فني كبير يشارك فيه الفنانون من جميع أنحاء الوطن العربي. وفيه بدأ تقديم ألوان من الفنون التي اشتهرت بها المنطقة الثرية بفنونها وسكانها الذين أتوا من أصول مختلفة. ويعيش في الواحة الدروز الذين أتوا من جبل العرب في سورية خلال فترات اضطهادهم الكثيرة. والجدير بالذكر أن الثائر الكبير سلطان باشا الأطرش لجأ
صورتان من هيكل البتراء أو (الخزنة) كما يسميه العرب..الصورة الأولى تمثل لقطة فنية بنقوشها الرائعة الجمال وقد نخرها رصاص بعض المسلحين الذين توهموا أن في ثناياها الذهب الدفين..والصورة الثانية تمثل مدخل الهيكل كله.. وقد نحت في الصخر..
وهناك أيضاً الشيشان الذين قاموا إلى المدينة من جمهورية الشيشان على دفعات منذ ثورة الشيخ شامل في القرن الماضي، وهناك الفلسطينيون الذين أتوا على دفعات بدأت مع نكبتهم عام 1948. وأخيراً هناك البدو المقيمون في البادية الذين كانت الأزرق دائماً محطة لا غنى عنها في أثناء تجوالهم في بادية الأردن التي تمتد إلى سورية والعراق والسعودية.
صلاح جزين
البتراء
ذكرت الأساطير مدينة واد عميق في قلب الصحراء فيها هياكل ضخمة ومعابد سحرية بناها من هم فوق طاقة البشر وخبأوا فيها كنوزهم النفيسة وأحجارهم الكريمة بعد أن أحاطوها ببحرٍ رائعٍ من الألوان. وأكد الذين تناقلوا هذه الأساطير أن موسى قد ضرب بعصاه ففتح شقّاً هائلاً في الجبل الضخم الذي يغلف هذه المدينة السحرية… فكان هذا الممر الضيق الذي يعرف الآن بالسيق، وكما هذا الأمل الذي ظلّ فيما بعد يداعبه خيال أجيال البدو المتعاقبة في العثور على كنوزها، وتناقلت رمال الصحراء أحاديث هذه المدينة العجيبة حتى أصبحت الموضوع المفضل في حلقات السهر حول المواقد التي تعبق منها روائح القهوة العربية.
ووصلت هذه الأحاديث أسماع أجنبي مغامر كان يقوم برحلة استكشافية من دمشق للقاهرة بتكليف من جمعية إنكليزية تهتم بالمعرفة فتملكته رغبة شديدة في زيارة البتراء والوقوف على حقيقة هذه المدينة الأسطورية. وهكذا تقدم بيرك هاردت السويسري ملتفّاً بعباءة بدوي ودخل البتراء عام 1812 ليكشفها للعالم الخارجي من جديد بعد أن ظلت طيّ النسيان ما يزيد على ستمئة عام.
تقع البتراء جنوب الأردن على بعد 271 كلم من عمان على الطريق الصحراوي. والطريق إليها عبارة عن منحدر جبلي ينتهي في قرية وادي موسى، مدخل البتراء، حيث يوجد نبعٌ غزيرٌ لا يزال يزودها بالماء منذ عصورها ما قبل التاريخ.
لا يعرف بالضبط شيئاً عن تاريخ البتراء القديم، إلا أن الحفريات التي قامت بها الآنسة ديانا كير كبرايد الإنكليزية عام 1955 بتكليف من دائرة الآثار، قد أثبتت بشكلٍ قاطعٍ أن إنسان ما قبل التاريخ قد عاش في كهوفها، كما ورد اسم البتراء أو «سلع» في التوراة. وكان أول من سكنها الحوريون سكان الكهوف ثم طرد منها الأدوميون إلى أن حلّ محلهم الأنباط العرب الذين استطاعوا أن يجعلوا منها عاصمة زاهرة لمملكة واسعة امتدت من دمشق شمالاً إلى وادي أم القرى جنوباً ومن بادية الشام شرقاً إلى خليج السويس غرباً، فسكّت النقود وبنت السفن واستقطبت القوافل التجارية التي كانت تنقل نوادر العالم القديم بما فيها من عطرٍ وطيوبٍ وكنوز وحرائر.
خرج الأنباط من قلب الجزيرة العربية واحتلوا الجزء الشمالي الغربي منها، وقد كانوا في بداية الأمر يعيشون على الغزو ونهب القوافل التجارية التي تمر بهم، ولكنهم لم يلبثوا أن تحولوا إلى دولة منظمة تضمن سلامة هذه القوافل مقابل ضريبة معينة فأخذت تنمو وتزدهر حتى وصلت دمشق. وهكذا اضطر بومبي عندما دخل سوريا عام 64ق.م. أن يتركها لملكها النبطي. وعندما أرسل الرومان حملتهم إلى الوزير النبطي سيلاوس أو صالح الذي قاد الحملة إلى مجاهل اليمن عن قصدٍ حتى تفشل وتبقى طرق التجارة بيد العرب، وقد فشلت بالفعل فغضب عليه الرومان وأعدموه. من أشهر ملوكهم الحارث الأول، عبادة الأول، الحارث الثالث، الملك الثاني والحارث الرابع الذي بلغت دولة الأنباط في عهده عصرها الذهبي، وظلت هذه الدولة العظيمة تنمو وتزدهر حتى احتل الرومان مصر واكتشفوا طريق الهند في البحر الأحمر، فأخذوا يجلبون السلع التجارية من الهند رأساً ثم ينقلونها إلى مصر بواسطة القناة التي كانت تربط النيل برأس الخليج/السويس. ومما زاد في اضمحلال هذه الدولة تحول التجارة البرية إلى الطريق الشرقية الممتدة من الخليج العربي إلى الفرات فـ “تدمر” فـ “صور” كما زالت التجارة البحرية التي كانت تنقل إلى العقبة (إيله) ثم على القوافل إلى البتراء، وهكذا دبّ الموت البطيء في البتراء يضعفها ويمهد الطريق للأمبراطور الروماني تراجان ليفتحها عام 106 ميلادية ويجعل منها ولاية رومانية.
في أيام المسيحية الأولى جاء البتراء النساك والرهبان ولا تزال إشارة الصليب التي حفروها على أبواب كهوفها تذكر بهذه الفترة التي تحول فيها الكثير من معابدها الوثنية إلى كنائس مسيحية. وعندما انتشر الإسلام في هذه البلاد في أوائل القرن السابع الميلادي، كانت البتراء لا تزال مأهولة ببعض السكان ولكنها لم تلبث أن ضاعت في غياهب النسيان إلى أن وصلها الصليبيون في القرن الثاني عشر الميلادي فأنشئوا فيها قلعة سموها «سيل» وفيما عدا ذلك بقيت البتراء في سبات عميق حتى أوائل القرن التاسع عشر الميلادي عندما دخلها بيرك هادرت مستطلعاً دارساً فخرج منها معجباً مفتوناً تغزّل بجمالها للعالم أجمع.
تعتبر البتراء تحفة نادرة من الجمال والروعة تتشابك فيها الألوان الحمراء والصفراء والسوداء والبيضاء فتختلط وتتماوج كأنها البحر الذي كان يغطيها في عصور التاريخ الأولى.
… والطريق إليها تبدأ بما يسمى «السيق» وهو شقّ متعرج في قلب الصخر يرتفع من 200 إلى 300 قدم ويضيق ويعرض حسب اختلاف كمية الضوء التي تتعرض لها عند اقتراب الصخور في بعض الأماكن أو انفراجها في أماكن أخرى. وكلما توغل الإنسان في هذا السيق يزداد الهدوء الذي لا يتخلله سوى وقع حوافر الخيل وتنهدات الريح على أيام البتراء الغابرة. ويرى الزائر على الجانبين بقايا قنوات حفرت في الصخر كانت فيما مضى تجلب الماء من وادي موسى إلى المدينة، كما يشاهد محاريب صغيرة تحتوي على نماذج لآلهة الأنباط «دوهارا» أو ذو الشرى. فإذا ما بلغ نهاية هذا الطريق التي تمتد كيلو مترين وجد أمامه واجهة رائعة، زهرية اللون، متناسقة التقاطيع تزينها الأعمدة والتماثيل، هذه الواجهة هي الخزنة أو خزنة فرعون التي حفرت جميعها في الصخر وفي هذا الموضع بالذات ليكون لها تأثيراً سحرياً على كل من يراها في أشعة الشمس بعد أن يخرج من ظلمة السيق. كما أن هذا الموقع البعيد عن المطر والرياح قد ساعد على حفظها من عوامل الطبيعة فبقيت على حالها فيما عدا بعض الكسور التي أحدثتها الطلقات النارية التي كان يطلقها البدو اعتقاداً منهم بوجود كنز عظيم من الذهب فيها.
وأينما سرحت بنظرك في البتراء فإنك ترى الأضرحة والحمامات، والمنازل والمدرجات التي يتسع أحدها لحوالي ثلاثة آلاف متفرج. أما القصر المسمى بقصر البنت فهو من أجمل آثار البتراء. وكذلك قاعة المحكمة والدير لا يقلان جلالاً وعظمة عن الخزنة، يقع الدير على رأس جبل تقود إليه طريق وعرة لها درجات حفرت في الصخر وليس فيه ما يدل على نوع الطقوس الدينية التي كانت تمارس هناك… وهنا بجانب الدير تختلط عظمة الماضي بروعة الحاضر فتبدو أمامك في الأفق البعيد هذه اللوحة الرائعة… زرقة البحر الميت وخضرة نهر الأردن في أقصى الشمال… وادي عربة ومن خلفه فلسطين وسيناء في الغرب، ثم إلى الجنوب.. قمة جبل هارون والمزار الذي أقيم عليها، ومن خلفك.. في الشرق، في أسفل الجبل مدينة البتراء، مفخرة الأردن السياحية.. حيث تختلط الأسطورة بالحقيقة التاريخية فتثير الغموض والتساؤلات التي تتناول كل شيء إلا شيء واحد هو … جمال البتراء.
الأردن النهر
يبلغ طوله 360 كلم تتفجر ينابيعه في جبل الشيخ في سوريا ولبنان فتتألف منها جداول تنحدر من الشمال إلى الجنوب وهي:
نهر الحاصباني: الذي ينبع في أسفل بلدة حاصبيا.
نهر بانياس: الذي ينبع من قرب بلدة بانياس.
يجتاز نهر الأردن سهل الحولة فيمر في بحيرة طبرية وبعد خروجه منها تصب فيه عدة روافد هي: نهر اليرموك، ونهر جالوت: الذي ينبع من عين جالوت قرب مدينة بيسان في فلسطين، ونهر الزرقا: الذي ينبع قرب مدينة الزرقا إلى الشمال الشرقي من عمان.
هناك شبه اتفاق على أن الحروب المقبلة، خصوصاً في المنطقة العربية، ستكون على المياه.
لذلك، وإقراراً بأهمية هذا المورد. فإن اللجان متعددة الأطراف التي يشارك فيها ممثلون من كثير من دول العالم، والتي واكبت مؤتمر مدريد منذ سنة 1991، جعلت بنداً رئيساً من بنود بحثها ونقاشها، بل وفي رسمها الاستراتيجي لمستقبل المنطقة، هو الماء. على رغم عدم مشاركة سورية ولبنان في هذه اللجان حتى الآن. إذا كان الأمر كذلك، فما هو حال الأنهار المشتركة، أو المحاذية والمشاطئة بين العرب وإسرائيل؟
وما هو الوضع تحديداً بالنسبة إلى روافد نهر الأردن، خصوصاً العليا منها، والتي كانت عنواناً مهماً من عناوين الاشتباكات والحروب الصغيرة والكبيرة التي قامت بين إسرائيل، والأقطار العربية، خصوصاً مع سوريا في عقدي الخمسينات والستينات؟
إننا نطرح هذا الأسئلة، أو نذكر بها، بعد أن راجت وتروج استهدافات معينة تتعلق بمياه نهر الليطاني، اللبناني المنبع والمصب. الذي لا يحاذي الحدود بين لبنان وإسرائيل خصوصاً أن تقارير كثيرة بينها تقارير من وكالات متخصصة تتبع منظمة الأمم المتحدة وغيرها، أفادت أن بعض مياه نهر الليطاني يتم الاستحواذ عليها بواسطة أساليب تقنية عدة من قبل الكيان الإسرائيلي وسيتّضح هذا الأمر بصورة جليّة بعد أن انسحبت إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة (الشريط).
إذا كان الأمر كذلك، فما هي المعطيات والظروف والمراحل التي مرّت بها روافد نهر الأردن العليا: بانياس، والحاصباني (الوزاني وحاصبيا) ودان وهل «التقادم» في هذا المجال يسقط حق الأقطار العربية في مياهها، أو بعض مياهها؟
وما هي حكاية تلك الأنهار التي تكون ما يسمى بالأردن الأعلى؟ لنبدأ بالمعلومات «الفنية» المتعلقة بهذه الأنهار، أي منابعها ومصباتها وقوة تدفقها وجريانها، لنصل إلى ما أصابها.
خزان المياه
يذكر أن جبل حرمون أو الشيخ ـ من كثرة الثلوج التي تغطي قممه ـ الذي يصل ارتفاعه إلى حوالي 2800 متر فوق سطح البحر، هو خزان المياه في منطقة بلاد الشام، إذ أن الثلوج المتراكمة على قممه طوال العام تقريباً هي التي تمد الأنهار والروافد والينابيع والوديان بدفق من المياه قلّما تنضب.
ومن بين تلك الأنهار، نهر الأردن، أو نهر الشريعة بحسب بعض المصادر في بلاد الشام.
ونهر الأردن هذا تمثل حكايته عنواناً لحياتنا، أعني عنواناً لمأساة حياتنا!
فإذا كانت منابع النهر الأساسية هي من جبل الشيخ فإن فروعه الأساسية تأتي من الأقطار الآتية: سورية، لبنان، فلسطين، والأردن.
إلا أن قيام الكيان الإسرائيلي في فلسطين سنة 1948، أدخل النهر، بل والحياة كلها في دوامة من المشاحنات والمنازعات والحروب الصغيرة والكبيرة، كما ذكرنا، لم تنته حتى الآن.
فالمياه الموجودة داخل فلسطين المحتلة كانت تكفي سكانها، إلا أنها حتماً لا تكفي خمسة ملايين نسمة أو أكثر، ومشاريع صناعية واقتصادية وزراعية وإروائية طموحة لغزو أسواق ـ الشرق الأوسط ـ بل وغزو أسواق العالم بأكمله، وقد يكون استصلاح وري أراضي صحراء النقب في جنوب فلسطين هو العنوان الأبرز في هذه المشاريع.
وإذاً..من أين تأتي إسرائيل بالمياه الكافية للاستجابة إلى حاجات المشاريع التي يمكنها تثبيت كيانها، وجلب المهاجرين إليها، والتوسع في مشروعاتها ومخططاتها؟
لحظ المخططون الأساسيون لإقامة الكيان الإسرائيلي في فلسطين، كما لحظت الاقتراحات والمذكرات التي رفعها قادة الصهاينة منذ أن تمّ التفكير بإقامة الكيان مدى الحاجة إلى مياه زائدة، لذلك فإن كل المشروعات كانت تؤكد على الاستيلاء أو سرقة المياه القريبة، أي بوضوح مياه أنهر: الأردن، والليطاني واليرموك.
فما الذي حصل للأردن على سبيل المثال؟
عنوان مرحلة
يتكون (نهر) الأردن الأعلى من ثلاثة أنهار رئيسية، وبعض الفروع والجداول الصغيرة الأخرى، والأنهار الثلاثة هي:
ـ الدان: أو القاضي، وينبع من جبل الشيخ بالقرب من الحدود السورية، وهو أكبر الأنهار الثلاثة، ينبع ويصب في فلسطين، وإن كانت بعض مصادر مياهه تعود إلى بحيرة مسعدة في الجولان السوري المحتل، ومسعدة هي إحدى بلدات الجولان.
ـ والنهر دائم الجريان ولا يتأثر كثيراً بمعدل كميات الأمطار الهاطلة، ويصل معدل منسوب مياهه إلى حوالي 245 مليون متر مكعب في السنة، في حين أن أعلى منسوب لجريان مياهه يصل إلى حوالي 285 مليون متر مكعب في الستة. وهذه النسبة تمثل حوالي 50 في المئة من منسوب مياه الأردن الأعلى، ويسمى النهر بعناهال لداني في إسرائيل.
ـ الحاصباني: يتكون من اتحاد نهر الوزاني وحاصبيا، وكلاهما ينبعان من سفوح جبل الشيخ في لبنان، ويتكون نهر حاصبيا من مجموعة الينابيع التي تغذي الحاصباني الأعلى، ويضاف إليها مجموعة أخرى من الينابيع تغذي النهر الذي يصل متوسط منسوب مياهه السنوية إلى 138 مليون متر مكعب، وراوح هذا المنسوب ما بين 52 مليون متر مكعب إلى 236 مليون متر مكعب سنوياً في ربع القرن الأخير.
وهذا يفيد أن النهر يتأثر كثيراً بمعدل كميات الأمطار التي تتساقط طوال العام. ونهر الحاصباني لبناني المنبع، لكنه يسير بمحاذاة الحدود الفلسطينية ليصب كنهر الدان في بحيرة طبريا.
ـ بانياس: يتغذى من ينابيع جبل الشيخ ويسير في القطر السوري بمحاذاة الحدود الفلسطينية، ليصب في بحيرة طبريا كسابقيه، ويبلغ متوسط منسوب مياهه في العام حوالي 121 مليون متر مكعب، وتراوح هذا المعدل في الربع قرن الأخير ما بين 63 مليوناً و190 مليون متر مكعب في السنة.
وهذا يعني أن منسوب المياه التي تجري في هذه الأنهار الثلاثة سنوياً يتجاوز 500 مليون متر مكعب، وتتّحد الأنهار الثلاثة أثناء دخولها الأراضي الفلسطينية لمسافة ستة كيلومترات على ارتفاع 70 متراً فوق سطح البحر، لتوالي جريانها متحدة تحت اسم الأردن الأعلى ليصب في بحيرة طبريا، بعد أن تنضم إليه مجموعة من الينابيع والأنهار الصغيرة، ليصل منسوب مياه الأردن الأعلى الذي يصب في بحيرة طبريا حوالي 600 مليون متر مكعب سنوياً، وهذا يمثل حوالي 40 في المئة من كمية المياه المستعملة في إسرائيل.
الأرض والمياه معاً
ذكرنا من قبل، أن تدفق المهاجرين على فلسطين من جميع أنحاء العالم وطرح مشروعات طموحة كاستصلاح وإرواء أراضي صحراء النقب ـ من قبل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، كان لا بد له أن «يستفز» العرب ولو قليلاً! خصوصاً أن الأرض والمياه العربية الأخرى ـ غير فلسطين وما فيها ـ كانت ـ وربما ما زالت ـ محط أطماع الكيان الصهيوني، بل وأن تلك الأطماع كانت موجودة قبل قيام الكيان الإسرائيلي سنة 1948.
وإلا ما معنى أن تبذل الحركة الصهيونية المال والجهد سنة 1926 كي تقيم محطة كهرباء روتنبرغ عند أهم نقطة استراتيجية تلتقي فيها الحدود السورية ـ الأردنية ـ الفلسطينية؟
وما معنى أن تعطل الحركة الصهيونية بيع امتياز تجفيف بحيرة الحولة سنة 1934 إلى شركات عربية؟
باشرت الحكومة الإسرائيلية تجفيف بحيرة الحولة سنة 1951 على رغم احتجاج الحكومة السورية، بل وعلى رغم الاشتباكات التي كانت تتوالى بين الجيشين السوري والإسرائيلي، وانتهى مشروع التجفيف سنة 1953 من قبل الكيان الإسرائيلي.
وبعد ذلك؟
آن أوان تحويل مياه الأردن الأعلى كي تصل إلى النقب لاستصلاح أراضيها وإرواء المستعمرات فيها.
هكذا كان لسان حال الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة يقول. وبدأ الكيان الإسرائيلي بتنفيذ المشروع فعلاً. فاعترضت سوريا ولبنان والأردن، كون المشروع يعتدي على حقوقهم، ويفقدهم مصادر مهمة من مياههم وأراضيهم.
بل وبدأ الجيش السوري بقصف مواقع التحويل في خاصرة بحيرة طبريا، فغير الإسرائيليون مكان التحويل، إلا أن الاشتباكات توالت، مما حدا بالولايات المتحدة إلى إيفاد إريك جونستون إلى المنطقة اعتباراً من سنة 1953 في محاولة منه لتفادي النزاع، ومن ثم طرح مشروع لتقاسم المياه، عرف باسمه مستنداً إلى مشروع سابق وضعه المهندس تشالز مين. طرح المشروع للتداول العلني سنة 1953، إذ قدر كميات مياه حوض الأردن ـ الأعلى والأسفل ـ أي أسفل بحيرة طبريا ـ بـ 1213 مليون متر مكعب. اقترح توزيعها على الشكل الآتي: 774 مليون متر مكعب للأردن، 45 مليوناً لسورية، 394 مليون متر مكعب لإسرائيل، ولا شيء للبنان.
رفض العرب المشروع، كما رفضه الكيان الإسرائيلي خصوصاً أن المشروع ـ الاقتصادي ـ أقحم نفسه في المشكلة السياسية القائمة، وأعلن جونستون نفسه، أن المشروع يحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين.
استأنف الإسرائيليون عمليات تحويل الأردن الأعلى إلى صحراء النقب اعتباراً من سنة 1956، فعاود العرب محاولات منع ذلك، ومن بينها دعوة الجامعة العربية سنة 1960 إلى تحويل روافد الأردن.
قرارات وخيبة
في عام 1964 أعلن الإسرائيليون أنهم على وشك إنجاز المرحلة الأولى من إيصال مياه الأردن إلى النقب. مما دعا الرئيس جمال عبد الناصر إلى دعوة الرؤساء العرب إلى مؤتمر قمة، كان الأول بينهم سنة 1964، وقد توصل الرؤساء إلى إصدار قرارات عدة من بينها:
ـ القرار بتحويل روافد نهر الأردن، وتشكيل هيئة سميت بهيئة استغلال مياه نهر الأردن وروافده، تتولى مهمة وضع التصاميم والإشراف على تنفيذ سلسلة من العمليات الهندسية في كل من لبنان وسورية والأردن.
وفعلاً بدأ العرب بوضع التصاميم والمخططات لتحويل الروافد، بل وباشروا العمل على بناء سدّ أطلقوا عليه اسم «خالد بن الوليد» في موقع المخيبة على نهر اليرموك بعد أن يلتقي بقناة المياه التي تجر مياه نهر بانياس وأحد فروعه المسمى بنهر الرقاد.
وكثفت إسرائيل اعتداءاتها بعد ذلك على سوريا والآردن، بل وقصفت مواقع التحويل في 13/11/1964 بقتابل النابالم.
ويقول عفيف البزري في كتابه «إسرائيل والمياه»: «رأيت رؤى العين المجردة الآلات المعطوبة والمضروبة في قعر وادي نهر اليرموك بعد سنوات من قصفها، وربما ما زالت حيث هي».
وتوالت بعدها الاعتداءات، ووصلت قمتها في عدوان الخامس من حزيران (يونيو) 1967، الذي احتلت إسرائيل على أثره كامل مساحة الأرض الفلسطينية، ومرتفعات الجولان السورية، وسيناء المصرية.
وأكملت إسرائيل تحويل نهر الأردن الأعلى إلى صحراء النقب بعد ذلك، فنتج عن التحويل:
ـ زيادة الملوحة في بقايا النهر بعد خروجه من بحيرة طبريا (الأردن الأدنى). ورأيت بأم عيني السمك ميتاً من ملوحة المياه في أغوار الأردن.
ـ حرمان 15 كيلومتراً مربعاً من الأراضي السورية من السقاية المناسبة.
ـ حرمان حوالي 40 ألف دونم من أراضي الأردن من إمدادات المياه العذبة، والحيلولة دون تطوير 80 ألف دونم أخرى.
ـ ولم تكتف إسرائيل بما أنجزته وحققته، بل أنها سعت إلى السيطرة على المنطقة التي يمر فيها نهر الليطاني ـ أكبر الأنهار اللبنانية ـ وغزت لبنان غير مرة، آخرها سنة 1982، وأبقت قسماً من جنوبه رهينة لديها، إلى أن تمّ تحريره وخروج القوات الإسرائيلية منه في 24/5/2000.
وما زال وضع مياه نهر الليطاني ملتبساً حتى الآن.
وبعد… لا شك في أن مياه الأردن الأعلى ما زالت تنبع وتسير في الأماكن التي كانت تنبع وتسير فيها قبل الاحتلال الإسرائيلي لكثير من المناطق العربية بعد عدوان سنة 1967.
فهل تقادم زمن الاحتلال يقضي على الحقوق العربية الواضحة والبينة في مياه هذه الأنهار؟
وهل مشروعات التسوية السلمية المطروحة يمكنها أن تسقط الحق العربي في مياه الأردن الأعلى، لتعيد بعض الأرض، ليكون ذلك على حساب الحق في المياه.
إن أنهار دان وبانياس والحصباني شواهد على حق العرب الواضح والصريح في مياههم، بل يمر قطار «التسوية» على هذا الحق أيضاً.
جند الأردن
في التقسيمات الإسلامية قسمت بلاد الشام إلى خمسة أجناد، أي خمس مقاطعات، ويبدو أن كل ناحية سميت بجند لأن الجنود يقبضون منها أعطياتهم، الأجناد الخمسة هي: جند قنسرين، وجند حمص، وجند دمشق، وجند الأردن، وجند فلسطين.
وعدّد ابن شداد (المتوفى سنة 684هـ) في كتابه (الأعلاق الخطيرة) جند الأردن بما يلي: طبرية، بيسان، بانياس، صفد ، هونين، تبنين، شقيف أرنون، كوكب، قلعة الطور، صور، عكا، حيفا.
أردو أو اللغة الأردوية
أردو كلمة تركية الأصل، معناها: الجيش، وأول ما أطلق هذا الاسم على اللغة المعروفة، كان في أيام العاهل المغولي شاه جهان المتملك سنة 1037هـ (1628م) ولكن اللغة نفسها كانت مستعملة قبل هذا العصر، وكان يطلق عليها أكثر من اسم:
1ـ هندي «الهندية» كما سماها أمير خسرو الدهلوي المتوفى سنة 651هـ (1243م).
2ـ دكني، لغة أهل حيدر آباد وكول كندة ونواحيها في الدكن.
3ـ ريخته (المزيج)، وظل هذا الاسم مشتهراً إلى القرن الثاني عشر الهجري.
4ـ هندوستاني «الهندوستانية» وكان هذا الاسم شائعاً في أواخر القرن الثاني عشر الهجري.
5ـ أردو، وهو آخر اسم أطلق عليها. وهي اليوم اللغة الرسمية في الباكستان وكشمير، كما أنها لغة المسلمين في الهند.
نظرة تاريخية
تحتوي شبه القارة الهندية (قبل التقسيم) على العديد من اللغات وهي في الواقع مقاطعات متعددة لكل مقاطعة لغتها الخاصة بها التي لا تشبه اللغة الأخرى. فهناك مثلاً لغة السند ولغة البنجاب ولغة البنغال، إلى أمثالها من اللغات العديدة. وكانت اللغة العلمية هي اللغة السانسكريتية.
ولم يكن للهنود قبل وصول المسلمين إلى الهند اتصال خارجي مع الشعوب الأخرى، إلا ما كان من أمر التجارة التي كانوا يتولونها بالطريق البحري، وانعدم تأثر لغاتهم بغيرها من اللغات. على أنهم كانت لهم علومهم وفلسفتهم المتأصلة.
ولما تتالي وصول المسلمين على دفعات، وبدأ الإسلام ينتشر تدريجياً في تلك الأرض الواسعة بدأ التمازج بين اللغة العربية واللغات الهندية التي اتصلت بالمسلمين كاللغة السندية مثلاً. فأبناء المسلمين القادمين تعلموا لغة البلاد. وخطباء المساجد والمدارس يلقون كلامهم بالعربية. وأبناء البلاد سواء منهم من أسلم أو من لم يسلم كان من الطبيعي أن يدرسوا الإسلام وأن يناقشوه ويحاولوا تفهمه والنظر فيه، ولا بد في ذلك من اللغة العربية فازداد التمازج.
يقول بزرك بن شهريار الرحالة في كتابه (عجائب الهند): إن ملك (الرا)([553]) مهروك بن رائق طلب من المسلمين تفسير للقرآن الكريم باللغة الهندية (والمراد: السندية) فأمر عمر بن عبد العزيز صاحب المنصورة([554]) أن يتولى ذلك عالم عراقي الأصل سندي المولد، فقام العالم بذلك وفسر القرآن باللغة الهندية لغة البلد، وبلغ في التفسير إلى سورة ياسين، وعرض ذلك على الملك الهندوكي راجه (الرا).
ومن الطبيعي أن لا يكون هذا العمل هو العمل الوحيد في موضوع الدعوة الإسلامية. فقد كان المسلمون يدعون إلى الإسلام ويجادلون أهل البلاد بلغتهم. ومع الزمن أثرت اللغة العربية في لغتهم، وبلغ هذا التأثير إلى الحد الذي صارت فيه اللغة السندية تكتب بالحروف العربية ومن اليمين إلى اليسار، كما هو الحال اليوم سواء في السند أو في غيرها من البلدان في باكستان.
في العهد الغرنوي
هذا ولم يستقر الحكم العربي في الهند، وظلت البلاد في ثورات مستمرة وعصيان متصل. ولم يكن للعرب النازلين جذور قوية، وكانت الشّقة بينهم وبين بلادهم بعيدة. ثم جاء محمود الغزنوي بجيوشه الكاسحة وهاجم السند والبنجاب، واحتل سنة 416هـ (1025م) وزيره عبد الرزاق ملتان واج وسهوان، وعزل عنها ولاة القادر بالله العباسي وتغلب على البلاد، وقامت حكومة الغزنويين من 351هـ (961م) إلى 582هـ (1186م). وكانت تتركز في لاهور وغيرها.
كان محمود الغزنوي تركياً، وقد هاجم الهند على الطريق البري منطلقاً من خراسان إلى غزنة وكابل وبشاور وملتان ودهلي. وكان جمهور جيشه تركياً والنازلون معه من الأتراك أضعاف من نزل الهند من العرب، وهنا بدأ امتزاج جديد بين القادمين وبين أهل البلاد. وفي الحين الذي كانت فيه لغة الدين ولغة الديوان هي اللغة العربية، كانت لغة الجيش تختلف باختلاف القبائل والأقوام المكون منها هذا الجيش وبعد مئة سنة بدت لغة تكاد تكون جديدة كل الجدة وصارت هي لغة الأحفاد، ودخلت فيها كلمات فارسية وتركية وكابلية وملتانية وسندية وعربية. على أن اللغة الفارسية صارت هي اللغة الرسمية، لغة الحكم.
أما اللغة الجديدة الناشئة في السند وملتان هي التي تكونت في الأصل بين الجيش المؤلف من الترك والمغول والفرس والعرب والهنود، فقد اتخذت طابعاً جديداً.
عهد المماليك
وفي العام 583هـ (1176م) فتح لاهور معز الدين سام الشهير بمحمد الغوري، وبعد موته تولى الحكم مملوكه قطب الدين أيبك. وقد امتد عهد المماليك من سنة 602هـ إلى سنة 686هـ (1287م) ثم تملك الخلجيون (689هـ 720هـ) ثم التغلقيون (720 ـ 815هـ).
وبالرغم من أن لغة الحكام كانت تختلف فإن اللغة الفارسية ظلت هي اللغة الرسمية لغة الدولة. وأقبل الناس على تعلمها ليسهل عليهم الوصول إلى العمل الحكومي.
أما اللغة العامة، اللغة التي يمارسها الناس خارج الدواوين والقصور الحكومية فقد كانت تلك اللغة الجديدة التي أشرنا إليها والتي تمرس بها الشعب وصارت هي الرابطة بين أفراه من غرب الهند إلى شرقها إلى جنوبها. ومضى الشعب في لغته حتى ألّف بها الأنغام وكتب أشعار المديح وقصائد الحروب وأبيات الملاعب.
وقام شاعر الفارسية أبو الحسن الشهير بأمير خسرو المتوفى سنة 651هـ (1252م) فكتب بهذه اللغة نفسها وسماها «الهندية».
عهود جديدة
ومن سنة 817 إلى سنة 962هـ تتابعت الحكومات ما بين السادات (الأشراف) واللودهيين والأفغان حتى اسكندر شاه الثالث 963هـ حيث قام بعده الحكم المغولي بقيادة أحفاد تيمور. وجاء جلال الدين محمد أكبر بعد أبيه همايون (الشيعي)، واستقرت دولته في الهند وعلت كلمته، واشتهر سلطانه واستطاع توحيد تلك البلاد الهندية الشاسعة.
ويعتبر محمد أكبر أعظم أباطرة الهند واستمرت دولته خمسين سنة وطد فيها العلائق مع الهنادك وراجاتهم وتزوج من بناتهم واتصل بثقافاتهم، ثم جاء بعده جهانكير ثم شاه جهان.
وفي كل هذه الأعصار كان دعاة الإسلام منبثين والمتصوفون منتشرين بين الهنادك يدعون إلى الإسلام ويعلنون عقائدهم وينشرون تعاليمهم في لغة عامتهم، كما هو مذكور في مجموعة حكاياتهم وكلماتهم المدونة بالفارسية، وفيها تعابير وأمثال هندية.
لقد تملك شهاب الدين شاه جهان سنة 1037هـ وكانت أغراس هذه اللغة قد نمت وأينعت وأثمرت، وأخذت تتسلل إلى قصور الحكم وصروح السلطان والأمراء، وإذا بها تكتسب اسماً رفيعاً فيسميها الأمراء ومعهم سكان دهلي: «زبان أردوي معلى» أي لغة الجيش العالية.
أثر التشيع في تطوير اللغة
مؤرخ لغة أردو لا بد من أن يخص بالذكر الملك الشيعي محمد قطب شاه المولود سنة 973هـ والمتوفى سنة 1030هـ لأنه كان أول ملك نظم الشعر بها وأخذها لغة فنه وقرب شعراءها وأغدق عليهم الجوائز.
وقد كان محمد قطب شاه شاعراً مجيداً خلّف ديوانين شعريين أحدهما بالفارسية والثاني بالأردويه.
وديوانه هذا أول ديوان شعري باللغة الأردوية.
وهكذا استطاع هذا الملك أن يرسي قواعد هذه اللغة (أردو) ويجعل منها لغة وأدب. وهنا لا بد لنا من أن نشير إلى أن كون هذه اللغة هي لغة الناس في حيدر آباد وكول كندة وبيجابور الدكن (أي جنوب الهند)، كان سبب تسميتها (دكني) أي اللغة الدكنية.
وقبل محمد علي قطب شاه كان جمشيد قلي قطب شاه (957هـ) وهو أيضاً شاعر. ومن تأثير محمد قلي أنه أخذ هو ينظم الشعر في مدائح أهل البيت (عليهم السلام) ومراثيهم، ويتفنن في الحديث عن بطولة الحسين (ع) ووقعة كربلاء، كما فعل قبله جمشيد قلي، وأخذ الشعراء يتبعون أثره في النظم مدحاً لآل البيت ورثاءً للحسين. ومن شعراء عاصمة محمد قلي وما يليها نستطيع أن نعد كلاً من: غواصي وابن نشاطي وفائز وبحري وأشرف وولي وكلهم من شعراء مراثي الحسين (ع) ولهم كما لمعاصريهم المجاميع العديدة الكبيرة والصغيرة المختصة برثاء الحسين وأهل بيته وليس لأحد غيرهم ما يمكن أن يسمى ديواناً في تاريخ الأدب الأردي في ذلك العصر.
ومن بين مئات شعراء المراثي اشتهر اسم (ولي دكني) المتوفى سنة 1155هـ وديوانه مطبوع معروف وهو مملوء بالمراثي الحسينية، وإن كان هو نفسه غير شيعي.
كانت العلاقات بين كل من الدولتين القطب شاهيه الشيعية والدولة المغولية لا تستقر على حال. فهم طوراً في إخاء ووفاق وطوراً في خصام وشقاق، على أن الأمراء من كلا الدولتين كان كل منهم يحل بين الحين والحين في بلاد الفريق الآخر، في كولكندة ودهلي. هذا فضلاً على أن الحدود والسدود لا يمكن أن تقف في وجه العلم والثقافة فكان لا بد من تبادلها بين بلدي الحكمين، فمال شعراء دهلي عاصمة الهند إلى نظم الشعر الأردي متأثرين بالشعراء القطبشاهيين وكان أؤلئك من قبل يعتبرون من شعراء الفارسية.
على أنه حين تولى الحكم أورنك زيب عالم كبير محي الدين سنة 1069هـ إلى 1118هـ حدث تطور خطير فقد هاجم الملك بلاد الدكن وتغلب عليها بعد حروب دامية، وتظاهر بعداء الشيعة وأخرج علماءهم إلى البحرين وإيران والحجاز. وهاجر بعض أمراء الدكن إلى دهلي وبلاد أخرى.
ومات أورنك زيب عالم كبير في أورنك آباد وخلفه ابنه شاه عالم بهادر شاه سنة 1119 هـ وكان بهادر شاه على عكس أبيه شيعياً صريحاً معلناً بالتشيع، فأمر بأن يخطب في المساجد يوم الجمعة بأسماء الأئمة الاثني عشر. وبعد زوال الضغط نشط الشيعة بالكتابة والتأليف رادين على من هاجموهم وطعنوا في عقائدهم.
وكانت الدولة في دهلي قد أصبحت في نهاية عهودها وبدأت الانتفاضات عليها والاستقلال عنها في المناطق والأطراف، كما قامت المشاحنات المذهبية وبدأت الانقلابات في العاصمة نفسها، ففي كل يوم أمير جديد يتولى الحكم ثم ينتزع منه.
ومن بين هذه الزعازع برز ذو فقار الدولة نجف خان، وكان بطلاً صنديداً ذا شخصية قوية فقضى على الفتن وأصلح الفساد وأعاد النظام ووحد البلاد وردّ بعض الشيعة المشردين. وعاد إلى الشيعة اطمئنانهم لأن ذا فقار الدولة كان شيعياً إيراني الأصل. وعاد التأليف والكتابة في الشيعة وإقامة الشعائر الحسينية وبقي من أثر ذلك العصر كتاب «كربل كتها» أي قصة كربلاء.
في هذه المضطربات، وفي طول هذه الصراعات وعرضها، وما بين المصادمات والمشاجرات والمحاربات، وكذلك المحالفات وخلال التنقل والترحال وتجمع الجيوش المختلفة الأصول، المتعددة القبائل، المتباينة اللغات، في هذا كله، ومن بين هذا كله كانت تبرز عوامل تكامل لغة أردو وسعة انتشارها، لتسهل التعامل والتفاهم بين الناس، بين عامتهم وخاصتهم.
اللغة الفارسية هي اللغة الرسمية لكل حكومة سواء كانت من الهندوك أو السك أو راجبوت أو الأفغان أو الترك أو الفرس. هي لغة الأسرة التركية والفارسية والهندية وغيرها..
أما لغة الشعب، لغة حفلات السرور وحلقات الألم وجمعيات التشاور واجتماعات المواعظ والمخاطبات التجارية والمناسبات العامة فهي أردو.
وهي وسيلة المتصوفين والوعاظ والشعراء.
نموّ اللغة الأردوية
رأينا ما حدث منذ تولي الأمبراطور أورنك زيب عالم كبير محيي الدين واستيلائه على مملكة الدكن واضطهاده للشيعة وما تلا ذلك من تولّي ابنه شاه عالم بهادر شاه وجهره بالتشيع وحمايته، ثم ما تلا ذلك من اضطراب وفتن وتناحر سياسي ومذهبي، ثم مجيء ذي فقار الدولة نجف علي بنزعته الشيعية القوية.
في هذا العصر الشيعي بدت نتائج اختلاط الأقوام وتلاقي الثقافات الإسلامية بين الهندوك والعرب والأتراك والفرس، فنشأت بهذا التفاعل ثقافة جديدة تفردت عن غيرها وتميزت بخصائص ذاتية بارزة كان من أظهر آثارها نمو هذه اللغة التي كانت تسمى من قبل: برخته ودهلوي ودكني وهندي ثم أصبح يطلق عليها اسم (أوردي المعلى). في هذه العهود انطلق هذا الاسم على ألسنة الناس ورأيناه يبرز في شعر غلام همدائي المصحفي (1164 ـ 1240م). ثم تعمم وانتشر، وأخذ يزاحم اللغة الفارسية ويحل محلها.
دولة أود الشيعية
قامت في الهند ثلاث دول اشتهرت بالتشيع، هي: العادل شاهية، والقطب شاهية، والنظام شاهية وهذه كانت في الدكن، جنوب الهند.
ثم قامت بعد ذلك دولة رابعة هي دولة أود في شرق الهند، ولم تكتف هذه الدولة بتبنّي التشيع ونشر لوائه، بل كانت باعثاً قوياً على بثّ المعارف والثقافة الإسلامية وإرقاء الأدب الأردوي. وكانت أول عاصمة لها مدينة فيض آباد وهناك كان النواب شجاع الدولة المتوفى سنة 1188هـ حيث التقى فيها من سائر صنوف الناس أعلاها ومن جميع الطبقات أشرفها، وحيث ضمت إليها من كبار الأدباء أمثال سودا ومير وغيرهما.
ثم قام مكانه ولده النواب ميرزا يحي آصف الدولة فنقل عاصمة الدولة من فيض آباد إلى لكنو. وكان آصف الدولة جواداً كريماً شاعراً. وهو صاحب فكرة إيصال الماء من الفرات إلى النجف الأشرف، وبذل في هذا السبيل أموالاً طائلة حتى وصل الماء إلى أقرب مكان يمكن إيصال الماء إليه، ولم يكن إيصاله إلى النجف لعلوها.
وفي عهد آصف الدولة زخرت لكنو بالعلماء والشعراء والكتاب والمفكرين، وامتلأت بالمدارس والمكتبات لا سيما التي تضم أمهات الكتب الشيعية، وبرز فيها أول مجتهد هندي شيعي هو السيد دلدار علي. ولمع فيها أكابر شعراء أردو أمثال سوز الشاعر أستاذ النواب نفسه وكذلك مير تقي مير وسودا من شعراء البلاط، ومصحفي ومير حسن ومير شير علي أفسوس وغيرهم من أكابر شعراء العاصمة لكنو.
وتتابع بعده الملوك واحداً بعد الآخر سالكين نفس السبيل حتى الملك واجد علي شاه آخرهم.
وقد كان آصف الدولة وواجد علي شاه من الشعراء المجيدين. وهكذا في زمن ملوك أود وبعنايتهم بلغت اللغة الأردوية قمة الكمال. وحتى اليوم لا يزال الأدباء يسندون أصولهم إلى عهود لكنو، لأن شعراء لكنو وفي طليعتهم ناسخ ورشك هم الذين هذبوا لغة أردو ونقّوها من اللفظ السوقي ومن الأغلاط والكلمات الركيكة ومن رواسب السانسكريتية. وشذّبوا قواعدها وسووا منهجها. أو بالأحرى أخرجوا منها لغة مستقلة كاملة تضم فيها أصحّ الكلمات العربية والفارسية.
وهكذا ترسخت أسس لغة أردو في لكنو بالذات وأصبحت لغة الدولة ولغة الثقافة، يعبر فيها العلماء والمثقفون في أحاديثهم ومكتوباتهم فاكتسبت رقة الأسلوب ورشاقة اللفظ وعذوبة النسج ولطافة المغزى في الأمثال والاستعارة وكان رقيّها رقيّاً نهائياً.
هذا موجز لتاريخ نشوء اللغة الأردوية، وتكاملها واستقرارها في درجتها الأخيرة.
الشعراء والكتاب الكبار
من شعراء الصف الأول وكتابه في لغة أردو الذين كانوا العامل المؤثر في إنهاضها وإيصالها إلى ما وصلت إليه، والذين لا يستطيع المؤرخ في أي عصر تجاهلهم، وإهمال ذكرهم، وكلهم من الشيعة، نذكر ما يأتي:
1ـ قطب شاه المتوفى سنة 1020هـ الذي كان ملكاً في (كول كنده). وهو شاعر فذّ، مربٍّ للشعراء، وله في شعره الكليات، وفيها الشعر الغنائي والوجداني، وقصائد في مدح أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ورثاء الحسين (ع). وشعره دكني عليه مسحة من الفارسية.
ويعتبر قطب شاه مؤسس الاحتفالات السنوية بذكر استشهاد الحسين (ع) في الهند.
2ـ صدر الدين خان فائز الدهلوي. نظم الغنائيات والغزليات ورتب ديوانه سنة 1117هـ 1715م وفائز من أحفاد علي مردان من أمراء شاه جهان، وكان معاصراً لوالي الدكني الملقب بآدم الشعراء. وشعر كلا الشاعرين فيما اصطلح على تسميته بلغة (دهلوي) ـ كما تقدم ـ ويعتبر ديوانه أول ديوان بدهلوي.
3ـ (مير) محمد تقي أكبر آبادي المولود سنة 1136هـ وهو لكنوي المدفن توفي سنة 1225هـ.
ومير هو شاعر الريختة (المزيج)، وشعره من نوع السهل الممتنع يقرأ وينشد ويستحسن. وهو شاعر الغزل الرقيق الرشيق، في شعره أنين المغرمين وحنين العشاق، مرارة العيش وألم الحياة. يؤثر في النفس ويفعل في القلب فيشاركه القارىء أشجانه وآلامه. ولذا يطلقون على (مير) لقب: شاعر الآه (شاعر التّأوّه).
في كلياته (أي مجموعة أشعاره) عدا الغزل، مدائح الأئمة ومراثي الحسين (ع) وكل فنون الشعر.
وله كتاب في سيرته الذاتية (ذكر مير) وكتاب الشعر والشعراء باسم (نكات الشعراء) وهما بالفارسية.
4ـ (سودا) مرزا محمد رفيع. وهو دهلوي المولد (1125هـ) ولكنوي المدفن (1195هـ).
يعتبر سودا قريناً لمير، وهو عديم النظير في القصيدة. وأكثر قصائده في مدح الأئمة (عليهم السلام). وقصيدته اللامية في مدح أمير المؤمنين (ع) واليائية في مديح الحسين (ع) بلغتا أقصى حدود الشهرة. وإذا كان، مير: سيد المتغزلين فإن (سودا) سيد شعراء القصيدة غير المنازع. ويشبه غزله الغزل الفارسي. وله في الرثاء الحسيني منهج خاص وأسلوبٌ بديعٌ. وكلياته مطبوعة وفيها جميع أصناف الشعر.
5ـ (مير حسن)، غلام حسن بن مير ضاحك. دهلوي المولد 1140هـ تقريباً ولكنوي المدفن 1201م.
يعتبر مير حسن شاعر الغزل والقصيدة والمثنوي، ولكن لقصيدته المنظومة رواج خاص وهي مشهورة بسحر البيان ولا مثل لها في اللغة الأردوية، وصناعة مير حسن هي في حسن لفظها ولطافة معناها وبداعة نسجها. إنه حكاية عصره المترف، إنه يحرك صور ما حوله من المرايا الجميلة وحفلات الأمراء ومهرجانات الملوك وحياة قصور السلاطين. فإذا تطلعت إلى مثنويه رأيت الصور المتحركة الناطقة.
إن مير تقي نسيج وحده في الغزل وميرزا سودا نسيج وحده في القصيدة ومير حسن نسيج وحده في المثنوي.
6ـ (جرأت)، قلندر بخش، الأعمى المدفون بلكنو سنة 1225هـ شاعر شهير له في الغزل منهج خاص. واشتهر أيضاً بالمراثي الحسينية. طبع المجلد الأول من كلياته سنة 1970م.
7ـ (انشا)، السيد إنشاء الله خان ابن السيد ما شاء الله خان النجفي، ولد في مرشد آباد 1160هـ وتوفي 1233هـ بلكنو.
شاعر كبيرفي الهزل والهجاء وهو طويل الباع في النظم بلغات مختلفة ولهجات مختلفة بالعربية والفارسية والهندية. وله في كل نوع أشعار مطبوعة، وليس له نظير في شعراء الهند.
وله أوليات في الأدب الأردوي سنلمّ بها في الآتي.
8ـ (نظير)، ولي محمد أكبر آبادي المولود حوالي 1147هـ والمتوفى 1246هـ في أكبر آباد.
وهو شاعر الحياة الشعبية ولسان العامة. يصور مواسمهم وأسواقهم وأشواقهم. وشعره منتمٍ إلى أفكار الفقراء والمعوزين وطبقاتهم.
لذلك يحبه الناس وينشدونه في مهرجاناتهم واحتفالاتهم.
9ـ (ناسخ)، إمام بخش فيض آبادي المولود حوالي سنة 1202هـ والمدفون في لكنو 1254هـ.
هو ناسخ منهج المتقدمين، ومؤسس أصول المتأخرين، ناظم لقواعد النظم وقوانين اللهجة تعمد التخلص من الكلمات الهندوكية والاعتماد على الكلمات العربية والفارسية. له ديوان كبير مطبوع.
10ـ (آتش)، حيدر علي فيض آبادي المولود حوالي سنة 1192 والمدفون في لكنو 1263هـ شاعر جريء، في غزله نفاسة في الخيال وقوة في الغرام. وهو ذو منهج خاص في النسيب.
11ـ (غالب)، ميرزا محمد أسد الله خان المولود في أكبر آباد 1212هـ والمدفون في دهلي 1286هـ.
هو الشاعر الذي ترجم شعره إلى أكثر من لغة، وأقيمت لذكره العام 1969م مهرجانات عالمية في أكثر من عاصمة كبرى. ولم يعن بشاعر من شعراء اللغة الأردوية مثل ما عني بهذا الشاعر ولم يشتهر أحد شهرته. ولم ينل أحد منزلته. يقول عبد الحق: «ويخيل إلينا أن الشعر الأردوي جمد في هذه المرحلة من مراحله…» وفي هذه اللحظة ظهر غالب فجأة كما يبزغ النجم في سماء الأدب وكان غالب ـ شأن عظماء الرجال ـ سابقاً لعصره، كان طليعة الحركة الحديثة في الشعر الأردوي. وليس له في دولة هذا الشعر نظير في الابتكار وقوة الخيال وسموّ الشاعرية هو إلى جانب شعره الأردوي فهو شاعر أيضاً بالفارسية. وقد رتبت أخيراً شعره وتتبعت أخباره وأشعاره فطبع ديوانه في ثلاث مجلدات.
ليس لغالب قرين فهو الشاعر الحكيم، يترجم في شعره عن الضمائر ويحكي عن السرائر ويصور تجاريب الحياة ويدون أصول الفكر والنظرة. غرامه غارم غرام ونظرته نظرة الشاعر الحساس الذكي، ولا مساجل له من حيث منهجه الخاص.
وبسبب ميله إلى الفارسية أكثر من كل شاعر ولتعمقه في المعنى ودقة فكره في المغزى، احتاج شعره إلى شرح وتفسير. لذلك حظي ديوانه الأردوي بعشرات الشروح. ومع هذا فإنك لا تجد أحداً ممن يحسن اللغة الأردوية إلا وهو يملك (ديوان غالب) أما غزله فيتقبله كل شاعر ويحفظه كل قارىء.
ويحتوي ديوانه على الغزل والرباعيات ومدائح الأئمة (عليهم السلام).
12ـ (أنيس)، مير ببر علي بن خليق مير مسبتحست بن المير حسن؛ فيض آبادي المولد، ولد حوالي سنة 1216هـ ولكنوي المدفن توفي 1291هـ.
أسرة أنيس هي أسرة الشعراء، فآباؤه شعراء مجيدون وأبناؤه شعراء المراثي الحسينية، مشى الشعر في بيته كابراً عن كابر. وقد نظم أنيس مئات الألوف من الأبيات الشعرية وكلها في مديح أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ورثائهم، ويطلق على أشعاره اسم (المرثية). والمرثية في اصطلاح ذلك العصر هي نظم سداسي يشتمل على أجزاء خاصة:
1ـ التشبيب، وفيه يصور أنيس مظاهر الفطرة من الصبح والمساء والليل، والربيع والشتاء.
2ـ المديح، وفيه يصور البطل في شخص الحسين وأنصاره (عليهم السلام) صورة ملموسة، من الرأس إلى الجبهة والعينين والأنف والعنق والصدر واليد وغير ذلك.
3ـ المعركة وفيها يصور الشاعر لقاء البطل لأعدائه فيضمن الصورة: الرجز والخطاب، ثم السيف والقوس والرماية والرمح، ثم الالتحام البطولي فالاستشهاد.
4ـ الرثاء يسمعك بكاء الأم على الابن والأب على الولد والشقيقة على الشقيق والبنت على الوالد وكل قريب على قريبه…
وتحتوي المرثية على عدد يتراوح ما بين عشرين سداسية إلى ثلاثمائة سداسية متسلسلة، وهذه المراثي مطبوعة في ستة مجلدات كبار، وأبطالها هم الحسين (ع) وأنصاره في كربلاء.
وأنيس هو أول من ابتكر هذا الفن، الشعري ونهج هذا النهج، وهو في مراثيه شاعر حماسي، ففي كل مرثية حماسة وبطولة وأخلاق وإنسانية. ثم إنه يريَ القارىء الصور المتحركة الناطقة ويمثل له رجال المعركة، فيقيم الحرب ويبرز الأبطال فتسمع أراجيز الأحرار وتخاطب الأقران، وترى تقدم الرجالة وجري الفرسان، ثم ترى البطل من آل محمد يصمد للأعداء ويقتحمهم ثم يخرّ شهيداً مثخناً بالجراح…!
إنك تسمع في شعره صهيل الجياد وصليل السيوف وقراع الأسنة ورنين السهام. وتبصر بتر الرؤوس وتهاوي الأجساد…! فشعره مناظر حية متتابعة ومشاهد متحركة ناطقة. يريك حياة الآلام: من السفر والاغتراب وقتل الآباء وذبح الأبناء ووحدة النساء وعويل الأمهات وصراخ الأخوات.
يبكي أنيس بكاءً طويلاً موجعاً، فيبكي معه القارىء والسامع ويحمله على ترداد الشعر وتكراره.
وأنيس معدود في ملاحمه بين شعراء الأردوية كالفردوسي في الفارسية وشكسبير في الإنكليزية.
13ـ (دبير)، مرزا سلامت علي: دهلوي المولد 1218هـ، لكنوي المدفن 1292هـ.
هو شاعر المراثي الحسينية، وهو المظهر الفريد لشعره، بلغ فيها أعلى المراتب، وبلغت على يده ذروتها وكان يجيد العربية والفارسية.
يتميز شعره برصانته، وبصياغته الصياغة العالمية، فهي صياغة صائغ مبتكر تطيعه اللغة والبيان كما يريد.
وكان أنيس ودبير فرسي رهان في عصرهما، وكان الناس فيهما منقسمين بينهما يتعصب لكل واحد منهما المتعصبون ويتحزب المتحزبون. وتدور المناقشات وتعقد الحلقات التي ينقسم فيها الناس بينهما، كل فريق يفضل شاعره على شاعر الفريق الآخر.
وفي هذا التزاحم والتناقش برزت مراثيهما الحسينية بروزاً كبيراً. لقد عنيا بتصوير واقعة كربلاء ووصف بطولة شهدائها، تصويراً ووصفاً في غاية الدقة مما أثرى الأدب بالشعر القصصي الحي. ويعبر عنهما أحد الكتاب قائلاً: «يشغل مير أنيس وميرزا دبير مقاماً في طليعة شعراء المراثي في كل عصر ومصر.
ومراثيهما الحسينية شهيرة مقدرة لشتى مقاييس النقد ومعتبرة من أفضل القطع الأدبية التي كتبت باللغة الأردوية».
وبعد أنيس ودبير جاء عصرٌ جديدٌ بالعلوم والأفكار والنهضة السياسية، وكان الإنكليز قد سيطروا على البلاد فواجه الشعر والنثر حالات طارئة حديثة. كان لا بد فيه من شيء جديد. وهنا يبرز رجل عظيم وكاتب مبدع ومصنف خالد، يدعو للتجديد.
14ـ محمد حسين آزاد: دهلوي المولد 1245هـ لاهوري المدفن 1328هـ.
استقبل آزاد عهداً جديداً فكتب مقطوعات من الشعر الجديد ودعا إليها فاستجاب له المستجيبون واتّبعوه. وكان أولهم (حالي) غير الشيعي.
كان آزاد حامل لواء الأدب الجديد والشعر الحديث. وقد جمع شعره في ديوان سمي (نظم آزاد) وهو مطبوع.
15ـ (صفي)، السيد علي نقي: لكنوي المولد 1279هـ.
كان صفي شاعر الملة، ولقبوه بـ «لسان القوم» لأنه كان يدعو إلى الحركة والعمل والتقدم وترك القعود.
وهو شاعر خطيب مصلح في شعره، دعا إلى إصلاح ما فسد من الأمور، وتنظيم الجهود، فقامت بدعوته المؤسسات الشيعية الكبرى في لكنو مثل: كلية الشيعة ودار الأيتام ومدرسة الصنائع وقاعة القومية.
وكان هو صاحب قيادة «شيعة كانغرس» وإن كانت الزعامة في أيدي الأمراء والسياسيين، ولكن الحركة والدعوة كانت بيد مولانا الصفي لحرارة شعره وأثره العميق في النفس.
وعدا هؤلاء الشعراء الذين عددناهم فإن هناك العديدين من الشعراء الذين كانت لهم مناهجهم وأساليبهم، ولا يزال لهم ذكرهم الخالد مثل: سوز، يقين، رند، صبا، أسير، مني، نظم طباطبائي، جلال، أرزو، عزيز، محشر، أغا شاعر، نفيس، رشيد، نجم، وغيرهم.
إن لهم في تاريخ الأدب مكانهم البارز، وسيرة كل واحد منهم مسطرة محفوظة، ويذكرهم الأدباء بالتقدير والتعظيم، ويدرسون أشعارهم ويطالعون آثارهم.
ومن بعد هذه الطبقات جاءت نهضة جديدة، نهضة فكرية سياسبة فبرز في الطليعة منها الدكتور محمد إقبال، وهو وإن كان سنياً صلباً، إلا أن قصائده في مدح أمير المؤمنين (ع) والزهراء (ع) ورثاء الحسين وذكرى كربلاء تعد في طليعة الأدب العلوي الحسيني.
وقام مع إقبال «شاعر الانقلاب» شبير حسن خان جوش يدعو إلى التجديد والقضاء على الأفكار الضليلة والخيالات المريضة والنظرات القديمة. وهو شاعر قادر على تطويع اللغة والفكر والتفنن في اللفظ والمغزى.
ويعد من شعراء المراثي الحسينية التي فيها القدح المعلى.
كتاب وناثرون من الشيعة
رأينا أن الشعر في اللغة الأردوي هو قديم، ويمكننا أن نعتبر أن أول كتاب شعري دوّن في هذه اللغة، بل أول كتاب على الإطلاق، هو كتاب «نوسر هار» 895 ـ 914هـ وهو منظومة في وقعة كربلاء ويجيء بعده كتاب نثري هو كتاب «نورس» لملا وجهي الصوفي (1045هـ) وهو كتاب في التصوف والأخلاق والعقائد، ومؤلفه غير شيعي. ويمكن اعتباره أول كتاب نثري.
وهذان الكتابان مكتوبان عندما كانت اللغة تعرف باللغة الدكنية، ويبدو في (نورس) طابع الهندية واللهجات المحلية وأثر الهندوكية. ولا يبرز فيه أثر العربية والفارسية إلا في معناه الإسلامي ومغزاه الصوفي.
أما في الدهلوية فأول كتاب دون فيها، هو كتاب (كربل كتها) أي قصة كربلاء، وهو الكتاب الذي يمكن القول أنه أثّر أبعد الأثر في تركيز اللغة الأردوية وإرساء قواعد وآدابها وإيجاز نثرها الفني.
وعدا ذلك فإن المواضيع النثرية والأحاديث الشخصية والحكايات، مبعثرة في كثير من الصحف والأوراق.
1ـ (ملا فضلي)، فضل علي. كان ملا فضلي أديباً متضلعاً وفقيهاً فاضلاً، ثم واعظاً وخطيباً على المنابر الحسينية. وإلى جانب ذلك كان ممن يجيدون الكتابة العربية والفارسية. وهو ممن برزوا في عصر الاطمئنان الذي أعاده ذو الفقار نجف علي المتقدم ذكره.
ألّف ملا فضلي كتابه الشهير بلا سابق مثال في الأردوية وسماه (كربل كتها)، أي قصة كربلا، وهو كتاب في المجالس الحسينية وفيها عرف باسم (المقتل) رتبه على اثني عشر فصلاً، وفي كل فصل مجالس. وكل مجلس يشتمل على موضوع خاص وهي هكذا:
المجلس الأول: يشتمل على ذكره وفاة النبي (ص)، والثاني: على وفاة الزهراء (ع) والثالث: على استشهاد أمير المؤمنين (ع)، والرابع: على شهادة الحسن المجتبى (ع)، والخامس: على شهادة مسلم بن عقيل، والسادس على شهادة أولاد مسلم بن عقيل، والسابع: على أحوال طف كربلاء وذكرى الحر بن يزيد الرياحي، والثامن: على شهادة القاسم بن الحسن (ع)، والتاسع: على شهادة العباس بن علي (ع)، والعاشر: على ذكر علي الأكبر، والحادي عشر: على ذكر علي الأصغر، والثاني عشر: على استشهاد الحسين (ع).
وعلى الكتاب طابع واضح من كتاب روضة الشهداء لملا كاشفي الفارسي ومنهجه منهج الكاشفي.
وملا فضلي صاحب الفضل المتقدم على سائر الكتّاب، ومنهجه أقدم منهج أدبي صناعي. ففيه السجع والمحاسن البديعة والكلمات والآيات والأحاديث العربية، حتى أنه افتتح مجالسه بخطبة عربية. وفي خلال الكلام يورد أشعاراً من الأردوية والفارسية.
وانتشر الكتاب وصار يقرأ ويسمع في الحسينيات ومجالس العزاء، واطرد ذكره. وكان تأليفه سنة 1145هـ 1733م.
ولعل الملا فضلي كتبه للحفظ والإلقاء.
وبعد ملا فضلي يأتي ميرزا محمد رفيع سودا، في رسالته النثرية الموجودة في كلياته، وبعده بل معاصره:
2ـ مير محمد حسين عطا خان تحسين الذي ألّف كتابه القصصي (نوطرز مرصع) الذي كتبه سنة 1189هـ، ونثره منفرد في نسيجه، جامع لمحاسن البيان والبديع ولا يخلو من الطابع الفارسي.
3ـ مير أمن، دهلوي المولد، وتوفي بكلكته 1217هـ أديب بارع وكاتب عظيم، له على الأدب فضل خالد، وكتابه (باغ وبهار) (1215هـ) لا يزال يقرأ ويدرس ويطبع. منهجه خطابي وحديثي عام خالٍ من الصناعات البديعية، وهو قصة وفي ذيل القصة إشارات إلى حياة العامة وتقاليد الأسرة وآداب الشيعة. وقد ترجم إلى عدة لغات أوروبية.
ومن كتب مير أمن الكثيرة كتاب (كنج خوبي) وهو ترجمة أخلاق محسني الفارسي.
4ـ محمد شريف خان، الحكيم الطبيب الفاضل. وهو دهلوي المولد 1222هـ كان أول من ترجم القرآن وفسره باللغة الأردوية.
5ـ مير شير علي، أفسوس المتوفى سنة 1224هـ وهو مصنف كبير وأديب شهير ومن كتبه الأدبية ونثره الفني كتاب (أرايش محفل) وهو ترجمة لتاريخ فارسي (خلاصة التواريخ)، و (باغ أردو) وهو ترجمة لكتاب سعدي الشيرازي (كلستان) وغيرها من الكتب.
6ـ (انشا) السيد إن شاء الله خان الشاعر الذي مر ذكره، وهو الكاتب الناثر أيضاً، وهو أول أديب أسس القواعد الأردوية وأصولها من النحو والصرف والعروض، وضبط الكلمات والأمثال. وكتب (درياي لطافت)… فكان أول كاتب دون هذا الفن، وقد ألّف بعض أجزائه محمد حسن فتيل، الشاعر والكاتب بالفارسية والتركية، وكان صديقاً لإنشا وشيعياً مثله.
ولإنشا كتاب (راني كيتكي) وهو قصة هندية تعتبر نسيج وحدها.
7ـ (حيدري) حيدر بخش: وهو نجفي الأصل دهلوي المولد والموطن، توفي سنة 1238هـ.
هو كاتب القصص والأساطير والتاريخ، وأشهر كتبه المعدودة من أعلى كتب الأدب (توتاكهاني) (قصة الببغاء) وكتاب (أرايش محفل ـ وهو غير كتاب مير أمن ـ وقصة (ليلى ومجنون) و (كلزاردانش) و (تاريخ نادري) وطبقات الشعر والشعراء باسم (كلشن هند) والمجالس الحسينية، على منهج (كربل كتها) واسمه (كل مغضرت).
8ـ مولانا محمد باقر الدهلوي: المقتول سنة 1857م.
هو من رجال العلم والفضل، خطيب وصحافي وكاتب. وهو من المجاهدين في الثورة الهندية على الإنكليز. وكان لمجلته (دهلي أردو أخبار) مقام رفيع في تاريخ الصحافة. ومن تآليفه كتاب (هادي التواريخ) رتبت فيه الأحداث بحساب الشهور والأيام.
9ـ غالب الذي مرّ ذكره بين الشعراء، وهو إلى جانب شاعريته كاتب بلا نظير، واشتهرت رسائله إلى تلامذته وإخوانه. ومن كتبه «ديوان أردو» و«كليات فارسي» و(عود هندي) و(أردوي معلى).
10ت (آزاد)، محمد حسين (شمس العلماء) ابن مولانا محمد باقر. دهلوي المولد 1245هـ لاهوري المدفن 1328هـ.
عايش سقوط الدولة التيمورية والسيطرة (الإنكليزية وقيام الثورة الهندية . وبعد ما ساد من الهرج والمرج والقتل، وما جرى من الفشل والحل والترحال، نهضت العلوم والآداب ونشأت مناهج جديدة. وكان هو نفسه أصيب فيمن أصيبوا بنوازل دهلي، فقتل أبوه ونهبت مطبعته ومكتبته وداره. ثم هرب من دهلي وجال في البلاد حتى حلّ في لاهور. وانصرف إلى الكتب المدرسية في المدارس الجديدة فبرز من بين الكتاب بروزاً كاملاً. واشتهر بأدب الأطفال. ثم كتب وكتب وطار اسمه وذاعت كتبه ومن أشهرها (آب حياة) في طبقات ونشوء اللغة ورقيها. وقد نال هذا الكتاب من الشهرة والإقبال ما لا نظير له. وكتاب (دربار أكبري)، وهو تاريخ لعهد جلال الدين أكبر العاهل الهندي المغولي. و(قصص هند) و(نيرنك خيال) و(سخندان فارس). وكذلك جمعت رسائله إلى إخوانه وطبعت حديثاً باسم (مكاتب آزاد).
11ـ شمس العلماء السيد علي بلكرامي، المولود سنة 1851م والمتوفى سنة 1911م.
أوحد زمانه في المعارف القديمة من العربية والسانسكريتية، والمعارف الحديثة من الإنكليزية والفرنسية. كان مشجع العلماء ومن مؤسسي الجامعة العثمانية في حيدر آباد الدكن، وهو كاتب كبير عرفت ترجماته العديدة عن شتى اللغات. واشتهر كتابيه (تمدن عرب) و(تمدن هند).
12ـ (رسوا). محمد هادي. لكنوي المولد 1858م وحيدر آبادي المدفن 1931م.
صاحب كتاب (منطق استقرائي) وغيره من الكتب. على أنه اشتهر بأسطورياته مثل (أمراؤجان) و(شريف زاده) وغيرها. هذه الأسطوريات التي أحلته محلاً رفيعاً في الأدب الأردوي.
13ـ ومن كتّاب القصة الطويلة عرف أمثال: المنشي جاه والمنشي قمر اللكنونيين صاحبا (طلسم هوش ربا) بمجلداته الكبيرة.
ومن كتاب القصص القصيرة (فساته وأسطوري) عرف أمثال: علي عباس حسيني، ورضية سجاد وقرة العين.
وفي الأدب الساخر عرف الشيخ سجاد حسين وممتاز حسين مدير (أودبنج). وفي الشعر الساخر عرف السيد مقبول حسين ظريف شقيق الشاعر مولى الصفي.
ومن كتاب الدراما والمسرح، كان أولهم واجد علي سلطان أود. ثم أمانت، ثم مهدي حسن أحسن، وعابد علي عابد وامتياز علي تاج.
ومن النقاد عرف مولانا محمد حسين آزاد الذي يعتبر مؤسس أسلوب النقد الحديث، ثم أمداد أمام أثر شمس العلماء. وله في هذا الموضوع كتاب (كاشف الحقائق) تحدث فيه حتى عن شعراء العربية والفارسية وشعراء الغرب ويمكن القول إن في (كاشف الحقائق) متابعات لكتاب العمدة لابن رشيق.
ثم جاء أخيراً الناقد المجدد احتشام حسين المتوفى 1972م. ومن مشاهير النقاد كذلك السيد سعود حسن صاحب كتاب (هماري شاعر).
الخاتمة
والخلاصة أن اللغة الأردوية لغة غنية بألفاظها، زاخرة بمعانيها، شيقة بأساليبها، وقد استحدث غناها مما دخلها من الألفاظ العربية والفارسية والتركية. وبالرغم من أنها تحتوي على ألفاظ هندية فإن الطابع الفارسي واضح فيها.
ولقد نشأت في ظلال التشيع وربيت في أحضانه، وترعرعت في كنفه. وبلغت إلى قممها الشامخة بالشيعة وتأصّلت واتسعت بشعرائهم وحكامهم وكتابهم وناقديهم وأساتذتهم وتألفت بشعائرهم وعقائدهم.
فالشيعة هم الذين أقاموا بناءها وشادوها بلا ريب.
مرتضى حسين
أرس (نهر)
ـ1ـ
ينبع نهر أرس من العيون الواقعة في السفوح الشمالية لبينكل داغ بالقرب من أرضروم في شرقي تركيا، ويجري بعد قطعه مسافة تقدر بحوالي 150كلم والالتفات حول قمة أرارات، من الشمال باتجاه الجنوب الشرقي، ثم يشكل عند التقائه برافده المهم قره سوي الأسفل، الحدود الطبيعية والسياسية بين إيران وما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي ويقطع نهر أرس في هذا القسم من مجراه على شكل قوس ويتجه حتى جلفا من الشمال الغربي حتى الجنوب الشرقي ويجري من هناك وحتى «خدا آفرين» باتجاه غربي ـ شرقي، ، ثم ينحدر من «خدا آفرين» إلى قرية قره دني الواقعة شمال بارسا آباد في مغان باتجاه الشمال الشرقي. ثم يبتعد نهر أرس عن الحدود الإيرانية السوفيتية حيث يجري حوالي 330 كلم أخرى في مغان السوفيتية ويصب في بحر الخزر.
ويبلغ طول نهر أرس 1072 كلم، وتبلغ مساحة حوضه الواسع حوالي 102000 كلم2 (دائرة المعارف السوفيتية الكبرى 2/230) حيث تعادل مساحة منطقة آذربيجان بكاملها. ويقع حوالي 39 بالمئة (سازمان برنامه (دفتر فني) [مؤسسة التخطيط، المكتب الفني]، 25) من مساحة الحوض أي ما يعادل 39780 كلم2 في الأراضي الإيرانية. ويجري نهر أرس على الحدود حيث يبلغ معدل عمقه 2,5 م وعرضه يزيد أحياناً عن 200م وتصب فيه عدة روافد من جهة الجنوب أي من أراضي آذربيجان وأهمها من الشرق إلى الغرب:
نهر ماكو أو زنكمار: ينبع من السفوح الشرقية للجبال الحدودية وتتصل به روافد تنبع من سفوح قره داغ وميشوداغ وعند ذلك يدخل النهر سهل ماكو وبعد أن يروي الأراضي والقرى الواقعة في هذا السهل يصب في نهر أرس. وتبلغ مساحة حوضه 910 كلم2، أما معدل كمية المياه السنوية الجارية فيه فيبلغ 220 مليون م3 (مؤسسة التخطيط، المتب الفني، الإعمار، 353).
نهر قطور: ويصب في نهر أرس وتنبع روافده الغربية من سفوح الجبال الحدودية (غربي خوي) وروافده الشرقية من سفوح جلاداغ الواقعة في الشمال الشرقي من مرند، ويصب في نهر أرس بعد أن يروي سهول خوي ومرند إلى الغرب من جلفا. وتبلغ مساحة حوض قطور 840 كلم2 ومعدل المياه السنوية الجارية فيه يتراوح بين 180 ـ 220 مليون م3 (م.س، 335).
نهر قره سو: يعد أكبر روافد أرس في إيران وعاملاً في تصريف مياه عدد من الأقضية كمشكين وأهر وأردبيل. ويتكون نهر قره سو من رافدين رئيسيين وعشرات الروافد الفرعية التي لها أسماء مختلفة. أما الرافدان الرئيسيان له فهما: أهر جاي وقره سو نفسه. ويصب هذا النهر بعد أن يروي أراضي الأقضية المذكورة ويجتاز جبال قره داغ بالقرب من أصلاندورز، في نهر أرس. وتبلغ مساحة حوضه في مشيران 12,000 كلم2 ومعدل كمية المياه السنوية الجارية فيه حوالي 400 مليون م3 (م.س 87).
أرس
ـ2ـ
يتشكل نهر أرس من التقاء رافدين منفصلين ينبع أحدهما من الارتفاعات المعروفة بـ (مين كول داغ) أو جبل (هزاربركه) والآخر ينبع من أرمنستان ويلتقيان عند المنطقة المعروفة بـ (زنكنه) التي تقع في الزاوية الشمالية الغربية لإيران، ويكوّن هذا النهر الحدود المشتركة بين إيران والاتحاد السوفيتي (سابقاً). بعد أن يعبر هذا النهر من جوار (بلدشت) و(جلفا) يدخل ممرّاً صخرياً ويجتاز ارتفاعات قراباغ وقراداغ، وبعد أن يصب فيه عدد من الأنهار من السواحل اليمنى واليسرى من ضمنها نهر (دره رود) الشهير يستمر في سيره بالقرب من أصلاندوز في جزء من (مغان)، ثم يتقوس (ينحرف) في أسفل (بارس آباد) الحالية أمام قرية مهجورة باسم (تازة كند) ويتجه نحو الشمال ليدخل فيما بعد أراضي ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي.
على طول نهر أرس توجد أماكن يزداد فيها عرض النهر بشكل كبير جداً ويصبح تيار الماء هادئاً، بحيث يمكن اجتياز النهر من هذه المناطق بواسطة الخيول أو باللهجة المحلية بـ «أولوم Ouloume » وبالفارسية تسمى كذار (معابر). سكان هذه المناطق كانوا في السابق يعرفون هذه الأماكن جيداً ويعبرون النهر من خلالها في الحالات الضرورية أو يستفيدون من قوارب خاصة مصنوعة محلياً كانوا يسمونها بله (بروزن بله) ويقودها أشخاص ماهرون، (وقد أوقفها النظام السوفياتي عن العمل ومنع استخدامها)… وإن هذه الممرات أو المعابر تقع في أماكن تبعد كثيراً عن الطرق المائية الرئيسية التي تنتهي بجانبي النهر وهو لا ينفع سوى سكان هذه المناطق الذين يرغبون في التردد على الضفة الشمالية أو الجنوبية للنهر، وتحيط بهذه المعابر مجموعة من الارتفاعات الشاهقة أو الوديان العميقة التي تجعل من مسألة الاستفادة منها صعبة للقوات العسكرية أو القوافل التجارية. لذلك نرى وجود عدد من الجسور التي نصبت على النهر في الأماكن الاستراتيجية والمفيدة تجارياً منذ أزمان قديمة ولا زالت موجودة إلى يومنا هذا. ولتحقيق هذا الهدف فقد تمّ نصب ثلاثة جسور مهمة في ثلاثة أماكن مناسبة عسكرياً وتجارياً وسنشير هنا إلى تاريخ تشييد هذه الجسور الثلاثة من الشرق إلى الغرب.
الجسور التاريخية على نهر أرس
1ـ جسر خدا آفرين: يعتبر هذا الجسر من أقدم جسور آذربيجان بل من أقدم جسور إيران، ويعود تاريخ تشييده إلى العهد الحاخامنشي، وتمّ نصبه في منطقة (كيوان أرسباران) التي تبعد حوالي 80 كيلومتراً إلى الشمال من قصبة كليبر وإلى جوار قرية باسم (خد آفرين) عند طول 46 درجة و56 دقيقة و40 ثانية وعرض 49 درجة و8 دقائق و23 ثانية بمحاذاة مدخل قراباغ من الساحل الشمالي وسهل مغان وطريق مشكين وأهر من الضفة الجنوبية.
يتميز مسير النهر من (خدا آفرين) إلى الأعلى أي نحو الغرب بأنه صخري، وسالك بصعوبة وتحيطه سلسلتا جبال قراباغ وقراداغ ( جبال أرسباران) على شكل جدار ضخمم وشاهق… أما المجرى الشرقي للنهر فإنه يتكون من أتربة غرينية ناعمة وقد غسلتها مياه النهر خلال سنوات طويلة. وفي هذه المنطقة يزداد عمق مياه النهر كثيراً لذا فإن المنطقة التي انتخبت ليقام هذا الجسر عليها تعتبر مناسبة جداً من كل النواحي. المصدر الإسلامي الوحيد الذي يتحدث عن تاريخ تشييد الجسر هو كتاب (نزهة القلوب) الذي ألّفه عالم الجغرافيا المعروف في القرن السابع الهجري حمد الله المستوفي القزويني عام 740 هجرية… وقد جاء في الكتاب: (زنكنه تضم عدة قرى متفرقة، ويقه فيها جسر خدا آفرين على نهر أرس، شيده بكر بن عبدالله صاحب رسول الله (ص) في عام 15 للهجرة)([555]).
بالاستناد إلى الوثائق المتوفرة فإن ما جاء في الكتاب المذكور حول باني الجسر وتاريخ البناء له ليس له أي قيمة تاريخية، حيث من المؤكد أنه حدث خطأ في التاريخ المذكور أثناء استنساخ المخطوطات لأن العرب دخلوا إيران عام 18 للهجرة.
أما فيما يخص باني الجسر فإن عالم الجغرافيا المسلم كان يقصد من كلامه الذي أوردناه آنفاً هو إصلاح الجسر وليس بناءه حيث عبروا من خلاله إلى مغان.
وإذا لاحظنا قلة الإمكانات العلمية والمادية للمسلمين آنذاك وعدم امتلاكهم للأدوات اللازمة لبناء جسر مثل هذا الجسر وعدم معرفتهم بخصائص المنطقة الجغرافية والطبيعية ووضعهم الهجومي ومواجهتهم لقوات مغان المنظمة وقوات محلية أخرى فضلاً عن أن بناء مثل هذا الجسر يستغرق أكثر من سنة كاملة مع توفر الإمكانات والعمال… ومن جهة أخرى وطبقاً للوثائق المتوفرة من مصادر يونانية. اعتمد عليها أكثر العلماء الأجانب فإن مشيّد (خدا آفرين) ربما كام (كوروش الكبير).
على أن العالم والمؤرخ الفرنسي رنه كروسه في كتابه الموسوم (آسيا): الجسر الذي يعرف اليوم بجسر خدا آفرين شيد في العهد الحاخامنشي ومن ثم هدم، وأعاد بناءه شاهبور الأول بن أردشير مؤسس السلالة الساسانية.
ولقد تهدم هذا الجسر عشرات المرات خلال القرون المتمادية، وكان يعيد بناءه العديد من الأمراء والقادة([556]).
ومن أحداث هذا الجسر التاريخية أنه عندما علم آقا محمد خان القاجاري بنبأ تمرد إبراهيم خليل خان قرر أن يتجه إليه لإنهاء تمرده، وبعد أن وصل أردبيل، أخبر أن إبراهيم خليل خان الملقب بجوانشير تحصن في مدينة (شوشي) وصمم على الدفاع عنها، لذلك فقد جهز آقا محمد خان القاجاري جيشاً قوياً وتحرك إلى هذه المدينة فوراً حتى لا يعطي الفرصة لجوانشير بتدعيم قواته وتحصين مواقعه أكثر، ولأنه كان عليه أن يعبر نهر أرس حتى يصل إلى هذه المدينة الواقعة إلى الشمال من النهر، لذا اتجه نحو جسر خدا آفرين الذي كان قد أقيم من قبل على النهر… وعندما وصلت القوات إلى الجسر رآه قد هدم، وعندما تحقق من الأمر تبين أن جوانشير كان قد قام بهذه الخطوة حتى يحول دون تقدم قوات (آقا محمد خان القاجاري). لذلك أصدر أوامره بنصب جسر عائم بالقرب من الجسر المهدم وفي نفس الوقت شرع بإصلاح الجسر القديم الذي سلمت قواعده من التهديم وأمر ببناء الأجزاء الأخرى من الجسر مستخدماً أفضل مواد البناء.
2ـ جسور جلفا: تتميز جسور جلفا الحالية بأنها حديثة التشييد، وقبل أن تشيد هذه الجسور كان المسافرون يعبرون هذه المنطقة عن طريق القوارب والزوارق الصغيرة… إلا أن السائح الفرنسي المعروف (تاورنيه) الذي زار إيران ست مرات بين عامي 1632 ـ 1668م كتب في مذكراته أنه كان يوجد جسر عند نقطة جلفا على نهر أرس، وقد هدم هذا الجسر بأمر من الشاه عباس الكبير حتى لا يستخدمه العثمانيون وقد جاء في الصفحة 62 من مذكراته الخاصة ما يلي:
«جلفا هي الموطن القديم للأرامنة. وهي مدينة تقع بين جبلين ويمر من خلالها نهر أرس، وتقع على جانبي النهر أرض لا تصلح للزراعة لوعورتها… ويتصل ساحل النهر بمنحدر الجبل ولا تتمكن السفن أن تعبر من هذه المنطقة لذلك فهي تسلك طريق أخرى ولا يمكن أن تعبر النهر من هذه النقطة إلا قوارب صغيرة، ولأن أراضي هذه المنطقة تميل نحو التسطح والتسوية شيئاً فشيئاً لذا فإن العبور بهذه الوسيلة أيضاً غير مأمون ويأخذ جريان الماء بالهدوء في هذه المنطقة.
كان على النهر عند هذه النقطة جسر جميل من الصخور هدّمه الشاه عباس مع باقي أجزاء المدينة حتى لا يبقى أي شيء منها للأتراك.
كما كتب تاورنيه الذي عبر من هذه المنطقة في حوالي عام 1622م ووصل إلى تبريز في نفس الكتاب في ص64 ما يلي: «عندما نتحرك من أسد أباد لا بد أن نحمل معنا تبناً وشعيراً لخيولنا، لأنهم أخبرونا بعدم توفر هاتين المادتين في الطريق، وبعد ساعة من الوقت وصلنا إلى حافة نهر أرس وعبرنا النهر بالقارب».
كما كتب سائح مشهور آخر باسم (شواليه شاردن) الذي زار إيران عام 1664م وبقي فيها حتى عام 1670م في الصفحة 394 من الجزء الثاني لمذكراته وهو يصف تحركه من نخجوان على ساحل أرس ووصوله إلى جلفا في طريقه إلى تبريز قائلاً:
«لا بد أن نعود إلى محل إقامتنا على ساحل نهر أرس هذا النهر المشهور الذي يفصلنا عن أرمنستان. وينبع أرس من جبل يقولون إن سفينة نوح رست عنده، وقد يكون اسم النهر اشتق من اسم هذا الجبل الكبير (آرارات)».
يجتاز النهر هذه المنطقة ليصب في بحر كاسيبين (قزوين ـ الخزر). أرس نهر كبير وسريع الجريان، ويزداد حجمه شيئاً فشيئاً بعدما يصب فيه عدد كبير من الجداول والأنهار غير معروفة الإسم فضلاً عن المياه المختلفة الناتجة من السيول… وقد أقاموا عدة جسور على النهر عند مناطق جلفا وأماكن أخرى، ورغم قوتها ومتانتها إلا أنها لم تستطع مقاومة تيار الماء السريع الجارف الذي يسير في النهر، وعندما تذوب الثلوج المجتمعة على الجبال المحيطة تزداد سرعة التيار المائي ويتضاعف غضب النهر بحيث يقتلع كل جسر أو بناء يلقاه في طريقه، وفي الحقيقة فإن سرعة التيار المائي والأصوات المخيفة التي تتولد نتيجة ذلك تثير تعجب المقيمين في أطراف النهر.
أما بالنسبة للجسور الموجودة حالياً عند جلفا فهي شيدت حديثاً، وتشمل جسرين، أحدهما لعبور قطارات نقل المسافرين والبضائع والآخر لعبور المسافرين ووسائل النقل المختلفة.
الجسر الأول المخصص للقطارات شيد عام 1913م من قبل شركة الخطوط الحديدية (تبريز ـ جلفا) ويبلغ طوله حوالي 110 أمتار وهو من النوع المعلق ويتمدد ويتقلص مع ارتفاع وانخفاض درجات الحرارة، ويبلغ عرضه حوالي 5.5 متر، وقد شيد بحيث أنه مهما ارتفع سطح الماء فإن المسافة الفاصلة بين الجسر وسطح الماء تبقى ثابتة وهي 2.5 متر.
3ـ جسر بلدشت أو جسر عربلر: يحد منطقة بلدشت من الشمال نهر أرس ومن الجنوب ضواحي ماكو و(سيه جشمه) ومن الغرب تركيا ومن الشرق مدينة مرند، وهي تتكون من قرى (جاي باسارار سكنار) و(قره قويون) و(كجلرات) وترتفع عن سطح البحر بمقدار 1294 متراً.
اسمها السابق هو عربلر وغُيّرَ الاسم فيما بعد إلى (بلدشت) ومركزها قصبة عربلر السابقة وكانت أكثر إعماراً قبل الثورة الروسية الكبرى وكان سكانها يستخدمون هذا الجسر للعبور إلى أراضي روسيا للعمل والتجارة.
شيد هذا الجسر عند نقطة تبعد 20 كيلومتر عن نخجوان وكان له دور كبير مهم في التبادل التجاري والاقتصادي سابقاً، وكانت الجيوش والقوات التي تريد الوصول إلى نخجوان وباقي المناطق تعبر عن طريق هذا الجسر وذلك في العهود التاريخية المختلفة ابتداءً من العهد الساساني ومروراً بدخول العرب إلى إيران وأرمنستان أو في العهد الصفوي والقاجاري.
وخلافاً لجسر خدا آفرين الذي ذكر مراراً في مذكرات الرحالة والسواح فإن هذا الجسر لم يذكر في كتب التواريخ أو مذكرات الرحالة، ولا يرد سوى ذكر جسر باسم جسر ضياء الملك النخجواني الذي شيد بالقرب من قلعة (كركر) عند مفترق مرند ويبعد 15 ميلاً عن نخجوان، ويحتمل أن الاسم القديم لجسر عربلر هو ضياء الملك الخجواني.
ومن جهة أخرى، نظراً أن ضياء الملك هو من سكان نخجوان وكان وزيراً عند السلجوقيين فقد استفاد من مكانته ومنصبه الرسمي ليبني هذا الجسر بالقرب من مسقط رأسه ليبقى ذكرى له ويخلّد من قبل أهالي منطقته كما أنه بنى مسجداً كبيراً في نخجوان. أو أن الجسر الموجود حالياً شيد من قبل الآخرين ولا يعرف بالضبط من هم الذين شيدوه حيث توجد حالياً أطلال لجسرٍ قديمٍ بالقرب من الجسر الموجود حالياً. أما بالنسبة لجسر ضياء الملك فقد ورد اسمه كثيراً في كتب التاريخ على أساس أنه مرّ عليه القادة العسكريون والأمراء والسلاطين المنتصرون أو المهزمون ونشير هنا إلى أمثلة على ذلك:
المؤرخ خواند مير كتب في (حبيب السير) في بيان وقائع عام 687 الهجري ما يلي([557]):
«بعد أن سمع السلطان أحمد جلابر بنبأ دخول السلطان بايزيد وعادل أقا، فرّ من تبريز، وقد نصب (عادل آقا) شخصين باسم (عباس آقا) و(مسافر) لإدارة مرند، وأرسل (محمد دواتي) و (قرابسطام) إلى ضفاف نهر أرس وقاما بتدعيم جسر ضياء الملك وأقاما هناك…» كذلك فإن الأمير تيمور كوركاني (تيمورلنك) اجتاز عام 788 مرند و(دره) عبر جسر ضياء الملك واتجه نحو نخجوان كما كتب لسترنج في كتابه (أراضي الخلافة الشرقية) في صفحة 179 فيما يخص جسر ضياء الملك ما يلي:
(وكذلك يوجد في نخجوان مباني تعود إلى ضياء الملك وزير السلجوقيين المعروف، كما وصف شرف الدين علي يزدي الجسر المعروف بضياء الملك الذي لا زالت أطلاله باقية. وقد شيد هذا الجسر بالقرب من قلعة كركر عند مفترق مرند ويبعد 15 ميلاً عن نخجوان وعلى نهر رأس).
4ـ الجسور التاريخية الأخرى على نهر أرس: كانت هناك عدة جسور أخرى على نهر أرس ذكرت في كتب التاريخ ولكن لم يبق منها أي أثر الآن… ولا يعرف هل إنها جرفت مع مياه السيول والفيضانات أو هدمت بسبب المعارك التي كانت تجري في المنطقة بين الملوك والأمراء… وسنشير هنا إلى الجسور، هل إنها بالقرب من الجسور الحالية أو في الأقسام الأخرى من النهر.
جاء في كتاب (عجائب المخلوقات) لزكريا بن محمد بن محمود القزويني (602 ـ 682) نقلاً عن (ديسم) بن إبراهيم أحد سلاطين آذربيجان الذي كان عائداً في عام 339هـ من حربٍ هزم فيها مخالفيه في الطرف الآخر من نهر أرس ما يلي:
قال (ديسم) بن إبراهيم آذربيجان: عندما كنت أعبر مع قواتي جسر أرس، رأيت إمرأة في وسط الجسر تحتضن طفلها الملفوف بالقماط، وفجأة رفسها جمل مما أدى إلى سقوط الطفل إلى الماء من بين يديها وبينما كان الطفل يصارع الموت وسط أمواج الماء رأيت صقراً انقضّ بسرعة على الطفل وحمله بمنقاره متجهاً نحو الصحراء، فأرسلت مجموعة من الجنود لملاحقته وتخليص الطفل منه وما إن نزل الصقر إلى الأرض وصلوا الجنود إليه وأنقذوا الطفل منه وسلمناه إلى أمه([558]).
كما جاء في المجلد الثاني (لتاريخ منجم باشي) ـ الصفحة 507 ما يلي:
«في حوالي عام 418هـ، قام فضلون بن محمد بتشييد جسرٍ جميلٍ على نهر أرس، أفرح الناس كثيراً. وكان فضلون يحكم مناطق واسعة من أرمنستان خلال 47 عاماً وخاض حروباً عديدة ضد الأرمن والكرجيين وانتصر عليهم وأخذ منهم 300 ألأف درهم».
كذلك في الرسالة التي بعثها السلطان سليم العثماني إلى الشاه إسماعيل، ذكره بأن الجسر الموجود على نهر أرس ويعرف باسم (الداعي كوبرسي) هو الحد الفاصل بين البلدين ويدعوه بعد ذكر مقدمة طويلة إلى الأخذ بهذا الجسر كحدّ يفصل بين البلدين([559]).
يوجد حالياً في منطقة بلدشت جسران أحدهما عامر وسالك يستخدمه في الحالات الضرورية حراس الحدود والثاني يقع إلى أسفله وهو مهدم وغير سالك([560]).
إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان
كتاب للحسن بن يوسف بن المطهر المعروف بالعلامة الحلي (648 ـ 726هـ) وهو من أكبر الكتب الفقهية عند الشيعة، ولأهمية هذا الكتاب فقد شرح شروحاً كثيرة بلغ عددها ستة وثلاثين شرحاً.
إرشاد العاملين (كتاب)
تأليف الشيخ محمد تقي بن محمد علي ابن الشيخ حمزة الفشندي القزويني المولود سنة 1244 هجرية في قرية فشند والمتوفى سنة 1330هـ وهو من أكابر العلماء في مطلع القرن الرابع عشر وفحول المتكلمين في عصره.
والكتاب هو المجلد الثامن عشر من موسوعته الكبيرة المسماة بـ (ذخائر المحبين في شرح ديوان أمير المؤمنين) ويبحث في الشهور والسنين والأسابيع والأيام والليالي العزيزة والأعمال والمستحبات فيها. ثم يليه بحث في المياه والينابيع والجبر والتفويض وينتهي كلامه في الأخلاق والنكت الأدبية مستنداً في كلامه على الروايات والأحاديث والآيات القرآنية.
وقد فرغ من تأليفه في سلخ ذي القعدة الحرام سنة 1321 هجرية ويقول في آخره وقد بلغ عمري ثمانية وسبعين سنة. لذا يستفاد أن ولادته كانت سنة 1243 هجرية.
وتوجد نسخة بخط المؤلف في مكتبة كاتب هذه السطور في قزوين ولم أجد ذكراً لهذا الكتاب في الفهارس، كما لم يقف عليه شيخنا الأستاذ الشيخ آقا بزرك الطهراني ولم يرد ذكره في موسوعته الذريعة إلى تصانيف الشيعة.
عبد الحسين الصالحي
أرضروم
مدينة تقع في شمال غرب تركيا، وقد ذكر جميع الجغرافيين المسلمين هذه المدينة باسم (قاليقلا)، بينما أطلق عليها الأرمن اسم (كرن) و (غارين) وأسماها قدامى اليونان كارانيتس وثيودوسيويليس. وذكر الجغرافيون المسلمون إضافة إلى هذه الأسماء ـ أسماء أخرى لها مثل أرزنة الروم وأحياناً أرض الروم. وقد تم فتح أرض الروم والأراضي المجاورة لهل على يد عياض بن غنم زمن الخليفة الثاني. وقد ذكر خرداذبة في القرن الثالث الهجري أن مدينة قاليقلا جزء من الإقليم الأرمني الرابع.
كانت هذه المدينة في القرن الرابع الهجري صغيرة جداً ولكنها معمورة. وقد تحدث عنها ياقوت الحموي في القرن السابع فذكر بأنها تقع بالقرب من أرمينيا. وبعد ذلك بقرن زارها ابن بطوطة وقال أنها تخضع إلى حكومة ملك العراق، وهي مدينة كبيرة، ولكن أغلب أجزائها أصيبت بالخراب بسبب خلافات وقعت بين جماعتين من أشراف المدينة.
وعندما كان أبو الفداء يؤلف كتابه كانت هذه المدينة تابعة لديار بكر. وقد تعرض المستوفي في معرض حديثه عن طول وعرض المدينة، لذكر كنيستها ومسجدها المقام على شكل الكعبة.
فتحها الشاه إسماعيل الصفوي في عام 886هـ وضمها إلى بلاد إيران، وأغلب الظن أن طائفة القزلباش الشيعية سكنت هناك منذ ذلك الحين. ثم احتلها السلطان سليم الأول في عام 920هـ وألحقها بالدولة العثمانية.
وفي العصر القاجاري زارها الشيرواني وكتب عنها: «… هي مدينة كبيرة عظيمة، تتميز ببرودة طقسها وعذوبة مائها، وتشتمل على نواحٍ مشهورة وقرى معمورة، وينطق أهلها بالتركية ويتبعون المذهب الحنفي وقليل منهم شيعة ونسبة ضئيلة منهم من الغلاة.»
وقزلباش هذه المناطق هم جيش الشاه إسماعيل الصفوي الذين سكنوا في شرقي الأناضول. وفي الواقع فإن اسم القزلباش في هذه المناطق إنما يطلق على السكان الشيعة.
الأرك
الأرك من المواقع الهامة التي انتصر فيها المسلمون في إسبانيا تحت قيادة خليفة الموحدين أبو يوسف يعقوب، على قوى المسيحية مجتمعة.
وقد هلّل المسلمون لهذا الانتصار، وأسرفوا في الاعتزاز به، واعتبروه انتصاراً حاسماً، وجعلوا من أبي يوسف المنصور بطلاً من أبطال الإسلام ومجاهداً من أعظم مجاهديه، ويبدو أن السبب في إسرافهم في تعظيم انتصار الأرك أنه أزاح إلى حين خطراً هائلاً كان يتهدد الإسلام في الأندلس، وهو خطر الاسترداد الذي أخذ يجتاح في دفعه المتواصل أراضي الإسلام كموجات عاتية وكسيل جارف، ولكنه لم يقض نهائياً على خطر الاسترداد المسيحي، لأن بناء الدولة الأندلسية كان قد تصدع قبل ذلك بقرن من الزمان وآذن بالانهيار، وعلى هذا النحو أخَّرَ انتصار الأرك سلسلة الهزائم التي أخذت تتوالى على المسلمين، ولم يكن قد مضى عليه بعد سبعة عشر عاماً، لذلك كانت موقعة الأرك خاتمة لانتصارات الإسلام في الأندلس، فلم تكد تنتهي هذه السنون المذكورة حتى كانت هزيمة المسلمين في واقعة العقاب التي كانت بدورها بداية محزنة للنهاية المحتومة.
كان لا بد للموحدين الذين أطاحوا بدولة المرابطين في المغرب أن يتدخلوا في الأندلس، لتوحيد الجبهة الإسلامية ضد مملكة البرتغال غرباً، ومملكة قشتالة وليون شمالاً، ومملكتي أرغون وقطلونية في الشمال الشرقي ولم يلبث الموحدون أن عبروا المجاز وفرضوا طاعتهم على قادس وإشبيلية وقرطبة ومالطة والجزيرة الخضراء في سنة 546هـ (1151م)، ثم تغلبوا على غرناطة في سنة 549هـ (1154م)، واستتب نفوذهم في جنوب الأندلس. وفي سنة 552هـ (1157م) نجح الموحدون في استرجاع المرية من القشتاليين بعد حصار دام سبعة أشهر.
وشهدت الأندلس في عصر أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن الموحدي عصراً من الازدهار والرخاء والاستقرار، فقد اتخذ مدينة إشبيلية حاضرة لدولة الموحدين في الأندلس، وكان أبو يعقوب يوسف يؤثر إشبيلية على مراكش حاضرته في المغرب، فجملها بالقصور وأقام فيها مسجداً رائعاً ما تزال آثاره قائمة حتى يومنا هذا بمئذنته السامقة المعروفة عند الإسبان اليوم باسم «الأخيرالد» وقد قام أبو يعقوب في أواخر أيامه بحملة على البرتغال، وحاصر مدينة شنترين دون جدوى، وعند عودته إلى إشبيلية هاجمته قوات دون أنريكي ملك البرتغال، فأصيب بسهم مسموم، وقتل في عام 580هـ (1183م).
وخلفه ابنه أبو يوسف يعقوب (580 ـ 595هـ/ 1183 ـ 1198م). وفي عهده اشتد خطر الولايات المسيحية في شمال شبه الجزيرة، فلم يجد أبو يوسف بدّاً من العبور إلى الأندلس بجيوش هائلة لينقذ ما تبقى من الأندلس في أيدي المسلمين، وانتصرت جيوشه على جيوش الفونسو الثامن ملك أرغون في موقعة الأرك alarcas سنة 591هـ (1195م). والأرك موضع بنواحي بطليوس من غرب الأندلس كان يقوم به حصن منيع.
وكان سبب هذه الوقعة أن جيوش الفونسو الثامن ملك قشتالة أخذت تعيث في أراضي المسلمين بالأندلس سنة 590هـ، ومضت تدمر الفحوص والسهول، وتخرب العمران الإسلامي في غرب الأندلس. وكان خليفة الموحدين أبو يوسف مقيماً إذ ذاك في مراكش، حاضرته بالمغرب. فلما بلغه ما فعله القشتاليون، أعدّ العدة، وجهز جيوشه، وجاز إلى الأندلس في جمادى الآخرة من سنة 591هـ(1195م)، ومكث بعض الوقت في حصن جبل طارق الذي بناه أبوه أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، ثم اتجه بجيوشه نحو إشبيلية التي جعلها الموحدون حاضرتهم في الأندلس. وكانت عادة خلفاء الموحدين أن يقيموا بإشبيلية كلما عبروا إلى الأندلس. وهكذا فعل أبو يوسف يعقوب، ونزل حاضرته وأقام فيها بعض الوقت ريثما يستكمل تنظيم جيوشه، ثم خرج منها بجيوشه في جموع هائلة، والتقى مع جيوش الفونسو الثامن، بالإضافة إلى جيوش الدول المسيحية الشمالية في موضع يعرف بفحص الحديث بالقرب من حصن الأرك.
ويذكر عبد الواحد المراكشي أن الفونسو جمع جموعاً لم يجتمع له مثلها قط، كانت تتجاوز خمسة وعشرين ألف فارس، ومائة ألف من المشاة، وأنه كان يصطحب معه جماعة من التجار اليهود لشراء أسرى المسلمين لأنه كان واثقاً من النصر، إذ كان قد دعا إلى نجدته جميع ملوك المسيحية في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا، وجاءت فرق المطوعة من غلاة المسيحيين من سائر أنحاء هذه البلاد حتى تضخم بها جيشه وقد شاهد الموحدون هذه الجموع الهائلة المحتشدة أمامهم، فاعتراهم بعض الخوف، وباتوا يخشون الهزيمة.
وتمّ الصدام في شعبان 591هـ (10 تموز سنة 1195م)، والتحم الجيشان في قتال عنيف انتهى بانتصار الموحدين انتصاراً هائلاً، على جيوش الإسبان وحلفائهم. ويذكر الحميري أنه سمع أن انتصار المسلمين في هذه الموقعة جاء اتفاقاً بسبب استيلاء المسيحيين على بعض أعلام الموحدين، ورفعهم له، وظن فريق من الموحدين أن إخوانهم المسلمين قد انتصروا على الأعداء، وأنهم تقدموا على جيوش الأعداء بأعلامهم المرفوعة، وانقضوا على كتائبهم يمزقونها حتى ظفروا بالنصر المبين، وقد تكون هذه الرواية صحيحة إلى حد ما، لأن انتصار المسلمين في الأرك كان آخر انتصار لهم في الأندلس، وكان انتصاراً ضعيفاً بالنسبة للانتصارات السابقة كالزلاقة وإقليش، ولكنه انتصار حاسم على أي حال، إذ أدى إلى تغيير الأوضاع في إسبانيا فترة من الزمن، وكسر شوكة قشتالة بعض الوقت، حتى إذا ما جمعوا شملهم من جديد، ضربوا الموحدين مرة ثانية في عهد الخليفة الموحدي محمد الناصر في موقعة العقاب المعروفة بلاس نافاس دي تولوس del tolosa Lasnavas التي حدثت في سنة 609 هـ (1212م).
ولقد احتفل المسلمون بانتصار الموحدين في الأرك لأنه على الرغم من ضعفه يذكرهم بانتصارات المسلمين السالفة. والواقع أن ميزان القوى في الأندلس لم يعد في ذلك الوقت راجحاً بالنسبة لقوى الإسلام، فإن الولايات المسيحية القائمة في شمال إسبانيا، كانت قد وسعت أراضيها عل حساب أراضي المسلمين، بحيث تقلص ملك المسلمين تقلصاً تشهد به الخرائط التي تمثل الأندلس في ذلك العهد، وتعرض غرب الأندلس لغارات مملكة البرتغال الناشئة التي أخذت تلتهم المدن الإسلامية الواحدة إثر الأخرى، حتى لم يعد للمسلمين في هذه المنطقة سوى عدة مدن صغيرة، فلما تصدى لهم أبو يعقوب يوسف وحاول تخليص مدينة شنترين من أيدي البرتغاليين استشهد سنة 1184م, وكذلك كانت مملكة قشتالة تجتاح أراضي المسلمين في الشمال.
ولم يكن انتصار المسلمين في الأرك سهلاً، إذ جاء بعد قتال مرير، قتل فيه من الفريقين عدد كبير، كذلك لم يكن هذا الانتصار عن قوة للمسلمين أو عن ضعف للمسيحيين بدليل أن قوات الموحدين لم تتمكن من استرداد المدن التي كان القشتاليون قد استولوا عليها، وعجز المسلمون عن استرداد طليطلة ومجريط وغيرهما من مدن الثغر. ومع ذلك فقد عاد الخليفة إلى إشبيلية حيث استعرض جيشه الظافر، وتلقب بالمنصور، واحتفل بهذا الانتصار المجيد فأنشأ مدينة تجاه إشبيلية سميت بحصن الفرج تيمناً بهذا الانتصار، ولقد أعطى المؤرخون العرب لهذا الانتصار أهمية كبرى باعتباره آخر انتصار للإسلام في الأندلس، فلم تمض 17 سنة على هذا الانتصار حتى هزم نصارى إسبانيا المسلمين سنة 609 هـ (1212م) في موقعه العقاب التي أدت إلى انهيار دولة الموحدين وتصدع دعائم الإسلام في الأندلس.
والواقع أن انتصار الموحدين في موقعة الأرك كان إنذاراً لدول إسبانيا المسيحية، إذ أصبحت طليطلة وقونكة على أثره مهددتين بغزو وشيك، وأثار ذلك عوامل الذعر والهلع في نفوس المسيحيين، فاستغل ذلك اسقف طليطلة دون رودريجو خيمنت دي رادا وأسقف بلنسية دو تيوتيت دي مينسس ودعيا إلى ضرورة اتحاد الولايات المسيحية في شمال إسبانيا وإلى فتح أبواب حرب صليبية دولية في الأندلس. وقد سعى دون رودريجو جاهداً منذ سنة 1206م في التوفيق بين ملوك إسبانيا المسيحية وتوحيد نضالهم، واجتاز جبال البرت إلى فرنسا وإيطاليا داعياً فيهما إلى محاربة المسلمين، فاجتمع إليه عدد كبير من غلاة المسيحية، ونتيجة لجهوده في التوفيق بين نصارى إسبانيا قام الملك سانشو السابع ملك نبارة (1194 – 1234م) بزيارة الفونسو الثامن ملك قشتالة سنة 1207م في مدينة وادي الحجارة، واتفق الطرفان على عقد هدنة لمدة خمس سنوات، كما تعهد الفونسو الثامن ملك نبارة بالتوسط لدى بيدور الثاني ملك أرغون (1196 – 1213م) للوصول إلى اتفاق بين مملكتي نبارة وأرغون. كذلك عقد الفونسو السابع ملك ليون (1188 – 1230 م) عهد صلح مع الفونسو الثامن في وادي الحجارة، وأظهر سانشو الأول ابن الفونسو انريكي ملك البرتغال (1185 – 1211م) استعداداً لتقديم كل ما يطلبه منه ملك قشتالة وأرسل الأسقف خيراردو الشقوبي سفيراً من قبله إلى البابا أينوسنت الثالث، الذي لم يسعه أمام استيلاء الموحدين على شلبطرة، المعقل الأعظم الحربي إلا أن يتوجه إلى سائر أساقفة فرنسا وبروفانس للمساهمة في القيام بحملة صليبية واسعة النطاق داخل إٍسبانيا، كذلك بارك البابا كثيراً من الفرسان المتطوعة من أيطاليا والمانيا وقطلونية والبرتغال ممن دفعهم حماسهم الديني إلى الاشتراك في هذه الحملة.
ويذكر الحميري أن محمد ناصر الموحدي خرج من إشبيلية في محرم سنة 609هـ (1212م) على رأس جيش لم تلتق أهدافه، فقد كان العدد الأعظم منهم لا يرغب في الغزو بسبب تكبره عليهم. ثم أنه قتل الحجاج أبا يوسف بن قادس حاكم مدينة قلعة رباح بسبب تسليمه القلعة للنصارى دون أن يسمع حجته في ذلك، وأخرج من صفوف جيشه الكتائب الأندلسية غضباً عليهم.
وفي تموز 1212م التحم الجيشان في أحد الوديان التي يطلق عليها الإسبان اسم نافاس، وانتصر المسحيون انتصاراً ساحقاً، وقضوا على جيش المسلمين قضاءً مبرماً واستولو على بانيوس، وكاستروفرات وبياسة، وابدة.
ويمر جميع مؤرخي العرب مرّاً سريعاً على هذه المعركة، ويذكرون أنها الوقعة المشؤومة التي لم يقم للمسلمين بعدها قائمة تحمد، وبها بدأت عوامل الضعف تسري في كيان دولة المسلمين في الأدنلس.
(راجع: الموحدون)
الأرقام العربية
يدور خلافٌ كثيرٌ حول حقيقة الأرقام العربية وأصول نشأتها وفروقات التسمية، وهل هي فعلاً ذات أصل هندي، وهل الأرقام المستخدمة في الغرب عربية الأصل؟ إلى غير ذلك من التساؤلات المتصلة بهذه القضية الثقافية الحساسة([561]).
في هذه الورقة المقتضبة نرى شيئاً مخالفاً تماماً لما يذهب إليه البعض المنبهر بحضارة الغرب فيما يخص الأرقام، ونرى شيئاً آخر مما قد يجهله عن الأصول للصفر العربي والرقم العربي وكذلك الرقم الهندي الأصل الذي رحل إلى الغرب عبر العرب المشارقة.
أولاً ـ الصفر: عرفه ابن منظور بأنه: الشيء الخالي، وأنه في حساب (طريقة عدّ الهند) الدائرة في البيت يفني حسابه، وفي تاج العروس: الصفر، بالكسر، في حساب الهند: الدائرة في البيت، وبالضم: الشيء الخالي وبضم أوليه وكذلك بضم أوله وكسر ثانيه. والجمع أصفار. ويشير الدكتور عبدالله الدفاع إلى أن المسلمين هم الذين ابتدعوا الصفر واستعملوه للمرة الأولى في العام 873م على حين لم يستعمله الهنود إلا في العام 879م كما ذكر الدكتور عمر فروخ أن الأرقام ظهرت مع الصفر مرسوماً نقطة، كما نرسمه نحن اليوم، في كتب عربية ألّفت منذ سنة 787م قبل أن تظهر في الكتب الهندية. وبين أيدينا وثائق عربية تبين الأشكال الهندسية لرسوم الصفر المستخدم في منظومة الأرقام العربية، فقد ورد عند أبي الحسن الإقليدسي المتوفى سنة 341هـ على شكل نقطة (.) وعند شجاع المغربي، وفي حساب الهند لابن اللبان، ونصير الطوسي المتوفى سنة 657هـ (الشكل رقم(1) وهذا النوع من الرسم العربي للصفر تزخر به جلّ المخطوطات العربية إن لم نقل كلها حينما يحتاج الأمر إلى ترقيم. كما تجدر الإشارة إلى أن هناك القليل من المخطوطات العربية التراثية التي حملت الرقم صفر برسمه هذا (الشكل رقم 1) النقطة الكبيرة ويظهر أنه للإيضاح والتمييز عن نقاط الوقفة والختمة. أما الصفر في منظومة الأرقام الغربية (الإفرنجية) فكان ابن الياسمين المتوفى مقتولاً بمراكش سنة 601هـ أول من أشار إليه في حديثه عن أول الآثار عن الرقم الغربي (الإفرنجي) ورسمه على شكل دائرة غير متساوية الأبعاد (الشكل رقم 1) وتميل إلى الأعلى يميناً ثم ورد برسم دائرة صغيرة (الشكل رقم 1) عند الغدادي المتوفى سنة 629هـ وأشار إلأيه السخاوي المتوفى سنة 1000هـ في «علم الغبار» ورسمه بهيئة دائرة صغيرة (الشكل رقم 1) ثم جاء بعدهم ابن البناء المتوفى بمراكش سنة 721هـ فأشار إليه (الشكل رقم 1). كما تجدر الإشارة إلى أنه وجد الرسم (0) دائرة بداخلها نقطة للصفر في مخطوطات قليلة جدا بل نادرة تعود إلى القرن التاسع الهجري وقد استخدم الصينيون في معاملاتهم التجارية الصفر الدائرة بدءاً من النصف الثاني من القرن الثالث عشر الميلادي حسب الوثائق المتاحة وهو لا يوجد في منظومة أرقامهم. أما الصفر المأثور عن أرقام قبيلة المايا الهندية الأميركية فكان رسمه هكذا (الشكل رقم 1).
وقد انتقل الصفر العربي باسمه لا برسمه إلى أوروبا، فمثلاً دخلت اللفظة (CHIFFRE) اللغة الفرنسية بالتحديد سنة 1485م واللفظة (شيفرا، سفرا (CIFRA الإيطالية، واللفظة (زيرو ZERO) الإنكليزية واللفظة (تسفر ـZIFFER ) الألمانية..وهكذا ويستعمل الصفر الدائرة اليوم في الأرقام الإفرنجية وأرقام سيام والتبت والبنغال والهند وباكستان بينما يستعمل الصفر النقطة، فضلاً عن الأرقام العربية، في الأرقام الكشميرية اليوم. ولهذا يتّضح بجلاء أن الصفر النقطة (.) المستخدم في المشرق العربي وغيره هو الأصل والأقدم بقرون من الصفر الدائرة لما سبق إيضاحه ولاستخدامه في المخطوطات العربية في مشارق الأرض ومغاربها وليس يعقل غير هذا.
الصورة (2): الأرقام العربية في بدايتها
استخدم العرب هذه الأرقام بشكل واضح في القرن الثاني الهجري وبقي المسلمون كافة يستخدمونها في ظلّ الدولة العباسية ومن بعدها العثمانية، ثم تقلص استخدامها في عهود الانحطاط والضعف وهيمنة أوروبا الاستعمارية على الكثير من البلاد الإسلامية في إفريقيا وآسيا وأوروبا بتأثير الثقافة الغربية التي خدمها الوجود الاستعماري، وكذلك انبهار بعض حملة الأقلام والمثقفين من أبناء هذه الأمة الذين أخذوا يروّجون لتهمة «الأصول الهندية» لهذه الأرقام و «الأصالة العربية لأرقام الإفرنج» التي استخدمها أهل المغرب. عرف عن العرب طريقة الضبط التوثيقي في المكاتبات والرسائل والدواوين خوف التصحيف والتحريف والزيادة والنقص لذلك كانوا يستخدمون عوضاً عن الأرقام في حساباتهم: حروف الجمل، (بضم الجيم وتشديد الميم، ويجوز تخفيفها). وهي الحروف المقطعة على أبجد، وهو نظام العدّ أو الحساب أو الحسابة أو الإحصاء. ولما توسع الديوان ـ ديوان الخراج ـ وأخذ في التضخم في القرن الثاني الهجري ـ أيام المهدي والرشيد ـ نتيجة لضخامة واردات بيت المال اضطر العباسيون إلى استخدام نظام العد بالأرقام من (الترقيم وهو كلام أهل ديوان الخراج).
وأول نص عربي حمل إلينا هذه الأرقام بجلاء هو معادلة حسابية لمحمد بن موسى الخوارزمي المتوفى في أوائل القرن الثالث الهجري في كتابه «الجبر والمقابلة» وظهرت فيها الأرقام (1، 2، 3، 5) وكأنها من خطوط هذا العصر. ثم أحمد الإقليدسي الدمشقي، المتوفى سنة 341هـ في مقدمة كتابه «الفصول في الحساب الهندي» ورسمها عنده هكذا (الشكل رقم 2). ورسمت عند أبي كامل شجاع بن أسلم المغربي، المصري المتوفى سنة 344هـ في كتابه «طرائف الحساب» هكذا (الشكل رقم 2) وورد رسمها عند ابن اللبان المتوفى سنة 350هـ في كتاب «حساب الهند»، وهذه الخطوط للأرقام العربية وردت في كثير من المخطوطات وعند المعنيين في علم الحساب في القرنين الرابع والخامس الهجريين وما بعدهما.
أصولهما
يختلف الباحثون في أصل هذه الأرقام، فمنهم من يرجعها إلى محتد هندي مع القول بتهذيبها وتحويرها وتطويرها على أيدي العرب، ثم حلّها وترحالها في أنحاء العالم بفضلهم، ومنهم من يجزم بأصلها العربي صليبة لا غير ذلك. فأصحاب «الأصول الهندية» لهذه الأرقام العربية يستندون في رأيهم إلى أن المؤرخ اليعقوبي نسب وضع هذه الأرقام لأحد ملوك الهند، وأن الإقليدسي سماها «أحرف الهند» وأن ابن النديم عزاها إلى السند، وأن ابن الياسمين عدّ حساب الغبار في جملة «أعمال أهل الهند» وأن نصير الدين الطوسي ذكر أنها «منسوبة إلى الهند» وأن حكماء الهند «وضعوا تسعة أرقام للعقود التسعة المشهورة».
وأما الذين يرون العراقة العربية لهذه الأرقام فيستند بعضهم على حجج وجيهة ويجزم البعض بناء على معطيات، ونذكر من ذلك:
ـ ان الأرقام العربية هي غير الأرقام التسعة التي وجدت متناثرة في اللغات الهندية المختلفة.
ـ ان أول من حفظ لنا هذه الأرقام بشكلها الحالي هو الخوارزمي.
ـ ان الفلكي محمد بن إبراهيم الفزاري الكوفي المتوفى نحو سنة 180هـ 796م ألّف كتاباً سماه «السند هند الكبير» ونقل فكرة الأشكال التي عليها بأمر الخليفة المنصور، لذا فهو نقل الفكرة، ولم ينقل وضع أشكال الأعداد الهندية أو صورها.
ـ إن النظام العشري غير منقول عن الأمم الأخرى وإنما هو أصيل عرفه العرب في بيئتهم، وأنه كان بابلياً ولا يستبعد أن يكون الهنود قد أخذوه عن البابليين حسبما ورد في كتاب الأرقام العربية للدكتور أحمد مطلوب.
ـ إن الأرقام والحروف الأبجدية اختلفت لدى الهنود أنفسهم في إقليم ما عنه في إقليم آخر.
ـ إن شكل الرقم العربي ليس كشكل الرقم الهندي والاختلاف بينهما واضح، ويذهب الدكتور عدنان الخطيب إلى أن منشأ الأرقام العربية كان صور حروف الأبجدية العربية وليس الأشكال والرموز التي كان الهنود يستخدمونها كما يزعم بعض الباحثين بلا دليل، وأنها لم تقم على تعدد الزوايا التي تحتويها صورة كل حرف.
إن أبا الريحان البيروني المتوفى سنة 440هـ 1048م أشار إلى طريقة الهنود في استخدام الحروف الأبجدية والأرقام بقوله «وليس يجرون على حروفهم شيئاً من الحساب كما نجريه على حروفنا في ترتيب الجمل، وكما أن صور الحروف تختلف في بقاعهم كذلك أرقام الحساب وتسمى «إنك»، والذي نستعمله نحن مأخوذ من أحسن ما عندهم ولا فائدة في الصور إذا عرف ما وراءها من المعاني، وأهل كشمير يرقمون الأوراق بأرقام هي كنقوش أو كحروف أهل الصين ولا تعرف إلا بالعادة وكثرة المزاولة ولا تستعمل في الحساب على التراب».
ـ إن الخوارزمي ذكر نوعين لشكل الأرقام، وقد ساد الأول وما يزال مستعملاً واختفى الثاني بعد أن أصبح أصل الأرقام المستعملة في العالم الآن.
ـ إنه ليس بإمكان مؤرخ واحد في تاريخ العلم وتاريخ الرياضيات خصوصاً أن ينفي تأثر علماء الهند في القرن الثاني عشر الميلادي بمنجزات العرب العلمية وبأعمال البيروني بشكل خاص.
ـ ما ذكره عمر فروخ في كتابه «تاريخ العلوم عند العرب» أن الأرقام ظهرت مع الصفر مرسوماً نقطة في كتب عربية ألّفت منذ سنة 787م قبل أن تظهر في الكتب الهندية.
ـ أن أبا الحسن الإقليدسي الدمشقي وضع كتاباً طبق فيه أساليب العدد الهندي على طرائق حسابية أخرى. ويذهب الدكتور قاسم السامرائي إلى القول بالأصالة العربية لهذه الأرقام بقوله: «أما الأرقام الشائعة في المشرق العربي فهي آرامية ـ فينيقية ـ نبطية ـ تدمرية فهي لذلك عربية الأصل والنجار لا شك فيها إطلاقاً ولا عبرة ولا اعتبار بما يقوله الإقليميون من الأخوة المغاربة أو المقلدون من المشارقة، فإن حقائق التاريخ العلمية يجب أن لا تستند على عواطف محلية بل على أسس علمية منطقية محضة وبراهين وثائقية لا شك فيها مما يستنبطه الباحث من الاكتشافات المستمرة للنقوش والوثائق، ومن هنا فإنها يجب أن لا تخضع لميلٍ إقليمي أو هوى شخصي أو تعصب بغيض لهما». وكان بارون كارول دو يذهب إلى عروبة هذه الأرقام «أن المسلمين اكتسبوا توفيقاً كبيراً في علوم مختلفة وهم الذين علموا الناس استعمال الأعداد ونظموا الجبر والمقابلة على شكل علمٍ صحيحٍ. أما الذين يستدلون على الأصل الهندي لها استناداً إلى أن الإقليدسي سماها «أحرف الهند» أو كما أشار الطوسي إلى أنها منسوبة إلى الهند أو إلى ما أشبه ذلك من الأقوال فهذا ليس دليل قطعي يؤيد ما يستدلون به، وتعرف استعارة الأسماء من الطرق والأساليب وفوق ذلك لا يستبعد أن معنى الهند مأخوذ من المعنى والقصد العربي من ذلك وهو المائتان من الإبل والسنين وغيرها من المجموع، وفي تاج العروس للزبيدي (العد هو الكمية المتألفة من الوحدات فيختص بالمتعدد في ذاته وعلى هذا فالواحد ليس بعدد لأنه غير متعدد، إذ التعدد الكثرة).
ومن المسلمات القطعية أن الجزيرة العربية والهلال الخصيب ـ وهما موطن العرب وأجداد العرب ـ سبقا بحضارتهما حضارات الأرض الأخرى وفيها عرفت اللغة والنظم والتجارة والعمارة حتى العدّ قبل الهند وفارس وقاطبة الأرض، فلا يعقل نكران تأثيرهم على الحضارات المجاورة لهما وفضلهم على غيرهم لبرهان السبق ومن راهن على غير ذلك فهو الخاسر.
وحتى لو تمّ التسليم، جدلاً، بالأصل الهندي لهذه الأرقام فإن المهم هو أن العرب هم الذين تبنوها وهذّبوها وطوروها بما يناسب أقلامهم وأحرفهم لا بما يناسب أية أحرف أخرى. وهم الذين أسدوها خدمة للعالم، ولا يعرف ذلك لغيرهم، ولا يعيب العرب اقتباسها من الهنود ولا ينقص من قدر الهند كون هذه الأرقام عربية صليبية. وبالتالي فهذه الأرقام أخذت طابعها العربي وسايرت الحرف العربي هندسة وشكلاً لا يزاحمها أي مزاحم طوال أربعة عشر قرناً متواصلة ملتصقة بالثقافة والتراث والهوية، صالحة غير طالحة، ومن دعا للتنازل عنها وإبدالها بغيرها تحت أية ذريعة كانت فهو مفرط غير مقبول التبرير والحجة.
الأرقام الإفرنجية: وتسمى أيضاً الأرقام الغبارية وهي التي استقرّ رسمها حالياً هكذا (0123456789) وتكتب مسايرة للقلم الغربي من اليسار إلى اليمين آخذة شكله الهندسي، ومألوفة به ومألوف هو بها، وتسمى في الغرب بالأرقام العربية، إذ وصلت أوروبا عن طريق المسلمين ومنها انتقلت إلى مراكش في المغرب العربي وصارت تستخدم في هذه المدينة بشكل ضيق جداً، إذ لم نجد لها ذكراً إلا من قبل دارسي الحساب والرياضيات وخلت منها المخطوطات.
كان أول مغربي أشار إلى هذه الأرقام هو ابن الياسمين البربري في كتابه «تلقيح الأفكار في العمل برسم الغبار» وأشار إليها بعده ابن البناء المراكشي في كتاب «تلخيص أعمال الحساب»، وظهرت هذه الأرقام عند ابن الهيثم في كتابه «رشدة الطالب» وفي شرح تلخيص ابن البناء (للحبال المتوفى سنة 868هـ)، ووجدت عند السخاوي المتوفى سنة 1000هـ في كتاب «علم الغبار» (انظر الشكل رقم 3).
أصولها
اختلف الباحثون وعلماء العدد وعلماء المخطوطات والتاريخ حول أصل هذه الأرقام، فمنهم من عزاها إلى الأرقام العربية وانشقاقها عنها، ومنهم من عزاها إلى أصول هندية بحتة، ومنهم من توقف وحار في أصلها وآخرون عزوها إلى أصول غير ذلك. ولنرى نصوص الاختلاف والتوافق.
يذهب ابن الياسمبن إلى الأصل الواحد للرقمين وسماهما أشكال الغبار، وعليه عوّل كثير من المتأخرين الذين يرون الأصول العربية لهذه الأرقام الإفرنجية أو المغاربية، وأنها انفردت عن الأصل مهاجرة إلى أوروبا وجرى لها من التحوير والتطوير حتى وصلت إلى الشكل الهندسي الراهن.
ومن بين المعنيين بأصلها «العربي» وانفرادها عن الأرقام الأم من الباحثين نذكر:
ـ الدكتور أحمد مطلوب في بحثه «الأرقام العربية» وفيه يقول: «إن هذا البحث الموجز عرض النصوص وناقش الآراء وانتهى إلى أن الرقم الأوروبي عربي تطور مع الحرف اللاتيني، وأن الرقم العربي أصيل تطور مع الحرف العربي وصار ملتصقاً به». و«أن الأرقام التي يستعملها الأجانب عربية الأصل، وقد وردت معظم صورها في بعض كتب الأندلس والمغرب. لقد ثبت أن الأرقام المشرقية هي الأصل وأنها هي التي شاعت قديماً وحديثاً واستعملت في الخطوطات العامة أو في مخطوطات الحساب، ومن ذلك كتاب «رفع الإشكال في مساحة الأشكال» ليعيش بن إبراهيم بن يوسف الأموي الأندلسي المتوفى سنة 772هـ، وكتاب «تلخيص المفتاح» لجمشيد بن مسعود بن محمود الكاشي المتوفى سنة 832هـ.
ـ الشيخ محمد حسن آل ياسين، في بحثه «الأرقام العربية، مولدها، نشأتها، تطورها» ومنه: «فهذه خلاصة وافية لتاريخ الأرقام العربية في مولدها ببغداد ونشأتها على يد العرب في كل أمصارهم وتطورها في الأندلس والمغرب، عرضت فيها جميع ما قيل فيه من حيث النسب والحسب، ومن حيث التحوير والتطوير، ومن حيث النقل والانتقال والحل والارتحال». و«إن تغيير شكل الأرقام ونقلها من الوضع العمودي إلى الوضع الأفقي، على يد بعض المغاربة قد جرى في وقت متأخر جداً عن تاريخ استعمال الأرقام «البغدادية» وليس أدل على هذه الحقيقة أننا لم نجد نصّاً يذكر الشكل المغربي أقدم من نص ابن الياسمين المتوفى سنة 601هـ في حين أن تلك الأرقام الأصلية كانت هي السائدة والمنتشرة في جميع الأصقاع العربية والإسلامية قبل ذلك التاريخ بكثير وكانت هي المستعملة في كل الكتابات والألواح والمؤلفات المعنية بمسائل العلوم والرياضيات منذ القرن الثالث الهجري أي قبل عصر ابن الياسمين بثلاثة قرون تقريباً».
ومن هذا الفريق القائل بعروبة الأرقام الإفرنجية وتفرعها عن الأرقام الإفرنجية وتفرعها عن الأرقام المشرقية أيضاً محمود إبراهيم الصغيري في كتابه «أنظمة العد في الحضارات القديمة» وعدنان الخطيب في بحثه «الأرقام العربية بين مشرق الوطن العربي ومغربه» وفيه يقول: «إن الأرقام هنديّها وغباريّها عربية في مولدها وفي نشأتها، ولكن الأولى منها أكثر عراقة وأبعد انتشاراً وأشد التصاقاً بالتراث العربي والإسلامي وأوضح أثراً في كنوز الخط العربي.
وهنالك فريق آخر من الباحثين يذهب إلى القول بالأصل الهندي لهذه الأرقام الإفرنجية مع القول بتهذيبها على يد العرب وانتقالها عبرهم إلى أوروبا، ومن هؤلاء العقيد الركن سالم الحميدة في بحثه «الأرقام العربية ورحلة الأرقام عبر التاريخ».
ومن الغربيين سميث ونالينو وديرنجر وويبك، إذ ينسب جميعهم فضل هذا الترقيم للهنود، وأن العرب أخذوا عنهم طريقتهم. على أنه لا بد من الإشارة إلى أن الإجماع ليس تامّاً على أشكال الأرقام نفسها، فويبك حاول أن يجد أصولها من الحروف التي تشير إلى أوائل أسمائها في السنسكريتية كما كانت في القرن الحادي عشر الميلادي، بينما يرى غيره من الباحثين أن مرجعها يعود إلى الإشارة العددية البرهمية التي ظهرت للمرة الأولى في القرن الثالث قبل الميلاد.
وتقر المستشرقة الألمانية زيغرد هونكه بفضل العرب على العالم في تعلم هذه الأرقام بقولها «كل الأمم المتحضرة تستخدم اليوم الأرقام التي تعلمها الجميع من العرب، ولولا تلك الأرقام لما وجد هذا الصرح الشامخ من علوم الرياضة والطبيعة والفلك». ومع هذا الثناء على العرب فهي ترى الأصل الهندي لهذه الأرقام، ولكن العرب هم الذين طوّروها وهذّبوها وعن طريقهم انتشرت حول العالم كما ترى هونكه ومثل رأي هؤلاء أخذ به بعض الباحثين أمثال:
ـ قدري حافظ طوفان في كتابه «تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك»، وفيه يقول: «وكان لدى الهنود أشكال عديدة للأرقام هذّب العرب بعضها وكوّنوا من ذلك سلسلتين، عرفت إحداهما بالأرقام الهندية وهي التي تستعملها هذه البلاد وأكثر الأقطار الإسلامية والغربية، وعرفت الثانية باسم الأرقام الغبارية وانتشر استعمالها في بلاد المغرب والأندلس وعن طريق الأندلس وبواسطة المعاملات التجارية والرحلات التي قام بها بعض علماء العرب والسفارات التي كانت بين الخلفاء وملوك بعض البلاد الأوروبية دخلت هذه الأرقام وعرفت فيها باسم الأرقام العربية».
ـ الدكتور محمد إسماعيل الندوي في كتابه «تاريخ الصلات بين الهند والبلاد العربية»، وفيه يقر «لقد أسدت الهند خدمات جليلة إلى الحضارة الإنسانية باختراع نظريات خالدة في الحساب والجبر والهندسة تلقّتها الأمة العربية إبّان مجدها وحضارتها ثم سلمتها في عهد تخلّفها إلى الأمة الأوروبية حتى استطاعت بها أوروبا أن تصل إلى ذروة المجد والكمال في العلم. تلقّى العرب هذين العددين وبهذا حملوا أمانة كبيرة على عاتقهم تجاه الحضارة الإنسانية لأنهم هذّبوها وأضافوا إليها ثم لعبوا دور الوسيط لإدخالهما إلى أوروبا، وأن الفضل في ذلك يعود إلى الخوارزمي لأنه قد استخدم الأرقام الهندية المعروفة عند الغربيين والأرقام العربية في مؤلفاته وكتبه في الحساب وأوضحها وبيّن فوائدها ومزاياها».
ـ الدكتور عبد الحميد صبرة، الذي لا يرى شكّاً في الأصل الهندي لهذه الأرقام كما هي الحال في الأرقام العربية ـ حسب رأيه ـ إذ يقول «وكانت المصنفات العربية في القرون الوسطى تطلق على هذه الأرقام اسم الأرقام الهندية، ولا يبدو أن هناك ما يبرر الشك في أصلها الهندي وإن كانت الطريقة التي انتقلت بها وانتشرت في العالم العربي، وفي أوروبا لا تزال غير معروفة على وجه الدقة، وقد كان شكل هذه الأرقام في مغرب العالم العربي يختلف بعض الاختلاف عنه في مشرقه، والأرقام المغربية هي التي هاجرت إلى أوروبا حيث أصبحت تعرف باسم الأعداد العربية».
ـ ديورانت الذي يقطع بالأصل الهندي للأرقام الإفرنجية إذ يقول «إن من أهم ما ورثناه عن الشرق الأعداد العربية، والنظام العشري، وقد جاءنا كلاهما من الهند على أيدي العرب، فإن ما يسمى خطأ بالأعداد العربية نراها منقوشة على «صخرة المراسيم» التي خلفها «أشوكا» ـ 256ق.م. ـ أي قبل استخدامها في الكتابات العربية بألف عام».
ومع هذا التقرير الصارم من ديورانت، إلا أنه واجه نقداً لاذعاً من محمود الصغيري الذي ردّ عليه بقوله «وتعليقاً على هذا النص التقريري الذي كتبه ديورانت بلغة حاسمة قاطعة وخضعت لمفاهيمه كتابات عربية عديدة، نقول أنه لم يشر إلى مرجع واحد استقى منه هذه المعلومات الغامضة، ولم ينقل إلينا أيضاً صورة عن تلك النقوش التي ذكرها، كما أنه تساهل كثيراً في قوله أنها ظهرت عند الهنود قبل استخدامها عند العرب بألف عام، مع أنه لا يملك دليلاً واحداً على مثل هذا الاستخدام عند الهنود بل أنه لم يميز حتى بين «الأعداد العربية» وتلك «الأرقام التسعة» التي وجدت متناثرة في اللغات الهندية المختلفة» .
وأجزم أن الصغيري نفسه تسرع في حكمه على ديورانت، خصوصاً فيما يخص الأرقام دون النظام العشري، فديورانت إنما يقصد الأرقام الإفرنجية المعمول بها حالياً عندهم وفي شمال إفريقيا، ويؤيده في ذلك ويبك كما مرّ، والدكتور قاسم السامرائي كما سنرى.
ويضاف إلى ذلك أن الصغيري نقل نصاً عن ديورانت وعن الموسوعة البريطانية مما يؤيد ما ذهب اليه ديورانت في هندية هذه الأرقام الإفرنجية وهو «ولقد ورد في الموسوعة البريطانية المجلد 19 ـ الصفحة 759 أن ASOKA INSCRIPTIONS التي تعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد تحمل شيئاً قريباً أو يشبه الأعداد الثلاث التالية (6 و4 و1)، وأما الأعداد (9 و7 و4 و2) فلقد ظهر أيضاً ما يشبهها في Nana Ghat Inscriptions وفي Nasik Caves من القرن الميلادي الأول وربما الثاني وردت أشكال الأرقام من نوع (9 و7 و6 و5 و4 و3 و2).
ـ الدكتور قاسم السامرائي، وهو من الشيوخ الذين يُعتدّ بهم في الدراسات التراثية والمخطوطات والفلسفة والاستشراق، جزم في الأصل الهندي لهذه الأرقام التي يستعملها الغرب إنما هي هندية سنسكريتية أرية برهمية الأصل جاءت إلى الغرب من الترجمات العربية لكتب الحساب الهندي، فلما ترجمت هذه الكتب من العربية إلى اللاتينية ظن الأوروبيون أنها أرقام عربية فسموها Arabic Numerals لأنها جاءت إليهم عبر العرب».
ويقترب ويبك من رأي الدكتور السامرائي فهو يقرر الأصل الهندي لهذه الأرقام الأوروبية وهو أيضاً يفرق بينها وبين الأرقام الأخرى المستعملة في المشرق الإسلامي «أن العرب يستعملون مجموعتين من الأرقام يطلقون عليهما معاً اسم الحروف الهندية أو حروف الغبار: مجموعة تنتشر في المشرق الإسلامي، وأخرى تنتشر في المغرب ومنها أخذت الصور التي يستعملها الأوروبيون، وبين المجموعتين اختلافات في الشكل ظاهرة».
هجرتها إلى أوروبا
ليس لدينا تحديد دقيق للزمن الذي هاجرت فيه هذه الأرقام إلى أوروبا ولا بالكيفية التي هاجرت بها ولا معرفة من نقلها، ولكن هناك تخمينات وجيهة الرأي، خصوصاً عند ملاحظة تأخر هجرتها مع بدايات الترجمات اللاتينية لكتب الفلك والرياضيات والطب والهندسة العربية فمثلاً يذهب الدكتور عبد الحميد صبرة إلى ترجيح هجرتها في القرن الثاني عشر الميلادي بقوله «وقد انتقلت طريقة الحساب الهندي إلى أوروبا لأول مرة عن طريق ترجمة يرجح أنها تمت في القرن الثاني عشر الميلادي لكتيّب في هذا الموضوع ألّفه محمد بن موسى الخوارزمي الذي كان في ذروة نشاطه الإنتاجي حوالي العام 210هـ ـ 825م، ولا يزال هذا المصنف موجوداً حتى اليوم في نسخ لاتينية فقط بنيت على تلك الترجمة الأولى».
ويرى الدكتور قاسم السامرائي أن هذه الأرقام جاءت إلى الغرب من الترجمات العربية لكتب الحساب الهندي في القرن الثاني عشر أيضاً. وينفي استخدام هذه الأرقام في الأندلس قبل القرن العاشر الهجري ـ السادس عشر الميلادي مما يؤكد ضعف القول أنها وصلت إلى اوروبا عبر الأندلس من المغرب «فقد أظهر كتيّب صغير لمستشرقتين إسبانيتين حول الأرقام التي استعملها أهل الأندلس حتى القرن العاشر للهجرة ـ السادس عشر الميلادي أن أهل الأندلس لم يستعملوا الأرقام السنسكريتية قطّ والتي يصرّ الإخوة في الغرب على عروبتها، بل إن جملة من أرقامهم أقرب إلى الأرقام المشرقية العربية منها إلى السنسكرتية، ونشر كونسالس بالنثيا مقالة حول الأرقام التي كان المضربون من أهل طليطلة يستعملونها في القرن العاشر والحادي عشر« والرابع والخامس للهجرة» وعلّق عليها كل من رترH, Ritter وليفي دي لافيدا Levi Della Fida فأثبتا أن الأرقام التي تستعمل في الأندلس إنما هي الأرقام الفارسية التي تعود في أصلها للأرقام اليونانية القبطية التي نجد لها آثاراً كثيرة في المخطوطات المنسوخة في الأندلس والمغرب ومصر وهي خالية من استعمال الصفر، وقد سبق أن كتب أحمد بن الحاج العياشي سكيرج الخزرجي رسالة قال فيها: «هذا شرحٌ لطيفٌ وضعته على المنظومة الموضوعة في (صفة أشكال القلم الفاسي) للعارف بالله سيدي عبد القادر الفاسي سميته (إرشاد المتعلم والناسي في صفة اشكال القلم الفاسي) فانتفت حجة من يقول أن الأرقام التي يستعملها الغرب الأوروبي وصلت إليهم عبر الأندلس من المغرب، بل إن أرقام الغرب وصلت إليهم من الأندلس أو صقلية أو بادوا مباشرة بعد أن ترجمت كتب الحساب الهندي والجبر والمقابلة للخوارزمي وللفزاري من الغربية إلى اللاتينية في طليطلة أو غيرها في القرن الثاني عشر للميلاد بعد أن أدخل العرب استعمال الصفر في العمليات الحسابية الذي ساعد على طرد الأرقام الرومانية والقبطية واليونانية، و«إن التراث المغربي الموروث في ذلك النوع الذي يسمى «الزمامي» أو «القلم الفاسي»، وهو ضرب من الحساب ذو أرقام خاصة وطريقة معينة وأسلوب متميز، ولا تمتّ أشكاله لأشكال الأرقام العربية بأي صلة أبداً».
وهناك من يقول أن الأرقام الإفرنجية دخلت إلى المغرب على أثر اختلاطها بالبرتغاليين بسبب الفتوح، وقد كان المغاربة يستخدمون الأرقام العربية قبل ذلك. وفوق ذلك فإن الدلائل الثابتة القطعية إنه حتى أهل مراكش، المملكة المغربية اليوم، لم يستخدموا هذه الأرقام الإفرنجية في معاملاتهم الرسمية والتجارية إلا بشكلٍ ضيقٍ للغاية وإنما كانوا يستخدمون الرقم العربي حتى في ظلّ الاستعمار الأوروبي، ولكن في سنينه الأخيرة استشرى هذا الرقم الإفرنجي في الأوساط الرسمية والثقافية بسبب التأثير والهيمنة الاستعمارية، خصوصاً على الثقافة والقرار السياسي آنذاك وغيبة الوعي والحس التراثي للمثقفين، وليس أدلّ على ذلك من وجود المخطوطات والوثائق والكتب التي طبعت في المغرب في أوقات سابقة. أما الجزائر وتونس وبلاد شنقيط فإنه حتى الأوساط الرسمية لم تستخدم هذا الرقم الإفرنجي إلا مسايرةً لما ورثوه من تأثير الاستعمار الأوروبي على ثقافتهم وإدارتهم وقد تبنته حكوماتهم رسمياً أيام الاستقلال والحجة في ذلك لا تحتاج حتى إلى صغير عناء فهو مشهود. وأما الليبيون فقد استخدموا الرقم الإفرنجي بدلاً من العربي في وقتٍ متأخرٍ عن قيام الحكم الجمهوري سنة 1969م، ويظهر أن قرارهم الرسمي في ذلك كان مسايرةً للبلاد المغاربية الأخرى.
لذا فإن هذه الأرقام الإفرنجية لم تترعرع في المغرب العربي ولم تلد فيه أصلاً ولم ينتشر استخدامها فيه إلا أخيراً، ولا يجوز القول والادّعاء أكثر من ذلك، وإنما هي غربية الترعرع والهوية إلتصقت بثقافة الغرب الأوروبي وسايرت الأقلام اللاتينية فيها طوال سبعة قرون أو تزيد وهذا زمنٌ كافٍ على تحديد هويتها ولونها، والنظر في البحث عن أصولها لا يجدي نفعاً ولا يجلب مصلحة ولا يقدم ولا يؤخر تقنية، فهي ليست عقلاً مدبراً ولا آلة منتجة بقدر ما هي متناسب ومتناسق مع الأحرف اللاتينية الأخرى ونشاز مع غيرها.
هزاع بن عبد الشمري
أرمنت
قرية مصرية تبعد عن الأقصر بنحو 41 كيلومتراً. قال صاحب كتاب الطالع السعيد في علماء الصعيد: كان التشيع بها كثيراً فقلّ أو فقد.
أرنون
من قرى جبل عامل في القسم الشمالي منه إليها تنسب قلعة الشقيف فيقال شقيف أرنون. وهذه القلعة من أكبر قلاع جبل عامل، ولعلوها تبدو للرائي من أمكنة بعيدة. اشتهرت أيام الحروب الصليبية. (راجع الشقيف).
أرومية (مدينة)
مدينة يبلغ عدد سكانها 300,746 نسمة حسب إحصائية عام 1986م وهي مركز أرومية الذي يبلغ عدد سكانه حسب نفس الإحصائية 539,838 نسمة، وهذا القضاء بدوره مركز محافظة آذربيجان الغربية.
تقع أرومية في شمال غرب إيران على خط طول 45 د، 4 شرقاً وخط عرض 37 د، 32 شمالاً ويبلغ ارتفاعها 1332م. تبعد عن طهران 921 كلم وعن تبريز 293 كلم وعن مهاباد 132 كلم. وهي تتوسط سهل يبلغ طوله 70 كلم وعرضه 30 كلم. ويحادد تركيا من الغرب وسلماس من الشمال وبحيرة أرومية من الشرق، ومدينة نقده من الجنوب. يغطي سهل أرومية بالرسوبات المتراكمة من أنهار (براندوز جاي) و(روضة جاي) و(نازلو جاي)، ويميل الطقس فيها إلى الاعتدال صيفاً بينما تشتد برودته في الشتاء.
يعتبر سهل أرومية منطقة زراعية تشتهر بزراعة القمح وشمندر السكر والعنب والبطاطا وأنواع الفواكه والحبوب، وتروج تربية المواشي فيها، لا سيما بين العشائر، وحيث يشتغل الكثير منهم بتربية الأبقار والجاموس والغنم وأنواع الحيوانات الأخرى ويشتغلون بالمناحل أيضاً.
وإى ذلك فأرومية تعدّ من مدن إيران القديمة التي كانت مزدهرة معمورة منذ أقدم الأزمان، وخلال الحفريات التي جرت في بعض المناطق الأثرية المحيطة بالمدينة، ظهر أن بعض أجزائها يرجع في القدم إلى 2000 سنة قبل الميلاد. كانت المنطقة الواقعة في الضفة الغربية لبحيرة أرومية تعرف في العصور القديمة باسم (كيلزان)، وكانت فيها دولة مستقلة خلال القرن التاسع قبل الميلاد، ثم خضعت فيما بعد إلى أمبراطوية أوراتويامانا.
وفي القرن الثامن قبل الميلاد أصبحت هذه المنطقة جزءاً من مناطق الخراج الآشورية، ومع ظهور الدولة المادية أصبحت تابعة للأمبراطورية المادية. ولا يعرف إلى الآن سبب تسميتها بأرومية، وقد ورد اسمها في المصادر الإسلامية بصور مختلفة مثل: أرومية وأرميا وأرميه وأرم وزوميه.
فتحت أرومية في زمن الخليفة الثاني، ويحتمل أن يكون فاتحها هو صدقة بن علي بن صدقة بن دينار، وبعد فتحها شيّد صدقة وإخوانه قصوراً فيها، وهاجر إليها بعض القبائل العربية، فسكنوا في سهلها.
كانت أرومية خلال القرن الرابع الهجري مدينة معمورة، كثيرة الخيرات ومشهورة بتجارتها ووفرة بساتين العنب فيها. وفي أوائل القرن الخامس الهجري استولى عليها أبو الهيجا ربيب الدولة رئيس الأكراد الهذبانيين وفي تلك الفترة وصل الأتراك الغز إليها.
وفي القرن السادس الهجري ازدادت أرومية ازدهاراً فأصبحت مدينة كبيرة، وبلغ محيط سورها عشرة آلاف قدم.
وفي عام 676هـ تزامناً مع حكومة آباقا خان (663 ـ 680هـ) شيد في أرومية مسجد جامع كبير، يحتوي على إيوان تعتليه قبّة، وإلى جانبيه مصليان مسقوفان، ويحتمل أن يكون هذا المسجد قد شُيّد على أنقاض مسجد جامع قديم كان مقاماً في زمن السلاجقة في سوق البزازين.
وعندما أنهى الأمير تيمور (م807هـ) دولة آل جلاير في آذربيجان والعراق، منح أرومية لكركين بيك الافشاري فدفع هذا الأمر العديد من أسر القبيلة الافشارية للهجرة إلى سهول أرومية.
وفي زمن الدولة الصفوية وقعت أرومية عدة مرات تحت سيطرة القوات العثمانية، وهجم عليها الأكراد بتحريض من العثمانيين في مرات عديدة أخرى. وبعد أن قضى الشاه عباس الأول (م1038هـ) على فتنة أمر خان البرادوستي جدّ إسماعيل آقا سيمقتو، هجر من خراسان إلى أرومية عشرين ألف عائلة من قبال الأفشار. وأخرج نادر (م1161هـ) الأجانب من أرومية بعد طرده للعثمانيين خارج الحدود الإيرانية ولكن بعد أن اشتد ظلم نادر في أواخر عهده وعمّ جميع أنحاء إيران، ثارت أرومية على هذا الملك الأفشاري على الرغم من وجود القبيلة الأفشارية فيها.
وبعد انقراض دولة الأفشاريين وقعت أرومية بيد آزاد خان الأفغاني (م1195هـ) ثم بيد محمد حسن خان القاجاري (م1171هـ) واستولى عليها بعده كريم خان زند (م1193هـ).
ومع اندلاع الحرب الإيرانية ـ الروسية (1218 ـ 1228هـ) وقعت أرومية لعدة أشهر تحت السيطرة الروسية وعمد المسيحيون فيها، وكان عددهم آنذاك كثيراً إلى الوقوف إلى جانب القوات الروسية.
وفي أثناء ثورة المشروطة، ناصرت أرومية الثائرين تأسّياً بمدينة تبريز، ولكنها وقعت تحت الاحتلال العثماني على أعتاب انتصار الثورة في عام (1324هـ) فظلت تكابد الويلات حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، وقد هلك من أهلها ـ طوال فترة الاحتلال ـ جمعٌ كبيرٌ.
وعندما أخذت الدولة العثمانية تقتل رعاياها الأرامنة في أواخر القرن التاسع عشر، هاجر العديد من أتباع الدولة العثمانية المسيحيون إلى آذربيجان وانضموا إلى المسيحيين الآشوريين في أرومية، بحيث بلغت نسبتهم في عام 1900م 45 بالمئة من مجموع السكان البالغ عددهم 300,000 نسمة.
أخذت أرومية خلال الحرب العالمية الأولى تنتقل بين سيطرة الروس والسيطرة العثمانية، حتى اندلعت ثورة 1917م في روسيا، فسيطرت عليها الجمعية الآشورية وعندئذٍ بدأت مذابح المسلمين. ثم ازدادت هذه المذابح فبلغت أوجها بعد مقتل مارشيمون، أحد زعماء الأشوريين على يد زعيم قبيلة الشكاك الكردية إسماعيل آقا سيميقتو فبلغت هذه المذابح من العنف أن وصفت بيوم الحشر، وهي من القساوة والوحشية بمكان بحيث يعجز القلم عن بيانها وبيان المآسي التي رافقتها.
كانت هذه الاضطرابات سبباً في انحطاط أرومية وتدميرها فانخفض عدد السكان فيها إلى عشرين ألف فقط، وبعد فرار إسماعيل آقا سيميقتو إلى الأراضي التركية في عام (1301هـ) وانتهاء الحرب الأهلية، أخذت أرومية تستعيد حياتها الطبيعية بالتدريج وتخطو نحو العمران والازدهار.
وفي أوائل العهد البهلوي هدم سور المدينة وبواباتها القديمة وطمر خندقها وغُيِرَ اسمها إلى (رضائية)، ثم جعلت رضائية مركزاً لمحافظة آذربيجان الغربية في التقسيمات الإدارية، إلاّ أن هذا التقسيم غيّر فيما بعد، بعد دمج محافظتي آذربيجان الشرقية مع آذربيجان الغربية لتصبحا محافظة واحدة، فأصبحت مدينة رضائية تابعة للمحافظة الجديدة. وعندما انفصلت آذربيجان مرة أخرى إلى شرقية وغربية عادت رضائية لتصبح مركزاً لمحافظة آذربيجان الغربية، وبعد نجاح الثورة الإسلامية أقرّ مجلس قيادة الثورة إرجاع اسمها إلى أرومية مرة أخرى.
تعتبر أرومية اليوم من المدن الإيرانية الجميلة ومن مراكز السياحة في البلاد، وهي تحتوي على ثلاث مراكز للدراسات العليا يتلقى فيها 1997 طالباً دروسهم الجامعية في مختلف فروع العلوم الأكاديمية.
توجد في هذه المدينة في الوقت الحاضر محطة للإرسال الإذاعي ومحطة أخرى للإرسال التلفزيوني و122 مسجداً. وخمس كنائس ومتحف واحد وثلاث مكتبات عمومية. وإذا ما استثنينا الأكراد والأشوريين والأرمن فإن جميع سكانها من أتباع المذهب الشيعي إلا القليل من أهل السنة الذين يتبعون المذهب الشافعي.
يرتبط الأشوريون بالكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس بينما يرتبط الأرامنة بالكنيسة الكركورية.
برز من أرومية العديد من علماء الشيعة ورجالها مثل السيد عبد الكريم والسيد عبدالله الأرومي وجلال الدين محمد بن القاسم الأرومي وحسين بن نصرالله الباغي الأرومي والسيد جلال الدين المحدث الأرومي.
أرومية (بحيرة)
تعتبر بحيرة أرومية أكبر البحيرات الداخلية في إيران حيث تبلغ مساحتها حوالي 6000 كلم2 وارتفاعها 1275م عن سطح البحر، وطولها من الشمال إلى الجنوب يتراوح بين 130 ـ 140 كلم ومعدل عرضها حوالي 40 كلم (ويبلغ عرض قسم من البحيرة 60 كلم) أما معدل عمقها فيتراوح من 6 ـ 8م وأعمق نقطة فيها تبلغ حوالي 15م. وقد تكونت هذه البحيرة إثر الانخفاضات التكتونية (الباطنية) التي ازداد اتساعها ازدياداً كبيراً في العصور الجيولوجية الأخيرة عما هي عليه اليوم. وقد عثر الجغرافيون في السنين الأخيرة على آثار من الحدود الساحلية السابقة لهذه البحيرة تثبت أن مستوى سطح الماء في هذه البحيرة كان في العصور الجليدية الأخيرة أعلى من مستوى سطح الماء حالياً (1276م) فقد كان سطح الماء يرتفع على السطح الحالي 115م في الثلث الأخير من عصر الانجماد ومن 80 إلى 85م في الفترة الجليدية قبل الأخيرة ومن 60 إلى 65م في الفترة الجليدية الأخيرة و30م في الفترة الجليدية الثالثة.
وتقدر مساحة حوض أرومية بين حوالي 47000 ـ 55000 كلم2 حيث تشغل ما يقارب نصف مساحة آذربيجان. وحدود هذا الحوض الواسع تمتد من خطوط تقسيم المياه في الجبال الحدودية الإيرانية ـ التركية ـ العراقية غرباً، وقوشه داغ وميشوداغ وأرسباران وسبلان شمالاً وسبلان وبزقوش وسهند شرقاً وجهل جشمه جنوباً.
وتبلغ كمية الأمطار السنوية المتساقطة على هذا الحوض بين 40 ـ 50سم. وتؤمن مياه بحيرة أرومية في الوقت الحاضر عن طريق التساقط المباشر للأمطار وذوبان ثلوج الشتاء المتراكمة على الجبال التي تحيط بها.
ويرفدها عددٌ من الأنهار الصغيرة والكبيرة من جميع الجهات وتصب أكبر كمية من المياه منها في فصل الربيع حيث يذوب الجليد لارتفاع درجة الحرارة ويرتفع مستوى سطح الماء في البحيرة في هذا الفصل من 90 ـ 100سم. وبالتالي فإنها تشغل أقساماً كثيرة من جوانبها التي تغطيها الأهوار وينخفض مستوى سطح ماء البحيرة في فصل الصيف والخريف حيث تتحول الأنهار الربيعية الطافحة بالمياه إلى جداول ضحلة. ويوجد في النصف الجنوبي من البحيرة حوالي 50 جزيرة صغيرة وكبيرة، وتحتوي منطقة البحيرة ما مجموعه 102 جزيرة وصخرة (وزارت آموزش وبرورش، جغرافياي أستان آذربيجان شرقي [وزارة التربية والتعليم، الوضع الجغرافي في محافظة آذربيجان الشرقية]، 9). وأكثرها خالٍ من السكان وتمّت صيانتها للحفاظ على الحيوانات البرية فيها. وأكبر هذه الجزر جزيرة إسلامي (شاهي سابقاً) والتي تحتوي على 8 قرى ويبلغ سكانها حوالي 5000 نسمة.
ومياه بحيرة أرومي مالحة جداً ويقدر حجم الأملاح المختلفة التي تمتاز بفوائد طبية وغير ذلك بـ 30 بالمئة من حجم مياه البحيرة. وهي مالحة إلى درجة لا تصلح لحياة الحيوان والنبات. والسبب الأساسي لملوحة المياه هو وجود مصب تلخه رود أو آجي جاي فيها.
ويصب في هذه البحيرة من جميع الجهات حوالي 20 نهراً مهماً نسبياً، أهمها:
آجي جاي أو تلخه رود الذي ينبع من السفوح الجنوبية لسبلان وممرّ نير الجبلي الضيق وبعد أن يجري في سهل سراب وتصب فيه بعض الروافد من سفوح قوشه داغ في الشمال وبزقوش وسهند في الجنوب، يدخل سهل تبريز ويجري بمحاذاة طريق تبريز ـ آذر شهر باتجاه الجنوب الغربي ويصب في بحيرة أرومية عند حوالي كوكان. ويجري هذا النهر وبعض روافده كتاجيار ودوزدوزان في أراضٍ جصية وملحية فتحمل مياهه أملاحاً كثيرة معها لا تجعلها غير صالحة لريّ الأراضي الزراعية فحسب، بل تجعل منها عاملاً أساسياً في ملوحة بحيرة أرومية. وتبلغ مساحة حوض هذا النهر عند محطة وينار 8100 كلم2 ومعدل كمية المياه الجارية في تلك النقطة حوالي 392 مليون م3 سنوياً (سازمان برنامه (دفتر فني)، عمران، [الإعمار]، 98)، ويجري نهر آجي جاي بكامله في أراضي آذربيجان الشرقية ويعد أكبر نهر يجري من الشرق ليصب في بحيرة أرومية. ويبلغ طوله من منبعه إلى مصبه 160 كلم. وينبع في هذه الناحية أيضاً عدد من الأنهار الصغيرة والقليلة المياه كمروي جاي وصوفي جاي (صافي رود). وقلعة جاي، وذلك من السفوح الجنوبية الغربية لسهند في حوض مساحته حوالي 1018 كلم2 وبعد إروائها لسهلي مراغة وبناب تصب في بحيرة أرومية (م.س، 95). ويوجد إلى الشمال من حوض آجي جاي وفي الحد الفاصل بين السفوح الجنوبية لميشو داغ وبحيرة أرومية بعض الأنهار الصغيرة الموسمية. وأهمها قوري جاي الذي يروي سهل شبستر. ويوجد في الجانب الغربي والجنوبي لبحيرة أرومية بعض الأنهار ذات المياه العذبة كنار لوجاي الذي تنبع روافده من الجبال الحدودية. وتبلغ مساحة حوضه عند محطة تيبك 1777 كلم2 ومعدل كمية المياه الجارية السنوية حوالي 363 مليون م3. وتروي حوالي 150قصبة من مياه هذا النهر.
وتبلغ مساحة حوض نهر «شهرجاي» الذي يوفر مياه الشرب لمدينة أرومية، 396 كلم2 يجري فيه سنوياً حوالي 168 مليون م3. من المياه ويسقي ما مجموعه 97 قصبة.
كما ينبع نهر باراندوز جاي من الجبال الحدودية وتبلغ مساحة حوضه 1012 كلم2. أما كمية المياه السنوية الجارية فيه فتقدر بحوالي 165 مليون م3.
ويتكون نهر مهاباد جاي من التقاء عدد من الروافد، وتبلغ مساحة حوضه عند محطة بل سرخ 842 كلم2، ويبلغ معدل كمية المياه الجارية فيه سنوياً حوالي 233 مليون م3 حيث تتم الاستفادة فيها جميعاً في ري سهل مهاباد.
أما نهر سيمينه فيجري في منطقة مياندوآب حيث ينبع من جبال سردشت. وتبلغ مساحة حوضه 2090 كلم2، وكمية المياه الجارية فيه سنوياً حوالي 640 مليون م3. ولهذا النهر مجرى كانت تقام عليه السدود في الماضي لاستغلال مياهه.
ويجري نهر زرينه رود أو «جغتوجاي» في أقصى شرقي سهل مياندوآب (وسميت بمياندوآب لوقوعها بين نهري سمينيه رود وزرينه رود) وله روافد متعددة تنبع من السفوح الجنوبية لسهند ومن سفوح قره داغ في الشرق من تكاب وأخيراً من سفوح جهل جشمه في الجنوب.
ويُعد هذا النهر الذي تبلغ مساحة حوضه 6780 كلم2 ومعدل كمية المياه الجارية فيه سنوياً 1281 مليون م3 أكبر نهر في حوض أرومية.
ومدينة أرومية، وبها عرفت البحيرة التي باسمها، على شيء يسير من شاطئها الغربي. «وهي في ما يزعمون مدينة زرادشت». وكانت هذه المدينة على ما ذكر ابن حوقل في المائة الرابعة (العاشرة) «تلي مراغة في الكبر. وهي مدينة نزهة كثيرة الكروم ووافرة الحظ من التجارات» … «والجامع في البزازين. وكانت أرومية بقلعة عامرة ولها حصن وبها نهر» ينحدر إلى البحيرة وهي على نحو فرسخ منها. وفي المائة الثامنة (الرابعة عشرة) أضحت مدينة كبيرة ذرع سورها عشرة آلاف خطوة، ومن أعمالها عشرون قرية. وعلى الطريق في شمال أرومية، على بعد قليل من زاوية البحيرة الشمالية الغربية، مدينة سلماس وقد وصفها المقدسي بأنها بلدة طيبة ذات أسواق حسنة والمسجد الجامع مبني بالحجارة «وقد أحاط بها الأكراد» في المائة الرابعة (العاشرة). وقال ياقوت إن معظم سلماس قد خرب في المائة السابعة (الثالثة عشرة). ولكن الوزير علي شاه، على ما روى المستوفي، كان في القرن التالي، في حكم غازان المغولي، قد جدد بناء أسوارها.
أرواد
جزيرة صخرية تبعد عن الساحل السوري نحو 3 كيلومترات وعن مرفأ طرطوس نحو 5 كيلومترات إلى الجنوب الغربي وعن طرابلس نحو 56 كيلومتراً إلى الشمال. وهي جزيرة صغيرة لا يتجاوز طولها 850 متراً في عرض نحو 450 متراً.
كانت عاصمة مملكة فينيقية مستقلة. ثم تبعت حكم الروم وافتتحها المسلمون سنة 54هـ (676م). وقد احتلها الصليبيون فيما احتلوا من السواحل، ولم يجلوا عنها إلا أيام المماليك.
وفي الحرب العالمية الأولى احتلها الفرنسيون في أوائل الحرب سنة 1914م. وبعد نهاية الحرب واحتلالهم البلاد السورية اتخذوا منها منفى لأحرار السوريين المناهضين لهم. وكان نزول أول قافلة فيها من المنفيين السوريين سنة 1923م وكان على رأسها الدكتور عبد الرحمن شهبندر وسعيد حيدر([562]) وحسن الحكيم إثر قيادتهم للمظاهرات الوطنية في دمشق وتحريكهم للجماهير نقمة على الفرنسيين المحتلين. وكانت هذه الحادثة أول تحرك وطني ثوري على الانتداب الفرنسي بعد معركة ميسلون سنة 1920 واحتلال دمشق. وفي أرواد يقول نجيب الريس وكان مع القافلة الأولى:
| بنت الخضم وكم في الشام من شفة | هتافة باسم شاطيك ومن فيه |
أروندكنار
ناحية تابعة لقضاء عبادان يبلغ عدد سكانها في عام 1976م (14,323) نسمة، وهي تقع إلى الجنوب من عبادان على خط طول 48 د، 31 شرقاً وخط عرض 29 د، 58 شمالاً.
كانت هذه الناحية تسمى في السابق بقصبة المعمرة أو قصبة حاجة سلطان. يخترق هذه الناحية، من أقصاها إلى أقصاها جدول يتفرع من أحد الأنهار، وعندما يطغى الماء في شط العرب يمتلىء هذا الجدول بالماء فتروى بساتين النخيل وتصل السفن الصغيرة التي تستعمل في موانىء جنوب إيران وبلدان الخليج الفارسي حتى مشارف البيوت.
كانت ناحية أروندكنار في السابق قرية صغيرة رحل إليها بعض الناس من قبيلة النصار من شادكان، وأنشؤوا فيها سدّاً ثم باشروا بالزراعة وتربية المواشي. إلا أن هذا السد تحطّم في زمن حكومة كريم خان (م1193هـ) فعاد النصاريون إلى أرضهم الأولى، واكتفوا بالقدوم إلى هذه الناحية في فصول معينة لترعى حيواناتهم فيها.
وبعد 260 سنة من تحطّم السّدّ، أخذت أروندكنار تستعيد وجودها شيئاً فشيئاً فظهرت في بعض القرى المتناثرة هنا وهناك. وهي اليوم تشتمل على 58 قرية متناثرة فيما بين جنوب عبادان وساحل الخليج الفارسي.
ومناخ المنطقة حارّ ورطب، ويشتغل أهلها في زراعة النخيل والزراعات الصيفية وصيد الأسماك وتصدير بعض المنتوجات خصوصاً التمور إلى الموانىء المجاورة ويشتغل بعضهم في صناعة السفن الخفيفة.
يتكلم جميع أهالي هذه الناحية اللغة العربية ولكن اللغة المتداولة في المدارس والدوائر الحكومية هي اللغة الفارسية.
أريتريا
أريتريا قطر صغير، مساحته 50 ألف ميل مربع، يقع على الشاطىء الغربي للبحر الأحمر، على شكل مثلث حاط بالسودان وأثيوبيا وجيبوتي. ويتكون وسط أريتريا من هضبة تتخللها وتحفّها جبال صخرية شامخة، وتشقّها أودية خصبة ومرتفعات يتراوح ارتفاعها بين 5000 و8000 قدم فوق سطح البحر، ومناخها معتدل وكأنه على مدى الفصول الأربعة ربيع دائم.. والهضبة تنحدر شرقاً نحو السهل الساحلي، وغرباً نحو الأراضي المنخفضة الملاصقة للحدود السودانية… وأنهار أريتريا الهامة ـ الدائمة والموسمية ـ هي: مرب الذي يعرف في الأراضي المنخفضة باسم «الجاش»، بركة، منسية وكلها تنحدر إلى السودان، ثم كميلي، حداش، علجدي، وتنحدر شرقاً لتصب في البحر الأحمر.. وفي الشمال سلسلة من الجبال تمتد إلى حاران والسودان وفي الهضبة فوق قمم الجبال الشاهقة الإرتفاع 6000 ـ 8000 قدم ـ مناطق صغيرة متناثرة من الأراضي الخصبة ترتفع عن الأودية التي تحتها ما بين 3000 و4000 قدم.. وأهم نبات غاباتها أشجار الزيتون البري والدوم واليوفوربيا الشمعدانية الشكل والصنوبر.
ويبلغ تعداد السكان 4 ملايين نسمة، مسلمون ومسيحيون وقلة وثنية من سكان الغابات، وهم من أصول مختلفة ذات امتدادات لمجتمعات أخرى خارج أريتريا. فالتكوين السكاني القديم وقعت بعده موجات من الهجرات إلى أريتريا، الموجة الأولى من الزنوج النيليين سكان الغابة، نزحوا من أراضيهم في جنوب شرقي السودان إلى منخفضات الجاش ـ ستيت ثم إلى الهضبة. والموجة الثانية قبائل حامية من الرعاة قدموا من الصحراء شمالي السودان الى منخفضات بركة والمرتفعات الشمالية، وقاموا بطرد السكان النيليين الذين كانوا في المنخفضات الساحلية. والموجة الثالثة من السبئيين وهم عرب عبروا البحر الأحمر وسكنوا الهضبة حيث يتشابه المناخ والأرض مع المرتفعات الجنوبية للجزيرة العربية التي قدموا منها، وقد جلبوا معهم بعض معالم التنظيم السياسي والوسائل الزراعية، كما كانت لهم خبرة في التجارة وإقامة العلاقات مع العالم المتحضر مما رجح كفّتهم. وأخيراً الموجة الرابعة وتتمثل في وصول موجة جديدة من مهاجري عرب جنوب الجزيرة العربية الحميريين، الذين وطدوا اللون العربي بين سكان الهضبة ونشروا لغة حمير القديمة الجعزية أصل لغة التيجري والتجرينية، اللتين مع اللغة العربية هي اللغات السائدة في أريتريا، واللغتان الرسميتان للبلاد هما العربية والتجرينية، ومعظم المتحدثين بالتجرينية من المسيحيين ومعظم المتحدثين بالتيجري مسلمون واللغة العربية هي وسيلة التخاطب بين الجميع إذ يقوم جيش التحرير بتدريسها والتجرينية للمقاتلين والأهالي وفق برنامجه في محو الأمية.
وفي غربي أريتريا تتحدث القبائل (بني عامر)، لهجة «البيجا» بينما يتحدث جيرانهم من «البرايا» والكوناما لهجتين من اللهجات النيلية.. ويتحدث «البلين» الذين يسكنون حول كرن لهجتهم الخاصة، ويبلغ عدد لهجات التخاطب المحلية في مختلف أنحاء أريتريا ثماني لهجات، هذا عدا اللغة العربية التي يتحدث بها المسلمون الذين يشكلون أكثرية سكان البلاد. وتكتب التجرينية على نحو ما تكتب الجعزية القديمة التي كان يستخدمها السبئيون في اليمن. والجدير بالذكر أن أكثرية السكان يفهمون اللغة العربية، وحتى من لا يجيد التحدث بها من غير المسلمين يتفهما عند الاستماع إليها.
ويقول برمنجهام في كتابه «الإسلام في أثيوبيا»: «تتخذ القبائل الأريترية المسلمة تقليداً لها انتسابها إلى هؤلاء المهاجرين العرب وخاصة قريش». هذا ويشكل الموقع الجغرافي لأريتريا مركزاً هاماً من مراكز اجتذاب القوى الاستعمارية وإثارة مطامعها، حول الظفر بنقاط الوثوب والتمركز الاستراتيجي، ومنافذ السيطرة والنفوذ بخريطة العالم، فهي تقع عند ملتقى عدة طرق بحرية هامة تربط بين المحيد الهندي والشرق الأقصى وبين البحر المتوسط، إذ تقع على الساحل الغربي للبحر الأحمر على امتداد 1000 كيلومتر من بور سودان شمالاً إلى جيبوتي جنوباً، هذا البحر الذي برزت أهميته الاستراتيجية الدولية مع بدء التجارة البحرية خاصة عقب شقّ قناة السويس، وتزايدت هذه الأهمية باكتشاف البترول في أراضي الخليج والمملكة العربية السعودية على ساحله الشرقي.
وأدت تلك المزايا للموقع الجغرافي لأريتريا، إلى تعرضها عدة حقب للاحتلال الأجنبي لعدة قوى استعمارية مختلفة فبعد أن كانت أريتريا كياناً مستقلاً ذا سيادة، تعرف في العصور الوسطى وإلى بداية العصور الحديثة باسم «ميدري بحري» أي بلاد الشاطىء المطلة على البحر، على رأسها ملك يحكمها ويدير شؤونها يسمى «بحر نجش» أي ملك الإقليم المطل على البحر، كما عرفت باسم «ميدري جيتي» أي أرض الأحرار، و«مارب ميلاشي» أي الخط الذي يفصل أريتريا عن أثيوبيا. تعاقب عليها المستعمرون والأجانب ففقدت استقلالها وتعرقل تطورها، فقد احتلتها تركيا عام 1557م حيث اكتفت باحتلال شواطئها. إلا أن الحكم التركي ظلّ جاثماً على البلاد 300 عام ـ من 1557 إلى 1846م وحين انسحبت تركيا حلّ مكانها المصريون، ورفع العلم المصري بدلاً من التركي فوق مصوع وكرن ومنخفضات بركة والنجاش وستيت، وكذلك فوق المرتفعات في قرع وجندت، وعند نشوب الثورة المهدية في السودان، انسحبت معظم القوات من أريتريا كي تعزز مواقعها العسكرية في السودان وكي تحمي مصر نفسها التي تعرضت للغزو البريطاني. ثم انسحب المصريون نهائياً من أريتريا عقب الاحتلال الإنكليزي لمصر (1882م)، فاحتل الإيطاليون مصوع عام 1885م.
ظل الاستعمار الإيطالي في أريتريا 51 عاماً، حيث انتهى بهزيمة إيطالية في الحرب العالمية الثانية ودخول القوات البريطانية أريتريا تحت علم الحلفاء عام 1941م.
وانتهت الإدارة البريطانية ورحلت بريطانيا عن البلاد عام 1952م الذي بدأ فيه الاتحاد الفيدرالي بين أريتريا وأثيوبيا وفق قرار الأمم المتحدة رقم 390/1/5 الصادر في 2/12/1950م وقد نصّ في مادته الأولى على الآتي:
ـ تصبح أريتريا وحدة سياسية تتمتع بالحكم الذاتي (الاستقلال الذاتي) في إطار اتحاد مع أثيوبيا تحت سيادة التاج الأثيوبي.
على أن قرار الاتحاد الفدرالي هذا بين أريتريا وأثيوبيا لم يلبث أن ألغاه الأمبراطور هيلاسلاسي وأعلن ضم أريتريا إلى أثيوبيا في 15/11/1962م، ولم تحرك الأمم المتحدة ساكناً، في الوقت الذي كانت قوات الجيش الأثيوبي قد استولت على جميع المؤسسات والمرافق الحيوية في أريتريا، وقد أفصحت المعاهدة الأميركية الأثيوبية الموقعة بين حكومتي البلدين في 22 مايو 1953م ولمدة 25 عاماً عن جوانب الصفقة التي عقدت بين واشنطن وأديس أبابا والتي راح ضحيتها الشعب الأريتري، فقد منحت أثيوبيا الولايات المتحدة الأميركية قواعد عسكرية برية وبحرية وجوية في أريتريا، كانت المقابل للجهد الأميركي في ضمّ أريتريا إلى أثيوبيا.
ما سبق يؤكد ان السلطات الأمبراطورية الأثيوبية كانت تعد لضم أريتريا منذ توقف الحرب العالمية الثانية هذا بالرغم من أن أريتريا لم تكن يوماً جزءاً من أثيوبيا، كما لم تكن تابعة لها في أية فترة على امتداد التاريخ، الأمر الذي يرى القارىء وقائعه مفصلة فيما سبق وذكرنا عن التكوين السكاني لأريتريا والقوى الأجنبية التي تعاقبت على احتلالها، ولا نريد أن نمضي بعيداً في ذلك إلى ما قبل الميلاد، حيث كانت لأريتريا حضارة وتجارة ازدهرت في مدينتي «أدوليس» و«قوحيتو» اللتين تشهد أطلالهما بمعالم الحضارة القديمة لأريتريا، كما أن الحضارة الإسلامية امتدت إلى أريتريا وقد جاءت بفتح الأمويين لجزر دهلك والساحل الأريتري، ـ غرائب أثيوبيا لجسمان ـ «أن مصوع والموانىء القليلة على البحر الأحمر أصبحت إسلامية في وقتٍ مبكر، وبعد تدمير «أدوليس» ازدهرت حضارة إسلامية في جزر دهلك بالقرب من مصوع في مستهلّ القرن الثامن» وفي خطاب للكونت «سفورزا» وزير خارجية إيطاليا كتبه إلى رئيس بعثة الأمم المتحدة في أريتريا ـ مؤرخ في 17/4/1950م قال فيه:
ـ إن مناطق أريتريا المختلفة احتلها الإيطاليون في الفترة الواقعة بين 1869 و1903م، ولم تنتزع أي منطقة من تلك الأراضي من أثيوبيا، وكانت دنكاليا هي أول منطقة ارتكزت فيها إيطاليا، والتي كانت وما تزال يسكنها الدناكل وعقدت إيطاليا مع شيوخهم المحليين اتفاقيات حماية. وكان معظم الساحل الشمالي الذي يشمل منطقة مصوع وجزر دهلك حتى السودان جزءاً من الأمبراطورية العثمانية، والتي كان لها سلطة ضعيفة من خلال خديوي مصر الذي كان يحكم هذه المناطق.
والحقيقة أن إيطاليا تمركزت في هذه المناطق بعد أن اضطرت مصر إلى عقد اتفاقيات للانسحاب من المنطقة وذلك عام 1885م. أما في الداخل، ففي المنخفضات الغربية والأقاليم الواقعة بين نهري الجاش وستيت، والتي تسكنها قبائل الباريا والكوناما، فقد استحوذت عليها إيطاليا من سكانها المحليين وخططت حدودها بموجب معاهدة ثلاثية بين إيطاليا وبريطانيا وأثيوبيا في عام 1903م (اشتركت بريطانيا في هذا الاتفاق لتخطيط الحدود في الجنوب والغرب مع السودان)، أما الأراضي المرتفعة فمع أنها كانت تحتل أحياناً بواسطة بعض الرؤوس الإقطاعيين من إقليم تجراي، لكنها لم تعتبر جزءاً من أثيوبيا، حتى أن الأمبراطور «منيليك» الثاني وجه رسالة إلى ملك إيطاليا بتاريخ 10 مارس 1881م دعا فيها القوات الإيطالية إلى احتلال منطقة «أسمرة» باعتبارها أراضي غير أثيوبية، أما المناطق التي تقع جنوبي أسمرة (أكلي فوزاي وسراي) والتي كانت تحت الإدارة الإيطالية منذ عام 1891م فقد اعترف رسمياً بكونها جزءاً من أريتريا في المعاهدة الإيطالية الموقعة في 10/7/1900م ـ ولم يكن السبب في عقد تلك المعاهدة إنهاء خلافات بين إيطاليا والأمبراطور منيليك حول الأراضي الأريترية بعد حرب عام 1895 ـ 1896م المعروفة بحرب «عدرا» إذ أن الحرب لم تكن بسبب خلافات على الحدود، لكنها نشأت عن معاهدة «أوتشاليلا» الموقعة عام 1889م، بشأن تفسيرها من ناحية الحكومة الإيطالية الذي رفضه الأمبراطور منيليك، ومع أن الحرب لم تكن في صالح إيطاليا فإن الأمبراطور منيليك لم يحاول تعيين الحدود بين أريتريا وأثيوبيا اعترافاً منه بعدم أثيوبيّة أريتريا. هذه هي الحقائق التاريخية التي اعتمدت عليها إيطاليا عند احتلالها لأريتريا. والتي اشتقت اسمها من الاسم القديم للبحر الأحمر «سينوس أرتريوس».
تآمرت قوى الاستعمار على حرية واستقلال شعب أريتريا فحرم من حقه في تقرير مصيره، وفرض عليه اتحاد فدرالي مع أثيوبيا، لم يكن غير غطاء لاحتلال أثيوبي، لم يلبث الأمبراطور هيلاسالاسي أن أعلن إلغاءه وضم الأراضي الأريترية إلى أثيوبيا، وكان هذا الإجراء الأمبراطوري تحصيلاً لحاصل بدأ بإعلان الاتحاد الفدرالي عام 1952م. وطرق الشعب الأريتري جميع أبواب المساعي والسبل السلمية، للاعتراف بحقه في تقرير مصيره وحصوله على حريته واستقلاله، إلا أنها جميعاً أغلقت في وجهه.
طريق واحد دون سواه أصبح أمام الشعب، كي يحقق ذاته ويدافع عن قوميته ويستعيد حريته، طريق الثورة، فحمل السلاح وأعلن الثورة.
وفي 28 نيسان سنة 1993 أعلن استقلال أريتريا بعد استفتاء وكانت نتائجه 99.85 من المئة مع الاستقلال والانفصال عن أثيوبيا. وأعلنت أثيوبيا على الفور موافقتها على نتائج الاستفتاء. واعترافها بالدولة الجديدة.
وكانت «الجبهة الشعبية لتحرير أريتريا» شكلت حكومة موقتة في أيار (مايو) 1991، بعد تحريرها وسقوط النظام الأثيوبي السابق، وقدمت الحكومة المؤقتة العام الماضي طلباً لضم أريتريا إلى عضوية مؤتمر القمة الإفريقية الذي عقد في العاصمة السنغالية دكار، لكن الطلب علق حتى حصول أريتريا على استقلالها عبر استفتاء رعته الأمم المتحدة، ومنظمات إقليمية ودولية أخرى لكن «الجبهة الشعبية» شاركت آنذاك في المؤتمر بصفة مراقب.
وكان الأريتريون قد انتظروا أكثر من ثلاثين عاماً يحلمون بالاستقلال عن أثيوبيا، وخسروا في حربهم معها 60 ألف قتيل من العسكريين و40 ألف قتيل مدني. كما تشرد نحو 750 الف أريتري لجأوا إلى دول في أنحاء العالم. وخلفت هذه الحرب 90 ألف طفل فقدوا آبائهم أو أمهاتهم أو الاثنين معاً، إضافة إلى آلاف الجرحى والمعاقين.
الاستفتاء ليس إلا إجراءً شكلياً لإعطاء شرعية دولية لأريتريا المستقلة عملياً منذ 24 أيار (مايو) 1991 وهو تاريخ دخول قوات «الجبهة الشعبية لتحرير أريتريا» العاصمة أسمرا وتحريرها من القوات الأثيوبية إذ شارك في المراقبة والإشراف على الاستفتاء نحو 50 منظمة دولية وإقليمية غير حكومية إضافة إلى ممثلين عن نحو 25 دولة بما في ذلك الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن.
ويبدو أن الحكومة الأريترية المؤقتة التي شكلتها «الجبهة الشعبية لتحرير أريتريا» في 29 أيار (مايو) 1991 جهزت كل العدة لولادة الدولة الأريترية فعلى الصعيد الدولي كان الإنجاز الرئيسي للحكومة الأريترية منذ تأليفها إقناع الأمم المتحدة بالإشراف على الاستفتاء.
وقبل ذلك كانت الديبلوماسية الأريترية تنشط لدى حكومات الدول الغربية والعربية والإفريقية للحصول على تأييدهم في هذا المسعى. وخلال هذا النشاط أرسى الديبلوماسيون الأريتريون أسس علاقات مستقبلية مع هذه الحكومات، وبدت نتائج هذه العلاقات في المساعدات الكبيرة التي تدفقت على أريتريا من الغرب.
ويذكر أن إيطاليا كانت احتلت أريتريا تدريجاً منذ العام 1869 ووحدتها تحت الحكم الإيطالي بمرسوم ملكي صدر في أول كانون الثاني (يناير) 1890 وظلت أريتريا مستعمرة إيطالية حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية، إذ احتلتها القوات البريطانية الزاحفة من السودان عام 1941م.
وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وقعت إيطاليا معاهدة صلح مع الحلفاء تنازلت بموجبها عن كل مستعمراتها في إفريقيا. ونالت هذه المستعمرات استقلالها لاحقاً باستثناء أريتريا التي اختلفت دول الحلفاء المنتصرة في الحرب (الولايات المتحدة وفرنسا والاتحاد السوفياتي وبريطانيا) على تقرير مصيرها ثم أحالت قضيتها إلى الأمم المتحدة التي أصدرت قرارها الرقم 390 عام 1950 في شأنها الذي اعتبر حلاً وسطاً يضمن لأثيوبيا منفذاً إلى البحر الأحمر ونص القرار على اعتبار أريتريا «وحدة تتمتع بحكم ذاتي في اتحاد فيدرالي مع أثيوبيا تحت التاج الأثيوبي».
وعلى أثر هذا القرار بدأت المقاومة الأريترية نشاطها على شكل إضرابات عمالية وتظاهرت طالبية واجهها نظام الأمبراطور الأثيوبي السابق بالعنف وفي ظل هذه الأجواء التصعيدية تأسست «جبهة التحرير الأريترية» وبدأت نضالاً مسلحاً يهدف إلى تحقيق استقلال أريتريا عن أثيوبيا وفي مقابل هذا التحرك أعلن هيلاسيلاسي حل الاتحاد الفيديرالي مع أريتريا وضمها إلى حكمه ومنذ ذلك الوقت خاض الأريتريون حرباً قاسية ضد نظام هيلاسيلاسي ومن بعده ضد نظام منغستو هايلي مريام الذي أطاح الثوار الأريتريون والأثيوبيون نظامه في أيار 1991 بعد ثلاثين عاماً من حرب تعتبر أطول الحروب في القارة ة الإفريقية.
وفي شهر أيار (مايو) سنة 1977م زار مندوب مجلة الصياد البيروتية أريتريا فقال:
إن قبائل بني عبس وبني عامر، وقحطان وإسماعيل لا تزال تعيش في الصحراء الأريترية. وخلال وجودنا في أريتريا التقينا بأفراد من قبيلة بني عامر. وقلت لمواطن أريتري كان برفقتنا ما هي اللغة التي يتكلمونها؟
فقال: لغة عربية قديمة يصعب عليك فهمها. وبعد أن حضر من يمكن أن يكون واسطة التفاهم قال مندوب المجلة فسألتهم إلى أي طائفة تنتمون؟
فقالوا: إلى الطائفة الشيعية على مذهب سيدنا الحسين.
الأزد
تتجلّى في الأنساب العربية ظواهر معينة، يعتمد عليها معتمدون في رفض الأنساب عامة، ويعتمد عليها آخرون في الطعن عليها، ولكنها إن شابتها، وأدخلت عليها شيئاً من الاضطراب، لا يصح أن تتخذ منها تكأة لهدم بناء [علم] الأنساب كله، فالمدقق من الباحثين لا يجد فيه من الخلاف والاضطراب أكثر مما يجده في غيره من معارف اعتمدت في بقائها وتوارُثِها على الذاكرة ثم الكتابة اليدوية.
فقد كان بعض النسابين والمؤرخين يصرون على إيراد الأنساب كلما أوردوها كاملة، وبعضهم يوردها كاملة في موضع الحديث عنها ويختصر منها أسماء عندما يوردها عرضاً اعتماداً على الشهرة، وشيوع معرفتها في عصره، فأوقعت تلك الأنساب المختصرة بعض المطلعين عليها في الخطأ والاضطراب، إذ خلط بين الأخوة والأبناء.
ومنح العرب بعض أعلامهم ألقاباً حازت من الشهرة في بعض الأحيان ما جعل أسماءهم الحق تتوارى في الظلام، وتغيب وراءه تماماً، فيجهلها الناس أو يختلفون فيها، فتكثر أقوالهم عنها وتتعارض.
وقد نرى شيئاً من ذلك في نسب الخليل، وإن كنت أعتقد أنه أقل بما نراه في نسب غيره من الأعلام.
فنسّابو العرب يجمعون على ردّ اليمنيين جميعاً إلى فرعين كبيرين ينتسبان إلى سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، هما حمير وكهلان، ويكادون يهملون أبناء المذكورين الآخرين، والذين يبدو أنهم لم يكونوا من الأهمية بحيث يفرضون على العلماء العناية بهم.
وكان من سلالة كهلان رجل اختلف الناس في اسمه، فقال ابن حزم في «أنساب العرب»([563]): أود، وقل النويري في «نهاية الأرب»([564]): دراء، وقيل: درء، وإن كان وقع الاختلاف في الاسم فقد وقع اتفاق في اللقب، إذ أجمعوا على أنه (الأزد). وقال أبو عبيدة: ويقال فيهم: الأسد وعلق الجوهري على ذلك قائلاً([565]): وهو بالزاي أفصح، وأعتقد أن الرجلين يشيران إلى طريقتين كانتا شائعتين عند جماعات من أهل اليمن في النطق بالزاي.
ومرت أعوام، وتناسل الأزد فأكثر، حتى صار بنوه ـ في قول القلقشندي([566]): «من أعظم الأحياء، وأكثرها بطونا، وأمدّها فروعاً». وتصدق تلك الأقوال والأحداث الكبيرة في الجاهلية والإسلام، وتؤيدها المراجع التاريخية والجغرافية والأدبية.
وكان الموطن الأصلي لبني الأزد مأرب([567])، من أهم مدن الشمال الشرقي لليمن، وما حولها.
ويبدو أن جماعة من الأزديين أقامت في العراق منذ زمن بعيد. إذ تذكر أخبار التبابعة([568]) من ملوك اليمن أن تبعا أبا كرب خرج على رأس جيش كبير ليغزو ما طمع فيه من بلدان الشرق، وكان في ذلك الجند فِرَق من الأزديين، وعندما وصل الجيش إلى الحيرة، خلف الملك فيها مالك بن فهم مع جماعة من بني دوس الأزديين، فكان مقامهم فيها، أي ما بين الحيرة والأنبار وهيت ونواحيها وعين التمر وأطراف البراري: الغمير، والقطقطانة، وخفيّة، ولكن الظلام والشك اللذان يحوطان التبابعة وتاريخهم ينسدلان على أخبار هذه الجماعة الأزدية، وتاريخ هجرتها الحق إلى العراق([569]).
وتمر أعوام فتضيق منطقة مأرب ببني الأزد، بعد أن كثروا، وساءت أحوال اليمن الاقتصادية لإهمال الزراعة ومشروعات الري، فيضطر أكثرهم إلى النزوح عن موطنه والتشرد في الأنحاء المختلفة من شبه الجزيرة العربية، هم وغيرهم من اليمنيين. وكانت هذه الهجرة من الضخامة، وذات أثر بعيد في بلاد العرب كلها، بحيث علقت ذكراها في عقول العرب جميعاً: جنوبيهم وشماليهم، ولم تمح أبداً. وارتبط في أذهانهم بما عاصرها أو كان سبباً لها من تهدم سيل العرم. واتخذ الخيال العربي من تلك الأحداث أساساً بنى عليه صرحاً من القصص الشعبي.
ويستنبط من الأخبار أن الأزديين انتشروا من مواطنهم، واتسعوا فيما ينزلون من بقاع اليمن حتى جاوروا بني عك. ولكنهم ما نزلوا بمكان إلا ضاق بهم، إذ كانوا في وصف الهمداني لهم([570]): لا يمرون بماء إلا أنزفوه، ولا بكلأ إلا سحقوه، لما فيهم من العَدَد والعُدَد والخيل والإبل والشاه والبقر وغيرها من أجناس السوام.
وكان لا بد أن تنشب المعارك بينهم وبين السكان الأصليين للأماكن التي حلّوا بها. فوقع القتال بينهم وبين غافق، فتغلبوا عليها، ولكنهم عندما استقروا وتحقق أهل البلاد من عظم الأذى الذي حلّ بهم، اجتمعت كلمة عك كلها على مقاتلتهم. فدارت الحرب بينهم سجالاً، وطال أمدها، فرأى الأزد أن يتحولوا عن موطن عك([571]).
ويبدو أنهم اقتنعوا أنهم لن يستطيعوا أن ينزلوا مجتمعين في مكانٍ ما، فانقسموا إلى مجموعتين، سلكت كل منهما طريقاً مستقلاً في هجرتها. وربما هاجرت مجموعة منها قبل أختها، عندما رأت القتال في اليمن لا يمدّ، ثم أعقبتها المجموعة الأخرى بالهجرة ولكن في غير الطريق الذي سلكته المجموعة الأولى. وكان أحد الطريقين غربياً، انتهى بالمهاجرين إلى الشام، والآخر شرقياً انتهى إلى الحيرة والأنبار، ولكن المهاجرين لم يقطعوا الطريقين في سرعة، ولا وصلوا إلى غايتهم دون خسائر، فقد أقاموا فيما راقهم من منازل وجدوها في طريقهم. فلم تلبث الخصومة أن نشبت بينهم وبين السكان القدامى، واندلعت نيران الحرب. فاضطر المهاجرون الجدد إلى التحول إلى منزل جديد تاركين وراءهم جماعات منهم وأناحت لها بعض العوامل البقاء.
وهكذا نجد في الطريق الغربي بني الحارث بن كعب ينزلون نجران([572]). وبني غامد وبارق ودوس وغيرهم من بني نصر بن الأزد يتخلفون في السراة([573]) وخزاعة في بطن مر على مقربة من مكة([574])، والأوس والخزرج في يثرب (المدينة المنورة)([575]). وينتهي الطريق بغسان في الشام([576]).
ونجد في الطريق الشرقي بني جديد يتخلفون في ريسوت على ساحل الشحر بين عمان وعدن([577])، ويحمد وحدان ومالك والحارث وعتيك ورئام في عمان([578])، وجماعة هجر([579]) في البحرين([580]) وينتهي الطريق بدوس في الحيرة والأنبار([581]).
واختلطت القبائل الأزدية التي نزلت بمشرق شبه الجزيرة العربية وبمغربها بأهل البلاد الأصليين، وعاشوا معهم، رؤساء لهم في أماكن ومرؤوسين في أخرى. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل لحقت بهم في مواضعهم الجديدة هجرات أخرى من قبائل ترجع إلى أصول غير أصول الأهالي الأصليين ومن وفدوا عليهم من الأزد.
فاختلط أزد الغرب في السراة بقبائل يمنية خالصة مثل مذحج([582]): وقبائل مختلف في أصلها خثعم، التي يدعيها النزاريون واليمنيون([583])، وقبائل مضرية مثل نصر وجشم ابني معاوية، وكلاب بن ربيعة، من هوازن من قيس عيلان([584]). واختلطوا في مكة ببني جرهم وإسماعيل، وفي المدينة باليهود، وفي الشام بالرومان ومن حلّ فيه قبل العرب.
واختلط أزد الشرق بقبائل قضاعية مثل تيم اللات بن أسد في هجر([585])، وجرم ونهد والقين في عمان([586])، وقبائل نزارية مثل سامة بن لؤى من مضر في عمان([587])، وإياد بن نزار، وسعد بن زيد مناة بن تميم، من مضر في عمان والبحرين([588])، وعبد القديس وشن من ربيعة في عمان والبحرين وهجر([589])، وقبائل مختلف في أصلها مل بجيلة في عمان والبحرين([590]).
وأجمل بعض الشعراء المنازل التي حلّ بها الأزديون في الجانب الشرقي من شبه الجزيرة العربية، فقال([591]):
| وأزدٌ لها البحران، والسيف كله | وأرض عمان بعد أرض المشقّرِ |
هذا مجمل ما تعطينا الأخبار العربية عن الهجرات الأزدية خاصة في اليمن إلى أنحاء شبه الجزيرة العربية. ولكن ليس بين أيدينا من الوثائق ما يمكننا من التأكد من تواريخ حلول كل قبيلة من قبائل الأزد في الموطن الجديد الذي حلت به، وهل وقع كل هذا نتيجة هجرة واحدة أو هجرات عدة كانت في تواريخ متباعدة، وإن كانت القصص العربية تميل إلى الفرض الأول.
وحاول بعض المؤلفين أن ييسر على قرائه، فصنف بني الأزد إلى فئات، فجعلهم الجوهري([592]) في الصحاح ثلاث فئات: أزد شنوءة، وأزد عمان، وأزد السراة. ولكن القلقشندي عقب على التقسيم قائلاً([593]): «على أن صاحب العبر ذكر أن شنوءة كانت منازلهم السراة فيحتمل أنهم كانوا نازلين أيضاً مجاورين لأزد السراة».
واتسع ركندورف Rechendorf في التقسيم فقال في مادة «أزد» من دائرة المعارف الإسلامية: «وقد تفرّع عن هذه القبيلة المتشعبة أربعة بطون هامة، هي: 1ـ أزد عمان، وتنكر قريش انتساب أزد عمان إلى العرب. 2ـ أزد السراة في الجبال المعروفة بهذا الاسم في اليمن. 3ـ أزد شنوءة: كعب… ونسبهم هو كعب بن الحارث… وهم يعيشون أيضاً في السراة. وشنوءة اسم ناحية باليمن. ويظهر أن هؤلاء هم في الحقيقة أزد السراة 4ـ أزد غسان: مازن، في شمال جزيرة العرب وفي بلاد الشام. وكان الأوس والخزرج في المدينة، وخزاعة في مكة وما جاورها يعتبرون من الأزد أيضاً». ولكن التحكم واضح في هذا التقسيم، إذ أرغم أصحابه على استبعاد اشتهار هذه القبائل بنفسها دون أن تحتاج لأن تنسب إلى جدها، ولا سبب لفصل أزد شنوءة عن أزد السراة، وهما قبائل واحدة، تنتمي إلى أصلٍ واحدٍ، وتعيش في منطقة واحدة فالسراة والحجاز يعمّ بها بعضهم الجبال الفاصلة بين نجد وتهامة والممتدة من اليمن إلى أطراف الشام، ويخص بها بعضهم الآخر فيجعل الحجاز الجبال الشمالية، والسراة الجبال التي بين صنعاء والطائف، ويقولون: هي ثلاث سروات، أدناها من صنعاء سراة الأزد، ووسطاها لبجيلة، وأدناها من الطائف لثقيف وهذيل([594]).
وكان الأزديون عامة ودوس خاصة من عباد الأصنام في الجاهلية. ولم تصف المراجع القديمة من آلهتهم إلا ذا الخلصة، الذي كان مروة بيضاء منقوشة، عليها كهيئة التاج، فيما يقول ابن الكلبي([595])، وقال ركندورف أنهم كانوا من أهم عباد مناة، ونعرف أسماء مجموعة أخرى من آلهتهم غير أننا لا نعرف صفاتها، وهي ذو الكفين، وذو الثرى، وعائم، وباجر([596]). وربما كانت هناك علاقة ما بين بعض آلهة دوس والزنا الذي كان غالباً عليها([597]).
ولا عجب أن يكون الأزديون ـ وهم من اليمن ذات الحضارة الموغلة في القدم ـ أكثر من القبائل المجاورة لهم في مواطنهم الجديدة ميلاً إلى الاستقرار، وأخذاً بأساليب التحضر، وإقبالاً على الأعمال التي يأنف منها البدوي. فاشتغلوا في عمان بصيد السمك، وفي السراة بالحياكة، وفي المدينة بالزراعة. وكان كثير من القبائل البدوية تحتقرهم وتسخر منهم، بل بلغ الأمر إلى أن نفى بعض القبائل أزد عمان من العروبة وعدهم عجماً([598]). ولعل ذلك ما جعلهم يؤثرون مجاورة اليهود في مزون بعمان، ويثرب بالحجاز.
ولعل هذه الخصائص التي اجتمعت فيهم هي التي أهّلتهم للتغلب على السكان الأصلاء في المواطن الجديدة التي حلوا بها على الرغم من اضطرارهم إلى النزوح عن وطنهم، وإلى التشتت في أنحاء شبه الجزيرة. فصار آل الجلندي سادة عمان، وخزاعة سادة مكة مدة من الزمان، والأوس والخزرج صارا بيثرب. وشيّد الغساسنة إمارتهم بالشام.
وانفرد أزد السراة بظاهرتين: فقد غلب عليهم الميل إلى الغزل، وأقرّوه فيهم. ولم يعودوا يأنفون منه أو يأبونه على رجالهم ونسائهم. وعرفوا بالفصاحة، حتى عدّهم بعض العلماء من أفصح القبائل العربية، قال الخليل بن أحمد([599]): أفصح الناس أزد السراة. وقال أبو عمرو بن العلاء([600]): أفصح الشعراء لساناً وأعذبهم أهل السروات.
والفصاحة هنا معنى خاص فسره المبرد حين قال([601]): «كل عربي لم تتغير لغته فصيح على مذهب قومه. وإنما يقال: بنو فلان أفصح من بني فلان، أي أشبه لغة بلغة القرآن ولغة قريش». ولعل ذلك هو السبب في اختلاف النحويين في أي القبائل أفصح، إذ اختلفوا في مدى قرب لغة كل منها من لغة القرآن، وذلك أمرٌ طبيعيٌ لأنه لا يقوم على قياس مادي.
ولما كانت البعثة النبوية ودعا الرسول (ص) إلى الإسلام، كان الطفيل بن عمرو الدوسي، أول من أسلم من بين الأزد. وكان ذلك منه قبل الهجرة، بعد فشل مقاطعة قريش لبني هاشم. وعاد الطفيل إلى موطنه داعية إلى الإسلام فلم يؤمن به غير أهل بيته. فذهب إلى مكة والتقى بالرسول (ص) ثانية وتزوّد منه، ثم عاد إلى قومه واستأنف دعوته. فاستطاع أن يستميل قرابة ثمانين بيتاً منهم، هاجر بهم فلحقوا بالرسول (ص) في غزوته لخيبر، في محرم سنة 7.
وفي العام العاشر، قدم صرد بن عبدالله الأزدي، في وفد من قومه، على رسول الله (ص) فأسلموا، فأمّره رسول الله (ص) عليهم، وبعثه داعية إلى قومه وأمير عليهم. وأمره أن يجاهد بالمسلمين من جاوره من المشركين في اليمن، فحاصر مجدينة جرش الحصينة، فلم يستطع أن يتغلب عليها قسراً، فتظاهر بالرجوع عنها حتى اختفى في جبلٍ قريبٍ يسمى شكر، فظن أهل جرش أنه انهزم عنهم وخرجوا يتبعونه، ولكن الكمين عطف عليهم فهزمهم ودخل مدينتهم، ونشر الإسلام فيها، وبعث وفداً منهم لملاقاة الرسول (ص).
وفي العام نفسه، بعث رسول الله (ص) خالد بن الوليد، إلى بني الحارث بن كعب في نجران يدعوهم إلى الإسلام أو القتال فأسلموا. ثم جاء بجماعة من كبرائهم إلى رسول الله (ص). فأمر عليهم قيس بن الحصين وبعث إليهم عمرو بن حزم، ليفقههم في الدين، ويأخذ منهم صدقاتهم.
أما أزد عمان فكان أول اتصال بين الرسول (ص) وبينهم عندما أرسل رسله إلى أمراء العرب وملوك الدول المجاورة يدعوهم إلى الإسلام، في سنة 7 أو 8 من الهجرة. فأرسل رسولين إلى ابني الجلندي الأزديين، ملكي عمان، فأفلحا في سفارتهما ونشرا الإسلام هناك.
وعند الردة كان من بين الأزد من حافظ على إسلامه وقاتل في سبيله مثل الطفيل بن عمرو الدوسي الذي قاتل طليحة الأسدي، ومنهم من ارتد وقاتل المسلمين. أما من ارتد من أسد السراة، فقد انضم إلى المرتدين من بجيلة وخثعم، وولوا عليهم حميضة بن النعمان. فبعث إليهم أبو بكر عثمان بن أبي العاص في جيش، فجرد إليهم سرية تحت قيادة عثمان بن ربيعة، هزمتهم وشتتت رؤوسهم وأرجعت بقيتهم إلى حوزة الإسلام.
وفي عمان، كان ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي ينافس ابني الجلندي على الإمارة منذ الجاهلية. فاهتبل فرصة وفاة الرسول (ص) وما حدث ردة، فارتد وحاكى غيره من المرتدين ليدعم قضيته، فادّعى النبوة، واتخذ من «دبا» مقراً له. ولكن ابني الجلندي حافظا على إسلامهما واعتصما بالجبال. وبعث إليهما أبو بكر عدة كان من رؤسائها حذيفة بن محصن الغطفاني وعرفجة بن هرثمة البارقي الأزدي. فاستمالوا بعض قواد ذي التاج فانفضوا من حوله. ثم التقوا في معركة عنيفة كاد يهزم المسلمون فيها. ولكنها انتهت بالنصر لهم، فطاردوا المرتدين الهاربين، وقتلوا منهم نحو عشرة آلاف وسبوا الذراري، وقسموا الأموال، وبعثوا الخمس مع عرفجة وتولى حذيفة إمارة عمان، التي استقرت أحوالها أعواماً طويلة.
وأطلق ركندوف القول فأعلن أن الأزد لم تشترك في حروب الفتح إلا في عهد عثمان. ولكن هذا القول واهي السند.
فقد كان أحد القواد الأربعة الذين عهد إليهم أبو بكر فتح الشام شرحبيل ابن حسنة، الذي ينسبه بعضهم إلى ازد([602])، وكان ممن أصيب في موقعة اليرموك جندب بن عمرو الدوسي([603])، مما يدل على اشتراك بعض قبائل الأزد في فتح الشام منذ عهد أبي بكر.
وعندما اتسعت حركة الفتح، وتعددت ميادين القتال وتباعدت، ظهرت حاجة المسلمين إلى المقاتلين. فأوصى أبو بكر عمر بن الخطاب، أن يأذن لمن كان قد ارتد من العرب أن يشارك في القتال، وكان أبو بكر قد حرمهم إياه. فاستجاب عمر وفتح أمامهم الأبواب التي كانت موصدة دونهم، وترك لهم حرية اختيار أحد ميادين القتال ليشاركوا فيه. فكأن أهل اليمن ينزعون إلى الشام وكانت مضر تنزع إلى العراق، حتى قال عمر: أرحامكم أرسخ من أرحامنا! ما بال مضر لا تذكر أسلافها من أهل الشام([604])!.
ولكن عمر اضطر إلى التدخل وتوجيه المقاتلين في بعض الأحيان فعندما أرسل سعد بن أبي وقاص إلى العراق لمقاتلة الفرس، عبأ الفرس أعداداً غفيرة من قواتهم لسدّ السيل الإسلامي. وتبين أن العدد الموجود في العراق من العرب لا يستطيع أن يصمد أمام هذه الجموع بل أن يتغلب عليها، ويتوغل في أراضيها، فأخذ عمر في ترغيب الناس في الانضمام إلى جند العراق.
وقد كان فيمن أتاه يستأذنه في الخروج للقتال جماعات أزدية، وكانت رغبتها في الشام أيضاً. فألحّ عليها عمر في التوجه إلى العراق، ورغبها في ثروات الفرس. فاستطاع بعد لأي أن يوجه جماعات كاملة إلى العراق أحياناً([605])، وأن يقسم بعض الجماعات في أحيا أخرى فيرسل نصفها إلى الشام والنصف الآخر إلى العراق([606]).
ولا شك أنه من العسير أن نتتبّع قبيلة ما في الفتوح الإسلامية، لأن المؤرخين لم يعنهم أن يذكروا من اشترك من القبائل في كل موقعة حربية ولكن الأمر الذي يذهب بشيء من هذه المشقة أن العرب اعتادوا أن ينخرطوا في الجيوش جماعات لا أفراداً، وأن يحافظوا على تجمعاتهم في داخل الجيوش التي التحقوا بها، وآثروا أن يقودهم من كان منهم([607]) فلنا الحق حين نرى في موقعة قائداً أو رجلاً أزدياً أن نذهب إلى أن جماعة أزدية شاركت في هذه الموقعة.
وقد ذكرت تواريخ الفتح العربي لمصر أن الأزد اشتركوا فيه، وصارت لهم خطة خاصة بهم في الفسطاط([608])، وصرحت بأسماء بعض البطون الأزدية التي استقرت بمصر، مثل بني شبابة([609])..، وبني بحر، الذي كان لهم خطة مجاورة لبني بلي([610]).
وذكر المؤرخون أن العلاء بن الحضرمي ـ عامل عمر على البحرين ـ وجّه هرثمة بن عرفجة البارقي من الأزد، ففتح جزيرة في البحر مما يلي فارس([611]).
وبعدما فرغ منها طلب إليه عمر أن يلحق بعتبة بن غزوان في البصرة، على رأس جماعة من قومه، ففعل([612]).
ولم يستقر الرجل بالبصرة ويخلد إلى السلام، بل انخرط في جيش الفتح الإسلامي للعراق، وكان له دور في المعارك الكبيرة، كشف الطبري عن آثار منه في موقعة البويب([613])، وتكريت([614]).
ولم يكن الأزدي الوحيد في هذا القتال، بل كان معه جماعة من قومه. قال يصف بعض ما لقاه في البويب: حزنا كتيبة منهم إلى الفرات ورجوت أن يكون الله تعالى قد أذن في غرقهم وسلى عنها بها مصيبة الجسر. فلما دخلوا في أحد الأحراج كروا علينا، فقاتلناهم قتالاً شديداً حتى قال بعض قومي: لو أخرت رايتك فقلت: عليّ إقدامها. وحملت بها على حاميتهم فقتلته، فولوا نحو الفرات، فما بلغه منهم أحدٌ فيه الروح.
وإذا كان الطبري لم يذكر اسمه في موقعة المدائن، فقد أشار إلى اشتراك بعض الأزديين فيها([615]).
وشاركت الأزد في جبهة أخرى من جبهات القتال، قريبة من موطنها الأصيل. ذكر المؤرخون أن عثمان بن أبي العاص الثقفي ـ لما ولاه عمر البحرين وعمان ـ وجه أخاه الحكم في البحر إلى فارس، في جيش عظيم من عبد القيس والأزد وتميم وناجية وغيرهم، ففتح جزيرة أبركاوان وتوج([616]).
وكشف الطبري عن وجود الأزد في الجيوش التي توغلت في فارس. فقد كان المهلب بن أبي صفرة أحد الذين حاربوا في مناذر([617]) سنة 17هـ، وكان أبوه على ميسرة المسلمين في موقعة اصطخر([618]) سنة 23هـ.
وتعد المدة التي ظهرت فيها اسرة المهالبة، وتولى أفراد منها جيوشاً للمسلمين، العصر الذهبي للأزد. فقد كانت صفات كثير من المهالبة تؤهلهم للقيادة الكفووءة، وحازت لهم من الانتصارات في حروبهم الداخلية ضد الخوارج، والخارجية ضد غير المسلمين، وكسبت لهم شهرة بين الخاصة والعامة، ويكفي أن أشير إلى أن المهلب كانت له جولاته الموفقة في فتوح السند سنة 44هـ([619])، وخجندة وكش واختل ورابنجان سنة 80([620])، وكان لابنه يزيد مثل هذه الجولات في فتوح خوارزم سنة([621]) 82، وجرجان وطبرستان سنة ([622]) 96، وكان لابنه الآخر المفضل جولاته في فتوح بادغيس([623]).
ويبدو أن الأزد عرفت لهؤلاء القواد ما يكسبونها إياه من شرف حديث على شرفها القديم، فقدمت لهم ما أرادوه من مقاتلين، واستبسال في القتال، وصبر حتى التضحية، وقد سجل الشعر بعض ذلك، إذ قال قائل في معركة بنة من معارك السند([624]).
| ألم تر أن الأزد ليلة بيتوا | ببنة كانوا خير جيش المهلب |
وإذا كان الأزديون الذين أقاموا بالعراق وفارس اضطلعوا بقسط كبير في حروب المشرق، فإن الأزديين الذين استوطنوا الشام ومصر كان لهم نصيبهم في القتال في المغرب فقد شاركوا منذ عهد الخليفة في الغزوات البحرية، ووردت إشارات إلى أفراد منهم في غزوات سنة 28([625]).
وعندما تقدم المسلمون لفتح ليبيا، كان جيشهم يضم عدداً كبيراً من الأزديين، حتى قال ابن عبد الحكم([626]): «عن ابن لهيعة: كانت مهرة وحدهم ستمئة رجل، وغنت من الأزد سبعمئة رجل، وميدعان سبعمئة، وميدعان من الأزد».
إذن شاركت الأزد في الفتوح الإسلامية، على تعدد جبهاتها وتباعدها. وكان أكبر ما حازت من مآثر في هذا الصدد في الجبهة المشرقية، الممتدة من العراق إلى الهند والصين، وفي ذلك الدليل الجلي على إقامة الأزد في هذه الأصقاع.
ويعطينا العرض السريع السابق ما يؤكد نزوح الأزد إلى العراق منذ عهد عمر بن الخطاب، بل أوائل عهده.
ولكن متى هاجرت جماعات أزدية إلى البصرة؟ تلك هي المسألة التي تعنيني هنا، إذ هي بغيتي.
عثرت في «شرح النقائض» على نص، يحدد موعد هذه الهجرة، ويقول([627]): «قال أبو عبيدة: وزعم محمد بن حفص ويونس بن حبيب وهبيرة بن حدير وزهير بن هنيد أن مضر كانت تكثر ربيعة بالبصرة، وكانت جماعة الأزد آخر من نزل البصرة، حين بصرت البصرة قال: فلما حول عمر بن الخطاب (ر.ض) من تنخ من المسلمين إلى البصرة، أقامت جماعة الأزد ولم يتحولوا، ثم لحقوا بعد ذلك بالبصرة في آخر خلافة معاوية، وأول خلافة يزيد بن معاوية».
وتلقّف كل من تعرض للأزد هذا القول، وتبادلوه: بعضهم في اطمئنان تام، مثل ركندورف الذي قال: «ولم يقو شأن الأزد إلا بعد أن استقر العدد الكبير منهم في البصرة، وكانوا حوالي نهاية حكم معاوية وبدء عهد ابنه يزيد قد جمعوا جموعهم، وهاجروا إلى البصرة…» واعتمد عليه بعضهم في شيء من الحذر.
ويدعم أبو الحسن المدائني رواية أبي عبيدة، إذ يقول([628]): «أراد شيرويه الأسواري أن ينزل في بكر بن وائل مع خالد بن المعمر وبني سدوس، فأبى سياه ذلك. فنزلوا في بني تميم، ولم يكن يومئذٍ الأزد بالبصرة ولا عبد شمس».
ولكننا حين نعرض هذه الأقوال على أحداث البصرة في هذه المدة نجدها تتنافر معها كل التنافر.
فالشائع بين المؤرخين أن البصرة مصرت في سنة 14 أو 16هـ، وإن الذي مصرها عتبة بن غزوان المازني، الذي جاء في أربعين رجلاً، منهم نافع بن الحارث بن كلدة الثقفي وأبو بكرة وزياد بن أبيه وأخت لهم. ثم انضم إليهم سويد بن قطبة فيمن معه من بكر وتميم، فبلغ عددهم نحو 600 رجل و6 نساء([629]).
ثم أمدهم عمر بهرثمة بن عرفجة البارقي ومن معه من الأزد، ويبدو أن أهل البصرة بنو حينئذٍ دساكرهم باللبن، تلك الدساكر التي تتفق الروايات في عددها وتختلف في توزيعها. قيل([630]): «ليس فيها إلا سبع دساكر بالزابوقة والخريبة وموضع بني تميم والأزد: ثنتان بالخريبة، وثنتان بالأزد، وثنتان في موضع بني تميم، وواحدة بالزابوقة». وقيل([631]): «اثنتان بالخريبة، واثنتان بالزابوقة، وثلاث في موضع دارالأزد اليوم».
ويدل هذا الخبر على أن الأزد كانوا من أول من نزل البصرة من العرب، وأن عددهم لم يكن قليلاً إذا نظرنا إلى عدد كل من نزل البلدة الجديدة. ولكن هذه الدلالة غير مؤكدة لأن النص يقول: «موضع دار الأزد اليوم» فربما كان هذا الموضع لهم «اليوم» وكان لغيرهم «قبلة» وخاصة إذا أضفنا تكملة الخبر التي تقول: «أمد عمر عتبة بهرثمة بن عرفجة وكان بالبحرين، فشهد بعض هذه الحروب ثم سار إلى الموصل» فلعله ارتحل عنها بمن جاء معه من قومه او أغلبهم.
ولكن هذا الشك لا يرافقنا طويلاً، فالأخبار تؤكد وجود جماعة أزدية بالبصرة حوالي سنة 17هـ. فالخبر الذي أوردته عن المدائني آنفاً غير دقيق. وصحته أن جماعة من المقاتلين الفرس سالمت المسلمين بعد فتح السوس، وأسلمت، وقاتلت إلى جانب جيش المسلمين في تستر ونزلت هذه الجماعة بالبصرة وبحثت عمن تحالفه من القبائل العربية. وتختلف الروايات في الأمور التي طلبوها في القبيلة التي عزموا على مخالفتها ولكنها تتفق في النتيجة. قيل([632]): «فلما ساروا إلى البصرة سألوا: أي الأحياء أقرب نسباً إلى رسول الله (ص)؟ فقيل: بنو تميم. وكانوا على أن يحالفوا الأزد، فتركوهم وحالفوا بني تميم» وقيل([633]): سألوا عن أمنع قبائل العرب فعدّوا تميماً».
ولعل تولّيه عمر بن الخطاب كعب بن سور الأزي لقضاء البصرة([634]) تدعم هذه الأخبار، وتدل على هذا الوجود الأزدي في البصرة.
ثم تنهال الهجرة العربية على البصرة، حتى يبلغ عددهم في خلافة علي بن أبي طالب 60000 سوى أبنائهم وعبدانهم ومواليهم([635]). ولا يحتاج وجود الأزد فيها إلى دليل، لأنهم شاركوا في جميع الوقائع الهامة التي حدثت منذ ذلك العهد.
ويكشف الطبري أن بني الحدان من الأزد كان لهم مسجد خاص، نزلت به السيدة عائشة عندما خرجت هي والزبير بن العوام وطلحة من الحجاز إلى العراق. وكان لهم ساحة خاصة دار فيها قتال([636]).
وأنيط ببني الأزد وضبة حماية جملها، فدارت عنده معركة رهيبة من ارتفاع النهار إلى قريب من العصر، وقع عبئها الأكبر على القبيلتين، اللتين أبدتا من ضروب البسالة ما ألهج لسان السيدة عائشة بالثناء([637]).
ولكن القتل استحر خاصة بالأزد، حتى سجل الشعر ذلك، وفخر به الفاخرون من أصحاب علي. قال رجل من بني ليث([638]):
| سائل بنا يوم لقينا الأزدا | والخيل تعدو أشقر ووردا | |
| لما قطعنا كبدهم والزندا
وقال نمران بن أبي نمران الهمداني*:(*:الطبري515:4)
أضرب في كهولهم والمرد |
سحقاً لهم في رأيهم وبعدا
جردت سيفي في رجال الأزد كل طويل الساعدين نهد |
وكانت خسارة الأزد في يوم الجمل فادحة. ويكفي أن نعرف أنه قتل من أهل بيت واحد 14 رجلاً، لنطمئن إلى أن المؤرخين لا يبالغون حين يقولون إنهم فقدوا ما بين 2000 و2500 قتيل([639]).
وإن في هذه الأرقام ـ مهما كانت المبالغة التي ربما تسربت إليها، لدليلاً أي دليل على كثرة الأزديين الذين استوطنوا البصرة في خلافتي عمر وعثمان، وخاصة إذا أضفنا إلى ذلك أن الأزد بقي لديها من المقاتلة ما مكن لها أن تخرج مع جيش عبدالله بن عباس لتشترك مع علي في مواقع صفين([640]).
وإذن ففلهوزن أكثر توفيقاً من (ركتدروف) حين يحترس ويقول([641]): «ولم تقو الأزد في البصرة إلا من طريق هجرة جاءت متأخرة… ولكن لا يصح أن يظن الإنسان أن جميع الأزد لم يهاجروا إلى البصرة إلا حوالي سنة 60هـ ، بل كان هناك أزد من قبل».
الدكتور حسين نصار
في عهد الإمام
لما أصاب معاوية بن أبي سفيان محمد بن أبي بكر بمصر وظهر عليها دعا عبدالله بن عامر الحضرمي فقال له: سر إلى البصرة فإن جلّ أهلها يرون رأينا في عثمان ويعظّمون قتله وقد قتلوا في الطلب بدمه وهم موتورون حنقون لما أصابهم، ودّوا لو يجدون من يدعوهم ويجمعهم وينهض بهم في الطلب بدم عثمان، واحذر ربيعة وانزل في مضر وتودّد الأزد، فإن الأزد كلهم جميعاً معك إلا قليلاً منهم فإنهم غير مخالفيك، واحذر من تقدم عليه.
فقال له عبدالله بن عامر: أنا سهمك في كنانتك: وأنا من قد جربت وعدو أهل حربك وظهيرك على قتلة عثمان فوجهني إليهم متى شئت، فقال له: اخرج غداً إن شاء الله، فودعه وأخذ بيده وخرج من عنده.
فلما كان الليل جلس معاوية وأصحابه يتحدثون، فقال لهم معاوية: في أي منزل ينزل القمر الليلة؟ فقالوا: بسعد الذابح فكره معاوية ذلك وأرسل إليه أن: لا تبرح حتى يأتيك رسولي، فأقام.
ورأى معاوية أن يكتب إلى عمرو بن العاص، وكان عامله يومئذٍ على مصر يستطلع رأيه في ذلك فكتب إليه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص ـ وقد كان يسمى بأمير المؤمنين بعد صفين وبعد تحكيم الحكمين ـ: سلام عليك.
أما بعد، فإني رأيت رأياً هممت بإمضائه ولم يخذلني عنه إلا استطلاع رأيك، فإن توافقني أحمد الله، وأمضيه، وإن تخالفني فأستجير بالله وأستهديه، إني نظرت في أمر أهل البصرة فوجدت عظم أهلها لنا وليّاً ولعلي وشيعته عدوّاً، وقد أوقع بهم عليّ الوقعة التي علمت. فأحقاد تلك الدماء ثابتة في صدورهم لا تبرح ولا تريم، وقد علمت أن قتلنا ابن أبي بكر ووقعتنا بأهل مصر قد أطفأت نيران أصحاب عليّ في الآفاق، ورفعت رؤوس أشياعنا أينما كانوا في البلاد.
وقد بلغ من كان بالبصرة على مثل رأينا من ذلك ما بلغ الناس، وليس أحدٌ ممن يرى رأينا أكثر عدداً ولا أضرّ خلافاً على عليّ من أولئك، فقد رأيت أن أبعث إليهم عبدالله بن عامر الحضرمي فينزل في مضر، ويتودد الأزد، ويحذر ربيعة، وينعى دم عثمان بن عفان ويذكرهم وقعة عليّ التي أهلكت صالحي إخوانهم وآبائهم وأبنائهم، فقد رجوت عند ذلك أن يفسدوا على عليّ وشيعته ذلك الفرج([642]) من الأرض، ومتى يؤتوا من خلفهم وأمامهم يضل سعيهم ويبطل كيدهم، فهذا رأيي فما رأيك؟. فلا تحبس رسولي إلا قدر مضي الساعة التي ينتظر فيها جواب كتابي هذا، أرشدنا وإياك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فكتب عمرو بن العاص إلى معاوية:
أما بعد، فقد بلغني كتابك، فقرأته وفهمت رأيك الذي رأيته فعجبت له، وقلت: إن الذي ألقاه في روعك وجعله في نفسك هو الثائر لابن عفان والطالب بدمه، وإنه لم يك منك ولا منا منذ نهضنا في هذه الحروب ونادينا أهلها ولا رأى الناس رأياً أضرّ على عدوك ولا أسر لوليك من هذا الأمر الذي ألهمته، فأمض رأيك مسدداً فقد وجهت الصليب الأديب الأريب الناصح غير الظنين والسلام.
فلما جاءه كتاب عمرو، دعا ابن الحضرمي ـ وقد كان ظن حين تركه معاوية أياماً لا يأمره بالشخوص أن معاوية قد رجع عن اشخاصه إلى ذلك الوجه فقال له: يا ابن الحضرمي سر على بركة الله إلى أهل البصرة فأنزل في مضر، واحذر ربيعة وتودّد الأزد، وانع عثمان بن عفان، وذكرهم الوقعة التي أهلكتهم، ومَنِّ([643]) لِمَن سمع وأطاع دنيا لا تفنى وأثرة([644]) لا يفقدها حتى يفقدنا أو نفقده، فودعه! ثم خرج من عنده وقد دفع إليه كتاباً وأمره إذا قدم أن يقرأه على الناس.
قال عمرو بن محصن: وكنت معه حين خرج.
قال: فلما خرجنا فسرنا ما شاء الله أن نسير، سنح لنا ظبيٌ أعضب([645]) عن شمائلنا ـ قال: فنظرت إليه فوالله لرأيت الكراهية في وجهه. ثم مضينا حتى نزلنا البصرة في بني تميم فسمع بقدومنا أهل البصرة فجاءنا كل من يرى رأي عثمان بن عفان([646])، فاجتمع إلينا رؤوس أهلها، فحمد الله ابن عامر الحضرمي وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، أيها الناس فإن عثمان إمامكم إمام الهدى قتله علي بن أبي طالب ظلماً، فطلبتم بدمه، وقاتلتم من قتله، فجزاكم الله من أهل مصر خيراً، وقد أصيب منكم الملأ الأخيار وقد جاءكم الله بإخوان لكم، لهم بأسٌ شديدٌ يتقى، وعدد لا يحصى فلقوا عدوكم الذين قتلوكم فبلغوا الغاية التي أرادوا صابرين، فرجعوا وقد نالوا ما طلبوا، فمالئوهم وساعدوهم وتذكروا ثأركم تشفوا صدوركم من عدوكم.
فقام إليه الضحاك بن عبد الله الهلالي([647]) فقال: قبّح الله ما جئتنا به ودعوتنا إليه جئتنا والله بمثل ما جاء به صاحباك طلحة والزبير، أَتَيَانَا وقد بايعنا عليّاً (ع) واجتمعنا له، وكلمتنا واحدة، ونحن على سبيل مستقيم فدعوانا إلى الفرقة وقاما فينا بزخرف القول، حتى ضربنا بعضنا ببعض عدواناً وظلماً فاقتتلنا على ذلك، وأيم الله ما سلمنا من عظيم وبال ذلك ونحن الآن مجتمعون على بيعة هذا العبد الصالح الذي قد أقال العثرة وعفا عن المسيء وأخذ بيعة غائبنا وشاهدنا، أفتأمرنا الآن أن نخلع أسيافنا من أغمادها ثم يضرب بعضنا بعضاً ليكون معاوية أميراً وتكون له وزيراً، ونعدل بهذا الأمر عن علي (ع)؟! والله ليوم من أيام علي (ع) مع النبي (ص) خير من بلاء معاوية وآل معاوية لو بقوا في الدنيا ما الدنيا باقية.
فقام عبدالله بن خازم السلمي([648]) فقال للضحاك: اسكت فلست بأهل أن تتكلم في أمر العامة ثم أقبل على ابن الحضرمي فقال: نحن يدك وأنصارك، والقول ما قلت، وقد فهمنا ما ذكرت فادعنا إلى أي شيء شئت، فقال له الضحاك بن عبدالله: يا ابن السوداء([649]) والله لا يعزّ من نصرت ولا يذلّ من خذلت، فتشاتما.
والضحاك هذا هو الذي يقول:
| يا أيهذا السائلي عن نسبي | بين ثقيف وهلال منصبي | |
| أمي أسماء وضحاك أبي | وسيط مني المجد من معتبي |
وهو القائل في بني العباس:
| ما ولدت من ناقة لفحل | بجبل نعلمه وسهل | |
| كستة من بطن أم الفضل([650]) | أكرم بها من كهلة وكهل | |
| عم النبي المصطفى ذي الفضل | وخاتم الأنبياء بعد الرسل([651]) |
فقام عبد الرحمن بن عمير بن عثمان القرشي ثم التميمي([652])، فقال: عباد الله إنا لم ندعكم إلى الاختلاف والفرقة. ولا نريد أن تقتلوا ولا نريد أن تتنابذوا، ولكنا إنما ندعوكم لجمع كلمتكم وتوازروا إخوانكم الذين هم على رأيكم، وأن تلمّوا شعثكم([653]) وتصلحوا ذات بينكم بينكم، ففضّوا كتاب معاوية وإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبدالله معاوية أمير المؤمنين إلى من قُرِىءَ عليه كتابي هذا من أمير المؤمنين والمسلمين من أهل البصرة، سلام عليكم، أما بعد، فإن سفك الدماء بغير حلها، وقتل النفس التي حرم الله قتلها هلاك موبق وخسران مبين، لا يقبل الله ممن سفكها صرفاً ولا عدلاً([654]) وقد رأيتم ـ رحمكم الله ـ آثار ابن عفان وسيرته وحبه للعافية ومعدلته وسدّه للثغور، وإعطاءه بالحقوق، وإنصافه للمظلوم، وحبه الضعيف، حتى وثب الواثبون عليه، وتظاهر عليه الظالمون فقتلوه مسلماً محرماً ظمآن صائماً، لم يسفك فيهم دماً ولم يقتل منهم أحداً، ولا يطلبونه بضربة سيف ولا سوط، وإنما ندعوكم أيها المسلمون إلى الطلب بدمه وإلى قتال من قتله، فإنا وإياكم على أمر هدى واضح، وسبيل مستقيم، إنكم إن جامعتمونا طفئت النائرة([655])، واجتمعت الكلمة، واستقام أمر هذه الأمة، وأقرّ الظالمون المتوثبون الذين قتلوا إمامهم بغير حقّ، فأخذوا بجرائرهم([656]) وما قدمت أيديهم، إن لكم عليّ أن أعمل فيكم بالكتاب وأن أعطيكم في السنة عطاءين، ولا أحتمل فضلاً من فيئكم عنكم أبداً، فنازعوا إلى ما تدعون إليه ـ رحمكم الله ـ وقد بعثت إليكم رجلاً من الناصحين وكان من أمناء خليفتكم المظلوم ابن عفان وعماله وأعوانه على الهدى والحق، جعلنا الله وإياكم ممن يجيب إلى الحق ويعرفه، وينكر الباطل ويجحده، والسلام عليكم ورحمة الله.
فلما قرىء عليهم الكتاب قال عظماؤهم: سمعنا وأطعنا.
عن أبي منقر الشيباني قال: قال الأحنف بن قيس لما قرىء عليهم الكتاب: أما أنا فلا ناقة لي في هذا ولا جمل واعتزل أمرهم ذلك.
وقال عمرو بن مرجوم([657]) من عبد قيس: أيها الناس الزموا طاعتكم، ولا تنكثوا بيعتكم فتقع بكم واقعة وتصيبكم قارعة، ولا تكن لكم بعدها بقية، إلا أني نصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين.
حدثنا ثعلبة بن عباد([658]) أن الذي كان سدد لمعاوية رأيه إرسال ابن الحضرمي كتاب كتبه إليه صحار بن عباس العبدي([659]) وهو ممن كان يرى رأي عثمان ويخالف قومه في حبهم عليّاً (ع) ونصرتهم إياه.
قال: فكتب إلى معاوية: أما بعد، فقد بلغنا وقعتك بأهل مصر الذين بغوا على إمامهم وقتلوا خليفتهم ظلماً وبغياً، فقرت بذلك العيون وشفيت بذلك النفوس، وثلجت أفئدة أقوام كانوا لقتل عثمان كارهين، ولعدوه مفارقين، ولكم موالين، وبكم راضين، فإن رأيت أن تبعث إلينا أميراً طيباً زاكياً، ذا عفاف ودين يدعو إلى الطلب بدم عثمان فعلت، فإني لا أخال الناس إلا مجمعين عليك فإن ابن عباس غائب من الناس، والسلام.
فلما قرأ معاوية كتابه قال: لا عزمت رأياً سوى ما كتب به إليّ هذا، وكتب إليه جوابه: أما بعد، فقد قرأت كتابك فعرفت نصيحتك، وقبلت مشورتك، فرحمك الله وسددك، أثبت ـ هداك الله ـ على رأيك الرشيد، فكأنك بالرجل الذين سألت قد أتاك، وكأنك بالجيش قد أطلّ عليك، فسررت وحييت وقبلت، والسلام.
قال: لما نزل الحضرمي ببني تميم أرسل إلى الرؤوس فأتوه، فقال لهم: أجيبوني إلى الحق وانصروني على هذا الأمر، وإن الأمير بالبصرة ـ يومئذٍ ـ زياد بن عبيد قد استخلفه عبد الله بن عباس وقدم على عليّ (ع) إلى الكوفة يعزيه عن محمد بن أبي بكر قال: فقام إليه صحار فقال: إي والذي له أسعى، وإياه أخشى لننصرنك بأسيافنا وأيدينا.
وقام المثنى بن مخربة([660]) العبدي فقال: لا والذي لا إله إلا هو لئن لم ترجع إلى مكانك الذي أقبلت منه لنأخذنك بأسيافنا وأيدينا ونبالنا وأسنة رماحنا، أنحن ندع ابن عم نبيّنا وسيد المسلمين وندخل في طاعة حزبٍ من الأحزاب طاغٍ! والله لا يكون ذلك أبداً حتى نسير كتيبة إلى كتيبة ونفلق الهام بالسيوف.
قال: فأقبل ابن الحضرمي على صبرة بن شيمان الأزدي([661]) فقال: يا صبرة أنت رأس قومك وعظيم من عظماء العرب وأحد الطلبة بدم عثمان، رأينا رأيك، ورأيك رأينا، وبلاء القوم عندك في نفسك وعشيرتك ما قد ذقت ورأيت، فانصرني وكن من دوني، فقال له: إن أنت أتيت فنزلت في داري نصرتك ومنعتك، فقال: إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن أنزل في قومه من مضر، فقال: إتبع ما أمرك به. وانصرف من عنده.
وأقبل الناس إلى ابن الحضرمي فكثر تبعه ففزع لذلك زياد وهاله وهو في دار الإمارة فبعث إلى الحضين بن المنذر([662]) ومالك بن مسمع([663]) فدعاهما فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنكم أنصار أمير المؤمنين وشيعته وثقته وقد جاءكم هذا الرجل بما قد بلغكم فأخبروني حتى يأتيني أمر أمير المؤمنين ورأيه، فأما مالك بن مسمع فقال: هذا أمر لي فيه نظر، فأرجع الى من ورائي وأنظر وأستشير في ذلك وألقاك، وأما الحضين بن المنذر فقال: نعم نحن فاعلون ولن نخذلك ولن نسلمك، فلم ير زياد من القوم وما يطمئن إليه.
فبعث إلى صبرة بن شيمان الأزدي فقال: يا بن شيمان أنت سيد قومك وأحد عظماء هذا المصر فإن يكن فيه أحد هو أعظم أهله فأنت، أفلا تخبرني وتمنعني؟ وتمنع بيت مال المسلمين؟ ـ فإنما أنا أمين عليه، فقال: بلى، إن أنت تحملت حتى تنزل في داري منعتك، فقال له: إني فاعل فحمله ثم ارتحل ليلاً حتى نزل دار صبرة بن شيمان وكتب إلى عبدالله بن عباس، ولم يكن معاوية أدعى زياداً بعد لأنه أدعاه بعد وفاة علي (ع).
بسم الله الرحمن الرحيم للأمير عبدالله بن عباس من زياد بن عبيد (سلام عليك)، أما بعد، فإن عبدالله بن عامر الحضرمي أقبل من قِبَل معاوية حتى نزل في بني تميم، ونعى ابن عفان، ودعا إلى الحرب فبايعه جلّ أهل البصرة فلما رأيت ذلك استجرت بالأزد بصبرة بن شيمان وقومه لنفسي ولبيت مال المسلمين، فرحلت من قصر الإمارة فنزلت فيهم وأن الأزد معي، وشيعة أمير المؤمنين من سائر القبائل تختلف إليّ، وشيعة عثمان تختلف إلى ابن الحضرمي، والقصر خالٍ منا ومنهم، فارفع ذلك إلى أمير المؤمنين ليرى فيه رأيه ويعجل عليّ بالذي يرى أن يكون فيه، والسلام. قال: فرفع ذلك ابن عباس إلى علي (ع) فشاع في الناس بالكوفة ما كان من ذلك، وكانت بنو تميم وقيس ومن يرى رأي عثمان قد أمروا ابن الحضرمي أن يسير إلى قصر الإمارة حين خلاه زياد، فلّما تهيّأ لذلك ودعا له أصحابه ركبت الأزد وبعثت إليه وإليهم: إنا والله لا ندعكم تأتوت القصر، فتنزلون به من لا نرضى ومن نحن له كارهون حتى يأتي رجلٌ لنا ولكم رضى، فأبى أصحاب ابن الحضرمي إلا أن يسيروا إلى القصر وأبت الأزد إلا أن يمنعوهم فركب الأحنف فقال لأصحاب ابن الحضرمي: إنكم والله ما أنتم بأحق بقصر الإمارة من القوم، وما لكم أن تؤمروا عليهم من يكرهونه، فانصرفوا عنهم، ثم جاء إلى الأزد فقال: إنه لم يكن ما تكرهون ولن يُؤْتَى إلا ما تحبون فانصرفوا ـ رحمكم الله ـ ففعلوا.
وعن الكلبي أن ابن الحضرمي لما أتى البصرة ودخلها نزل في بني تميم في دار سنبل([664]) ودعا بني تميم وأخلاط مضر، فقال زياد لأبي الأسود الدؤلي: أما ترى ما صنع أهل البصرة إلى معاوية وما في الأزد لي مطمع، فقال: إن كنت تركتهم لم ينصروك وإن أصبحت فيهم منعوك، فخرج زياد من ليلته وأتى الأزد ونزل على صبرة بن شيمان فأجاره فبات ليلته فلما أصبح قال له صبرة: يا زياد ليس حسناً بنا أن تقوم فينا مختفياً أكثر من يومك هذا، فاتّخذ له منبراً وسريراً في مسجد الحدّان([665]) وجعل له شرطاً وصلى بهم الجمعة في مسجد الحدّان.
وغلب ابن الحضرمي على ما يليه من البصرة وجباها، واجتمعت الأزد على زياد فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معشر الأزد أنتم كنتم أعدائي فأصبحتم أوليائي وأولى الناس بي، وإني لو كنت في بني تميم وابن الحضرمي فيكم نازلاً لم أطمع فيه أبداً وأنتم دونه، فلا يطمع ابن الحضرمي فيّ وأنتم دوني، وليس ابن آكلة الأكباد في بقية الأحزاب وأولياء الشيطان بأدنى إلى الغلبة من أمير المؤمنين علي في المهاجرين والأنصار، وقد أصبحت فيكم مضموناً، وأمانة مؤداة، وقد رأينا وقعتكم يوم الجمل فاصبروا مع الحق كصبركم مع الباطل فإنكم لا تحمدون إلا على النجدة، ولا تعذرون إلا على الجبن.
فقام شيمان أبو صبرة ولم يكن شهد يوم الجمل، وكان غائباً، فقال: يا معشر الأزد ما أبقت عواقب الجمل عليكم إلا سوء الذكر، وقد كنتم أمس على عليّ (ع) فكونوا اليوم له واعلموا أن سلمكم جاركم ذلّ وخذلكم إياه عار، وأنتم حيّ مضماركم([666]) الصبر وعاقبتكم الوفاء، فإن سار القوم بصاحبهم فسيروا بصاحبكم، وإن استمدوا معاوية فاستمدوا عليّاً، وإن وادعوكم فوادعوهم.
ثم قام صبرة بن شيمان فقال: يا معشر الأزد إنا قلنا يوم الجمل: نمنع مصرنا، ونطيع أمنا، وننصر خليفتنا المظلوم، فأنعمنا القتال وأقمنا بعد انهزام الناس حتى قتل منا من لا خير فينا بعده، وهذا زياد جاركم اليوم والجار مضمون، ولسنا نخاف من علي (ع) ما نخاف من معاوية، فهبوا لنا أنفسكم، وامنعوا جاركم، أو فأبلغوه مأمنه، فقال الأزد: إنما نحن لكم تبع فأجيروه، فضحك زياد، وقال: يا صبرة أتخشون ألا تقوموا لبني تميم؟ فقال صبرة: إن جاؤونا بالأحنف جئناهم بأبي صبرة([667])، وإن جاؤونا بالحتات([668]) جئتهم أنا، وإن كان فيهم شباب ففينا شبابٌ كثيرٌ فقال زياد: إنما كنت مازحاً.
فلما رأت بنو تميم أن الأزد قاموا دون زياد بعثت إليهم: أخرجوا صاحبكم ونحن نخرج صاحبنا فأي الأميرين غلب، عليّ أو معاوية دخلنا في طاعته ولم نهلك عامتنا، فبعث إليهم أبو صبرة: إنما كان هذا يرجى عندنا قبل أن نجيره، ولعمري ما قتل زياد وإخراجه إلا سواء، وإنكم لتعلمون أنا لم نجره إلا تكرّماً، فالهوا عن هذا.
عن أبي الكنود([669]) أن أن شبث بن ربعي قال لعليّ (ع): يا أمير المؤمنين ابعث إلى هذا الحي من تميم فادعهم إلى طاعتك ولزوم بيعتك، ولا تسلط عليهم أزد عمان البعداء البغضاء فإن واحداً من قومك خير لك من عشرة من غيرهم، فقال له مخنف([670]) بن سليم الأزدي: إن البعيد البغيض من عصى الله، وخالف أمير المؤمنين وهم قومك، وإن الحبيب القريب من أطاع الله ونصر أمير المؤمنين (ع) وهم قومي واحدهم لأمير المؤمنين خير من عشرة من قومك، فقال أميرالمؤمنين (ع): مه، تناهوا أيها الناس وليردعكم الإسلام ووقاره عن التباغي والتهاذي([671])، ولتجمع كلمتكم، والزموا دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره، وكلمة الإخلاص التي هي قوام الدين، وحجة الله على الكافرين، واذكروا إذ كنتم قليلاً مشركين متفرقين متباغضين فألّف بينكم بالإسلام فكثرتم واجتمعتم وتحاببتم، فلا تَفَرّقوا بعد إذ اجتمعتم، ولا تباغضوا بعد إن تحاببتم، فإذا انفصل الناس وكان بينهم الثائرة([672]) فتداعوا إلى العشائر والقبائل فاقصدوا لهامهم([673]) ووجوههم بالسيوف، حتى يفزعوا إلى الله وكتابه وسنّة نبيّه، فأما تلك الحمية حين تكون في المسلمين من خطرات الشيطان([674]) فانتهوا عنها ـ لا أباً لكم ـ تفلحوا وتنجحوا.
ثم إنه (ع) دعا أعين بن ضبيعة المجاشعي([675]) فقال: يا أعين ما بلغك أن قومك وثبوا على عاملي مع ابن الحضرمي بالبصرة يدعون إلى فراقي وشقاقي ويساعدون الضلال الفاسقين علي؟ فقال: لا تستأ يا أمير المؤمنين ولا يكن ما تكره، ابعثني إليهم فأنا لك زعيم([676]) بطاعتهم وتفريق جماعتهم ونفي ابن الحضرمي من البصرة أو قتله، قال: فاخرج الساعة، فخرج من عهده ومضى حتى قدم البصرة، ثم دخل على زياد وهو بالأزد مقيم فرحب به وأجلسه إلى جانبه فأخبره بما قال له علي (ع) وبما ردّ عليه، وما الذي عليه رأيه قال: فوالله إنه ليكلمه وإذا بكتاب من أمير المؤمنين (ع) إلى زياد فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبدالله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين إلى زياد بن عبيد: سلام عليك، أما بعد، فإني قد بعثت أعين بن ضبيعة ليفرق قومه عن ابن الحضرمي، فارقب ما يكون منه، فإن فعل وبلغ من ذلك ما يظن به وكان في ذلك تفريق تلك الأوباش، فهو ما تحب، وإن ترامت الأمور([677]) بالقوم إلى الشقاق والعصيان فانهض بمن أطاعك إلى من عصاك، فجاهدهم فإن ظفرت فهو ما ظننت وإلا فطاوعهم، وماطلهم ثم تسمع بهم وتبصر([678])، فكأن كتائب المسلمين قد أظلّت عليك فقتل الله المفسدين والظالمين، ونصر المؤمنين المحقّين، والسلام.
فلما قرأه زياد، أقرأه أعين بن ضبيعة، فقال له أعين: إني لأرجو أن تكفي هذا الأمر إن شاء الله، ثم خرج من عنده فأتى رحله فجمع إليه رجالاً من قومه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا قوم على ما تقتلون أنفسكم وتهرقون دماءكم على الباطل مع السفهاء الأشرار؟ وأني والله ما جئتكم حتى عبيت إليكم الجنود، فإن تنيبوا إلى الحق يقبل منكم، ويكفّ عنكم، وإن أبيتم فهو والله استئصالكم وبواركم.
فقالو: بل نسمع ونطيع، فقال: انهضوا الآن على بركة الله، فنهض بهم إلى جماعة ابن الحضرمي، فخرجوا إليه فصافوه وواقفهم عامة يومه يناشدهم الله ويقول: يا قوم لا تنكثوا بيعتكم ولا تخالفوا إمامكم، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً، فقد رأيتم وجربتم كيف صنع الله بكم عند نكثكم وبيعتكم وخلافكم فكفوا عنه ولم يكن بينه وبينهم قتال وهم في ذلك يشتمونه وينالون منه، فانصرف عنهم وهو منهم منتصف.
فلما أوى إلى رحله تبعه نفرٌ يظن أنهم خوارج فضربوه بأسيافهم وهو على فراشه، ولا يظن أن الذي كان يكون، فخرج يشتد عرياناً فلحقوه في الطريق فقتلوه، فأراد زياد أن يناهض ابن الحضرمي حين قتل أعين بجماعة من معه من الأزد وغيرهم من شيعة علي (ع) فأرسلت بنو تميم إلى الأزد، والله ما عرضنا لجاركم إذ أجرتموه ولا لمال هو له ولا لأحدٍ ليس على رأينا، فما تريدون إلى حربنا وإلى جارنا؟ فكأن الأزد عند ذلك كرهت قتالهم، فكتب زياد إلى علي(ع).
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد يا أمير المؤمنين فإن أعين بن ضبيعة قدم علينا من قبلك بجدّ ومناصحة وصدق ويقين فجمع إليه من أطاعه من عشيرته فحثّهم على الطاعة والجماعة، وحذّرهم الفرقة والخلاف، ثم نهض بمن أقبل معه إلى من أدبر عنه فواقفهم عامة النهار، فهال أهل الضلال مقدمه وتصدّع عن ابن الحضرمي كثير ممن كان معه يريد نصرته فكان كذلك حتى أمسى فأتى رحله فبيته نفرٌ من هذه الخارجة المارقة فأصيب ـ رحمه الله ـ فأرادت أن أناهض ابن الحضرمي عند ذلك فحدث أمرٌ قد أمرت صاحب كتابي هذا أن يذكره لأمير المؤمنين، وقد رأينا إن رأى أمير المؤمنين ما رأيت أن يبعث إليهم جارية بن قدامة فإنه نافذ البصيرة، مطاع في العشيرة، شديد على عدوّ أمير المؤمنين، فإن يقدم يفرق بينهم بإذن الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فلما جاء الكتاب وقرأه علي (ع) قال: قد بعثتك إليهم واستعنت بالله عليهم. قال كعب بن قعين: فخرجت مع جارية من الكوفة إلى البصرة في خمسين رجلاً من بني تميم ما كان فيهم يماني غيري، وكنت شديد التشيع قال: فقلت لجارية: إن شئت سرت معك، وإن شئت ملت إلى قومي؟ فقال: بل سر معي وانزل منزلي، فوالله لوددت أن الطير والبهائم تنصرني عليهم فضلاً من الأنس.
وعن كعب بن قعين أن عليّاً (ع) كتب مع جارية بن قدامة كتاباً فقال: اقرأه على أصحابك قال: فمضينا معه فلما دخلنا البصرة بدأ بزياد فرحب به وأجلسه إلى جانبه، وناجاه ساعة وساءله، ثم خرج فكان أفضل ما أوصاه به أن قال: احذر على نفسك واتّق أن تلقى ما لقي صاحبك القادم قبلك، وخرج جارية من عنده فقام في الأزد، فقال: ـ جزاكم الله من حي خيراً ـ ما أعظم عناءكم وأحسن بلاءكم، وأطوعكم لأميركم، وقد عرفتم الحق إذ ضيعه من أنكره، ودعوتم إلى الهدى إذ تركه من لم يعرفه، ثم قرأ عليهم وعلى من كان معه من شيعة علي (ع) وغيرهم كتاب علي فإذا فيه:
من عبدالله علي أمير المؤمنين إلى من قرىء عليه كتابي هذا من ساكني البصرة من المؤمنين والمسلمين: سلام عليكم، أما بعد، فإن الله حليمٌ ذو أناة لا يعجل بالعقوبة قبل البيّنة، ولا يأخذ المذنب عند أول وهلة، ولكنه يقبل التوبة ويستديم الأناة ويرضى بالإنابة ليكون أعظم للحجة وأبلغ في المعذرة، وقد كان من شقاق جلّكم ـ أيها الناس ـ ما استحققتم أن تعاقبوا عليه فعفوت عن مجرمكم، ورفعت السيف عن مدبركم، وقبلت من مقبلكم، وأخذت بيعتكم، فإن تفوا ببيعتي وتقبلوا نصيحتي، وتستقيموا على طاعتي أعمل فيكم بالكتاب والسنة وقصد الحق وأقم فيكم سبيل الهدى، فوالله ما أعلم أن والياً بعد محمد (ص) ـ أعلم بذلك مني ولا أعمل، أقول قولي هذا صادقاً غير ذامٍّ لمن مضى ولا منتقصاً لأعمالهم، فإن خطت بكم الأهواء المردية وسفه الرأي الجائر([679]) إلى منابذتي تريدون خلافي، فها أناذا قربت جيادي، ورحلت ركابي([680])، وأيم الله لئن ألجأتموني إلى المسير إليكم لأوقعت بكم وقعة لا يكون يوم الجمل عندها إلا كلعقة لاعق، وإني لظان أن لا تجعلوا ـ إن شاء الله على أنفسكم سبيلاً. قد قدمت هذا الكتاب حجة عليكم، ولن أكتب إليكم من بعده كتاباً إن أنتم استغشمتم نصيحتي ونابذتم رسولي حتى أكون أنا الشاخص([681]) نحوكم إن شاء الله، والسلام.
فلما قرىء الكتاب على الناس قام صبرة بن شيمان فقال: سمعنا وأطعنا، ونحن لمن حارب أمير المؤمنين، حرب، ولمن سالم أمير المؤمنين سلم، إن كفيت يا جارية قومك بقومك فذاك، وإن أحببت أن ننصرك نصرناك، وقام وجوه الناس فتكلموا بمثل ذلك، فلم يأذن لأحد منهم أن يسير معه ومضى نحو بني تميم.
فقام زياد في الأزد فقال: يا معشر الأزد إن هؤلاء كانوا أمس سلماً فأصبحوا حرباً، وإنكم كنتم حرباً فأصبحتم اليوم سلماً، وإني والله ما اخترتكم إلا على التجربة، ولا أقمت فيكم إلا على التأمل، فما رضيتم أن أجرتموني حتى نصبتم لي منبراً وسريراً، وجعلتم لي شرطاً وأعواناً، ومنادياً وجمعة، فما فقدت بحضرتكم شيئاً إلا هذا الدرهم لا أجبيه، فإن لم أجبه اليوم أجبه غداً إن شاء الله، واعلموا أن حربكم اليوم معاوية أيسر عليكم في الدين والدنيا من حربكم أمس عليّاً، وقد قدم عليكم جارية بن قدامة وإنما أرسله عليّ (ع) ليصدع أمر([682]) قومه، والله ما هو بالأمير المطاع ولا المغلوب المستغيث، ولو أدرك أمله في قومه لرجع إلى أمير المؤمنين أو لكان لي تبعاً وأنتم الهامة العظمى والجمرة الحامية فقدموه إلى قومه فإن اضطر إلى نصركم فسيروا إليه إن رأيتم ذلك.
فقام أبو صبرة بن شيمان فقال: يا زياد إن والله لو شهدت قومي يوم الجمل رجوت أن لا يقاتلوا عليّاً وقد مضى الأمر بما فيه، وهو يوم بيوم، وأمر بأمر، والله إلى الجزاء بالإحسان أسرع منه إلى الجزاء بالسيء، والتوبة مع الحق والعفو مع الندم. ولو كانت هذه فتنة لدعونا القوم الى إبطال الدماء، واستئناف الأمور ولكنها جماعة دماؤها حرام وجروحها قصاص، ونحن معك فقدم هواك نحب لك ما أحببت.
فعجب زياد من كلامه وقال: ما أظن في الناس مثل هذا.
ثم قام صبرة ابنه فقال: إنا والله ما أصبنا بمصيبة في دين ولا دنيا كما أصبنا أمس يوم الجمل، وإنا لنرجو اليوم أن نمحص ذلك بطاعة الله وطاعة أمير المؤمنين. وأما أنت يا زياد فوالله ما أدركت أملك فينا ولا أدركنا أملنا فيك دون ردك إلى دارك، ونحن رادّوك إليها غداً إن شاء الله تعالى، فإذا فعلنا فلا يكن أحدٌ أولى بك منا، فإنك إن لم تفعل تأت ما لا يشبهك، وإنا والله نخاف من حرب علي في الآخرة ما لا نخاف من حرب معاوية في الدنيا، فقدّم هواك وأخّر هوانا، فنحن معك وطوعك.
ثم قام جيفر العماني وكان لسان القوم فقال: أيها الأمير إنك لو رضيت منا بما ترضى به من غيرنا لم نرض لك ذلك من أنفسنا، ولو رضينا لك كنا قد خنّاك لأن لنا عقداً مقدماً وحمداً مذكوراً، سر بنا إلى القوم إن شئت، وأيم الله ما لقينا يوماً إلا اكتفينا بعفونا دون جهدنا إلا ما كان أمس.
فلما أصبحوا أشارت الأزد إلى جارية أن سر بمن معك، ومضت الأزد بزياد حتى أدخلوه دار الإمارة. وأما جارية فإنه كلم قومه وصاح فيهم فلم يجيبوه وخرج إليه منهم أوباش فناوشوه بعد أن شتموه وأسمعوه، فأرسل إلى زياد والأزد يستصرخهم ويأمرهم أن يسيروا إليه ثم ساروا إلى ابن الحضرمي وخرج إليهم ابن الحضرمي وعلى خيله عبدالله بن خازم السلمي فاقتتلوا ساعة فأقبل شريك بن الأعور الحارثي وكان من شيعة علي (ع) وصديقاً لجارية بن قدامة وعلى رأي علي (ع) فقال: ألا أقاتل معك عدوك فقال: بلى.
قال: فما لبثوا أن هزموا بني تميم، واضطروهم إلى دار سنبل السعدي فحصروهم ذلك اليوم إلى العشي في دار ابن الحضرمي، وكان ابن خازم معه فجاءت أمه وهي سوداء حبشية اسمها عجلى فنادته فأشرف عليها، فقالت: يا بني انزل إليّ، فأبى، فكشفت رأسها وأبدت قناعها، وسألته النزول، فقالت: والله لئن لم تنزل لأتعرين، وأهوت بيدها على ثيابها، فلما رأى ذلك نزل فذهبت به، وأحاط جارية وزياد بالدار، وقال جارية: علي بالنار، فقالت الأزد: لسنا من الحريق بالنار في شيء وهم قومك وأنت أعلم، فحرق جارية الدار عليهم، فهلك ابن الحضرمي في سبعين رجلاً أحدهما عبد الرحمن بن عمير بن عثمان القرشي ثم التميمي، وسمي جارية منذ ذلك اليوم: محرقاً، فلما أحرق ابن الحضرمي وسارت الأزد بزياد حتى أوطنوه قصر الإمارة ومعه بيت المال قالت له: هل بقي علينا من جوارك شيء؟. ـ قال: لا، قالوا: فبرئنا من جوارك؟ ـ قال: نعم، فانصرفوا عنه إلى ديارهم، واستقام لزياد أمر البصرة، وارتحل ببيت المال حتى رجع إلى القصر.
وقال أبو العرندس العوذي([683]) في زياد وتحريق ابن الحضرمي:
| رددنا زياداً إلى داره | وجار تميم ينادي الشجب([684]) | |
| لحا الله قوماً شووا جارهم | وللشاء بالدرهمين الشصب([685]) | |
| ينادي الحباق وحِمّانها | وقد حرقوا رأسه فالتهب([686]) |
عن محمد بن قيس([687]) عن ظبيان بن عمارة([688]) قال: دعاني زياد فكتب معي إلى عليّ (ع): أما بعد فإن جارية بن قدامة العبد الصالح قدم من عندك فناهض جمع ابن الحضرمي بمن نصره وأعانه من الأزد ففضه واضطره إلى دار من دور البصرة في عددٍ كثيرٍ من أصحابه فلم يخرج حتى حكم الله بينهما، فقتل الحضرمي وأصحابه! منهم من أحرق بالنار، ومنهم من ألقي عليه الجدار، ومنهم من هدم عليه البيت من أعلاه، ومنهم من قتل بالسيف وسلم منهم نفرٌ أنابوا وتابوا فصفح عنهم. بعداً لمن عصى وغوى، والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
فلما وصل كتاب زياد قرأه عليّ (ع) على الناس فسرّ بذلك وسرّ أصحابه وأثنى على جارية وعلى الأزد. وممن نبغ في الإسلام ممن ينتمون إلى الأزد: محمد بن هاني الأندلسي القائل:
| تسير القوافي المذهبات أحوكها | فتمضي وإن كانت على مجدكم وقفا | |
| يمانية في نجرها أزدية | أفصلها نظماً وأحكمها وصفا |
وهو القائل:
| لي صارم وهو شيعي كحامله | يكاد يسبق كرّاتي إلى البطل |
وفيما يلي حديث عن هذا الشاعر الفريد:
ابن هاني الأندلسي
بقلم الدكتور منير ناجي:
لا يعرف السبب الذي من أجله أهمل مؤرخو الأدب الأندلسي القدماء هذا الشاعر، ونحن لو تصفحنا كتب التاريخ الأدبي القديمة لا نكاد نظفر منها بما يغني، لقد أهملوه فلا نجد لهم عذراً([689]) مع اعترافهم بأنه من أحسن شعراء الأندلس ديباجة شعرية، وأجودهم قريحة، وأعجب من هذا أنهم لم يتفقوا على مكان ولادته وتاريخها، فابن الأبّار يؤرخ له على أنه محمد بن هانيء بن محمد بن سعدون الأزدي الأندلسي، غلب ذلك عليه من أهل البيرة ونشأ بقرطبة، يكنى أبا القاسم، وهو من ولد المهلب بن أبي صفرة.
وأبوه من قرية من قرى المهدية، دخل الأندلس، وولد له ابنه أبو القاسم بها، وكان أكثر تأدبه بقرطبة([690]).
وواضح من هذا الكلام، أن الشاعر ولد بالبيرة وتأدب في قرطبة، ولكن متى ولد؟ أمرٌ لم يكن ليهمّ المؤرخ فلم يحقق به وذكر مؤلف المغرب في حلي المغرب أن أصله من بني المهلب الذين ملكوا أفريقها وانتقل أبوه منها إلى جزيرة الأندلس وسكن البيرة فولد له بها محمد بن هاني المذكور([691]) وصاحب بغية الملتمس لا يكلف نفسه عناء التحقيق، فيكتفي بأن يذكر أنه محمد بن هانيء شاعر أندلسي، خرج عن الأندلس، فشهر شعره في الغربة.. إلخ([692])، دون أن يشير إلى تاريخ ولادته، وكيفية نشأته، بيد أن ابن خلكان، يحدثنا شيئاً عنه وعن أبيه فهو كما يقول أبو القاسم وأبو الحسن بن هاني الأزدي الأندلسي الشاعر المشهور قيل: أنه من ولد يزيد بن حاتم بن قبيصة بن الملهب بن أبي صفرة، وقيل بل هو من ولد أخيه روح بن حاتم، وكان أبوه من قرية من قرى المهدية بإفريقية، وكان شاعراً أديباً، فانتقل إلى الأندلس فولد محمد المذكور بمدينة أشبيلية، ونشأ بها واشتغل وحصل له حظ وافر من الأدب([693])، وأما بالنسبة لياقوت الحموي: فهو أبو القاسم الأزدي الأندلسي من ولد روح بن حاتم قبيصة بن المهلب: شاعر مفلق، وأشعر المتقدمين والمتأخرين من المغاربة، وهو عندهم كالمتنبي عند أهل المشرق، ولد باشبيلية ونشأ بها ونال حظاً واسعاً من علوم الأدب وفنونه … إلخ([694]) وصاحب الإحاطة يؤرخ له على أنه «محمد بن هاني بن محمد بن سعدون الأزدي الغرناطي، من أهل قرية سكون يكنى أبا القاسم ويعرف بالأندلسي، وكأنها تعرفة بينه وبين الحكم أبي نواس. قال غير واحد من المؤرخين وهو من ذرية يزيد بن حاتم بن المهلب بن أبي صفرة وقيل من ولد روح بن حاتم… إلخ([695]). وأما صاحب المطمح فيكتفي بجمل مسجعة منمقة، يقرظ فيها الشاعر، دون أن يشير إلى ما يتعلق بولادته ونشأته، فهو الأديب أبو القاسم محمد بن هانيء، ذخرٌ خطيرٌ، وروض أدبٍ مطيرٌ، غاص في طلب الغريب حتى أخرج درّه المكنون، وبهرج بافتنانه فيه كل الفنون… الخ([696])، نقل المقري قول ابن خلكان في المطمح نقلاً حرفياً دون زيادة ولا نقصان([697]) كما نقل صاحب شذرات الذهب ما جاء في وفيات الأعيان عن ابن هاني([698])، وينفرد عن بقية هذه المصادر بذكر قصة لا ترتكز على واقع تحدث فيها عن اجتماع ابن هانيء بالمتنبي سنعرض لها فيما بعد.
هذا مجمل ما ذكره القدماء عن ابن هاني فماذا نستخلص منه؟ أما أنه عربي فهذا لا شك فيه إذ أنه يقول:»
| فإني من العرب الأكرمين | وفي أول الدهر ضاع الكرم([699]) |
وهو أيضاً أزدي، والأزد من القبائل اليمانية:
| تسير القوافي المذهبات أحوكها | فتمضي وإن كانت على مجدكم وقفا | |
| يمانية في نجرها أزدية | أفصلها نظماً وأحكمها رصفا |
وأما أن اسمه محمد بن هاني، وكنيته أبو القاسم، فعل هذا كل المؤرخين، ولكن أين ولد؟ ومتى؟ قلنا في هذا رأي نميل إليه، ولا نقطع به وذلك بالنسبة لهذا التضارب في الأقوال والاختلاف في الروايات.
ذكر أكثر المؤرخين أن ابن هاني ولد في أشبيلية إلا ابن الأبار في التكملة وابن الخطيب في الإحاطة فهو عند الأول من أهل البيرة Elvira ونشأ في قرطبة، وهو عند الثاني، من أهل قرية سكون، ونشأ في غرناطة ونحن بين هذا وذاك وغيرهما، في حيرة من الأمر نحاول الاهتداء إلى نقطة ارتكاز نبني عليها آراءنا فلا نوفق، بيد أنه إذا ما عدنا إلى هاني والد الشاعر، هذا الذي جاء من قرية في قرى المهدية في إفريقيا إلى الأندلس وهو شاعر أديب نجيز لأنفسنا أن نعتقد بأن هاني لا بد وأن يكون قد مرّ بمدارس المهدية التي تعلم الأصول الشيعية فقال بما قال به الشيعة ولنا أن نفترض، بأنه ربما يكون قد اختير للدعوة في أرض الأندلس التي كان الفاطميون يودون الاستيلاء عليها، وطبيعي أن يبحث الداعي عن مكان يجد فيه شيئاً من الحرية في القول والعمل، يساعده على ذلك طبيعة جميلة، ومن الضروري أن يبتعد هاني عن البلد المتزمت الذي يسيطر فيه المتزمتون، وهم في تزمتهم لا يسمحون بما لا يتفق مع آرائهم، وقرطبة فيها المنذر بن سعيد وأمثاله، لا يستطيع أن يعيش فيها من كان داعية لغير مذهبهم، ولم تكن غرناطة بأقل حفاظاً على ذلك لذا لم يبق أمام هاني بن محمد إلا اللجوء إلى أشبيلية البلد الجميل بطبيعته الغني بظرف أهله، الميالين للمرح، حيث يستطيع أن يعمل هناك بهدوء، غير خائف ولا مترقّب، في هذا البلد يستطيع هاني بعيداً عن تزمت أهل قرطبة، وجمود أهل غرناطة، وفي أحضان طبيعة أشبيلية، أن يعمل أمناً لذا لا استبعد أن يكون هاني هذا اختار هذه المدينة مقرّاً له، وربما طاف في الأندلس كشأن الدعاة في كل زمن، قبل أن يستقر في أشبيلية حيث ألقى عصا الترحال، وهناك أبصر ابنه أبو القاسم النور ونحن لا نعتقد بأن هاني هذا، وقد جاء داعية كما نرجح، يسكن قرية وهَمُّ الدعاة أن يكونوا حيث يكثر الناس وتناقش الآراء.
لم يتحدث المؤرخون الذين ذكروا شيئاً عن ابن هاني عن تاريخ ولادته، ولكنهم اتفقوا على أنه مات في سنة إحدى وستين أو اثنتين وستين وثلاثمائة([700]) والمؤرخون مع إجماعهم على أن وفاته كانت في حدود هذا التاريخ، اختلفوا في عمره فمنهم من قال: أنه توفي وله من العمر اثنتان وأربعون سنة([701]) ومنهم من لم يستطع البتّ في ذلك فقال: قيل توفي وهو ابن ست وثلاثين سنة أو اثنتين وأربعين([702])، ونحن لا سبيل لنا إلى الشك في تاريخ وفاته ـ مع أن صاحب كتاب شذرات الذهب نقل عن كتاب العبر القول الآتي: كان منغمساً في اللذات والمحرمات، متهماً بدين الفلاسفة، شرب ليلة عند ناس فأصبح مخنوقاً، وهو في عشر الخمسين (انتهى) وعلى كلٍّ فنحن لا نشك بتاريخ وفاته.
شعر صباه
كنا نستطيع أن نغفر للمؤرخين إهمالهم لابن هاني لو أن الذين جمعوا ديوانه حفظوا لنا شيئاً من شعر صباه، أي ما قاله في الأندلس، ولكن ما إن نمسك بالديوان لنقلب صفحاته حتى نعرف أنهم ما جمعوا له إلا ما قاله في إفريقيا مادحاً أو راثياً، وهكذا لا نجد في ديوانه قصيدة واحدة تعود إلى عهده في الأندلس، ولا نقع لأي ذكر لتلك الطبيعة الجميلة طبيعة أشبيلية التي نشأ بين أحضانها، ولقد أصاب صاحب بغية الملتمس في قوله عنه، «خرج عن الأندلس فشهر شهرة في الغربة»([703]).
إذن فنحن لا نظفر بطائل فيما يتعلق بشعر صباه مهما بذلنا من جهد، وما أظننا نظفر بما ينقع الغليل، بيد أني أعتقد أن شعره في صباه، ما كان يخرج عن الإطار المفروض في شعر أمثاله من الشباب، ولست أبعد إذا قلت أن ابن هاني ككل شاب، يحب الحياة بلهوها ومرحها، ويقبل عليها إقبال من يريد أن يروي غليلاً من لذائذها.
إن نظرة نلقيها على الكتب التي أرخت لابن هاني تُرينا أن الشاعر قد اضطهد فاضطر للهرب. ولكن لم اضطهد؟ هذا ما نريد أن نعرفه.
لو قرأنا ما قاله ابن الأبار في هذا الصدد لرأيناه لا يعرض للسبب الذي من أجله اضطهد، فهو يقول.. ثم استوطن أبوه البيرة، وخرج هو منها([704]) أما لِمَ خرج؟ ومتى؟ وكيف؟ فلم يهم المؤرخ، لذلك ضرب عنه صفحاً. أما ابن خاقان فيرد سبب اضطهاده ونزوحه عن الأندلس، إلى ما كان يقول به من غلوّ، وذلك بجملة منمقة موشاة بالسجع والمحسنات البديعية، فيقول: وأبدى من الغلوّ، وتعدى الحق المجلو، فمجته الأنفس، وأزعجته عن الأندلس([705]) وابن خلكان يرى أنه كان كثير الانهماك بالملاذ، متهماً بمذهب الفلاسفة، ولما اشتهر ذلك عنه نقم عليه أهل أشبيلية([706]) ولكن ياقوت الحموي يؤكد لنا أن ابن هاني كان متهماً بالفلسفة يسلك في أقواله وأشعاره مسلك المعري، وما زال يغلو في ذلك حتى تعدّى الحق، وخرج في غلوّه إلى ما لا وجه له في التأويل، فأزعجه أهل الأندلس([707])، وابن الخطيب لا يزيد على أن يصفه بأنه كان من فحول الشعراء، وأمثال النظم، وبرهان البلاغة، لا يدرك شأوه، ولا يشق غباره، مع المشاركة في العلوم، والنفوذ في فك المعمى([708]). ولسنا نرى أن فحولة الشعر، وبلاغة المنطق، والمشاركة في العلوم، تسبب الاضطهاد، أما ما قاله المقري في هذا الموضوع فما كان إلا ما قاله ابن خاقان في مطمح الأنفس نقله نقلاً حرفياً، لم يزد فيه ولم ينقص([709]).
هذا مجمل آراء الذين أرخوا له، وهذا ما يجعلنا أكيدين من أن الشاعر لم يخرج مختاراً من الأندلس، بل فارقها كارهاً، أزعجه أهلها عنها، لأنه يقول بمقالة الفلاسفة، وينهمك بملذاته ويغلو في أقواله إلى ما لا وجه له في التأويل، والقول بأن الانغماس بالملذات سبب أساسي في حملة أهل الأندلس عليه، قولٌ فيه كثير من المبالغة إذ أن في الأندلس لذلك العهد وما بعده، أناساً انغمسوا حتى آخر حدود الانغماس في الملذّات، فهم يشربون الخمرة ويعاشرون النساء، وربما انغمس بعضهم بحبّ الذّكور، وما رأينا الناس، وإن كرهوهم ولاكت سمعتهم الألسن، أزعجوهم عن ديارهم.
وبقي علينا أن نناقش إذن السببين الأخيرين وهما القول بالفلسفة أو مشايعة الفلاسفة على آرائهم، والغلوّ الذي لم يعد يمكن تأويله، فكيف نفهم هذا؟ وأي السببين كان العامل المباشر في طرده من الأندلس.
أنا لا أعتقد أن ابن هاني كان مشايعاً للفلاسفة يقول بمقالتهم ويتبع آراءهم، حتى ولست أرى أنه درس الفلسفة لا متعمقاً ولا متصفحاً، وهذا الرأي نستند في دعمه إلى ديوان الرجل الذي لا نرى فيه خاطرة فلسفية، ولا تفكيراً يدل على أن صاحبه عرف الفلسفة بمفاهيمها الشائعة في ذلك الزمن، ولسنا نعتقد أن الإنسان يمكن أن ينسى ما كان قد اطّلع عليه في سني دراسته من آراء مخالفة لمألوف الأكثرية، ثم إنه لا بد أن يخرج عن لسانه أقوال فيها مظهر فلسفي إذا ما كام قد آمن بالفلسفة في شبابه، وإذا لم يؤمن فلا بد من أن يلمّح في بعض الأحيان إلى بعض هذه الآراء التي يمكن أن نعدّها من قبيل الفلسفة، أو من قبيل التفكير الحرّ على الأقل.
وديوان الشاعر الذي بين أيدينا لو تصفّحناه لما وجدنا فيه فكرة فلسفية. ثم إن ابن هاني لا يذكر في شعره أي علم من أعلام الفلسفة كما يفعل المتنبي مثلاً. بينما نراه يتحدث عن الحوادث والأحداث التي مرت على الطالبيين إلى ما يتعلق بالتاريخ الإسلامي كما يذكر بعض شعراء العربية القدامى كعلقمة الفحل، وامرىء القيس أو بعض فرسانها كعمرو بن معدي كرب مثلاً، وكثيراً غير هؤلاء.
من كل هذا نستنسخ أن ابن هاني لم يعرف الفلسفة كفن قائم بذاته، دعامته التفكير الحر الطليق من كل قيد، بل رأى انه عرف التشيع بتعاليمه أما على أيدي رجال متخصصين، أو أنه عرفه على أبيه وهذا ما نرجّحه، فقال به مجاهراً ولم يتستّر كما كان يفعل أبوه، فأغضب الأمويين وعمال الأمويين، فكان من نتيجة هذا أن خرج من الأندلس ميمماً وجهه شطر إفريقية حيث دعامة المبدأ الفاطمي قوية هناك، وحيث تمارس العقيدة بحرية تامة ولنستمع إليه يشير إلى ذلك بنفسه:
| دعائي لكم ود فلبّت عزائمي | وعنسي وليلي والنجوم الشوابك | |
| ومستكبر لم يشعر الذّلّ نفسه | أبي، بإبكار المهاول فاتك | |
| ولو علقته من أمية أحبل | لجب سنام من بني الشعر تامك | |
| ولما التقت أسيافها ورماحها | شراعاً وقد سدّت عليّ المسالك | |
| أجزت عليها عابراً وتركتها | كأن المنايا تحت جنبي أرائك | |
| وما نقموا إلا قديم تشيعي | فنجى هزبرا شده المتدارك |
والبيت الأخير إقرار أوضح، بأنه كان شيعياً قبل خروجه، وإن هذا أثار نقمة الأمويين وعمالهم والأندلسيين المعتصمين فهرب الشاعر ناجياً بنفسه.
وهكذا كان ابن هاني شيعياً، يجاهر بعقيدته فيكرهه أتباع الأمويين، فيغرون به صاحب أشبيلية، ويضطر هذا ألى أن يطلب من الشاعر أن يتوارى عن أنظار الناس في أشبيلية، فيهاجر ابن هاني وهو موقن أنه لو علقت به حبال بني أمية لجب وسنام من بني الشعر تامك.
خروجه من الأندلس ـ في عهد من؟ وكم كان عمره؟
رأينا ابن هانيء ينزح عن مسقط رأسه بناءً على رغبة حاكم أشبيلية الذي أشار عليه بالغيبة عن البلد مدة ينسى فيها خبره([710])، أو درءاً للفتنة([711])، بل وربما تعرض الحاكم نفسه إلى مقت العامة وغضبهم لصحبته ابن هاني([712])، فيمّم وجهه شطر المغرب الإفريقي، حيث حاضرة التشيع عامرة، وحيث يدعى للعقيدة علانية.
ويهمنا الآن أن نعرف في عهد أي حاكم من حكام أشبيلية خرج ابن هاني من الأندلس؟
لقد رجعنا إلى كتب التاريخ القديمة والتراجم علّنا نجد شيئاً شافياً بما يتعلق بمعرفة الحاكم الذي صحبه ابن هانيء، وغادر الأندلس في عهده، فلم نوفق إلى ما يغني، غير أن ابن الأبار يذكر أن عبد الرحمن بن بدر ولي للناصر الوزارة والكتابة والعروض والخزانة وصرفه في عمارة كورة أشبيلية([713]).
ولكن لا نعلم في أية سنة وليها ولا متى أعفي منها، وهل لحق ابن هاني عهده أم لا، ويذكر المؤلف رجلاً آخر كان مولى نعمة لبني أمية، هو إسماعيل بن بدر بن إسماعيل بن زياد أبو بكر «ولي أشبيلية للناصر عبد الرحمن بن محمد وكان أثيراً لديه ومنادماً له وعاش إلى دولة ابنه الحَكَم المستنصر بالله…» ذكره ابن الفرضي في تاريخه وذكر أن صناعة الشعر غلبت عليه وهو أحد المكثرين وله في الناصر:
| لو كان يعبد دون الله من أحد | ما كان غيرك في الدنيا بمعبود | |
| قد فات قدرك وصف الواصفين فما | ذكراك ألا بتحميد وتمجيد | |
| لما ذكرتك يوماً قلت في جزل | يا نعمة الله في أيامه زيدي([714]) |
هذا الرجل الذي ولي للناصر أشبيلية، وعاش إلى أيام الحكم، بعد خروج ابن هاني من الأندلس، وكان شاعراً هل كانت بينه وبين ابن هاني صداقة تربط بينهما؟ ثم هل جمعت بينهما صنعة الشعر فتصافيا وتحابّا حتى لم يطلب منه إلا أن يتغيّب حتى ينسى خبره؟ قد يجوز ذلك ولا أرى مانعاً يحول دون هذه المصافاة، فالرجل شاعر وهو أمير، وللشعر والشعراء عنده مكانة، وما أرى إلا أنه اصطحب ابن هاني حتى ساءت مقالة الناس فيه، فطلب الأمير من الشاعر أن يتغيب عن البلاد وقتاً ينسى فيه خبره. هذا رأي نميل إليه وإن كنا لا نستطيع الجزم به ثم إن بينهما تشابه في الاستعمالات الشعرية والمبالغات فأبيات إسماعيل بن بدر التي مرت معنا، نجد لها شبيهاً عند ابن هاني وزناً وقافية ومعنى.
| وعند ذي التاج بيض المكرمات وما | عندي له غير تمجيد وتحميد | |
| أتبعته فكري حتى إذا بلغت | غاياتها بين تصويب وتصعيد | |
| رأيت موضع برهان يبين وما | رأيت موضع تكييف وتحديد([715]) |
فهل يكون هذا التشابه في التفكير والتعبير دليلاً على صداقتهما وعيشهما زمناً طويلاً معاً حتى أثر أحدهما في الآخر؟ قد يكون ذلك وإن كنا لا نستطيع أن نجزم به مع ميلنا إليه.
وثمة نقطة أخرى نودّ أن نعرض لها بالتفصيل ـ كنا قد أشرنا إليها سابقاً، وهي كم كان عمر شاعرنا عند خروجه من الأندلس؟
يتفق صاحب الإحاطة في أخبار غرناطة وصاحب وفيات الأعيان على أن ابن هاني لما خرج من الأندلس كان عمره سبعاً وعشرين سنة([716]) ولم أجد غيرهما تعرض إلى ذكر عمره عند خروجه من الأندلس.
بيد أن من يطالع ديوان ابن هاني يجد فيه إشارات إلى وقائع معينة إذا عرف تاريخ حدوثها أمكن تحديد الزمن الذي قيلت فيه على وجه التقريب، لا سيما وأن بعضها لا يحفل بأية إشارة شيعية، أو أية تعابير عقائدية، فلنأخذ مثلاً قصيدته التي مطلعها.
| أرياك أم ردع من المسك صائك | ولحظك أم حدّ من السيف باتك([717]) |
وقد قالها في مدح المعزّ، ونجد أن هذه القصيدة خالية من أية إشارة إلى معركة حربية بل فيها دعوة إلى موالاة الفتوحات.
| ووال فتوحات البلاد كأنها | مباسم ثغر تجتلى ومضاحك |
وفيها أيضاً تعريض ببني أمية الذين نقموا عليه تشيعه، وحاولوا الفتك به، فانهزم، ومما يؤلف في المديح أن يعدد الشاعر أعمال الممدوح المجيدة، فإذا أغفل ذلك جاز لنا أن نعتقد بأن الخليفة لم يكن له بعد من جليل الأعمال ما يستحق الذكر، وفي مثل هذه الحال كان لنا أن نرى أن اتصال ابن هانيء بالمعز كان عند تولّيه الأمور، وتسلمه زمام الحكم في البلاد، ولم تكن للمعز بعد غزوة تذكر. والمعروف أن المعز تسلم زمام الخلافة سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة([718]). وفي قصيدة أخرى يشير إلى غزوة لجيوش المعزّ إلى أحد ثغور بني أمية بقيادة عامل المعز على صقلية الحسن بن علي، حيث نزل في ساحل المرية، فغنم وعاد منصوراً وقد وقعت هذه المعركة سنة 344هــ 955م وفي هذه القصيدة يقول ابن هاني.
| لقيت بني مروان جانب ثغرهم | وحظهم من ذاك خسر وتتبيبا([719]) |
بينما يشير في قصيدة أخرى إلى فشل بني أمية في النزول على ساحل المغرب انتقاماً لما أصيبوا به من قبل جيش المعز، وفي هذه المناسبة يقول ابن هانيء:
| خابت أمية منه بالذي طلبت | كما يخيب برأس الأقرع المشط |
ويظهر أن بني أمية لانتهاك حرمة بلادهم، لذلك «أخرج سيد الأندلس… أسطوله مع غالب مولاه إلى ساحل إفريقية فمنعتهم العساكر»([720]) وقد حصلت هذه الواقعة في سنة 345 إذ أنها كانت ردّاً على غزوة الفاطميين للأندلس.
ومما نلحظ هاتين القصيدتين أنهما خلتا من التعابير الشيعية، والإشارات العقائدية، إلا من مبالغات مألوفة لدى الشعراء.
كل هذا يحملنا على أن نقول بأن اتصال ابن هانيء بالمعز كان حوالي سنة ثلاثمائة وأربع وأربعين 344هـ، أي عندما كان عمره أربعاً وعشرين سنة على أبعد تقدير، لا كما ذكر ابن الخطيب وابن خلكان من أنه كان ابن سبع وعشرين سنة لما خرج من الأندلس، ذلك لأنا وضعنا ولادته في سنة 320هـ (932م)، ثم إننا نعرف أنه اتصل أولاً بجعفر بن علي بن حمدون وأقام زمناً يمدحه قبل أن يتصل بالمعز، غير أننا لا نرى مانعاً من أن يتصل بالمعز في السنة التي اتصل فيها بجعفر بن علي، إذ يقول ابن الخطيب أنه اتصل أولاً بجوهر قائد المعز ومدحه فلم يعجبه عطاؤه، فسأل عمن يفضله، فدلّ على جعفر بن علي، فاتصل به وبقي عنده إلى أن وجهه جعفر إلى المعز([721])، وهنا نحار أمام التاريخ إذ أن جوهر لم يغزه المعز إلا سنة ثلاثمائة وسبع وأربعين 347 كما يقول ابن خلدون([722]) وأن أول قائد للمعز من غلمانه هو قيصر الصقلي الذي تركه في العساكر بعد جولته الأولى سنة 342هـ ثلاثمائة واثنتين وأربعين. يوم خرج إلى بني كملان ومليلة وهوارة، ثم ولّاه المعز أعمال باغاية([723]). فهل يكون اتصال ابن هانيء بقيصر لا بجوهر أولاً، ذلك أن جوهر كان كاتباً ووزيراً للمعز، ثم إن ابن هانيء مدحه وعرض بمدحه في مدحه للمعز، ولو أنه لم يعجبه لانصرف عنه ولما ذكره.
وهكذا نرى أن خروج ابن هانيء من الأندلس، كان قبل أن يتجاوز الرابعة والعشرين من العمر، خرج منها شاباً لم تنضجه الخبرة، ولم تعلمه الأيام ما يحتاج إليه في حياته من مداراة للناس، ولين جانب، وتستر على عقيدة، وعمل بالتقية كما فعل أبوه، فاضطر، وهو الشاب المندفع أمام ضغط العامة ومقت الخاصة إلى الهرب، قبل أن تنضجه خبرة السنين، وتفيده الأيام حسن دراية ومعرفة بأصول معاشرة الناس.
موت ابن هانيء
أكثر المؤرخين الذين تحدثوا عن ابن هانيء متفقون على أن وفاته كانت في سنة اثنتين وستين وثلاثمائة 362هـ (972م) وفي مدينة برقة، ولكنهم لم يتفقوا على كيفية الموت ولا سببه، فابن خلدون([724])، وأبو الفداء،([725]) وابن الأثير([726]) يقولون بأنه كان مع المعز عندما توجه إلى مصر ولما وصل إلى برقة قتل ابن هانيء غيلة، هذا ما لا تذكره كتب التاريخ الأدبي فتخالف هذا الرأي، فيذكر ابن الخطيب أن ابن هانيء توجه إلى مصر ليلحق بالمعز الذي كان آنذاك فيها عند وصوله إلى برقة، سكر ونام عرياناً وكان البرد شديداً فأفلج وتوفي في سنة إحدى وستين وثلاثمائة([727]) ويخالف هذه الرواية ياقوت الحموي، إذ يذكر أنه «وجد ملقى في سانية من سواني البلد مخنوقاً بتكة سراويله، ولم يعرف سبب ذلك، ولا فاعله، وكانت وفاته كذلك يوم الأربعاء سنة اثنتين وستين وثلاثمائة»([728]) ويجمع ابن خلكان([729]) بين الروايتنين دون أن يستطيع أن يرجّح إحداهما على الأخرى.
من هذا نرى أن المؤرخين لم يتفقوا على كيفية موت الشاعر وإن اتفقوا على تاريخ هذه الوفاة وأحب أن أشير إلى أن ابن هانيء لم يكن في صحبة المعز عندما قتل، ذلك أن المعز كان قد سبقه إلى مصر وعاد الشاعر ليأخذ عليه ويلحق به ولما كان في برقة قتل غيلة فبلغ ذلك المعز فقال ـ هذا الرجل كنا نود أن نفاخر به شعراء المشرق، فلم يقدّر لنا ذلك([730]).
ومن الجائز أن يكون جماعة من سكان برقة، من المتعصبين على الفاطميين، اغتنموا فرصة سفره بعيداً عن جيش المعز، فاغتالوه([731]).
شعر ابن هانيء والحياة الاجتماعية
ابن هانيء ككل شاعر في كل عصر، لا يمكن أن نفصله عن بيئته أو نطلب إليه أن يتناسى أو يتجاهل ما يدور حوله، بل على النقيض من ذلك نتوقع أن نرى شعره مرآة عصره ومحيطه، وسجلاً حافلاً للأحداث التي وقعت بها، والعادات التي عرفها.
لقد قضى الشاعر ما يقرب من نصف عمره في بيئة غير البيئة التي أبصر فيها النور، في البيئة الإفريقية، وفي ظلّ دولة ناشئة هي الدولة الفاطمية، القائمة على الإيمان بأن الخلافة الإسلامية حق من حقوق آل البيت من أبناء علي من زوجته فاطمة الزهراء، وكان يؤيد هذه الدعوة أناس اختلفوا جنساً وتوحدوا غاية، هذا المجتمع الإفريقي لم يهمله ابن هانيء، بل تحدث عنه وإن لم يسهب في الحديث. إن في شعر ابن هانيء ما يدل على أن في هذا المجتمع كان يعيش العربي والبربري والمولى، ونحن إذا ما قرأنا شعره نراه يتحدث عن العرب بإعجابٍ واعتزازٍ، ولا غرابة بذلك فالشاعر عربي، والخليفة عربي، بل ومن خير قبائل العرب، بل ومن خيرة هذه القبيلة، من هاشم بن عبد المطلب، وإنا لنلحظ أن الشاعر ما اتصل إلا بالعرب، فقد اتصل بأبناء علي بن حمدون وهم من جذام وجذام من عرب الجنوب كما اتصل بأبي الفرج الشيباني وهو من قبيلة بني شيبان. أما أبناء علي بن حمدون يثبت الشاعر أنهم أقرباؤه إذ يفتخر بهم وبهذا يقول:
| فمهلاً بني عمي وأعيان معشري | وأملاك قومي والخضارم من نجري |
وهؤلاء ينتسبون إلى جذام كما يتضح من قوله في مدح إبراهيم بن جعفر بن علي بن حمدون:
| وإذا شاء قلدته جذام | شرف البيت من أواخ وسمك |
وأما في مدحه لأبي الفرج الشيباني فيفخر بالنسب العربي، ويجعل هذا النسب سبباً لنيل الشرف:
| إبلغ ربيعة عن ذي الحي من يمن | أنا نؤلف شملاً ليس يفترق | |
| إنا وإياكم فرعان من كرم | قد بوركا وزكا الأثمار والورق |
***
| أنا لتشرف أيام الفخار بنا | حتى يقول عدانا إننا الفلق |
وأما الخليفة فالشك لا يرقى إلى نسبه لأنه القطب الذي تدور حوله الدعوة الفاطمية.
وهناك طبقة أخرى هي طبقة غير العرب ممن ناصروا الدعوة الفاطمية وأيدوها، وقد كان من بين هؤلاء قبائل عديدة أشهرها صنهاجة، ومنها زيري بن مناد، وابنه يوسف بلكين، وكانا مقدمين عند المعز، وقائدين يعول عليهما في الأمور الصعبة، ونحن لا نرى أن ابن هانيء يذكر هذين القائدين في شعره ولم يمتدحهما أبداً، وربما كان ذلك تعصباً منه للعرب أو لأن هذين كأمثالهما من غير العرب، أو المستعربين لم يكونا يفهمان العربية، لذلك انصرف عنهما الشاعر. وهناك قبائل أخرى كقبيلة كتامة وزناتة…….. وأسول، ومن هذه القبائل من كان يثور على المعز، فيرسل إليه الجيوش وقد أشار ابن هانيء إلى هذه المعارك، وخاصة تلك المعارك التي جرت ضد الحروريين ـ وهم من الخوارج ـ فقد حاربهم جعفر بن علي ، وانتصر عليهم، واستولى على قلعة كتامة التي كانت:
| حرورية ما كبر الله خاطب | عليها ولا حيي بها ملكاً فد
|
كما أنه لما مدح أبا الفرج لم ينس أن يذكر البربرية الخارجة على الخلافة الفاطمية:
| لم يجهلوا ما تلاقى في التشيع من | تحريض شارية أو بأس شاري
|
|
| وما تذلّل من أهل العناد لهم | وما تدارى من الدين الأباضي
|
وهناك طبقة أخرى تسهم في بناء هذا المجتمع، هي طبقة الموالي ولا سبيل إلى معرفة الكثير عنها، غير أن من الواضح أن بعض هؤلاء الموالي ممن كانوا في خدمة الخلفاء، استطاعوا أن يكسبوا ثقة أسيادهم فتوصلوا إلى مراكز مرموقة وما قيصر وجوهر قائدا المعز إلا من هؤلاء الموالي، وابن هانيء عندما يمدح جوهر ـ إذ أننا لا نراه يمدح غيره من الموالي ـ لا يتعرض لنسب جوهر، بل يتحدث عن شجاعته وكرمه ورزانته وحسن تصريفه للأمور، وعن اجتهاده في محاربة الثائرين على المعز:
| وأدركت سولا في ابن وأسول عنوة | وزحزحت منه يذبلا فتزحزحا
|
وهو لا يتحدث عن نسب جوهر، ذلك لأن جوهر مولى، والموالي لا نسب لهم يفخرون به إلا نسب الولاء.
ومن كل هذا نستخلص أن ابن هانيء كان متعصباً للعرب، فهو لم يمدح بربرياً ولم يذكر فضل هؤلاء على الخلافة الفاطمية، إذ كانوا دعائم وجودها الأول، وكذلك لم يمدح من الموالي إلا جوهراً فهل كان ابن هانيء يحتقر الموالي والبربر ويفضل عليهم العرب؟ قد يكون ذلك وقد يجوز أن يكون الموالي والبربر لا يحسنون فهم العربية، ولذلك انصرف عنهم الشاعر([732]).
المدح
المدح هو الفن الشعري الذي قامت عليه شهرة ابن هانيء، وأما الفنون الشعرية الأخرى فلم يولها أهمية.
كان رأينا أن الشاعر خرج من الأندلس مضطراَ، وجاء الغرب هارباً ـ كما يقول هو ـ من الأمويين وعمالهم الذين نقموا عليه تشيعه، خرج إلى عدوة المغرب حيث اتصل بجوهر قائد المعز ومدحه كما يقولون، بيد أن ابن الأبار لا يذكر أن ابن هانيء اتصل بجوهر عند خروجه إلى عدوة المغرب، بل يقول: واتصل بجعفر بن علي بن حمدون الأندلسي وبأخيه يحيى. أما أنا فأرى أن ابن هانيء لم يتصل أولاً بجوهر، لأسباب منها أن جوهر هذا لم يغزه المعز إلا عندما ثار ابن واسول محمد بن الفتح على المعز وتلقب بأمير المؤمنين([733])، وهو من سلالة ميمون بن مدار بن اليسع من بني واسول المكناسي، تغلب على سجلماسة ودعا لنفسه، وأرى الناس أنه يدعو لبني العباس، ورفض الخارجية، ولقب نفسه بأمير المؤمنين الشاكر بالله، واتّخذ سكة باسمه ولقبه، وبقي إلى أن قبض عليه جوهر سنة 347هـ بعد أن غلب سجلماسة المدينة التي اتخذها الخوارج مركزاً لهم بعد أن اختطوها سنة… هجرية وإلى هذا الحدث يشير ابن هانيء في قصيدته التي امتدح بها جوهراً، كنا رأينا أن خروجه من الأندلس كان حوالي سنة 344هـ ، فهل يعقل أن يبقى ثلاث سنوات تائهاً قبل أن يتصل بجوهر؟ لذلك أعتقد أن اتصاله كان أولاً بجعفر بن علي بن حمدون وأخيه يحيى قبل أن يتصل بجوهر بل ربما اتصل بقيصر الصقلي الذي خلفه المعز على الجيش بعد جولته الأولى في سنة 342 إلى بني كملان ومليلة وهوارة([734]) قبل أن يتصل بجعفر أو بيحيى ابني علي بن حمدون، ولكن ليس في الديوان ما يثبت ذلك، وعلى هذا فنحن سنقسم مدحه بالنسبة للمدوحين، ونبتدىء بمدح الشاعر لأبناء علي بن حمدون على اعتبار أنه لا يحب أن نفهم من ذلك أن كل مدحه لهما كان قبل أن يتصل بالمعز، بل أنه مدحهما أيضاً بعد اتصاله بالمعز، لخلال أعجب بها كانت بهم. من فهم للعربية وأريحية قحطانية، وأبناء علي بن حمدون هم جعفر وأخوه يحيى وإبراهيم بن جعفر «وقد دخل جدهما الأندلس من الشام وسكن بكورة البيرة، ثم تنقل حفيده حمدون جد جعفر هذا إلى بجاية، وصحب أبا عبدالله الشيعي الداعي، ودخل في مذهبه، فلما تغلب الشيعي على إفريقية، ظهر علي بن حمدون… ثم ازداد ظهوراً في أيام عبيدالله المهدي.. وخرج معه إلى أرض المغرب فأمره ببناء مدينة المسيلة وولاه عليها وتولى ابنه جعفر المسيلة من بعده، فلم يزل متولياً لها، رفيع المنزلة عند سلطانه إلى أن قتل محمداً ابن خزر الزناتي القائم بدعوة بني أمية، زيري بن مناد، فخاف جعفر من صاحب إفريقية، فبادر إلى الفرار بنفسه مع أخيه يحيى وجميع أهله وماله سنة 360، فصار عند بني خزر أمراء زناتة، فشق جعفر الصحراء معهم قاصدين لزيري، ولما تمّ الأمر لأمراء زناتة وجعفر بن علي، بادر جعفر بمراسلة الحكم إلى الأندلس ملقياً بنفسه عليه، معتصماً بدعوته، ثم أرسل إليه أخاه يحيى ثم سار إليه بنفسه. فحظي عنده([735]). وهنا لا بد لنا من الإشارة إلى خلاف تاريخي بين صاحب البيان المغرب ابن عذارى وابن خلدون إذ أن الأول يقرب بأن الذي قتل محمد بن خزر الزناتي الذي كان جباراً عاتياً طاغياً هو زيري بن مناد بينما يقول ابن خلدون بأن المعز أمر بلكين بن زيري بن مناد بغزوه فغزاه في بلاده.. وذلك سنة 460([736])هـ. وزيري من قبيلة إفريقية تعرف بصنهاجة استقدمه المعز إلى حضرته سنة 342 فأكرمه واستخدمه في بعض المهام، ونحن لا نستطيع أن نثبت أيهما الذي قتل محمداً بن خزر الزناتي إلا إذا اعتبرنا كتب التاريخ أصدق من كتب الأدب في النواحي التاريخية، ونحن يهمنا فقط أن نؤكد أن جعفراً وأخاه يحيى انتقضا على المعز وأيدا ابن أمية وذلك عندما بَعُدَ المعز عن المغرب متوجهاً بكليته إلى الشرق.
هذان الرجلان اتصل بهما ابن هانيء فأجزلا صلته وأحلّاه منزلة طيبة، فمدحهما.
الشاعر وابنا علي بن حمدون
عرفنا أن جدهما الأعلى جاء إلى الأندلس، وسكن كورة البيرة، وأن جدهما حمدون انتقل إلى إفريقيا، وصحب أبا عبدالله الشيعي، واحتل مركزاً حسناً، وكذلك ابنه علي من بعده، وحفيده جعفر.
وفي جعفر يقول:
| قد كنت قبل رضاك أزجي عارضاً | فأشيم منه الزبرج المنجابا | |
| آليت أصدر عن بحارك بعدما | قست البحار بها فكن سرابا |
ونظراً لشجاعة جعفر وحنكته وقدرته على تسيير الأمور فقد اختاره الإمام لسدّ الثغور.
| سد الإمام بك الثغور وقبله | هزم النبي بقومك الأحزابا | |
| أنتم ذوو التيجان من يمن اذا | عد الشريف أرومة ونصابا |
وله في جعفر هذا قصيدة جميلة، فيها من نفس المتنبي الشيء الكثير وجمالها في هذه الألفاظ الفخمة والتراكيب الحلوة القوية مع دقة في الوصف وإصابة في تأدية المعنى:
| القائد الخيل العتاق شوازبا | خزرا إلى لحظ السنان الأخزر | |
| شعث النواصي حشرة آذانها | قب الأياطل ظاميات الأنسر | |
| في فتيةٍ صدا الدروع عبيرهم | وخلوقهم علق النجيع الأحمر | |
| لا يأكل السرحان شلو طعينهم | مما عليه من القنا المتكسر | |
| أنسوا بهجران الأنيس كأنهم | في عبقري البيد جنة عبقر | |
| قوم يبيت على الحشايا غيرهم | ومبيتهم فوق الجياد الضمر | |
| حي من الأعراب إلا أنهم | يردون ماء الأمن غير مكدر | |
| وكفاك من حب السماحة أنها | منه بموضع مقلة من محجر | |
| فغمامه من رحمة وعراصه | من جنة ويمينه من كوثر |
وفي جعفر يقول:
| كان لواء الشمس غرة جعفر | رأى القرن فازدادت طلاقته ضعفا | |
| وقد جاشت الدأماء بيضاً صوارما | ومارنة سمرا وفضفاضة زعفا | |
| وجاءت عتاق الخيل تردى كأنها | تخط لها أقلام آذانها صحفا | |
| هنالك تلقى جعفراً غير جعفر | وقد بدلت يمناه من رفقها ضعفا |
ولم يقتصر ابن هاني في مدحه على جعفر ككبير أسرة آل علي بن حمدون، وكأمير للزاب، بل راح يتصل بأخيه يحيى كما اتصل بإبراهيم بن جعفر، يمدحهما وهما شابان يقاربانه سنّاً..
ومن جميل ما قاله في مدح إبراهيم:
| متهلّل والبدر فوق جبينه | يلقاك بشر سماحه من دونه | |
| والدين والدنيا جميعاً والندى | والبؤس طوع شماله ويمينه | |
| جذلان فالآداب في حركاته | والحلم في أطراقه وسكونه | |
| بادي الرضا حذار منه معاودا | غضباً يريك الموت بين جفونه | |
| لين تساس به الخطوب وشدة | والنصل شدة بأسه في لينه |
ولم يقصر ابن هانيء مدحه على هؤلاء فقط، بل راح يمدح غيرهم من القادة والأمراء فقد اتصل الشاعر بجوهر، وهو مملوك رومي رباه المعز لدين الله وكناه بأبي الحسين وأعلى قدره وسيره في رتبة الوزراء وجعله قائد الجيوش وبعثه في صفر سنة 347هـ ـ 958م ومعه عساكر كثيرة إلى المغرب فافتتح مدنها ودوخ بلادها ثم جهز المعز إلى مصر ففتحها ولما تمكن بمصر سير جعفر بن فلاح الذي كان معه إلى بلاد الشام في العساكر ففتحها، وبقي معززاً عند الفاطميين حتى توفي سنة 381 ـ 992. مدح الشاعر القائد وذلك بمناسبة انتصاره على ابن واسول الذي ثار على المعز فأرسل هذا له جوهراً فانتصر على الثائر وهنّأه الشاعر فقال:
| وأبيض من سر الخلافة واضح | تجلى فكان الشمس في رونق الضحى | |
| أريك به نهج الخلافة مهيعا | يبين وأعلام الخلافة وضحا | |
| ولما اجتباه والملائك جنده | لمهلكهم درت على قطبها الرحى | |
| فقلدها جم السياسة مدرها | إذا شاء رام القصد أو قالم أفصحا |
وعندما غادر القائد القيروان إلى مصر شيعه المعز ومدحه الشاعر بقصيدة اعتبره فيها أنه سيف بني هاشم:
| إلى أن تبدى سيف دولة هاشم | على وجهه نورٌ من الله يسطع |
وثمة رجل ثان هو محمد بن عمر الشيباني، وكنيته أبو الفرج، اتصل به الشاعر، وكان هذا الرجل صاحب أعمال الصعيد ـ كما يظهر في قول الشاعر ـ قبل اتصاله بالمعز، وفي هذا الرجل يقول ابن هاني:
| الواهب الألف إلا أنها بدر | والطاعن الألف إلا أنها نسق | |
| ومن مواهبه الرايات خافقة | والعاديات إلى الهيجاء تستبق | |
| جمّ الأناة العفو مبتدر | المعروف مدرع بالحزم منتطق |
وفيه يقول:
| ليت الكتبة والأبصار ترمقه | وبيضة الخدر في الليل الدجوجي | |
| ثقفت منه أديباً شاعراً لنا | شتى الأعاريض محذور الأحاجي | |
| مستطلعاً لجوابي من بديهته | فما يجاوبه مثل النواسي | |
| قريب عهد باعراب الجزيرة لم | ينطق بداراً ولم ينسب إلى عي | |
| لا يشرح القوم وحشي الغريب له | ولا يساءل عن تلك الأحاجي |
وعندما توجه جيش المعز لفتح مصر بقيادة جوهر الصقلي، كان أبو الفرج في جملة القواد، فمدحه الشاعر في هذه المناسبة قائلاً:
| حلفت بالسابغات البيض واليلب | وبالأسنة والهندية القضب | |
| أنت السبيل إلى مصر وطاعتها | ونصرة الدين والإسلام في حلب | |
| وأين عنك بأرض سستها زمناً | وازدان باسمك فيها منبر الخطب | |
| ألست صاحب أعمال الصعيد بها | قدماً وقائد أهل الخيم والطنب |
***
| أن لا تقد عظم ذا الجيش اللهام فقد | شاركت قائده في الدر والحلب | |
| فالناس غيرك أتباع له خول | وأنت شانيه في العليا من الرتب | |
| أيدته عضداً فيما يحاوله | وكنتما واحداً في الرأي والأدب | |
| فليس يسلك إلا ما سلكت ولا | يسير إلا على أعلامك اللحب | |
| فقد سرى بسراج منك في ظلم | وقد أعين بسيل منك في صبب | |
| جريتما في العلى جري السواء معاً | فجئتما أولاً والخلق في الطلب | |
| وأنتما كغراري صارم ذكر | قد جردا أو كغربي لهذم ذرب |
وقد عرف الشاعر رجلاً آخر كان عاملاً للمعز على برقة، اسمه أفلح الناشب، هو الذي قد وطأ البلاد، واستعمل الجهاد، لمن خالف المعز من البربر وغيرهم فمدحه بقصيدة واحدة يصفه فيها بالعلم والكرم حتى أن الناس:
| يردون جمة علمه ونواله | فكأنهم حيث التقى البحران |
ويذكر إخلاصه للمعز فيقول:
| وإذا الذين أعدهم شيعاً إذا | قيسوا إليه كعبد الأوثان | |
| نضحت حرارة قلبه بمودة | ضربت عليه سرادق الإيمان |
هذا هو مدح ابن هاني لمن كانوا عوناً للمعز، وزراء أو عمالاً، وأود أن أشير قبل ذلك إشارة خاطفة إلى أن ابن هاني لا يتوكأ على الآيات القرآنية في مدح هؤلاء، مما سيجعلنا نستطيع التمييز بين مدحه للمعز ومدحه لغيره.
الشاعر والمعز لدين الله
اقترن اسم ابن هاني الأندلسي باسم المعز لدين الله الفاطمي، ذلك لأنه كان شاعره الذي أراد أن يفاخر به شعراء المشرق.
ومن يتصفح ديوان ابن هاني، يعجب إذ لا يقع فيه إلا على إحدى وعشرين قصيدة من أصل ستين قصيدة في الديوان الذي نشره الشاعر، زاهد علي، مع بضع قصائد أخرى نسبت إليه وبعض المقاطع في موضوعات مختلفة في حين أن الشاعر عاش في إفريقيا ما يقرب من ثماني عشرة سنة.
لقد مدح ابن هاني المعز بقصيدة مطلعها:
| أقول دمي وهي الحسان الرعابيب | ومن دون أستار القباب محاريب |
وفي هذه القصيدة يشير إلى معارك خاضها جيش المعز مع الروم وانكسار بني أمية أمام جيش المعز الذي أغار على بلادهم:
| لقيت بني مروان جانب ثغرهم | وحظهم من ذاك خسر وتتبيب |
وقد وقعت هذه المعركة في سنة أربع وأربعين وثلاثمائة 344هـ (955م) عندما أغزى المعز عامله على صقلية ساحل المرية.
| ولا مدح إلا للمعز حقيقة | يفصل داراً والمديح أساليب | |
| نجار على البيت الامامي معتل | وحكم إلى العدل الربوبي منسوب | |
| ولم أرى زواراً كسيفك للعدى | فهل عند هام الروم أهل وترحيب | |
| إذا ذكروا آثار سيفك فيهم | فلا القطر معدود ولا الرمل محسوب | |
| تشب لها حمراء فإن أوارها | سبوح لها ذيل على الماء مسحوب |
ويعيب على بني أمية تقاعسهم عن الدفاع عن أراضيهم ضد الغزاة ويعيرهم بالتخاذل ويتطرق إلى بني العباس في الشرق فيرميهم بالقعود عن نصرة الدين وتخاذلهم أمام جيوش الروم التي تهاجم الثغور في البلاد الإسلامية وصرفهم أوقاتهم في الشرب والسماع:
| ونوم بني العباس فوق جنوبهم | ولا نصر الأقينة وأكاويب |
لذا لا يبقى إلا المعز وحده يدافع عن الدين، ويحفظ حرمة المسلمين، ويرد عادية المغيرين.
| ولا عجب والثغر ثغرك كله | وأنت ولي الثأر والثأر مطلوب | |
| وأنت نظام الدين وابن نبيه | وذو الأمر مدعو إليه فمندوب |
وفي قصيدة أخرى لاحقة في التاريخ إلى السابقة، يشير إلى إخفاق بني أمية في النزول على الساحل الأفريقي:
| خابت أمية منه بالذي طلبت | كما يخيب برأس الأقرع المشط | |
| وحاولوا من حضيض الأرض إذ غضبوا | كواكبا عن مرامي شأوها شحطوا | |
| تالله لو كانت الأنواء تشبهه | ما مر بؤس على الدنيا ولا قحط | |
| أمام عدل وفي كل ناحية | كما قضوا في الإمام العدل واشترطوا | |
| لا يغتدي فرحاً بالمال يجمعه | ولا يبيت بدنيا وهو مغتبط | |
| يا أفضل الناس من عرب ومن عجم | وآل أحمد أن شبوا وأن شمطوا | |
| ليهنك الفتح لا إني سمعت به | ولا على الله فيما شاء اشترط |
وفي المعز يقول:
| أفيقوا فما هي إلا اثنتان | أما الرشاد وأما العمى | |
| لكل بني أحمد فضله | ولكنك الواحد المجتبى | |
| وما لا يرى من جنود السماء | حولك أكثر ممن يرى | |
| ليعرفك من أنت منجاته | إذا ما أتقى الله حق التقى | |
| كان الهدى لم يكن كائناً | إلى أن دعيت معز الهدى | |
| ولم يحكك الغيث في نائل | ولكن رأي شيمة فاقتدى | |
| شهدت حقيقة علم الشهيد | بأنك أكرم من يرتجى | |
| فلو يجد البحر نهجاً إليك | لجاءك مستسقياً من ظما | |
| إلى مثل جدواك تنضى المطي | ومن مثل كفيك يرجى الغنى([737]) |
ونحن نلمس حرارة الإيمان في مدائح ابن هاني المعز مما يرتفع بها عن المدح المبتذل الذي اعتاده الشعراء، فهي تعبير قوي عن الإعجاب واليقين والاعتقاد، وهي صدى لما يعتمل في نفس الشاعر من تمجيد لموقف المعز في كفاح المعز للبيزنطيين وغيرهم من أعداء العروبة والإسلام.
الهجاء
ليس لابن هاني في هذا الفن إلا قصيدة واحدة قائمة بذاتها هجا بها الوهراني كاتب جعفر بن علي بن حمدون، وهناك قصيدة أخرى يصف فيها أكولاً بشكل ٍ مضحكٍ، وفيما عدا ذلك فقد جاء الهجاء في معرض المدح، وهذا في القصائد التي مدح فيها المعز لدين الله الفاطمي، إذ أنه كان مضطراً لأن يذكر خصوم الإمام، بما يرضي عنه الإمام.
وابن هاني عندما يعرض للأمويين يهجوهم، ويعتبرهم مغتصبي حق الفاطميين، ويذكر مكانتهم في الإسلام، ويتحدث عن عجزهم في حفظ ثغورهم.
| إلا أن يوماً هاشمياً أظلهم | بطير فراش الهام عن كل مجثم | |
| كيوم يزيد والسبايا طريدة | على كل موار الملاط عثمثم | |
| وقد غصت البيضاء بالعيس فوقها | كرائم أبناء النبي المكرم | |
| فما في حريم بعدها من تحرج | ولا هتك ستر بعدها بمحرم |
وقد حملهم على هذا الأمر ذلك الحقد الموروث من أيام الجاهلية، والضغينة التي لم يستطع الإسلام أن يمحوها من صدورهم، بل كبتوها إلى زمنٍ، حتى إذا وجدت منفرجاً، خرجت قوية، وعملت فاتكة غير زاحمة، فهم ينتقمون لقتلاهم ببدر.
| وبالحقد حقد الجاهلية أنه | إلى الآن لم يظعن ولم يتصرم | |
| وبالثأر في بدر أريقت دماؤكم | وقيد إليكم كل أجرد شيظم |
وأما بنو العباس فليسوا أقل إيذاء لأحفاد علي فقد كانوا يطالبون بإرجاع الخلافة إلى أبناء علي، حتى إذا انتصروا، استأثروا بها دونهم، وراحوا يتعقبونهم وينكلون بهم، فشردوا في الأرض واستكانوا على مضاضة، ولذا راح الشاعر يطالبهم بإرجاع هذا الحق إلى أهله، لأنهم ليسوا أهلاً له، ويعيرهم عجزهم عن ردّ أعدائهم وتقاعسهم عن نصرة الدين، واكتفائهم بشرب الخمرة وسماع الغناء كأنهم بذلك يرجون النصر.
| ونوم بني العباس فوق جنوبهم | ولا نصر الأقينة وأكاويب |
وفي هذا القول سخرية مرة، إذ يطلبون النصر من كوب يشربون به، أو قينة يسمعاون اليها، وهذا منتهى العجز، بينما يذكر أن سيده المعز، هو الذي يدافع عن الدين، ويحفظ الشريعة، ويعيرهم كون جدهم العباس من الطلقاء، وأن جدتهم أمة تدعى نثلة:
| لستم كأبناء الطليق المرتدي | بالكفر حتى عض فيه أسار | |
| أبناء نثلة مالكم ولمعشر | هم دوحة الله الذي يختار | |
| ردوا إليهم حقهم وتنكبوا | وتحملوا فقد استحم بوار | |
| ودعوا الطريق لفضلهم فهم الالى | لهم بمجهلة الطريق منار | |
| كم تنهضون بعبء عار واصم | والعار يأنف منكم والنار | |
| يلهيهم زمر المثاني كلما | ألهاكم المثني والمزمار |
وليس لابن هاني في الهجاء المستقل، إلا قصيدة واحدة، وهناك أخرى في وصف أكول يصوره فيها تصويراً ساخراً.
وإذا كان الهجاء وصفاً للعيوب من تجسيمها حتى تظهر نافرة تحمل على الاشمئزاز أو الاحتقار، فإن قصيدة ابن هاني في هجاء الوهراني تحوي الشروط التي يقتضيها فن الهجاء. والوهراني هو كاتب الأمير جعفر، ممدوح الشاعر، واسمه أحمد، ويُكنّى بأبي جعفر، ويعرف بالوهراني، ويظهر أن أسباباً حدثت، حملت الشاعر على هجاء هذا الرجل، ولكننا لا نستطيع تحديدها ولم يتعرض إلى غير هذا الرجل بهجاء إلا ذلك الأكول، الذي وصفه بشكلٍ مضحكٍ.
يبتدىء ابن هاني هجاء الوهراني بالفخر بنفسه، فيصبغ عليها صفات حميدة كأنه يريد بذلك أن يبين الفرق بينه وبين المهجو حتى تظهر عيوب المهجو مجسمة:
| طلب المجد من طريق السيوف | شرف مؤنس لنفس الشريف | |
| أن ذلّ العزيز أفظع مرأى | بين عينيه من لقاء الحتوف | |
| ليس غير الهيجاء والضربة الأخدود | فيها والطعنة الأخطيف | |
| أنا من صارم وطرف جواد | لست من قبة وقصر منيف | |
| ليس للمجد من يبيت على المجد | بسعي وان ونفس عزوف | |
| وعدتني الدنيا كثيراً فلم أظفر | بغير المطال والتسويف | |
| كلما قلب المحدد فيها اللحظ | ولى بناظر مطروف | |
| علمتني البيداء كيف ركوب الخيل | والليل كيف قطع التنوف |
بهذه الأبيات الجميلة الجزلة يصف نفسه.
وبعد ذلك ينتقل إلى هجاء الوهراني الذي يسميه «أبا الجعر» والجعر نجو الحيوانات، فيسبّ الأيام التي ساعدته على أن يصبح كاتباً للأمير، ويدّعي أن الأيام إنما تساعد السخفاء الأغبياء، وتحارب الأذكياء، وينعته بالخسة والدناءة، وسخافة الرأي، والجهل، والعي، والكذب، والخنى، إلى ما هنالك من الصفات البذيئة السيئة ثم لا يكتفي بذلك، بل يحاول أن يثير التشاؤم في نفس الأمير جعفر من اصطحابه هذا الكاتب المشؤوم ليقيله من منصبه، بل يحضه على ذلك مخافة أن يلحقه شؤم هذا الكاتب:
| إن أيام دهرنا سخفات | فهي أعوان كل وغد سخيف | |
| زمن أنت يا أبا الجعر فيه | ليس من تالد ولا من طريف | |
| أن دهراً سموت فيه علوّاً | لوضيع الخطوب وغد الصروف | |
| إن شاوا طلبته في زمان الملك | عندي لشاو بين قذوف | |
| إن رأياً تديره لمعنى | بضلال الإمضاء والتوقيف | |
| إن لفظاً تلوكه لشبيه | بك في منظر الخباء الجليف | |
| كاذب الزعم مستحيل المعاني | فاسد النظم فاسد التأليف | |
| أنت لا تغتدي لتدبير ملك | إنما تغتدي لرم الأنوف | |
| نلت ما نلت لا بعقلٍ رصين | في المساعي ولا برأي حصيف | |
| أنت في دولة الحبيب إلينا | فترفق بالماجد الغطريف | |
| فإذا ما نعبت شرّ نعيب | فعلى غير ربعه المألوف | |
| لست أخشى إلا عليه فكن | بالأريحي الرؤوف جد رؤوف | |
| كيف صاحبته بأخلاق وغد | لا يني في يبوسة وجفوف |
وخنى حالف بأنك ما أصبحت يوماً لغيره بحليف
ويفتش عن تهمٍ يلصقها به تقوده إلى الموت، فلا يجد أقوى من اتهامه بمخالفة العقيدة الشيعية، ومروقه من الدين، وتحالفه مع الأمويين، وكرهه للفاطميين.
| إن فيه لشعبة من بني مروان | تنبي عن كل أمر مخوف | |
| متخلٍّ من اثنتين برىء | من أمام عدل ودين حنيف |
ونشعر أن ابن هاني في هجائه يصدر عن حقد قوي، ويرمي مهجوّه بكل عيب، ويلصق به أبشع التهم، وأشدها على الإنسان، وقد تقوده إلى الموت، وعلى كلٍّ ففي القصيدة جمال في البناء، وجمال في المعنى، إذا ما نظرنا إلى فن الهجاء بمقاييسه الخاصة. وللشاعر قصيدة أخرى يصف فيها أكولاً، فيعطينا صورة واضحة مضحكة حتى يبدو وكأنه مصور «كاريكاتوري» هزلي يعني بالنواحي التي تثير الضحك، فيبرزها بشكل مشوّه فاسمع إليه يصف هذا الأكول:
| أنظر إليه وفي التحريك تسكين | كأنما التقمت عنه التنانين | |
| تبارك الله ما أمضى أسنته | كأنما كل فكّ منه طاحون | |
| كأن بيت سلاح فيه مختزن | مما أعدّته للرسل الفراعين | |
| كأنما الحمل المشوي في يده | ذو النون في الماء لما عضّه النون | |
| لف الجداء بأيديها وأرجلها | كأنما افترستهن السراحين | |
| وغادر البط من مثنى وواحدة | كأنما اختطفتهن الشواهين |
الرثاء
ليس لشاعرنا في هذا الفن إلا ثلاث مراث في شخصين لا يمتّان إليه بصلة، فقد رثى إبراهيم بن جعفر الذي مات صغيراً بقصيدة واحدة، ورثى أم جعفر في القصيدتين الباقيتين، ونحن لم نقع له على رثاء قريب، ولذا لا نستطيع الحكم على عاطفته من رثائه لأباعد عنه، إذ أن رثاء الأباعد لا يمكن أن يكون قوي العاطفة كرثاء الأقارب، ويغلب على رثائه لأبن إبراهيم بن جعفر وأم جعفر الاتزان العقلي، والتأمل الفكري، وكأنه ينظر إلى البعيد البعيد من أغوار الحياة وأعماقها، فيستخرج من ذلك حِكَماً جميلة، وكذلك يغلب على رثائه نفحة من زهدٍ في هذه الحياة التي لا ترعى ذماماً لأحد، ولا تحفظ عهداً، وكأنه يعزى بذلك السامعين من أهل الفقيد. والواقع أنه في مثل هذا الموقف يعود الإنسان إلى نفسه ليتأمل الحياة عارية من زخارف التصنع وبهارجه، وإذا به يرى الراحل مثالاً سيحذو حذوه يوماً على ذكره.
| لا رجاء في خلود كلنا | وارد الماء الذي كان ورد |
وأجمل ما في رثاء ابن هاني، هو حسن اختباره لهذه الأوزان الخفيفة الصالحة للغناء، يحرك بإنشادها أوتار نفسه، وأوتار نفوس السامعين.
مات ابن ابراهيم بن جعفر وله من العمر خمس سنوات، فرثاه ابن هاني قال:
| مات من لو عاش في سر باله | غلب النور عليه فاتّقد | |
| سيد قوبل فيه معشر | ليس في أبنائهم من لم يسد | |
| نافس الدهر عليه يعربا | فرأى موضع حقد فحقد | |
| هاب أن يجري عليه حكمه | فنوى الغدر له يوم ولد | |
| حيث لم ينظر به ريعانه | إنما استعجله قبل الأمد | |
| قصدته ترب خمس أسهم | لو رمته ترب عشر لم تكد | |
| ربما كان شهاباً ثاقباً | صعق الليل له ثم خمد | |
| جاورت روض ثراه ديمة | تحمل اللؤلؤ رطباً لا البرد |
ثم يعزي الشاعر الوالد، فيقول:
| لا ملوم أنت في بعض الأسى | غير أن الحر أولى بالجلد |
إلى أن يقول:
| إن تسلنا ففريق ظاعن | وليالينا بنا عيس تخد | |
| فلقد أسرع ركب لم يعج | ولقد أدبر يوم لم يعد |
أما قصيدتاه في رثاء والدة جعفر فقد أكثر فيهما من الحكم وفيهما من البلاغة ما يدعو إلى الإعجاب، قال يرثيها.
| أعقيلة الملك المشيعها | هذا الثناء وهذه الزمر | |
| شهد الغمام وإن سقاك حيّا | إن الغمام إليك مفتقر | |
| كم من يدٍ لك غير واحدة | لا الدمع يكفرها ولا المطر | |
| ولقد نزلت بنية علمت | ما قد طوته فهي تفتخر |
وبعد أن يعدد أياديها على الناس، يصف بكاء الناس عليها، وتأسفهم على فقدها، فكأنهم يحملون بين ضلوعهم جمراً، وكأنهم بفقد هذه المرأة الجميلة، فقدوا الخبرة والرأي السديد، والكرم وحسن الأخلاق، فقد كانت يعتفيها الناس، فتغمرهم عطاء:
| فإذا سمعت بذكر سؤددها | ليلاً أتاك الفجر ينفجر | |
| لقد تكون ومن بدائعها | حكم ومن أيامها سير | |
| ما لنؤتى من تجاربها | علماً بما نأتي وما نذر | |
| قسمت على ابنيها مكارمها | إن التراث المجد لا البدر |
وفي قصيدته الثانية يرثيها قائلاً:
| الودق في مثل هذا الرباب؟ | وذا البرق في مثل هذا السنا؟ | |
| إلا أنهل هذا بماء القلوب | وأوقد هذا بنار الحشا | |
| وفي ذي النواويس موج البحار | وما بالبحار إليه ظما | |
| هلموا فذا مصرع العالمين | فمن كل قلب عليه أسى |
ثم يقول فيها:
| فلو جاز حكمي في الغابرين | وعدلت أقسام هذا الورى | |
| لسميت بعض النساء الرجال | وسميت بعض الرجال النسا |
وهكذا نرى أن هذه المراثي الثلاث جميلة وحلوة معنى ومبنى، فجمال الأسلوب، لا يقل عن هذه المعاني جمالاً، بيد أننا لا نحس أن الشاعر قد مسّ في عاطفته فبكى وإن تباكى.
الحكمة
ليست الحكمة عند ابن هاني وليدة العلم والمعرفة الفلسفية، ولكنها خلاصة خبرة ونتيجة تأمل، وهي بسيطة للغاية، لا يظهر عليها أثر التصنع الفلسفي، ولا التعمل الفكري العميق، وكأني بهذه الحكمة تساير ثقافة الشاعر العربية الخالصة، التي لم تعقدها الفلسفة بأفكارها المتنوعة، وهي حكمة مستمدة من تجارب الحياة، ولا يعني هذا أن الشاعر قد مرّ بالضرورة في هذه التجارب كلها فخبر الحياة بحلوها ومرّها، بل نرى أن جرب وقرأ وتأمل وأخذ من تجارب غيره ما يحتاج، ومن تأملاته ما رآه صواباً، فكانت حكمة لا تحتاج إلى تفكير عميق لأنها تنبع من صميم الحياة، ولم يكثر منها كما أكثر المتنبي، بل كانت له ومضات قليلة، طال بعضها، وقصر بعضها الآخر، وقد ورد في قصائده أبيات متفرقة، ولكنه تعمّد الحكمة تعمّداً في الرثاء وكأنه يود أن ينتقل أهل الفقيد من التفكير بهول المصيبة، إلى التفكير في الحياة ذاتها، فيجدوا في ذلك عزاءً، ويبدو أن هذه التأملات هي التي صرفت ابن هاني عن الاتجاه العاطفي في الرثاء، فظهر هادئاً رزيناً أمام المصيبة، فهو رجل يرى ويفكر ويعلم أن غاية كل حيّ إلى هذه الحفرة من التراب، ويعلم أن البكاء لا يرد ميتاً، فما النفع إذاً من كل هذا البكاء، وماذا تعوضنا مداومة الأحزان غير الهم والكدر.
وثقافة ابن هاني العربية ثقافة واسعة، فقد أخذت من القرآن وعلومه بأوفر نصيب، وضربت في علوم اللغة بسهمٍ وافرٍ، وكان له من تفكيره ما يقوده إلى هذه النتائج غير المفلسفة ولا المعقدة، وهذه الحكم المتفرقة في قصائده، وإن كانت قليلة، تدل على نضجه الفكري، ونظرته الواقعية للأمور، يرى الأيام في تقلباتها وتصرفاتها، فإذا هي لا تقرّ إنساناً على حال، تفرحه اليوم فتبكيه غداً. تمر هذه التأملات في ذهنه فإذا هي على لسانه أبيات من الشعر جميلة، يتغنّى بها لسانه، ويحسّها فؤاده. نقرأ له:
| وما الناس إلا ظاعن ومودع | وثاو قريح الجفن يبكي لراحل | |
| فهل هذه الأيام إلا كما خلا | وهل نحن إلا كالقرون الأوائل | |
| نساق من الدنيا إلى غير دائم | ونبكي من الدنيا على غير طائل | |
| فما عاجل ترجوه إلا كآجل | ولا آجل تخشاه إلا كعاجل([738]) |
فنحس روحاً تزهد في الحياة، وتملّ البقاء قبل أن تشبع من الحياة، أو تتملّى من مباهج الدنيا، وهذه هي عملية الفكر الواعي، يرى تصرفات الحياة فيعلم أنها لا ترضى إلا إذا مزجت لذائذ الحياة بمرارة الصاب.
| وليس ترضى الليالي في تصرفها | إلا إذا مزجت صابا بقنديد |
ولأيام لن تغفل عن أذيتنا، وكرّ الجديدين يبسط لنا الحبل حيناً ويقبضه عنا حيناً آخر.
| وللجديدين من طول ومن قصر | حبلان منقبض عنا ومنبسط |
يرى بأم عينيه تقلبات الأيام، وتغييرات الدهر، ويعرف ما جبل عليه الناس من لؤم الطباع، ونكرانهم للمعروف، ويحزّ في نفسه هذا، فيقول:
| ويا رب من تعليه وهو منافس | وتسدي إليه العرف وهو كنود |
وهذه المعاني التي يذكر فيها تقلبات الأيام وتصرفات القدر، تتردد كثيراً في رثائه فتصبغه بصبغة الزاهد بالحياة، العازف عن ملاهيها ومفاتنها، الضارب في التقوى بأوفر سهم، وأنت لا شك واجده في هذه المرثيات الثلاث واعظاً زاهداً، وحكيماً يغلب عليه التأمل الفكري ببساطته وبعده عن التعقيد الفلسفي. إسمع أليه يدعو الناس إلى أن لا ينتظروا من هذا الدهر المتقلب، وهذه الأيام التي تحمل معها النكد، خيراً وذلك حيث يقول:
| من يرجو زماناً دائماً | نعرف البأساء منه والنكد | |
| فإذا ما كدر العيش نما | وإذا ما طيب الزاد نعد | |
| فلقد ذكر من كان سها | ولقد نبه من كان وقد | |
| منتض نصلاً إذا شاء مضى | رائش سهماً إذا شاء قصد | |
| وهي الأيام لا يأمنها | حازم يأخذ من يوم لغد | |
| أن تسلنا ففريق ظاعن | وليالينا بنا عيس تخد | |
| فلقد أسرع ركب لم يعج | ولقد أدبر يوم لم يعد |
ونحن لا نرى في هذه الأبيات المصطبغة بالزهد، والمكتسبة حكمة، أي أثر للعملية العقلية، أو التفكير الفلسفي، إنما هي تجارب شخصية، وتأملات واعية، وإدراك لواقع الحياة. وفي مرثيته لأم جعفر كثير من الحكم البسيطة التي تروقنا بأسلوبها وبساطتها، وهي بمجملها تصور لنا الشاعر زاهداً ينصرف عن الحياة وزخارفها، ويعزف عن لذائذها، أو كأنه ذلك الواعظ الذي ينبه الناس لما هم فيه سادرون، حيث يقول:
| إنّا وفي آمال أنفسنا | طول وفي أعمارنا قصر | |
| لنرى بأعيننا مصارعنا | لو كانت الألباب تعتبر | |
| مما دهانا أن حاضرنا | أجفاننا والغائب الفكر |
وجميل به أن يلوم أولئك الذين يرون بأعينهم تصرفات الأيام ثم لا يفكرون، كأن على قلوب أقفالها، تبصر أعينهم، ولا تعي أفئدتهم.
| فإذا تدبّرنا جوارحنا | فأكلهن العين والنظر | |
| لو كان للألباب ممتحن | ما عد منها السمع والبصر | |
| أي الحياة ألذّ عيشتها | من بعد علمي أننا بشر | |
| خسرت لعمري الله ألسننا | لما تكلم فوقنا القدر | |
| هل ينفعني عزّ ذي يمن | وحجوله واليمن والغرر | |
| ها أنها كأس يشعت بها | لا ملجأ منها ولا وزر | |
| فانبذ وشيجا وارم ذا شطب | لا البيض نافعة ولا السمر | |
| دنيا تجمعنا وأنفسا | شذر على أحكامها مذر | |
| ولكل سابق حلبة أمد | ولكل وارد نهلة صدر | |
| وحدود تعمير المعمران | يسمو صعوداً ثم ينحدر | |
| والسيف يبلى وهو صاعقة | وتنال منه إلهام والقصر | |
| ولقد حلبت الدهر أشطره | فالأعذبان الصاب والصبر |
وفي قصيدة أخرى يرثي فيها أم جعفر أيضاً حيث تبدو عليه سيماء الزهاد، ووقار الحكمة، وخبرة ذوي التجربة، يقول:
| إلا كل آت قريب المدى | وكل حياة إلى منتهى | |
| وما غرّ نفساً سوى نفسها | وعمر الفتى من أماني الفتى | |
| فاقصر في العين من لفتة | وأسرع في السمع من ذا ولا | |
| ولم أر كالمرء وهو اللبيب | يرى ملء عينيه ما لا يرى | |
| وليس النواظر إلا القلوب | وأما العيون ففيها العمى | |
| ومن لي بمثل سلاح الزمان | فأسطو عليه إذا ما سطا | |
| يجد بنا وهو رسل العنان | ويدركنا وهو داني الخطى | |
| برى أسهماً فنبا ما نبا | فلم يبق إلا ارتهاف الظبى | |
| تراش فترمى فتنمي فلا | تحيد وتصمي ولا تدرى |
وهذه الحكم في قالبها الجميل، وأسلوبها السلس السهل، ومعانيها البسيطة، تبدو متّزنة وهيّنة لأن بها خبرة مكتسبة من الحياة، وتجارب مأخوذة من الحياة، وتجارب مأخوذة من الأيام لا أثر فيها لعمل الفكر، وكأني بها وقد خرجت من أعماق أحاسيسه، وصدرت عن قلبه الوجل أمام تقلبات هذه الأيام، فأخذت من جمال الشعور، وجمال الأسلوب، وسموّ المعنى مع بساطته، شيئاً كثيراً، وهذه الحكمة لا نراها كثيرة في شعره، بل هي قليلة جداً، ولولا هذه المراثي الثلاث لما ظفرنا بهذا القدر من الحكم الجميلة.
الوصف
لم ينصرف ابن هاني لذاته فيصور أحاسيسه، ويتحدث عن وجدانياته، لكنه سلك مسلكاً ابتعد به عن نفسه فلم يفكر بها إلا لمحاً، وهو كشاعر، تطرّق إلى فنون شعرية مختلفة بيد أنها لم تكن مستقلة، ومن هذه الفنون الوصف، ونحن نعجب كثيراً إذ لا نرى أثراً للطبيعة في شعره حتى نحس أنه نسي الطبيعة الأندلسية الجميلة أو أنها لم تحرك فيه أوتار نفسه، فلم يكن لها حتى انعكاسات بسيطة في شعره. ويبدو أن طبيعة إفريقيا لم تثر اهتمامه، ولم تستهوه بجمالها، وهو لم يفتش عن الجمال في الطبيعة، وفيها كل الجمال الذي يشعر به ذو الحساسية المرهفة، أما إذا أراد أن يصف ما له علاقة بالممدوح، كمجلس أنس، أو زهرة مثلاً، جاء وصفه متكلفاً متعملاً.
وقد اضطر بحكم المدح أن يصف عظمة ممدوحه، فيصف جيشه وخيله وأسطوله، وأجاد كل الإجادة في وصف الخيل، بشكل جعلنا نحس أنه مغرم بأصائل الجياد، كثير الإعجاب بجمال خلقها، وحسن منظرها، ذلك أنه اندفع في وصفها وكأنه يصف شيئاً عزيزاً عليه، يعجبه منها ألوانها وزينتها، سيرها وركضها، وكأنها في كل حركة من حركاتها تحرك وتراً في نفسه وتلمس شعوراً في قلبه، فتشعر وكأنه عاشق لها، ولوع بها، وهو لا ينسى أن يتحدث عن أولئك الذين امتطوا صهواتها، وجردوا سيوفهم وأشرعوا رماحهم، وتهيأوا للزحف، وهكذا يصف الجيش. وهو قد رأى أسطول المعز بعدده وعدته، وشاهد سيره في البحر فوصفه أيضاً، وتصويره معارك المسلمين مع الروم، فتحدث عن ذلك فكان له وصف المعارك البحرية، لكنه إذا عرض لغير هذه الموضوعات، جاء قوله متصنعاً متكلفاً وقد وصف النجوم في قصيدته التي مطلعها:
| أليلتنا إذا أرسلت وارداً وحفا | وبتنا نرى الجوزاء في أذنها شنفا |
ولم يسمع في وصف النجوم أحسن من قصيدته هذه وهذا الشعر وأن جمع من التشبيهات ما لم يجمعه غيره فإنك لا تجد فيه من حلاوة اللفظ وسهولة الحفظ([739]) ما تجده في غيره. وهذا مقياس نقدي مقبول إذا ما أردنا أن نعرف جمال القصيدة من حيث المعنى والمبنى.
لقد وصف ابن هاني الخيل، هذه الأعوجيات التي إذا ما ركضت بدت طائرة أو سابحة، وتبقى سابقة في ركضها، فهي جرد عناجيج، وأجمل ما قال في وصف الخيل، هي قصيدته التي يمدح فيها الخليفة، ويتحدث عن هدية جوهر له، وفيها الكثير من الخيل التي كأنها الغانيات تسير بزهو وكبرياء، ثم هي مكحولة المدامع، تنظر بمقلة أحوى وفيها يقول:
| ألا هكذا فلتجلب العيس بدنا | ألا هكذا فلتجنب الخيل ضمرا | |
| مرفلة يسحبن أذيال يمنة | ويركض ديباجاً ووشياً محبرا | |
| نراهن أمثال الظباء عواطياً | لبسن بيبرين الربيع المنورا | |
| يمشين مشي الغانيات تهاديا | عليهن زي الغانيات مشهرا | |
| وجررن أذيال الحسان سوابغا | فعلمن فيهن الحسان تبخترا | |
| ترى كل مكحول المدامع ناظراً | بمقلة أخرى ينفض الضال أحورا |
ويتحدث بعد ذلك عن ألوانها المختلفة، إذ أن منها ما هو أبلق أو أورد أو أشقر، ومنها الكميت والأدهم، إلى غير ذلك من ألوان، ويتحدث بعد هذا عن شعوره أمام هذه الجياد الجميلة، الحسنة الخلق، التامة التكوين، إذا به يعترف قائلاً:
| يقرّ بعيني أن أرى من صفاتها | ولا عجب أن يعجب العين ما ترى | |
| أرى صوراً يستعبد النفس مثلها | إذا وجدته أو رأته مصوراً | |
| أفكه منها الطرف في كل شاهد | بأن دليل الله في كل ما برا | |
| فأخلس منها اللحظ كل مطهم | ألذّ إلى عين المسهد من كرى |
ويعجبه منظر الخيل وقد أعدت للركوب وهيئت للقتال فتطرب نفسه مشاعره وإذا بلسانه يقول:
| الخيل تمرح في الشكيم كأنها | عقبان صارة شاقها الأوكار | |
| من كل يعبوب سبوح سلهب | حص السياط عنانه الطيار | |
| لا يطيبه غير كبة معرك | أو هبوة من مأقط ومغار | |
| سلط السنابك باللجين مخدم | وأذيب منه على الأديم نضار |
ويتطلع إلى وفرته فإذا هي غدائر غادة جميلة لم تهمل شعرها، ولم يمسها بؤس ولا إقتار:
| وكان وفرته غدائر غادة | لم يلقها بؤس ولا إقتار |
ويراها تركض، فيتساءل عن هذا الركض ونوعه لأنه يظن أنها تطير.
| مرت لغايتها فلا والله ما | علقت بها في عدوها الأبصار | |
| وجرت فقلت أسابح أم طائر | هلا استثار لوقعهن غبار |
وهل من غرابة في ذلك وهي:
| من آل أعوج والصريح وداحس | فيهن منها ميسر ونجار |
ونقرأ له هذه الأبيات فنحس كأنه متيم بهذه الجياد:
| من كل يعبوب يحيد فلا ترى | ألا قذالا ساميا وتليلا | |
| وكان بين عنانه ولبانه | رشا يريع إلى الكناس خذولا | |
| لو تشرئب له عقيلة ربرب | ظنته جؤذر رملها المكحولا | |
| تتنزل الأروى على صهواته | ويبيت في وكر العقاب نزيلا | |
| يهوى بأم الخشف بين فروجه | ويقيد الأدمانة المطبولا |
وكثيراً ما يأتي الشاعر بمبالغات فيها شيء من الإغراق القوي في القول، كقوله:
| وأجل علم البرق فيها أنها | مرت بجانحتيه وهي ظنون |
وهو بحكم كونه شاعر المعز، رأي الجيش يعده المعز، ويزجيه كثيفاً، حتى كأنه موكل بقضاء الله، وهذه الفتية الشيعية التي نذرت نفسها لله، وآل بيت رسول الله، تعلو صهوات هذه الجياد الجميلة، وقد تقلدت سيوفها، وأشرعت رماحها، ووطدت نفسها على الحرب والجهاد، في سبيل العقيدة. يرى ابن هاني كل هذه ويروقه المنظر فيقول:
| عليها المغاوير في السابغات | ترفرف مثل متون الأضا | |
| حتوف تلهى بأمثالها | وأسد تغذ بأسد الشرى | |
| تبختر في عصفر من دم | وتخطر في لبد من قنا |
يرى الأعادي سيوف هؤلاء فيتوهمونها سرجاً أو ناراً تصطلي:
| وقال الأعادي أأسيافهم | أم النار مضرمة تصطلي | |
| رأوا سرجاً ثم يعلموا | أهندية قضب أم لظى | |
| ومنتقدات تذيب الشليل | من فوق لابسه في الوغى | |
| من اللاء تأكل أغمادها | وتلفح منهن جمر الغضا |
أو يقول عن هؤلاء الشباب الذين علّوا متن خيولهم:
| وعلى مطاها فتية شيعية | ما أن لها إلا الولاء شعار | |
| من كل أغلب باسل متخمط | كالليث فهو لقرنه هصار | |
| قلق إلى يوم الهياج مغامر | دم كل قيل في ظباه جبار | |
| أن تخب نار الحرب فهو بفتكه | ميقادها مضرامها المغوار | |
| فأداته فضفاضة وتريكة | ومهند ومثقف بتار | |
| أسد إذا زأرت وجار ثعالب | ما إن لها إلا القلوب وجار |
وإذا ما عرض للأسطول وصفه بقطعه الكثيرة وقد نشرت أعلامه، وراح يمخر عباب البحر ليلقي العدو:
| مواخر في طامي العباب كأنه | لعزمك بأس أو لكفك جود | |
| أنافت بها أعلامها وسما لها | بناء على غير العراء مشيد | |
| من الراسيات الشم لولا انتقالها | فمنها قنان شمخ وريود | |
| من الطير إلا أنهن جوارح | فليس لها إلا النفوس مصيد | |
| من القادحات النار تضرم للصلى | فليس لها يوم اللقاء خمود | |
| إذا زفرت غيظاً ترامت بمارج | كما شبّ من نار الجحيم وقود | |
| فأنفاسهن الحاميات صواعق | وأفواههن الزافرات حديد |
وهذه الأبيات تعطينا فكرة واضحة عن كيفية تجهيز هذه المراكب الحربية، بمدافع تبصق اللهب، صنعت من حديد، وربما كانت تشبه المجانيق.
وتزين هذه المراكب بنقوش مختلفة، وأستار مفوفة، كثياب الخرد الكواعب، مما يدل على العناية الزائدة بها:
| لها من شفوف العبقري ملابس | مفوفة فيها النضار جسيد | |
| كما اشتملت فوق الأرائك خرد | أو التفعت فوق المنابر صيد |
وقد صفحت بالحديد لتصد الأمواج:
| لبوس تكف الموج وهو غطامط | وتدرأ بأس أليم وهو شديد | |
| فمنها دروع فوقها وجواشن | ومنها خفاتين لها وبرود |
وقد كانوا يطلون هذه السفن بالقار لحفظها، فتبدو سوداء:
| وسفن إذا ما خاضت أليم زاخراً | جلت عن بياض النصر وهي غرابيب | |
| تشبّ لها حمراء قان أوارها | سبوح لها ذيل على الماء مسحوب |
وقد وصف النجوم في قصيدة أعجب بها القدماء، ولكنهم لاحظوا أن لا حلاوة في لفظها، ولا سهولة في حفظها، ومما قاله في وصفه لإقبال الصباح وأفول النجوم:
| وقد ولّت الظلماء تقفو نجومها | وقد قام جيش الفجر لليل واصطفا | |
| وولّت نجوم للثّريّا كأنها | خواتيم تبدو في بنان يد تخفى |
ثم يتحدث عن النجوم، فيدهشنا بسعة معرفته لما كان يعرف في زمانه من أسماء النجوم، من الشعرى العبور، إلى الدبران، فالسماكين، وبنات نعش وسهيل والسهى والنسر، وغير ذلك من أسماء.
وأما الحصري فرأيه في هذه القصيدة واضح من قوله: وقد احتذى طريقه ـ الضمير عائد إلى علي بن محمد الكوفي ـ أبو القاسم محمد بن هاني([740]) وهذا يعني أن ابن هاني توكأ في معاني قصيدته على المعاني التي وردت في قصيدة علي بن محمد الكوفي التي مدح فيها علي بن داوود حتى في وصف النجوم حيث يتنقل من الوصف إلى المدح قائلاً:
| كأن نذير الشمس يحكى ببشره | علي بن داوود أخي ونسيبي([741]) |
وهذا يشبه تماماً انتقال ابن هاني في قصيدته تلك حيث يقول:
| كأن لواء الشمس غرة جعفر | رأى القرآن فازدادت طلاقته ضعفا |
وقد وصف أيضاً قصراً بناه إبراهيم بن جعفر في قصيدة هنّأه بها فقال:
| والقبة البيضاء طائرة به | تهوي بمنخرق الصبا أعنانها | |
| ضربت بأروقة ترفرف فوقها | تهوي بفتح قوادم خفقانها | |
| علياء موفية على عليائه | في حيث أسلم مقلة إنسانها | |
| نيطت أكاليل بها منظومة | فغدا يضاحك درها مرجانها | |
| وتعرضت دور الستور كأنها | عذبات أوشحة يروق جمانها | |
| وكان أفواف الرياض نثرن في | صفحاتها فتفوفت ألوانها |
عبدالله بن عفيف الأزدي
ولا يذكر الأزد إلا ويذكر عبدالله بن عفيف الأزدي واستشهاده في الكوفة بعد استشهاد الحسين (ع):
فلما قتل الحسين (ع) صعد ابن زياد المنبر فقال: الحمدلله الذي أظهر الحق وأهله ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه وقتل الكذاب ابن الكذاب وشيعته فما زاد على هذا الكلام شيئاً حتى قام إليه عبدالله بن عفيف الأزدي، وكانت عينه اليسرى ذهبت في حرب الجمل والأخرى في يوم صفين وكان يلازم المسجد الأعظم يصلي فيه إلى الليل ثم ينصرف، فقال: يا ابن مرجانة إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك ومن استعملك وأبوه يا عدوّ الله أتقتلون أبناء النبيين وتتكلمون بهذا الكلام على منابر المسلمين، فغضب ابن زياد وقال: من هذا المتكلم، فقال أنا المتكلم يا عدوّ الله أتقتل الذرية الطاهرة التي قد أذهب الله عنها الرجس وطهرها تطهيراً، وتزعم أنك على دين الإسلام. واغوثاه أين أولاد المهاجرين والأنصار ينتقمون منك ومن طاغيتك، فازداد غضب ابن زياد حتى انتفخت أوداجه وقال: عليّ به، فتبادرت إليه الجلاوزة من كل ناحية ليأخذوه فقامت الأشراف من الأزد من بني عمه فخلصوه منهم وأخرجوه من باب المسجد وانطلقوا به إلى منزله. فقال ابن زياد: اذهبوا إلى الأعمى أعمى الأزد أعمى الله قلبه كما أعمى عينيه فائتوني به، فلما بلغ ذلك الأزد اجتمعوا واجتمعت معهم قبائل اليمن ليمنعوا صاحبهم، وبلغ ذلك ابن زياد فجمع قبائل مضر وضمهم إلى محمد بن الأشعث وأمره بقتال القوم، فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى قتل بينهم جماعة ووصل أصحاب ابن زياد إلى دار عبدالله بن عفيف فكسروا الباب واقتحموا عليه، فصاحت ابنته: أتاك القوم من حيث تحذر. فقال: لا عليك ناوليني سيفي، فناولته إياه فجعل يذب عن نفسه ويقول:
| أنا بن ذي الفضل عفيف الطاهر | عفيف شيخي وابن أم عامر | |
| كم دارع من قومكم وحاسر | وبطل جدلته مغاور |
وجعلت ابنته تقول: يا أبت ليتني كنت رجلاً أخاصم بين يديك اليوم هؤلاء الفجرة قاتلي العترة البررة. وجعل القوم يدورون عليه من كل جهة وهو يذب عن نفسه فليس يقدم عليه واحد، وكلما جاؤوه من جهة قالت ابنته: يا أبت جاؤك من جهة كذا، حتى تكاثروا عليه وأحاطوا به فقالت ابنته: واذلاه يحاط بأبي وليس له ناصر يستعين به فجعل يدير سيفه ويقول:
| أقسم لو يفسح لي عن بصري | ضاق عليكم موردي ومصدري |
فما زالوا به حتى أخذوه، فأدخل على ابن زياد، فلما رآه قال: الحمدلله الذي أخزاك. فقال له عبدالله يا عدوّ الله وبماذا أخزاني.
| أقسم لو يفسح لي عن بصري | ضاق عليكم موردي ومصدري |
فقال له ابن زياد يا عدو الله ما تقول في عثمان بن عفان؟ قال يا عبد بني علاج يا ابن مرجانة، ما أنت وعثمان أساء أم أحسن وأصلح أم أفسد والله تبارك وتعالى وليّ خلقه يقضي بينهم وبين عثمان بالعدل والحق، ولكن سلني عن أبيك وعنك وعن يزيد وأبيه فقال ابن زياد والله لا أسألك عن شيء أو تذوق الموت غصة بعد غصة فقال عبدالله بن عفيف: الحمدلله رب العالمين أما أني قد كنت أسأل الله ربي أن يرزقني الشهادة من قبل أن تلدك أمك فلما كفّ بصري يئست من الشهادة إلى الآن، فالحمدلله الذي رزقنيها بعد اليأس منها وعرفني الإجابة منه في قديم دعائي. فقال ابن زياد اضربوا عنقه فضربت عنقه وصلب في السبخة.
الأزدية
هي قصيدة تكاد ترتفع إلى مستوى الملاحم الشعرية لناظمها الشيخ قاسم الأزدي المولود سنة 1143هـ في بغداد والمتوفى سنة 1201 أو 1212هـ.
وهي قصيدة تزيد على ألف بيت أكلت الأرضة جملة منها، وكانت موضوعة في دولاب خوفاً عليها ولما أخرجوها وجدوا جملة منها قد تلفَت. أما موضوعها فهو حياة علي بن أبي طالب وذكر وقائعه والإشادة بأخلاقه والتغني بمآثره تبتدىء بالغزل بهذا المطلع.
| لمن الشمس في قباب قباها | شف جسم الدجى بروح ضياها |
وبعد أن تمضي في الغزل على هذا النحو في نحو خمسين بيتاً تتخلص إلى مدح النبي (ص) في عشرات الأبيات من مثل قوله:
| فاض للخلق منه حلم وعلم | أخذت عنهما العقول نهاها | |
| لم يزالوا في مركز الجهل حتى | بعث الله للورى أزكاها |
ثم تنثني إلى ذكر عليّ وهو موضوعها الأساسي فتفيض في ذكر مواقفه في مبيته مكان النبي ليلة الغار وفي استبساله في بدر وأحد والخندق وحنين في مثل قوله:
| فارس المؤمنين في كل حرب | قطب محرابها إمام وغاها | |
| لم يخض في الهياج لا وأبدى | عزمة يتّقي الردى إياها | |
| من ترى مثله إذا صرت الحرب | ودارت على الكماة رحاها | |
| ذاك قمقامها الذي لا يروي | غير صمصامه أوام صداها | |
| وبه استفتح الهدى يوم بدر | من طغاة أبت سوى طغواها | |
| يوم جاءت وفي القلوب غليل | فسقاها حسامه ما سقاها |
ومثل قوله:
| يوم غصت بجيش عمرو بن ود | لهوات الفلا وضاق فضاها | |
| وتخطى إلى المدينة فرداً | بسرايا عزائم ساراها | |
| فدعاهم وهم ألوف ولكن | ينظرون الذي يشب لظاها | |
| أين أنتم عن قسور عامري | تتقي الأسد بأسه في شراها | |
| فابتدى المصطفى يحدث عما | تؤجر الصابرون في أخراها | |
| فالتووا عن جوابه كسوام | لا تراها مجيبة من دعاها | |
| وإذا هم بفارس قرشي | ترجف الأرض خيفة إذ يطاها | |
| قائلاً ما لها سواي كفيل | هذه ذمة عليّ قضاها | |
| ومشى يطلب الصفوف كما تمشي | خماص الحشا إلى مرعاها | |
| فانتضى مشرفيه فتلقى | ساق عمرو بضربة فبراها | |
| يا لها ضربة حوت مكرمات | لم يزن ثقل أجرها ثقلاها | |
| هذه من علاه إحدى المعالي | وعلى هذه فقس ما سواها |
وعلى هذا المنوال تستمر القصيدة في الحديث عن (أحد) و(خيبر) و(حنين). ثم عن (غدير خم) و(صفين) و(الجمل) و(النهروان) في مئات الأبيات الملحمية مشيرة إلى خصوم علي وأنصاره وأخلاقه. وسجاياه ومناقبه سائرة في مستواها الشعري على درجة واحدة لا تنحط أبداً ويأتي فيها عدا ذكر المعارك والوقائع مثل قوله:
| يا أبا النيرين أنت سماء | قد محا كل ظلمة قمراها | |
| زان شكل الوغى حسامك | والرمح كما زان غادة قرطاها | |
| فجعلت الرشاد فوق الثريا | ومقام الضلال تحت ثراها | |
| إن ذات العلوم تنمى جميعاً | لعلي وكان روح نماها | |
| وكذا كل حكمة مكنته | من أعالي سنامها فامتطاها | |
| ولأقدامه تزول الرواسي | والمقادير تقشعر حشاها |
وقد شطرت الأزدية وخمست من أشهر ما خمست به تخميس الشيخ جابر الكاظمي المطبوع معها في كتاب مستقل.
وقد اشتهرت هذه القصيدة اشتهاراً عظيماً وانتشرت انتشاراً واسعاً بالرغم من فقدان وسائل النشر في ذلك الوقت وكان السيد مهدي الطباطبائي وهو من أكبر مجتهدي النجف، إذا أنشدت أمامه لا يسمعها إلا واقفاً.
الأزهار في فقه الأئمة الأطهار
كتاب في الفقه الزيدي لمؤلفه المهدي أحمد بن يحي بن المرتضى أحد أئمة الزيدية المولود سنة 775هـ والمتوفى سنة 840هـ توجد منه نسخة في مكتبة السيد حسن الصدر في الكاظمية في مجلد كبير القطع ضخم الحجم بخط السيد حسن بن أحمد.
وقد طبع الكتاب عدة طبعات وجاء في مقدمة الطبعة الرابعة، «وكتاب الأزهار هذا هو خلاصة ما اعتمده الإمام زيد بن علي بن الحسين والإمام الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم رضوان الله عليهم وخلاصة ما اعتمده الأئمة وأتباعهم من العلماء الأخيار في أحكام الفروع والعبادات والمعاملات…»
الأزهار في شرح لامية مهيار
هو شرح لإحدى قصائد مهيار الديلمي المشهورة. والشارح هو أحمد بن موسى من آل طاوس الحسنيين الحليين المتوفى سنة 673هـ.
مهيار الديلمي صاحب القصيدة
مهيار فارسي الأصل ولكنه لم يعش في بلاد فارس، بل اتّخذ بغداد مقاماً، وبغداد يومئذٍ خاضعة للنفوذ البويهي الذي امتدّ من سنة 334هـ إلى سنة 447هـ أي إلى أن استأثر السلجوقيون بالسلطة. ولقد سلخ مهيار عهد شبابه في نهاية القرن الرابع الهجري، وأمضى عهد كهولته في مطلع القرن الخامس (ولد الشاعر على الأرجح عام 367هـ وتوفي عام 428هـ. وقد عايش ثلاثة من الخلفاء هم: الطائع لله أبو بكر عبد الكريم بن المطيع، وقد تولى الخلافة من 363 إلى 381، والقادر بالله أبو العباس أحمد بن إسحق بن المقتدر وقد بويع له بالخلافة بعد خلع الطائع سنة 381 وامتدت خلافته إلى سنة 422، وقد توفي فيها. وخلف القادر القائم بأمر الله أبو جعفر عبدالله بن القادر، وامتدت خلافته من سنة 422 إلى سنة 467 وفي عهده توفي مهيار عام 428([742])، هؤلاء الخلفاء الثلاثة هم الذين عاصرهم مهيار، لكن السلطة الفعلية لم تكن في أيديهم كما يتّضح من أكثر كتب التاريخ (كالكامل لابن الأثير، وتاريخ الخلفاء للسيوطي) وإنما كان في يد البويهيين، وكانوا قد تولوا إمرة الأمراء، ثم أصبحوا يتلقبون فيما بعد بالملوك والسلاطين. وقد عاصر مهيار ستة سلاطين منهم هم: عضد الدولة وقد ولّي السلطة في السنة التي ولد فيها مهيار أي عام 367هـ([743]) وظلّ قائماً في الحكم إلى أن توفي عام 372هـ([744]) فخلفه ابنه شرف الدولة الذي حكم إلى السنة 379 هـ. وبعد وفاة شرف الدولة تولى الحكم أخوه بهاء الدولة الذي ظل في الحكم من السنة 379هـ إلى السنة 403هـ. وبعد وفاة بهاء الدولة تولى الحكم أبناؤه سلطان الدولة (403 ـ 411هـ) ومشرف الدولة (411 ـ 416هـ) ثم جلال الدولة (418 ـ 435 هـ) وهو الملك البويهي الوحيد الذي حظي بمدائح مهيار([745])، وفي عهده توفي مهيار سنة 428هـ.
في هذا العصر الذي ضعفت فيه سلطة الخلفاء حتى أنهم أصبحوا تحت رحمة الملك البويهي، عاش مهيار، وكل ما كتبه المؤرخون أنه أبو الحسن([746]) مهيار بن مرزويه الكاتب الفارسي الديلمي المشهور، كان مجوسياً فأسلم على يد الشريف الرضي أبي الحسن محمد الموسوي، وهو شيخه وعليه تخرّج في نظم الشعر، وقد وازن مهيار كثيراً من قصائده، وكان شاعراً جزل القول، مقدماً على أهل وقته وله ديوان شعر كبير وهو رقيق الحاشية، طويل النفس في قصائده([747]) ويضيف ابن خلكان أن «مهيار ومرزويه اسمان فارسيان لا أعرف معناهما، والله تعالى أعلم». وينقل ابن خلكان أقوال بعض المؤرخين في مهيار فيقول: وقد ذكره أبو الحسن الباخرزي([748]) في كتابه المسمى «دمية القصر» فقال في حقه: هو شاعر، له في مناسك الفضل مشاعر، وكاتب تحت كل كلمة من كلماته كاعب، وما في قصائده بيت، يتحكم عليه بلو وليت، وهي مصبوبة في قوالب القلوب، وبمثلها يعتذر الدهر المذنب عن الذنوب([749]). وذكره أبو الحسن علي بن بسام في كتابه المسمى «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة» وبالغ في الثناء عليه وذكر شيئاً من شعره. وتوفي مهيار ليلة الأحد لخمس خلون من جمادى الأخيرة سنة ثماني وعشرين وأربعمائة هجرية. وفي تلك السنة توفي الرئيس أبو علي بن سينا الحكيم المشهور.
وجاء في «المنتظم في تواريخ الملوك والأمم» للإمام أبي الفرج الجوزي ما نصه: «مهيار بن مرزويه أبو الحسن الكاتب الفارسي كان مجوسيّاً فأسلم سنة أربع وتسعين وثلثمائة وصار رافضياً غالياً وفي شعره لطف، إلا أنه يذكر الصحابة بما لا يصلح قال له أبو القاسم بن برهان: يا مهيار انتقلت بإسلامك من النار من زاوية إلى زاوية، قال وكيف ذلك؟ قال كنت مجوسياً فأسلمت فصرت تسبّ الصحابة([750])». وكذا نتبين أن المؤرخين لم يهتموا كثيرا بشخصية مهيار، فأقوالهم لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تجلو لنا شخصية الرجل على حقيقتها، فلذلك علينا أن نلجأ إلى الاستنتاج والتقريب ما أمكن لنصل إلى جلّ الحقيقة لأن الوصول إليها كلها متعذّر في مثل هذه الحال.
لقد أهمل المؤرخون كما رأينا ذكر السنة التي ولد فيها مهيار، واكتفوا بذكر سنة موته (428هـ ابن خلكان) وسنة إسلامه (394 ـ المنتظم) وإذا رجعنا إلى شعره رجحنا أنه ولد في العقد السابع من القرن الرابع، أي حوالي السنة 367هـ كما يستفاد من قوله في مدح عميد الدولة أبي سعيد بن عبد الرحيم سنة 423.
| يا قلب من أين على فترة | رد عليك الوله العازب | |
| أبعد أن مات شباب الهوى | شاورك المحتنك الشائب | |
| وبعد خمسين قضت ما قضت | وفضلة أنكرها الحاسب | |
| هبت بأشواقك «نجدية» | مطعمة أنت لها واجب |
فهو يقرر أنه جاوز الخمسين بفضلة قد تكون سنة وقد تكون تسعاً، فإذا توسطنا وفرضناها خمساً كان عمره في سنة 423هـ خمساً وخمسين سنة، يضاف إليها خمس سنوات عاشها الشاعر بعد تلك القصيدة، فيكون قد مات في الستين من عمره تقريباً، أو جاوزها قليلاً. ويؤيد هذا التقدير الذي ذهبنا إليه قوله في موضع آخر سنة 417هـ في الشيب:
| قالت على البيضاء أخت عامر | أسفر في فوديك ذاك الغيهب | |
| ومن بلاياك وإن عبت به | شباب حبي وعذاري الأشهب | |
| غدرك والخمسون أي روضة | قشيبة بينهما لا تجدب |
وقد عاش مهيار بعد ذلك أحد عشر عاماً، فيكون مجموع عمره إحدى وستين سنة([751]).
أما نسيته «الديلمي» فإنها ترجع إلى الأرض التي عاش فيها والتي يسكنها بنو جلدته، وقد قال ياقوت([752]): إن الديلم ينسبون إلى أرضهم بهذا الاسم لا إلى أب لهم.
وجاء في تحفة العجائب لابن الأثير: «جبال الديلم منيعة يتحصنون بها وهي كثيرة الغياض والشجر والمطر وهي جبال في نهاية الخصب. وذكر ابن خلدون، أن بلاد الديلم كانت الجبال وما يليها مثل طبرستان وجرجان وآمد، ولعل أهم حادث أثر في شخصيته وشاعريته على حد سواء، هو اتصاله بالشريف الرضي. والشريف يومذاك حجة الأدباء والأشراف. تولى والده نقابة الأشراف مدة من الزمن، وكان له الفضل الأكبر في إخماد الكثير من الثورات الشعبية بما له من هيبة في النفوس تتضاءل عندها هيبة الخلفاء يومئذٍ والأمراء الحاكمين». ولعب دوراً كبيراً أيضاً في فصم الخلاف بين أمراء الأسرة البويهية. وبكلمة موجزة، لقد كانت له مهابة عظمى في النفوس، وكان يكتنفه الشرف من سائر جنباته.
ونشأ ولده الشريف الرضي على سيرته فخلفه في نقابة الطالبيين وإمارة الحج.
وكان الشريف كريماً محبوباً، فأثر في نفس مهيار، وكان لا يزال بعد في العقد الثاني من عمره فتأثر في مذاهبه الشعرية والفكرية والدينية أيضاً. نتبين جليّاً في بعض أبياته. قال الشريف في مدح والده:
| طلوع هداه! إلينا المغيب | ويوم تمزق عنه الخطوب | |
| لقيتك في صدره شاحباً | ومن حلية العربي الشحوب |
وقال مهيار يمدح شبيباً بن حماد بن مزيد:
| وعلامة العربي دهمة وجهه | ومن الوجوه البيض غير حسيب | |
| والبدر أشرف طالع في أفقه | وبياضه المرموق فوق شحوب |
ولم يقتصر هذا التأثر على الألفاظ وحسب، بل تعدّاه إلى الموضوعات أيضاً. وإن قصر التلميذ عن مجاراة أستاذه في ميدان الصناعة الشعرية، فقد فاقه في أكثر الأحيان في طول النفس الشعري.
وبقي مهيار عائشاً في كنف أستاذه الشريف إلى أن لاقى الشريف ربه عام 406هـ، وكان طوال حياته الأمين لمهيار. ولقد أحس شاعرنا بالفجيعة، فمضى يرثي أستاذه بشعر رقيق، لا بل من أرق ما قال. وقد رثاه في مناسبات عديدة. قال في إحدى مرثياته:
| أقريش، لا لفم أراك ولا يد | فتواكلي غاض الندى وخلا الندي | |
| بكر النعي فقال: أردي خبرها | إن كان يصدق فالشريف هو الردي |
وبقي بعد ذلك التاريخ يمدح الملوك والأمراء أكثر من عشرين عاماً. ولعل بني عبد الرحيم كانوا أكثر حظوة من مدائحه. فقد خصهم بقسم كبير من قصائده. وكانت أجود مدائحه فيهم. وكان «الصاحب أبو القاسم ابن عبد الرحيم نقيب النقباء على جيوش الأتراك في جميع أنحاء الدولة، وهو مركز له خطره([753])» وكان بنوه فرساً متشيعين يعطفون على مهيار فأجاد في مدحهم.
والممدوح الآخر الذي نال من الحظوة نصيباً كبيراً في مدائح مهيار هو «أبو طالب محمد بن أيوب». وكان قد استوزه الخليفة القادر بالله (سنة 381 ـ 422هـ) ومن بعده وزر لابنه الخليفة القائم بأمر الله فأظهر في خدمة الخليفتين كفاية وإخلاصاً([754]) أما سائر الممدوحين فهم كثر منهم: أبو نصر سابور ـ وأبو الحسين الهماني، وفخر الملك أبو غالب. وأبو منصور بن المزرع. وعميد الدولة أبو طالب ومحمد علي بن الطيب، وكثيرون غيرهم.
وهناك ظاهرة لا بد من الإشارة إليها، وهي أن مهيار لم يمدح أحداً من الخلفاء العباسيين، وهذا ما نستغربه لأن أكثر الشعراء الذين مدحوا، كانوا يقفون مدائحهم على الخلفاء. وهناك ظاهرة أخرى عجيبة أيضاً هي أن ديوان مهيار على ضخامته لا يحوي مدحاً لملك بويهي إلا ما كان من مدح ركن الدين شاهنشاه جلال الدولة بن بهاء الدولة الذي وُلِيَ الحكم عام 418هـ([755]) فكان هذا الملك هو الوحيد من بني بويه الذي ظفر بمدائح مهيار.
وهكذا بعد فترة تبلغ عشرين عاماً بعد وفاة الشريف عاش مهيار كأنه رجل الأدب دون منازع، إلى أن قبض سنة (428هـ).
ديوانه
مهيار شاعر غزير المادة قلّ من جاراه من شعراء العربية في كثرة النظم وفي الإسهاب في منظوماته. لا أستطيع أن أتمثل له ندّاً سوى ابن الرومي، وإن كان ابن الرومي يقصر عنه في بعض الأحيان ولا يجاريه في الإسهاب والتطويل. وقد كان له من قوة الطبع فيه خير رافد على الإكثار من النظم والتطويل ما أمكن. وعلى هذا فقد كانت بعض قصائده تقارب الثلاثمائة من الأبيات.
وهكذا تجمع لدينا ديوان ضخم من شعره ظهر مطبوعاً في أربعة أجزاء من القطع الكبير (28×18سم). وقد جمع هذا الديوان بين دفتيه ما يقرب من واحد وعشرين ألفاً من الأبيات (20,969) موزعة في أربعمائة قصيدة تقريباً (409). وقد وزعت هذه الأبيات والقصائد في سائر أجزاء الديوان على الشكل التالي:
الجزء الأول: يحتوي على ماية وقصيدتين تحوي خمسة آلاف وتسع ماية وخمسة أبيات. ويتكون من أربعمائة وست وعشرين صفحة.
الجزء الثاني: يحتوي على مائة وخمس وخمسين قصيدة تحوي ستة آلاف ومئة وبيتين. ويقع في ثلاثمائة وثلاث وسبعين صفحة.
الجزء الثالث: يحتوي على خمس وتسعين قصيدة تحوي خمسة آلاف وسبعماية وستة وتسعين بيتاً. ويقع في ثلاثمائة وسبعين صفحة.
الجزء الرابع: يحتوي على سبع وخمسين قصيدة تحوي ثلاثة آلاف ومئة وستة وستين بيتاً ويقع في مايتين وسبع صفحات. بقي هذا الديوان الضخم نسياً منسياً حتى فتقت الفكرة لأحمد نسيم أحد الذين اشتغلوا بالأدب في مصر، فاستعان بدار الكتب المصرية، وأخرج الديوان في طبعته الحالية، وهي الوحيدة التي نتداولها. وهي على مآخذها لا بأس بها من حيث الإخراج، وابتغاء الصحة، إلا أنها اعتمدت الترتيب الأبجدي للقصائد أي الترتيب الذي وجدت فيه نسخ الديوان. وفي ذلك بعض المشقة على المطالع.
ظهرت هذه الطبعة من الديوان سنة 1344هـ الموافقة 1925م. وقد طبعت في مطبعة دار الكتب المصرية. وقد عرض الناشر في بدء الجزء الأول حياة الشاعر مهيار الديلمي مستنداً إلى «وفيات الأعيان» و«دمية القصر» و«المنتظم» و«الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة».
ونترك الكلام هنا للدكتور عبد المجيد زراقط:
1ـ ملامح عامة ومسائل أساسية
في تاريخ الأدب العربي أسماء شعراء أعلام لم يتح لنا التعرف إليهم جيداً([756]) قد يكون في حياة هؤلاء، أو في الظروف التي عاشوها، من الملابسات، ما يفسر غياب تلك الأسماء عن دائرة الضوء. وقد نفهم، نحن اليوم مثل تلك الملابسات، وإن كنّا نعتقد أنها مبررات غير كافية لطمس عطاءات مبدعين جديرين بالمعرفة والدراسة والتقدير. قد نفهم تلك الملابسات التي تفسر، في إطارها التاريخي الخام، ولكننا لا نرتضي أن تبقى تفعل فعلها، فمن حق مبدعي تراثنا أن يُوَفَّوا حقهم، وأن ينظر إليهم بمنظار لا يجحد لأهل الفضل فضلهم.
قد يكون اعتقادنا هذا، أحد دوافعنا للتعرف إلى مهيار الديلمي الذي يدرك حقيقته ويعتب فيخاطب أهل زمانه وأهل كل زمان، وكأنه يعتذر:
| إذا كان عزي طارداً عني الغنى | فلله فقرٌ لا يجاوره الذّلّ! | |
| عليّ اجتناء الفضل من شجراته | ولا ذنب إن لم يجن حظاً لي الفضل |
يبقى موقف مهيار الذي نلمسه، في بيتيه هذين، في الذهن طويلاً، حيث ترتسم صورة إنسان فاضل أبي عاين مشكلات عالمه ويرى إليها بعمق، الأمر الذي يتيح له اتخاذ مواقف إنسانية وامتلاك ما يحقق الذات ويسهم في بناء المجتمع.
تبدو هذه الصورة التي أشرنا إلى ملامحها العامة واضحة في ثنايا ديوان الشاعر الكبير ذي الأجزاء الأربعة.
ونحن وإن كنا نريد تلمّس هذه الصورة، في بعض تفصيلاتها، إلا أننا نرى أن نلمّ قبل ذلك برؤية مؤرخي الأدب لهذا الشاعر وأن نتعرف إلى المسائل التي يثيرونها، وذلك لأن هذا الصنيع يتيح لنا أن نكون موضوعيين ومقدرين لأصحاب الفضل فضلهم في آن.
نقرأ في كتب الأدب، ما يفيد أن «الشاعر المشهور» أبا الحسين مهيار بن مرزويه، الكاتب الفارسي الديلمي. كان مجوسياً فأسلم سنة 394هـ على يد الشريف الرضي، كما أن هذه الكتب تصفه بقولها: «كان شاعراً جزل القول مقدماً على أهل وقته» وله ديوان شعر كبير، وهو رقيق الحاشية طويل النفس في قصائده… توفي سنة 428هـ.
في ما قرأناه تعريف موجز بالشاعر وشيء من ثناء، غير أن بعض مؤرخي الأدب يورد ما يثير مسائل على درجة من الأهمية جعلت بعضهم يقول مخاطباً للشاعر: «يا مهيار، انتقلت بإسلامك، في النار، من زاوية إلى زاوية».
قد نجد، في هذا القول، ما يلخص رؤية معينة إلى مهيار وشعره كنا قد أشرنا إليها قبل قليل، وفي ما يلي، سوف نسعى إلى تبين مدى صحة هذه الرؤية، وذلك في إطار المسائل الكثيرة التي تثيرها قراءة ديوان هذا الشاعر قراءة منصفة.
2ـ منابع الرؤية وتوجهها
نلحظ، في قصائد مهيار، ميزة يتصف بها كل شعر يتخذ الصور وسيلة وفنية الأسلوب أداة، وقد رأى القدماء هذه الميزة وعبروا عنها بأسلوبهم، فقال أبو الحسين الباخرزي في دمية القصر: «هو شاعر له في مناسك الفضل مشاعر، وكاتب تحت كل كلمة من كلماته كاعب، وما في قصائده بيت يتحكم عليه بلو وليت، وهي مصبوبة في قوالب القلوب وبمثلها يعتذر المذنب عن الذنوب» نتجاوز عن سجع أبي الحسن ونتوقف عند ما نفهمه من هذا القول، وبخاصة تركيزه على ما تتّصف به الألفاظ من صفات تجعلها شبيهة بالعذارى الجميلات وما تتميز به القصائد من ميزات تجعلها تعبر عما في القلوب وكأنها مصبوبة فيها.
ثمة سببان، يجعلاننا لا نعجب من وصول مهيار إلى مثل هذه المرتبة من مراتب الإبداع في لغة ليست لغته الأولى يعود السبب الأول، في تقديرنا، إلى تتلمذ هذا الشاعر على الشريف الرضي، ويتمثل السبب الثاني في اطّلاعه الوافي على الشعر والتاريخ العربيين وفي فهمه لأسرار اللغة العربية وتعمقه في ذلك كله وهذا ما نلمسه في الديوان من خلال إشارات دالة. فالملاحظ أن كثيراً ما يضمن شعره إشارات إلى فحول الشعر العربي وإلى حوادث من التاريخ العربي والإسلامي، ففي إحدى قصائده، على سبيل المثال، يرى أن الشعر لم ينبح «الغريب المقرح» و«مستنزل النعمان عن سطوته» كما أن الردى لم يخضع لنسيب «عروة» ولم نعط قيساً «مناه» وفي قصيدة أخرى يشير إلى استشراء الهجاء في العصر الأموي عندما يقول:
| بهذا الحكم حين تحالباها | نقائض حاز زبدتها جرير |
كما وأننا نلمس، في الديوان، إشارات إلى التاريخ العربي نذكر منها، على سبيل المثال:
| لئن كانت الزباء عزاً ومنعة | فأنت لها من غير جدع قصيرها |
وتقرأ له أيضاً:
| حديث لو تلوه على زهير | غدا من مدحه هرماً يتوب |
ويقول:
| فأردي كليب لحفظ الجوار | ورعي الذمار وصون الحريم | |
| وللخوف في قومه أن يضام | مات ابن حجرٍ قتيل الكلوم | |
| وخاطر حاجب في قوسه | فخلفها شرفاً في تميم |
نكتفي بهذه الأمثلة التي تدل على أن مهيار كان على قدرٍ كبيرٍ من المعرفة بالتراث العربي: تاريخاً وشعراً ولغةً، كما أن هذه الأمثلة تدل، من جهة ثانية، على طبيعته: شخصية ورؤية إذ أنه سمى النابغة «مستنزل النعمان عن سطوته»، ورد أسباب قتل كليب إلى «حفظ الجوار ورعي الذمار وصون الحريم» وأعاد أسباب مغامرة امرىء القيس التي أدت إلى موته غريباً مقرحاً «للخوف في قومه أن يضام» كما أنه سمى صنيع حاجب الذي رهن قوسه عند كسرى ووفى بذلك شرفاً يتوارثه الأبناء عن الأجداد، إن في اختيار هذه الأحداث واستخدامها إشارات دالّة موحية وتوظيفها في سياق معين دلالات عديدة أهمها اتساع ثقافة الشاعر وعمقها وملكة رؤية خاصة تنظر إلى التاريخ محاولة فهمه واستخلاص الدروس والعبر منه، بغية الإفادة منه في فهم الحاضر والكشف عن الواقع والتأثير في توجهه.
يقرأ مهيار التاريخ ويرقب الحاضر ويحياه، ترتسم حركة التاريخ أمامه وتنكشف علاقات الواقع أمام عينه الثالثة، وتتكون لديه تجربة عميقة يختلط فيها وعي العقل وحدس الشعر ويعبر عن تجربته معادلاً شعرياً لها يملّ رؤية خاصة أشرنا إلى بعض منابعها وإلى توجهها العام وسنحاول في ما يلي أن نلمس أهم عناصرها المكونة.
3ـ معنى الحياة وقيمة الإنسان
يعتقد مهيار أن الحياة عبارة عن رحلة يحث فيها الإنسان الخطى مطارداً من الدهر ويرى أن لهذه الرحلة نهاية حتمية هي الموت، أو لعله يرى أنها رحلة باتجاه الموت وأثناء الرحلة ينشب صراع مع الدهر وطالما كان الأمر على هذه الصورة فلتكن هذه الرحلة في سبيل هدف أسمى وليكن الإنسان فيها صانعاً مجده محققاً ذاته مهما كلّف ذلك من مخاطر ولنقرأ بعض ما يقوله في هذا الصدد:
| باتت تخوفني الأخطار مشفقة | ترى الإقامة حزماً والنوى غلطا | |
| وهل رأيت الذي نجّاه مجثمه | بعقوة الدار، أو أرداه إن شحطا | |
| وما نحن إلا قطين الموت يعسف با | لواني ويلحق بالسّلاف من فرطا | |
| وطول أيامنا، والدهر يطلبنا | مراحل تنتهي أعدادها وخطى |
ويدعوه هذا الاعتقاد إلى تحديد غايته من الحياة وجعل موضوع الصراع مع الدهر «مرمى العزّ» وإلا فأهلاً بالموت، وليس من مرتبة وسط، كما يقول:
| … وقم بنا نطلبها عالية | إما لمرمى العز أو للمرمس |
ويتّخذ الصراع بعداً إنسانياً عاماً، فهو لا يصارع أياماً بعينها وإنما يجالد «الدهر» بما يعنيه من امتداد للزمان والمكان ومجرى الحياة فيهما وهذا الصراع الذي يخوضه الإنسان ليس مع الطبيعة وحدها أو مع أحداث الحياة فترة معينة فحسب، وإنما مع الدهر في معناه العام ينطلق من أن للإنسان جوهراً ينبغي أن يتحقق، وعلى كل إنسان أن يصنع مصيره، ويجسّد حقيقته وإلا فقد معناه وقيمته وغدا شيئاً آخر، ولنسمعه يعلن هذه الحقيقة متّخذاً السيف والليث مثالين على ذلك:
| فالسيف ما لم يمض قُدُماً زبرةٌ | والليث كلبُ البيت ما لم يفرس |
كما أن الحياة تفقد معناها إن لم يحقق الإنسان ذاته ويصنع مشروعه:
| فما الحياة، وإن طالت، بصالحةٍ | لمن يُعدُّ متاعاً بائراً سقطا | |
| ما خطه العجز والأرزاق معرضة | إلا لمن نام تحت الذّلّ أو قنطا |
ويدرك مهيار أن تحقيق الذات وصنع مجدها يتطلبان صراعاً مع الدهر يقتضي مخاتلته واقتناص الفرص منه فنسمعه يقول:
| لا تفرط جلوساً بانتظار غدٍ | خاتل يد الدهر وانصل غيله أبداً |
4ـ في دروب الحياة: وجهٌ يوقد الهمّ تحته
ويكون صراع مهيار مع الدهر صراعاً مريراً، تتكون لديه آمال ويسعى جادّاً إلى تحقيقها ظاناً أن إخوانه يساعدونه، ثم يذهب هذا كله هباءً وتتكرر الخيبة، فيعبر مهيار عن هذا الصراع ونتائجه:
| كم يوعد الدهر آمالي ويخلفها | أخاً أسرُّ به، والدهر عرقوب |
وتتكرر ذنوب الأيام، فيعجب ويرجو بحسرة أن يحيا أياماً تعد ذنوبها:
| يعدّد أقوام ذنوب زمانهم | ومن لي بأيام تعد ذنوبها |
وليست الذنوب ذنوب الأيام فحسب وإنما هي ذنوب الناس أيضاً، الذين غدوا صوراً لا تلين، وقد نلتف إلى نظرة مهيار التي رأت تحول الإنسان الذي فقد جوهره أو إنسانيته، إنه لم يعد إنساناً وإنما صخرة:
يقولــــون دار النــــسا تــــرطب أكفهــــــم ومن ذا يـــداري صـــــــخرة ويذيبهـــــا
والحق ان مهيار ما كان غافلاًعن حقيقة الزمان والناس وطبيعة العلاقات الاجتماعية، كان يدرك هذا كله تمام الادراك.
| وما أطمعتني أوجه بابتسامتها | فيؤيسني مما لديها قطوبها |
وكان يدرك أيضاً سبل الوصول ووسائل نيل المطالب في ظلّ المجتمع الذي يعيش فيه:
| وفي الأرض أوراق الغنى لو جذبتها | لرف على أيدي النوال رطيبها |
ولكن هذه السبل ليست سبله كما أنه لا يرضى اتّباع تلك الوسائل، إنّ في المرعى لأوراقاً خضراء يانعة ولعشباً طرياً ولكلأ خصيباً شهياً ولكن ما نفع هذا كله إن كانت الجائعة تأنف من هذا كله وتمجّه، إن مهيار الديلمي يرفض سبلاً تحقق الذات ويرتضي سبلاً أخرى وشتّان ما بين دربي الوصول إلى «مرمى العز»، ولنسمعه يشير إلى هذا في صورة حسّيّة مقتلعة من الواقع، وكأنها تضع الحقيقة أمامك مصورة فتراها وتلمسها:
| إذا إبلي أمست تماطل رعيها | فهل ينفعني من بلاد خصيبها |
يسعى مهيار إلى المجد، ويجدّ في سبيل ذلك مصارعاً الدهر، ويعي سبل الوصول ولكنه بدلاً من أن يمتطي مطايا الركب يشكو الزمان والناس. فلم الشكوى؟ ولماذا لا يحقق ما يصبو إليه وبخاصة أنه يرى الحياة القانعة من دون قيمة؟
ليس من شك في أن هذا السؤال الذي تثيره قراءتنا لتجربة مهيار مع الدهر سؤال كبير وهو لا يخص مهيار وحده، وإنما يعني الإنسان في كل زمان ومكان، إذ أنه يثير مشكلة الإنسان وسلوكه في هذه الحياة سواء أكان ذلك من حيث طبيعة هذا السلوك أم من حيث أهدافه وسبل تحقيق هذه الأهداف وتعارض ذلك أو توافقه مع التوجه العام وحقوق الآخرين.
يسمي مهيار ما تصل إليه الناس من مناصب وغنى «حظوظاً» وهو يعرف الطرق إلى هذه الحظوظ، ولكنه يرفض أن يسلكها، والأمثلة التي تؤكد هذا كثيرة نذكر منها:
| ويا نيل الحظوظ، أما إليها | بغير مذلّةٍ منها طريق | |
| فلو قنن الجبال زحمن جنبي | وقعن أخف من من الرجال | |
| فما تراني أبواب الملوك مع الزحام | فيها على الأموال والرتب | |
| وعابوا على هجر المطامع عفتي | وللهجر خير حين يزري بك الوصل |
ويبدو مهيار، في موقفه هذا، منسجماً مع نفسه، فيناقشه مع فتاته وفق مبادىء أساسية ينطلق منها في سلوكه، تلومه فتاته فيجيب:
| وقد كنت ذا مال مع الليل سارح | عليّ، لو أن المال بالفضل يُكسب | |
| ولكنه بالعرض يشرى خياره | وينمي على قدر السؤال ويخضب | |
| وما ماء وجهي لي إذا ما تركته | يراق على ذلّ الطلاب وينضب |
في ما قرأناه كشف لواقع ورفض له وأنفة عن الانخراط في جموعه وعن الوقوع في شباكه، ويندرج هذا الموقف في إطار رؤية شاملة تنظر إلى الإنسان بوصفه سيد المخلوقات، وقد خلق حرّاً يجهد لتحقيق غاية كبرى، وهذا كله ليس ملكه وليس من حقه أن يفرط فيه ويريقه في غير ما خلق له، ينطلق مهيار إذاً في دروب المجد من مفهوم سر الخلق ومن أن الله كرم الإنسان وعلى الإنسان أن يحافظ على ما أودع الله فيه، وانطلاقاً من هذا المفهوم يبقى ظمآناً، يعرف دروب الري، ويرفض سلوكها لأن المذلّة فيها والمذلة أشد حرارة وأقسى ولنقرأ هذا البيت ولنلاحظ الصورة فيه والتلاعب بالأضداد وفي هذا إضاءات وإيحاءات تسكن الحالة في القلب حارة الطلوع من تنور المعاناة.
| أظمى، وريي في السؤال، ولا يفي | حر المذلة لي ببرد الماء |
ويدرك مهيار نتائج موقفه، ويلمس الواقع الذي توصله إليه خياراته ولكن لا يأبه لهذا، إذ أن له مقاييس تختلف عن مقاييس الآخرين، فليس مهماً ما يجري في الخارج، فالمهم ما يجري في داخل الذات الإنسانية، المهم أن يبقى الجوهر صافياً وأن يبقى الهم دافعاً ومؤرقاً.
| وإن هوى بي أو حطني حمق الـ | ـحظ فهمي يسمو ويرتفع | |
| … نفسي أحجي من أن تحلم بالـ | ـوعظ وقلبي بالمجد مضطلع |
والواضح أن مهيار يعي أن معركته المريرة مع الدهر طويلة، وأن سبله شاقة، فيختار الصبر الذي يكشف ويحرض ويدل على الصواب:
| لله قلبٌ حسنٌ صبره | ما سئل الذلة إلا أبى | |
| شفى الله نفساً لا تذل لمطلب | وصبراً متى يسمع به الدهر يعجب | |
| وصدراً إذا ضاقت صدور رحيبةٌ | لخطب تلقاه بأهلٍ ومرحب |
ولا يكون صبر مهيار العجيب مسالمة للدهر وركوناً لأحداثه وناسه، وإنما هو نوع من تعرف «جريح زمانه» إلى سبل مداواة قروحه والانتصار عليها.
| سالمت دهري قبل أعلم أنه | فيمن يهادنه السلامة طامع | |
| فالآن أصميه بسهم ما له | في قلبه إلا المنة نازع |
وتقتضي طبيعة هذا الصراع أن يتحمل الإنسان كل ما يتعرض له، فيسغب والثرى عمم ويظمأ والغيث مسكوب:
| وإني لأسغب زهداً والثرى عمم | نبتاً، وأظمأ وغرب الغيث مسكوب |
وإن لِيمَ في ذلك يجيب منكراً كل ما يعرضونه من إغراءات ليست مكاسب حقيقية ولا يريد أن يوهم نفسه بها، وإن لم يكن سواها فالجوع أفضل من الشبع في هذه الحالة، إنه خيار ينطلق من رؤية عميقة وشاملة للحياة والعالم وسبل تحقيق الذات:
| أأشري بعرضي رفد قومٍ معوضه | وأشعر نفسي ان ذلك مكسب | |
| فاقعد إذا السعي جرّ مهضمة | وجع إذا ما أهانك الشيبع |
ويكون الصراع مع الدهر أشدّ مرارة وقسوة عندما يقف الإنسان وحيداً في دروب الحياة يحس وحشة الغربة في غياب الصديق والحبيب.
يفهم مهيار الصداقة أخوة وشد أزرٍ وقت الشدة:
| قلبي للأخوان شطوا أو دنوا | وللهوى ساعف دهر أو نبا |
ولكن هؤلاء الأصحاب يكونون وقت الشدة كاليد الشليلة:
| وصاحب كاليد الشليلة لا | يدفع بها شيئاً فيندفع |
يتلونون ويتغيرون بتغير الأحوال، أحوالهم وأحوال صديقهم:
| كم أخٍ غيره يومه المقبل لا | عن أمس به الذاهب | |
| كنت وإياه زمان الصدى | كالماء والقهوة للشارب |
وفرقٌ كبيرٌ بين أن يكون حمامة حيناً وعقرباً حيناً آخر:
| يطير لي حمامة فإن رأى | خصاصة دب ورائي عقربا |
يرفض مهيار هذه الأسس في التعامل، فلا يكون ذا وجهين، ويتحمل الكثير:
| وصاحب كالجرح أعيا سبره | وجل عن ضبط العصاب والقمط | |
| حملته لا أتشكى ثقله | كي لا تقولوا: طرف أو مشترط |
ويعاتب برقة وحنو وطهارة:
| أيها العاتب ما ذاك | وما أعرف ذنبي؟ | |
| أتظنّ الدمع ديناً | تتقاضاه بعتبي.. |
ويبقى ودوداً مخلصاً يحرص على الصديق ويتألفه شريطة ألا يؤدي هذا إلى الذّلّ، إذ أن هناك حدوداً ينبغي ألا تتجاوزها العلاقة بين الطرفين وإن تجاوزتها يكون لمهيار موقف واضح، فهو يختار البعد الأجمل:
| إذا يقرب منك إلا التذلل | وعزّ فؤاد فهو للبعد أجمل | |
| سلوناك لما كنت أول غادرٍ | وما راعنا في الحب أنك أول |
وقد يختار الهجر إن اقتضى الأمر ذلك، ويدافع عن موقفه قائلاً:
| أأنت على هجر اللثام معنفي | نعم أنا ثم فارض عني أو أغضب |
توصله هذه التجربة المريرة مع الآخرين والأصدقاء منهم بخاصة إلى القول:
| طهر خلالك من خلّ تعاب به | واسلم وحيداً فما في الناس مصحوب |
نلمس في هذا كله شخصية تكاملت عناصرها ورؤية شاملة عميقة نفاذة تبلورت منطلقات وأدوات ومفاهيم وتوجّهاً، ونلمس أيضاً حرصاً على نقاوة هذه الشخصية ورؤيتها وكأنها جوهرٌ كريمٌ ينبغي أن يسلم فلا يعاب ولا يخدش، ولنسمعه يخاطب من يطلب منه تغيير سلوكه غير المجدي في هذه الحياة، بعد أن كبر ولم يحرز مالاً أو منصباً:
| قالوا ارتدع إنه البياض وقد | كنت بحكم السواد أرتدع | |
| لم ينتقل الشيب لي طباعاً ولا | دنّسني مثل صقله طبع |
ثم يؤكد حقيقة موقفه وطبعه فيقول:
| يا ناقد الناس كشفاً عن جواهرها | متى تغير عن أعراقه الذهب |
وهو يعرف تمام المعرفة الأسباب التي أوصلته إلى ما هو عليه، فيذكر أسباب إخفاقه في تجربته مع الزمان والناس قائلاً:
| أذنبي الحب والإخلاص عندكم | فإن ذنبي إلى أيامي الأدب |
5ـ الإنتماء والهوية نظام الحكم
وبديهي أن من يمتلك مثل هذه الرؤية ويتخذ مثل هذه المواقف أن يرى إلى الإنسان بوصفه كائناً اجتماعياً تتحدد قيمته بما يملكه من إمكانات ومؤهلات وبما يطمح إلى تحقيقه وبسبله التي يتبعها لتحقيق ذاته وتحسين مشروعه… بديهي أن ينظر إلى الجوهر الإنساني الذي يبقى ضياء يشعّ ويضيء في دروب الدنيا مثل الذهب، دونما أي اهتمام بالمؤثرات الخارجية كالعرق والنسب والإقليم، ولكن هذه الرؤية التي تقيّم الإنسان باعتباره فرداً يملك إمكانات وطموحات وسبلاً ومفاهيم كانت تصطدم برؤية المجتمع الذي كان يعيش فيه مهيار إلى الموضوع. إن لهذا المجتمع مقاييسه الأخرى في التقييم، وقد اصطدم مهيار بهذه المقاييس في مجالات من الحياة عديدة، كانت أقساها تجربته في علاقته بالجنس الآخر، نعني تجربة حيّة لفتاة كانت تختلف عنه نسباً.
كانت فتاة مهيار جميلة، صعبة القياد، ذات دلال يأسر، تبخل ولا تفي بالوعود، كأي حبيبة عرفها الشعر العربي من قبل، ولكن مهيار يوظف بعض المفارقات في لعبة فنية، فهي بخيلة وقومها عرفوا بالجود ويريد من قومها الذين عرفوا بحفظ الجوار أيضاً أن يؤنسوا فؤاده الذي التجأ إليهم ويردوه إليه، وفي هذا إشارة من طرف خفيّ إلى موقف قومها منه، وكأنه يحثّهم في إطار لعبة فنية على إنصافه وهم الذين اتّصفوا بصفات يريد لها الآن أن تفعل فعلها، ولنقرأ بعض ما يقوله مهيار في هذا الصدد:
| … من العربيات شمس تعود | بأحرار فارس مثلي عبيدا | |
| إذا قومها افتخروا بالوفاء | والجود ظلت ترى البخل جودا | |
| ولو أنهم يحفظون الجوار | ردوا عليّ فؤادي طريدا |
تعجب به الفتاة في نادي قومها، ولكنها تسأل عن نسبه يسرّها ما تعلمه عنه وعن أخلاقه غير أنها تريد أن تعلم ما حسبه:
| أعجبت بي بين نادي قومها | «أم سعد» فمضت تسأل بي | |
| سرّها ما علمت من خلقي | فأرادت علمها ما حسبي |
قوة أخرى سوى شخصية الفرد ورؤيته ومؤهلاته هنا أنها تلغيه لتحلّ مكانه الجماعة: أو الشعب وما يعنيه هذا من علاقات بين القبائل والشعوب.
ويثير السؤال عن الحسب، في مثل حالة مهيار، قضية كبرى كثر الحديث عنها وهي قضية السيد والمولى، وتثير أسئلتها فيفخر بنسبه ومجد قومه القديم فيقول:
| لا تخالي نسباً يخفضني | أنا من يرضيك عند النسب | |
| قومي استولوا على الدهر فتى | ومشوا فوق رؤوس الحقب |
مؤكداً أن هذا الانتماء القديم لا يخفضه، ولنلاحظ اختياره لهذه الكلمة التي تركز على المشكلة فكأنه يقول إن انتماءه إلى فارس لا ينقص من قدره فقومه قديماً فعلوا وفعلوا… ثم يعلن هويته الحقيقية وانتماءه.
| قد قبست المجد من خير أبٍ | وقبست الدين من خير نبيّ |
ويكون بهذا قد جمع المجد من أطرافه:
| وضممت الفخر من أطرافه | سؤدد الفرس ودين العرب |
تعد قضية الانتماء أو قضية هوية الإنسان، أهم قضايا الفرد في كل عصر وقد كانت على قدر من الأهمية كبير في تلك الفترة من فترات التاريخ العربي ـ الإسلامي وذلك لاشتداد الصراع بين العرب وعناصر ذلك المجتمع، هذا الصراع الذي أبرز أشكالاً عديدة؛ سياسية واجتماعية وثقافية، ولعل من أهم هذه الأشكال ما عرف باسم الشعوبية.
لن ندخل في مشكلات هذه القضية التي قيل فيها الكثير ولكننا لن نهمل فيها ما يتعلق بموضوعنا، إذ أننا سنعمد إلى طرح السؤال الذي يعنينا هنا محاولين الإجابة عنه في مقاربة مباشرة لا تهتم بأي إسقاطات ذاتية كانت أم خارجية والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل كان اعتداد مهيار بنسبه الفارسي يندرج في إطار الحركة المناهضة للعرب أو أنه كان موقفاً أملته معطيات مرحلة تاريخية كان لمهيار رؤيته المميزة لقضاياها ومسائلها؟ وهل كانت هذه الرؤية المميزة منبثقة من رؤية شاملة للكون والعالم؟ وما هي طبيعة هذه الرؤية الشاملة؟ ليس من شك في أن مهيار يذكر ماضي قومه ومجدهم ويذكر بذلك ويعلنه، ففضلاً عما أثبتناه قبل قليل، نثبت هنا مثالاً آخر، وهو قوله:
| … من بهاليل أنبتوا ريشة الأرض، وربوا
….. |
وربوا عظامها والجلدا |
|
| … بين «جم» و«سابور» أقيال، | يعدون مولد الدهر عدا
|
والملفت أن ذكر مهيار لأمجاد قومه والتذكير به يندرج في إطار التأكيد أن نسبه هذا لا يخفضه كما مرّ بنا آنفاً، وكأنه يرد على من ينتقصه ويزري به بسبب من هذا النسب، والملفت أيضاً في موقف مهيار أنه يتجاوز هذا التذكير الدفاعي سريعاً لينظر في التاريخ الفارسي والعربي والإسلامي أيضاً نظرة تقويمية فيشيد بما يراه جيداً ويتبناه وفق فهمه لأحداث التاريخ ومجرى الحياة. إنه يذكر للفرس فضائلهم، ومنها، على سبيل المثال، العدل وحسن التنظيم فيقول:
| سير العدل في مآثرهم تروى | وحسن التدبير عنهم يؤدى |
وقد مرّ بنا إعجابه بالعديد من فضائل العرب كالوفاء وحسن الجوار ورفض الظلم والإباء ونورد هنا، على سبيل المثال، تقديره مشاعر العرب الإنسانية وصدق حنينهم فيقول:
| وحننت نحوك حنةً عربيةً | عيبت، وتُعذُر ناقةٌ إن حنت |
ويبدو مهيار، في موقفه هذا، إنساناً متجرّداً عن الأهواء الشعوبية يطل على العالم وينظر إلى قضاياه ومسائله، ويتأملها ويعلن ما يراه حقاً ومصيباً وفق أسس تحدد انتماءه الحقيقي فلنحاول أن نتعرف إلى هذه الأسس مثبتين بعض الأمثلة الدالة.
يقرأ التاريخ الفارسي، ويتوقف عند صفحات منه ينتصر فيها الحق ويرغم المظلوم أنف الظالم، فمن جدوده:
| من فرس الباطل بالحق ومن | أرغم للمظلوم أنف الظالم |
ويقرأ التاريخ العربي، ويشيد بفضائل فيه مشرقة ولكنه ينخرط كلياً في بهاء الفجر الذي أشرق وأبان نهج السبيل وحدد دروب العيش:
| ما برحت مظلمة دنياكم | حتى أضاء كوكب في هاشم | |
| أبان الله نهج السبيل | ببعثته وأرانا الغيوبا |
هنا، تتحدد هوية مهيار الحقيقية، إنه ينتمي إلى هؤلاء الذين فرّج الله بهم الضيف فكشفوا اللبس، وحملوا الناس على الصراط وحطموا «ودّ» و«هبل» وأيقظوا للرشد أبصار القلوب. وتتجلى هوية مهيار في موقف لا يدع مجالاً للشك، إذ أنه ينتمي للفتية الذين داسوا تيجان ملوك قومه وحملوا عروشهم ولعبوا بجماجمهم كي يبنوا للإنسان عالماً جديداً أبان الله نهجه ببعثه خاتم الأنبياء والرسل، ولنقرأ بعض ما يقول في هذا الصدد:
| ديست من الشرك بهم جماجم | ترابها من عزّه لم يدس | |
| ساروا بتيجان الملوك عندنا | معقودة على الرماح الدعس |
إن هؤلاء الذين داسوا جماجم ملوك قومه وحطموا تيجانهم، كما حطموا «ود» و«هبل» هم الذين فكوا أسره وأعطوه قيمته الإنسانية، وهم قومه وإليهم ينتمي:
| وفك من الشرك أسرك وكان | غلا على منكبي مقفلا |
إن أسس رؤية مهيار هي مبادىء الإسلام ولهذا لم تعد التيجان «الكسروية» تعنيه إن ديست، كما أنه صار يطمح إلى تحقيق نظام إسلامي ويريد ذلك رافضاً النظام «الكسروي» و«الأردشيري» وكل نظام يقوم على شاكلته. في هذا الإطار من الرؤية ينبغي أن ننظر إلى مواقف مهيار ويحق لنا أن نسأل كل مجادل، أنطلب من رجل يرفض أنظمة قومه لأنها ذات طبيعة معينة أن يقبل أنظمة مشابهة لقوم آخرين ثم نسأل: أيحق لنا إن رأيناه يرفض مثل هذه الأنظمة أن نعده مناهضاً للعرب وشعوبياً؟
يقول مهيار، بعد مقدمة وجدانية وعرض تاريخي، متحدثاً عن طبيعة الحكم في الإسلام منتهياً الى رفض نظام معين لأنه ذو طبيعة لا تنتمي الى الاسلام وإنما إلى مبادىء ومفاهيم مغايرة سماها «أردشيرية».
| وقلبها «أردشيرية» | فخرق فيها بما أشعلا | |
| وردها عجماً «كسروية» | يضاع فيها الدين حفظاً للدول |
إن لمهيار هنا منطلقاته ومقاييسه التي تختلف عن منطلقات الآخرين فهو يجد هذا الحكم ذا الطبيعة الخاصة شبيهاً بالنظام «الكسروي» وهو يرفضهما معاً داعياً إلى نظام إسلامي عادل تسود فيه «الأسوة» معلناً انتماءه للساعين إلى إقامة مثل هذا النظام مهما كلفه هذا الأمر من مشاق ومتاعب وتضحيات، فيقول مخاطباً الإمام العادل:
| ثم قسمت بالسواء بينهم | فعظم الخطب عليهم وثقل | |
| عاديت فيك الناس لم أحفل بهم | حتى رموني عن يد إلا الأمل | |
| ولو يشق البحر ثم يلتقى | فلقاه فوقي في هواك لم أبل |
ويعود مهيار، في موقفه هذا، إلى مبادىء الإسلام فيختار شعاراً له:«لله أعلى في الورى».
… فيقول:
| يستشعرون «الله أعلى في الورى» | وغيرهم شعاره «أعل هبل» |
مشيراً إلى قول أبي سفيان، في يوم أحد: «أعلى هبل» الذي سمعه النبي فأمر عمر بن الخطاب بأن يجيبه فيقول «الله أعلى وأجل».
ويبدو أن انتماء مهيار الصادق للإسلام هو الذي يحدد مفاهيمه ومواقفه ويوجه سلوكه. وفي سبيل استكمال الإجابة عن سؤالنا الذي طرحناه آنفاً سنحاول تلمّس مفهومه للقرابة وأسسه لإقامة العلاقات الإنسانية.
إن مفهوم مهيار للقرابة واضح، وهو يتجلى في العديد من قصائده ولعلنا لا نجانب الصواب عندما نقول أنه ينطلق مما يفيده هذا البيت:
| وودّ «سلمان» أعطاه قرابته | يوماً، ولم تغن قربى عن «أبي لهب» |
ليؤكد:
| أحببتكم، وبعد بين دوحتنا | فكنت بالحب أي مقترب | |
| فما سرني في الحق مع العدا | ولا عاب أني في المحاال على أبي | |
| خلقت رقيق القلب صعباً تقلبي | أرى لبعيدٍ ما أرى لقريب | |
| أخي في الود فوق أخي النسيب | وخلي دون كل هوى حبيبي | |
| ومولاي البعيد يقول خيراً | قريبٌ قبل مولاي القريب |
وليبني سلوكه على أسس تنطلق من مفاهيم الحب والحق والخير والتجرد في الرؤية والحكم فيقول:
| … وربّ أخٍ قصيّ العرق فيه | سلُوّ عن أخيك في الولاد | |
| فلا تغررك ألسنة ٌ رطابٌ | بطائنهن أكبادٌ صوادي | |
| وعش إما قرين أخٍ وفي | أمين الغيب أو عيش الوحاد |
وهكذا يبدو واضحاً أن مهيار بن مرزويه الديلمي تخلى عن انتماءاته العرقية والوطنية والإقليمية واختار هوية له تتمثل في الإسلام سالكاً في الحياة وفق الطرق التي تحددها ناظراً إلى الدنيا بمنظارها راجياً من الله أن يثيبه على ذلك:
| وإن أكُ من «كسرى» وأنت لغيره | فإني في حب «الوصي» نسيب | |
| ومهما يثبك الشعر شكراً مخلداً | عليها، فإن الله قبل يثيب |
6ـ مسألة خلافية
وفي تفصيل لقضية الانتماء التي وصلنا فيها إلى إجابة نعتقدها مصيبة تلفتنا مسألة تعلنها عبارة «حب الوصي نسيب» إذ أن هذه العبارة تشير إلى أن مهيار كان يقف إلى جانب اتجاه في الإسلام كان يرى أنه المحق، وذلك انطلاقاً من رؤيته الشاملة إلى العالم، وبخاصة فيما يتعلق بطبيعة الحكم وبنية النظام وتنظيم العلاقات الإنسانية.
إن تطرّقنا إلى هذه المسألة يندرج في إطار مقاربتنا التي قلنا إنها ستكون مباشرة، كما أنه يبدو ضرورياً لفهم موقف قيل لمهيار بسببه أنه انتقل في النار من زاوية إلى زاوية. وإن يكن في تطرقنا إثارة لمسألة خلافية في وقت نحن فيه بأمس الحاجة إلى الوحدة، فإن إغفالنا لا يلغي الخلاف وقد يكون في النظر الموضوعي الهادىء قدر كبير من الجدوى على صعيد فهم طبيعة الخلاف وحدوده، الأمر الذي يلغي تأثيره على المستويات الأخرى.
يقرأ مهيار التاريخ الإسلامي على ضوء فهمه لمبادىء الإسلام المأخوذة من مصدرية: الكتاب والسنة، ويتخذ موقفاً، مستنداً إلى حجج يبسطها في عدة قصائد طويلة يمدح بها أهل البيت. وحججه تتمثل في ثلاث: حجة نقلية تقول أن النبي (ص) أوصى للإمام علي (ع) من بعده بالخلافة، وحجة عقلية جدلية تناقش أسس قريش في اختيارها من اختارت للخلافة، وحجة مبدئية تتعلق بالكفاءة وطبيعة النظام ومفهوم الحكم من جنب علاقته بالله وبعبيده. وهذا كله سوف نلم به من خلال عرضنا لنموذجين من قصائد مهيار عرضاً موجزاً، على سبيل المثال.
يبدأ مهيار قصيدته، على عادته، بمقدمة وجدانية تمهد للموضوع وترسم إطاره وتكوّن مناخه، ثم يذكر مناقب أهل البيت ويجادل قريشاً في مواقفها طالباً منها أن تقرّ بنعمة النبي (ص) المرشد وأن تتّبع سنّته:
| … وقل مالكم بعد طول الضلال | لم تشكروا نعمة المرشد | |
| أتاكم على فترةٍ فاستقام | بكم جائرين عن المقصد | |
| وولّى حميداً إلى ربه | ومن سنّ ما سنّه يحمد | |
| وقد جعل الأمر من بعده | لحيدر بالخبر المسند | |
| وسماه مولى بإقرار من | لو اتّبع الحق لم يجحد |
ثم يناقش قريشاً ادّعاءها أن ذلك كان عن إجماع المسلمين، وينتهي إلى القول أنه لم يكن إجماعاً، ثم يشيد بموقف الإمام علي الذي صبر من أجل انتصار الإسلام، ولكن ما حدث في ما بعد كان كما يرى:
| أرى الدين من بعد يوم الحسين | عليلاً له الموت بالمرصد |
وينتهي به هذا العرض وهذا النقاش إلى إعلان موقفٍ طالب في مطلع القصيدة أن يُتّخّذ، وهو الإيمان بالحق والإقرار بالفضل وتأييد ذلك.
| وفيكم ودادي وديني معاً | وإن كان في فارس مولدي | |
| خصمت ضلالي بكم فاهتديت | ولولاكم لم أكن أهتدي | |
| وجردتموني وقد كنت في | يد الشرك كالصارم المغمد | |
| ولا زال شعري من نائج | ينقل فيكم إلى منشد | |
| وما فاتني نصركم باللسان | إذا فاتني نصركم باليد |
وفي قصيدة ثانية، يبدأ مهيار بمقدمة وجدانية تحسّ فيها أسىً وحزناً عميقين، ويسيطر عليها الإحساس على حق مضاع، ينتقل بعدها إلى مناقشة موضوعه فيعرض للواقع:
| هذه قضايا رسول الله مهملة | غدراً، وشمل رسول الله مصدع | |
| … وآله، وهم آل الإله، وهم | رعاة ذا الدين ضيموا بعده ودعوا | |
| ميثاقه فيهم ملقى، وأمته | مع من بغاهم وعاداهم له شيع |
ثم يعود إلى التاريخ فيعرض أحداثه ويتوقف إزاء بيعة «يوم الغدير» التي ضاعت:
| ما بين ناشر حبل أمس أبرمه | تعدّ مسنونة من بعده البدع |
ويتجاوز الكثير من الأمور:
| فقلت: كانت هناك لست أذكرها | يجزي بها الله أقواماً بما صنعوا |
بغية إبلاغ رجالٍ موقفاً سياسياً يناقش أسسهم في اختيار الخليفة:
| بأي حق بنوه يتبعونكم | وفخركم أنكم صحبٌ له تبع | |
| … وفيما صيّرتم الإجماع حجتكم | والناس ما اتفقوا طوعاً ولا اجتمعوا |
ويستطرد موضحاً حججه، وينتهي إلى إكبار الإمام علي وبيان ما يتميز به من صفات وكفاءة.
| صبرت تحفظ أمر الله ما اطّرحوا | ذبّاً عن الدين فاستيقظت إذا هجعوا |
وكان في مكان آخر، قد أشار إلى نهج الإمام في الحكم، ومن إشاراته:
| ثم قسمت بالسواء بينهم | فعظم الخطب عليهم وثقل | |
| ولما امتطاها علي، أخوك، | ردّ إلى الحق فاستثقلا |
ويؤكد تأييده للحق:
| جاهدت فيك بقولي يوم تختصم الأبطال | إذ فات سيفي يوم تمتصع |
هذا الحق الذي يمثل دنياه وآخرته:
| هواكم هو الدنيا وأعلم أنه | يبيض يوم الحشر سود الصحائف |
قيل في مواقف مهيار الكثير، وقد أشرنا إلى بعض ما قيل، وكان مهيار يعرف ما يقال عنه، فكان يبتسم مشفقاً على القائلين، ثم لا يلبث أن يخاطبهم محدداً أسباب غيظهم ودوافعه طالباً من الله أن يكون الحكم فيلعن المداجى والكاذب ويعذبهما:
| … من معشر لما مدحتك غظتهم | فتناوشوا عرضي وشانوا شانيا | |
| لما رأوا ما غاظ مني شنعوا | حاشاك أني قلت فيك مداجيا | |
| والله ينصب لعنه وعذابه | من قال فيك ومن يقول مرائيا |
7ـ هم الشعر
ويتّضح، من خلال هذا كله، أن مهيار لا يناهض العرب، كما أنه لا يناصر الفرس، وإنما يتّخذ مواقف تنبثق من رؤية إنسانية للعالم والحياة واضحة وشاملة وعميقة، وترتكز رؤيته على إيمان عميق بمبادىء الإسلام الذي فكّ أسره وهداه وجعله إنساناً ذا قيمة ومعنى في هذا الوجود. وكان يريد لشعره أن يعادل هذه الرؤية فنياً وينقلها لآخرين، كما بدا لنا من تأكيده على عزمه نصرة مبادئه بشعره ولسانه.
وهذا يعني أن مهيار كان يرى أن للشعر تأثيراً في القلوب كبيراً قد يفوق تأثير السيوف القواطع:
| إن اللسان لوصَّالٌ إلى طرقٍ | في القلب لا تهتديها الذّبَّلُ الشُّرَّع |
وطالما كان للشعر مثل هذا التأثير في التغلغل إلى حنايا النفس الإنسانية، فإن الشاعر كان يجهد في صوغه شعراً جميلاً مؤثراً يصفه بقوله:
| وكالشجا قافية أسغتها | لو عارضت حنجرة البازل أطّ |
(أطّ: أَنَّ).
ويتّضح، من خلال قراءة نماذج من قصائد مهيار، أنه يملك مفهوماً للشعر يرى إليه بوصفه التعبير الصادق الجميل الذي يجسّد الرؤية وينقلها مؤثراً أشد تأثير.
وانطلاقاً من هذا الفهم للشعر كان مهيار يعنى بشعره عناية فائقة فيقول موجباً العناية به محدداً مصدره:
| وأحنّ عليه فإنه ولدٌ | أبوه قلبٌ وأمه خاطر |
وإن يكن الشعر في مثل هذا الموقع، كانت العناية به واجبة، وقد يرقى حب صون الشعر وعدم امتهانه إلى مستوى الواجب الديني:
| والشعر صنه، فالشعر، يحتسب | الله إذا لم يُصن على الشاعر | |
| لا تمتهنه في كل سوقٍ فقد | تربح حيناً وبيعك الخاسر |
وينسجم مهيار مع فهمه هذا فيصون شعره عن الهجاء والمديح الكاذب ويحصر أغراض شعره في شؤون حياته الخاصة من تهنئة وعتاب وشكر ووصف مقدماً لهذا كله بمقدمات وجدانية، وهو إن مدح أحداً فلا يقف على الأبواب ويمدح بما يراه مناقب تستأهل المديح، فيقول، على سبيل المثال في إحدى قصائده المدحية:
| ينصح الله والخلافة لا | يرفع في شهوة ولا يضع | |
| وزارة مذ أتيتها عاشت السنَّة | وماتت البدع | |
| تشهد لي أنها اليقين قضايا | الله والمسلمون والجمع |
وقد جعله هذا الفهم للشعر؛ مصدراً ووظيفة وتأثيراً يبتعد عن التقليد وبخاصة عن المقدمات الطللية فنسمعه يقول فيها:
| أجدك بعد أن ضمّ الكئيب | هل الأطلال إن سُئِلَت تجيب |
ويبدو مهيار، في قوله هذا، وكأنه يحثّ على الانصراف إلى موضوعات الحياة وقضايا الإنسان.
إن اللافت في شعر مهيار، وقد أشرنا إلى ذلك غير مرة، ولعلنا لاحظنا في الأبيات التي كنا نثبتها استشهاداً، هو فنية هذا الشعر المتمثلة في الصور وفي فنية الأسلوب وأناقته، نلمس هذه الفنية التي تبعد عن الصناعة البديعية وإن كانت تفيد منها صانعة ما يسمى بـ «سحر الألفاظ» المتكون من تضادها وتآلفها وتكرارها وتناغمها وتكونها موسيقى داخلية تلحظ في الكثير من المقاطع والأبيات.
والواقع أن الأمثلة على ما نذهب إليه كثيرة جداً، ونكتفي هنا على سبيل التمثيل فقط، إضافة إلى معظم ما اقبسناه استشهاداً في ثنايا قراءتنا هذه بذكر بعض الأبيات المشيرة إلى ما نذهب إليه ولنقرأ هذا البيت:
| أما ترون كيف نام وحمى عيني | الكرى، فلم ينم ظبي الحمى!؟ |
ونتوقف أمام هذه الألِف التي تتكرر وكأنها نفس طويل يتأوه أو كأنها امتداد مدى يرتسم في الأفق، بانتظار إطلالة، ويقوم الانتظار قلقاً ومتقطعاً، فلنر كي نحسّ بذلك إلى هذه المحطات التي نتوقف عندها في هذا المدى الممتدّ بعيداً، «… حمى»، «… الكرى»، «… الحمى»، إنها محطات نرقب فيها إطلالة هذا الظبي في انتظار يطول فيه السهر والتأوه، والتطلع إلى البعيد…
لا نريد الإطالة، وإنما هي بعض إيحاءات هذا البيت الذي لم نبحث عنه كي نجده، إذ أن أمثاله كثيرة في ديوان مهيار الضخم.
ولنقرأ هذه الأبيات متوقفين لدى «سحر الألفاظ» وروعة الصور وسموّ العاطفة وعمقها:
| أعير المنادي باسمها السمع كله | على علمه أني بذاك مريب | |
| وكم لي في ليل الحمى من إصاخة | إلى خبر الأحلام وهو كذوب | |
| وما حبّ مي غير بردٍ طويته | على الكره طيّ الحرث، وهو قشيب | |
| أحين عسا غصني طرحت حبائلي | إليّ، فهلاّ ذاك وهو رطيب | |
| وما كان وجهه يوقد الهم تحته | لتنكر فيه شيبةٌ وشحوب |
كثيرةٌ هي خطوب الدهر التي توقد الهم، مر بنا عيش مهيار لبعضها ويضيف إليها، في هذا المقام، همٌّ جديدٌ، وهو همّ الشعر الذي يقول عنه مهيار، مخاطباً أحد الوزراء:
| وتحمون البلاد وفي ذراكم | حريم الشعر منتهكٌ سليب |
همّ الشعر أو حماية الشعر من الانتهاك والسلب همٌّ مؤرقٌ كبيرٌ، وبخاصة لمن يمتلك رؤية ويلتزم مبادىء ويريد لشعره أن يكشف عن أضواء هذه الرؤية وأن ينبثق عن هذه المبادىء. إن من يحمل هذا الهم يغدر، في زمن مثل زمن مهيار، مثل هذا الذي يصوره الشاعر بقول:
| أما جنى خيراً له آدابه | أعاذكن الله من شر الأدب | |
| هو الذي أخرني مشارف السبق، | فأظما شفتي على القرب | |
| تجمع بين الماء والنار يدٌ | وما جمعت الرزق والأديبا |
ولا يرى مهيار هذا أمراً عجباً، فيقول وكأنه يعزي نفسه:
| لا تحسب الهمة العلياء موجبةً | رزقاً على قسمة الأقدار لم يجب | |
| لو كان أفضل من في الناس أسعدهم | ما انحطّت الشمس من عالٍ عن الشهب |
8ـ غريبٌ في باب الله
إنه إيمان بالقدر، ومثل هذا الإيمان قد يجعل الوحدة والغربة ممكنتين تظمأ شفتا مهيار على القرب… تروقنا الصورة الحسيّة المنتزعة من صميم الحياة ونكاد نصرخ ما أروعها، ولكننا ندرك أن ما يمتاز به من مواهب ومناقب ورؤى أوصله إلى هذا الظمأ، وعندما يمدّ يده إلى الخلّان يصاب بالخيبة، ويعبر عن خيبته في صورة رائعة أخرى منتزعة من صميم الحياة أيضاً فيقول:
| تستحفل الضرع فإن لامسته | عاد بكيئاً جلده بلا حلب |
إن إنساناً يعيش مثل هذا الواقع يحس أن عاده أحدهم في مرض أو تفقّده كأحمد بن عبدالله الكاتب أن هذا صنيعٌ غريبٌ، فيخاطبه عندما يفعل هذا:
| … ولا تعدم الدنيا بقاءك وحده | فإنك في هذا الزمان غريب |
يسلم الشاعر أمره للدهر، ثم نلحظ في أبيات كثيرة عدم اهتمامه بأمور الدنيا مثل قوله:
| تلاعبت بي يا دهر تركتني | وسيّان عندي جدّ خطبٍ ولعبه |
ولكننا نلاحظ أيضاً أن استسلام مهيار ليس استسلاماً عبثياً يائساً، وإنما هو يسير مسلّماً أمره، في رحلة هذه الحياة ذات فضاء الله الواسع ، كما يقول:
| وقلت: باب الإله إن ضقت مفتوح، | وهذا الفضاء متسع |
9ـ كلمة أخيرة
وأعتقد أننا، من خلال هذه القراءة السريعة في ديوان مهيار الديلمي استطعنا ان نشير إلى مكونات أساسية في شخصيته وإلى عناصر مركزية في رؤيته، فضلاً عن إماطتنا اللثام عن بعض المشكلات وقد يكون في هذا الصنيع مدخلاً لدراسات أرحب تحيط وتتعمق، ومهيار بهذا جدير.
رأي في مهيار الديلمي
يقول حسن الأمين: كان المؤرخ المصري الدكتور محمود علي مكي قد نشر بحثاً عن التشيع في الأندلس، فكتبت إليه بملاحظاتي على ما كتب، فأرسل إليّ رسالة تعرض فيها لذكر مهيار قال فيها:
«كان موضوع التشيع يستهويني إذ كنت منشغلاً به، وذلك منذ تخرجي من كلية الآداب في جامعة القاهرة كنت متوفراً على دراسة شاعر ما زال في نفسي حنين إلى العودة إليه، شاعر ما زلت أعتبره أعظم شعراء العربية على الإطلاق، هو مهيار الديلمي الذي كنت في ذلك الوقت أحفظ معظم ديوان شعره، ولست أنفك حتى الآن أردّد النظر في قصائده ولا سيما شيعياته التي أعتبرها من غرر شعر العقائد بما فيها من حرارة العاطفة ونصاعة البراهين والمقدرة على الحجاج، وما زلت حتى الآن أترنّم في الأوقات التي أخلو فيها إلى نفسي بعينيته»:
| هل بعد مفترق الأظعان مجتمع | أم هل زمان بهم قد فات يرتجع |
أو بداليته:
| بكى الناس ستراً على الموقد | وغار يغالط في المنجد |
أو بلاميته:
| سلا من سلا من بنا استبدلا | وكيف محا الآخر الأولا |
راجع المهياريات
الأزهر
الجامع الأزهر من غرس الدولة الفاطمية، أينع ثمره، وتجددت نضرته، على كرّ العصور وما زال بعد نيف وألف عام أعظم الآثار الباقية التي خلفتها الدول الإسلامية بمصر.
وكان قيام الأزهر في نفس الوقت الذي قامت فيه الدولة الفاطمية ذاتها، أنشأ غداة ظفرها بملك مصر، وغداة قيام القاهرة عاصمتها الجديدة، بعد أن سطع مدى قرنين، ومحيت آثارها، ولكن الأزهر نجا من عواقب المحنة، واستطاع أن يخرج من غمر الانقلاب بعد فترة من الاعراض والركود سليماً قوياً، وأن يتابع حياته الطويلة، غير حافل بما يعترضه من الصعاب والعثرات.
وكان الفتح الفاطمي لمصر في عهد المعز لدين الله رابع الخلفاء الفاطميين بالمغرب. ودخلت الجيوش الفاطمية مدينة مصر (الفسطاط) بقيادة جوهر الصقلي في السابع عشر من شعبان سنة 358هـ (7 يوليه سنة 969م)، وشقّها الجيش الظافر عند مغيب الشمس، ثم عسكر في الفضاء الواقع تجاهها نحو الشمال الغربي، وفي نفس الليلة وضع القائد جوهر تنفيذاً لأوامر سيده المعز، أول خطة في مواقع المدينة الجديدة التي اعتزم الفاطميون إنشاءها، لتكون لهم في مصر قاعدةً ومعقلاً، وحفر أساس قصرٍ جديدٍ في نفس الفضاء الذي نزل فيه جيشه فكان هذا مولد القاهرة المعزية. واختطّت القبائل حول القصر كل قبيلة
خطة عرفت بها، وأقيم حولها جميعاً سور منيع، وسميت المدينة الجديدة بالقاهرة تفاؤلاً وتيمّناً بالنصر([757]) وقيل إن جوهراً سمى المدينة الجديدة أولاً بالمنصورية، فلما قدم المعز إلى مصر غيّر اسمها وسماها القاهرة. وقيل إن المعز حينما وجّه الخطاب إلى جوهر وهو على رأس الجند الذاهب إلى مصر قال له: «ولتدخلن إلى مصر بالأردية من غير حرب، ولتنزلن في خرابات ابن طولون، وتبني مدينة تسمى القاهرة تقهر الدنيا»([758]).
وأقيم بالعاصمة الجديدة مسجد جامع، وبدىء بإنشائه في 24 من جمادى الأولى سنة 359هـ (ابريل سنة 970م). وإلى هذا التاريخ أيضاً يرجع بعض المؤرخين نشأة القاهرة المعزية. بيد أننا نرى مع المقريزي أعظم مؤرخي الخطط المصرية، أن مبعث القاهرة يرجع إلى وضع خططها الأولى، ووضع أساس القصر الفاطمي في شعبان سنة 358([759]). ولم يكن ذلك المسجد الجامع الذي أنشأه جوهر الصقلي في القاهرة المعزية إلى جانب القصر الفاطمي سوى ذلك الجامع الشهير ـ الجامع الأزهر ـ الذي قدّر له أن يشاطر المدينة العظيمة حياتها المديدة، وأن يبقى على مَرِّ الدهر أثراً خالداً للدولة التي شادته.
وتمّ بناء الجامع الأزهر في عامين وثلاثة أشهر، وافتتح للصلاة في يوم الجمعة السابع من رمضان سنة 361هـ (972م). وكانت الحكمة واضحة في إنشاء المسجد الجديد، بل كانت أشد وضوحاً في المقصد والمغزى من أية فرصة سابقة، فقد كانت الدولة دولة الخلافة الفاطمية، وكان الجامع الأزهر أول مسجد أقامته الشيعة الفاطمية بمصر. ومن ثم فقد كان قيام الجامع الأزهر رمزاً لسيادة دعوة مذهبية هي الدعوة الفاطمية([760]) كما كانت القاهرة المعزية رمزاً لظفر الدولة الجديدة وسيادتها.
والظاهر أن اسم (الأزهر) أطلق على الجامع بعد إنشاء القصور الفاطمية في عصر العزيز بالله، فقد كان يطلق عليها اسم الزاهرة، ومنها أطلق على جامع القاهرة وهو مسجد الدولة الرسمي اسم الجامع الأزهر وأما أصل التسمية فالظاهر أنها ترجع إلى اسم السيدة فاطمة الزهراء إبنة رسول الله (ص).
وما زال الجامع الأزهر يحتل الموقع الذي أقيم فيه منذ ألف عام، وما زالت فيه بقية من المنشآت والنقوش الفاطمية الأولى تحتل مكانها الأول داخل الصرح القائم، وهي تكاد تبلغ نصف المسجد الحالي([761])، ومن ذلك القبة التي برأس المجاز، وهي ترجع إلى عصر الخليفة الحافظ لدين الله، وبها نقوش وكتابات كوفية جميلة، وكذلك توجد بعض كتابات وزخارف ترجع إلى عصر الحاكم بأمر الله، كما توجد زخارف وكتابات فاطمية حول الشبابيك الجصية التي بالجانب الشرقي، والجانبين القبلي والبحري. وقد وفقت إدارة الآثار العربية منذ عهد قريب إلى الكشف عن رأس المحراب الفاطمي القديم، وقد كان مغطى بغطاءٍ خشبيٍّ يرجع إلى عصر الملك الظاهر بيبرس، فظهرت بانتزاعه زخارف ونقوش فاطمية، يرجح أنها ترجع إلى عهد إنشاء المسجد الأول، أعني إلى عهد جوهر والمعز.
كان الجامع الأزهر وقت إنشائه يتوسط العاصمة الفاطمية الجديدة، على النحو الذي كان متبعاً في إنشاء القواعد الإسلامية الأولى، ويقع على مقربة من القصر الفاطمي الكبير، المسمى بالقصر الشرقي، وقد كان يقع يومئذٍ غرب المكان الذي يقوم عليه المسجد الحسيني الآن. وكانت القصور الفاطمية أو القصور الزاهرة المكونة من القصر الشرقي الكبير وملحقاته، والقصر الغربي الصغير، والميدان الشاسع الواقع بينهما والمسمى بميدان بين القصرين، تكون مع الجامع الأزهر وما بينهما من الأبنية والساحات، المدينة الفاطمية الملوكية ومن حول هذه المدينة الملوكية تقع خطط القبائل والجماعات الفاطمية المختلفة. وما زالت القاهرة المعزية الأولى تحتفظ بقسطٍ من معالمها القديمة. وفي وسعنا أن نحددها اليوم مما بقي من هذه المعالم، فقد كانت تحدّ من الشمال بموقع بابي النصر والفتوح وما يليهما، ومن الجنوب بموقع باب زويلة وما يليه، ومن الجهة الشرقية بموقع باب البرقية والباب المحروق المشرفين على الجبل، ومن الجهة الغربية بموقع باب السعادة، وما يليه حتى شاطىء النيل الشرقي، وقد كان يجري يومئذٍ على مقربة من أسوار المدينة الغربية([762]).
المعز لدين الله ووزيره جوهر
والآن يجدر بنا أن نذكر شيئاً عن ذينك الرجلين العظيمين اللذين يرتبط أسماهما إلى الأبد بإنشاء تلك المؤسسة الدينية والعلمية الكبرى، أعني المعز لدين الله ووزيره وقائده جوهر الصقلي.
الجامع الأزهر
قال الدكتور حسن إبراهيم حسن والدكتور طه أحمد شرف في كتابهما (المعز لدين الله): أبلى الفاطميون بلاءً حسناً في إصلاح حال رعيّتهم وفي النهوض بدولتهم، ليس فقط في بلاد المغرب بل في مصر أيضاً. فقد كانوا يتوخّون الإصلاح ويهدفون إلى توحيد كلمة العالم الإسلامي بوجه عام وكلمة العالم العربي بوجهٍ خاص، الأمر الذي يجعلنا نقطع بأن المعز لدين الله يعتبر من أكبر المصلحين المسلمين، ومن أكبر أنصار الوحدة العربية والإسلامية.
وفي الحق أن فكرة جمع العالم الإسلامي وتوحيده تحت راية العلويين فكرة متأصلة في نفوس هؤلاء منذ أيام علي بن أبي طالب نفسه. فقد اعتقد علي وأبناؤه ثم أحفاده من بعدهم، وأنصارهم من الشيعيين بأن عليهم رسالة تحتّم عليهم جمع كلمة المسلمين ولمّ شملهم تحت لواء واحد، ولا سيما بعد أن بدأ التفرق يسود هذا العالم الكبير في العصر العباسي الثاني، حيث أسلس العباسيون قيادهم للغرباء. ومعنى ذلك أن الفاطميين كانوا أسبق الناس إلى المناداة بالوحدة العربية.
والشيء الذي يلفت النظر حقاً في أمر الفاطميين وأجدادهم هو تركيزهم الجهود في جمع كلمة العالم العربي أولاً، ثم العالم الإسلامي ثانياً. لذلك نراهم في دور استتارهم يتّخذون من البلاد العربية مكاناً لاختفائهم حتى إذا أتيحت لهم الفرصة ظهروا منه لتحقيق أملهم في سيادة العالم الإسلامي، فنرى عبيدالله المهدي([763]) وأسلافه يتّخذون من سلمية في سوريا مستقرّاً ومقاماً وينشرون دعايتهم في العالم العربي وفي سائر العالم الإسلامي. ومع ذلك كان المهدي وأسلافه قد عقدوا العزم على قيام الدولة الفاطمية في البلاد العربية ولم يفكروا في إقامة دولتهم المنشودة في غيرها برغم كثرة أشياعهم فيها، وإنما عوّلوا على إقامتها في اليمن ولما استحال عليهم ذلك بعد أن كاد أمرهم يفتضح هناك قصدوا المغرب وأقاموا دولتهم فيه، وبتعبير آخر كان الأئمة الفاطميون في دور استتارهم يعتمدون على العرب في تأسيس دولتهم التي يرمون من ورائها إلى سيادة العالم العربي فالعالم الإسلامي.
ولم يلبث المعز لدين الله أن وحّد بين تونس وبين المغربين الأوسط والأقصى (الجزائر والمغرب) ثم أخذ يوجّه جهوده نحو المشرق فأخضع المغرب الأدنى (ليبيا) ثم وجّه همّه لضمّ مصر إلى شمال إفريقية ليكتمل بها عقد الوحدة العربية الإفريقية.
نعم، كان الفاطميون قوماً تقدميين على الرغم من الاتهامات الكثيرة التي رماهم بها أعداؤهم، وكانوا يقصدون الوحدة الإسلامية والوحدة العربية على سواء ولكن اهتمامهم بالوحدة العربية كان قبل اهتمامهم بالوحدة الإسلامية لأنهم لو استطاعوا توحيد العالم العربي لأمكنهم توحيد سائر العالم الإسلامي ولأعادو للعروبة مجدها وللإسلام عزته. وهذا يفسر لنا لماذا أتمّ المهدي توحيد بلاد المغرب ثم قصد إلى مصر وبعث إليها بثلاث حملات، كما حاول أن يجتذب الإخشيد إليه بزواج وليّ عهده القائم من ابنته.
استطاع المهدي برغم إخفاقه في إتمام فتح مصر أن يورث خلفاءه من بعده مهمة توحيد العالم العربي كخطوة لتوحيد العالم الإسلامي.
وكان المعز لدين الله الفاطمي خير من يضطلع بهذه المهمة فعمل على تنفيذها فقرّ رأيه أن يجعل من جميع بلاد شمالي إفريقية كتلة لا يستطيع الغربيون النيل منها ولم يتحالف على الأمويين في الأندلس بل تركهم برغم اختلافهم وإياه في المذهب الديني ليكونوا قوة أمام الأوروبيين الذين يراهم العدو الحقيقي.
يدل على ذلك أن المعز وقف من البيزنطيين حين غزوا جزيرة كريت (أقريطش) في منتصف القرن الرابع الهجري موقفاً عدائياً صريحاً مع أنها كانت تابعة للعباسيين، واعتبر أن نصرة العرب في تلك الجزيرة واجب عليه وعلى كل المسلمين، لذلك نراه يرسل لأبي الحسن علي الإخشيد في مصر يحثّه على الاشتراك مع جيوش الفاطميين في استرداد هذه الجزيرة، ويبين له أن اختلافه وإياهم في المذهب الديني لا يحول دون ذلك لأنهم جميعاً عرب مسلمون وأنهم جميعاً أعداء للبيزنطيين.
يدل على صدق هذا قوله: في الرسالة التي بعث بها إلى أبي الحسن علي الإخشيد يطلب إليه إنجاد مسلمي إقريطش (كريت) قال المعز:
وقد انتهى إلينا أنك أظهرت الحركة إلى الجهاد وإمداد هؤلاء القوم بمراكب من قبلك وأنت لعمري بذلك أجدر لقربهم منك واتصالهم بك وميرتهم بلدك، وكونهم وإياك في دعوة واحدة. ولو أسلمناهم إليك وقعدنا عنهم لما كان لك ولا لهم علينا حجة في ذلك ولكننا آثرنا نصرة أمة جدنا محمد (ص) ولم نر التخلف عن ذلك … ونحن لا نحول بينك وبين الجهاد في سبيل الله ولا نمنعك من تمام ما أملت منه، فلا يكن ما يتصل بك من إنفاذ أساطيلنا يريثك([764]) عن الذي هممت به من ذلك وأن تخشى على من تبعث به وعلى مراكبك منا، فلك علينا عهد الله وميثاقه أن لا نكون معهم إلا بسبيل خير، وأن نحلّهم محل رجالنا ونجعل أيديهم مع أيدينا ونشكرهم فيما أفاء الله إن شاء الله، ثم ينصرفوا إليك على ذلك، فاعلم ذلك وثق بنا. ففي ذلك تضافر المسلمين على عدوهم واجتماع كلمتهم وإعزاز لدين الله وكبت لأعدائه، فقد سهلنا لك السبيل والله على ما نقول وكيل.
فإن وثقت بذلك ورأيت إيثار الجهاد فاعمل أن تنفذ مراكبك إلى مرسى (طبنة) من أرض برقة لقرب هذا المرسى من جزيرة أقريطش (كريت)، ويكون اجتماعهم مع اساطيلنا بهذا المرسى في مستهلّ ربيع الآخر (سنة 350هـ) بتوفيق الله وقوته وتأييده ونصره وعونه. وأن لا ترى ذلك فقد أبلغنا في المعذرة إليك والنصيحة لك وخرجنا مما علينا إليك.
ونحن بحول الله وقوته وتأييده ونصره وعونه مستغنون عنك وعن غيرك، وعلى عزم وبصيرة في إنفاذ أساطيلنا ورجالنا وعدّتنا، وما خوّلنا الله إياه وأقدرنا عليه، مما نرى أننا بحوله وقوته نبلغ به ما نؤم إليه بذلك ونصمد نحوه، فبالله نستعين وعليه نتوكل وعلى تأييده نعول وهو حسبنا ونعم الوكيل([765]).
ولم يكتف المعز بذلك بل أرسل إلى أمبراطور الدولة البيزنطية نفسه يحذره من مغبّة عمله ويفهمه أن الدولة الفاطمية سوف تستردّ جزيرة أقريطش باعتبارها جزءاً من بلاد العالم الإسلامي الذي أخذ الفاطميون على عاتقهم المحافظة عليه ورفع شأنه لذلك يقول له: «فإقريطش وغيرها من جميع الأرض… بما خوّلنا الله منها وأقامنا له فيها، أطاعنا فيها من أطاعنا وعصانا من عصى، وليس بطاعتهم يجب لنا أن نملك ولا بعصيانهم يحق لنا أن نترك».
إلى أن يقول: «وعهدك إن تماديت على حرب من أناب إلينا منبوذٌ إليك. فانظر لنفسك ولأهل ملتك، فإنا مناجزوك وإياهم الحرب بعون الله وتأييده ولا حول ولا قوة إلا بالله».
يقول المعز كل ذلك لأنه كان يعتقد أنه صاحب رسالة هي رسالة الوحدة العربية والوحدة الإسلامية «انتهى بعض ما قاله الدكتور حسن إبراهيم حسن والدكتور طه أحمد شرف».
ويعلق الكاتبان على عدم نجاح المعز بتوحيد العالم الإسلامي كله بأن ذلك بسبب ما أثار عليه المتسلطون من ثورات كثورة القرامطة وثورة القائد التركي أفتكين، وبما نشروه من أراجيف ضد الفاطميين وما سعوا إليه من تشويه عقائدهم. «انتهى» ونترك الكلام هنا للأستاذ محمد عبدالله عنان:
كان الخلفاء الفاطميون منذ استقرّ ملكهم بالمغرب يتطلعون إلى امتلاك مصر جارتهم من الشرق، لا توسيعاً لملكهم الفتي فحسب، ولكن بالأخص لأن مصر كانت لخصبها وغناها، ومواردها الزاخرة، وموقعها المتوسط في قلب العالم الإسلامي، تصلح أن تكون مثوى مملكة عظيمة، لا يتأتّى قيامها في هضاب المغرب المجدبة. ووجه الفاطميون منذ عهد المهدي، أول خلفائهم، إلى مصر عدة حملات قوية لافتتاحها، ولكنها أخفقت جميعاً في تحقيق هذه الغاية. فلما تولّى المعز كانت مصر قد انتهت بعد وفاة أميرها كافور الإخشيدي (سنة 357هـ)، إلى حال يرثى لها من الضعف وتفرّق الكلمة واضطراب الأمور. ورأى المعز الفرصة سانحة لتحقيق مشروع آبائه في افتتاح مصر، وأيقن مما وقف عليه من رسله ودعاته أنه لن يلقى في افتتاحها كبير مشقة أو معارضة. وكانت الدولة الفاطمية قد بلغت أوجهاً من القوة والفتوة. فجهز المعز لفتح مصر جيشاً عظيماً عهد بقيادته إلى وزيره وقائده جوهر الصقلي. وكان جوهر مملوكاً من أهل صقلية كما يدل عليه لقبه ـ وكانت صقلية يومئذٍ تحت حكم المسلمين ـ فضمه المعز إلى باطنته، وكنّاه بأبي الحسين، وعني بتربيته وتثقيفه في شؤون البلاط والدولة، وقدّر مواهبه وخلاله، فولّاه وزارته ثم اختاره لقيادة جيوشه. وبرز جوهر في الحرب والقيادة كما برز في السياسة والإدارة، فغزا المغرب الأقصى واخترقه ظافراً حتى ساحل المحيط الأطلنطي. ثم اختاره المعز ليسير إلى فتح مصر، فسار إليها من القيروان في ربيع الأول سنة 358هـ، وبلغت الحملة الفاطمية إلى مصر على قول بعض الروايات مائة ألف فارس غير الجند المشاة([766]). ولابن هانىء الأندلسي([767]) قصيدة رائعة يصف فيها خروج الحملة الفاطمية إلى مصر وفيها يقول مخاطباً جوهر:
| رحلت إلى الفسطاط أول رحلة | بأيمن فأل في الذي أنت تجمع | |
| فإن يك في مصر ظماء لمورد | فقد جاءهم نيل سوى النيل يهرع |
ووصل جوهر في جيشه الضخم إلى مصر في أوائل شعبان سنة 358هـ وهزم جند الإخشيدية التي تصدّت لمقاومته، بعد معارك يسيرة ودخل مدينة الفسطاط في ركبه المظفر في عصر يوم الثلاثاء 17 شعبان سنة 358هـ (7 يوليو سنة 969م) وعليه ثوب ديباج مثقل، وتحته فرس أشقر([768]). وشقّ المدينة ونزل في البسيط الشاسع الذي يقع في ظاهرها. وهنالك وضع في الحال خطط العاصمة ـ ثم عني بإنشاء جامعها الأزهر كما أسلفنا.
وبعث جوهر البشرى إلى مولاه المعز بالفتح العظيم، فوصلته في منتصف رمضان، وأنشد ابن هانىء بهذه المناسبة قصيدة مطلعها:
| يقول بنو العباس هل فتحت مصر | فقل لبني العباس قد قضي الأمر | |
| وقد جاوز الإسكندرية جوهر | تصاحبه البشرى ويقدمه النصر |
وتولّى جوهر زمام الأمور في مصر. وفي الأمان الذي أصدره لأهل مصر تحقيقاً لرغبة زعمائها، ما يدل على حزمه وبعد نظره.
وفيه يطمئن جوهر أهل مصر، ويؤكد لهم أن الخلافة الفاطمية لا تقصد بغزو مصر سوى حمايتها والذّود عنها، «بعد أن تخطفتها الأيدي، واستطال عليها المستذل»، وينوّه بما آلت إليه شؤونها من الاضطراب والفوضى، وما يعانيه الشعب من مظالم ومتاعب، وما يزمعه أمير المؤمنين من إقامة العدل وتأييد الشريعة وإصلاح المرافق والشؤون. وأمر جوهر في الحال بقطع الدعوة العباسية من منابر مصر والشام، وحرّم لبس السواد شعار بني العباس، وأقيمت الدعوة الفاطمية في مصر في ذلك التاريخ، بعد أن لبثت تنضوي تحت لواء الدعوة العباسية زهاء قرنين وربع. وأمر جوهر أيضاً بأن يؤذن «بحي على خير العمل». واستمر زهاء أربعة أعوام يدير شؤون القطر الجديد بحزم وبراعة. ولما توطدت الأمور، وتمّ بناء العاصمة الجديدة في منتصف سنة 360هـ وإعدادها لنزول الخليفة، قدم المعز لدين الله إلى مصر بأهله وبطانته وجيوشه وأمواله، ودخلها في السابع من رمضان سنة 362هـ (15 يونيه سنة 973م) ونزل بالقاهرة في القصر الكبير الذي أعدّ لنزوله([769])، وتولى شؤون مملكته الجديدة بنفسه، واستبقى جوهراً في قيادة الجيش([770]) ومن ذلك الحين تغدو القاهرة عاصمة الدولة الفاطمية بدلاً من رقادة والمهدية، وتغدو ملاذ الدعوة الفاطمية، ومعقلها الحصين حتى انقراض الدولة الفاطمية في سنة 567هـ (1171م).
وكان جامع القاهرة (الجامع الأزهر) قد تمّ بناؤه وافتتح للصلاة في يوم الجمعة سابع رمضان سنة 361هـ (972م) كما تقدم، وفي ذلك اليوم أقيمت به صلاة الجمعة الرسمية لأول مرة. وكانت تقام قبل ذلك تارة بالمسجد الجامع (جامع عمرو)، وتارة بالجامع الطولوني.
ومن ذلك اليوم يتخذ الجامع الجديد صفته المذهبية الرسمية كمنبر للدعوة الفاطمية.
وقدم المعز لدين الله إلى مصر، يتّسم بسمة الملك، ويبدو في مواكبه وشعائره الدينية حريصاً على مظاهر الإمامة ورسومها. وقد سجل لنا الفقيه المؤرخ الحسن بن زولاق المصري مؤرخ سيرة المعز كثيراً من المظاهر التي يتّشح بها المعز بثوب الإمامة، ويبدو إماماً دينياً أكثر من ملكاً سياسياً، في صلاته وفي خشوعه، وفي ركوعه وسجوده، وفي خطبه ومواعظه([771]).
ومنذ عهد المعز يحتفل الخلفاء الفاطميون بإقامة الصلوات في أيام الجمعة أو الأعياد في مختلف المواسم والماسبات، في جامع القاهرة أو الجامع الأزهر، وكثيراً ما كان الخليفة يؤم الناس ويخطب فيهم بنفسه، وكان المعز قدوتهم في ذلك، وكان خطيباً فصيحاً مؤثراً وكثيراً ما كان يبكي الناس بذلاقته وروعة وعظه([772]). ومن ذلك الحين يغدو الأزهر مسجد الخلافة الرسمي تقام فيه الصلوات الجامعة يوم الجمعة، وفي المواسم والمناسبات الدينية الهامة، وتقام فيه أيضاً إلى جانب الصلوات الرسمية طائفة من الحفلات.
ولم يطل عهد المعز لدين الله بمصر أكثر من عامين ونصف. وكان خطر القرامطة يهدد ملكه الجديد بين آونة وأخرى، وكانت الشام أول مسرح للنضال بين الفريقين، وفيها اضطرمت بينهما معارك عديدة رجحت فيها كفة القرامطة، وأذكى هذا الظفر عزم القرامطة فعوّلوا على غزو مصر وزحفوا عليها بالفعل مرتين: الأولى في أوائل سنة 361هـ والثانية في أواخر سنة 363هـ، واقتربوا في المرة الأولى من القاهرة عاصمة الخلافة الجديدة، وبذلت الجيوش الفاطمية بقيادة جوهر لردهم جهوداً جبارة، فارتدوا منهزمين إلى الشام. ومما ينسب إلى زعيمهم الحسن الأعصم في الإشارة إلى غزو مصر قوله:
| زعمت رجال الغرب أني هبتها | فدمي إذن ما بينهم مطلول | |
| يا مصر إن لم أسق أرضك من دم | يروي ثراك فلا سقاني النيل |
وتوفي المعز لدين الله في 14 ربيع الثاني سنة 635هـ (ديسمبر سنة 975م)([773])، وخطر القرامطة لا يزال يهدد مصر والشام. فخلفه ابنه العزيز بالله، أبو منصور نزار. واستمر جوهر في عهد العزيز على مكانته في الدولة، رجلها الأول وقائد جيوشها العام، وخاض مع القرامطة في الشام معارك أخرى، وغمره العزيز بعطفه وثقته، وتوفي في 33 ذي القعدة سنة 381هـ (فبراير سنة 992م) وقد جاوز الثمانين([774])، واحتفل بدفنه في تكريم بالغ وصلى عليه العزيز بنفسه، ورثاه شعراء العصر بقصائد رنانة، وخلع العزيز على ولده الحسين، وعيّنه مكان أبيه في القيادة، ولقبه بالقائد ابن القائد، واستمر على مكانته ونفوذه أيام العزيز.
وكان جوهر من أعلام الدولة الفاطمية وأقطاب مؤسسيها، وكان يتمتع بخلال باهرة من الذكاء والشجاعة والعزم وبعد النظر وإيثار العدل وحب الخير([775]).
البداية الجامعية
منذ نحو ألف عام يتمتع الأزهر بصفته الجامعية، وقد عرفته الأجيال المتعاقبة دائماً معهد للقراءة والدرس، كما عرفته دائماً مسجداً جامعاً.
وكانت مضت بضعة أعوام قبل أن يطبق الجامع الفاطمي الجديد السنن الجامعية، ويبدأ في القيام برسالته العلمية إلى جانب رسالته الدينية.
ففي صفر سنة 365هـ (أكتوبر 975م) في أواخر عهد المعز لدين الله، جلس قاضي القضاة أبو الحسن علي بن النعمان القيرواني([776]) بالجامع الأزهر، وقرأ مختصر أبيه في فقه آل البيت وهو المسمى بكتاب الاقتصار في جمعٍ حافلٍ من العلماء والكبراء، وأثبتت أسماء الحاضرين، فكانت هذه أول حلقة للدرس بالجامع الأزهر([777]). ثم توالت حلقات بني النعمان بالأزهر بعد ذلك. وكان بنو النعمان من أكابر علماء المغرب الذين اصطفتهم الخلافة الفاطمية وجعلتهم دعامتها وألسنتها الروحية، فلحقوا بها إلى مصر، واستأثروا في ظلها برئاسة القضاء زهاء نصف قرن.
وكانت هذه أول حلقة للقراءة والدرس بالجامع الأزهر، ولم يكن مضى على إنشائه سوى ثلاثة أعوام ونصف، وكانت هذه بداية ضئيلة لحركة دراسية متواضعة. بيد أنها كانت بداية جامعية في معنى من المعاني. وفي أوائل عهد العزيز بالله حدث بالجامع الأزهر حادث جامعي آخر. ففي رمضان سنة 369هـ (980م) جلس يعقوب بن كلس وزير المعز لدين الله ثم وزير ولده العزيز من بعده بالجامع الأزهر، وقرأ على الناس كتاباً ألّفه في الفقه الشيعي على المذهب الفاطمي، متضمناً ما سمعه في ذلك من المعز لدين الله وولده العزيز، وهو المعروف «بالرسالة الوزيرية» نسبة إلى مؤلفها الوزير.
وكان يجلس لقراءته بنفسه في الناس خاصتهم وعامتهم، ويهرع إلى سماعه سائر الفقهاء والقضاة والأدباء وأكابر القصر والدولة، وأفتى الناس يومئذٍ بما فيه([778]). وكان ابن كلس شخصية ممتازة تجمع بين السياسة والعلم، وكان نصيراً كبيراً للعلماء والأدباء، وكان يعقد مجالسه الفقهية والأدبية تارة بالجامع الأزهر، وتارة بداره الخاصة، فيهرع إليها العلماء والطلاب من كل صوب.
وكانت مجالس ابن كلس في الواقع أول مجالس جامعية حقيقية عقدت بالجامع الأزهر.
والظاهر أن الوزير ابن كلس هو أول من فكر في اتخاذ الجامع الأزهر معهداً للدراسة المنظمة المستقرة. وعلى أيٍّ فهو أول من فكر في تنفيذ هذا المشروع الجامعي.
وفي سنة 378هـ (988م) عيّن العزيز بالله بالأزهر جماعة من الفقهاء للقراءة في كل جمعة من بعد الصلاة حتى العصر، وكان عددهم سبعة وثلاثين فقيهاً وكان جلّ حديثهم في الفقه وما اليه ورتب لهم العزيز أرزاقاً وجرايات شهرية حسنة، وأنشأ لهم داراً للسكنى بجوار الأزهر، وخلع عليهم في يوم عيد الفطر وحملهم على بغلات تشريفاً لهم وتكريماً، وأجرى عليهم ابن كلس أيضاً أرزاقاً من ماله الخاص([779]).
وهنا نجد أنفسنا أمام حدث جامعي حقيقي. فقد كان أولئك الفقهاء الذين أقرهم العزيز بالله أول فوج من الأساتذة الرسميين الذين عينوا بالجامع الأزهر، وأجرت عليهم الدولة أرزاقاً ثابتة، وباشروا مهمتهم العلمية تحت إشراف الدولة بطريقة منظمة مستقرة، وإذاً فنحن نستطيع هنا أن نقول ان الأزهر يكتسب عندئذٍ لأول مرة صفته العلمية الحقيقية كمعهد للدراسة المنظمة، وأنه يبدأ حياته الجامعية الحافلة المديدة.
الأزهر ودار الحكمة
ـ1ـ
وفي العاشر من جمادى الآخرة سنة 395هـ (مارس سنة 1005م) أعني لنحو خمسة وثلاثين عاماً من قيام الجامع الأزهر أنشأ الحاكم بأمر الله ولد العزيز بالله دار الحكمة أو دار العلم لتكون جامعة مستقلة. وكانت تعقد قبل ذلك بالقصر وأحياناً بالأزهر، مجالس تسمى مجالس الحكمة، ينظمها قاضي القضاة وتقرأ فيها علوم آل البيت، ويهرع الناس إلى شهودها، وتخصص فيها مجالس للخاصة ومجالس للكافة وأخرى للنساء. ولكن الحاكم بأمر الله رأى أن تكون هذه المجالس أوسع مدى، وأن تنظم في سلك حلقات دينية وعلمية متصلة يجمعها معهد رسمي واحد، فأنشىء المعهد الجديد وأطلق عليه دار الحكمة أو دار العلم.
ولهذه التسمية مغزى يدل على الاتجاه الفلسفي الحر الذي أريد أن يتخذه هذا المعهد أو بالحري هذه الجامعة الغريبة. ذلك لأن دار الحكمة كانت جامعة حقة، تضم عدة حلقات وكليات دينية وعلمية وأدبية وأفردت للجامعة الجديدة دار كبيرة ملاصقة للقصر الصغير بجوار باب التبانين تعرف بدار مختار الصقلبي، وقسمت إلى عدة أقسام أو مجالس لعلوم القرآن والفقه وعلوم اللغة والفلك والطب والرياضة والتنجيم وغيرها، وعيّن لها أقطاب الأساتذة في كل علم وفن. وعني بتأسيسها وزخرفتها عناية فائقة، وحملت اليها من خزائن القصر مجموعات عظيمة من الكتب في سائر العلوم والفنون، لتكون رهن البحث والمراجعة، ورصدت للإنفاق عليها وعلى أساتذتها وموظفيها وخدمها أموال ضخمة. وخصّها الحاكم بجزء من ريع أملاكه التي وقفها على بعض مساجد القاهرة ومعاهدها، وخصّ فيها الجامع الأزهر أيضاً بجزء من هذا الريع. وكان التعليم فيها حرّاً على نفقة الدولة، ويمنح الطلاب والباحثون جميع الأدوات الكتابية، وأن يستمعوا إلى ما شاؤوا من الدروس والمحاضرات. وهرع الطلاب إلى دار الحكمة من كل صوب، وأفردت للنساء فيها مجالس خاصة. ويصف لنا المسبحي وهو مؤرخ معاصر وشاهد عيان، ما اتخذ لإنشاء دار الحكمة من عظيم الأهبة والعناية، وما اجتمع في مكتبتها العظيمة من نفائس المراجع والكتب «مما لم يجتمع مثله لأحد قط من الملوك». وكان الإشراف على مجالس الحكمة من شؤون قاضي القضاة، ثم عهد بها إلى زعيم ديني خاص يلي قاضي القضاة في الرتبة ويسمى داعي الدعاة([780]) وأنشىء لها بين وظائف الدولة ديوان خاص.
واستطاعت دار الحكمة في ظل الرعاية الرسمية أن تنمو بسرعة، ولم يمض سوى قليل حتى ازدهرت وسار ذكرها في الآفاق، وهرع إليها الطلاب من سائر الأقطار، وتبوأت مركز الزعامة في الدراسات العلمية والفقهية الممتازة في هذا العصر.
واجتذبت الجامعة الجديدة بشهرتها وأساليبها العلمية الخاصة كثيراً من أعلام الشرق. وكان الشاعر والرحالة الفارسي ناصر خسرو في مقدمة الوافدين على مصر في هذا العصر، وفد عليها سنة 439هـ (1048م) في أوائل عهد الخليفة المستنصر بالله، وانتظم حيناً بين تلاميذ دار الحكمة. يتلقى منهاجها على يد داعي الدعاة نفسه، وأثرت هذه الدراسة التي يشيد بها في ديوانه في نفسه أعظم تأثير، ولم يشد ناصر خسرو بذكر الأزهر كما أشاد بذكر دار الحكمة، وداعي الدعاة، وكان من تلاميذ دار الحكمة أيضاً الحسن بن الصباح مؤسس طائفة الإسماعيلية الباطنية الشهيرة، وفد على مصر في أواخر عهد المستنصر بالله، وتفقّه على أساتذة دار الحكمة.
والواقع أن قيام دار الحكمة لم يكن ناسخاً للدور الذي أخذ الأزهر في الاضطلاع به كمعهد للقراءة والدرس، وإنما كان متمماً لهذا الدور في معنى من المعاني. ذلك أنه بينما استمر الأزهر مركزاً للثقافة الدينية المحضة، إذا بدار الحكمة تعنى إلى جانب مهمتها في نشر علوم آل البيت، بتدريس علوم اللغة والطب والرياضة والمنطق والفلسفة وما إليها([781])، وبينما لبث الأزهر محتفظاً بطابعه الديني الخالص، إذا بدار الحكمة تغلب عليها الصبغة المدنية والفلسفية.
ـ2ـ
هكذا قامت معاهد الدراسات العالية في مصر الإسلامية في القرن الخامس الهجري. وكانت دولة التفكير والأدب في بغداد قد أخذت في الضعف والاضمحلال، وأخذت مصر الفاطمية تتأهب بدورها لرعاية التفكير الإسلامي في المشرق، وأخذت قاهرتها تجذب أنظار العلماء في المشرق والمغرب.
ولبثت دار الحكمة مدى قرن تنافس الأزهر في مهمته العلمية، وتتبوأ مكان السبق والزعامة في كثير من الأحيان. بيد أن عصر ازدهارها لم يطل، فقد اضطربت شؤون هذه الجامعة، وفتر نشاطها منذ منتصف القرن الخامس الهجري، وفقدت كثير من أهميتها أيام الخليفة المستنصر بالله، حينما اضطربت شؤون الخلافة الفاطمية، وسرت الفوضى إلى كل شؤون الدولة ومرافقها، وما زال أمرها في انحلال حتى انتهى أمير الجيوش الأفضل شاهنساه بإبطالها وإغلاقها في أوائل القرن السادس الهجري أيام الخليفة الآمر بأحكام الله (495 ـ 514هـ)، ثم أعادها المأمون البطائحي وزير الآمر بأحكام الله سنة 517هـ على نمط جديد، وعني فيها بتدريس القرآن وعلومه عناية خاصة، واستمرت زهاء نصف قرن آخر حتى نهاية الدولة الفاطمية. بيد أنها كانت في تلك الفترة معهداً عادياً لا يتمتع بكثير من أهميته القديمة.
نظم الدراسة والحلقات الجامعية
لبثت دار الحكمة كما رأينا عصراً تأخذ في توجيه الحركة الفكرية بقسط وافر. وكان الجامع الأزهر أثناء ذلك يقوم بمهمته العلمية، في ذلك المدى المحدود الذي أتيح له أن يعمل فيه حسبما بيّنا. بيد أنه كان يعمل في جو أكثر هدوءاً وانتظاماً، بعيداً عن تلك العواصف التي تضطرب لها الدراسة في دار الحكمة. وربما كان أثره لذلك أبعد في تكوين المجتمع الفكري يومئذٍ، خصوصاً منذ اضمحلّت دار الحكمة، ثم أغلقت في أوائل القرن السادس، وكان لإغلاق دار الحكمة بلا ريب أثره في نشاط الدراسة بالأزهر خصوصاً في علوم اللغة والعلوم التي كانت تستأثر بها دار الحكمة([782])، ونلاحظ أن صفة الأزهر كجامعة رئيسية للعاصمة الفاطمية أخذت تبدو من ذلك الحين بوضوح. ولم يكن لبعث دار الحكمة في عهد الآمر بأحكام الله كبير شأن، فكان الأزهر منذ أوائل القرن السادس في الواقع أهم معاهد التعليم والدراسة المنظمة في مصر الإسلامية.
ماذا كانت أنظمة الدراسة بالأزهر في تلك المرحلة من تاريخه؟ من الصعب أن نقدم عن تلك الأنظمة صورة دقيقة، وليس فيما لدينا من المصادر عنها أية رواية شافية. بيد أنه يلوح لنا من الإشارات الموجزة أن نظام الدرس بالأزهر، قد بدأ على نفس النمط التقليدي الذي كان متبعاً في مصر وباقي العواصم الإسلامية يومئذٍ، ونعني به نظام الحلقات الدراسية بمصر منذ القرن الثاني للهجرة. وكانت الفسطاط ومسجدها الجامع منذ القرن الأول مركزاً للدراسة الممتازة، وكانت هذه الدراسة في البداية فقهية دينية، وفي مهادها تخرّج جماعة من أقطاب الفقهاء والمحدثين مثل يزيد بن حبيب المتوفى سنة 138هـ، والليث بن سعد المتوفى سنة 175هـ، وعبدالله بن وهب المتوفى سنة 197هـ. وكانت هذه الحلقات على نوعين: عامة وخاصة. فأما العامة فكان مركزها بالأخص المسجد الجامع وكانت حلقاته يومئذٍ أشهر المجتمعات العلمية والأدبية العامة، وكان المسجد الجامع منذ إنشائه قلب الفسطاط الفكري، وقد قام بأعظم دور في تاريخ الحركة العقلية في مصر الإسلامية في القرون الأربعة الأولى للهجرة، وبين جدرانه كانت توجه حركة التفكير والآداب مدى عصور. ويبدو مما كتبه المؤرخون المعاصرون أن هذه الحلقات كانت دورية، وكانت منتظمة تعقد كل يوم تقريباً في المسجد الجامع، وأهمها ما كان يعقد في عصر يوم الجمعة، وكانت حلقات الجمعة تعتبر موسماً أسبوعياً حافلاً، يغصّ فيه المسجد الشهير بجمهرة الفقهاء والأدباء والقراء، وفيها كانت البحوث الكلامية، والمناظرات الأدبية، والمطارحات الشعرية، والرواية التاريخية، تنتظم في حركات خاصة([783]).
وكانت العلوم الدينية تحتل المكانة الأولى بين هذه الحلقات، وفي هذه الحلقات تخرّج معظم المحدثين والفقهاء بمصر الإسلامية، حتى أوائل القرن الرابع الهجري، وكان منها حلقة الإمام محمد بن إدريس الشافعي الشهيرة في خاتمة القرن الثاني وفاتحة القرن الثالث (198 ـ 204هـ)، وهي التي تخرّج فيها عدة من أقطاب المحدثين والفقهاء في هذا المعهد.
وأما الحلقات الخاصة، فكان يعقدها كبار الفقهاء والأدباء في منازلهم، ويقرؤون فيها دروسهم ومصنفاتهم على الأخصاء من أصدقائهم وتلاميذهم. وكان أشهر هذه الحلقات حلقة بني عبد الحكم([784])، وهم أسرة مصرية نابهة نبغ فيها عدة فقهاء ومحدثين في أوائل القرن الثالث([785]). وكانت حلقاتهم العلمية والأدبية تجذب أكابر العلماء الواردين على مصر من مختلف الأقطار. ولما قدم الإمام الشافعي إلى مصر استقبله بنو عبد الحكم، وأكرموا وفادته، ومهدوا له سبل الإقامة، وعاونوه على تنظيم حلقاته ودروسه وكانوا في مقدمة المنتفعين بعلمه وأدبه.
وفي أوائل القرن الرابع كانت حلقات الفسطاط العلمية والأدبية في أوج ازدهارها، واجتمع في هذه الفترة من زعماء التفكير والأدب في مصر الإسلامية عدة من الزعماء والأقطاب، منهم أبو القاسم بن قديد الفقيه والمحدث، وتلميذه أبو عمر الكاتب والشاعر، وأبو بكر الحداد قاضي مصر، وأبو القاسم بن زولاق المؤرخ الأشهر([786])، وكثيرون غيرهم. وكان المسجد الجامع يومئذٍ يموج بهذه الحلقات العلمية والأدبية الشهيرة. وفي هذه الفترة ذاتها كان الشاعر الأكبر أبو الطيب التنبي الذي وفد على مصر سنة 346هـ (957م) ليستظل بحماية الإخشيد، يعقد حلقاته الأدبية في مسجد يعرف بمسجد ابن عمروس، وهناك يجتمع إليه الأدباء والشعراء. وكانت حلقة المتنبي بلا ريب من أهم مجالس الشعر والأدب والفلسفة في هذا العصر([787]). وإلى جانب هذه الحلقات العامة المختلفة، كانت ثمة مجالس علمية وأدبية خاصة يعقدها الأمراء والكبراء أو تعقد تحت رعايتهم. فمثلاً كان الأمير محمد بن طغج (الإخشيد)([788]) وولده أنوجور، ووزيرهما الخصي النابه كافور، والوزيران أبوالفضل جعفر بن الفرات، والحسين بن محمد المارداني، من حماة العلوم والآداب، وكانت لهم أبهاء ومجالس علمية يؤمها كبار العلماء والأدباء([789]). والظاهر أن هذه المجالس والحلقات الأدبية الخاصة، كانت يومئذٍ من تقاليد الحياة الرفيعة، وكانت نوعاً من الترف الذي يأخذ به الأمراء والعظماء. بيد أنها كانت تسبغ في الوقت نفسه على الحركة الفكرية قوة وبهاء.
والخلاصة أن نظام الحلقات العلمية كانت وقت إنشاء الجامع الأزهر هو نظام الدراسة الممتازة في مصر الإسلامية، وفي معظم الأقطار الإسلامية الأخرى، ونحن نعرف أن هذا النظام بالذات كان هو السائد في معاهد الأندلس، في قرطبة وإشبيلية وبلنسية وغيرها من القواعد الكبرى، وقد غدا في الواقع قوام الحياة الجامعية والفكرية في العالم الإسلامي. وكان طبيعياً أن الأزهر حينما أتيح له أن يدخل هذا الميدان الدراسي، أن تقدَّم الدراسة فيه وفقاً لهذا النظام التقليدي المتوارث، ولم يكن ثمة نظام آخر يمكن التفكير فيه في عصر لم تكن قد عرفت فيه المدارس النظامية بعد. وهكذا بدأت الدراسة في الأزهر في حلقات علمية وأدبية، واستمرت كذلك على كرّ العصور، وعقدت أول حلقات للدرس بالأزهر كما تقدم، وعقدها قاضي القضاة علي بن النعمان، وقرأ فيها مختصر أبيه في فقه آل البيت وهو الكتاب المسمى «الاقتصار» في جمع حافل أثبتت فيه أسماء الحاضرين وفي سنة 378هـ أذن العزيز بالله لوزيره ابن كلس أن يعيّن الأزهر جماعة من الفقهاء للدرس والقراءة، وكانوا يعقدون «حلقاتهم» الدراسية بالجامع يوم الجمعة من بعد الصلاة إلى العصر، وهم أول أساتذة أجريت عليهم من الدولة رواتب خاصة حسبما قدمنا. وفي هذين النصين القديمين ما يوضح لنا نظم الدراسة الأساسية بالأزهر، وهي نظم كان قوامها الحركة الدراسية، فيجلس الأستاذ ليقرأ درسه في حلقة من تلاميذه والمستمعين إليه، وتنظم الحلقات في الزمان والمكان طبقاً للمواد التي تدرس، ويجلس أستاذ المادة من فقه أو حديث أو تفسير أو نحو أو بيان أو منطق أو غيرها في المكان المخصص لذلك من أروقة الجامع أو بهائه، وأمامه الطلبة والمستمعون يصغون إليه ويناقشونه فيما يعن لهم. وقد استقر هذا النظام بالأزهر منذ البداية واستمر طوال العصور، وغدا خلال العصور الوسطى أيام الأزهر الزاهرة، نوعاً من المحاضرة الجامعية الممتازة. وكان لهذه الطريقة على بساطتها كثير من مزايا الدراسة الجامعية، لأنها كانت تجمع بين الأساتذة والطلاب في جو من البساطة وعدم الكلفة، وتفسح كبير مجال للمناقشة والمحاجة.
ومن بواعث الأسف حقاً أن يكون من آثار نظم الأزهر الجديدة أن تختفي هذه الحلقات الجامعية القديمة من أروقة الأزهر وساحاته اليوم لتحل محلها بعض الدروس الثانوية، تلقى من آنٍ إلى آخر. وقد كانت مدى عصور من مفاخر الجامع الشهير.
نشأ الأزهر واستمرّ طوال العصور حتى عصرنا معهداً حرّاً يؤمه الطلاب من كل صوب، من مصر ومن سائر أنحاء العالم الإسلامي، لا يؤدون عن تعليمهم أية نفقة أو كلفة. بل كثيراً ما رتبت لهم إلى جانب الدراسة الحرة، أعطية وأرزاق تكفي للإنفاق عليهم في حياتهم الخاصة وهذا ما يقوم به الأزهر اليوم بالنسبة للطلاب الوافدين عليه من مختلف الأمم الإسلامية. والذين ينتظمون في «معهد البعوث الإسلامية» وفي مختلف الكليات، وفضلاً عن ذلك فقد أنشأ لسكنى أولئك الطلاب الوافدين، مدينة جامعية ضخمة على أحدث طراز.
هذا، وما زال الأزهر يقدم إلى الطلاب في بعض المعاهد أعطية شهرية مالية، حلّت محل الخبز القديم (الجراية) التي ما لبثت عصوراً من أبرز مظاهر البر لطلاب الأزهر (المجاورين)، وهي أعطية تقدم على ضآلتها معاونة ثمينة للطلاب الفقراء وما زالت أروقة الأزهر القديمة، تأوي مئات من الطلاب الغرباء من مختلف الأمم، يقوم الأزهر بإعانتهم، وتسهيل سبل الدراسة والعيش لهم.
أنشىء الأزهر كما رأينا ليكون مسجداً رسمياً للدولة الفاطمية، فكانت الدولة هي التي تتولى الإنفاق عليه كما كان شأن المساجد الجامعة في جميع الأمصار الإسلامية. فلما أنشئت به الحلقات الدراسية الأولى في عهد العزيز بالله، رتب العزيز من ماله أو من مال الدولة، أرزاقاً خاصة للأساتذة الذين يتولون الدراسة بالأزهر، ورتب لهم الوزير ابن كلس أيضاً شيئاً من ماله الخاص. ومن ذلك الحين نرى النفقة عن الجامع الأزهر ترجع إلى مصدرين أساسيين، هما الأحباس (الأوقاف) والصدقات العامة والخاصة. فأما الأحباس الخاصة فيرتبها الأكابر والأغنياء على نحو ما فعل الوزير ابن كلس. وأما الصدقات فتشمل نصيب الأزهر من الأعطية والصدقات الخليفية وغيرهما، مما كان يوهب ويعطي في مختلف المواسم والمناسبات.
وقد انتهت إلينا عن العصر الفاطمي عدة وثائق ونصوص تلقي ضوءاً على موارد الجامع الأزهر في ذلك العصر. وأولى هذه الوثائق وأهمها، سجل صدر عن الحاكم بأمر الله ولد العزيز بالله في شهر رمضان سنة أربعمائة، بحبس بعض أملاكه من دور وحوانيت ومخازن لينفق من ريعها على الجامع الأزهر وجامع راشدة وجامع المقس ودار الحكمة، وفيه يفرد لكل منها نصيباً خاصاً ويفصل وجوه النفقة لكل منها. ومن ذلك فيما يختص بالجامع الأزهر ورواتب الخطيب والمشرفة والأئمة، وما ينفق على فرش الجامع وتأثيثه وإنارته من الحصر والقناديل والزيت، وعلى إصلاحه وتنظيفه وإمداده بالماء وغير ذلك، مفصلاً تفصيلاً شاملاً.
ويبدو من ديباجة هذا السجل أنه إنما صدر لتأييد سجل سابق صدر عن الحاكم بحبس هذه الأملاك عينها، على الجهات المتقدمة مع تعديل في الشروط والتفاصيل([790]).
وهذه فيما نعلم وقفية وملكية خاصة رتبت للجامع الأزهر. وذكر لنا المسبحي مؤرخ الدولة الفاطمية في حوادث سنة خمس وأربعمائة أعني في عصر الحاكم بأمر الله أيضاً، أنه «قرىء، في شهر صفر سجل بتحبيس عدة ضياع وعدة قياسر وغيرها، على القراء والفقهاء والمؤذنين بالجوامع وعلى القوام بها، المستخدمين فيها وثمن الأكفان». وفي الشطر الأول من هذا النص ما يدل بأن القراء والأساتذة بالأزهر كانوا من النتفعين بموارد الأعيان المحبوسة في السجل([791]).
على أنه كان ثمة للأزهر في العصر الفاطمي غير الأحباس مورد آخر لا يقل عنها أهمية، بل لعله كان فيما يتعلق بطلبة العلم أخصب وأجدى في النفقة عليهم، وتيسير سبيل العيش لهم، ذلك هو مورد الأعطية والصدقات العامة والخاصة وكانت هذه الأعطية والصدقات مالية ونوعية معاً. فأما المالية فكانت تشمل نصيب الأزهر من مال النجوى، وهي جعل اختياري قدره ثلاثة دراهم ونصف، يؤديه إلى داعي الدعاة من شاء من المستمعين لمجالس الحكمة، وكان يحصل منها مال كثير ينفق على الدعاة، ويؤدي بعضه إلى الجامع الأزهر ليفرق في فقراء الطلاب([792]). وتشمل أيضاً كل ما يجود به الكرماء من المال لهذا الغرض. وأما الصدقات النوعية فكانت كثيرة تشمل توزيع أولي الأمر والكبراء، الأطعمة والحلوى، على الطلبة المساكين بالأزهر وغيره من المساجد الجامعة في مواسم معينة.
وفي وسعنا أن نرجع نظام الأعطية التي لبث الأزهر حتى العصر الأخير، يغدقها على أساتذته وطلابه في شكل كميات من الخبز يومية أو شهرية (الجراية)، والتي استبدلت اليوم بأعطية مالية مماثلة، إلى هذا النوع من الهبات والأعطية التي كان ينفح بها الأساتذة والطلاب في العصر الفاطمي.
وكان الأزهر منذ بدأت فيه الدراسة مفتوح الباب لكل مسلم. يقصد إليه الطلاب من مشارق الأرض ومغاربها، وكان يضم بين طلبته دائماً إلى جانب الطلاب المصريين، عدداً كبيراً من أبناء الأمم الإسلامية يتلقون الدراسة، وتجري عليهم الأرزاق، وتقيم كل جماعة منهم في مكان خاص بها. وهذا هو نظام الأروقة الشهير الذي نعتقد أنه بدأ بالأزهر في عصر مبكر جداً([793]) والذي استمر قائماً حتى العصر الأخير، وما زالت منه إلى اليوم بقية بالجامع الأزهر، ومعظم سكان الأروقة الباقية اليوم من الطلبة الغرباء. ويذكر لنا المقريزي أن عدد الطلبة الغرباء الذين كانوا يلازمون الإقامة بالأزهر في الأروقة الخاصة بهم في عصره، أعني في أوائل القرن التاسع بلغ سبعمائة وخمسين «ما بين عجم وزيالعة ومن أهل ريف مصر ومغاربة» وهو رقم كبير يدل على ضخامة العدد الذي كان يضمه الأزهر بصفة عامة من طلاب مصر، وطلاب الأمم الإسلامية المختلفة في تلك العصور.
المواد والكتب والأساتذة
أما مواد الدراسة بالأزهر في هذا العصر فإنه يصعب علينا استقصاؤها بوجه التحقيق. بيد أنه لا ريب أن علوم الدين واللغة كانت في المقدمة دائماً. وكان للعلوم الدينية بنوع خاص أوفر قسط، فعلوم القرآن والحديث والكلام والأصول والفقه على مختلف المذاهب، وكذلك علوم اللغة من النحو والصرف والبلاغة ثم الأدب والتاريخ، هذه كلها كانت زاهرة بالأزهر خلال العصور الوسطى.
وقد كانت الصبغة المذهبية تغلب على الدراسة بالأزهر ولا سيما في بداية عهدها، وكان من الطبيعي أيضاً أن تحتل علوم الشيعة الفاطمية وفق آل البيت من حلقاته الدينية المقام الأول. بيد أنه يمكن أن يقال من جهة أخرى أن هذه الصبغة المذهبية لم تكن مطلقة، ولم تكن لزاماً على الطلاب. ونحن نعرف أن الخلافة الفاطمية بالرغم من استمساكها بصبغتها المذهبية العميقة، لم تحاول أن تجري على سياسة الإرغام في طبع الشعب بطابعها، وفي فرض لونها المذهبي على عقائده، بل نراها تلجأ في ذلك إلى سياسة الرفق والتسامح. ولنا في ذلك مثل ساطع في المرسوم الديني الذي أصدره الحاكم بأمر الله ـ وهو من غلاة الخلفاء الفاطميين ـ في سنة 398هـ (1008م) وفيه يقرر بعض الأحكام ويفسرها، على أثر ما وقع بين الشيعة وأهل السّنّة من خلاف في فهمها، ويحاول أن يوفق في ذلك بين المذاهب المختلفة، وقد جاء فيه بعد الديباجة:
«ويصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون، ولا يعارض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون ومفطرون، صلاة الخميس للدين بها جاءهم فيها يصلون، وصلاة الضحى وصلاة التراويح لا مانع منها ولا هم عنها يدفعون، يخمس في التكبير، على الجنائز المخمسون، ولا يمنع من التكبير عليها المربعون، يؤذن بحيّ على خير العمل المؤذنون، ولا يؤذي من بها لا يؤذنون، لا يسبّ أحد من السلف ولا يحتسب على الواصف فيهم بما يوصف والخالف فيهم بما خلف، لكل مسلم مجتهد في دينه اجتهاده، وإلى الله ربه ميعاده، وعنده كتابه وعليه حسابه. ليكن عباد الله على مثل هذا عملكم منذ اليوم، لا يستعلي مسلم على مسلم بما اعتقده، من جميع ما نصه أمير المؤمنين في سجله هذا، وبعده قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أنْفُسَكُمْ» ـ «لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ» ـ «إلَى اللهِ مَرْجِعِكُمْ جَمِيعَاً فَيُنَبِّئكُمْ بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ»([794])…
وقد رأينا أن الدراسة في دار الحكمة ذاتها وهي الجامعة الفاطمية المذهبية، كانت حرة تدرس فيها علوم السنّة إلى جانب علوم الشيعة، وأنها تحررت كثيراً من صبغتها المذهبية حينما أعيدت بعد إغلاقها في عهد الخليفة الآمر بأحكام الله، فمن الواضح إذاً أن الدراسة بالأزهر كانت حتى في الوقت الذي يشتد فيه تيار الدعوة المذهبية، تحظى دائماً بقسط من الحرية يزيد أو ينقص وفقاً للظروف والأحوال([795]). وكانت دار الحكمة تستأثر بعد ذلك بتدريس العلوم المدنية، بينما كان الأزهر يقتصر على تدريس العلوم الدينية، بيد أنه زالت هذه التفرقة بين العلوم مذ ضعف شأن دار الحكمة ثم أغلقت، وأخذ الأزهر بنصيبه من العلوم المدنية الى جانب العلوم الدينية. وهنالك ما يدل على أن الفلسفة والمنطق والرياضيات، كانت تدرس في هذا العصر بالأزهر في حدود ضيقة ولطبقة خاصة من الطلاب.
هذا وأما عن الكتب الدراسية التي كانت تدرس بالأزهر في العصر الفاطمي، فليس لدينا أيضاً سوى إشارات موجزة جداً. وأول كتاب دُرِّسَ بالجامع الأزهر هو كتاب «الاقتصار» أو «الأقصار» الذي وضعه أبو حنيفة النعمان بن محمد القيرواني قاضي المعز لدين الله في فقه آل البيت([796])، وكان يتولى قراءته وتدريسه بالأزهر، ولده أبو الحسين علي بن النعمان كما قدمنا. واستمرت قراءته مدى حين على يد بني النعمان الذين تعاقبوا في قضاء مصر حتى نهاية القرن الرابع. وكان للنعمان القيرواني كتب أخرى في الفقه ذكر لنا بن زولاق مؤرخ المعز لدين الله، أسماءها وهي كتاب «دعائم الإسلام»، الذي عني بتدريسه بالأزهر فيما بعد عناية خاصة كما سنرى، وكتاب «اختلاف أصول المذاهب» وكتاب «الأخبار» وكتاب «اختلاف الفقهاء»، ومن المرجح أنها كانت تقرأ أو تدرس بالأزهر إلى جانب كتاب «الاقتصار» حتى أواخر القرن الرابع([797]).
ثم قرىء بالأزهر كتاب ألّفه الوزير ابن كلس في الفقه الشيعي على المذهب الفاطمي مما سمعه في ذلك من المعز لدين الله والعزيز بالله وهو المعروف بالرسالة الوزيرية، وكان يجلس لقراءته وتدريسه بنفسه([798]).
وفي سنة ست عشرة وأربعمائة، أمر الخليفة الظاهر لإعزاز دين الله ولده الحاكم بأمر الله، بأن يدرس الدعاة للناس كتاب «دعائم الإسلام» وكتاب «مختصر الوزير» ورتب لمن يحفظهما مالاً([799]). والدعاة هم أساتذة دار الحكمة، وقد كانوا يجلسون للتدريس بالجامع الأزهر في أحيان كثيرة([800]).
وكتاب «مختصر الوزير» يلوح لنا أنه هو مؤلَف ابن كلس أعني «الرسالة الوزيرية».
والمرجح أن كثيراً من الكتب الفقهية التي كانت تدرس بدار الحكمة كانت تدرس أيضاً بالأزهر، ومن الأسف أننا لم نعثر على نصوص أو بيانات أخرى تلقي ضوءاً على أنواع الكتب التي كانت تدرس بالأزهر في هذا العصر في العلوم الأخرى. بيد أنه يمكن أن يقال أنها كانت تشمل مصنفات أعلام الأساتذة المعاصرين، الذين انتهت إليهم الرئاسة في بعض العلوم، أو الذين تولوا التدريس بالأزهر يومئذٍ، مثل أبي الحسن علي بن إبراهيم الحوفي إمام العربية والنحو وصاحب كتاب «إعراب القرآن»، وابن بابشاذ النحوي صاحب كتاب «المقدمة» و«شرح الجمل»، وابن القطاع اللغوي صاحب كتاب «الأفعال» وأبي محمد عبدالله بن بري المصري إمام اللغة في عصره، وأبي العباس أحمد بن هاشم المحدث والمقرىء، وأبي القاسم الرعيني الشاطبي إمام القراءات وصاحب القصيدة الشهيرة في علم القراءات «حرز الأماني ووجه التهاني»([801])، وغيرهم ممن انتهت إليهم الرئاسة في هذا العصر، واعتبرت مصنفاتهم متوناً ومراجع بل لقد لبثت مصنفات بعض أولئك الأئمة تدرس بالأزهر حتى العصر الأخير مثل قصيدة الشاطبي في القراءات.
كذلك لم نعثر على شيء من أسماء الكتب التي كانت تدرس بدار الحكمة، وإن كان قد انتهى إلينا عن الدعوة الفاطمية التي كانت تلقن فيها، وقليل من رسائل الدعاة وتعاليمهم([802]). ومن المحقق أن كثيراً من الكتب التي ألّفت ودرست في هذا العهد، قد دثر بانتهاء الدولة الفاطمية، وحرص الدولة الأيوبية التي خلفتها، على محو رسومها وآثارها، فلم يعن كثيراً بتداولها والتعريف عنها.
هذا وقد عنيت الدولة الفاطمية عناية خاصة باقتناء الكتب وإنشاء المكتبات العظيمة، وكان بالقصر الفاطمي مكتبة جامعة، يفيض المؤرخون المعاصرون في وصف عظمتها ونفاسة محتوياتها، وكان بها ما يزيد على مائتي ألف مجلّد في سائر العلوم والفنون، في الفقه والحديث واللغة والتاريخ والأدب والطب والكيمياء والفلك وغيرها. قال ابن أبي طي بعدما ذكر استيلاء صلاح الدين على القصر «ومن جملة ما باعوه خزانة الكتب، وكانت من جانب الدنيا، ويقال إنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التي كانت بالقاهرة في القصر([803]) وكان بدار الحكمة مكتبة أخرى يرجع إليها الأساتذة والطلاب، وبها عدد وافر من الكتب الفلسفية مما يتصل بدروس الحكمة([804])، كانت في الواقع خلفاً لمكتبة الإسكندرية الشهيرة. وكان للجامع الأزهر مكتبة خاصة به، وكانت المساجد الجامعة تُزوَّد في هذه العصور بمجموعات من الكتب ولا سيما كتب الحديث والفقه. ولكن يوجد ثمة ما يدل على أن الأزهر كان له من خزائن الكتب نصيب حسن، وكانت له مكتبة كبيرة ذات أهمية خاصة، فإن ابن ميسر يقول لنا في أخبار سنة 517هـ، إنه قد أسند إلى داعي الدعاة أبي الفخر صالح منصب الخطابة بالجامع الأزهر مع خزانة الكتب([805]) وإسناد الإشراف على خزانة الكتب إلى داعي الدعاة، وهو أكبر رئيس ديني بعد قاضي القضاة، دليل على قيمتها وأهميتها.
المناسبات الدينية والاجتماعية
غدا الجامع الأزهر منذ قيامه مسجد الدولة الفاطمية الرسمي، وفي يوم عيد الفطر سنة 362هـ ركب المعز لدين الله أول الخلفاء الفاطميين بمصر، عقب مقدمه إلى عاصمة ملكه الجديد بقليل، إلى الجامع الأزهر لصلاة العيد، وألقى خطبة بليغة أبكى فيها الناس([806])، وكانت هذه أول صلاة رسمية يشهدها الخليفة الفاطمي بالجامع الأزهر.
واستمر الأزهر يستأثر بهذا الامتياز في ظل الدولة الفاطمية زهاء أربعين عاماً تقام فيه الجمع الرسمية، ويخطب الخليفة فيه بنفسه في جُمع رمضان وفي الأعياد، حتى تمّ إنشاء الجامع الحاكمي أو الجامع الأنور في عصر الحاكم بأمر الله، وكان الخليفة العزيز بالله قد بدأ بإنشائه منذ سنة 380هـ، وشهد به الجمعة في رمضان وخطب فيه غير مرة، ولكنه توفي قبل إتمامه، فعني ولده الحاكم بأمر الله بإتمامه منذ سنة 393هـ، واستغرق بناؤه عشر سنين. ولما تمّ بناؤه عني الحاكم بفرشه وتأثيثه عناية كبيرة، وزين بالستور الفخمة والتنانير الفضية، وأقيمت فيه الجمعة الرسمية في رمضان سنة 403هـ، وصلى فيه الحاكم بالناس وكان يوماً مشهودا([807]). وألفى الجامع الأزهر لأول مرة في جامع الحاكم منافساً ينازعه الصفة الرسمية التي استأثر بها حتى ذلك الحين وكانت الجمعة الرسمية تقام أيضاً من وقت إلى آخر في بعض المساجد الفاطمية الأخرى، مثل جامعي راشدة والمقس اللذين أنشأهما الحاكم بأمر الله، وكانت الخطب الخلافية تلقى في الأزهر والجامع الحاكمي، وكذلك في جامعي عمرو وابن طولون. بيد أن الجامع الأزهر لم يفقد من جراء هذه المنافسة مكانته الخاصة بل كان دائماً يعتبر في نظر الخلفاء الفاطميين ورجال الدولة مسجد الدولة الأول.
وكانت إقامة الجمعة والصلوات الموسمية الجامعة بالأزهر من أخص المظاهر الرسمية التي أسبغتها عليه الخلافة الفاطمية، وقد رأينا فيما تقدم أن الجامع الأزهر أنشىء ليكون رمزاً لإمامة الدولة الجديدة ومنبراً لدعوتها، وقد لبث الأزهر منذ إنشائه محتفظاً بهذه الصفة، بالرغم من قيام عدةٌ أخرى من المساجد الفاطمية الجامعة، التي نافسته فيما بعد إقامة الجمعة والصلوات الموسمية، وكان الخليفة يشهد الصلاة أيام الجمع والأعياد الرسمية، ويخطب فيها بنفسه في أحيان كثيرة، وكانت خطبة الجمعة الرسمية ما تزال على عهدها تلقى بالجامع الأزهر حتى أواخر الدولة الفاطمية([808]).
وكان الخليفة يلقي خطب الجمعة في شهر رمضان بالجامع الأزهر قبل إنشاء الجامع الحاكمي وغيره من المساجد الفاطمية الجامعة، وكان يستريح الجمعة الأولى ويلقي الخطبة في الجمع الثلاث الأخيرة.
وكان الجامع الأزهر يستأثر منذ عهد المعز لدين الله حتى قيام الجامع الحاكمي بالخطب الرسمية الثلاث في جمع رمضان، ثم كانت تلقي هذه الخطب بعد ذلك على الترتيب الآتي: الأولى بالجامع الحاكمي أو (الجامع الأنور)، والثانية بالجامع الأزهر، والثالثة والأخيرة بالجامع العتيق.
وكان الأذان من الأمور التي طبعها الفاطميون بطابعهم المذهبي، وكان يؤذن وقت الفتح في المسجد الجامع دون غيره، ثم عمّ الأذان تباعاً بقية المساجد الأخرى، وكان يفتتح بالتكبير على نمط أهل المدينة، واستمر على ذلك عند إنشاء مدينة العسكر، ثم مدينة القطائع، حتى الفتح الفاطمي.
ولما دخل القائد جوهر بجيشه المظفر، وشهد صلاة الجمعة في يوم الجمعة الثامن من جمادى الأولى سنة 358هـ بجامع ابن طولون، أذّن المؤذن في ذلك اليوم بقولهم: «حي على خير العمل» وذلك بعد قولهم: «حي على الصلاة حي على الفلاح» ثم أذّن بذلك في المسجد الجامع، ثم في الجامع الأزهر منذ افتتاحه للصلاة في رمضان سنة 361هـ، وعمّ هذا بعد ذلك جميع المساجد الأخرى.
وكان الأذان أيام الفاطميين يتضمن أيضاً بعض الدعوات المذهبية المحضة كقولهم: «محمد وعلي خير البشر».
هذا وقد لبث الأزهر أيام الدولة الفاطمية فضلاً عن صبغته الجامعية التي استقرت وتوطدت على مرّ الأيام وفضلاً عن إقامة الجمع والصلوات الرسمية فيه، مركزاً لكثير من المظاهر والمناسبات الرسمية الأخرى.
فمن ذلك أنه كان مركز المحتسب، وكان منصب المحتسب من أهم المناصب الدينية في الدولة الفاطمية، وهو الثالث عندهم بعد قاضي القضاة وداعي الدعاة، وعمله يتناول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على قاعدة الحسبة، وله نواب في جميع أنحاء القطر، ويجلس بالجامع الأزهر وجامع مصر يوماً بعد يوم([809]) وكانت مجالس القضاة تعقد قبل قيام الجامع الأزهر بجامع عمرو، والجامع الطولوني.
ومن ذلك أنه كان مركز الاحتفال الرسمي بالمولد النبوي.
وكان الاحتفال المحزن بيوم عاشوراء يقام بالجامع الأزهر قبل إنشاء المشهد الحسيني في سنة 549هـ، ففي العاشر من المحرم يحتجب الخليفة عن الناس وفي الضحى يركب قاضي القضاة والشهود، وقد ارتدوا ثياب الحداد، إلى الجامع الأزهر (أو المشهد الحسيني فيما بعد) في حفل من الأمراء والأعيان وقراء الحضرة والعلماء، ثم يأتي الوزير فيتبوّأ صدر المجلس، ويجلس إلى جانبيه قاضي القضاة وداعي الدعاة، والقراء يتلون القرآن، ثم ينشد قوم من الشعراء أشعاراً في رثاء الحسين وآل البيت، ثم ينصرف الوزير إلى داره، ويستدعي القوم الى القصر وقد فرشت أروقته بالحصر بدل البسط، فيجدون صاحب الباب في انتظارهم، فيجلس القاضي والداعي إلى جانبه، والناس على اختلاف مراتبهم، ويقرأ القراء وينشد المنشدون على النحو السابق، ثم يمد في القاعة سماط الحزن عند الظهر، وليس فيه سوى العدس والألبان والأجبان الساذجة والعسل والخبز الأسمر، ويدخل من شاء لتناول الطعام، فإذا انتهى القوم انصرفوا إلى دورهم. ويعمّ الحزن القاهرة في ذلك اليوم، وتعطل الأسواق، ويعتكف الناس حتى العصر، ثم تفتح الأسواق وتسترد العاصمة شيئاً من نشاطها ومظهرها العادي([810]).
وفي ليالي الوقود الأربع وهي ليلة أول رجب، وليلة نصفه، وليلة أول شعبان وليلة نصفه، كان الخليفة يقصد مساء إلى منظرة الجامع الأزهر، وكانت بجواره من الجهة القبلية وتشرف عليه، ويجلس الخليفة في هذه المنظرة ومعه حرمه وذلك لمشاهدة الزينات المضيئة والاحتفالات الفخمة التي كانت تقام في تلك الليالي الشهيرة([811]).
وهكذا كانت ليالي الوقود من المناسبات العامة التي يتبوأ فيها الجامع الأزهر مكانة خاصة، فيخرج الناس إليه من كل فجّ، ويبدو فيها المسجد الشهير كأنه شعلة من النور، وتضاء في جوانبه وعلى حافاته المشاعل والوقدات الساطعة، ويعقد في صحنه مجلس حافل من القضاة والعلماء برئاسة قاضي القضاة، ويبعث الخليفة إليهم بسلال من الأطعمة والحلوى الفاخرة، وتضاء جميع المساجد الأخرى وتبدو العاصمة كلها في حلل بديعة من الأنوار الساطعة.
كذلك كان الجامع الأزهر أيام المعز والعزيز والحاكم، مركزاً لمجالس الحكمة الفاطمية. التي كانت تتخذ صورة الدعوة إلى قراءة علوم آل البيت والتفقّه فيها، وكان يقوم بإلقاء هذه الدروس المذهبية أيام المعز بنو النعمان وهم أسرة مغربية نابهة قدمت في ركاب الخليفة الفاطمي، وتولت قضاء مصر زهاء نصف قرن. وكانت مجالس الحكمة تعقد أحياناً في القصر وأحياناً في الجامع الأزهر، ويشترك في إلقائها بعض كبراء الدولة مثل الوزير ابن كلس وزير المعز ثم ولده العزيز، ثم عهد بعد ذلك إلى داعي الدعاة بالإشراف على تنظيم هذه الدعوة وبثّها، ووضعت لها نظم ورسوم خاصة، وكانت هذه المجالس للخاصة، وكان للكافة أيضاً نصيب منها فيعقد للرجال مجلس بالقصر، ويعقد للنساء مجلس بالجامع الأزهر. وكان الداعي يشرف على هذه المجالس جميعاً بنفسه أو بواسطة نقبائه ونوابه، وكانت الدعوة تنظم طبقاً لمستوى الطبقات والأذهان فلا يتلقى الكافة سوى مبادئها وأصولها العامة، ويرتفع الدعاة بالخاصة والمستنيرين إلى مراتبها العليا([812]).
ولسنا نعرف أية مناسبة أخرى غير مجالس الحكمة الفاطمية يمثل فيها النساء في الجامع الأزهر في ذلك العصر لشهود نوع من القراءة والدرس، بيد أنه يوجد ما يدل على أن النساء كن يظهرن أحياناً في بعض العصور المتأخرة في حلقات الأزهر الدراسية، وقد كان من هؤلاء أم زينب، فاطمة بنت عباس المعروفة بالبغدادية، التي توفيت سنة 714هـ، وكانت فقيهة وافرة العلم وانتفع بعلمها كثير من نساء مصر ودمشق([813]). وذكر الجبرتي أيضاً ما يفيد أنه كان ثمة سيدة فقهية عمياء تحضر دروس الشيخ عبدالله الشرقاوي شيخ الجامع الأزهر في أوائل القرن الثالث عشر الهجري([814]) وتلك أمثلة نادرة.
الأزهر في عصور السلاطين
لبث الجامع الأزهر في ظل الدولة الفاطمية زهاء قرنين يتمتع بالرعاية الرسمية كمسجد للدولة، وصفته الجامعية كمهد للقراءة والدرس، فلما انهارت دعائم الدولة الفاطمية أيام العاضد لدين الله آخر الخلفاء الفاطميين وتولى صلاح الدين وزارة العاضد واستأثر بالأمر، عمد إلى إزالة شعائر الدولة الفاطمية وكل رسومها وآثارها، فقطع اسم العاضد من الخطبة ودعا للخليفة العباسي، وأبطل من الأذان: «حي على خير العمل» ، وعيّن في منصب قاضي القضاة شافعياً هو صدر الدين عبد الملك درباس، وجعل له نواباً من القضاة الشافعية، فكان ذلك إيذاناً بانتشار مذهب الشافعي في مصر. وأفتى أبو درباس وفقاً لرأي الشافعي بأنه لا يجوز إقامة خطبتين للجمعة في بلد واحد، فأبطل إقامة الجمعة في الجامع الأزهر وأقرها بالجامع الحاكمي أيضاً من المساجد الفاطمية، وكان في وقت ما يتمتع إلى جانب الأزهر بالصفة الرسمية. ولكن الأزهر كان منذ البداية مسجد الدولة ومنبرها الرسمي.
على أن قطع صلاة الجمعة من الجامع الأزهر على هذا النحو لم يبطل صفته الجامعية فقد لبث محتفظاً بصفته كمعهد للدراسة والقراءة، ومع أنه لم يكن يحظى في ذلك العصر بكثير من الرعاية الرسمية، فإنه مع ذلك لبث محتفظاً بكثير من هيبته العلمية القديمة، فنراه مقصد علماء بارزين مثل عبد اللطيف البغدادي الذي وفد على مصر في سنة 589هـ أيام الملك العزيز ولد السلطان صلاح الدين، وتولى التدريس بالأزهر بضعة أعوام حتى وفاة الملك العزيز في سنة 595هـ([815])، وكان يلقي دروسه الطبية في حلقات خاصة. وهنالك ما يدل أيضاً على أن العالم والطبيب اليهودي موسى بن ميمون، الذي وفد على مصر في هذا الوقت، وخدم طبيباً للخاصة في بلاط السلطان صلاح الدين، كان أيضاً يلقي بالأزهر بعض دروسه في الرياضة والفلك، وربما في الطب أيضاً. وقد اتصل به يومئذٍ عبد اللطيف البغدادي، ودرس عليه، حسبما يحدثنا بذلك في كتابه عن أحوال مصر في هذا العصر([816]).
ونراه في أواخر العصر الأيوبي، وأوائل القرن السابع الهجري، مسرحاً لنشاط جمهرة من أعلام هذا العصر، فمنهم الشاعر الصوفي الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض المتوفى سنة 632هـ، وقد لبث حيناً يقيم بالجامع الأزهر، والشيخ شهاب الدين السهروردي([817]) وابن خلكان صاحب «وفيات الأعيان» المتوفى سنة 680هـ، وقد وفد على القاهرة في سنة 637هـ، وأقام بها وألقى دروسه بالجامع الأزهر([818]).
ولبثت إقامة الجمعة معطلة بالجامع الأزهر نحو مائة عام من سنة 567هـ إلى سنة 665هـ في عصر الملك الظاهر بيبرس، ففي تلك السنة سعى الأمير عز الدين أيدمر الحلي نائب السلطنة في إعادة صلاة الجمعة إلى الأزهر. واسترد له كثيراً من أوقافه المغصوبة بأيدي الناس. ثم سعى إلى إعادة الجمعة فيه وأقيمت صلاة الجمعة بالجامع الأزهر يوم الجمعة 18 ربيع الأول سنة 665هـ (نوفمبر 1267م) فكان يوماً مشهوداً استعاد فيه الأزهر مركزه الديني القديم([819]).
ثم توالى إنشاء المدارس في مصر والقاهرة على أيدي السلاطين والأمراء والكبراء، وكثر عددها في القرنين السابع والثامن كثرة ظاهرة، وكان إنشاء هذه المدارس يجري في الغالب على قاعدة التخصص، فبعضها ينشأ للشافعية والبعض الآخر للحنفية أو المالكية أو الحنابلة، وينشأ البعض لتدريس الفقه أو الحديث أو علوم القرآن، وقليل منها ينشأ على قاعدة التعمبم، وهذا كله عدا الحلقات الدراسية التي لبثت قائمة بالجوامع والمشاهد، في جامع عمرو، وجامع ابن طولون، والجامع الحاكمي وفي ضريح الإمام الشافعي، والمشهد الحسيني، والمشهد النفيسي، وغيرها.
وقد كان لقيام هذه المدارس وكثرتها خلال القرنين السابع والثامن، أثر كبير في سير الدراسة بالجامع الأزهر، فقد نافسته، واجتذبت إليها الطلاب، كما اجتذبت إليها أعلام الأساتذة.
وكانت مناصب التدريس فيها مغرية تدر على شاغلها الجزاء الحسن، فكان يؤثرها أعلام الأساتذة ويتنافسون في الفوز بها، ومع ذلك، وبالرغم من هذه المنافسة القوية، فإن الأزهر كان دائماً يضم من الطلاب العدد الجمّ نظراً لاتساع مجال الدراسة فيه وتنوعها، إذ كان مفتوحاً للطلاب من كل مذهب، وتدرس به سائر العلوم الدينية واللغوية، وهو ما لم يكن ميسوراً في مدارس أنشئت على قاعدة التخصص، وكان يقوم على تثقيف هذه الجمهرة الكبيرة من الطلاب عدد كبير من الأساتذة ومن جهة أخرى فقد كان الأزهر مقصد الطلاب الغرباء من كل صوب، وكان يقطن في أروقته منهم عدد كبير، وقد بلغ عددهم في أوائل القرن الثامن حسبما يحدثنا المقريزي زهاء سبعمائة وخمسين طالباً([820]).
وقد غدا الأزهر منذ أواخر القرن السابع، أي مذ عفت معاهد بغداد وقرطبة، كعبة الأساتذة والطلاب من سائر أنحاء العالم الإسلامي وغدا أعظم مركز للدراسات الإسلامية العامة.
ومنذ القرن الثامن الهجري يتبوّأ الأزهر في مصر وفي العالم الإسلامي نوعاً من الزعامة الفكرية والثقافية. وفي أنباء هذا القرن ما يدل على أن الأزهر كان يتمتع برعاية خاصة، وكان الأكابر من علمائه يتمتعون بالجاه والنفوذ، ويشغلون وظائف القضاء العليا، ويستأثرون بمراكز التوجيه والإرشاد. وكان هذا النفوذ يصل أحياناً في هذا العصر، إلى التأثير في سياسة الدولة العليا، وأحياناً في مصائر العرش والسلطان. ومما تجب ملاحظته أن الأزهر كان في تلك الفترة، جامعة حقة، تغلب فيه الصفة العلمية الحرة، كان ما يزال دائماً، وقبل كل شيء، جامعة إسلامية، تغلب الصفة الدينية على برامجه وحلقاته، وليس في تاريخ الأزهر في تلك الفترة، ما يدل على أنه، ما خلا علوم اللغة، كانت تدرس به علوم مدنية ذات شأن، سوى المنطق وقليل من العلوم والرياضة.
وهذه خاصة لم يكن ينفرد بها الأزهر في العصور الوسطى، ذلك أن الحركة العقلية كانت خلال هذه العصور ترتبط في جميع الأمم بالدين أشدّ ارتباط وكانت الأديرة مراكز الدراسة في أوروبا والأحبار هم قادة الفكر. بيد أنه لما تقدمت الحركة الفكرية، وتسربت النظريات الفلسفية إلى تعاليم الكنيسة أخذت سيطرة الدين على حركة التعليم تضعف شيئاً فشيئاَ.
ولم تلبث الجامعة الأوروبية أن نشأت منذ القرن الثاني عشر ثم أخذت تقوى ويشتد ساعدها وتسير نحو استقلالها، واضطرت الكنيسة أن تناصر هذا الاستقلال الجامعي، طالما كان بعيداً عن الاصطدام بتعاليمها وتقاليدها، وذلك خوفاً من أن يقع التعليم تحت سيطرة أمير أو حاكم مطلق يوجهه نحو خصومتها. ولم يأت ختام العصور الوسطى حتى كانت الجامعة الأوروبية قد حققت استقلالها العلمي، وأخذت تسير نحو النور والحقيقة، بعيدة عن المؤثرات الدينية والسياسية ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.
وقد كان التعليم الجامعي يميل منذ البداية نحو التخصص، وكانت الدراسة تجري تقريباً على نفس الأساليب التي كانت تتبع بالأزهر وباقي المعاهد الإسلامية من الاستيعاب والتخصص، مثال ذلك جامعة بولونيا التي اشتهرت في القرن الثاني عشر بتوفر أساتذتها وطلبتها على دراسة القانون الروماني ووضع حواشيه الشهيرة.
غير أنه يلاحظ أن الجامعة الأوروبية استطاعت أن تتحرر غير بعيد من روح العصور الوسطى وكل مؤثراتها، وأن تسير بخطى سريعة نحو تحديد مهمتها العلمية. هذا بينما بقي الأزهر مدى الأحقاب، وبالرغم من تطور العلوم وأساليب التفكير، محتفظاً بصبغته الدينية، مشبعاً في كثير من نظمه وأساليبه بروح العصر القديم.
وإذا كان الأزهر القديم قد استحال اليوم إلى جامعة أزهرية ذات كليات وشعب مختلفة، وأدخل في مناهجها كثير من العلوم «المدنية»، وإذا كانت الجامعة الأزهرية تأخذ اليوم ببعض الأساليب العصرية في شيء من التحفظ، فإن ذلك لا يمكن أن يغير شيئاً من تلك الحقيقة، وهي أن الأزهر لا يزال بالرغم من هذه المظاهر الشكلية متأثراً في مناهجه، وفي طرائقه وفي تفكيره، بأساليب العصور الوسطى، ومن الصعب على الباحث أن يشعر، بأنه قد أحرز كثيراً من التقدم، في سبيل التحرر من هذه الأساليب القديمة.
في القرن التاسع الهجري
كان القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) بالنسبة لمصر الإسلامية، عصر الذروة وعصر الانهيار معاً، ففيه بلغت مصر، وبلغت المدنية المصرية، أقصى مراحل التقدم والازدهار، وبلغت حركة التفكير المصرية، منذ أواخر القرن الثامن، ذروة النضج والازدهار، واستمرت على قوتها طول القرن التاسع، وحفلت مصر في تلك الحقبة الطويلة بجمهرة من أعظم علمائها وكتّابها، مثل الحافظ بن حجر العسقلاني، وأبي العباس القلقشندي صاحب الموسوعة الدبلوماسية المسماة «صبح الأعشى»، ومؤرخ مصر الكبير تقي الدين المقريزي صاحب «الخطط» الشهيرة، وابن تغري بردي صاحب «النجوم الزاهرة»، وبدر الدين العيني، وسراج الدين البلقيني، وشرف الدين المناوي، وشمس الدين السخاوي صاحب «الضوء اللامع»، وجلال الدين السيوطي([821]) وغيرهم، من أقطاب التفكير والكتابة في هذا العصر.
كان يبدو كأن مصر قد غدت في هذا العصر، بقواها ومواردها الزاخرة، ومدنيتها ورخائها، قوة لا تقهر، وأنها بأزهرها، ومدارسها ومعاهدها العديدة، وعلمائها الأعلام، سوف تمضي قدماً، في زعامتها الأدبية للعالم الإسلامي، وهي الزعامة التي استأثرت بها، منذ سقوط بغداد في المشرق، وتصدّع الأندلس في المغرب، وسقوط قواعدها التالدة في أيدي الإسبان، وانطفاء مصابيح الثقافة الأندلسية في الغرب الإسلامي.
وهي قد لبثت كذلك بالفعل، طوال القرن التاسع الهجري. وكانت هذه الجمهرة العظيمة، من العلماء والكتّاب، وكان هذا الإنتاج الفكري الضخم، في مختلف نواحي العلوم الإسلامية والعربية، وهو الذي انتهى إلينا منه الكثير، من المؤلفات والموسوعات العظيمة، كان ذلك كله عنوان نهضة فكرية عظيمة. وكان الجامع الأزهر يومئذٍ، يحتل مكانته الأولى بين الجوامع والمعاهد العديدة. وبالرغم من أن القاهرة كانت يومئذٍ تحفل بطائفة كبيرة من المدارس التي سبق ذكرها، والتي رسخت مكانتها العلمية بانتظامها، وتولي أكابر العلماء والأساتذة كراسي التدريس بها، فإنها كانت تعتبر بالنسبة للأزهر، كالأفرع الصغيرة في الدوحة العظيمة.
كان الأزهر في تلك الحقبة في الواقع، هو المدرسة الأم، وهو الجامعة الإسلامية الكبرى، التي لا تنافسها أية جامعة أخرى.
وكان أكابر العلماء، بالرغم من إقبالهم على تولّي وظائف التدريس في المدارس، نظراً لما تدرّه من المرتبات الوفيرة، والمزايا العديدة، يتطلعون دائماً، إلى شرف الجلوس والتدريس بالأزهر لما يقترن بذلك من هيبة علمية رفيعة. والواقع أننا منذ أواخر القرن الثامن، قلّما نجد عالماً أو أستاذاً من أعلام الدين أو اللغة لم يأخذ مجلسه بالجامع الأزهر، سواء بصفة منتظمة أو عارضة.
وكذلك كان الأزهر دائماً مقصد سائر العلماء الوافدين على مصر من الشرق أو الغرب، يؤمونه دائماً عقب وصولهم ويتصدرون حلقاته.
وكان من أشهر العلماء الذين وفدوا على مصر في ذلك العصر، واشتركوا في حلقات الأزهر بقسطٍ بارزٍ، ولي الدين ابن خلدون. ودرس عليه يومئذٍ جماعة من أكابر العلماء المصريين مثل ابن حجر، والقلقشندي، والمقريزي، وقد كان يدرس الحديث والفقه المالكي، ويشرح للخاصة من تلاميذه نظرياته في العمران والعصبية، وأسس الملك، ونشأة الدول، وغيرهما مما عرض إليه في مقدمته الشهيرة. وظهر أثر ذلك في كتابات تلميذه المقريزي، حيث تعتبر رسالته «إغاثة الأمة بكشف الغمة» ثمرة واضحة لنظريات ابن خلدون العمرانية والاقتصادية.
وكانت مناصب التدريس يومئذٍ بالأزهر، أو غيره من الجوامع والمدارس الكبرى، تعتبر ـ كمنصب القضاة ـ من المناصب العلمية والدينية الرفيعة، وكان الأستاذ يعين في منصبه بمرسوم خاص، تغدق عليه فيه الألقاب العلمية.
وكانت الإجازات الدراسية، من التقاليد العلمية الرفيعة في ذلك العصر وكانت لها قيم أدبية كبيرة، وكانت تصدر من الأستاذ إلى تلاميذه، أو الذين سمعوا عليه، وتكتب في أساليب خاصة. بقيت آثارها حتى العصر الأخير.
وقد استمرت هذه الإجازات مدى عصور، تقليداً علمياً ذائعاً، ويبدو من مراجعة صيغ الإجازات العلمية التي أوردها لنا القلقشندي، أن كتب الدراسة بالجامع الأزهر كانت في عصور السلاطين، تتضمن الكتب الآتية: كتب الحديث الستة المشهورة، وهي كتب: البخاري، ومسلم، وأبي داوود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، ومسند أحمد، والشافعي وغيرها. ومنها: «عمدة الأحكام» للحافظ عبد الغني، و«شذور الذهب» للشيخ جمال الدين بن هشام، و«جامع الجوامع» و«البدر المنير في تخريج الأحاديث» و«الآثار الواقعة الشرح الكبير»، للإمام ابن قاسم الرافعي، و«المنهاج» في فقه الشافعي من تأليف أبي زكريا النووي، و«الأربعين حديثاً» في فقه الشافعي من تأليف أبي زكريا النووي، و«الورقات» في الأصول، و«اللمحة البدرية» في النحو للشيخ أثير الدين أبي حيان الأندلسي، وغيرها([822]).
وهناك ما يدل على أن نظام المعيدين، وهو النظام الجامعي الحديث، كان معمولاً به بالجامع الأزهر والمدارس الكبرى، منذ العصور الوسطى، فقد كان لكبار الأساتذة معيدون من المدرسين الأصاغر، يلقون الدرس، أو يلقون ملخصه في الطلاب عقب انتهاء الأستاذ من إلقائه، وكان يكتفي أحياناً في بعض المواد بوجود المعيد دون الأستاذ([823])، وقد استمر نظام المعيدين بالأزهر حتى العصر الحديث.
كذلك هناك ما يدل على أن الدراسة في الجوامع، كانت في تلك العصور، تشمل بعض المواد العلمية المحضة، مثل الطب، فقد ذكر لنا السيوطي مثلاً في ترجمة شمس الدين بن عبد الرحمن المصري المتوفى سنة 776هـ، أنه كان يتولى تدريس الطب بجامع ابن طولون. ونحن نعتقد بالقياس، أن الطب كان كذلك يدرس بالجامع الأزهر في مجالس خاصة، ولو أننا لم نعثر على نص صريح في ذلك([824]).
في العصر التركي
في أواخر القرن التاسع الهجري، كانت تتجمع في أفق مصر يومئذٍ، سحب العاصفة التي توشك أن تنقض عليها، ثم سقطت مصر في موقعة مرج دابق صريعة الغزو العثماني([825])، وفقدت استقلالها وبدأت عهداً طويلاً من التبعية.
وقضى السلطان سليم فاتح مصر في القاهرة، زهاء ثمانية أشهر يجمع من تراث مصر وثرواتها الفنية كل ما استطاع، ويخرب المساجد والآثار الخالدة، لينتزع منها نفائسها وكنوزها الفنية، ويبعث بها إلى قسطنطينية، ويقبض على أكابر مصر وزعمائها وعلمائها، ورجال المهن والفنون فيها، ومهرة العمال والصناع ويرسلهم جموعاً حاشدة في السفن إلى قسطنطينية. وقد ذكر لنا ابن إياس مؤرخ الفتح العثماني أسماء عدة كبيرة من العلماء والقضاة المصريين، الذين قبض عليهم السلطان سليم، وبعثهم قسراً إلى عاصمته([826]). ولم يفت الفاتح أن يضع يده كذلك على تراث مصر العلمي والأدبي، فأمر بأن تنتزع الكتب من المساجد والمدارس والمجموعات الخاصة، وأن تحمل إلى العاصمة التركية، وما زالت توجد من هذا التراث المصري إلى اليوم، بقية كبيرة في مكتبات استانبول، وفيها مؤلفات خطية لكثير من أعلام القرن التاسع الهجري المصريين، مثل المقريزي والسيوطي والسخاوي وابن إياس وغيرهم، مما يندر وجوده بمصر ذاتها صاحبة هذا التراث العلمي.
وهكذا انهار صرح الحركة الفكرية، في مصر الإسلامية، عقب الفتح التركي، كما انهار ت عناصر القوة والحياة في المجتمع المصري، وتضاءل شأن العلوم والآداب، وانحطّ معيار الثقافة واختفى جيل العلماء والكتاب الأعلام، الذين حفلت بهم العصور السالفة، ولم يبق من الحركة الفكرية الزاهرة، سوى آثار دارسة، يبدو شعاعها الضئيل من وقت إلى آخر.
وأصاب الأزهر، ما أصاب الحركة الفكرية كلها، من الانحلال والتدهور، فاضطربت أحواله، ونضبت موارده تباعاً وانخفض عدد أساتذته وطلابه، وانكمشت حركة التعليم كلها، سواء في الجوامع أو في المدارس، لإهمال النفقة عليها، وانقطاع مواردها القديمة من الهبات والأوقاف، ولجأ كثير من العلماء والطلاب إلى أقاصي الصعيد، بعيداً عن عسف الفاتحين وظلمهم، وقامت هنالك في قفط وقوص وغيرهما حركة علمية وأدبية محلية.
على أن الجامع الأزهر، استطاع خلال المحنة الشاملة، أن يستبقي شيئا من مكانته، وأن يؤثر بماضيه التالد، وهيبته القديمة، في نفوس الغزاة أنفسهم، وقد كان الأزهر قبل الفتح العثماني، يتمتع بشهرة علمية ودينية راسخة، في البلاد العثمانية، وقد وفد عليه ودرس فيه، جمهرة من أكابر العلماء العثمانيين، مثل شمس الدين الفناري الذي وفد على مصر في أواخر القرن الثامن الهجري، وكان تلميذاً وزميلاً للحافظ ابن حجر، ويعقوب ابن إدريس، الشهير بقرأ يعقوب المتوفى سنة 833هـ، ومحي الدين الكافية جي([827]) المتوفى سنة 879هـ، وقد درس ثم تولى التدريس بالجامع الأزهر وغيره من المعاهد وكان شيخاً للسيوطي وغيره من الأعلام المصريين، وكان يدرس المعاني والبيان والمنطق والفلسفة، وأحمد ابن اسماعيل الكوراني المتوفى سنة 893هـ، وقد درس الحديث والتفسير، على ابن حجر وغيره من أقطاب العلماء المصريين وغير هؤلاء من أعلام الترك، الذين برعوا في العلوم العربية والإسلامية ونهلوا من تراث مصر العلمي والديني، وحملوه إلى بلادهم.
كان للأزهر منذ البداية إذاً، في نفوس الغزاة هيبته واحترامه، فنجد الفاتح التركي يتبرك بالصلاة فيه غير مرة([828])، ونجد الغزاة يبتعدون عن كل مساس به، ويحلونه من بين سائر الجوامع والمعاهد مكانة خاصة، ويحاولون فيما بعد، استغلال نفوذ علمائه، كلما حدث اضطراب أو ثورة داخلية. وفي خلال ذلك يغدو الأزهر ملاذاً أخيراً لعلوم الدين واللغة، ويغدو بنوع خاص معقلاً حصيناً للغة العربية، تحتفظ في أروقته، بكثير من قوتها وحيويتها، ويدرأ عنها، بجهود علمائه وطلابه عادية التدهور النهائي ويمكنها من مغالبة لغة الفاتحين ومقاومتها، وردها عن التغلغل في المجتمع المصري.
وكان الأزهر في نفس الوقت، كعهده القديم، دائماً مقصد أكابر العلماء الوافدين على مصر سواء من المشرق أو المغرب.
واستمر الأزهر قائماً بمهمته العلمية التالدة، لا يلوي على شيء والظلمات تتكاثف من حوله، ومصباحه الخافت يرتجف في مهب الريح، وهو ينكمش ويتضاءل شيئاً فشيئاً، سواء من حيث موارده، أو شيوخه وطلابه، حتى أن طلبته في أواخر القرن الثاني عشر بلغوا نحو ألف طالب فقط، بعد أن كانوا آلافاً عدة، وتضاءل عدد شيوخه على هذا النحو، وأبلغ من ذلك في الدلالة على ما أصاب الأزهر من التدهور العلمي في تلك الفترة، وأن العلوم الرياضية لم تكن تدرس به في أواخر القرن الثاني عشر، وقد لاحظ ذلك الوزير أحمد باشكور والي مصر سنة 1162هـ (1748م) وكان من هواة العلوم الرياضية حينما قابله صدور العلماء، وفي مقدمتهم الشيخ عبدالله الشبراوي شيخ الجامع الأزهر، وأحجموا عن التحدث معه في العلوم الرياضية، واعتذروا بأنهم لا يعرفون شيئاً منها، ونعى الوزير في حديث له مع شيخ الجامع أورده لنا الجبرتي، هذا النقص على علماء مصر، وهو نقص يدلي بما آلت إليه أحوال الدراسة بالأزهر خلال العصر التركي.
على أن الجامع الأزهر، بالرغم من كل ما أصابه من التدهور والركود لبث حفيظاً على أمانته التاريخية الكبرى. وقد استطاع في تلك الأحقاب المظلمة أن يسدي إلى اللغة العربية، والعلوم الإسلامية أجلّ الخدمات. وإذا كانت مصر قد لبثت خلال العصر التركي، ملاذاً لطلاب العلوم الإسلامية واللغة العربية، فأكبر الفضل في ذلك عائد إلى الأزهر. وقد استطاعت مصر لحسن الطالع بفضل أزهرها أن تحمي هذا التراث نحو ثلاثة قرون، حتى انتهى العصر التركي.
وربما كانت هذه المهمة السامية، التي ألقى القدر زمامها إلى الجامع الأزهر، في تلك الأوقات العصيبة، من حياة الشعب المصري والعالم الإسلامي بأسره، هي أعظم ما أدى الأزهر من رسالة، وأعظم ما وفق لإسدائه لعلوم الدين واللغة خلال تاريخه الطويل الحافل.
وذكر لنا الجبرتي بعض الكتب الأزهرية، التي كانت تدرس بالأزهر، خلال القرن الثاني عشر الهجري، (الثامن عشر الميلادي) ومنها الأشموني، وابن عقيل، والشيخ خالد وشروحه، والأزهرية وشروحها، والشذور، وكتب التوحيد، مثل شروح الجوهرة، والهدهدي، وشروح السنوسية الكبرى، والصغرى، وبعض كتب المنطق والاستعارات والمعاني والبيان، وهذا عدا كتب الحديث والتفسير التقليدية المعروفة.
الأزهر وقت الاحتلال الفرنسي
لبث الأزهر في ظل الحكم العثماني سائراً في طريقه، قائماً بمهمته العلمية، وذلك بالرغم مما كان يحيط به من الصعاب، ويعتريه من أسباب الضعف المادية والأدبية.
وقد انتهى الأزهر كما رأينا، في أواخر القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي)، إلى حالة من الركود والانحلال لم يعانِ مثلها من قبل قط، وهبط عدد أساتذته وطلابه إلى أقل حدّ وصل إليه في عصر من العصور، كما هبط مستواه العلمي والثقافي، ونضبت حلقاته من العلوم العقلية والجدلية القديمة، التي كانت تدرس به من قبل، واقتصرت على العلوم الدينية وعلوم اللغة، تدرس بطرائق سفسطائية عقيمة.
على أن هذه الحالة المؤسفة، التي انتهى إليها الجامع الأزهر، في ظل الحكم العثماني، لم تفقده حيويته القديمة فقد لبثت هذه الحيوية كامنة بين جدرانه، وبين شيوخه وطلابه، تنتظر الهزة توقظها، والشرارة التي تضرمها.
وقد شاء القدر أن تقع هذه الهزة، وأن تضطرم هذه الشرارة، عن طريق حادث جلل كان له أكبر صدى، في تطور مصر التاريخي، في خاتمة القرن الثامن عشر، ونعني بذلك الغزو الفرنسي.
وصلت حملة نابليون الغازية إلى مياه الإسكندرية، في يوم أول يوليو سنة 1798م (17 محرم سنة 1213هـ)، ونزلت الجنود الفرنسية إلى الثغر في مساء اليوم التالي، فاحتلته فرقة منهم، ثم تلاحقت قواتهم إلى دمنهور في طريقها إلى القاهرة، وأذاع نابليون على الشعب المصري منشوره الشهير.
وهزم الفرنسيون قوات مراد بك في معركة الأهرام، أو معركة أمبابة، في 21 يوليو سنة 1798م، وعبروا النيل واحتلوا القاهرة، وانسحبت القوات المدافعة الأخرى مؤمنة بعقم القتال، وتركت العاصمة تحت رحمة الغزاة، فساد في أرجائها الاضطراب والذعر وفرّ الكثيرون في مختلف الأنحاء.
وهنا يبدو الجامع الأزهر، في ثوبه الذي اتّشح به غداة المحنة، واستمر متّشحاً به خلال الأحداث المتعاقبة، التي انتهت بجلاء المحتلين عن البلاد وتحريرها من الحكم التركي، ثوب القيادة الشعبية، والزعامة الوطنية، ففي صباح يوم الأحد غرة شهر صفر سنة 1213هـ (22 يوليو) اجتمع في الجامع الأزهر بعض العلماء والمشايخ، ولم يكن الغزاة قد عبروا النيل إلى القاهرة بعد، وتباحثوا في الأمر، واتّفق الرأي على أن يبعثوا برسالة إلى الفرنسيين يسألونهم عن مقاصدهم، ثم يرون ماذا يكون الجواب، وأسفرت المحادثات عن إصدار خطاب لأهل مصر بالأمان، وتوكيد نيّات الفرنسيين الحسنة، وفي يوم الثلاثاء 25 يوليو، بعد أن عبر الفرنسيون إلى القاهرة، واستقر بونابرت في منزله الألفي بالأزبكية، استدعى العلماء والمشايخ لمقابلته، وعلى رأسهم الشيخ عبدالله الشرقاوي شيخ الأزهر، وأسفرت المباحثات عن تأليف ديوان يشرف على حكم القاهرة وتدبير شؤونها، مؤلف من تسعة أعضاء من علماء الأزهر، وعندما اشتدّ عسف الفرنسيين ألقت النقمة العامة صداها في الجامع الأزهر، وألّفت داخل الجامع «لجنة للثورة» حسبما تسميها المصادر الفرنسية، وعندما تحول الأمر إلى ثورة فعلية أيقن الفرنسيون أن لا بد للتغلب نهائياً على الثوار، أن يحتلوا الجامع الأزهر والمنافذ المؤدية إليه، وصدرت الأوامر بضرب الجامع الشهير، وأخذت القنابل تنهال عليه، وعلى الأحياء المجاورة، ثم اقتحموه بخيولهم، واحتلوه يوم الثلاثاء 23 أكتوبر سنة 1798م (13 جمادى الأولى 1213هـ). وقبضوا على بعض علمائه وأعدموهم. كما أنه إثر اغتيال الجنرال كليبر أعدم فريق من طلاب الأزهر وقام الفرنسيون بإجراءات شديدة داخل الأزهر. فرأى شيخ الأزهر عبدالله الشرقاوي تعذر استمرار الدراسة في هذا الجو فقرر إغلاقه نهائياً. وذلك في 28 محرم 1215هـ، 21 يونيو 1800م وظلّ الأزهر مغلقاً زهاء عام. أي إلى أن جلا الفرنسيون سنة 1801م.
إدارة الجامع الأزهر ومشيخته
لم يكن الجامع الأزهر حين إنشائه أكثر من مسجد رسمي للدولة، فكان الإشراف على شؤونه يجري على نفس النمط الذي اتبع من قبل في الإشراف على شؤون المساجد الجامعة الأخرى، وكان هذا الإشراف يرجع غالباً إلى وليّ الأمر، سواء مباشرة أو بطريق غير مباشرة، وقد أنشىء الجامع الأزهر كما رأينا على يد جوهر نائب الدولة الجديدة، وتعهده الخلفاء الفاطميون أنفسهم بالإشراف والنفقة، وأبدى العزيز بالله ووزيره ابن كلس بالأخص نحوه عناية خاصة، واكتسب في عهدهما، وعلى يدهما لأول مرة صفته العلمية الجامعية، ولم يكن الحاكم بأمر الله أقلّ عناية بالأزهر من أبيه العزيز فقد عني بتجديده وخصه بجانب من ريع أملاكه التي أوقفها على مساجد القاهرة، ثم جدده الخليفة المستنصر بالله، وجدّده من بعده الخليفة الحافظ لدين الله. وهكذا لبث الأزهر طوال أيام الدولة الفاطمية مشمولاً برعاية الخلفاء الفاطميين واهتمامهم، وعنايتهم بسائر شؤونه.
وقد انتهت إلينا عن إدارة الأزهر الداخلية في العصر الفاطمي إشارات عديدة تلقي ضوءاً على حقيقة النظام الذي كان متبعاً في إدارته في ذلك العصر. ففي سجل الوقف الذي رتبه الحاكم بأمر الله لمساجد القاهرة في سنة 400هـ (1010م)، والذي نقل إلينا المقريزي نصه الكامل، نجد الإشارات الآتية:
من ذلك للخطيب بهذا الجامع أربعة وثمانون ديناراً… ومن ذلك الأرزاق المصلّين يعني الأئمة وهم ثلاثة وأربعة قومة، وخمسة عشر مؤذناً، خمسمائة دينار وستة وخمسون ديناراً ونصف، منها للمصلين لكل رجل منهم ديناران وثلثا دينار وثمن دينار في كل شهر من شهور السنة، والمؤذنون والقومة لكل رجل منهم ديناران في كل شهر. ومن ذلك للمشرف على هذا الجامع في كل سنة أربعة وعشرون ديناراً.
وفي سجل الوقف المذكور إشارات أخرى إلى قيمة ما رصد لكسوة الجامع الأزهر من الحصر، ولتبخيره في رمضان وفي أيام الجمع من العود الهندي والكافور والمسك، وما يلزم لكنسه وإنارته من مؤن القناديل والتنانير من الملح والزيت والسلاسل والحبال وغيرها، ولوضع أزيار الماء فيه وما يدفع للعمال والخدم الذين يقومون بفرشه وتنظيفه، وأداء جميع ما يطلب لتجميله وإعداده للمصلين والطلاب.
ونقل إلينا المقريزي في مواضع أخرى إشارات لبعض مؤرخي الدولة الفاطمية عن «خطيب الجامع الأزهر». من ذلك ما نقله عن ابن الطوير في تقديم خطيب الجامع الأزهر في إلقاء الخطبة بين يدي الخليفة في أيام المواليد الستة التي كانت تحتفل بها الخلافة الفاطمية، وهي المولد النبوي، ومولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ومولد ولديه الحسن والحسين ومولد زوجه السيدة فاطمة الزهراء، ومولد الخليفة القائم([829]).
كذلك نرى «خطيب الجامع الأزهر» يذكر في وصف الاحتفال بليالي الوقود، حيث يخطب أيضاً بين يدي الخليفة في هذه الليالي الأربع متقدماً زملاءه من خطباء المساجد الأخرى([830]).
نستطيع أن نستخلص مما تقدم أن الإشراف على الجامع الأزهر كان يجري في ظل الدولة الفاطمية على النحو الآتي:
فيما تعلق بإصلاحه وعمارته والإنفاق عليه، يرجع أمره إلى الخلفاء أو من يختارونه لذلك من الأمراء والوزراء.
وما تعلق بشؤون الصلاة يرجع إلى الخطيب وإلى عدد من الأئمة والقومة والمؤذنين، والخطيب في الواقع هو رئيس الجامع الديني، وهو الذي يتولى الخطابة في الصلوات الجامعة، والحفلات الدينية الرسمية بين أيدي الخليفة أو نائبه ويدير شؤون المسجد الدينية بوجه عام.
والظاهر أن وظيفة «خطيب» الجامع الأزهر، لبثت تنمو في الأهمية على مرّ الزمن تبعاً لنمو أهمية الأزهر نفسه، فنراها في أواخر الدولة الفاطمية تسند إلى رجال من أصحاب المناصب الدينية الرفيعة مثل داعي الدعاة، فقد ذكر لنا ابن ميسر في أخبار سنة 517هـ أنه أسند إلى داعي الدعاة أبي الفخر صالح «منصب الخطابة بالجامع الأزهر» مع خزانة الكتب([831]).
أما إدارة المسجد الداخلية من فرشٍ وتنظيفٍ وتجميلٍ فترجع إلى المشرف ومعاونيه من العمال والخدم.
أما ما يتعلق بشؤون الدراسة والأساتذة والطلاب والنفقة عليهم، فقد رأينا أنه يرجع إلى الخلفاء وإلى ذوي البرّ من أكابر رجال الدولة، وقد كان العزيز بالله ووزيره ابن كلس أول من رتب النفقة الدائمة للقراء والأساتذة بالأزهر، وحذا حذوهما في ذلك الأمراء والخلفاء والكبراء، في مختلف الدول والعصور([832]).
والظاهر أن هذا النظام للإشراف على الجامع الأزهر لبث متّبعاً في جوهره بعد الدولة الفاطمية، فمثلاً نرى في أواخر القرن الثامن، في عهد الملك الظاهر برقوق، ولاية النظر على الجامع الأزهر، تسند في سنة 784هـ إلى الطواشي بهادر مقدم المماليك السلطانية، وفي أثناء ولايته صدر مرسوم ملكي يقضي بأن من توفي من مجاوري الجامع دون وارث شرعي، وخلف تركة، فإنها تؤول الى زملائه المجاورين، وفي سنة 818هـ في عهد السلطان المؤيد، وليّ نظر الجامع الأمير سودوب القاضي حاجب الحجاب، فكان مما قرره منع المبيت بالجامع الأزهر، وأخرج المجاورين الذين اعتادوا السكنى في أروقته من المصريين والغرباء، وينعي المقريزي هذا التصرف على الأمير سودوب، ويقول لنا أنه ترتّب عليه تشريد كثير من المجاورين، وحلّ بهم بلاء كبير. ولكن الظاهر أنه كان لهذا التصرف حكمة، فقد كان يغشى الجامع الأزهر تحت ستار الدرس أو المأوى كثير من السفلة والرعاع، وترتكب فيه آثار وأمور مخلّة بحرمته، من سرقات وشغب وفجور، ولا سيما في ليالي الموالد والحفلات الليلية، فلجأ الأمير سودوب إلى هذا الإجراء لتطهير الجامع والمحافظة على حرمته([833]). وبعد ذلك بقليل من زمن السلطان المؤيد أيضاً ولي نظر الجامع الخواجا شمس الدين محمد الماحوري أحد تجار الكارم والجوهر، وكان من أصدقاء المؤيد، وذلك بطريق النيابة عمن له النظر على الجامع (ولعله الأمير سودوب أيضاً) فاستعمل القسوة في تنظيم شؤونه الداخلية، وكان يطوف ومعه عصى لردع المخالفين، وقاسى الطلاب منه شدّة. ومن الواضح أن ولاية هؤلاء الكبراء النظر على الجامع كانت تقتصر على الناحية الإدارية مما يتعلق بإصلاحه وتعميره والإنفاق عليه، وتعيين الموظفين اللازمين لإدارته.
أما شؤون العبادات فقد كانت دائماً من اختصاص خطيب الجامع وإمامه. وقد كان يلي خطابة الجامع الأزهر في العصور المتأخرة كما في العصور المتقدمة أكابر القضاة والعلماء.
أما شؤون الدراسة فكان المرجع فيها على الأغلب إلى السلطان ووزرائه. وقد كانت مناصب التدريس في الأزهر وما اليه من المدارس الكبيرة يومئذٍ من المناصب الدينية الهامة، فلا يعين فيها سوى أكابر الأساتذة والعلماء، بيد أنه كان للواقفين والواهبين بلا ريب رأي في تعيين أنواع العلوم التي يخصونها بهباتهم، وفي اختيار الأساتذة الذين يتولون تدريسها.
ويلخص الدكتور بولرز مسألة الإشراف على الأزهر في الفقرة الآتية: «في العصور الوسطى، كان المشرف على الأزهر هو «الناظر»، ويعتبر من أكابر موظفي الدولة، وكان لكل رواق رئيسه أو شيخه أو النقيب.
ومنذ العصر العثماني فقط كان للأزهر رئيس علمي، هو «شيخ العموم» وهو يقابل مدير الجامعة في الجامعات الألمانية. ويكون تحت إشرافه شيوخ الأقسام المختلفة، وهو يتعامل مع الحكومة مباشرة.
وإذا كان من المستطاع أن نتتبّع بعض النصوص والإشارات التي تلقي ضوءاً على نظم الإشراف على الجامع الأزهر في العصر الفاطمي، وفي عصور السلاطين، فإنا لا نكاد نظفر بعد ذلك برواية أو نصوص شافية توضح لنا كيف تطورت هذه النظم إلى نظام المشيخة الحالي. ومن المعروف الذائع أن نظام المشيخة الحالي إنما هو نظام حديث يرجع على الأكثر إلى نحو قرنين ونصف، وأنه طبق لأول مرة في أواخر القرن الحادي عشر الهجري، وما زال هذا النظام نظام المشيخة، قائماً بالجامع الأزهر إلى يومنا، حيث يقوم «شيخ الجامع الأزهر» على رئاسته الدينية والإدارية.
تلك هي الرواية الذائعة عن أصل مشيخة الأزهر ما زالت تتردد منذ عصر الجبرتي وهو أول من دوّنها فيما يظهر، حتى يومنا.
على أنه يلوح لنا أن هذه الرواية الذائعة عن أصل مشيخة الأزهر، هي في الواقع رواية ينقصها التحقيق والدقة، أجل إن نظام المشيخة أمرٌ مستحدثٌ في رئاسة الجامع الأزهر، ولكنه يرجع فيما يظهر إلى ما قبل القرن الحادي عشر الهجري، ولعله يرجع إلى أوائل العصر التركي، ومن المحقق أن هذا النظام لم يكن معروفاً قبل الفتح التركي، فلم يكن للجامع الأزهر «شيخ» من العلماء يتولى رئاسته الدينية والإدارية، ولم تكن رئاسة الأزهر من الوظائف تنحصر حتى أوائل القرن العاشر أعني إلى الفتح التركي في القضاة الأربعة، وهم القاضي الشافعي، والقاضي الحنفي، والقاضي المالكي، والقاضي الحنبلي، والمحتسب، وكانت الحسبة كالقضاء وظيفة دينية يشغلها عالم ديني كبير، وكان لقب شيخ الإسلام الذي أطلق فيما بعد على شيوخ الجامع الأزهر، يطلق في هذه العصور على كبير القضاة الأربعة وهو دائماً القاضي الشافعي. ونظام القضاة الأربعة قديم يرجع إلى عصر الملك الظاهر بيبرس (658 ـ 676هـ) حيث عيّن في سنة 663هـ (1265م) قضاة لكل مذهب من المذاهب الأربعة، وكان يتولى رئاسة القضاة في مصر منذ الفتح الإسلامي قاضٍ واحد أو قاض للقضاة، وكان قاضي القضاة أيام الدولة الفاطمية شيعياً على مذهب الدولة القائمة، فلما تبوّأ صلاح الدين ملك مصر عقب انتهاء الدولة الفاطمية قطع الدعوة الشيعية، وأعاد الدعوة العباسية وعيّن لمصر قاضياً من الشافعية، واستمر الأمر على ذلك زهاء قرن حتى أنشأ الملك الظاهر نظام القضاة الأربعة.
ولما افتتح الترك العثمانيون مصر في سنة 923هـ (1517م) تركت الأنظمة الداخلية على حالها مدى حين، وفي سنة 929هـ (1523م) أصدر السلطان سليمان أمره بإلغاء نظام القضاة الأربعة، وعين لرئاسة القضاء في مصر قاضياً تركياً من الحنفية، وجعل له نواباً من المذاهب الأخرى.
والظاهر أن نظام مشيخة الجامع الأزهر يمتّ بصلة إلى هذا التغيير في نظام الوظائف الدينية الرئيسية، وقد يرجع التفكير فيه أو قيامه إلى منتصف القرن العاشر الهجري. ومع أننا لم نعثر كذلك فيما أتيح لنا من المراجع على نصوص قاطعة تلقي ضوءاً واضحاً على أصل مشيخة الأزهر والوقت الذي بدأ فيه تطبيق هذا النظام، فإنه توجد مع ذلك ثمة قرائن عديدة تدل على أنه يرجع إلى ما قبل أواخر القرن الحادي عشر بكثير.
والمرجح لدينا أن هذا النظام يرجع إلى أواسط القرن العاشر وأنه يمتّ بصلة إلى التغييرات التي أحدثها الترك العثمانيون في الوظائف الدينية الكبرى، وقد كان لشيخ الجامع الأزهر وعلمائه نفوذ خاص، يستمدّه ولاة الأمر كلما اقتضت الظروف والحوادث، وقد بلغ هذا النفوذ فيما بعد مبلغ الرئاسة والزعامة في أواخر القرن الثاني عشر، ولا سيما وقت مقدم الحملة الفرنسية حيث كان لأكابر الشيوخ رأي بارز في معظم الحوادث والشؤون الداخلية، وكانوا يعتبرون ممثلي الأمة في معنى من المعاني، وقد انتخب منهم أعضاء الديوان الذي ألّفه الفرنسيون لحكم مدينة القاهرة، وكان لهم نفوذ يذكر في سير الحوادث في ذلك الحين.
الجامع الأزهر والحياة العامة
كان الجامع الأزهر مدى عصور دعامة الحياة الفكرية في مصر الإسلامية وفي العالم العربي، ولم يكن يقتصر في تلك العصور على القيام بمهمته كجامعة دينية وثقافية كبرى، ولكنه كان في نفس الوقت يشغل مكانة خطيرة في حياة مصر العامة، وكان له فضلاً عن زعامته الدينية والعلمية الراسخة طوال العصور الوسطى، نفوذه السياسي والاجتماعي العتيد.
ومضى على الأزهر في ظل الدولة الأيوبية التي خلفت الدولة الفاطمية واستولت على تراثها زهاء قرن، وهو مسلوب المكانة والنفوذ، معطل عن العالم. ويقول محمد الأسمر في الجزء الرابع من المجلد السابع والعشرين من مجلة الأزهر (424) إن صلاح الدين الأيوبي أقفل الأزهر، وإنه بقي مقفلاً إلى أيام الملك الظاهر بيبرس، فظلّ بذلك معطلاً نحو (260) سنة. وفي عهد الملك الظاهر جدد بناءه الأمير عز الدين أيدمر وردّ له حقوقه وتبرع له بمال جزيل.
بيد أن هذه الضربة التي وجهت إلى نفوذ الأزهر الديني، والتي استطالت زهاء مائة عام، لم تذهب بنفوذه العلمي. فلما أتيح له في عصر الملك الظاهر، أن يحرر من هذه العثرة، وأن يستردّ نفوذه الديني بعودة الخطبة الرسمية إليه، وأن يوطد نفوذه العلمي في نفس الوقت، استطاع أن يحتل في ظل السلاطين مكانته الحقة في حياة مصر العامة. ومنذ القرن السابع الهجري، يغدو الأزهر بنفوذه الديني والعلمي، عنصراً بارزاً في توجيه الشؤون العامة. وكان علماء الأزهر في تلك العصور يستأثرون بكثير من المناصب الهامة، ويشغل كثير منهم مناصب سياسية ذات شأن في البلاط وفي الحكومة. وحسبك أن تعلم أن مناصب القضاة الأربعة، ومنها منصب قاضي القضاة، ومناصب نواب القضاة الأربعة، ومنصب المحتسب، كانت بطبيعتها وقفاً على العلماء، هذا فضلاً عن مناصب الوزارة، ولا سيما ديوان الإنشاء، وديوان الأحباس، وغيرها من وظائف الدولة الكبرى، فقد كان يشغلها في معظم الأحيان رجال من العلماء (رجال القلم)، وكان كثير منهم يجمع بين منصبه العام، ومنصب التدريس بالجامع الأزهر، أو بإحدى المدارس الكبرى، وكان لهؤلاء في وظائف الدولة، نفوذ كبير وكان هذا النفوذ يصل في بعض الأحيان إلى حدّ التأثير في تعيين الولاة والسلاطين وربما كان لفتوى قاضي القضاة، أثرها في تغيير مصائر العرش، أو في تعضيد مركز والٍ أو سلطان، لم يكن الأمر قاصراً على ذلك، فقد كان الأزهر يتمتع بنوع من القدسية، وتتجه إليه الأبصار أيام المحن والأزمات العامة، من وباء أو غلاء أو غيرها.
ولبث الأزهر على هيبته، ورفيع مكانته، ولبث علماؤه يتمتعون بنفوذهم القوي في حياة مصر العامة زهاء ثلاثة قرون، حتى أنه بقي كما أسلفنا محتفظاً بزعامته العلمية والفكرية، ونفوذه الروحي القديم، وقد كان بفضل هذه الزعامة، يستطيع أحياناً أن يزاول بعض نفوذه السياسي القديم، وكان تدخّل شيوخ الأزهر يعاون أحياناً في تغيير الولاة الطغاة، خصوصاً متى كان الشعب من وارئهم، وقد كان الشعب دائماً، في تلك الحقبة الطويلة، يعتبر شيوخ الأزهر وعلماءه، زعماءه الحقيقيين، ومن ثم فقد كان الولاة يحيطون الأزهر وشيوخه برقابتهم الساهرة.
ولما أخذ الحكم التركي في الاضمحلال والضعف، منذ أواخر القرن الثاني عشر، وبدأت البوادر الأولى لاستقلال مصر الذاتي تبدو في الأفق، عاد الأزهر يتمتع بنفوذه القديم في الشؤون العامة، ويقف علماؤه وراء الولاة والحكام، يهدونهم بالتوجيه والنصح، ويحاولون من آنٍ لآخر بنفوذهم ومساعيهم، أن يرفعوا بعض أنواع المظالم عن كاهل الشعب، والواقع أن الأزهر، كان في تلك الفترة التي اضطربت فيها الأحكام، وكثرت صنوف التعسف والمظالم، يعتبر ككعبة للمظلومين وذوي الحاجات، يؤمونه كلما اشتد بهم الكرب، أو وقع عليهم الحيف، ويتولى العلماء بما لهم من الهيبة والنفوذ رفع ظلاماتهم إلى أولياء الأمر، وقد يفلحون في أحيان كثيرة في رفع هذه المظالم أو شيء منها.
وقد أورد لنا الجبرتي طائفة من الحوادث من هذا النوع تؤيد صفة الأزهر، كراعٍ لمصالح الشعب، ومدافع عن حقوقه.
ونستطيع على ضوء هذه الوقائع، أن نقدر أهمية الدور الذي كان يضطلع به علماء الأزهر، في ذلك العصر، في تولي التعبير عن آلام الشعب ومظالمه، وفي طلب الانتصاف له، وتحقيق رغباته.
ومن جهة أخرى، فقد كان ولاة الأمر أنفسهم، يلجؤون أحياناً إلى شيوخ الأزهر، لإصدار الفتاوى ومحاولة الاستناد إليها في تدعيم وجهات نظرهم.
على أن أهم ما تميزت به مكانة الأزهر في أواخر القرن الثاني عشر، هو زعامته الشعبية والوطنية، وقد تجلّت هذه الزعامة بأروع مظاهرها، أيام الاحتلال الفرنسي، حيث تولى الجامع الأزهر، شيوخه وطلابه، قيادة المقاومة الشعبية وتنظيمها، وكان على رأس كل ثورة وطنية اضطرمت بها القاهرة ضد المحتلين، وقد احتمل الأزهر خلال تلك الحوادث العصيبة أعظم التضحيات، فضرب بالقنابل، وانتهكت حرمته واحتلت ساحاته وأروقته، وأعدم عدة من شيوخه وطلابه.
وكان للأزهر وعلمائه بعد جلاء الفرنسيين عن مصر، شأن يذكر في تعضيد محمد علي، وتأييده في المطالبة بولاية مصر، وفي المعارضة في عزله واستبداله بغيره، وقد تدخّل لتأييده غير مرة، وكان لموقفهم أثره في حشد الشعب من حوله، والتمهيد لظفره، وتوطيد مركزه، وذلك بالتعاون مع السيد عمر مكرم، وقد كللت مساعيهم يومئذٍ بالنجاح، واشترك شيخ الجامع الأزهر، مع السيد عمر مكرم، في إلباس خلعة الولاية لمحمد علي، وذلك في صفر سنة 1220هـ (مايو سنة 1805م).
والخلاصة أن الأزهر، لبث خلال مختلف العصور والدول محتفظاً بمكانته ونفوذه. وقد يتضاءل هذا النفوذ أحياناً تحت ضغط سلطان الطغيان السياسي، ولكنه يبقى كامناً يبدو عند أول فرصة. وقد كان العصر التركي أشد العصور وطأة على الأزهر، ولكنه استطاع خلال المحنة، أن يحتفظ بكثير من قوته ونفوذه، حسبما دلت على ذلك حوادث الاحتلال الفرنسي، ولما انتهت المحنة، وهدأت الأحوال نوعاً ما، واستقر العهد الجديد ـ عهد محمد علي ـ صادر هذا العهد الكثير من أوقاف الأزهر وحدّ من نفوذه.
ولبث الأزهر زهاء نصف قرن في حالة عزلة وركود بعيداً عن مجاراة التيارات الثقافية الجديدة التي اتجهت إليها مصر، منذ أوائل القرن التاسع عشر، وانكمش نفوذه القديم انكماشاً ظاهراً. ولكنه أخذ منذ عصر إسماعيل يتأثر بتيار الحركة الإصلاحية الجديدة وينفض عنه غبار الركود والانكماش. وحدث في ذلك الوقت بالذات، حادث كان له أثر عميق في مضاعفة وعي الأزهر وطموحه إلى مثل التحرر والتجديد، ذلك هو مجيء السيد جمال الدين الأفغاني إلى مصر، واتصاله بالأزهر وطلابه.
وما نود أن ننوّه به هنا، هو النزعة الإصلاحية العميقة، التي بثّتها تعاليم السيد جمال الدين في البيئة الأزهرية والتي كان لها أثرها ـ إلى جانب العوامل الأخرى التي اجتمعت يومئذٍ ـ في إيقاظ الأزهر، ودفعه إلى محاولة التمشي مع التطورات الجديدة، والمشاركة في الأحداث القومية العامة. وقد كانت حلقات السيد جمال الدين تضم نخبة من الطلاب الأزهريين الذين ظهروا في ميدان الحوادث فيما بعد، وفي طليعتهم الشيخ محمد عبده. ولما قامت الثورة العرابية كان كثير من زعمائها المفكرين، من علماء الأزهر وطلابه، بل كان زعيمها الأول أحمد عرابي نفسه، ممن تلقوا العلم في الأزهر.
وامتازت الفترة الأخيرة من القرن التاسع عشر وفاتحة القرن العشرين بظهور طائفة من نوابغ المفكرين والصحفيين والأدباء الذين درسوا في الجامع الأزهر، وكان لهم أثر يذكر في توجيه الرأي العام، وإيقاظ الشعور الوطني، كما كان لهم أثر في تطور الحركة الأدبية والنهوض بها، وفي صقل الأساليب الأدبية والصحفية.
ولم ينس بعد أبناء الجيل الحاضر، ذلك الدور العظيم الذي قام به الأزهر في الثورة الوطنية الكبرى التي اضطرمت ضد الإنجليز، في ربيع سنة 1919م، واحتلت الجنود الإنجليزية مشارفه ورابطت أمام أبوابه، بل ذهبت في ذلك إلى محاولة غلق الأزهر، وطلبت إلى شيخه يومئذٍ أن يقوم بغلقه فرفض، واحتجّ بأنه مسجد تقام فيه الشعائر الدينية.
ولكن الأزهر ذاته بقي مع ذلك بمعزل عن المؤثرات والاتجاهات الفكرية الجديدة التي انبعثت في مصر في القرن التاسع عشر، قانعاً بدراساته ومناهجه القديمة.
ومع ذلك فقد لبث الأزهر موئل الثقافة الشعبية العامة، واستطاع أن يحتفظ بامتيازه القديم كمركز لعلوم الدين واللغة.
وفي بداية عصر إسماعيل كانت العلوم الآتية تدرس بالأزهر، وذلك حسبما ورد في تقرير رسمي لمشيخة الأزهر، وضعته بناءً على طلب الحكومة لتبعث به إلى لجنة معرض باريس، وذلك في سنة 1282هـ (1864م):
الفقه. الأصول. التفسير. الحديث. التوحيد. النحو والصرف. المعاني والبيان والبديع. متن اللغة. العروض والقافية. الحكمة الفلسفية. التصوف. المنطق. الحساب. الجبر والمقابلة. الفلك والهيئة.
وزادت المشيخة على ذلك، أنه فضلاً عن هذه العلوم المتداولة تقرأ بالأزهر بعض علوم أخرى وغيرها لمن لهم اقتدار على دراستها بيد أنه لا يشتغل بدراستها سوى القليل. وفي عصر إسماعيل كانت ثمار النهضة الحديثة قد تفتحت وأيعنت، وقام بمصر جيل من العلماء النوابغ في كل علم وفن، وبدأت مصر تتخذ مكانتها بين جماعة الأمم الفتية المستنيرة. وكان الأزهر قد بدأ يفيق من سباته الطويل، ويبرز شيئاً فشيئاً من غمر الماضي، ويتطلع بدوره إلى تفهّم الروح الجديدة، وكانت هذه اليقظة بطيئة ولكن محققة. ولما قدم السيد جمال الدين الأفغاني إلى مصر في سنة 1871م، وأخذ يعقد حلقاته، كانت هذه الحلقات حادثاً فكرياً واجتماعياً عظيماً، وكانت عاملاً في تغذية الروح الجديد الذي سرى إلى الحركة الفكرية الإسلامية.
وفي هذه الفترة بالذات ظهرت الآثار الأولى لهذا التطور في الأزهر، وأصاب الأزهر أول قسط من الإصلاح.
وهكذا صدر أول قانون نظامي للأزهر في سنة 1288هـ (1872م). وقد نظم هذا القانون طريقة الحصول على الشهادة العالمية، وبين موادها ورتبها على ثلاث درجات (أولى وثانية وثالثة) وأن تصدر بها براءة من ولي الأمر، وقرر أن تكون المواد التي يمتحن فيها الطلاب هي الآتية:
الأصول. الفقه. التوحيد. الحديث. التفسير. النحو. الصرف. المعاني. البيان. البديع. المنطق.
ولم يكن للأزهر قبل صدور هذا القانون شهادات دراسية معينة تمنح للطلاب، اللهم إلا «الإجازة» التقليدية التي كان يمنحها أكابر العلماء للطلاب المتقدمين إليهم، أو يمنحها أحد الأساتذة لتلميذه في مادة معينة أو كتاب معين، متى أتمّ الطالب دراسة هذه المادة أو حفظ هذا الكتاب، وأصبح قادراً على تدريس ما حفظ بدوره إلى الطلاب، وتمنح أيضاً للإفتاء لطلاب الفقه متى أتموا الدراسة لأصول مذهب معين، وقد لبثت هذه الإجازة بالأزهر مدى قرون عنوان الإجادة والتفوق، واستمر تداولها حتى العصر الأخير.
وكان هذا القانون أول خطوة عملية في تنظيم الحياة الدراسية، بالجامع الأزهر. بيد أنه لم يحقق كثيراً من الاصلاح المنشود.
وفي أوائل عهد عباس الثاني ظهرت بالأزهر حركة إصلاحية قوامها وروحها الشيخ محمد عبده، ولم تلبث أن أثمرت هذه الحركة ثمرتها، وصدر أمر خديوي بتشكيل لجنة إدارية دائمة تعنى بالنظر في شؤون التدريس ونظام الأروقة والمرتبات ودرجات العلماء وغيرها من مسائل الأزهر وشؤونه. وقامت اللجنة بمهمتها بإرشاد الشيخ محمد عبده، ووضعت القواعد والنظم المطلوبة، ونظمت شؤون الأساتذة والطلبة طبقاً لأصول وقواعد جديدة وأضيفت إلى مواد الدراسة طائفة من المواد الجديدة، الأخلاق. مصطلح الحديث. الحساب. الجبر. العروض والقافية. وجعل للتاريخ الإسلامي والإنشاء ومتن اللغة، ومبادىء الهندسة وتقويم البلدان، مواد يفضل المشتغل بها على غيره. وجعل لمجلس الإدارة الحق في تعديل مواد الدراسة طبقاً لما يراه. وهذه جميعاً من محتويات قانون الأزهر الصادر في سنة 1899م.
وفي سنة 1911م على أثر اضطرابات الأزهر المعروفة، صدر قانون جديد للأزهر ينظم الدراسة على أسس جديدة وبمقتضاه قسمت الدراسة إلى مراحل لكل منها نظام ومواد خاصة، وأنشئت هيئة للإشراف على شؤون الأزهر تحت رئاسة شيخ الجامع تسمى «مجلس الأزهر الأعلى» وأنشئت هيئة كبار العلماء وفقاً لنظام خاص، وأنشئت معاهد دينية جديدة في بعض عواصم المديريات وأضاف هذا القانون إلى مواد الدراسة، مواد جديدة هي التاريخ والجغرافية، والرياضة ومبادىء الطبيعة والكيمياء.
وتوالت على هذا القانون تعديلات عديدة، كان آخرها وأهمها التعديل الذي يتضمنه القانون الصادر في نوفمبر سنة 1930م وهو يتناول في الباب الأول، الكلام على الجامع الأزهر والمعاهد الدينية الملحقة به، وفي الرئاسة الدينية، وهيئة كبار العلماء، وفيه يعرف الجامع الأزهر بأنه يشمل كليات التعليم العالي، وأقسام التخصص، وأن هذه الكليات هي ثلاث، كلية الشريعة، وكلية أصول الدين، وكلية اللغة العربية، وأن التخصص نوعان، تخصص في المهنة، وتخصص في المادة ويتناول الباب الثاني مراحل التعليم ومدته. وهو يقسم التعليم إلى أربع مراحل، ابتدائي ومدته أربع سنوات، وثانوي ومدته خمس، وعال ومدته أربع سنوات، وهي مرحلة الدراسة في إحدى الكليات. والتخصص تحدد مدته بقانون خاص. ثم بيَّنَ العلوم التي تدرس في كل مرحلة من المراحل الأربعة، وفي كل كلية من الكليات الثلاث. ويتناول الباب الثالث مسألة الامتحانات والشهادات. والباب الرابع يتعلق بالطلبة وشروط قبولهم، ويتناول الباب الخامس الميزانية، وبعض الأحكام المؤقتة.
وقد كان هذا القانون في الواقع خطوة حاسمة في القضاء على نظم الدراسة القديمة بالأزهر، وإنشاء ما يسمى اليوم «بالجامعة الأزهرية» وأبرز ما فيه تصنيف العلوم الأزهرية، وتقسيمها إلى مجموعات شبه متناسقة، وإنشاء الكليات الثلاث: كلية أصول الدين، وكلية الشريعة، وكلية اللغة العربية، لتدرس في كل منها مجموعة من هذه المجموعات، ثم إنشاء نظام التخصص، وتصنيفه إلى نوعين، تخصص في المهنة، وتخصص في المادة.
وفي سنة 1936م صدر قانون جديد للأزهر يعتبر متمماً للقانون السابق، ومفصلاً له، وقد جعلت فيه مراحل التعليم بالأزهر أربع، هي مرحلة التعليم الإبتدائي ومدته أربع سنوات، والثانوي ومدته خمس سنوات، والعالي (وهو الدراسة في إحدى الكليات) ومدته أربع سنوات، وأما المرحلة الرابعة والنهائية فتنقسم إلى قسمين: الأول أقسام الإجازات لإعداد الطلبة للحصول على الشهادة العالمية، وهي ثلاثة: إجازة القضاء الشرعي، وإجازة الدعوة والإرشاد، وإجازة التدريس ومدة كل منها سنتان. والثاني أقسام التخصص في المادة لإعداد الطلبة للحصول على الشهادة العالمية من درجة أستاذ وهي ستة أقسام: الفقه، والأصول والتوحيد والفلسفة، وعلوم القرآن والحديث، والتاريخ الإسلامي، والنحو والبلاغة. ومدة كل قسم لا تقل عن خمس سنوات ولا تزيد عن سبع. وبيّن القانون والمواد التي تدرس في كل مرحلة وشروط الحصول على الشهادة العالمية، وعلى درجة أستاذ. وأطلق اسم الجامع الأزهر وأقسام الإجازات والتخصص التابعة له، وألحقت به معاهد التعليم الإبتدائي والثانوي بالقاهرة والإسكندرية وطنطا والزقازيق وأسيوط ودسوق ودمياط وشبين الكوم وهي المسماة بالمعاهد الدينية، وكذلك الأقسام العامة المنشأة في الجهات المتقدمة وفي المينا وسوهاج وقنا.
ولا ريب أنه انقلاب خطير حاسم، ذلك الذي أصاب الجامع الأزهر في عصرنا، وحول مجرى حياته القديمة، وأسبغ عليها طابعاً جديداً، يحمل في نظمه ومظاهره الخارجية، سمة المعاهد الدراسية الحديثة.
وقد اختتمت حياة المعهد الألفي القديم، ولم يبق من الجامع الأزهر القديم سوى ذلك الصرح الجليل الذي ما زال يحتل البقعة التي اختارها جوهر لإنشائه، يبدو بعمده وأروقته المنيفة كحلم جميل انقضى، بعد أن غمر الأجيال المتعاقبة بروعته عصوراً طويلة، واختفت تلك الحلقات العلمية الجليلة التي لبثت زهاء ألف عام سراجاً منيراً، ولم تبق منها سوى ذكريات دراسة.
ولم يكن ثمة شك في أن الأزهر كان بحاجة شديدة إلى الإصلاح والتجديد، ومجاراة نظم التعليم والتثقيف الحديثة، على ألا يجني ذلك الاصلاح والتجديد على رسالته الأساسية في السهر على مصائر العلوم الاسلامية والآداب العربية. ولكن هل يمكن أن يقال إن هذه المحاولات التي بدأت في عصر إسماعيل لإصلاح الأزهر، وانتهت في عصرنا بالقضاء على المعهد القديم، وكل مناهجه ورسومه وتقاليده، قد حققت الغاية المنشودة في تجديده وإحيائه، وحفظت عليه رسالته التاريخية كاملة غير منقوصة.؟
لقد حمل تيار التطور الأزهر إلى مصير غامض، وقد اضطرم الأزهر بروح الإصلاح والتجديد، ولكنه لم يظفر منه فيما نخشى إلا بالمظاهر العرضية، وقد خلع الأزهر رداءه العلمي القديم، وبدا لنا في شكل جامعة وكليات محدثة، ولكن هذا التغيير لم يتناول سوى المظاهر الشكلية. ولم يظفر الأزهر بعد ببديل يعوضه عما كان يتمتع به من المزايا الدراسية القديمة، ولم يعن زعماء الإصلاح الأزهري بالأخص، بتحديد مهمة الأزهر الجديدة تجديداً واضحاً، وقد أصبح الأزهر يجمع بين مزيج غير واضح من الأساليب القديمة، وبعض مظاهر الثقافة الحديثة، ولم يصل بعد إلى طريق الاستقرار والوضوح.
أجل، نظمت الدراسة الأزهرية في مراحل ومعاهد جديدة، وأنشئت كليات وإجازات تخصص، وأعدت للطلبة أبنية صحية حديثة للدراسة والسكنى، وأقيمت مدينة البعوث الإسلامية أو مدينة الأزهر الجامعية([834])، على أحدث طراز لإيواء الطلبة الوافدين على الأزهر من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وأدخلت في مناهج التعليم طائفة صالحة من المواد الحديثة، مثل الطبيعة والكيمياء والفلسفة والرسم، وتاريخ التشريع والنظام الدستوري ومبادىء الاقتصاد، ونظام التربية والأخلاق وعلم النفس، واللغات الأجنبية كالإنجليزية والفرنسية والألمانية([835]) وبعض اللغات الشرقية، وأرسل عدد من طلاب «الجامعة الأزهرية» في بعثات دراسية متوالية إلى أوروبا وتخرج بعضهم في الجامعات الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وتولوا مناصب التدريس في الكليات الأزهرية، ولكنا لا نستطيع بالرغم من هذه المظاهر الخلابة كلها، أن نقول إن «الجامعة الأزهرية» قد حققت أمنية الأزهر كاملة، وأنها أصلح منه لحمل رسالته التاريخية.
فقد اختفى جيل العلماء الأعلام المبرزين في علوم الدين واللغة وكانوا بقية أخيرة لذلك الجيل القديم من علماء الأزهر، الذين وهبوا حياتهم للدرس. وقد كان الأزهر حتى أواخر القرن الماضي يأخذ بنصيب بارز في تكوين الزعامة الفكرية والقومية، وكان ظهور رجال مثل محمد عبده وسعد زغلول من بين صفوف طلبته، أسطع دليل على أن هذا المعهد التالد لم يفقد خلال عصور الانحلال والتأخر كل حيويته الفكرية، ولكن هذه الظاهرة تكاد تختفي اليوم.
وقد فقد الأزهر كثيراً من خاصته الروحية التي كانت تحمل شيوخه وطلابه على التفاني في التحصيل والدرس، والتعلق بشرف العلم، والإعراض عن مغريات الدنيا، وإيثار التقشف والزهد، على الحياة الناعمة، وتحول مجتمع الأزهر، في ظل النظم الجديدة، شيئاً فشيئاً إلى جماعة كسائر الجماعات، تسودها الروح الدنيوية وتتجه إلى ميدان الصراع المادي.
ومن جهة فإن الأزهر الحديث بالرغم من اتّسامه بسمة الجامعات العصرية، لا يزال بعيداً عن أن يجاري روح العصر فعلاً في تنظيم مناهجه وأساليبه العلمية. فهو لا يزال يعيش على تراث الأزهر القديم، ولا يزال مرجع الدراسة في المعاهد والكليات الأزهرية الحديثة، في علوم الدين واللغة، طائفة من الكتب القديمة التي يعرفها الأزهر منذ العصور الوسطى. فما زال النحو والصرف يدرس في ألفية ابن مالك وشرحها لابن عقيل، وفي مختصر ابن الحاجب، وأوضح المسالك لابن هشام، ونهج المسالك للأشموني، وشذور الذهب، والأجرومية للكفراوي، والبلاغة في شرح السعد على متن التلخيص، والفقه الحنفي في شرح الميداني على القدوري، والاختيار شرح المختار، والفقه الشافعي في شرح الخطيب على متن أبي شجاع، والفقه المالكي في رسالة ابن أبي زيد القيرواني، والشرح الكبير للدردير، والتوحيد في شرح السنوسية، وشرح الباجوري على متن الجوهرة، والتفسير في تفسير النسفي والجلالين للسيوطي، والقراءات في الشاطبية، ومتن الدرة، فهذه الكتب تدرس كلها حتى اليوم في كليات الأزهر ومعاهده للطلبة النظاميين، وما تزال كتب ابن حجر، والبلقيني، والسيوطي، والزيلعي، والبرماوي، وغيرهم من الأساتذة القدامى، هي المراجع المثلى للأساتذة والطلاب الأزهريين. وبعض هذه الكتب يرجع إلى القرن السادس الهجري كالشاطبية، والسابع مثل مختصر ابن الحاجب، وألفية ابن مالك، والثامن كشرح ابن عقيل ومختصر السعد، وأحدثها يرجع إلى القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشرالميلادي) ومع أن هذه المصنفات الكلاسيكية لا تزال تحتفظ بقيمتها العلمية القديمة، فهي لا تصلح سواء بمادتها أو طرائقها العتيقة لعقلية الطالب الحديث. ولم يزوّد طلبة الجامعة الأزهرية حتى اليوم من الكتب أو المذكرات الدراسية الحديثة إلا بقدرٍ ضئيلٍ جداً في بعض المواد المستحدثة، مثل التاريخ الإسلامي، والسيرة النبوية، وتاريخ التشريع، وتفسير بعض آيات الأحكام، وكذا بعض كتب النحو والصرف، وسيمضي وقتٌ طويلٌ قبل أن يستطيع المشرفون على الدراسة بالجامعة الأزهرية، أن يضعوا من الشروح والتآليف الحديثة ما يسدّ حاجة الطلاب.
وقد فقد الأزهر كثيراً من مزايا الدراسة الجامعية الحقة بإلغاء الحلقات الدراسية الشهيرة، التي لبثت قروناً تزين أروقته وساحاته. فقضى عليها النظام الجديد، ولم تبق منها إلا آثار ضئيلة، تتمثل في إلقاء بعض الدروس العادية في علوم الدين أو اللغة بالجامع الأزهر، وبعض المساجد الأخرى التي توجد بها المعاهد الدينية، وتقرأ فيها الكتب القديمة، ويشهدها الطلاب غير النظاميين ولا سيما الغرباء وبعض أفراد الجمهور، وتعرف في ظل النظام الجديد بالأقسام العامة.
أروقة الجامع الأزهر
يرجع نظام الأروقة بالجامع الأزهر إلى عصوره الأولى حسبما يبدو ذلك مما ذكره المقريزي في «الخطط» عند الكلام على ما قام به الأمير سودوب حاجب الحجاب، والمتولي النظر على الجامع الأزهر، في سنة 818هـ (1415م)، من الأمر بإخراج المجاورين من الجامع ومنعهم من الإقامة به، حيث يقول:
«إنه لم يزل في هذا الجامع، منذ بني، عدة من الفقراء يلازمون الإقامة فيه، وبلغت عدتهم في هذه الأيام سبعمائة رجل ما بين عجم وزيالعة ومن أهل ريف مصر ومغاربة ولكل طائفة منهم رواق يعرف بهم([836]) وقد استمر نظام الأروقة، أو نظام طوائف الأساتذة والطلاب، على كرّ العصور، من أنظمة الأزهر الأساسية، حيث كان لكل طائفة تنتمي إلى إقليم معين داخل مصر، أو قطر معين من الأقطار الإسلامية أو البلاد التي بها مسلمون، جناح بالجامع أو رواق خاص بها.
وكانت أروقة الجامع الأزهر حتى أواخر القرن التاسع عشر، أوائل القرن الحالي، تسعة وعشرين رواقاً.
على أن أروقة الغرباء بالأزهر هي أهم أروقته وأكثرها عدداً، وهي تبلغ ستة عشر رواقاً، ينتمي إليها الأساتذة والطلاب، من مختلف الأمم الإسلامية. وقد كانت هي المقصودة بالإنشاء منذ البداية، لكي يأوي إليها الأساتذة والطلاب، الوافدون على الجامع الأزهر، من هذه الأقطار النائية.
حارات الأزهر
أما حارات الجامع الأزهر، فقد كانت عبارة عن مجموعة من الممرات والأمكنة التي توضع بها خزائن ودواليب المجاورين، وتعرف كل حارة منها بطائفة معينة من المجاورين، وكان عددها اثنتي عشرة حارة. وقد أزيلت هذه الحارات، واندثرت، مذ وضعت أنظمة الأزهر الجديد.
مدينة البعوث الإسلامية
ازداد عدد طلاب البعوث الإسلامية الوافدين على الأزهر من مختلف أنحاء العالم الإسلامي في الأعوام الأخيرة، بصورة مضطردة حتى وصل عددهم اليوم إلى أكثر من ثلاثة آلاف طالب.
ونظراً لما يخص به الجامع الأزهر أولئك الطلاب الوافدين عليه، من رعاية خاصة، فقد رأى أن ينشىء لهم مدينة جامعية تخصص لسكانهم، ووافق مجلس الوزراء بالفعل على هذا المشروع في نوفمبر سنة 1954م. وتمّ إنشاء هذه المدينة الجامعية بالفعل على أحدث طراز، وعلى رقعة كبيرة تقع بأرض الغفير على مقربة من حي الدراسة، وأنشىء بها واحد وأربعون وحدة سكنية تتسع كل منها لسكنى 120 طالباً، وبكل منها أبهاء للمطالعة والأكل والاستقبال.
ولما كانت هذه المدينة قد أعدت لسكنى نحو عشرة آلاف طالب، ولما كان عدد طلبة البعوث الإسلامية يبلغ الآن نحو ثلاثة آلاف من 72 دولة مختلفة بينها دول إفريقية وآسيوية وأوروبية وأميركية جنوبية فقد أعدّ مشروع لأن تخصص وحدتان سكنيتان من وحدات المدينة، لمستشفى يخصص للعناية الصحية بطلاب الأزهر.
وقد أنشئت ملاعب رياضية للأزهر على رقعة شاسعة تواجه المدينة قدرها عشرون فداناً، تشتمل على أستاد جامعي، وصالة للاجتماعات وحمام للسباحة، وملاعب وأبهاء لمختلف أنواع الرياضة التي يمارسها الطلاب.
وفضلاً عن توفير السكنى المريحة لطلاب البعوث الإسلامية على هذا النحو، فإن الجامع الأزهر، يتكفل بنفقاتهم الأخرى.
كليات حديثة
وقد تمّ أخيراً إنشاء كليات علمية حديثة تابعة لجامعة الأزهر منها كليات الطب والهندسة والعلوم سيأتي الحديث عنها.
إحصاءات عامة عن الأزهر في مختلف العصور
الأساتذة والطلاب
لم نعثر في مختلف المصادرالتي لدينا على أية إحصاءات تتعلق بالأساتذة والطلاب بالجامع الأزهر في عصوره الأولى. وليس لدينا من ذلك سوى نصين:
الأول: عن الأساتذة، وقد بلغ عددهم أيام العزيز بالله سبعة وثلاثين فقيهاً، وهم أول فوج من الأساتذة عينوا للتدريس بالجامع الأزهر (صبح الأعشى ج3 ص367، والمقريزي في الخطط ج4 ص49)، ولا يوجد نص ما عن عدد الطلاب الذين كانوا يحضرون حلقاتهم.
والثاني: عن الطلاب، فقد بلغ عدد طلاب الأروقة المقيمين بالجامع في سنة 818هـ (1415م) 750 طالباً معظمهم من الغرباء (الخطط ج4 ص54).
وبالرغم من أنا لا نظفر بعد ذلك بأية نصوص أخرى عن عدد أساتذة الأزهر وطلابه خلال العصور الوسطى، فإنا نعتقد على ضوء تاريخ الجامع وتطوراته، أن عدد طلابه في تلك العصور كان لا يقل عن بضعة آلاف، وأن عدد الأساتذة كان يبلغ نحو مائتين أو ثلاثمائة تقل أو تزيد وفقاً للظروف والأحوال.
وفي العهد التركي انخفض عدد الطلاب والأساتذة إلى أدنى حدّ، والمعتقد أن الطلبة لم يكن يزيد عددهم يومئذٍ عن الألف، والأساتذة عن مائة أو نحو ذلك.
وفي أواخر القرن الثامن عشر، وأوائل القرن التاسع عشر، كان عدد الطلبة نحو ألف وخمسمائة، وفقاً لما نقله إلينا العلامة المستشرق إدوارد لاين.
وعني ولاة الأمر، منذ عهد الإصلاح الأول، في عصر إسماعيل، بإحصاء الأساتذة والطلاب.
1ـ ففي سنة 1293هـ (1875م) بلغ عدد الشيوخ (المدرسين) بالجامع الأزهر 361 شيخاً، منهم 147 من الشافعية، و99 من المالكية، و96 من الحنفية، و3 من الحنابلة، وبلغ عدد الطلبة (المجاورين) 18070 طالباً في خمس عشرة حارة، وثمانية وثلاثين رواقاً، منهم 5651 من الشافعية، ومن 3826 من المالكية، و1278 من الحنفية، و25 من الحنابلة.
وفي احصاء تقريبي، إذ كان يوجد يومئذٍ بالأزهر كثير من المجاورين غير المقيدين.
2ـ وقد انخفض عدد الأساتذة والطلاب في سنة 1877، وينسب هذا النقص إلى نتائج الحرب الروسية التركية.
3ـ في سنة 1892م، ورد في تقرير رسمي أنه يوجد بالأزهر 178 شيخاً و8437 طالباً. وقد يرجع هذا الفرق الواضح بين الإحصاء وسابقه، إلى أن التقرير الرسمي عني بإحصاء الأساتذة الرسميين والطلبة المقيدين دون غيرهم؟
4ـ في سنة 1898م، كان بالأزهر 191 شيخاً، و8246 طالباً.
5ـ في سنة 1902م كان بالأزهر 251 شيخاً، و10403 طالباً.
6ـ في سنة 1906م، كان بالأزهر 312 شيخاً، و9069 طالباً.
7ـ في سنة 1918م بلغ عدد طلبة الأزهر والمعاهد الدينية الملحقة به 15836 طالباً.
8ـ في سنة 1920 بلغ عددهم 13280 طالباً.
9ـ في سنة 1937 بلغ عددهم 10826 طالباً.
10ـ وفي سنة 1938م بلغ عددهم 11790 طالباً، منهم 700 طالب من الغرباء من مختلف الامم.
بعد قيام الجامعة الأزهرية
11ـ في سنة 1940م، بلغ عددهم 13825 طالباً.
12ـ في سنة 1945م، بلغ عددهم 13049 طالباً.
سنة 1948م
وفي سنة 1948م بلغ مجموع الطلاب بالأزهر والمعاهد الدينية (الجامعة الأزهرية) 15680 طالباً، موزعين كالآتي:
6632 بالأقسام الإبتدائية.
4846 بالأقسام الثانوية.
1364 بالأقسام العامة للمعاهد.
3838 بالأقسام العالية بالكليات والإجازات والتخصص.
(الأروقة يومئذٍ) من مختلف الأمم 999 طالباً، منهم 539 بالقسم العام، و900 بمعهد القاهرة، و370 بمختلف الكليات.
سنة 1958م
وقد تضاعف عدد طلاب الجامع الأزهر خلال الأعوام العشرة الأخيرة فبلغ عددهم في مختلف المراحل والأقسام في السنة الدراسية 1957 ـ 1958م، 31138 طالباً. موزعين كالآتي:
15005 بالقسم الإبتدائي وعدد فصوله 302.
10875 بالقسم الثانوي وعدد فصوله 248.
3973. بالكليات الثلاث وعدد فصولها 71.
825.. بأقسام الإجازة وعدد فصولها 13.
532.. بمعهد القراءات.
الأساتذة ومن إليهم
وتقوم على تثقيف هذا الجيش من طلاب الجامع الأزهر والمعاهد الدينية، جمهرة كبيرة من الأساتذة والمدرسين والمراقبين، وقد بلغ عددهم في سنة 1958م، 1656 ينقسمون على النحو الآتي:
141 أستاذاً بكلية اللغة العربية.
97 أستاذاً بكلية الشريعة الإسلامية.
60 أستاذاً بكلية أصول الدين.
1205 مدرساً بمختلف المعاهد الدينية.
90.. مراقباً بالكليات والمعاهد.
47.. مدرساً منتدباً.
وهذا عدا الوعاظ، وعددهم 382 واعظاً، وعدا الأطباء الذين يعنون بالشؤون الصحية للطلاب، بالجامع الأزهر والمعاهد الدينية المختلفة.
ميزانية الجامع الأزهر
لم يكن للجامع الأزهر عند إنشائه ميزانية أو مخصصات معينة، وكانت نفقاته كمسجد جامع، تقوم بها الدولة (أو الأمير) شأن بقية المساجد الأخرى. ولما بدأ تحوله إلى معهد للدرس لم يكن لأساتذته أو طلابه، مخصصات ونفقات معينة إلا ما كان من طريق الهبة، كما حدث عند تعيين أول جماعة من أساتذته أيام العزيز، حيث أجرى عليهم أرزاقاً خاصة، وأجرى عليهم كذلك وزيرهم ابن كلس.
وتدل وقفية الحاكم بأمر الله على الجامع الأزهر، أنه حتى ذلك العصر، لم يكن لصفة الأزهر الجامعية اعتبار خاص، فكل ما في هذه الوقفية منصب على نفقات الجامع، وفرشه، وإنارته، وصيانته، ونفقات المشرفين عليه، ولم ترد فيها أية إشارة للأساتذة أو الطلاب.
على أنه مذ برزت صفة الأزهر الجامعية، وكثرت حلقاته الدراسية بدأ الاهتمام بشؤون الأساتذة والطلاب، وبدأ الأمراء (من الخلفاء أو السلاطين) والكبراء، يخصّون الأزهر بأعطياتهم وصلاتهم. وقد أشار المقريزي إلى هذه الأعطية والصلات إشارة عامة، ومنها يستخلص أنها كانت هي المورد الرئيسي للجامع الأزهر.
واتخذت هذه الأعطية والهبات على كرّ العصور صفة الموارد الثابتة بما كان ينص عليه من حبسها ووقفها، ورصد الأعيان الثابتة المغلّة لها، وكانت أحياناً تتخذ صفة التعميم، فترصد على أساتذة الأزهر أو طلابه بصفة عامة. وحيث تتخذ صفة التخصيص، فترصد على طائفة معينة من الأساتذة والطلاب، أو على المنتمين منهم لمذهب معين، أو تخصص للنفقة في مواسم أو مناسبات معينة.
وعاش الأزهر طوال العصور على تلك الموارد الخيرية الموقوفة. ولم تكن لأساتذته أو طلابه أية موارد عامة، إلا ما كان للقلائل منهم من موارد خاصة. ومن ثم فقد كان معظمهم يعيش عيشة متواضعة، يغلب عليها التقشف والحرمان.
ومنذ أواخر القرن التاسع عشر فقط، نجد للأزهر ميزانية خاصة مرصودة عليه، تزداد عاماً بعد عام، ومرجعها إلى موردين أساسيين، هما الأوقاف المرصودة عليه، وإعانة الحكومة. وفيما يلي بعض أرقام الميزانية:
1ـ في سنة 1892م، ورد بالتقرير الرسمي الذي سبق ذكره في ملحق تعداد الطلاب، أن ميزانية الأزهر بلغت 4378 جنيهاً إنجليزياً للإيرادات، وكان يوزع كل يوم عشرة آلاف رغيف من الخبز.
2ـ في سنة 1901 ـ 1902م، بلغت ميزانية الأزهر 14001 جنيهاً إنجليزياً للإيرادات، من ذلك 6611 جنيهاً من نظارة المالية و5757 جنيهاً من ديوان الأوقاف، و1633 جنيهاً من أوقاف الأروقة، وكان يوزع كل يوم ثلاثة عشر ألف رغيف من الخبز.
3ـ في سنة 1907 بلغت ميزانية الأزهر والمعاهد الدينية 19803 جنيهاً إنجليزياً.
4ـ في سنة 1910ـ 1911م بلغت هذه الميزانية 49720 جنيهاً إنجليزياً، منها 5884 من ديوان الأوقاف، والباقي من نظارة المالية وأوقاف الأروقة.
5ـ في سنة 1920م، بلغت هذه الميزانية 206881 جنيهاً.
6ـ في سنة 1926م بلغت ميزانية الأزهر والمعاهد الدينية 209888 جنيهاً مصرياً.
7ـ في سنة 1930م بلغت الميزانية 335964 جنيهاً مصرياً.
8ـ وفي سنة 1935م بلغت ميزانية الأزهر والمعاهد الدينية 282628 جنيهاً مصرياً.
9ـ وبلغت هذه الميزانية في سنة 1940م ـ 346400 جنيه.
10ـ وبلغت في سنة 1945م ـ 695780 جنيهاً.
11ـ وبلغت في سنة 1950م ـ 1,330,390 جنيهاً.
ميزانية الجامع الأزهر والمعاهد الدينية عن سنة 1958 ـ 1959م
بلغت ميزانية الجامع الأزهر والمعاهد الدينية لهذه السنة المالية كالآتي:
2,125,100 جنيه للإيرادات.
2,125,100 للمصروفات.
وتتألف مصادر الإيرادات من الأبواب الآتية:
أ ـ مبلغ 85,500 ريع أوقاف الأزهر والمعاهد الدينية.
ب ـ والباقي من ميزاتية الدولة موزعاً كالآتي:
1ـ مبلغ 1,774,475 جنيهاً من ميزانية الدولة (قسم 27 الجامع الأزهر والمعاهد الدينية).
2ـ مبلغ 5125 جنيهاً من ميزانية الدولة (قسم 27) مرتب بالروزنامة (للجامع الأزهر ورواق الأبتغاوية وفقراء مجاوري زاوية العميان).
3ـ مبلغ 260,000 جنيه من ميزانية الدولة (قسم 23) إعانة غلاء المعيشة.
وجملة ما تقدم هو 2,039,600 جنيه يضاف إليها إيراد ريع أوقاف الأزهر، فتكون الجملة الكلية 2,215,100 للإيرادات.
أما المصروفات فتشمل خمسة أبواب موزعة على النحو الآتي:
1ـ 1,009,000 جنيه مرتبات وأجور ومكافآت.
2ـ 498,300 جنيه مصروفات عامة.
3ـ 13,500 جنيه للأعمال الجديدة.
4ـ 334,300 جنيه لنشر الثقافة الإسلامية والعناية بالبعثات الوافدة إلى الأزهر.
5ت 260,000 جنيه إعانة غلاء المعيشة.
ومجموع ما تقدم هو مبلغ 2,125,100 للمصروفات.
جراية الخبز
قدمنا أن الجامع الأزهر لم تكن له، أو لأساتذته وطلابه، مخصصات رسمية ثابتة، سوى ما كان يرصد عليه، وعلى أساتذته وطلابه، من الأحباس والهبات الخيرية الثابتة والمؤقتة.
وكان مما يخص به أساتذة الأزهر وطلابه في مختلف العصور، من تلك الأعطية والهبات، مقادير كبيرة من الطعام والخبز، وأحياناً من الكساء.
ولدينا في ذلك نصوص عديدة، ضوءاً على هذا النوع من البرّ بأهل العلم أساتذة وطلاباً، ومن ذلك ما أورده المقريزي في الخطط عند الكلام على ما قام به الأمير الملك الناصر حسن في سنة 761هـ، من عمارة الجامع الأزهر وتجديده إذ يقول:
«ورتب (اي الأمير المذكور) للفقراء المجاورين طعاماً يطبخ كل يوم، وأنزل إليه قدوراً من نحاس جعلها فيه».
وما ذكره بعد ذلك عن الكلام على طلاب الأروقة:
«وصار أباب الأموال يقصدون هذا الجامع (أي الأزهر) بأنواع البر من الذهب والفضة والفلوس إعانة للمجاورين فيه على عبادة الله تعالى، وتحمل إليهم أنواع الأطعمة والخبز والحلاوات لا سيما في المواسم»([837]).
وينوّه الجبرتي بما رتبه الأمير عبد الرحمن كتخدا مجدد الأزهر في القرن الثامن عشر لإطعام الأساتذة والطلاب في الفقرة الآتية:
«وزاد في مرتبات الأزهر والأخبار، ورتب لمطبخه في خصوص أيام رمضان في كل يوم خمسة أرادب أرز أبيض وقنطار سمن ورأس جاموس، وغير ذلك من التراتيب والزيت والوقود للمطبخ»([838]).
وكانت هذه الأحباس النوعية ترتب لأساتذة الجامع وطلابه، أحياناً بصفة عامة، وأحياناً يخصّ بها طائفة منهم، أو رواق معين من الأروقة، ومن ذلك وقفية الأمير عبد الرحمن كتخدا التي خصّ فيها رواق الصعايدة، أكبر أروقة الجامع، بالجراية المعروفة بالجراية الكبيرة، وهي رغيفان كل يوم لعدد مخصوص من المدرسين والطلبة المقيدين به، بشرط أن يكونوا من المشتغلين بالعلم حضوراً وتدريساً.
ووقفية محمد باشا أبي سلطان كبير أعيان المنيا، التي خصّ فيها أيضاً رواق الصعايدة، بأن يصرف له ثلاثمائة وعشرون رغيفاً في كل يوم، يصرف منها لمائة واثنين من الطلبة، لكل طالب رغيفان، ويصرف لستة وعشرين من المدرسين لكل واحد ثلاثة أرغفة وللناظر الحسبي، وهو شيخ الجامع عشرون رغيفاً في كل يوم، ولشيخ الرواق سبعة أرغفة، وللنقيب المتولي توزيعها كل يوم أربعة أرغفة([839]) وقد استمرت جراية الخبز عصوراً من أخص وجوه البر الأزهرية، ونمت أرقامها تباعاً، حتى بلغت في أواخر القرن الحالي نيفاً وعشرة آلاف رغيف، توزع كل يوم على الأساتذة والطلاب، بنسب ومقادير معينة.
ثم رئي أخيراً، أن هذا النظام في توزيع الخبز على الأساتذة والطلاب لم يعد يتفق مع روح العصر، وأنه مع الإبقاء على الأوقاف المخصصة لذلك، يحسن استبدال مقادير الخبز المرصودة، بمقابلها من المال، وأن توزع حصيلة ذلك، على الأساتذة والطلاب بدلاً من الخبز.
وصدر في سنة 1929م القانون الخاص بذلك، وقد نص على عدم تنفيذ الشروط الواردة في حجج الأوقاف بترتيب مقدار من الخبز لمصلحة الجامع الأزهر، أو المعاهد أو فريق منهم، بغير دفع ثمن ذلك المقدار، وعلى أن يحدد ثمن الخبز مرتين في العام، في يناير ويوليه، بواسطة لجنة خاصة، وعلى أن توزع المبالغ الناتجة من تنفيذ شروط الأوقاف، على الوجه الذي بيّنه القانون بين المستحقيق حسب القواعد المتبعة وقت صدوره، أو أية قواعد أخرى يضعها مجلس الأزهر الأعلى مع مراعاة شروط الواقفين.
وقد بلغت مخصصات الجراية للجامع الأزهر والمعاهد الدينية في سنة 1940 مبلغ 34000 جنيه، يصرف منها 24200 جنيه للقسم العام بالأزهر والكليات وأقسام الإجازات والتخصص ومعهد القاهرة و1350 جنيهاً لمعهد الإسكندرية و2100 لمعهد طنطا و1450 لمعهد أسيوط و2700 لمعهد الزقازيق، و1250 لمعهد شبين الكوم، و300 لمعهد دسوق، و450 لمعهد دمياط، و200 لمعهد قنا.
وبلغت في ميزانية 1957 ـ 1958م، مبلغ 46000 جنيه وذلك بسبب ارتفاع أثمان الخبز.
وبلغت في ميزانية 1958 ـ 1959م مبلغ 35700 جنيه، وهذا عدا الاستحقاقات النقدية لريع الأعيان الموقوفة على الأساتذة والطلاب وقد بلغت 16700 جنيه.
ويجري توزيع حصيلة الجراية النقدية على الأساتذة والطلاب على النحو الآتي:
يصرف يومياً للأستاذ الأكبر (شيخ الجامع الأزهر) ثمن اثنتي عشرة أقة من الخبز، تبلغ قيمتها النقدية مبلغ سبعة جنيهات و360 مليماً في الشهر.
ويصرف يومياً لرؤساء الكليات وشيوخ المعاهد ومديري التفتيش بالقاهرة، وسكرتير عام الأزهر، ووكيله، ثمن ست أقات من الخبز تبلغ قيمتها النقدية ثلاثة جنيهات و680 مليماً في الشهر.
ويصرف لشيوخ المعاهد بالأقاليم أيضاً ثمن ست أقات، تبلغ قيمتها النقدية جنيهين و160 مليماً وذلك لفرق السعر.
ويصرف يومياً لكل عامل، أستاذ أو مدرس، في معاهد القاهرة أو الكليات أو معهد البعوث، ثمن ثلاث أقات من الخبز قيمتها النقدية جنيهاً و840 مليماً في الشهر. ويصرف لمدرس المعاهد الدينية بالأقاليم ما قيمته مبلغ جنيه وثمانين مليماً في الشهر.
ويتناول طلاب الأقسام الابتدائية في معاهد القاهرة والأقاليم كل طالب 300 مليم في الشهر.
ولا يتناول طلاب الكليات والأقسام الثانوية شيئاً.
وتوزع الاستحقاقات النقدية على مستحقيها من الأساتذة والطلاب الموقوفة عليهم وفقاً لشروط الواقفين.
مكتبة الأزهر
كان للدولة الفاطمية ـ منشئة الجامع الأزهر ـ عناية خاصة بإنشاء المكتبات العظيمة، وقد اشتهرت بالأخص أيامها، مكتبة دار الحكمة، وكانت من أغنى المكتبات في علوم المكتبات في علوم الكلام، والفقه، والفلسفة، والفلك، وغيرها، واشتهرت كذلك مكتبة القصر الفاطمي، وكانت بضخامتها، ونفاسة محتوياتها من أعظم مكتبات العالم الإسلامي يومئذٍ، وقد بدّدت محتوياتها على أثر استيلاء صلاح الدين على مقاليد الحكم، ومحوه لرسوم الدولة الفاطمية، واستصفاء تراثها.
وهناك ما يدل على أن الجامع الأزهر، كان منذ أيام الدولة الفاطمية، يضم أيضاً مكتبة عظيمة، وقد روى ابن ميسر في أخبار سنة 517هـ أن الإشراف على خزانة الكتب بالجامع الأزهر قد أسند إلى داعي الدعاة أبي الفخر صالح، وقد كان داعي الدعاة من أكبر الرؤساء الروحيين في عصر الدولة الفاطمية، وهو ما يدل على أهمية خزانة الكتب الأزهرية يومئذٍ.
ولما تطورت الظروف، وبرزت أهمية الأروقة الأزهرية، كان لكل رواق مكتبته الخاصة، لتيسّر للطلاب المنتمين إليه مهمة البحث والدرس، فكان في كل من رواق المغاربة، ورواق الترك، ورواق الشوام، ورواق الصعايدة، ورواق الحنفية، وغيرها من الأروقة، مجموعات من الكتب تبلغ كل مجموعة منها بضعة آلاف مجلّد، وكانت أهمها مكتبة رواق المغاربة، والداخل إلى الأزهر اليوم من الباب الغربي والرئيسي، يجد إلى يساره مباشرة مكتبة الأزهر الحالية. وهي بطبيعة الحال ليست مكتبة الأزهر القديمة. ويبلغ عدد الكتب الموجودة في المكتبة الآن 74953 كتاباً.
صلات الجامع الأزهر بالعالم الخارجي
لبث الجامع الأزهر على كرّ العصور، وثيق الصلات بسائر الأمم العربية والإسلامية، عن طريق الوافدين عليه من الأساتذة والطلاب من أبناء هذه الأمم، وكانت صفته كأعظم الجامعات الإسلامية، وأعظم موئل للعلوم الدينية والثقافة العربية، تجعل منه منظمة عربية إسلامية كبرى، تتوثّق فيها وشائج المحبة والتفاهم، في حلقات الدرس، بين أبناء مختلف الأمم.
وما زال الأزهر، كعهده طوال القرون، قائماً بهذا الدور العلمي والاجتماعي العظيم، ثم هو إلى جانب ذلك، ينظّم اتصالاته اليوم بالعالم الإسلامي، عن طريق بعوثه الدينية والنقابية، التي يوفدها إلى مختلف الأمم الإسلامية تحقيقاً لرغبتها ومعاونة لها على نشر الثقافة العربية والإسلامية، ولا سيما تلك التي تتكلم بغير العربية وغيرها، إلى مشيخة الأزهر لإمدادها ببعوث العلماء والوعاظ الأزهريين للاضطلاع بشرح تعاليم الإسلام على وجهها الصحيح وتزويدهم بمصادر الثقافة الإسلامية، بلغاتهم الخاصة، أو التعريف بموقف الإسلام من بعض المشاكل العصرية الحيوية، الاجتماعية الاقتصادية.
وينفق الجامع الأزهر من ميزانيته على هذه البعثات الأزهرية التي تضطلع بنشر الثقافة الإسلامية والعربية في الخارج.
وكذلك اتّجه الأزهر في ربع القرن الأخير إلى إرسال بعوث من أبنائه إلى الخارج لاستكمال دراستهم، وقد تخرّج منهم إلى اليوم عدد كبير في الجامعات الإنجليزية والألمانية([840]).
تطور ميزانية الجامعة الأزهرية
ومنذ العام 1961م تطورت ميزانية الجامعة الأزهرية على الشكل التالي:
| السنة المالية | ميزانية الجامعة |
| 61/1962م | 100,000 |
| 62/1963م | 530,000 |
| 63/1964م | 981,4000 |
| 64/1965م | 1,090,000 |
| 65/1966م | 1,399,000 |
| 66/1967م | 1,913,500 |
وتطور عدد طلابها منذ 1953م على هذه الصورة:
بيان بعدد طلاب الجامعة منذ عام 53/54 حتى عام 65/1966م:
| العام الجامعي | مجموع الطلاب |
| 53/1954م | 3712 |
| 54/1955م | 4182 |
| 55/1956م | 4278 |
| 56/1957م | 4452 |
| 57/1958م | 4798 |
| 59/1960م | 5295 |
| 60/1961م | 6145 |
| 61/1962م | 6723 |
| 62/1963م | 6948 |
| 63/1964م | 7839 |
| 64/1965م | 7253 |
| 65/1966م | 11937 |
التنظيمات الأخيرة
وفي آخر تنظيم لجامعة الأزهر جرى سنة 1961م أضيفت إليها كليات جديدة ـ كما ذكرنا من قبل ـ فأصبحت الكليات فيها قسمين، يشتمل القسم الأول على:
1ـ كلية أصول الدين.
2ـ كلية الشريعة والقانون.
القسم العالمي للدراسات العربية والإسلامية.
3ـ كلية اللغة العربية. معهد اللغات والترجمة.
4ـ كلية المعاملات والإدارة. ويشتمل القسم الثاني على:
1ـ كلية الهندسة. (ألحقت بها شعبة العلوم).
2ـ كلية الطب (ألحقت بها شعبة لطب الأسنان وأخرى للصيدلة).
3ـ كلية الزراعة.
وكذلك أضيفت للجامعة كلية للنبات.
أقسام كلية أصول الدين:
- قسم القرآن وعلومه.
2ـ قسم السّنّة وعلومها.
3ـ قسم التوحيد والفلسفة.
4ـ قسم الأخلاق والاجتماع.
وتمنح الجامعة ـ بناء على طلب الكليةـ الدرجات العلمية والشهادات العليا الآتية:
أولاً: درجة الإجازة العالية (الليسانس) في أصول الدين في إحدى الشعب التالية:
أ ـ شعبة التفسير والحديث.
ب ـ شعبة العقيدة والعلوم الفلسفية.
ج ـ شعبة الدعوة والإرشاد.
ومدة الدراسة لنيل هذه الدرجة أربع سنوات جامعية.
أما المواد التي تدرس للحصول عليها فهي:
القرآن وعلومه، الحديث وعلومه، العقيدة، تاريخ الأديان، المنطق، السيرة، الفقه، اللغة العربية، المجتمع الإسلامي والعربي، التاريخ الإسلامي والعربي، أصول الفقه، علم الأخلاق، علم الاجتماع، مقارنة الأديان، الدعوة والدّعاة، اللغات الأجنبية.
ثانياً:
أ ـ درجة التخصص (الماجستير) في أصول الدين في أحد الفروع التالية:
1ـ تفسير القرآن وعلومه.
2ـ الحديث وعلومه.
3ـ العقيدة الإسلامية.
4ـ الدعوة والإرشاد.
ومدة الدراسة لنيل هذه الدرجة سنتان جامعيتان يؤدي الطالب في نهاية كل منهما امتحاناً في مواد الدراسة، ثم يقدم بحثاً ذا صلة بهذه المواد في السنة الثانية.
ثالثاً:
درجة العالمية (الدكتوراه) في أصول الدين.
كلية الشريعة والقانون
أنشئت «كلية الشريعة» عام 1930م مع زميلتيها كليتي اللغة العربية وأصول الدين.
ولما صدر قانون تطوير الأزهر عام 1961م أصبحت تدرس بها العلوم القانونية إلى جانب العلوم الشرعية، وشملت مناهجها دراسة اللغات الأجنبية وهي تضم أربعة أقسام هي:
1ـ قسم الفقه الإسلامي.
2ـ قسم أصول الفقه.
3ـ قسم الفقه المقارن.
4ـ قسم القانون.
وتمنح الجامعة ـ بناءً على طلب الكلية الدرجات العلمية والشهادات التالية:
1ـ درجة الإجازة العالية (الليسانس) في الشريعة الإسلامية.
2ـ دبلوم الدراسات العليا (الماجستير) في:
أ ـ الفقه المقارن.
ب ـ السياسة الشرعية. (مدة الدراسة في كل دبلوم سنتان دراسيتان).
3ـ درجة العالمية (الدكتوراه) في الشريعة الاسلامية. وتدرس فيها المواد الآتية:
أ ـ المواد الشرعية وتشمل: فقه الكتاب والسّنّة، الشريعة الإسلامية والشرائع السابقة، الشريعة والقانون، فقه المذاهب الأربعة، الفقه المقارن، المذاهب الفقهية، أصول الفقه، نظام الإسلام، مدخل الفقه الإسلامي، تاريخ الفقه الإسلامي.
ب ـ المواد القانونية وتشمل: المدخل للعلوم القانونية، أصول القوانين، النظم السياسبة والدستورية، تاريخ القانون الروماني، القانون الإداري، القانون المدني، القانون الجنائي، القانون الدولي العام، القانون الدولي الخاص، القانون التجاري، القانون البحري، قانون المرافعات، قانون الإجراءات الجنائية، التعاون، تشريع العمل، علم المالية والتشريع الضريبي، الأحوال الشخصية لغير المسلمين، الاقتصاد السياسي، علم التوثيق.
القسم العالي للدراسات الإسلامية والعربية
وهي مرحلة دراسية عالية تهدف إلى تزويد طلاب العلم بألوان متعددة من الثقافة الإسلامية والعربية.
وقد أُريد لهذا القسم أن يكون امتداداً للدراسات العلمية الحرة التي اشتهر بها الأزهر منذ مئات السنين، فقد نصّت المادة الأولى من القرار الوزاري رقم 26 لسنة 1965م على أن ينشأ ـ في كلية الشريعة بجامعة الأزهر ـ قسم للدراسات الإسلامية والعربية، وتكون الدراسة فيه على مثال ما كان يدرس في القسم العالي بالجامع الأزهر، بحيث تشمل التوحيد، والفقه وأصوله، والنحو والصرف وعلوم البلاغة، وكافة العلوم الإسلامية، ويطلق عليه:
«القسم العالي للدراسات الإسلامية والعربية». ومقره الجامع الأزهر.
كلية اللغة العربية
مدة الدراسة فيها أربع سنوات جامعية.
والدراسة عامة بالصفين الأول والثاني، ثم تنقسم في الصفين الثالث والرابع إلى شعب ثلاث:
1ـ الشعبة الأدبية.
2ـ الشعبة اللغوية.
3ـ شعبة التاريخ والحضارة العربية.
وتمنح الجامعة ـ بناء على طلب الكلية الدرجات العلمية الآتية:
أ ـ درجة الإجازة العالية (الليسانس) في الدراسات العربية من إحدى الشعب السابقة.
ب ـ درجة التخصص (الماجستير) في:
1ـ الأدب والنقد.
2ـ اللغويات.
3ـ أقوال اللغة.
4ـ البلاغة.
5ـ التاريخ والحضارة.
ج ـ درجة العالمية (الدكتوراه) في الدراسات العربية. وهي تضم الأقسام الآتية:
1ـ القسم اللغوي.
2ـ القسم الأدبي.
3ـ قسم البلاغة.
4ـ قسم أصول اللغة.
5ـ قسم التاريخ والحضارة.
6ـ قسم اللغات الأوروبية والشرقية.
معهد اللغات والترجمة
وهو يتبع حالياً ـ كلية اللغة العربية، ويضم قسمي «اللغات الشرقية» و«اللغات الأوروبية». وقد أنشأ بمقتضى القرار الوزاري رقم 112 لسنة 1965م.
ويختص المعهد بالإشراف على تدريس اللغات الأجنبية (الأوروبية والشرقية) لطلاب «الإجازة العالية» بكليات الجامعة، وكذلك إعداد دراسات للحصول على درجتي:
«الإجازة العالية».
و«التخصص».
في اللغات والترجمة من إحدى شعبتي المعهد.
والدراسات بالمعهد على مرحلتين:
أ ـ مرحلة الإجازة العالية:
ومدة الدراسة بها أربع سنوات، ويقبل بها الحاصلون على الشهادة الثانوية الأزهرية، أو الثانوية العامة أو ما يعادلهما بامتحان يحقق التعادل.
ب ـ مرحلة التخصص:
ومدة الدراسة بها سنتان، ويقبل بها الحاصلون على الإجازة العالية من إحدى كليات الجامعة أو ما يعادلها.
وتنقسم مرحلتا الدراسة بالمعهد طبقاً لقرار إنشائه إلى خمس شعب هي:
1ـ شعبة اللغات الأوروبية.
2ـ شعبة اللغات الشرقية.
3ـ شعبة اللغات الإفريقية.
4ـ شعبة اللغات القديمة.
5ـ شعبة الترجمة.
الدرجات العلمية
تمنح جامعة الأزهر ـ بناء على طلب الكلية ـ للمتخرجين من المعهد الدرجات الآتية:
أ ـ درجة «الإجازة العالية» (الليسانس) في اللغات والترجمة من إحدى شعب المعهد، للناجحين في الامتحان النهائي للمرحلة الأولى.
ب ـ درجة «التخصص» (الماجستير) في اللغات والترجمة من إحدى الشعب، للناجحين في الامتحان النهائي للمرحلة الثانية.
الكليات الأخرى
أما الكليات الأخرى فهي كنظائرها في الجامعات الأخرى وتتميز بأنه يضاف إلى دروسها بعض الدراسات الإسلامية.
كلية البنات
بدأت الدراسة بكلية البنات في أكتوبر 1962م، وبها حالياً أقسام الدراسات الآتية:
1ـ قسم الدراسات العربية والإسلامية ـ وينقسم إلى شعبتين:
أ ـ شعبة اللغة العربية وآدابها.
ب ـ شعبة الدراسات الإسلامية.
2ـ قسم الدراسات النفسية والاجتماعية ـ وبه شعبتان:
أ ـ شعبة الاجتماع.
ب ـ شعبة علم النفس.
3ـ قسم اللغات والترجمة.
4ـ قسم التجارة ـ وبه ثلاث شعب:
أ ـ شعبة دارة الأعمال.
ب ـ شعبة المحاسبة.
ج ـ شعبة الإحصاء.
5ـ قسم الطب والجراحة:
والأقسام الفنية كالتجارة والطب تدرس في السنتين الأولى والثانية وإلى جانب الدراسات الفنية مواد إسلامية وعربية كالأخلاق، والعقائد والفقه الإسلامي، وتاريخه، ودراسات في القرآن والحديث، واللغة العربية وتاريخ وجغرافيا العالم الإسلامي، والقومية العربية ـ ويقول بيان لجامعة الأزهر إن هذه الأقسام ستتحول في المستقبل القريب إلى كليات قائمة بذاتها تضمها «جامعة البنات الإسلامية». وإنه ستضم إليها كليات أخرى للهندسة والزراعة.
بيان بعدد الطلاب الوافدين
| العام الجامعي | عدد الطلاب | نسبتهم |
| 62/63م | 198 | 12,1 بالمئة |
| 63/64م | 886 | 13 بالمئة |
| 64/65م | 1767 | 17,3 بالمئة |
| 65/66م | 3206 | 20,5 بالمئة |
الأزهر بعد ألف عام
قال جلال كشك:
في أرجاء «أوكسفورد».. صور الأساقفة ذكرتني بشيوخ الأزهر الذين عاصروا الحملة الفرنسية، وسجنتهم الثورة الفرنسية في القلعة، وانتهز متان الجيش المناسبة، فخلدهم في لوحات، قبيل إعدامهم أو جلدهم أو تغريمهم.
المدينة حول الجامعة، يعيش فيها الطلاب والأساتذة، ذكرتني بجو الأزهر في عصور تألقه.. يوم كان قلب القاهرة النابض يعيش فيه، مفتوح باستمرار للضيوف من العلماء في منازل مستقلة، طابقها العلماء أو الطلبة (المجاورين) يتجادلون ويتبادولون المعرفة والأحاجي.
القاعات والخزائن والردهات، وبقايا مساكن الطلبة في القرون الماضية كلها منقولة عن أروقة الأزهر.
«فأكسفورد» التي قامت بعد الأزهر بقرنين.. إنما أنشئت على نظام الأزهر ووفق تقاليده، بل وبكتب مترجمة من مؤلفات علماء الأزهر بعد أن عاد الصليبيون من الشرق.
فلم تكن «أوكسفورد» في البداية إلا مكاناً يلتقي به بعض العارفين، ببعض الراغبين في المعرفة ثم تطورت إلى جامعة في علوم اللاهوت، تنقسم إلى أروقة لكل رواق «ماستر» أو «شيخ الرواق» كما كان الحال في الأزهر ويسكن فيها الطلبة الذين كان سنّهم لا يزيد عن 13 سنة عند الالتحاق.. وقد استمر نظام الأروقة في الأزهر إلى القرن العشرين.
وكان لكل رواق شيخ… يضم الرواق أبناء جهة واحدة، فهناك رواق للمغاربة ورواق للشوام، وآخر للصعايدة.. وكان لكل رواق جراية (أي راتب) خاصة. يوقفها عليها الأمراء والأغنياء، ونفس النظام في «أوكسفورد».
وكانت الجراية في الأزهر تدفع خبزاً، وهي درجات: رغيفان للطالب المنتسب، والذي يتحقق انتسابه بحصوله على خزانة يضع فيها كتبه، وانتسابه إلى رواق ينام فيه، وجراية «أوتوزبير» (اسم مملوك) وهي 4 أرغفة لا تعطى إلا لمن يجتاز امتحاناً خاصاً.. وجراية زينب هانم 20 رغيفاً. وتعطى للعلماء.. وكانت هناك جرايات نقدية بعضها يصل إلى 300 جنيه في السنة، وأبطل الجراية الشيخ المراغي..
وهذه الوقفيات، مكنت الأساتذة من التفرغ للعلم، والعيش مع الطلبة.. وكانت الدراسة حرة على أحدث النظم الجامعية الحالية، أو بمعنى أصحّ، كما نقلت النظم الجامعية المعاصرة عن الأزهر..
فالأستاذ ذو الكرسي.. أو بتعبير العصر المتخلّف: «من له عامود في الأزهر» هو الذي امتحنته لجنة من العلماء.. وأجازت له حق التدريس، ويتم الامتحان علناً أمام جمهور من الطلبة، وعلى يد لجنة من شيوخه. فإذا جاز الطالب الامتحان سمح له بأن يضع مقعداً بجوار أحد أعمدة المسجد ويبدأ في تلاوة درسه، وينضم لحلقته من يشاء من الطلبة الذين يحضرون ما يحلو لهم من دروس بلا تقييد.. ويتقدمون للامتحانات متى وجدوا في أنفسهم استعداداً… وكانت تدرس في الأزهر شتى العلوم من الفقه إلى ضرب العود والكمان كما كان يفعل الشيخ العطار في مطلع القرن التاسع عشر.
أبراج الكنائس التي يعتليها طلبة «أوكسفور» في شهر مايو (أيار) من كل عام يتلون من فوقها صلاة لاتينية تمجّد الثالوث المقدس.. ذكرتني بمآذن الأزهر التي كان يعتليها المجاورون (الطلبة) يتلون الابتهالات والمدائح النبوية في أيام الرضا.. ويكبرون في أوقات الصلاة، إذا ما نشب خلاف بين الأزهر وسلطات المدينة، أو قاد الأزهر ثورة الأهالي ضد استبداد السلطة. تماماً كمعارك طلاب «أوكسفورد» و«كمبريدج» مع سلطات المدينة منذ سبعة قرون والتي عرفت في الأدب الإنكليزي باسم Ivron and Corvun منذ سبعة قرون.
ولا شك أن كل الذين قارنوا بين تاريخ الأزهر، و«أوكسفورد» وعرفوا كيف قامت جامعات أوروبا الحديثة على غرار الأزهر ووفق نظمه. بل وبالمعرفة التي نقلتها أوروبا عن علمائه.. لا شك أنهم تساءلوا.. لماذا أصبحت جامعات «أوكسفورد» مناراً للمعرفة والعلوم الحديثة.. ولماذا ضمر الأزهر وانكمش على ألفية ابن مالك وشرح الزمخشري..
والجواب كتاب في جامعة «أوكسفورد» مكتوب سنة 1379..
وعندما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر ـ وهي نهاية الأزهر كمؤسسة قيادية في اعتقادنا ـ كان أحدث الكتب التي تدّرس فيه قد كتبت حول هذا التاريخ!!..
فالأزهر كان ذروة تألق حضارة بدأت رحلة الانهيار.. أما «أوكسفورد» فكانت بداية حضارة جديدة في طريق النمو والازدهار. فنمت الجامعات مع المجتمع. النامي من حولها، وتألقت جامعات «أوكسفورد» على لهيب الصلب المنصهر في مصانع شركة «موريس» للسيارات، بينما تعطّن الأزهر برائحة محلات الطرشي (الكبيس) التي أطبقت عليه من الجهات الأربع!
عندما بني الأزهر كانت الحضارة العربية قد امتلكت كل أسس المعرفة اللازمة لانطلاق الثورة الصناعية، لولا أن هب على العالم الإسلامي إعصاران.. الحروب الصليبية، والغزو المغولي.
وإذا كانت جامعة «أوكسفورد» قد بدأت مكتبتها بكتابين لا زالا مربوطين بالسلال إلى الآن كما كان وضعهما في القرن الثالث عشر.. فإن مكتبة الأزهر في القرن العاشر كان بها مليون وستمائة ألف كتاب.
فالأزهر لم يبدأ بالفقه والنحو والعروض وحدها كما يتصور البعض بل كانت تدرس فيه كل علوم العصر، من علوم الدين والفلسفة والمنطق إلى الرياضيات والطب والهندسة والفلك.. واستمر الحال على ذلك رغم التدهور الحضاري.. ذلك أن الإسلام، بطبيعته، يحتم دراسة حد أدنى من العلوم التطبيقية، فنظام الميراث يحتم دراسة الحساب بل ويقود إلى الجبر وكذلك الزكاة، وضبط الكيل والميزان يفتح الباب لدراسة الأثقال والحجوم والروافع وخواص المواد التي تصنع منها. ومراقبة الهلال لمعرفة أوائل الشهور ودراسة حركة الشمس والظل لتحديد مواقيت الصلاة، وتحديد العدة، والقبلة. كلها تحتم دراسة الفلك وتقسيم الزمن، وتفتح الباب لدراسات عن الجغرافيا والهندسة والطب وقادت إلى اكتشاف البوصلة.
ولا شك أن الفترة التي سبقت الغزو الفرنسي (نهاية القرن الثامن عشر) كانت أحلك عصور التخلف التي مرّت على أمّتنا، وعلى الأزهر بالذات.. ومع ذلك تعالوا نتعرف على دراسات بعض المشايخ الذين ترجم لهم النابغة الأوحد لتلك الفترة «الشيخ» عبد الرحمن الجبرتي.. ويكفينا ترجمته لأبيه.. «درس أشكال التأسيس في الهندسة، وتحرير إقليدس، والمتوسطات والمبادىء والغايات وعلم الأرتماطيقي وجغرافيا وعلم المساحة». وكانت مكتبته تضم كتباً بها: «من التشاويه والتصاوير البديعة الصنعة الغريبة الشكل. وكذلك الآلات الفلكية من معدن النحاس وغيرها من الآلات الارتفاعية والميالات وحلق الأرصاد والأسطرلابات والأرباع والعتد الهندسية وأدوات غالب الصنائع. وحضر إليه طلاب من الإفرنج وقرؤوا عليه علم الهندسة وذلك سنة تسع وخمسين (1159هـ ـ 1746م) وأهدوا له من صنائعهم وآلاتهم، وذهبوا إلى بلادهم ونشروا بها ذلك العلم من ذلك الوقت وأخرجوه من القوة إلى الفعل. واستخرجوا به من الصنائع البديعة مثل طواحين الهواء وجرّ الأثقال واستنباط المياه وغير ذلك».
ورغم المبالغة في تصوير الجبرتي لدور أبيه في قصة الحضارة، فهو يرينا الكثير من الحقائق.
ووالد الجبرتي الأزهري ترك مؤلفات في «البراهين الهندسية، وله من الرسومات المخترعة والآلات النافعة المبتدعة ومنها الآلة المربعة لمعرفة الجهات والسمت والانحرافات بأسهل مأخذ وأقرب طريق. واتفق أنه في سنة (1172هـ ـ 1758م) وقع الخلل في الموازين والقبانين وجهل أمر وضعها ورسمها بعد تحديدها وظهر فيها الخطأ واختلفت مقادير الموزونات وترتب على ذلك ضياع الحقوق وإتلاف الأموال وفسد على الصناع تفكيرهم الذي درجوا عليه فعند ذلك تحركت همة المترجم (الشيخ الجبرتي) لتصحيح ذلك وأحضر الصناع لذلك من الحدادين، والسباكين وحرر المثاقيل والصبخ ورسمها بطريق الاستخراج على أصل العلم العملي والوضع الهندسي، ثم أحضر كبار القبانية والوزانين وبيّن لهم ما هم عليه من الخطأ وعرّفهم طريق الصواب وأطلعهم على سرّ الصنعة ومكنونها».
فشيوخ الأزهر لم يكونوا رجال كهنوت، بل أكاديميين، علماء العصر يحيطون بكل ما في العصر من معرفة.. وهم لم يكونوا يعلمون الناس نقائض الوضوء فقط، بل إصلاح الموازين أيضاً.. وإذا كانت بدايتهم بهذه الروعة ونهايتهم على هذا النحو من الشحوب، فالسبب هو الانهيار الحضاري من حولهم، وانحسار المعرفة.. هوت الدنيا من حولهم، فنشط تيار المفلسين الذين يدّعون أنهم قد انصرفوا عن الدنيا بإرادتهم رغبة في الآخرة، وينسون أن الدين يأمر المؤمن به «ألا ينسى نصيبه من الدنيا» وأن الخير لم يذكر في القرآن إلا بمعنى المال.. وأن القيامة لن تقوم حتى تأخذ الأرض زخرفها، أي بعد أن يصل النمو الحضاري إلى ذروته، وتصبح الأرض، كاللوحة المنقوشة أو المزخرفة.. ولكنه الإفلاس الحضاري.. ومع انهيار التقدم الصناعي، يعكف العلماء على اجترار القضايا العقلية، والمشاكل الفلسفية، وبدلاً من بناء حضارة على قيم التراث، ينام الجيل المتخلّف على أكوام التراث.
وعندما انقسم المجتمع إلى عسكر غرباء المنشأ، دخلاء على الفكر العربي، حديثي عهد بالإسلام وروحه، إلى مدنيين غير مسلمين بعيدين عن السلطة.. تمركزت الزعامة الشعبية في العلماء، وأصبح الأزهر هو مركز القيادة الشعبية، وحلقة الوصل بين السلطة والعامة، وقائد مقاومة الجماهير ضد استبداد السلطة بهذه المكانة لشيوخ الأزهر، والتفت الجماهير حول الشيوخ.. الذين قادوها في أكثر من معركة سجل منها تاريخ القرن الثامن عشر معارك تتعلق باستقلال الجامعة الأزهرية، فعندما حاول السلطان والأمراء تعيين شيخ للأزهر من المذهب الحنفي، وهو المذهب الرسمي للدولة، رفض الشيوخ، لأن ذلك اعتداء على استقلال الأزهر، والعرف المقرر فيه أن يكون شيخ الأزهر شافعياً، وفشلت كل جهود الدولة في حماية مرشحها ومذهبها الرسمي، وانتصرت إدارة المشايخ.. وإذا كان عمدة «أوكسفورد» قد أحرق كل وثائق الملكية الخاصة بعلماء وطلبة «أوكسفورد» عام 1381م.. فإن علماء الأزهر في ذلك التاريخ كانوا يملكون بيع سلطان مصر في المزاد العلني (حادثة العز بن عبد السلام).. وبعد ذلك بأربعة قرون 1735م حاول السلطان العثماني أن يعيد تنظيم الأوضاع المالية، بما يشكل اعتداء على الحقوق المكتسبة لبعض الفئات، وليس المشايخ منهم. فاعترض المشايخ وألغوا قرار السلطان معلنين أنه «ليس من حق السلطان تجاوز التشريعات القائمة». وكان ذلك قبل سقوط الباستيل بنصف قرن وقبل أن يفكر عقل في القارة الأوروبية بتحدي سلطة الملوك الإلهية.
وأخيراً قاد المشايخ ثورة لانتزاع أول دستور مكتوب.. 1794م.. في الوقت نفسه الذي كان العامة في فرنسا يبحثون هل دم الأمراء أزرق؟
لماذا لم يقد الأزهر صحوة الأمة العربية.. ولماذا لم تنجح حركة البعث والتحضير في بناء الوطن العربي الحديث حتى اليوم.
الجواب على الشق الثاني، هو ببساطة، لأن الأزهر لم يقد هذه الحركة.. فلذلك لم تنجح ولا تأصّلت ولا استطاعت أن تحرك أعماق الجماهير، من أجل انتفاضة التحديث أو العصرنة.. بل ظلت العصرنة مجرد قشرة على السطح.. وبدلاً من التحديث كان التغريب.. الذي بدأ بالتعليم وصبغ الحياة كلها.. أما الجواب على الشق الأول من السؤال.. وهو لماذا لم يَقدْ الأزهر حركة التحديث.. فلأن القوى التي خططت لفرض التخلف على الشرق العربي، ركزت على تصفية الأزهر، وعزله عن حركة التطور. فعندما جاء نابليون بأول احتلال غربي للوطن العربي.. كان الأزهر هو القلعة التي اصطدم بها، بعد انهيار المؤسسة العسكرية (المماليك) وقاد الأزهر المقاومة العربية ضد الاحتلال الفرنسي، فكانت ثورة القاهرة الأولى، التي قادتها لجنة من مشايخ الأزهر بقيادة الشيخ السادات استطاعت أن تشكل تنظيماً دقيقاً يمتد من صحن الأزهر إلى أصغر قرية في الريف المصري، وهو تنظيم عجز العالم العربي عن تكرار مثله لأكثر من قرن بعد تنحي الأزهر. وعرف نابليون ممثل الثورة الفرنسية، خصمه الحقيقي، فصبّ هجومه على الأزهر، وضرب المسجد.. الجامعة.. القيادة.. التراث.. التاريخ.. إمكانية المستقبل.. وأهم من ذلك أنه كان ضرب ذلك كله بالمدافع، واحتله الجنود ودخلته الخيل لأول مرة في تاريخه.. معلنة هزيمة الحضارة التي يمثلها.
وأصدر نابليون أمره بأن «يباد كل من في الجامع»، ودخلت الجند المسجد: «وهم راكبون الخيول. وبينهم المشاة كالوعول، وتفرقوا بصحنه ومقصوراته، وربطوا خيولهم بقبلته، وعاثوا بالأروقة والحارات، وكسروا القناديل والسهارات، وهشموا خزائن الطلبة والمجاورين والكتبة. ونهبوا ما وجدوه من المتاع والأواني والقصاع، والودائع والمخبآت بالدواليب والخزانات، ورشقوا الكتب والمصاحف وعلى الأرض طرحوها، وبأرجلهم ونعالهم داسوها، وأحدثوا فيه وتغوطوا، وبالوا وتمخطوا، وشربوا الشراب، وكسروا أوانيه، وألقوها بصحنه ونواحيه، وكل من صادفوه به عروه من ثيابه وأخرجوه».
صحيح أن عدوان نابليون على الأزهر، قضى على كل آماله في الشرق، ولكنه أيضاً كشف للأمة العربية أنها عزلاء، لا تستطيع حماية قيادتها ومقدساتها.
أصبحت القضية مطروحة على النحو التالي: من وجهة نظر الاستعمار الغربي.. لا بد أن تتحطم قيادة الأزهر لكي تخضع الأمة العربية للاستعمار.
ومن وجهة نظر الأمة العربية، لا بد من حركة بعث قادرة على مواجهة الغرب الاستعماري.
وأدرك الاستعمار أن تحطيم الأزهر بالمدافع لا يجدي.. فبعد ضربه واحتلاله في الثورة الأولى، عاد ونظم ثورة القاهرة الثانية (1800م)، وهي الثورة الكبرى التي دامت أكثر من شهر واخترعت المدافع وركبت البارود، وأوشكت أن تبدأ الانقلاب الصناعي..
ثم كان إغلاق الأزهر وتسمير أبوابه وتعطيل الدراسة بل والصلاة فيه على أثر مقتل «كليبر».
ولكن ذلك لم يكن الحل الأمثل لقتل الأزهر، وإنما تولى المهمة بعد ذلك محمد علي ثم الإنجليز.. وهي عزل الأزهر عن الحياة العصرية، بإنشاء ما سمي بالمدارس الحديثة.. بحجة أن الأزهر لا يسمح بتدريس العلوم الحديثة.. هذه العلوم التي لم تدخل «أوكسفورد» إلا في القرن السادس عشر 1513م وسبب تدريسها معارك وصدامات، مع أنها كانت تدرس في الأزهر قبل ستة قرون ـ كما رأينا ـ.
كان الأزهر هو وحده التربة الصالحة لاحتضان المعرفة الحديثة وتطويرها في شكل ثقافة وطنية قادرة على تغيير وتحديث المجتمع.. ولذلك حرص المستشارون الاستعماريون على إلقاء بذور المعرفة الحديثة في الأرض السبخة غير المثمرة، في المدارس الحديثة المعزولة عن التراث، عن الثقافة الوطنية، عن القاعدة الجماهيرية..
وكانت النتيجة، ضربة مزدوجة، خرجت طبقة من أشباه المثقفين لا تصلح إلا لأن تكون ترجماناً للحضارة الغربية ووكيلة للشركات الوروبية، أو جهازاً بوليسياً للحكم الغربي في الشرق.
وجفّ الأزهر وابتعد عن الحياة، وتحول علماؤه فعلاً إلى رجال كهنوت.. في وحشة مع المجتمع وفي جفوة معه..
والدليل على أن الأزهر كان وحده المدرسة القادرة على تخريج علماء قادرين على التطوير، ليس في أن مصر لم تجد مؤرخاً إلا الشيخ عبد الرحمن الجبرتي.. فقد يرد ذلك بأن الأزهر كان وحده في تلك الفترة.. ولكن عندما بدأ «محمد علي» نظام المدارس الحديثة، واختار نخبة من طلبة النظام الجديد وقرر إرسالهم بعثة إلى أوروبا ليكونوا أداة نقل الحضارة الغربية.. اختاروا لهم «حرصاً على تقاليد البلاد»، ولتهدئة خاطر المتعصبين، فقيهاً يعلمهم الصلاة، ونقائض الوضوء، وأرسلوه معهم، فكان هذا الشيخ وحده هو الذي يمثل الحضارة الغربية، وأفرز عملاً فكرياً ترك بصماته على الفكر العربي حتى مطلع القرن العشرين.
ذلك هو الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي..
بل إن كل المنعطفات الفكرية البارزة في تاريخنا سواء أكانت مع أو ضد التراث يقف على رأسها شيخ من الأزهر..
ولكن عملية تجفيف الأزهر كانت مستمرة، أصبحت الوظائف من نصيب خريجي التعليم الحديث.. وارتبطت المكانة الاجتماعية والحكومية بالطربوش، وعزف كبار العائلات عن إرسال أولادهم للأزهر فهو بلا مستقبل.. وتدهورت حتى دخول المشايخ، فساء سلوكهم.. وكانت ردة الفعل عند الأزهر هي الارتداد والتعصب، والنفور من العلوم الحديثة.
وحاول الأزهريون تذكير المجتمع بهم من خلال الاعتراض عليه، وأصبح من الطرائف التي تهتم بها الصحافة، استصدار فتاوى من المشايخ بتحريم «البدع» أي كل مستحدث..
وأصبح أمل الأزهريين هو الاعتراف بهم كجامعة! والحصول على بكالوريوس بدلاً من الشهادة العالمية.. وأصبح الأزهر الذي قامت جامعات العالم على غراره.. يطمح أن يعاد تنظيمه على غرار الجامعات التي تقلد جامعات أوروبا.
وهكذا لم يعد للأزهر دور في ثقافة الأمة ولا في تطورها.
وبقيت له مكانة دينية في العالم الإسلامي.. استطاع أن يحتفظ بها ألف عام..
ترى هل تدوم؟!
جامعة الأزهر
كليات الجامعة
كان التعليم العالي في الأزهر قبل العام 1961 يتمثل في الكليات الثلاث الأصلية، وهي كلية اللغة العربية، كلية الشريعة والقانون، كلية أصول الدين، ثم نصّ قانون الأزهر على إنشاء عدد من الكليات العليا التي لم تكن موجودة من قبل، وهي كليات الطب والهندسة والزراعة والتجارة.
وتتميز الكليات الحديثة النظرية والعملية في جامعة الأزهر عن نظيراتها من الكليات في الجامعات الأخرى باعتنائها بالدراسات الإسلامية إلى جانب الدراسات التخصصية وذلك لتثقيف الطلاب تثقيفاً روحياً يؤهلهم لأن يكونوا قدوة صالحة في مجتمعاتهم إلى جانب مشاركتهم المهنية في بناء هذه المجتمعات. وقد بلغ عدد كليات جامعة الأزهر 50 كلية.
كليات البنين
ويأتي على رأس تلك الكليات كليات أصول الدين، وتوجد في مدن القاهرة والزقازيق وطنطا والمنصورة وشبين الكوم وأسيوط، ومدة الدراسة بها أربع سنوات للحصول على درجة الإجازة العالية (الليسانس) في أصول الدين في إحدى التخصصات التالية: التفسير وعلوم القرآن، الحديث وعلومه، العقيدة والفلسفة، الدعوة والثقافة الإسلامية. وتبدأ الدراسة بتخصص الدعوة والثقافة الإسلامية من الفرقة الأولى، ومن الفرقة الثالثة بباقي التخصصات.
كليات الشريعة والقانون، وهي في مدن القاهرة، طنطا، أسيوط، دمنهور، تفهنا الأشراف، وتمنح درجة الإجازة العالية (الليسانس) في أحد التخصصين التاليين:
الشريعة الإسلامية، والدراسة لحامل هذا التخصص مدتها أربع سنوات، ويتمتع خريجو هذا القسم بكل الحقوق المقررة لحاملي درجة الإجازة العالية في الشريعة الإسلامية فضلاً عن الحقوق المقررة لحاملي الليسانس في الحقوق من كليات الحقوق في مصر والعالم العربي. والدراسة في هذا التخصص مدتها خمس سنوات.
كلية اللغة العربية في الطاهرة، ومدة الدراسة فيها أربع سنوات جامعية للحصول على درجة الإجازة العالية، الليسانس، في أحد التخصصات التالية اللغة العربية وآدابها، التاريخ والحضارة والصحافة والإعلام، وتبدأ الدراسة في هذه التخصصات من الفرقة الأولى.
وتوجد كليات للغة العربية في مدن المنثورة، شبين الكوم، أيتاي البارود، الزقازيق، ويدرس طلابها اللغة العربية وآدابها فقط.
وتنفرد مدينة طنطا بوجود كلية للقرآن الكريم والقراءات وعلومها، ومدة الدراسة فيها أربع سنوات لنيل درجة الإجازة العالية (الليسانس)، في القراءات وعلومها.
وكلية التجارة في القاهرة، ومدة الدراسة فيها أربع سنوات لنيل درجة البكالوريوس في أحد التخصصات التالية، الإحصاء، المحاسبة والمراجعة، الاقتصاد، إدارة الأعمال، والدراسة فيها عامة في الفرقتين الأولى والثانية ويبدأ التخصص من الفرقة الثالثة.
أما كلية اللغة والترجمة في القاهرة، ومدة الدراسة فيها أربع سنوات جامعية لنيل درجة الإجازة العالية (الليسانس) في أحد التخصصات التالية، الترجمة الفورية في اللغة الإنكليزية، ومدة الدراسة لنيل هذا التخصص خمس سنوات، الدراسات الإسلامية باللغة الإنكليزية، ومدة الدراسة لنيل هذا التخصص خمس سنوات. الدراسات الإسلامية باللغة الفرنسية ومدة الدراسة لنيل هذا التخصص خمس سنوات، الدراسات الإسلامية باللغة الألمانية ومدة الدراسة لنيل هذا التخصص خمس سنوات، وتضم الكلية أقسام أخرى للغات شتى، منها اللغة الإسبانية وآدابها، اللغة الأوردية، اللغة الفارسية وآدابها، اللغات الأوروبية القديمة، اللغة التركية وآدابها، اللغات الإفريقية وآدابها.
وهناك كلية التربية في القاهرة ومدة الدراسة فيها أربع سنوات لنيل درجة الإجازة العالية (الليسانس) في أحد التخصصات التالية: التاريخ، اللغة الفرنسية، أو لنيل درجة الإجازة العالية، البكالوريوس في أحد التخصصات التالية: التربية الرياضية، التربية الفنية، المكتبات وتكنولوجيا التعليم، التاريخ الطبيعي، الفيزياء، الكيمياء، الرياضيات.
وكلية الدراسات الإسلامية في أسوان، ومدة الدراسة فيها أربع سنوات لنيل درجة الإجازة العالية (الليسانس) في الدراسات الإسلامية في أحد التخصصين التاليين: الشريعة، وأصول الدين.
وهناك كلية الطب في القاهرة وأسيوط، ومدة الدراسة فيها ستّ سنوات لنيل درجة الإجازة العالية (البكالوريوس) في الطب والجراحة تليها سنة تدريبية في أحد المستشفيات الجامعية والتعليمية، وفي إطار تحديث الدراسة في الكلية تمّ تحديث مستشفى الحسين الجامعي، كما يجري حالياً تشييد مستشفى جامعي تعليمي جديد في مدينة نصر في القاهرة، واستحداث تخصصات جديدة كجراحات الليزر.
وكلية الصيدلة في القاهرة وأسيوط ومدة الدراسة فيها أربع سنوات تسبقها سنة إعدادية لنيل درجة الإجازة العالية، البكالوريوس في العلوم والصيدلة.
وكلية الهندسة في القاهرة، ومدة الدراسة فيها أربع سنوات تسبقها سنة إعدادية لنيل درجة الإجازة العالية (البكالوريوس) في الهندسة في أحد التخصصات التالية: الهندسة المدنية، الهندسة الميكانيكية، هندسة التخطيط، هندسة العمارة، هندسة النظم والحسابات، هندسة التعدين والبترول، الهندسة الكهربائية. وشهدت الكلية خلال العالم الحالي توسعات غير مسبوقة، على رأسها افتتاح مبنى قسم هندسة النظم والحاسبات، والذي يحتوي على معامل حديثة، ويهدف هذا القسم إلى نشر الحاسبات وطرق صنعها في مصر.
وهناك أيضاً كليات العلوم والزراعة والبنات.
وتدرس الفتيات في كليات خاصة بهن، منها التجارة، والطب والعلوم والصيدلة، بالإضافة إلى كليتين تنفردان بهما عن البنين في جامعة الازهر، هما كلية الدراسات الإنسانية في القاهرة وفيها أربعة أقسام هي: الإجتماع علم النفس، التاريخ، الجغرافيا، وتحوي كذلك شعبة للغات الأوروبية والترجمة الفورية، وشعبة أخرى للوثائق والمكتبات.
والكلية الثانية هي كلية الاقتصاد المنزلي، ومدة الدراسة فيها أربع سنوات لنيل درجة البكالوريوس في أحد التخصصات: التغذية وعلوم الأطعمة، إدارة المنزل، الملابس والنسيج، علوم وتكنولوجيا الأغذية، الاقتصاد المنزلي، العلوم البيولوجية والبيئة، تنمية الأسرة الريفية. وتبدأ فيها الدراسة في السنة الأولى موحدة ثم يبدأ التخصص في السنة الثانية.
ويرعى الأزهر الطلاب المبعوثين رعاية خاصة فهو يحتضن طلاب من 60 دولة، يقيمون في المدن الجامعية إقامة كاملة مجانية، وامتدت تلك الخدمة إلى الطلاب والطالبات المصريين، وتهتم جامعة الأزهر بأبنائها الطلاب والطالبات بتقديم مختلف الخدمات الاجتماعية والرياضية والفنية، والثقافية عن طريق تكوين الفرق الرياضية والجماعات المختلفة وإجراء المسابقات العلمية والثقافية وتقديم إعانات للطلاب. كما يوجد في بعض مدنها الجامعية صالات للياقة البدنية لقياس قدرات الطلاب البدنية، إلى جانب ملاعب الكرة الطائرة والسلة وغيرها من الألعاب الرياضية الأخرى. وتقام بين بعض المدن الجامعية دورات رياضية ولقاءات لمختلف الفرق الرياضية بالإضافة إلى إقامة المسابقات الخاصة بحفظ القرآن الكريم، والمسابقات الأدبية في الشعر والزجل واللقاءات الفكرية المتعددة في مختلف مجالات العلم والثقافة والأدب.
الأزيرج
اسم لعشيرتين عراقيتين تسكن إحداهما منطقة العمارة قدمت إليها من الفرات، وهي تقيم في الأراضي الغنية الواقعة على ذنائب الطبر (المجر الصغير) وعلى قناة البتيرة التي تشتمل على مستنقعات واسعة يزرع فيها الأرز.
وأراضي هذه العشيرة أرض داخلية أي أنها لا تقترب من دجلة، وهي تنتج القمح والشعير والذرة. وتمتد المنطقة التي تسكنها عشيرة الأزيرج إلى مسافة بعيدة تصل إلى نهر الفرات ولكن في اتجاه معاكس، ومن أشهر فروع هذه العشيرة: البوعطون، الربيعة، السواعد، الحريشيين.
والعشيرة الثانية تسكن منطقة الفرات وقد اضطر الكثير منهم للنزوح والالتحاق بالعشائر الأخرى بسبب جفاف نهر الفرات حينما جفّ.
والعشيرتان تنحدران من أصل واحد كما يقولون.
الأسئلة والأجوبة
هي رسالة تتضمن عدداً من الأسئلة وجهها البيروني لابن سينا، فأجاب عنها ابن سينا. وفي هذا المقال دراسة عن تلك الرسالة([841]).
كل سؤال من هذه الأسئلة وكل جواب عنه خليق بالدراسة والتعليق ولي في هذا الباب محاولة أي لي على هذه الأسئلة ملاحظات وتعليقات ولا يخفى أن الوقت لا يتسع لإيرادها برمتها فأنا أوافيكم ببعض ملاحظاتي في هذا الباب.
توجد أصول هذه الأسئلة والأجوبة بكثرة في شتى المكتبات شرقاً وغرباً ولكنها متفاوتة من نواحٍ شتى خاصة من ناحية التاريخ والترتيب وناحية النقص والتمام والصحة والفساد وغير ذلك، وفي السنة الماضية (1964م). نشرت هذه المسائل وأجوبتها ضمن القسم الثاني مما نشر من رسائل ابن سينا بعناية كلية الآداب في جامعة الأستانة وقد نشرت قبل ذلك مراراً في مصر وغيرها ضمن ما نشر من رسائل الشيخ الرئيس وكل ما عثرنا عليه حتى الآن من أصول هذه الرسائل والأسئلة والأجوبة مشوه ممسوخ مليء بالأغلاط ولا تستثنى من ذلك نسختنا المخطوطة.
مقابلة الأصول
جاءت نسخة الأستانة مشحونة بالأغلاط، ولا نبالغ إذا قلنا إنها ممسوخة ويلاحظ أن بينها وبين نسختنا اختلافاً كثيراً من حيث الزيادة والنقصان وتقديم بعض المسائل وتأخيرها، ومن أمثلة ذلك أن المسألة الرابعة في نسختنا نراها ثالثة في بعض النسخ، وعدد المسائل في النسخة المصرية وفي نسخة الأستانة ثماني عشرة وفي مخطوطتنا سبع عشرة، ولذلك يجب أن تقابل هذه الأصول وتعارض معارضة دقيقة، ويصحح بعضها على بعض على قدر الإمكان.
موضوعات الأسئلة
يلاحظ أن جلّ أسئلة البيروني الأولى في نسختنا تتصل بالرياضيات والفلكيات وتقويم البلدان والعلوم الطبيعية ولا عجب فقد انقطع البيروني لدراسة هذه العلوم، وفي جواب المسألة الثالثة من الملحق يعترف ابن سينا للبيروني بفراهته أي بمهارته وفي جواب المسألة السادسة أيّد وجهة نظره في اعتراضه على أرسطاطاليس قائلاً: «نِعمَ ما اعترضت على أرسطاطاليس في هذا القول».
لهذه الأسئلة دلالتها القاطعة على اجتهاد البيروني واستقلال رأيه إذ يبدو فيها معارضاً لآراء أرسطاطاليس وأصحابه في الفلكيات وفي شكل الأفلاك أو الأجرام الفلكية فليس من الضروري فيما يرى البيروني أن تكون كرويتها تامة كما نجد ذلك واضحاً في السؤال السادس وجوابه([842]).
بين الأدب والمهاترة
وتختلف لهجة ابن سينا في الرد على البيروني فقد نجدها لهجة قارصة لصرامته وجرأته أعني البيروني في تخطئة أرسطاطاليس ونقد الفلسفة الأرسطاطاليسية كما نجد ذلك في المسألة الثانية، وقد نجدها لهجة رقيقة ويلاحظ ذلك في خاتمة جواب المسألة العاشرة فقد ختم ابن سينا هذا الجواب بما نصه «هذا الفصل قد تجيء فيه اعتراضات كثيرة فإن تبينت شيئاً منها فيجب أن تمنّ عليّ بمعاودة السؤال لأشرحه لك إن شاء الله» على أننا نلاحظ خلوّ هذه المناظرات وما يماثلها عن كل ما ينمّ عن سوء أدب أو تخطي أصول المناظرة.
لم يبلغ الأخذ والرد بين المتناظرين حدّ المهاترة وإن وجدنا في بعض النصوص المثبتة في النسخة المتداولة من كتاب الآثار الباقية للبيروني أن الجدل بلغ الذروة من المهاترة وأن البيروني استعمل عبارات جارحة وكلمات جافية أدت بالشيخ الرئيس إلى قطع البحث ومن ثم مضى صاحبه المعصومي في متابعة الردود.
هذا ما ورد في نصوص الآثار الباقية ولم نقف نحن فيما بين أيدينا من نسخ الأسئلة والأجوبة على شيء يسمى مهاترة أم مكاشفة فلعلهم يشيرون إلى مناظرات غير هذه بيد أنها لم تصل حتى الآن إلى أيدي الباحثين والأشبه أن توصف بذلك بعض المراسلات والمجاوبات الواردة في كتاب المباحثات.
هذا ولهذه المناظرات قصة نجد نصوصها في النسخة المتداولة من الآثار الباقية حيث ورد فيها ذكر أبي الفرج بن الطيب وهو بغدادي أعلن شماتته بابن سينا بعد انتهاء تلك المناظرة لأن ابن سينا أفحمه في الرد على رسالة طيبة له، وقد طبعت هذه الرسالة والرد عليها للشيخ أخيراً في الأستانة ولكنها مليئة بالأغلاط.
مسائل للبيروني في الفلسفة العامة
وللبيروني عدا ذلك مسائل عددها ست عشرة مسألة تتصل بالفلسفة العامة وماهية الوجود والعقل وما إلى ذلك، ومن هذه الأسئلة نسخ مخطوطة كثيرة في شتى المكتبات وقد نشرت أخيراً في القسم الثاني من مجموعة رسائل ابن سينا بإشراف بعض أساتذة الفلسفة في جامعة الأستانة، وتوجد في مخطوطتنا عشر مسائل أخرى أغفل فيها التصريح باسم السائل وما هو إلاّ البيروني نفسه كما تدل عليه بقية النسخ الموجودة بكثرة في دور الكتب العامة وقد تناولت هذه الرسائل بحوثاً في الحكمة والفلسفة العامة لها دلالتها على أن البيروني كان ضليعاً في الإلهيات.
أسلوب البيروني في البحوث الحرة
ولنا أن نلاحظ من أسلوب البيروني في توجيه أسئلته على اختلافها أنه من دعاة البحث الحر ومن خصوم التسليم والتقليد، فإننا نراه ينقد الفلسفة القديمة والدعوة إلى التحرر والانعتاق من أوهامها ثائراً على نفر من المقلدة الجامدين نظروا إلى فلسفة المشائين على أنها قضايا مسلمة لا يصح بحثها ومناقشتها وبذلك أضفوا عليها خلعة من خلع التقديس وهؤلاء المقلدون من شراح فلسفة أرسطو هم الذين عناهم بقوله (والبلية في هؤلاء من إفراطهم في آراء أرسطاطاليس واعتقادهم امتناع زلة فيها على علمهم أنه كان من المجتهدين دون المعصومين).
هذا ما يقوله البيروني في هؤلاء القوم ولنا أن نقول والحالة هذه إن البيروني سبق (بايكن) و(ديكارت) بعصور في نقد الفلسفة القديمة، والإنصاف يتقاضانا أيضاً أن نقول أن شراح أرسطو ما كانوا كلهم من المقلدين ويا ليت البيروني صرح بأسماء من عناهم في كلمته المذكورة.
قال ابن خلدون في فصول عقدها للبحث في أصناف العلوم العقلية «كتب أرسطو موجودة بين أيدي الناس ترجمت مع ما ترجم من علوم الفلسفة أيام المأمون. وألف الناس على حدودها وأوعب من ألف في ذلك ابن سينا في كتاب الشفاء، جمع فيه العلوم السبعة للفلاسفة ثم لخصه في كتاب النجاة وفي كتاب الإشارة وكأنه يخالف ابن سينا في الكثير من مسائلها ويقول برأيه فيها. وأما ابن رشد فلخص كتب أرسطو وشرحها متبعاً له غير مخالف ولأهل المشرق عناية بكتاب الإشارات» هذا ما قاله ابن خلدون في المقدمة وقد أصاب ولنا من الشواهد على ذلك ما تضمنه رد ابن رشد على الغزالي في تهافت الفلاسفة ففي هذا الباب يقول ابن رشد: إن ابن سينا خالف طريقة أرسطو في تحرر فلسفة المشائين.
باحثون أحرار
يذكرنا موقف البيروني من الفلسفة اليونانية بموقف معاصره ابن الهيثم العالم الطبيعي الحر من الفلسفة نفسها فإنه مال إلى الشكل في صحة نظريات بطليموس المعروفة في النظام الفلكي وجوز عليه الخطأ في صحة النظرية المذكورة مع أن جميع الفلكيين القدماء حتى البيروني نفسه من رأي بطليموس في هذه المسألة فما أعظم خطأ بعض المعنيين بتاريخ الفلسفة ممن يغمزون فلسفة الإسلام ويدّعون أنها مجرد نقل وترجمة، وما أبعدهم عن محجة الصواب في تجريدها من مزاياها الأصلية.
هل تأثر البيروني بالرازي
لننظر فيما إذا كان البيروني في هذه الأسئلة التي وجهها إلى ابن سينا وناقش فيها آراء أرسطو متأثراً بتلك الحملة الجريئة التي حمل بها الرازي على فلسفة المشائين، فمما لا شك فيه أن البيروني قرأ كثيراً للرازي بدليل أنه نظم فهرساً لتصانيفه كما وردت الإشارة إلى ذلك في نصوص مثبتة في كتاب الآثار الباقية، ويلاحظ أنه، أعني البيروني ـ تنصل في مقدمة فهرسه المذكور من مجاراة الرازي في آرائه الشاذة. وعلل ذلك بكثرة عدد المخالفين له وقدرتهم على إلحاق الأذى والضرر بمشايعيه، ولنا أن نتساءل هل تأثر البيروني بآراء الرازي في هذا الشأن، وهل لاحظ الشيخ الرئيس ذلك فتنقص الرازي في أجوبته وبالغ في التنقص ليصرف البيروني عن معاودة النظر في كتبه وآرائه؟ ومن رأينا أن ذلك كثير الاحتمال.
من المرجح أن البيروني درس تصانيف الرازي واطلع على آرائه فوافقه مرة وخالفه أخرى… وافقه على استحسان منهجه في البحث الحر واستهجان التقليد ومناقشة فلسفة أرسطو والمشائين والكشف عن نواحي الضعف فيها وخالفه فيما له من آراء شاذة في غير ذلك كما سنراه، ومما يؤسف له أن جلّ كتب الرازي المعنية بهذا الشأن مفقودة الآن.
محمد رضا الشبيبي
أسباب نزول القرآن
لا ريب أن اهتمام المسلمين انصبّ ـ منذ فجر الإسلام ـ على تفسير القرآن الكريم، توصلاً إلى العمل به وتطبيقه.
وكان التفسير في بداية أمره يعتمد عنصر الإبانة والإيضاح بالكشف عن معنى اللفظ لغوياً، وعن مدلوله عرفياً، وإظهار ذلك بألفاظ أخرى أكثر استعمالاً وأسرع دلالة عند العرف العام، وهذا ما تدل عليه كلمة (التفسير) بالذات.
ويجد المتتبع أن أكثر التفاسير المصنفة في القرنين الأول والثاني تعتمد هذا الشكل من التفسير، كتفسير مجاهد (المتوفى سنة 104هـ)، وزيد الشهيد (سنة 122هـ)، وعطاء الخراساني (ت133هـ) وغيرهم.
وهذا المنهج التفسيري يبتني في الأغلب على ما ذكره الصحابة وكبار التابعين، وأكثر من نقل عنه ذلك هو الصحابي الجليل عبدالله بن عباس (ت68هـ)([843]) الذي يعدّ من روّاد علم التفسير والمشهورين بعلم القرآن([844]).
وكان جلّ تلمذته على الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، حتى شهد الإمام في حقه، بقوله: «كأنما ينظر إلى الغيب من سترٍ رقيق»([845]).
وهذا الشكل من التفسير يرتكز ـ كما أشرنا ـ على المعلومات اللغوية فيتناول الألفاظ الغريبة الواردة في القرآن بالشرح والبيان وإيراد ما فيها من مجازٍ في الكلمة أو الإسناد أو حذف أو تقدير أو نحو ذلك من التصرفات اللفظية.
قال الأستاذ فؤاد سزكين ـ بعد أن عدّد تلاميذ ابن عباس في علم التفسير: «تضم تفاسير هؤلاء العلماء وكذلك تفسير شيخهم توضيحات كثيرة ذات طابع لغوي أحرى أن تسمى: دراسة في المفردات»([846]).
وانصبّ جهد المفسرين في مرحلة تالية على معرفة الحوادث المحيطة بنزول القرآن، لما في ذلك من أثر مباشر على فهم القرآن، والوصول إلى مغزى الآيات الكريمة، لأن موارد النزول والمناسبات التي تحتّف بها تضم قرائن حالية تكشف المقاصد القرآنية، ويستدل بها على سائر الأبعاد المؤثرة في تحديدها وتفسيرها، ويسمى هذا الجهد (بمعرفة أسباب النزول) في مصطلح مؤلفي علوم القرآن.
وقد ساهم كثير من الصحابة، الذين شهدوا نزول الوحي، وعاصروا الحوادث المختلفة بذلك، وحضروا المشاهد، وعاشوا القضايا التي نزلت فيها الآيات في بيان هذه الأسباب بالإدلاء بمشاهداتهم من أسباب النزول.
واستند المفسرون إلى تلك الآثار في مجال التفسير مستعينين بها على فهم القرآن وبيان مراده.
ويجدر أن يسمى هذا الشكل من الجهد التفسيري بمنهج «التفسير التاريخي».
وقد أشار بعض علماء التفسير إلى هذين الشكلين من الجهد بقوله: اعلم أن التفسير في عرف العلماء كشف معاني القرآن. وبيان المراد، أعمّ من أن يكون بحسب اللفظ المشكل وغيره، وبحسب المعنى الظاهر وغيره.
والتفسير: إما أن يستعمل في غريب الألفاظ، وإما في كلام متضمن لقصة لا يمكن تصويره إلا بمعرفتها([847]).
وهناك فراغ في الكتب المتعرضة لأسباب النزول سواء العامة لكل الآيات، أو الخاصة ببعضها، حيث أغفلت جانب أسباب النزول من حيث أهميتها، وطرق إثباتها وحجّيتها، وأخيراً ذكر مصادرها المهمة.
1ـ أهميتها
اهتم المفسرون بذكر أسباب النزول، فجعلوا معرفتها من الضروريات لمن يريد فهم القرآن والوقوف على أسراره، وأكّد الأئمة على هذا الاهتمام، فجعله الإمام أبو عبدالله جعفر بن محمد الصادق (ع) من الأمور التي لو لم يعرفها المتصدي لمعرفة القرآن لم يكن عالماً بالقرآن، فقال (ع):
اعلموا رحمكم الله أنه من لم يعرف من كتاب الله: الناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والمحكم والمتشابه، والرخص من العزائم، والمكي من المدني، وأسباب التنزيل… فليس بعالم القرآن، ولا هو من أهله([848]).
ومن هنا نعرف سر عناية الإمام أمير المؤمنين علي (ع) بأمر نزول القرآن ومعرفة أسبابه ومواقعه.
إن أهمية أسباب النزول ومعرفتها تكون واضحة، حيث تُعَد من الشروط الأساسية لمن يريد التعرف على القرآن.
وقد أفصح عن ذلك الأعلام والمؤلفون:
قال الواحدي: إذ هي [يعني الأسباب] أولى ما يجب الوقوف عليها، فأولى أن تصرف العناية إليها، لامتناع معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها([849]).
وقال السيد الفاني: وأما وجه الحاجة إلى شأن نزول الآيات، فلأن الخطأ في ذلك يفضي إلى اتهام البريء وتبرئة الخائن، كما ترى أن بعض الكتّاب القاصرين عن درك الحقائق، يذكرون أن شأن نزول آية تحريم الخمر إنما هو اجتماع علي (ع) مع جماعة في مجلس شرب الخمر، مع أن التاريخ يشهد بكذب ذلك ونرى بعضهم يقول: «إن قوله تعالى: «وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ» إنما نزلت في شأن ابن ملجم([850]).
وقال الدكتور شوّاخ: نزل القرآن منجماً على النبي (ص) حسب مقتضيات الأمور والحوادث، وهذا يعني أن فهم كثير من الآيات القرآنية متوقف على معرفة أسباب النزول، وهي لا تخرج عن كونها مجرد قرائن حول النص، وقد حرم العلماء المحققون الإقدام على تفسير كتاب الله لمن جهل أسباب النزول.
ولذا كان الإقدام على تفسير كتاب الله تعالى محرّماً على أولئك الذين يجهلون أسباب النزول ويحاولون معرفة معنى الآية، أو الآيات دون الوقوف على أسباب نزولها وقصتها([851]).
وبلغ اهتمام علماء القرآن بأسباب النزول إلى حد عدّه من أهم أنواع علوم القرآن.
فجعله برهان الدين الزركشي أول الأنواع في كتابه القيّم «البرهان في علوم القرآن».
وأفرد له السيوطي «النوع التاسع» من كتابه القيّم «الإتقان في علوم القرآن» بعنوان «معرفة أسباب النزول».
وسنأتي في الفقرة الأخيرة من البحث على ذكر المصادر العامة والخاصة لهذا الموضوع.
وبالرغم من الأهمية البالغة لأسباب النزول، فقد عارض البعض هذا الاهتمام، مستنداً إلى أمور من الضروري عرضها ثم تقييمها:
الأمر الأول: أنه لا أثر لهذا العلم في التفسير:
قال السيوطي: زعم زاعم أنه لا طائل تحت هذا الفن [أي فن أسباب النزول] لجريانه مجرى التاريخ([852]).
ومع مخالفة هذا الادّعاء لما ذكره الأئمة والعلماء كما عرفنا تصريحهم بأن معرفة أسباب النزول مما يلزم للمفسّر حيث لا يمكن الوقوف على التفسير بدونه، بل يحرّم كما قيل.
فقد ردّ السيوطي على هذا الزعم بقوله: وقد أخطأ في ذلك، بل له فوائد:
منها: معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.
ومنها: تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب.
ومنها: أن اللفظ قد يكون عاماً، ويقوم الدليل على تخصيصه، فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ما عدا صورته، فإن دخول صورة السبب قطعي.
ومنها: دفع توهّم الحصر([853]).
الأمر الثاني: أن المورد لا يخصص.
واعترض أيضاً: بأن ما يستفاد من أسباب النزول هو تعيين موارد أحكام الآيات وأسبابها الخاصة، ومن المعلوم أن ذلك لا يمكن أن يحدد مداليل الآيات ولا يخصص علوم الأحكام، وقد عنون علماء أصول الفقه لهذا البحث بعنوان «إن المورد لا يخصص الحكم».
قال الأصول المقدسي: إذا ورد لفظ العلوم على سبب خاص لم يسقط عمومه، وكيف ينكر هذا، وأكثر أحكام الشرع نزلت على أسباب كنزول آية الظهار في أوس بن الصامت، وآية اللعان في هلال بن أمية، وهكذا([854]).
والجواب عنه أولاً: أن البحث الأصولي المذكور لا يمسّ المهم من بحث أسباب النزول، لأن البحث الأصولي يتوجه إلى شمول الأحكام المطروحة في الآيات لغير مواردها، وعدم شمولها، فالبحث يعود الى أن الآية هل تدل على الحكم في غير موردها أيضاً كما تشمل أو لا تشمل إلا موردها دون غيره؟
فقي صورة الشمول لغير موردها أيضاً، يمكن الاستدلال بظاهرها الدال بالعموم على الحكم في غير المورد.
وأما بالنسبة إلى نفس المورد فلا بحث في شمول الآية له، فإن شمول الآية له مقطوع به ومجزوم بإرادته بدلالة نص الآية، وهي قطعية لا ظنّية، حيث إن المورد لا يكون خارجاً عن الحكم قطعاً، لأن إخراجه يستلزم تخصيص المورد، وهو من أقبح أشكال التخصيص وفاسد بإجماع الأصوليين.
قال المقدسي في ذيل كلامه السابق، في حديث له عن الآيات النازلة للأحكام في الموارد الخاصة، ما نصّه: فاللفظ يتناولها [أي الموارد الخاصة] يقيناً، ويتناول غيرها ظنّاً، إذ لا يسأل عن شيء فيعدل عن بيانه إلى غيره… فنقل الراوي للسبب مفيد ليبين به تناول اللفظ له يقيناً، فيمتنع من تخصيصه([855]).
وقال السيوطي: إذا عرف السبب قصر التخصيص على ما عدا صورته، فإن دخول صورة السبب قطعي وإخراجها بالاجتهاد ممنوع كما حكى الإجماع عليه القاضي أبو بكر في «التقريب» ولا التفات إلى من شذّ فجوّز ذلك([856]).
إذن لا تسقط فائدة معرفة أسباب النزول من خلال البحث الأصولي المذكور، بل تتأكد.
وثانياً: إن الرجوع إلى أسباب النزول قد لا يرتبط ببحث العلوم والخصوص في الحكم، وإنما يتعلق بفهم معنى الآية وتشخيص حدود موردها وتحديد الحكم نفسه من حيث المفهوم العرفي، لا السعة والضيق في موضوعه كما أشير إليه سابقاً، ولنذكر لذلك مثالاً:
قال الله تبارك وتعالى: «إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ» سورة البقرة: الآية (158).
قال السيوطي: إن ظاهر لفظها لا يقتضي أن السعي فرض، وقد ذهب بعضهم إلى عدم فرضيته، تمسكاً بذلك([857]).
ووجه ذلك أن قوله تعالى: «لّا جُنَاحَ» يدل على نفي البأس والحرج فقط، ولا يدل على الإلزام والوجوب، فإن رفع الجناح لا يستلزم الوجوب لكونه منه، فكل مباح لا جناح فيه، والواجب ـ أيضاً ـ لا جناح فيه، لكن فيه إلزام زيادة على المباح، ومن الواضح أن العام لا يستلزم الخاص.
لكن هذا الاستدلال بظاهر الآية مردود، بأن ملاحظة سبب نزولها يكشف عن سر التعبير بـ «لا جناح» فيها، وذلك: لأن أهل الجاهلية كانوا يضعون صنمين على الصفا والمروة، ويتمسحون بهما لذلك، ويعظمونهما، وكان المسلمون بعد كسر الأصنام يتحرجون من الاقتراب من مواضع تلك الأصنام توهّماً للحرمة، فنزلت الآية لتقول للمسلمين: إن المواضع المذكورة هي من المشاعر التي على المسلمين أن يسعوا فيها فإنها من واجبات الحج، وأما قوله تعالى: «لا جناح» فهو لدفع ذلك التحريم المتوهم.
فهذا الجواب يبتني على بيان سبب النزول كما أوضحنا، ولا يمس البحث الأصولي المذكور بشيء.
وقد أورد السيوطي في «الإتقان» أمثلة أخرى، مما يعتمد فهم الآيات فيها على أسباب النزول([858]).
وثالثاً: أن هذا البحث الأصولي إنما يجري في آيات الأحكام كما يظهر من عنوانهم له، دون غيرها، وسيأتي مزيد توضيح لهذا الجواب فيما يلي:
وقد أثار ابن تميمة شبهة حول أهمية أسباب النزول تعتمد على أساس هذا الاعتراض، ملخصها: إن نزول الآية في حق شخص ـ مثلاً ـ لا يدل على اختصاص ذلك الشخص بالحكم المذكور في الآية، يقول: قد يجيء ـ كثيراً في هذا الباب ـ قولهم: «هذه الآية نزلت في كذا» لا سيما إذا كان المذكور شخصاً كقولهم: إن آية الظهار نزلت في امرأة ثابت بن القيس، وأن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبدالله.
قال: فالذين قالوا ذلك، لم يقصدوا أن حكم الآية يختص بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق، والناس ـ وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب، هل يختص بسببه؟ ـ فلم يقل أحد: إن عمومات الكتاب والسّنّة تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يقال إنها تختص بنوع ذلك الشخص، فتعمّ ما يشبهه.
والآية لها سبب معين، إن كانت أمراً أو نهياً، فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كانوا بمنزلته، وإن كانت خبراً بمدح أو ذمّ، فهي متناولة لذلك الشخص ولمن كان بمنزلته([859]).
والجواب عن هذه الشبهة:
أولاً: ما ذكره من «لزوم تعميم الحكم، وعدم قابلية الآية للتخصيص بشخص معين» إنما يبتنى على فرضين:
1ـ أن يكون الحكم الوارد في الآية شرعياً فقهياً.
2ـ أن يكون لفظ الموضوع فيها عاماً.
وهذان الأمران متوفران في الأمثلة التي أوردها، كما هو واضح.
أما إذا كانت الآية تدل على حكم غير الأحكام الشرعية التكليفية أو الوضعية، أو كان الموضوع فيها بلفظ خاص لا عموم فيه، فإن ما ذكره من لزوم التعميم وامتناع التخصيص، باطل.
توضيح ذلك: أن البحث عن أسباب النزول ليس خاصاً بآيات الأحكام. وهي الآيات الخمسمائة المعروفة ـ بل يعمّ كل الآيات بما فيها آيات العقائد والقصص والأخلاق وغيرها، ومن الواضح أن من غير المعقول الالتزام بعموم الأحكام الواردة فيها كلها.
مثلاً: قصة موسى وفرعون وبني إسرائيل، بما لها من الخصوصيات المتكررة في القرآن، لا معنى للاشتراك فيها، فهي قضية في واقعة إنما ذكرت للاعتبار بها، ويستفاد منها من مجالاتها الخاصة.
وكذلك إذا كان الموضوع خاصاً لا عموم فيه، فإن القول باشتراك حكم الآية بينه وبين من يشبهه، شطط من القول. قال السيوطي في آية نزلت في معين ولا عموم للفظها: إنما تقصر عليه قطعاً ـ وذكر مثالاً لذلك، ثم قال: وهم من ظنّ أن الآية عامة في كل من عمل عمله، إجراء له على القاعدة، وهذا غلط، فإن هذه الآية ليس فيها صيغة عموم([860]).
وقوله تعالى: «إنَّ شّانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ» سورة الكوثر (108 الآية (3) فإنها نزلت في العاص الذي كان يعيّر النبي (ص)، بعدم النسل والذرية، فعبرت عن ذمّه وحكمت عليه بأنه هو الأبتر، وباعتبار كون الموضوع «شانىء النبي (ص)» فهو خاص معين، وهذا يعرف من خلال المراجعة إلى سبب النزول، فهل القول باختصاص الحكم في الآية بذلك الشخص فيه مخالفة للكتاب أو السّنّة، حتى لا يقول به مسلم أو عاقل! كما يدّعيه ابن تيميّة.
لكنه خلط بين هذه الموارد، وبين ما مثل به من موارد الحكم الشرعي بلفظ عام، فاستشهد بتلك على هذه، وهذا من المغالطة الواضحة.
ونجيب عن الشبهة ثانياً: إن الآية لو كانت تدل على حكم شرعي، وكان لفظ الموضوع فيها عاماً إلا أنَّا عرفنا من سبب النزول كون موردها شخصاً معيناً باعتباره الوحيد الذي انطبق عليه الموضوع أن حكم الآية يكون مختصاً بذلك الشخص وفي ذلك الظرف، ولا يمكن القول بإشراك غيره معه.
مثال ذلك، قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ… وَأَطْهَرُ» سورة المجادلة (58) الآية (12).
فإن المكلف في الآية عام، وهم كل المؤمنين، والحكم فيها شرعي وهو وجوب التصدق عند مناجاة النبي (ص)، ولكن هذا لا يمنع من اختصاص الآية بشخص واحد، فعند المراجعة إلى أسباب النزول نجد أن الإمام عليّاً (ع) كان هو العامل الوحيد بهذه الآية، حيث كان الوحيد الذي تصدّق وناجى الرسول (ص)، ونسخت الآية قبل أن يعمل بها غيره من المسلمين.
فهل يصحّ القول بأنها عامة، وما معنى الاشتراك في الحكم لو كانت الآية منسوخة؟ وهل في الالتزام باختصاص الآية مخالفة للكتاب والسّنّة؟
وإذا سأل سائل عن الحكمة في تعميم الموضوع في الآية، مع أن الفرد العامل منحصر.
فمن الجائز أن تكون الحكمة في ذلك بيان أن بلوغ الإمام (ع) إلى هذه المقامات الشريفة كان بمحض اختياره وإرادته، من دون أن يكون هناك جبرٌ يستدعيه أو أمرٌ خاص به. وإنما كان الأمر والحكم عاماً، لكنه أقدم على الإطاعة رغبة فيها وحبّاً للرسول ومناجاته، وأحجم غيره عنها، مع أن المجال كان مفسوحاً للجميع قبل أن تنسخ الآية، فبالرغم من ذلك لم يعمل بها غيره.
ولا يمكن أن يفسّر إقدامه وتقاعسهم إلا على أساس فضيلته عليهم في العلم والعمل، وتأخرهم عنه في الرتبة والكمال.
وبمثل هذه الحكمة يمكننا أن نوجه افتخار الإمام (ع) بكونه العامل الوحيد بهذه الآية.
فقد روى الحبري في تفسيره([861]) بسنده قال: قال عليّ: آية من القرآن لم يعمل بها أحدٌ قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، أنزلت آية النجوى [الآية (12) من سورة المجادلة (58)] فكان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم، فكنت إذا أردت أن أناجي النبي (ص) تصدّقت بدرهم حتى فنيت ثم نسختها الآية التي بعدها: «فَإِنْ لَّمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ»([862]).
ولا بدّ من الوقوف عند اعتراض ابن تميمة على أهمية أسباب النزول، لنذكر بأنه إنما أثار مثل هذه الشبهة محاولة منه لتقويض ما استدلّ به معارضوه، حيث استدلوا بنزول الآيات في أهل البيت (عليهم السلام)، بدلالاتها الواضحة على فضلهم وأحقيّتهم لمقام الولاية على الأمة، والخلافة عن الرسول (ص) في قيادة المسلمين.
وحيث لم يكن لابن تميمة طريف للتشكيك في أسانيد الروايات الدالة على نزولها في فضل أهل البيت (عليهم السلام) ولا سبيل للنقاش في دلالتها على المطلوب، عمد إلى إثارة مثل هذه الشبهة بإنكار أهمية أسباب النزول عموماً، والتشكيك في إمكان الاستفادة منها في خصوص الآيات النازلة بحقهم (عليهم السلام).
2ـ طرق إثباتها
لا ريب أن تعيين أسباب النزول وتمييز الصحيح منها عن ما ليس بسبب، عند الاختلاف، يحتاج إلى طرق مشخصة، سنستعرضها فيما يلي:
ولكني أرى أن أهم شيء يجب تحصيله في هذا المجال هو تحديد المقصود لكلمة «أسباب النزول» لكي نعتمد خلال البحث والمناقشة معنى واحداً، فلا تختلط موارد النفي والإثبات، ولا تتداخل الأدلة والردود.
نقول: إن الظاهر من كلمة «سبب» هو العلة الموجبة، ولو التزمنا بهذا المعنى فإن ذلك يقتضي حصر موضوع «أسباب النزول» بما كان علّة لنزول الآية، وأن الآية نزلت من أجله، وعليه فإن أسباب النزول هي القضايا والحوادث التي وردت الآيات من أجلها وفي شأنها، أو نزلت مبينة لحكم ورد فيها، أو نزلت جواباً عن سؤال مطروح.
لكن لا بد من الإعراض عن هذا الظاهر، لأن الالتزام بهذا المعنى غير صحيح لوجهين:
الأول: أن هذا المعنى بعيد أن يقصده علماء الإسلام وخاصة في مجال علوم القرآن، لأن السبب بهذا المعنى اصطلاح فلسفي لم يتداوله المسلمون إلا في القرون المتأخرة، وعلى ذلك: فلا بد من حمل «سبب» على معناها اللغوي، وهو «ما يتوصل به إلى أمر»، وهذا يعمّ ما فيه سببية بالمصطلح الفلسفي، أو يكون مرتبطاً به بشكل من الأشكال، فسبب النزول هو «كل ما يتصل بالآية من القضايا والحوادث والشؤون» سواء كانت علّة نزلت الآية من أجلها، أو لم تكن كذلك، بل ارتبطت بالنزول، ولو بنحو الظرفية المكانية أو الزمانية أو الاقتران، وما شابه.
الوجه الثاني: أن ملاحظة ما ذكره المفسرون وعلماء القرآن من أسباب نزول الآيات تدلنا بوضوح على أن مرادهم به ليس هو خصوص ما كان سبباً بالمصطلح الفلسفي، بأن يكون علّة نزلت الآية من أجله، وإنما يذكرون تحت عنوان «سبب النزول» كل القضايا التي كان النزول في اطارها، وما يرتبط بنزول الآيات بنحو مؤثر في دلالتها ومعناها، بما في ذلك الزمان والمكان، وإن لم يتقيد ذلك حتى بالزمان والمكان، ولذلك فإن سبب النزول يصدق على ما يخالف زمان النزول بالمضي والاستقبال.
وقد لا تكون أسباب النزول، إلا خصوصيات في موارد التطبيق تعتبر فريدة، فهي تذكر مع الآية لمقارنة حصولها عند نزولها، ككون العاملين بالآية متّصفين ببعض الصفات أو تعتبر مقارنات نزول الآية لعمل شخص ميزة وفضيلة له إلى غير ذلك مما يضيّق المجال عن إيراد أمثلته وتفصيله فإن جميع هذه الموارد يسمونها في كتبهم بـ «أسباب النزول» بينما ليس في بعضها سببية للنزول بالمصطلح الأول.
فالمصطلح القرآني لكلمة «أسباب النزول» نحدده بقولنا: «كل ما له صلة بنزول الآيات القرآنية».
فيشمل كل شيء يرتبط بنزولها، سواء كان علة وسبباً أو كان بياناً وإخباراً عن واقع، أو تطبيقاً نموذجياً فريداً، أو ورد الحكم فيه لأول مرة، أو كان مورده فيه جهة غريبة تجلب الانتباه أو نحو ذلك.
وأما الطرق التي ذكروها لتعيين أسباب النزول فهي:
1ـ ما ذكره السيوطي بقوله: والذي يتحرر في سبب النزول أنه ما نزلت الآية أيام وقوعه([863]).
وهذا فيه تضييق لأنه أخص مما يطلق عليه اسم سبب النزول عندهم، لعدم انحصاره بما كان في وقت النزول، بل الضروري، هو ارتباط السبب بالآية سواء كان مقارناً لنزولها أو لا، ويعلم الربط بالقرائن، على أنّا لا ننكر مقارنة كثير من الأسباب لنزول آياتها، مع أن الالتجاء إلى معرفة سبب النزول بما ذكره من النزول أيام وقوعه يؤدي إلى انحصار معرفة سبب النزول بطريق المشاهدة بالحاضرين، فلا بد من الاعتماد على الروايات لإثباتها إلا أن يكون مراده تعريف سبب النزول وهو الأظهر، لكنه أيضاً تضييق كما عرفت.
2ـ قال الواحدي: لا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل، ووقفوا على الأسباب، أو بحثوا عن علمها وجدوا في الطلب، وقد ورد الشرع بالوعيد للجاهل ذي العثار في هذا العلم بالنار.
أخبرنا أبو ابراهيم، إسماعيل بن ابراهيم الواعظ، قال أخبرنا أبو الحسين، محمد بن أحمد بن حامد العطار، قال: حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، قال: حدثنا ليث، عن حماد، قال: حدثنا أبو عوانة، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:
قال رسول الله (ص): اتقوا الحديث إلا ما علمتم، فإنه من كذب عَليَّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار، ومن كذب على القرآن من غير علم فليتبوّأ مقعده من النار.
والسلف الماضون رحمهم الله كانوا من أبعد الغاية احترازاً عن القول في نزول الآية([864]).
وقال آخر: معرفة سبب النزول أمرٌ يحصل للصحابة بقرائن تحتّف بالقضايا([865]).
3ـ قولهم نزلت الآية في كذا.
إن المراجع لكتب التفاسير، وخاصة الكتب الجامعة لأسباب النزول، يجد أنهم إذا أرادوا ذكر سبب نزول آية قالوا: نزلت في كذا، والظاهر أن استعمال الصحابة والتابعين لهذا التعبير، وكون المفهوم من هذا التعبير ما يفهم من قولهم «السبب في نزول الآية كذا» دفعهم على المحافظة على هذه العبارة عند بيان أسباب النزول.
ويؤيده أن الحرف «في» يستعمل فيما يناسب السببية والربط، كما في قولك: لامه في أمر كذا، أي من أجله وعلى فعله([866]).
لكن قال الزركشي: عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: «نزلت هذه الآية في كذا» فإنه يريد أنها تتضمن هذا الحكم، إلا أن هذا كان السبب في نزولها، فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية، لا من جنس النقل لما وقع([867]).
أقول: لم تثبت هذه العادة، بل المستفاد من عمل علماء القرآن هو الالتزام بالعكس، ولا بد أنهم يفهموا الخلاف من الصحابة أو التابعين، بل الأغلب في موارد قول الصحابة والتابعين: «نزلت في كذا» إنما هو القضايا الواقعة والوقائع الحادثة مما لا معنى له إلا الرواية والنقل، ولا مجال لحمله على الاستدلال.
ولو تنزلنا، فإن احتمال كون قولهم: «نزلت في كذا» للاستدلال مساوٍ لاحتمال كونه لبيان سبب النزول، ولا موجب لكونه أظهر في الاستدلال.
ويقرب ما ذكرنا أن ابن تميمة احتمل في الكلام المذكور كلا الأمرين: الاستدلال وسبب النزول، فقال: قولهم: «نزلت هذه الآية في كذا…» يراد به تارة سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب، كما نقول عُنِيَ بهذه الآية كذا([868]).
4ـ والتزم الفخر الرازي طريقاً آخر لمعرفة سبب النزول ذكره في تفسير آية النبأ، قوله تعالى: «يَا أيُّهَا الّذِنَ آمَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَاٍ فَتَبَيّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ» [الآية (6) من سورة الحجرات (49)].
قال: سبب نزول هذه الآية، هو أن النبي (ص) بعث الوليد بن عقبة، وهو أخو عثمان لأمه، إلى بني المصطلق والياً ومصدقاً فالتقوه، فظنهم مقاتلين فرجع إلى النبي (ص) بالإيقاع بهم، فنزلت هذه الآية، وأخبر الرسول (ص) أنهم لم يفعلوا شيئاً من ذلك.
قال الرازي: وهذا جيد، إن قالوا بأن الآية نزلت في ذلك الوقت، وإما إن قالوا بأنها نزلت لذلك مقتصراً عليه ومتعدياً إلى غيره فلا، بل نقول: هو نزل عاماً لبيان التثبت وترك الاعتماد على قول الفاسق.
ثم قال: ويدل على ضعف قول من يقول: إنها نزلت لكذا، أن الله تعالى لم يقل: إني أنزلتها لكذا، والنبي (ص) لم ينقل منه أنه بيّن الآية نزلت لبيان ذلك فحسب.
وقال أخيراً: فغاية ما في الباب أنها نزلت في مثل ذلك الوقت، وهو مثل التاريخ لنزول الآية، ونحن نصدق ذلك([869]).
ويردّ عليه:
إن الظاهر منه أنه بحصر سبب النزول في أن يقول الله: أنزلت الآية لكذا، أو يصرّح الرسول بنزولها كذلك، وكذلك يبدو منه أنه يعتبر في كون الشيء سبباً للنزول أن يكون مدلول الآية خاصاً به لا عموم فيه.
وكلا هذين الأمرين غير تامّين:
أما الأول، فلأن كون أمر ما سبباً لمجيء الوحي ونزوله هو بمعنى أن الله أوحى إلى نبيه من أجل ذلك، فلا حاجة إلى تصريح الله بأنه أنزل الآية لكذا.
وأيضاً فإنا لم نجد ولا مورداً واحدا، كان تعيين سبب النزول على أساس تصريح الباري بقوله: أنزلت الآية لكذا.
أفهل ينكر الفخر الرازي وجود أسباب النزول مطلقاً؟.
وأورد عليه المحقق الطهراني بقوله: وأطرف شيء استدلاله على ضعف قول من يقول: «إنها نزلت في كذا» أن الله تعالى لم يقل: «إني أنزلتها لكذا» والنبي (ص) لم ينقل عنه أنه بيّن ذلك.
فإن فهم هذا المعنى لا ينحصر في ما ذكره، بل مجرد نزول الآية عند الواقعة مع انطباقها عليه يكفي في استفادة هذا المعنى([870]).
وأما الثاني: فلأن عموم الآية لغير الواقعة، لا ينافي كون تلك الواقعة هي السبب لنزولها، فإن المراد بسبب ليس هو المورد الخاص المنفرد الذي لا يتكرر، بل قد يكون كذلك، وقد يكون وهو أول الموارد الكثيرة باعتبار عموم موضوع الآية.
بل ـ كما ذكر المحقق الطهراني ـ: إن الوقائع في زمان نزول الآية كثيرة، مع أن ذكر المقارنات لنزول الآيات لا معنى له، بل نزول الآية في الواقعة لا معنى له، إلا أنها المعنية بها، ولو على وجه العموم([871]).
والمتحصل من البحث: أن الطرق المثبتة لنزول الآيات تنحصر في أخبار وروايات الصحابة الذين شاهدوا الوحي وعاصروا نزوله، وعاشوا الوقائع والحوادث وظروفها، والتابعين الآخذين منهم، والعلماء المتخصصين الخبراء، وسيأتي البحث عن مدى اعتبار هذه الروايات في الفقرة التالية من البحث.
3 – حجية روايتها
إن الباحث عن أسباب النزول يلاحظ بوضوح اتّسام رواياتها بالضعف أو عدم القوة عند العلماء حسب ما تقرره قواعد علم الرجال، بل يجد صعوبة في العثور على ما يخلو سنده من مناقشة رجالية في روايات الباب، وكذا تكون النتيجة الحاصلة من الجهد المبذول حول أسباب النزول معرضاً للشك من قبل علماء مصطلح الحديث باعتبار أن رواياتها غير معتمدة حسب أصول هذا العلم أيضاً.
ونحن نستعرض هنا ما قيل أو يمكن ان يقال من وجوه الاعتراض على روايات أسباب النزول، ونحاول الإجابة عنها بما يزيل الشك عن حجيتها حسب ما يوصلنا الدليل، ووجوه الاعتراض إجمالاً هي:
الأول: أن روايات الباب (موقوفة).
الثاني: أن روايات الباب (مرسلة).
الثالث: أن روايات الباب (ضعيفة).
قالوا: ولا حجية لشيء من هذه الثلاثة.
ومع هذه المفارقات كيف يمكن الاعتماد على روايات الباب؟ وبدونها كيف لنا أن نقف على معرفة الأسباب؟
فلنذكر كلّاً منها مع الإجابة عليه:
الوجه الأول: الاعتراض بالإرسال والوقف على الصحابة
إن الحديث إذا اتّصل سنده إلى الصحابي، ولم يرفعه إلى النبي (ص) سمي «موقوفاً»، وهو مرسل الصحابي، وبما أن الحديث إنما يكون حجة باعتبار اتصاله بالنبي (ص)، وكونه كلاماً وكاشفاً عن مراده، فلا يكون الموقوف كاشفاً كذلك، بل لا يعدو من أن يكون رأياً للصحابي، ومن المعلوم أنه لا حجية فيه لنفسه.
والجواب عن ذلك:
أولاً: إن الصحابي إنما يذكر من أسباب النزول ما حضره وشهده أو نقله عمن كان كذلك، فيكون كلامه شهادة عن علم حسي وقضية مشاهدة، وواقعة نزلت فيها الآية وهذا هو القدر المتيقن من الروايات المقبولة في أسباب النزول، قال الواحدي: لا يحل القول في أسباب النزول إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن علمها([872]).
وقال آخر: معرفة سبب النزول أمرٌ يحصل للصحابة بقرائن تحتفّ بالقضايا([873]).
وقد عرفنا في الفقرة السابقة من هذا البحث أنه من طرق معرفة أسباب النزول في روايات الصحابة.
إذن، فما يذكره الصحابي في باب النزول إنما يكون عن علم وجداني حصل عندهم بمشاهدة القضايا، ووقوفهم على الأسباب، فيكون إخبارهم عنها من باب الشهادة، لا من باب الرواية والحديث.
فلا بدّ أن يكون حجة عند من يقول بعدالة الصحابة بقول مطلق، أو خصوص بعضهم، من دون حاجة إلى رفعها إلى النبي (ص) فهي من قبيل رواية الصحابة لأفعال الرسول (ص) التي شاهدوها، وحضروا صدورها منه، فتقلوها بخصوصياتها، فهي حجّة بالإجماع من دون حاجة إلى رفعها إلى النبي (ص).
فكلام الصحابي في هذا الباب ليس حديثاً نبوياً كي يبحث فيه عن كونه مرسلاً أو لا.
وقد قيّد السيوطي مرسل الصحابي المختلف فيه بكونه «مما علم أنه لم يحضره»([874]) ومعنى ذلك أن ما لم يحضره ونقله، فلو كان فعلاً من أفعال النبي (ص) سمي مرسلاً، وإلا فلا وجه لتسميته «حديثاً» فضلاً عن وصفه بالإرسال، وتوضيح ذلك:
إن نزاعهم في مرسل الصحابي، إنما هو في ما ذكره الصحابي من الحوادث التي لم يشهدها ولم يحضرها، وأما ما حضرها من الوقائع وشهدها من الحوادث، فإنها لا تكون داخلة في النزاع المذكور، فإن ذلك ليس حديثاً مرسلاً، لأن الصحابي لا يروي ولا ينقل شيئاً، وإنما يشهد بما حضره ورآه، وهو نزول الوحي في تلك الواقعة وغيره مما يرتبط بالنزول، فلا يصح أن يقال إنه حدّث وروى أو نقل شيئاً عن النبي (ص)، حتى يقال إنه أرسله ولم يرفعه.
ثانياً: وعلى فرض كون كلام الصحابي في أسباب النزول حديثاً مرويّاً، نقول: إن حديث الصحابي ـ في خصوص باب أسباب النزول ـ ليس موقوفاً ولا مرسلاً بل هو مسند مرفوع.
قال الحاكم النيسابوري: ليعلم طالب الحديث أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل، عند الشيخين، حديث مُسنَد.
قال: ومشى على هذا أبو الصلاح وغيره([875]).
ومراده بالشيخين: البخاري ومسلم.
وقال النووي ـ معلقاً على كلام الحاكم ـ: ذاك في تفسير ما يتعلق بسبب نزول الآية([876]).
أقول: صريح كلماتهم أن حديث الصحابي في مجال أسباب النزول تُعَدّ ـ حسب مصطلح الحديث ـ «مُسْنَداً» والمراد به: ما رفع واتصل بالنبي (ص)، ونسب إليه، وإن لم يصرّح الصحابي بأنه أخذه منه (ص).
قال النووي: وأكثر ما يستعمل [أي المسند] فيما جاء عن النبي (ص)، دون غيره([877]).
وقال الحاكم النيسابوري وغيره: لا يستعمل «المُسْنَد» إلا في الوقوع المتصل([878]).
وقال السيوطي ـ معلقاً على كلام الحاكم هذا ـ: حكاه ابن عبد البر عن قوم من أهل الحديث، وهو الأصحّ، وليس ببعيد من كلام الخطيب وبه جزم شيخ الإسلام [يعني ابن حجر] في النخبة([879]).
على هذا، فتفسير الصحابي خاصة في موضوع أسباب النزول، هو من الحديث المسند، بمعنى أنه محكوم بالاتصال بالنبي (ص) فيكون مثله في الحجية والاعتبار.
ثالثاً: لو فرضنا كون كلام الصحابي في هذا الباب حديثاً مرسلاً، لكن ليس مرسل الصحابي كله مردوداً وغير حجّة.
قال المقدسي: مراسيل أصحاب النبي (ص)، مقبولة عند الجمهور، الأمة اتفقت على قبول رواية ابن عباس ونظرائه من أصاغر الصحابة مع إكثارهم، وأكثر روايتهم عن النبي (ص) مراسيل([880]).
قال النووي ـ بعد أن تعرض لحكم الحديث المرسل بالتفصيل ـ: هذا كله في غير مرسل الصحابي، أما مرسله فمحكوم بصحته، على المذهب الصحيح.
وقال السيوطي في شرحه لهذا الكلام: «أما مرسله» كإخباره عن شيء فعله النبي (ص) أو نحوه، مما يعلم أنه لم يحضره لصغر سنّه أو تأخر إسلامه «فمحكوم بصحته على المذهب الصحيح» الذي قطع به الجمهور من أصحابنا وغيرهم، وأطبق عليهم المحدثون المشترطون للصحيح، القائلون بضعف المرسل، وفي الصحيحين من ذلك ما لا يحصى([881]).
ثم، على فرض صدق «المرسل» على كلام الصحابي اصطلاحاً ولو قلنا باعتبار مرسلات الصحابة تلك التي لم يحضرها، كان القول باعتبار مرسلاتهم التي حضروها لو سميت بالمرسل أولى كما لا يخفى.
رابعاً: أن الذي عرفناه في الفقرة السابقة هو انحصار طريق معرفة أسباب النزول بالأخذ من الصحابة، لأن أكثر الأسباب المعروفة للنزول إنما هو مذكور عن طريقهم، ومأخوذ من تفاسيرهم، لأنهم وحدهم الحاضرون في الحوادث والمشاهدون للوحي ونزوله، فلو شدّدنا التمسك بقواعد علم الرجال ومصطلح الحديث، وطبقناها على روايات أسباب النزول، لأدّى ذلك إلى سدّ باب هذا العلم.
وبما أنّا أكدنا في صدر هذا البحث على أهمية المعرفة بأسباب النزول فإن من الواضح عدم صحة هذا التشدد وفساد ما ذكر من عدم حجية روايات الباب، ولا يكون ما ذكر في علمي الرجال والمصطلح مانعاً من الأخذ بأقوال الصحابة في الباب.
الوجه الثاني: الاعتراض بالإرسال والوقف على التابعين
لا شك أن ما يروه من دون رفع إلى من فوقه من الصحابة أو وصله إلى النبي (ص) يكون «رأياً» خاصاً له، فلا يكون حجة من باب كونه حديثاً نبوياً، لأنه لا يدخل تحت عنوانه «السنّة ويسمى ـ في مصطلح دراية الحديث». «بالموقوف» هذا ما لا بحث فيه.
وإنما وقع البحث فيما يذكره التابعي ناقلاً له عن النبي (ص)، من دون توسيط الصحابي، فقال قوم بحجيته بعد أن اعتبروه من «السنّة» وسموه «مرسلاً» أيضاً([882]).
والوجه في التسمية هو أن التابعي ـ والمراد به من تأخر عصره من عصر صحبة النبي (ص)، ولم يرو عنه إلا مع الواسطة ـ إذا روى شيئاً عنه (ص) ورفعه إليه، فحديثه مرفوع، إلا أنه ليس متصلاً، بل هو مرسل، والواسطة محذوفة، وهي الصحابي بالفرض، فيكون حديثه غير مسند، وقد وقع الخلاف في حجية مرسلات التابعي مطلقاً غير ما يختص منها بأسباب النزول.
أما في خصوص هذا الباب فإنهم اعتبروا الموقوف على التابعي من روايات النزول مرفوعاً حكماً، وقالوا: إن ما لم يرفعه ـ في هذا الباب ـ هو بحكم المرفوع من التابعي، وإن كان مرسلاً، فيقع فيه البحث في مرسلاته.
قال السيوطي ـ بعد أن حكم بأن الموقوف على الصحابي في باب أسباب النزول بمنزلة المسند المرفوع منه ـ ما نصّه: ما تقدم أنه من قبيل المسند من الصحابي، إذا وقع من تابعي فهو مرفوع أيضاً، لكنه مرسل، فقد يقبل إذا صحّ المسند إليه، وكان من أئمة التفسير والآخذين من الصحابة كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير، أو اعتقد بمرسل آخر، ونحو ذلك([883]).
إذن، ما ورد في باب أسباب النزول عن التابعين، يعدّ حديثاً مرفوعاً منسوباً إلى النبي (ص)، ولو لم يرفعه التابعي إليه، ولا إلى أحد من الصحابة، فيدخل في البحث عن حجيّة مرسل التابعي ثم إن مرسل التابعي ليس بإطلاقه مرفوضاً.
قال الزركشي في الرجوع إلى قول التابعي، روايتان لأحمد واختار ابن عقيل المنع، وحكوه عن شعبة، لكن عمل المفسرين على خلافه، وقد حكوا في كتبهم أقوالهم([884]).
أقول: بل في غير المفسرين من يلتزم بحجيّة مراسيل التابعين.
قال الطبري: أجمع التابعون بأسرهم على قبول المرسل ولم يأت عنهم إنكاره، ولا من أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين([885]).
وبين القائلين بحجيّة المرسل، ثلاثة من أئمة الفقهاء، وهم أبو حنيفة ومالك وأحمد، أي خلا الشافعي.
قال النووي والسيوطي: «المرسل: حديث ضعيف» وقال مالك، في المشهور عنه؟ وأبو حنيفة في طائفة منهم أحمد في المشهور عنه: صحيح([886]).
أقول: حتى الشافعي ـ القائل بضعف المرسل ـ يقول باعتباره في بعض الظروف، كما سيأتي.
ثم إن المرسل لو كان ضعيفاً، فإن ذلك لا يعني تركه وعدم الأخذ به مطلقاً، بل هناك طرق مؤدّية إلى تقويته إلى حدّ الاعتبار.
قال النووي: فإن صحّ مخرج المرسل بمجيئه من وجه آخر، مسنداً أو مرسلاً، أرسله من أخذ من غير رجال الأول، كان صحيحاً.
وأضاف السيوطي عليه: هكذا نصّ عليه الشافعي في الرسالة([887]).
أقول: وهذه طريقة متداولة لتقوية الحديث الضعيف بواسطة الشواهد والمتابعات، كما سنذكر ذلك في جواب الوجه الثالث التالي.
الوجه الثالث: الاعتراض بضعف روايات الباب
إن الكثير من رواة أخبار الباب ضعفاء من الناحية الرجالية، وموهونون في نقل الحديث، فكثيراً ما نرى هذا السند في روايات النزول: «… الكلبي عن أبي صالح…» وقد نقل السيوطي عن الحاكم النيسابوري في هذا السند أنه «أوهى أسانيد ابن عباس مطلقاً» ويقول فيه ابن حجر «هذه سلسلة الكذب»([888]).
والجواب: أن ما ذكر صحيح في الجملة، إلا أن ضعف سند حديث ما يعني ـ إطلاقاً ـ ضعف متنه، فإن من الممكن أن لا يكون المتن ضعيفاً بل يكون صحيحاً بسند آخر، غير هذا السند الضعيف، توضيح ذلك:
قال اللكهنوي: قولهم: «هذا حديث ضعيف» فمرادهم أنه لم تظهر لنا فيه شروط الصحة، لا أنه كذب في نفس الأمر، لجواز صدق الكاذب، وإصابة من هو كثير الخطأ، هذا هو القول الصحيح الذي لأكثر أهل العلم، كذا في شرح الألفيّة للعراقي، وغيره([889]).
وقال أيضاً: كثيراً ما يقولون «لا يصح» و«لا يثبت هذا الحديث» ويظن منه من لا علم له: أنه موضوع أو ضعيف، وهو مبني على جهله بمصطلحاتهم، وعدم وقوفه على مصرّحاتهم فقد قال عليّ القارىء: لا يلزم من عدم الثبوت وجود الوضع([890]).
وقال الدكتور عتر: قد يضعف السند ويصحّ المتن، لوروده من طريق آخر… إذا رأيت حديثاً بإسناد ضعيف، فلك أن تقول: «ضعيف بهذا الإسناد» وليس لك أن تقول: «هذا ضعيف» كما يفعله بعض المتشدقين في هذا العلم الشريف، فتعين به ضعف متن الحديث، بناءً على مجرد ضعف ذلك الإسناد؟ فقد يكون مروياً بإسناد آخر صحيح، يثبت بمثله الحديث([891]).
إذن فليس كل حديث ضعيف السند باطلاً، موضوعاً. ضعيف المتن، بل هناك فرقٌ بين ما يكون إسناده ضعيفاً وبين ما يكون متنه ضعيفاً، وبين الحديث المتروك والحديث الموضوع، ومحل التفصيل هو علم المصطلح أو «دراية الحديث».
وقد قرر علماء الدراية والمصطلح طرقاً يعرف بها أي الأحاديث الضعيفة السند لا يمكن الأخذ بها؟ وأيها يؤخذ بها من وجوه أخرى؟
قال النووي والسيوطي ـ وقد جمعنا بين كلامهما متناً بين الأقواس وشرحاً خارجها ـ: ذا ورد الحديث من وجوه ضعيفة، لا يلزم أن يحصل من مجموعها حسن.
[والمراد من قوله: (لا يلزم…) أنه ليس ضرورياً لصيرورة الحديث الضعيف حديثاً حسناً أن يلتزم بأن الأسانيد تقوي بعضها بعضاً، وليس بحاجة إلى كثرة فيها، حتى تصل الى درجة الحسن، بل يكفي الأقل من ذلك، كطريق واحد آخر، كما يشرحه في الفقرات التالية].
قالا: بل:
1ـ ما كان ضعفه لضعف رواية الصدوق الأمين، زال بمجيئه من وجهٍ آخر، وصار حسناً.
2ـ (وكذا إذا كان ضعفها لإرسال) أو تدليس، أو جهالة رجال، كما زاده شيخ الإسلام، [ابن حجر] (زال بمجيئه من وجهٍ آخر) وكان دون الحسن لذاته.
3ـ (وأما الضعف لفسق الراوي) أو كذبه (فلا يؤثر فيه موافقه غيره) له إذا كان الآخر مثله، نعم يرتقي بمجموع طرقه من كونه منكراً لا أصل له، وصرّح به شيخ الإسلام، قال:
4ـ بل ربما كثرت الطرق، حتى أوصلته إلى درجة المستور السيء الحفظ بحيث إذا وجد له طريق آخر فيه ضعف قريب محتمل، ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن([892]).
أقول:ومن هذا الباب تقوية الحديث بالشواهد والمتابعات، فقد يردف الحديث بما يسمى (شاهداً) فيقال: يشهد له حديث كذا، أو بما يسمى (متابعة) فيقال: (تابعه على حديثه فلان) وتوضيحه:
إن الشاهد هو حديث مروي عن صحابي آخر يشبه الحديث الذي يظن تفرّد الصحابي الأول به، سواء شابهه في اللفظ والمعنى أو في المعنى فقط([893]).
والمتابعة: أن يوافق راوي الحديث على ما رواه من قبل راوٍ آخر، فيرويه الثاني عن شيخ الأول أو عن من فوقه من الشيوخ([894]).
والمقصود بالشواهد والمتابعات، كما أسلفنا، هو تقوية الحديث ورفع درجته من الضعف إلى الحسن، أو من الحسن إلى الصحة.
مثاله ما ذكره السيوطي، بعد أن روى حديثاً في شأن نزول آية، سنده هكذا: «ابن مردويه، من طريق ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد، عن ابن عباس» قال السيوطي: إسناده حسن، وله شاهد عند أبي الشيخ، عن سعيد بن جبير، يرتقي به إلى درجة الصحيح([895]).
ثم لا يخفى أن بعضهم اعتبر عدم المتابعة للحديث طعناً في الراوي.
قال البخاري في ترجمة «أسماء بن الحكم الفزاري»: لم يُروَ عنه إلا هذا الحديث، وحديث آخر لم يتابع عليه([896]).
لكن لا يصحّ هذا الطعن:
قال المزي: هذا [أي عدم وجود المتابعة] لا يقدح في صحة الحديث، لأن وجود المتابعة ليس شرطاً في صحة كل حديث صحيح([897]).
وقال الذهبي: بل الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع وأكمل رتبة، وأدلّ على اعتنائه بعلم الأثر وضبطه ـ دون أقرانه ـ لأشياء ما عرفوها.
وإن تفرّد الثقة المتقن، يعدّ صحيحاً غريباً([898]).
وقال اللكهنوي: ربما يطعن العقيلي أحداً ويجرحه بقوله: «فلان لا يتابع على حديثه» فهذا ليس من الجرح في شيء، وقد ردّ عليه العلماء في كثير من المواضع بجرحه الثقات بذلك([899]).
وأما ما نقل عن الحاكم وابن حجر حول «أوهى أسانيد ابن عباس» فنجيب عنه:
أولاً: إن التمثيل لأوهى أسانيد ابن عباس بهذا السند لم يرد في كتاب الحاكم النيسابوري أصلاً، فقد ذكر أمثلة لأوهى الأسانيد في كتابه «معرفة علوم الحديث» ولم يرد فيها هذا السند.
وقد تنبّه الشيخ الدكتور نور الدين عتر إلى هذا، وأشار في هامش كتابه القيّم «منهج النقد في علوم الحديث» إلى كتاب الحاكم «معرفة علوم الحديث: ص56 ـ 58» وقال: إلا المثال الأخير، فليتنبّه([900]).
اقول: وهذا تنبيه جليل إلى وقوع التصحيف في النقل عن الحاكم، حيث زيد في المنقول عنه التمثيل لأوهى الأسانيد بهذا السند «الكلبي»، عن أبي صالح، عن ابن عباس.
وقد وردت هذه الزيادة في كتاب السيوطي نقلاً عن الحاكم([901]).
لكن السيوطي المعروف بكثرة النقل عن من سبقه في التأليف من دأبه الإشارة إلى انتهاء النقل قبل أن يضيف عليه شيئاً ويصرّح بأن الزيادة من عند نفسه، وهذا يؤيد أن تكون زيادة هذا السند من عبث بعض المحرفين.
وثانياً: أن الكلبي ليس بتلك المثابة من الضعف والوهن، وخاصة إذا كان راوياً عن أبي صالح، عن ابن عباس، وبالأخص في مجال «تفسير القرآن».
قال الحافظ الرجالي الناقد، أبو أحمد بن عديّ في كتابه «الكامل» المعد لذكر الضعفاء ما نصه: للكلبي أحاديث صالحة وخاصة عن أبي صالح وهو معروف بالتفسير، وليس لأحد تفسير أطول منه ولا أشبع منه، وبعده مقاتل بن سليمان إلا أن الكلبي يفضل على مقاتل، لما في مقاتل من المذاهب الرديئة([902]) وقد ذكره ابن حبان في «الثقات»([903]).
وقال ابن حجر في ترجمته: قال ابن عديّ: «رضوه في التفسير»([904]).
وعلى هذا، فهل يصح أن يقال في حديث الكلبي، وخاصة في التفسير وأسباب النزول إن سنده «أوهى الأسانيد أو «سلسلة الكذب»؟
أليس هذا من التناقض الواضح؟!
4ـ مصادرها
ويدل على مدى اهتمامهم بموضوع «أسباب النزول» كثرة الجهود المبذولة في سبيلها، فالتفسير بالمنهج التاريخي المتمثل في أحاديث أسباب النزول، والعناية بها منتشر في بطون التفاسير الموسعة الجامعة، أما الصغيرة ـ وخاصة القديمة تلك التي كانت طلائع في التفسير ـ فهي منحصرة بهذا المنهج، كما أشرنا في صدر البحث.
وبعد هذا فإن كثيراً من العلماء بذلوا جهوداً في سبيل جمع أسباب النزول في مؤلفات خاصة، ويمكن من ناحية فنية تقسيم هذه المؤلفات إلى قسمين:
الأول: الباحثة عن أسباب نزول القرآن، بصورة عامة وشاملة لجميع الآيات، وذكر أسبابها، من دون تخصيص بجانب معين.
الثاني: الباحثة عن أسباب نزول بعض الآيات في موضع معين أو في أشخاص معينين.
فلنذكر المؤلفات تحت هذين العنوانين.
القسم الأول: المؤلفات الشاملة.
قال السيوطي: أفرده بالتصنيف جماعة [الإتقان ج1 ص107]، ثم ذكره عدة منها.
ونحن نورد ما وقفنا عليه أو على اسمه منها، مرتبة حسب أوائل أسمائها:
1ـ إرشاد الرحمن لأسباب النزول، والنسخ والمتشابه، وتجويد القرآن، تأليف: عطية الله بن البرهان الشافعي الأجهوري، المتوفى (1190هـ).
* معجم مصنفات القرآن الكريم، لشواخ (ج1 ص127 رقم 204).
2- أسباب النزول
تأليف: علي بن هبة بن جعفر، أبي الحسن المديني السعدي، المتوفى (234هـ).
* إيضاح المكنون (3/69).
وذكره السيوطي قائلاً: أقدمهم علي بن المديني شيخ البخاري (الإتقان ج/1 ص107) وفيمن يأتي ذكره بعض من هو أقدم منه وفاة.
3ـ أسباب النزول
تأليف: محمد بن أسعد، القرافي.
* كشف الظنون (ج1 ص76).
4ـ أسباب نزول القرآن، المطبوع باسم «أسباب النزول»
تأليف: علي بن أحمد، أبي الحسن الواحدي، النيسابوري، المتوفى (468هـ)، ولدينا منه مصورة عن نسخة قديمة مصححة.
قال السيوطي: من أشهرها كتاب الواحدي، على ما فيه من إعواز.
* الإتقان (ج/1 ص107، وكشف الظنون (1/76)، والنابس في أعلام القرن الخامس (ص118).
5ـ أسباب النزول
تأليف: الشيخ سعيد بن هبة بن الحسن، قطب الدين الراوندي المفسر المتوفى (573هـ).
قال: شيخنا آقا بزرك الطهراني: هو من مآخذ كتاب «بحار الأنوار» صرح به في أوله، وينقل عنه فيه.
* الذريعة إلى تصانيف الشيعة/ ج2 ص12).
6 ـ أسباب النزول
تأليف: عبد الرحمن بن محمد، أبي المطرف، المعروف بابن فطيس الأندلسي، المتوفى (402هـ)، في أجزاء عديدة.
* سير أعلام النبلاء (11/ف 46)، وكشف الظنون (1/676) وسماه في معجم مصنفات القرآن (ج1 ص123) بالقصص والأسباب التي نزل من أجلها الكتاب.
7ـ أسباب النزول
تأليف: عبد الرحمن بن علي، أبي الفرج بن الجوزي البغدادي.
* كشف الظنون (1/76).
8ـ الأسباب والنزول على مذهب آل الرسول
تأليف الشيخ محمد بن علي شهر آشوب، السروي، الحافظ المتوفى (588هـ).
* معالم العلماء (ص119)، وانظر: تأسيس الشيعة (ص337)، والذريعة (1/12)، وكشف الظنون (1/77).
9ـ الإعجاب ببيان الأسباب
تأليف: أحمد بن علي، شهاب الدين بن حجر العسقلاني، المتوفى (852هـ) مجلد ضخم.
* كشف الظنون (1/120).
أقول: ولعله ما ذكره السيوطي في الإتقان (1/107) بقوله: وألّف فيه شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر كتاباً مات عنه مسودّة، فلم نقف عليه كاملاً.
10ـ البيان في نزول القرآن
تأليف: محمد بن علي النسوي، وهو في أسباب نزول القرآن.
* معجم مصنفات القرآن الكريم، رقم (2608).
11ـ التنزيل من القرآن والتحريف
تأليف المحدث علي بن الحسن بن فضال الكوفي، المتوفى (224). كذا سماه السيد الصدر.
* تأسيس الشيعة (ص335)، وانظر (ص330)، والذريعة (ج4 ص454)، وذكره في إيضاح المكنون (4/283) باسم: «التنزيل في القرآن».
12ـ التنزيل وترتيبه
تأليف: الحسن بن محمد بن الحسن بن حبيب النيسابوري، المتوفى (406).
قال الدكتور شواخ: مخطوط، ورد ذكره في فهرس المكتبة الظاهرية برقم (26) مكتوب في القرن السابع.
* معجم مصنفات القرآن الكريم (ج1 ص134) رقم (216).
13ـ التنزيل: من مصادر «المصباح» للكفعمي.
* الذريعة (ج4 ص454).
14ـ التنزيل: تأليف محمد بن مسعود بن محمد بن عياش، السلمي، السمرقندي، صاحب تفسير العياشي.
* الذريعة (4 ص454).
15ـ التنزيل عند ابن عباس
* تأليف: عبد العزيز بن يحي الجلودي، أبي أحمد البصري، المتوفى (332هـ).
* الذريعة (ج4 ص454) عن رجال النجاشي.
16ـ الصحيح المسند في أسباب النزول
تأليف: مقبل الوادي طبع بمكتبة المعارف، الرياض، لا تاريخ.
17ـ لباب النقول في أسباب النزول، وهو مطبوع متداول.
تأليف: عبد الرحمن بن جلال الدين السيوطي، المتوفى (911هـ)، قال في الإتقان: وقد ألّفتُ فيه كتاباً حافلاً موجزاً لم يؤلف مثله في هذا النوع.
* الإتقان (1/107).
18ـ لبّ التفاسير في معرفة أسباب النزول والتفسير
تأليف: محمد بن عبدالله، القاضي الرومي الحنفي، الشهير بـ «لبي حافظ» المتوفى (1195هـ).
* إيضاح المكنون (4/455).
19ـ مختصر أسباب النزول
تأليف: إبراهيم بن عمر بن إبراهيم، برهان الدين، الجعبري، المتوفى 732هـ).
قال السيوطي: قد اختصره [يعني كتاب الواحدي] الجعبري، فحذف أسانيده. ولم يزد عليه شيئاً.
الإتقان: (1/107)، وكشف الظنون (1/72).
20ـ مدد الرحمن في أسباب نزول القرآن
تأليف: عبد الرحمن بن علاء الدين بن علي بن إسحاق القاضي، زين الدين التميمي، الخليلي، المقدسي الشافعي، المتوفى (876هـ).
* إيضاح المكنون (4/455).
21ـ نزول القرآن
تأليف: الحسن بن سيار البصري، أبي سعيد، المتوفى (110هـ).
قال شواخ: كان راويته عمرو بن عبيد المعتزلي، المتوفى سنة (144هـ).
* معجم مصنفات القرآن الكريم (ج1 ص137) رقم (223).
22ـ نزول القرآن
تأليف: الضحاك بن مزاحم، الهلالي، اللخمي، الخرساني، المتوفى (105هـ).
تاريخ التراث العربي (ج1 ق1 ص187).
23ـ نزول القرآن
تأليف: محمد بن إسحاق بن خزيمة، أبي بكر النيسابوري.
* معجم المؤلفات القرآنية للسيد الحسيني، مخطوط قيد التأليف.
24- نزول القرآن
تأليف: الحسن بن أبي الحسن البصري.
* الفهرست للنديم (ص40).
25ـ نزول القرآن
تأليف: عكرمة عن ابن عباس.
* االفهرست للنديم (ص40).
القسم الثاني: المؤلفات المختصة.
وبذل ثلة من الأعلام جهوداً في تأليف أسباب نزول آيات معينة نزلت في شؤون خاصة أو بشأن أشخاص معينين، وقد ألف على هذه الطريق جمع من القدماء والمتأخرين، ولعل من ذلك ما عنونه السيوطي بـ «النوع الحادي والسبعين» في أسماء من نزل فيهم القرآن، قال: رأيت فيهم تأليفاً مفرداً لبعض القدماء، لكته غير محرر.
وأضاف: وكتب «أسباب النزول» و«المبهمات» يغنيان عن ذلك [الإتقان ج4 ص119].
وبما أن الأغراض تختلف في جمع الآيات وذكر أسبابها حسب اختلاف المواضيع المقصودة بالبحث والتأليف، فإن الوقوف على جميع ما ألّف على هذا النمط متعذر، ولم أتفرغ أنا للتتبع الكامل، كي أستقصي جميع المؤلفات المختصة كذلك، وإنما جمعت أسماء ما توفر لديّ أثناء إعداد هذا البحث، بالإضافة إلى ما استفدته من الفهارس والفوائد المتناثرة التي أمكنني الوقوف عليها، ونرتبها هنا حسب أوائل أسمائها:
1ـ الآيات النازلة في أهل البيت (عليهم السلام).
للسيد محمد بن أبي زيد بن عربشاه الوراميني (القرن 8) وهو صاحب كتاب «أحسن الكبار في معرفة الأئمة الأطهار».
* فهرس مكتبة السيد المرعشي (رقم 749 ـ 750).
2ـ الآيات النازلة في أهل البيت (عليهم السلام).
لابن الفحّام، الحسن بن محمد بن يحيى، أبي محمد المقرىء النيسابوري المتوفى (458هـ).
* لسان الميزان لابن حجر (ج2 ص251).
3ـ الآيات النازلة في ذمّ الجائرين على أهل البيت (عليهم السلام).
لحيدر علي بن محمد بن الحسن الشيرواني.
* الذريعة للطهراني (ج1 ص48).
4ـ الآيات النازلة في فضائل العترة الطاهرة. للشيخ عبدالله، تقي الدين الحلبي.
* الذريعة /ج1 ص49).
5ـ آية التطهير في الخمسة أهل الكساء.
للسيد محي الدين الموسوي الغريفي، طبع بالمطبعة العلمية، النجف 1377هـ.
6ـ آية التطهير
للسيد محمد باقر الخرسان الموسوي، لا يزال مخطوطاً عند المؤلف.
7ـ آية التطهير
للسيد محمد جواد الحسيني الجلالي لا يزال مخطوطاً عند المؤلف.
8ـ إبانة ما في التنزيل من مناقب آل الرسول.
تأليف: أحمد بن الحسن بن علي أبي العباس الطوسي، الفلكي، المفسر ويسمى أيضاً «منار الحق».
معالم العلماء (ص23).
9ـ أربعون آية في فضائل أمير المؤمنين.
لمؤلف مجهول.
- الذريعة (11/49 ـ 50) وانظر (17/264).
- 10ـ أسماء أمير المؤمنين (ع) في كتاب الله عز وجل، لابن أبي الثلج، محمد بن أحمد بن عبدالله أبي بكر البغدادي، المتوفى (325هـ).
- الذريعة (11/75) وقال: ذكره الشيخ في الفهرست.
- 11ـ أسماء أمير المؤمنين (ع) من القرآن.
- تأليف: الحسن بن القاسم بن محمد بن أيوب بن شمون، أبي عبدالله الكاتب (القرن الرابع).
- * رجال النجاشي (ص52)، والذريعة1/ 165).
- 12ـ أسماء من نزل فيهم القرآن.
- تأليف إسماعيل الضرير المديني.
- * كشف الظنون (1/89).
- 13ـ أعظم المطالب في آيات المناقب: للسيد أحمد حسين الأمروهري، المتوفى (1338هـ).
- * الذريعة (11/95).
- 14ـ أوضح دليل فيما جاء في علي وآله من التنزيل: للشيخ علي بن الشيخ جعفر بن أبي المكارم العوامي القطيفي.
- ذكر السيد الحسيني أنه موجود عنده في آخر كتاب «الهداية إلى حبوة الميراث».
- 15ـ تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة، للسيد علي شرف الدين، الحسيني، الأسترآبادي، النجفي، تلميذ المحقق الكركي، الذي توفي سنة 940هـ، وقد يسمى «تأويل الآيات الباهرة».
- * الذريعة (3/304).
- منه نسخة في مكتبة الحكيم العامة بالنجف برقم (639)، ونسخ في مكتبة السيد المرعشي النجفي، بقم، بالأرقام (259 و290 و359 و438 وغيرها)، ونسخ في مكتبة الإمام الرضا (ع) بمشهد، ونسخة في مكتبة المتحف العراقي ببغداد.
- 16ـ تأويل الآيات النازلة في فضل أهل البيت (عليهم السلام)، لبعض الأصحاب.
- * الذريعة (ج3ص306).
- * الذريعة (ج4 ص455).
- 17ـ تحفة الإخوان في تقوية الإيمان.
- للشيخ فخر الدين الطريحي صاحب «مجمع البحرين».
- * الذريعة (3/414)، وفهرس مكتبة المشكاة (ج1 ص30).
- 18ـ تفسير الآيات المنزلة في أمير المؤمنين (ع)، للشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان، التلعكبري البغدادي، المتوفى (413هـ).
- * الذريعة (12/183) ذكر أنه من مصادر «سعد السعود»، لابن طاوس.
- 19ـ تفسير الكوفي
- تأليف: فرات بن إبراهيم الكوفي «من أعلام القرن الرابع». مطبوع ونسخه المخطوطة كثيرة.
20ـ تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبيين.
تأليف: محسن بن محمد بن كرامة الجشمي الحاكم البيهقي، المتوفى (949هـ) منه نسخة مصورة بدار الكتب المصرية بالقاهرة برقم (27622ب).
* ذكره شيخنا في الذريعة (ج4 ص446) ناسباً له إلى بعض قدماء الأصحاب وقال: «وقد ينسب إلى الشريف المرتضى علم الهدى».
وانظر: أهل البيت في المكتبة العربية (رقم 117).
21ـ جامع الفوائد ودافع المعاند: للشيخ علم بن صيف بن منصور النجفي الحلي.
* الذريعة (5/66) وهو مختصر «تأويل الآيات» لشرف الدين.
22ـ الحجة البالغة:
للسيد خلف الحويزي الموسوي، المتوفى (1074هـ).
* الذريعة/ ج6 ص258.
23ـ حدائق اليقين في فضائل إمام المتقين والآيات النازلة في شأن أمير المؤمنينن، للمولى أبي طالب الأسترآبادي.
* الذريعة (6/292).
24ـ حقائق التفضيل في تأويل التنزيل.
تأليف: جعفر بن ورقاء بن محمد بن جبلة، أبي محمد، أمير بني شيبان بالعراق.
* رجال النجاشي (ص96).
25ـ خصائص أمير المؤمنين (ع) في القرآن.
للحاكم الحسكاني، عبيدالله بن عبدالله، أبي القاسم (القرن الخامس).
* معالم العلماء (ص78).
26ـ خصائص أمير المؤمنين (ع) من القرآن.
تأليف الحسن بن أحمد بن القاسم بن محمد بن علي بن أبي طالب، أبي الشريف، النقيب، شيخ النجاشي.
* رجال النجاشي (ص51)، والذريعة (7/165).
27ـ خصائص الوحي المبين في مناقب أمير المؤمنين، للشيخ يحيى بن علي بن الحسن بن البطريق الحلي (القرن السادس).
* الذريعة (7/175) وقال: طبع بطهران سنة (1311هـ).
28ـ الخيرات الحسان في ما ورد من آي القرآن في فضل سادة بني عدنان.
للشيخ محمد رضا الغزاوي النجفي.
* ذكر الحسيني: أنه رآه عند ابن المؤلف في العراق.
29ـ الدر الثمين في ذكر خمسمائة آية نزلت من كلام رب العالمين في فضائل أمير المؤمنين.
للحافظ الشيخ رجب بن محمد البرسي، الحلي (كان حيّاً 813هـ).
* الذريعة (8/64 ـ65).
30ـ الدر الثمين في أسرار الأنزع البطين.
للشيخ تقي الدين عبدالله الحلبي وقد مر له «الآيات النازلة» برقم (4).
* الذريعة (8/65)، وهو مختصر «الدر الثمين» للشيخ البرسي السابق الذكر.
31ـ ذكر الآيات النازلة في أمير المؤمنين، لمؤلف مجهول.
* ذكره السيد ابن طاوس في «سعد السعود» كما في الذريعة (10/33).
32ـ ذكر ما نزل من القرآن في رسول الله وأهل البيت، لمؤلف مجهول.
* الذريعة (10/36).
33ـ رجال أنزل الله فيهم قرآناً.
تأليف: عبد الرحمن بن عميرة الرياحي.
* معجم مصنفات القرآن الكريم (1/131) وقال: طبع دار اللواء.
34ـ روائح القرآن في فضائل أمناء الرحمن.
للسيد مير محمد عباس بن علي أكبر الهندي التستري، المتوفى (1306هـ).
* الذريعة: (11ج 225) وقال طبع بلكهنو الهند سنة 1278هـ.
35ـ زبد الكشف والكرامة في معرفة الإمامة.
للسيد محمد مؤمن بن محمد تقي الموسوي الهندي.
* فهرس مكتبة المرعشي النجفي.
36ـ شواهد التنزيل لقواعد التفضيل.
للحاكم الحسكاني، عبيدالله بن عبدالله، أبي القاسم (القرن الخامس).
* طبع بتحقيق الشيخ محمد باقر المحمودي، في بيروت، ومر للمؤلف كتاب «خصائص أمير المؤمنين» برقم (26).
37ـ العترة الطاهرة في الكتاب العزيز، للشيخ عبد الحسين بن أحمد الأميني النجفي صاحب «الغدير».
الغدير (ج2 ص55).
38ـ عين العبرة في غبن العترة.
للسيد ابن طاوس، أحمد بن موسى الحلي (ت673هـ)، ومطبوع بالنجف.
39ـ اللوامع النورانية في أسماء أمير المؤمنين القرآنية، للسيد هاشم بن سليمان التوبلي، المحدث البحراني. طبع في قم سنة (1394هـ).
40ـ ما نزل في الخمسة [أصحاب الكساء].
تأليف عبد العزيز بن يحيى، أبي أحمد الجلودي البصري، المتوفى (332هـ).
* رجال النجاشي (ص180) والذريعة (19/30).
41ـ ما نزل من القرآن في أعداء آل محمد، لمؤلف مجهول.
* الذريعة (19/28) عن ابن شهر آشوب.
42ـ ما نزل من القرآن في أهل البيت (عليهم السلام): لابن الحجام، محمد بن العباس بن علي بن مروان، أبي عبدالله البزاز.
قال النجاشي: قال جماعة من أصحابنا: «إنه لم يصنّف في معناه مثله، وقيل أنه ألف ورقة».
* الذريعة (3/306) و(19/29) وقد نقل عنه السيد ابن طاوس في «سعد السعود» وكتاب اليقين (ص79، باب 98)، ووصف النسخة التي كانت عنده من هذا الكتاب، ونقل عنه السيد شرف الدين في «تأويل الآيات» كثيراً.
43ـ ما نزل من القرآن في أعداء أهل البيت.
44ـ ما نزل من القرآن في شيعة أهل البيت، لابن الحجام المذكور.
* ذكرهما في الذريعة (3/306).
45ـ ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين (ع).
تأليف إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال، أبي إسحاق الثقفي الكوفي المتوفى (283هـ).
* رجال النجاشي (ص12)، والذريعة (19/28).
46ـ ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين (ع).
تأليف: أحمد بن عبدالله الحافظ، أبي نعيم الصفهاني، المتوفى (430هـ).
* معالم العلماء (ص25)، والذريعة (19/28).
وقد ألّف الشيخ محمد باقر المحمودي كتاب «النور المشتعل المقتبس من كتاب ما نزل» جمع فيه ما وجده من روايات «ما نزل…»لأبي نعيم، هذا، وهو في طريقه إلى الطبع.
47ـ ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين (ع).
تأليف: علي بن الحسين، أبي الفرج الأصفهاني، صاحب الأغاني، المتوفى (456هـ).
* معالم العلماء (ص141)، والذريعة (19/28).
48ـ ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين (ع).
تأليف: محمد بن أحمد بن عبدالله بن إسماعيل، أبي بكر الكاتب البغدادي، المعروف (بن أبي الثلج) المتوفى 325هـ ويسمى بـ «التنزيل».
* الذريعة (19/28)، وانظر (4/454)، ومرّ له كتاب «أسماء أمير المؤمنين في القرآن» برقم (10).
49ـ ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين (ع).
تأليف: محمد بن أورمة، أبي جعفر القمي.
* رجال النجاشي (ص253)، والذريعة (19/29).
50ـ ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين (ع).
تأليف: محمد بن عمران، أبي عبيدالله، المرزباني، الخراساني، البغدادي، المتوفى 378هـ.
* معالم العلماء (ص118)، والذريعة (19/29).
51ـ ما نزل من القرآن في صاحب الزمان (ع).
تأليف: أحمد بن محمد بن عبيدالله الجوهري، المتوفى (401هـ).
سماه ابن شهر آشوب بـ «مختصر ما نزل من القرآن في صاحب الزمان».
* رجال النجاشي (ص67)، ومعالم العلماء (ص20)، والذريعة (19/30)، وإيضاح المكنون (4/421).
52ـ ما نزل من القرآن في عليّ (ع).
تأليف: الحسين بن الحكم بن مسلم الحبري، أبي عبد الله الكوفي، المتوفى (286هـ).
* طبع بعنوان «ما نزل من القرآن في أهل البيت (عليهم السلام)، بتحقيق السيد أحمد الحسيني، سلسلة المختار من التراث رقم (1)، مطبعة مهر أستوار ـ قم.
وقد قمنا بتحقيقه مع التوسع في ترجمة مؤلفه، وتخريج أحاديثه، وطبع باسم «تفسير الحبري» في بغداد، مطبعة أسعد (1396هـ).
53ـ ما نزل في علي من القرآن.
تأليف: عبد العزيز بن يحي الجلودي، أبي أحمد البصري، المتوفى (332هـ).
* رجال النجاشي (ص180)، والذريعة (19/28)، ومرّ له «ما نزل في الخمسة» برقم (41).
54ـ ما نزل من القرآن في علي (ع).
تأليف: هارون بن عمر بن عبد العزيز، أبي موسى المجاشعي.
* رجال النجاشي (ص342) والذريعة (19/29).
55ـ مجمع الأنوار ـ أو ـ آية التطهير وحديث الكساء.
تأليف: السيد حسين الموسوي الكرماني.
* طبع بالمطبعة العلمية ـ في قم (1391هـ).
تأليف: السيد هاشم بن سليمان التوبلي، المحدث البحراني.
* طبع بتحقيق السيد منير الميلاني في بيروت.
57ـ مختصر شواهل التنزيل.
اختصره القاضي إسماعيل بن الحسين جغمان الخولاني الصنعاني، المتوفى (1256هـ).
نسخة ضمن مجموعة من مؤلفاته في المتحف البريطاني، رقم (3898 Or).
58ـ المصابيح في ذكر ما نزل من القرآن في أهل البيت (عليهم السلام).
تأليف أحمد بن الحسن، أبي العباس الأسفراييني، المفسر، الضرير.
قال النجاشي كتاب حسن كثير الفوائد.
* رجال النجاشي (ص73).
59ـ المصابيح في ما نزل من القرآن في أهل البيت (عليهم السلام).
تأليف: أحمد بن جعفر بن محمد بن إبراهيم العلوي الخيبري، المتوفى (376هـ).
60ـ المهدي الموعود في القرآن الكريم.
تأليف: السيد محمد حسين ابن السيد علي بن السيد مرتضى الرضوي النجفي.
في طريقه إلى الطبع.
61ـ نصائح أهل العدوان.
للسيد محمد مرتضى الحسيني الجنفوري، المتوفى (1333هـ).
* الذريعة (24/168).
62ـ النص الجلي في أربعين آية في شأن علي.
تأليف: الملا حسين بن باقر البروجردي، فرغ منه (1273هـ).
* الذريعة (24/172)، طبع سنة (1320هـ).
63ـ نزول القرآن في شأن أمير المؤمنين (ع).
تأليف: محمد بن مؤمن الشيرازي.
* معالم العلماء (ص118)، فهرست منتجب الدين (ص165).
هذا ما وقفنا عليه ـ ونحن لم نتصد للاستيعاب ـ ومن المؤكد فوات أسماء كثيرة.
هذا في مجال المؤلفات المنفردة، أما ما ذكر ضمن الكتب مما يرتبط بالايات النازلة، بالخصوص تلك التي شملت فصولاً مطولة جداً، مما يعد كتاباً ضخماً لو انفرد، فكثير، مثل ما جاء في كتاب «غاية المرام» للسيد هاشم البحراني، و«إحقاق الحق» للقاضي نور الله المرعشي، و«التعليقات» الضافية التي خرجها السيد المرعشي في ملحقات إحقاق الحق، وغير ذلك من الكتب والمؤلفات، وإنما لم نذكرها لخروجها عن هدفنا، وهو جمع أسماء المؤلفات المستقلة.
وكذلك لم نذكر بعض المطبوعات الحديثة التي اقتبست من هذه المؤلفات نقلاً حرفياً، ولم تُضِف إليها فائدة ولم تُضِف عليها غير الأخطاء الشنيعة، بما لا يعود على الفكر والتراث منها إلا بالعار والضرر.
ويؤسفنا أن تجد أمثال هذه التصحيفات طريقها إلى المطابع بينما عيون التراث مخبوءة في زوايا الإهمال.
محمد رضا الحسيني الجلالي
الاستبصار
قال السيد محسن الأمين:
جمع قدماء محدثي الشيعة ما وصل إليهم من أخبار الأئمة في أربعمائة مصنف سميت بالأصول الأربعمائة، والظاهر أنها هي التي تميزت من بين سائر الكتب باختصاصها غالباً بالأحكام الشرعية أو بنحو ذلك. وإلا ففي كتاب (الوسائل) أن الكتب التي نقل عنها الأصحاب ولم يصرحوا بأسمائها ونقل هو عنهم تزيد ـ على ما ضبطه ـ على ستة آلاف وستمائة كتاب. قال: وهي مذكورة في كتب الرجال، وعدّ الكتب التي صرحوا بأسمائها ونقل هو عنها بواسطتهم أو بغير واسطة فكانت أزيد من مائة. وما زالت هذه الأخبار مرجعاً ومعولاً في معرفة الأحكام من زمن أصحاب الأئمة (عليهم السلام) إلى هذه الأيام على اختلاف المشارب والافهام فمن بين مفرط ومفرط ومتوسط. وما زال أصحابنا قديماً وحديثاً يعتنون بجمعها وتصحيحها وحفظها وتنقيحها ولا يقنعون بنسبة الأصل إلى صاحبه حتى يرووه عنه بإحدى طرق الرواية خوفاً من الدس والتحريف. ثم درس جلّ هذه الأصول بعد جمع جلّ الأخبار في الكتب الأربعة وهي: (الكافي) لمحمد بن يعقوب الكليني وكان على رأس المائة الثالثة. و(من لا يحضره الفقيه) الذي كثيراً ما يعبر عنه بالفقيه اختصاراً لمحمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالصدوق وكان في أواسط المائة الرابعة و(التهذيب والاستبصار) كلاهما لمحمد بن الحسن الطوسي المعروف بشيخ الطائفة وكان في أواسط المائة الخامسة. حيث كانت هذه الأربعة أحسن ترتيباً وتبويباً مع جمعها لجل ما في تلك الأصول، فكان الرجوع إليها أسهل. فقد كان الخبر الواحد من أخبار الأصول ربما اشتمل على أحكام متبددة من أبواب متعددةعلى حسب ما سمعه الراوي فاجتهد المشايخ الثلاثة المشار إليهم في جمعها وترتيبها وتبويبها. ثم جاء بعدهم الشيخ محمد بن الحسن المعروف بالحر العاملي فجمع في القرن الحادي عشر كتاباً سماه وسائل الشيعة الى أحكام الشريعة أورد فيها جميع ما تضمنته الكتب الأربعة المذكورة وزاد عليها ما وجده في الكتب المشهورة. وكذلك معاصره ملا محسن الكاشاني المعروف بالفيض فإنه صنف كتاباً جامعاً لجميع ما في الكتب الأربعة خاصة وسماه بالوافي. وذكر في خطبته أن الذي دعاه الى تأليفه ما رآه من قصور كل من الكتب الأربعة عن الوفاء بالمقصود وتعسر الرجوع إلى المجموع لاختلاف أبوابها في العناوين ومواضع الروايات وطولها بالمكررات ثم ذكر مأخذه على كل كتاب إلى أن انتهى الى الاستبصار فقال:
وأما الاستبصار فهو بضعة من التهذيب أفرد منه مقتصرات على الأخبار المختلفة والجمع بينها بالقريب والغريب. انتهى
كتاب الاستبصار
تأليف: الشيخ أبو جعفر الطوسي، هذا الكتاب كما وصف في (الذريعة): «هو أحد الكتب الأربعة، والمجاميع الحديثية التي عليها مدار استنباط الأحكام الشرعية عند الفقهاء الاثني عشرية منذ عصر المؤلف حتى اليوم، يقع في ثلاثة أجزاء جزءان منه في العبادات والثالث في بقية أبواب الفقه من العقود والإيقاعات والأحكام إلى الحدود والديات، أوله: (الحمدلله ولي الحمد ومستحقه) مشتمل على عدة كتب تهذيب الأحكام غير أن هذا مقصور على ذكر ما اختلف فيه من الأخبار وطرق الجمع بينهما. والتهذيب جامع للخلاف والوفاق».
ونسخة المخطوطة كثيرة، أقدم ما وقفت عليه نسخة بخط الشيخ جعفر بن علي بن جعفر المشهدي. فرغ منها في 8 ذي القعدة سنة 573هـ. وقد عرضها على خط المؤلف المتوفى سنة 460هـ، وهي في مكتبة الشيخ على كاشف الغطاء في النجف الأشرف. ووصفها في الذريعة بقوله: «والنسخة المقابلة بخط الشيخ الطوسي توجد في خزانة كتب الشيخ هادي آل كاشف الغطاء لكنها ليست تامة، بل الموجود من أول الكتاب إلى آخر كتاب الصلاة بخط الشيخ جعفر بن علي بن جعفر المشهدي والد الشيخ محمد بن جعفر المشهدي، مؤلف المزار المشهور بمزار محمد بن المشهدي، وفرغ من الكتابة في يوم السبت الثامن من شهر ذي القعدة الحرام سنة 573هـ، وكتب بخطه على عدة مواضع منه (بلغ قراءة وعرضاً بخط مصنفة) وكتب على ظهر النسخة فائدة منقولة عن خط الشيخ الطوسي حكاية عن أستاذيه الشيخ المفيد وابن الغضائري في تعيين رجال العدة الذين يعبر عنهم ثقة الإسلام الكليني في كتابه الكافي بقوله: عدة من أصحابنا، وللاستبصار شرح وعليه حواشٍ وتعليقات تأتي في محلها، ولا بأس بسرد أسماء جمع من الشارحين له والمعلقين عليه».
وتمتاز هذه النسخة عن المطبوعة بأمور:
منها: ما تقدم من مقابلتها مع خط المصنف بدقة.
ومنها: تعيين العدة المذكورة في الكافي نقلاً عن خط الشيخ السعيد الطوسي، ويخالف المشهور في بعضها كما تعرض إلى ذلك شيخنا في الذريعة بمناسبة البحث عن الاستبصار وتكلم عن سهو وقع لشيخه النوري، وهذا الخط يغير خط الكتابة فلا يخفى.
ومنها: الاختلاف الفاحش بين النسختين ويظهر للسابر في مطالعة النسختين أصحيّة هذ النسخة، هذا في بعض الألفاظ، وهناك اختلاف كبير، فقد ذكر باب «من تكلم في الصلاة ساهياً أو عامداً» في حين أنه لا أثر له في هذه النسخة، بل ذكر رواية منه مندمجاً مع الباب السابق «من تيقّن أنه زاد في الصلاة» على ما فصّلته في هامش نسختي المطبوعة.
ولا يخفى أن هذا الباب قد استنسخ على طبق ما هو مطبوع، وأُلحق بالكتاب، كما لا يخفى أن في الكتاب تقديم وتأخير في التصحيف، وقد رقمته بالتوالي، وأن الكاتب التزم في الكتابة فورمات بلغت سبعة عشرة، كل واحدة تحتوي عشرة أوراق وقد قدمت وأخرّت.
وقد طبع الكتاب مكرراً في لكهنو ـ الهند، سنة 1307هـ. والنجف ـ العراق. سنة 1375هـ في أربع مجلدات.
أسلوب التأليف
قال الطوسي في المقدمة ما نصه: «أما بعد، فإني رأيت جماعة من أصحابنا نظروا ـ في كتابنا الكبير الموسوم بـ (تهذيب الأحكام) ورأوا ما جمعنا فيه([905]) من الأخبار المتعلقة بالحلال والحرام ووجدوها مشتملة على أكثر ما يتعلق بالفقه من أبواب الأحكام، وأنه لم يشذّ عنها في جملة أبوابه وكتبه مما ورد من([906]) أحاديث أصحابنا وكتبهم وأصولهم ومصنفاتهم، إلا نادر قليل وشاذّ يسير، وأنه يصلح أن يكون كتاباً مذخوراً يلجأ إليه المبتدىء في تفقّهه، والمنتهي في تذكّره، والمتوسط في تبحرّه فإن كلاً منهم ينال مطلبه ويبلغ بغيته، تشوّقت نفوسهم إلى أن يكون ما يتعلق بالأحاديث المختلفة مفرداً عن طريق الاختصار، يفزع إليه المتوسط في الفقه لمعرفته، والمنتهي لتذكّره: إذ كان هذان الفريقان آنسين بما يتعلق بالوفاق، وربما لم يمكنهما ضيق الوقت من تصفّح الكتب وتتبّع الآثار، فيشرفا على ما اختلف من الروايات فيكون الانتفاع بكتاب يشتمل على أكثر ما ورد من أحاديث أصحابنا المختلفة، أكثره موقوفاً على هذين الصنفين وإن كان المبتدىء لا يخلو أيضاً من النفع([907]) به، ورأوا أن ما يجري هذا المجرى ينبغي أن تكون العناية به تامة والاشتغال به وافراً لما فيه من عظم([908]) النفع وجميل الذكر: لم يسبق إلى هذا المعنى أحد من شيوخ أصحابنا المصنفين في الأخبار والفقه في الحرام والحلال([909])، وسألوني تجريد ذلك وصف الاهتمام([910]) إلى جمعه وتلخيصه. وأن أبتدىء في كل باب بإيراد ما أعتمده من الفتوى والأحاديث فيه. ثم أعقّب بما يخالفها من الأخبار» وأبيّن وجه الجمع بينها على وجه لا أسقط شيئاً منها ما أمكن ذلك فيه، وأخرى في ذلك على عادتي في كتابي الكبير المذكور. وأن أشير في أول الكتاب إلى جملة مما نرجح([911]) به الأحاديث بعضها على بعض: ولأجله جاز العمل بشيء منها دون جميعها، وأنا مبين ذلك على غاية من الاختصار: إذ شرح ذلك ليس هذا موضعه وهو مذكور في الكتب المصنفة في أصول الفقه المعمولة في هذا الباب»([912]).
وقال الطوسي في آخر الكتاب ما لفظه: «قد أجبتكم أيدكم الله إلى ما سألتم من تجريد الأخبار المختلفة وترتيبها على ترتيب كتب الفقه التي أولها: كتاب الطهارة، وآخرها كتاب الديات، وأفردت كل باب منه بما يخصه وأوردت ما فيه ولم أخل فيه شيء قدرت عليه، وبذلت وسعي وطاقتي في ذلك، وأنا أرجو من الله تعالى ألا أكون أخللت بأحاديث مختلفة تعرف إلا وقد أوردت إلا شاذاً نادراً، فإني لا أدّعي إني أحيط العلم بجميع ما روي في هذا الفن: لأن كتب أصحابنا رضي الله عنهم المصنفة والأصول المدونة في هذا الباب كثيرة جداً، وربما يكون قد شذّ منها شيء لم أظفر به فإن وقع عليها إنسان لا ينسبني إلى التقصير أو التعمد، فإن على كل إنسان ما يقدر عليه ويبلغ جهده وطاقته وقدرته، وقد أوردت في كل باب عقدته إما جميع ما روي فيه إن كانت الأخبار قليلة، وإن كان ما يتعلق بذلك الباب كثيراً جداً فقد أوردت منه طرفاً مقنعاً، وأحلت بالباقي على الكتاب الكبير، وكنت سلكت في أول الكتاب إيراد الأحاديث بأسانيدها وعلى ذلك اعتمدت في الجزء الأول والثاني، ثم اختصرت في الجزء الثالث وعوّلت على الابتداء بذكر الراوي الذي أخذت الحديث في كتابه أو أصله، على أن أورد عند الفراغ من الكتاب جملة من الأسانيد يتوصل بها إلى هذه الكتب والأصول حسب ما عملته في كتاب (تهذيب الأحكام)، وأرجو من الله سبحانه أن تكون هذه الكتب الثلاثة ـ التي سهل الله تعالى الفراغ منها ـ لا يحتاج معها إلى شيء » معها إلى شيء من الكتب الأصول: لأن الكتاب الكبير الموسوم بتهذيب الأحكام يشتمل على جميع أحاديث الفقه المتفق عليه منه والمختلف فيه، وكتاب النهاية يشتمل على تجريد الفتاوى في جميع أبواب الفقه، وذكر جميع ما روي فيه عن وجه يصغر حجمه وتكثر فائدته ويصلح للحفظ. وهذ الكتاب يشتمل على جميع ما روي من الأخبار المختلفة وبيان وجه التأويل فيها والجمع بينها. والله تعالى أسال أن يجعله خالصاً لوجهه إنه قريبٌ مجيبٌ([913]).
سبب التأليف
وعن سبب تأليف الاستبصار صرّح الطوسي في المقدمة: «أن جماعة من أصحابنا لما نظروا في كتابنا الكبير الموسوم بتهذيب الأحكام، وأن هؤلاء تشوقت نفوسهم إلى أن يكون ما يتعلق بالأحاديث المختلفة مفرداً على طريق الاختصار». فالهدف ليس سوى اختصار كتاب التهذيب.
وشرح أسلوبه بقوله:«أبتدىء في كل باب بإيراد ما أعتمده من الفتوى والأحاديث، ثم أعقّب بما يخالفها من الأخبار وأبيّن وجه الجمع بينها».
وابتدأ الطوسي بذكر الأسانيد ثم عدل إلى الاختصار وفي ذلك يقول في آخر الكتاب: «كتب سلكت في أول الكتاب إيراد الأحاديث بأسانيدها. وعلى ذلك اعتمدت في الجزء الأول والثاني، ثم اختصرت في الجزء الثالث وعوّلت على الابتداء بذكر الراوي الذي أخذت الحديث من كتابه أو أصله، على أن أورد عند الفراغ من الكتاب جملة من الأسانيد يتوصل بها إلى هذه الكتب والأصول حسب ما عليه في كتاب تهذيب الأحكام»([914]).
والمقارنة بين أسلوب الكتابين ـ التهذيب والاستبصار ـ تفيد أن:
1ـ الطوسي ألّف الاستبصار استجابة لطلب «جماعة من أصحابنا» الذين نظروا في تهذيب الأحكام، وليس استجابة لطلب واحد كما كان الحال في التهذيب نفسه.
2ـ إن الغرض تأليف ما يتعلق بالأحاديث المختلفة «مفرداً على طريق الاختصار» من دون تفصيل كما كانت الحال في التهذيب.
3ـ إن هذا النوع من التأليف كان مما تفتقر إليه مكتبة أهل البيت (عليهم السلام)، لأنها شاغرة، دون التأليف الجامع فله ما يسدّ الفراغ كالكافي والفقيه: إذ لم يسبق إلى هذا المعنى، أحد من شيوخ أصحابنا المصنفين في الأخبار.
4ـ إن الاستبصار شرع في تأليفه بعد وفاة شيخه المفيد (ت/413) حيث عبر عنه عند ذكره في المشيخة بقوله: «رحمه الله» مع أن التهذيب ألفه في عصر شيخه حيث عبر فيه بقوله: «أيّده الله».
5ـ وأخيراً، إن الطوسي نظر إلى كتابة حلقة مفقودة من سلسلة مؤلفاته الفقهية، فالكتاب الكبير التهذيب لمن أراد التوسع، والمتوسط هو الاستبصار في المختلف، والصغير هو النهاية للعمل: لأنه في مجرد الفتوى. وبذلك كانت سلسلة مترابطة في المكتبة الفقهية وترجى «أن تكون هذه الكتب الثلاثة لا يحتاج معها إلى شيء من الكتب والأصول» وإن كان يعترف ـ بتواضع العلماء ـ قائلاً: «فإني لا أدّعي أني أحيط العلم بجميع ما روي في هذا الفن: لأن كتب أصحابنا (رض) المصنفة والأصول المدونة في هذا الباب كثيرة جداً، وربما يكون قد شذّ منها شيء لم أظفر به» ولا غرو فإن العصمة لأهلها.
التعليق في الإسناد
وسار الطوسي على أسلوبه المتقدم في التهذيب من التعليق في الإسناد، فينقل حديثاً مسنداً أولاً ثم يعلق على الإسناد المتقدم من دون تكرار لأول السند لظهور ذلك النقل في الأصل الذي نقل منه.
مثل ذلك قال ما لفظه: محمد بن يعقوب، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن الحلبي، عن أبي عبدالله (ع) قال: لا تباع الدار ولا الجارية في الدين: وذلك أنه لا بدّ للرجل من ظلّ يسكنه وخادم يخدمه.
عنه، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابراهيم بن عبد الحميد عن زرارة قال: قلت لأبي عبدالله (ع): إن لي على رجلٍ ديناً، وقد أراد أن يبيع داره فيعطيني، قال: فقال أبو عبدالله (ع) أعيذك بالله أن تخرجه من ظل رأسه أعيذك بالله أن تخرجه من ظل رأسه.
علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير عن ذريح المحاربي عن أبي عبدالله (ع)([915]) …
فروى الطوسي أولاً عن الكليني في الكافي ثم في الحديث الثاني روى عنه، وفي الحديث الثالث لم يذكر الكليني ولا أحال إليه بل ذكر اسم شيخ الكليني وهو علي بن ابراهيم اعتماداً على النقل السابق.
شيوخ الطوسي
الشيخ الوحيد الذي قرأ عليه الحديث ـ حسب تتبّعي هو الحسين بن العقارات /411هـ) ذكره الطوسي في العدة، الراوي عن الكليني، قال في باب سوّر ما لا يؤكل لحمه في الاستبصار: «عن الحسين بن عبيدالله عن عدة من أصحابنا عن محمد بن يعقوب».
وقال في الفهرست في ترجمة الكليني ما لفظه: «أخبرنا الحسين بن عبيدالله قراءة عليه أكثر كتبه من الكافي عن جماعة منهم: أبو غالب أحمد بن محمد الزراري وأبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه وابو عبدالله أحمد بن ابراهيم الصيمري المعروف بابن أبي رافع، وأبو محمد هارون بن موسى التلعكبري وأبو الفضل محمد بن عبدالله المطلب الشيباني كلهم عن محمد بن يعقوب»([916]).
وقد صرّح الشيخ بالعدة عن أحمد بن محمد بن عيسى بجماعة منهم المفيد، في الفهرست كثيراً، فالظاهر أن المفيد منهم. كما ذكر العدة كما في ترجمة الحسن بن علي السجاد: «له كتاب أخبرنا عنه عدة من أصحابنا».
وقد حصر السيد بحر العلوم مشايخ الشيخ في كتاب الرجال والحديث بخمسة عشر نفراً، وهم كالآتي:
1ـ أحمد بن إبراهيم القزويني.
2ـ أحمد بن عبدون.
3ـ أحمد بن محمد بن موسى الأهوازي.
4ـ جعفر بن الحسين بن حسكة القمي.
5ـ الحسن بن القاسم الشريف المحمدي العلوي.
6ـ الحسين بن ابراهيم القزويني.
7ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري.
8ـ علي بن أحمد بن محمد بن أبي جيد.
9ـ علي بن الحسين المرتضى.
10ـ علي بن شبل بن أسد.
11ـ محمد بن سلمان الحمراني.
12ـ محمد بن محمد بن النعمان المفيد.
13ـ هلال الحفار.
14ـ أبو طالب بن غرو.
15ـ أبو علي بن شاذان([917]).
قال الجلالي: فالمراد بالجماعة والعدة لا بد أن يكون من هؤلاء، حيث تساعد الطبقة في موارد من الفهرست: 43 و45 و47 و52 و67، وراجع: 157 و186 و39، دون ما لم تساعده الطبقة.
اختلاف النسخ
ومن موارد اختلاف النسخ ما وقفت عليه في الجزء الأول من الاستبصار من النسخة المتقدم ذكرها وبين المطبوعة في النجف.
مثل ذلك: في المخطوطة هنا زيادة ما يلي: «ثم ينزل في ذلك الموضع قال: لا يكون مسافراً حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتم الصلاة([918])»، ثم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أو ستة فراسخ لا يجوز ذلك ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى بن أحمد بن الحسن بن علي عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار بن موسى، عن أبي عبدالله (ع) قال: سألته عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ أو ستة فراسخ فيأتي قرية ينزل فيها.
والسياق يستدعي عن هذه الزيادة، وقد صحّحت الجزء الأول من طبعة النجف من ممتلكات الوالد على هذه النسخة، والله الموفق.
عدد الأحاديث
وامتاز الشيخ الطوسي بحصره أحاديث كتابه (الاستبصار) مما لم يسبقه الكليني ولا الصدوق، قال الطوسي: «واعلموا أيدكم الله أني جزأت هذا الكتاب ثلاثة أجزاء: الجزء الأول والثاني يشتملان على ما يتعلق بالعبادات، والثالث يتعلق بالمعاملات وغيرها من أبواب الفقه».
وقد حصررحمه الله أحاديثه كالآتي:
الجزء الأول في «300» باباً، و«1889» حديثاً.
والجزء الثاني في «217» باباً، و«1177» حديثاً.
والجزء الثالث في «398» باباً، و«2455» حديثاً.
فيكون المجموع «915» باباً، و«5521» حديثاً.
وقال شيخنا العلامة: «وقد أحصى بعض العلماء عدة أبوابه في تسع مئة وخمسة وعشرين أو خمسة عشر باباً، وأحصيت أحاديثه في ستة آلاف وخمس مئة وأحد وثلاثين حديثاً، ولعله اشتبه في العدد: لأن الشيخ نفسه حصرها في آخر الكتاب في خمسة آلاف وخمس مئة وأحد عشر حديثاً، وقال: حصرتها لئلا تقع فيها زيادة أو نقصان»([919]).
قال الجلالي: وطبيعي أن يختلف العدد بحسب مقاييس العادّ: فإن الحديث الواحد المشتمل على عدة أحاديث قد يعد واحداً لوحدة الراوي، أو متعدداً لتعدد الموضوع، فالمحاولات كلها تقريبية اجتهادية. لا تعبّر سوى عن اهتمام العادّين بالحديث، وقد عدّ والدي الأحاديث كالآتي:
«الكافي المشتمل على 16199 حديثاً: للشيخ الثقة أبو جعفر محمد الكليني المتوفى ببغداد سنة 329هـ».
وكتاب من لا يحضره الفقيه المشتمل على 9044 حديثاً: للشيخ أبي جعفر الصدوق المتوفى سنة 381هـ.
والتهذيب المشتمل على 13590 حديثاً والاستبصار المشتمل على 5511 حديثاً: لشيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي المتوفى في النجف سنة 460» انتهى كلامه دام ظلّه.
وحاول بعض المتأخرين عدّ أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) في الكتب الأربعة كالآتي:
أما الكافي فجميع أحاديثه: ستة عشر ألف حديث ومئة وتسعة وتسعين حديثاً (16199).
الصحيح منها باصطلاح المتأخرين خمسة آلاف و72 حديثاً (5072) والموثق ألف ومئة وثمانية عشر حديثاً 1118. والقوي 302، والضعيف أربعمائة وتسعة الف وخمسة وثمانون 4985.
والفقيه أربع مجلدات يشتمل (666) باباً.
الأول: يشمل سبع وثمانين باباً و1618 حديثاً.
الثاني: يشمل 228 باباً و1637 حديثاً.
الثالث: يشمل 78 باباً و1805 حديثاً.
الرابع: يشمل 173 باباً و903 حديثاً.
ومن حيث الإسناد والإرسال:
الأول: 777 حديثاً مسنداً، و841 مرسلاً.
الثاني: 1064 حديثاً مسنداً، و510 مرسلاً.
الرابع: 777 حديثاً مسنداً، و126 مرسلاً.
الاستبصار، كما حصره الشيخ نفسه في أواخر الكتاب ثلاثة أجزاء.
الأول: في ثلاثمائة باب و1879 حديثاً.
الثاني: 217 باباً و1177 حديثاً.
الثالث: 398 باباً و2455 حديثاً.
925 باباً و5511 حديثاً.
فليس العد ذلك إلا من وجهة نظر العادّ نفسه، والأكثر تعقيداً هو عدّ الأحاديث الصحيحة والضعيفة منها: لاختلاف مقاييس الصحة والضعف عند الأعلام، فالصحيح في الكافي حسب عدّ بعضهم هذا لا بد وأن يكون باصطلاح المتأخرين، فلا بد من تعيين مقاييس الصحة عند العادّ. وهذ ما لم يفعله أحد منهم.
مشيخة الاستبصار
اعتماداً على نسخة العلامة المجلسي (ت/1111) في شرحه ملاذ الأخيار، طبع مكتبة المرعشي قم سنة 1407 ج1 ص69 ـ 70 مما قال الشيخ الطوسي في آخر الاستبصار ما نصه: «والآن فحيث وفق الله تعالى الفراغ من هذا الكتاب نحن نذكر الطرق التي يتوصل بها إلى رواية هذه الأصول والمصنفات ونذكرها على غاية ما يمكن من الاختصار: لتخرج الأخبار بذلك عن حد المراسيل وتلحق بباب المسندات، ولعل الله يسهل لنا الفراغ أن نقصده بشرح ما كنا بدأنا به على المنهاج الذي سلكناه ونذكره على الاستيفاء والاستقصاء بمشيئة الله وعونه».
1ـ فما ذكرناه في هذا الكتاب عن محمد بن بعقوب الكليني: فقد أخبرنا به الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان، عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، عن محمد بن يعقوب.
2ـ وأخبرنا به أيضاً الحسين بن عبيد الله عن أبي غالب أحمد به محمد الزراري وأبي محمد هارون بن موسى التلعكبرى وأبي القاسم جعفر بن محمد بن محمد بن قولويه وأبي عبدالله أحمد بن أبي رافع الصيمري وأبي المفضل الشيباني وغيرهم، كلهم عن محمد بن يعقوب الكليني.
3ـ وأخبرنا به أيضاً أحمد بن عبدون المعروف بابن الحاشر، عن أحمد بن أبي رافع، وأبي الحسين عبد الكريم بن عبدالله بن نصر البزاز بتنيس وبغداد، عن أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني جميع مصنفاته وأحاديثه سماعاً وإجازة ببغداد بباب الكوفة بدرب السلسلة سنة سبع وعشرين وثلاثمائة.
4ـ وما ذكرته عن علي بن إبراهيم بن هاشم، فقد رويته بهذا الأسانيد عن محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، وأخبرني أيضاً برواياته الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد النعمان والحسين بن عبيدالله وأحمد بن عبدون كلهم عن أبي محمد الحسن بن حمزة العلوي الطبري عن علي إبراهيم بن هاشم.
5ـ وما ذكرته عن محمد بن يحيى العطار: فقد رويته بهذه الأسانيد عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى العطار.
6ـ وما ذكرته عن أحمد بن إدريس فقد رويته بهذا الإسناد عن محمد بن يعقوب، عن أحمد بن إدريس. وأخبرني به أيضاً الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان والحسين بن عبيدالله، جميعاً عن أبي جعفر محمد بن الحسين بن سفيان البزوفري، عن أحمد بن إدريس.
7ـ وما ذكرته عن الحسين بن محمد: فقد رويته بهذه الأسانيد عن محمد بن يعقوب، عن الحسين بن محمد.
8ـ وما ذكرته عن محمد بن اسماعيل: فقد رويته بهذا الإسناد عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن إسماعيل.
9ـ وما ذكرته عن حميد بن زياد: فقد رويته بهذه الأسانيد عن محمد بن يعقوب، عن حميد بن زياد وأخبرني به أيضاً أحمد بن عبدون عن أبي طالب الأنباري، عن حميد بن زياد.
10ـ ومن جملة ما ذكرته عن أحمد بن محمد بن عيسى: ما رويته بهذه الأسانيد عن محمد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن عيسى.
11ـ ومن جملة ما ذكرته عن أحمد بن محمد بن خالد: ما رويته بهذه الأسانيد عن محمد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد.
12ـ ومن جملة ما ذكرته عن الفضل بن شاذان: ما رويته بهذه الأسانيد عن محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمد بن اسماعيل، عن الفضل بن شاذان.
13ـ ومن جملة ما ذكرته عن الحسن بن محبوب: ما رويته بهذه الأسانيد عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب.
14ـ وما ذكرته عن سهل بن زياد، فقد رويته بهذه الأسانيد عن محمد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا منهم علي بن محمد وغيره، عن سهل ين زياد.
15ـ وما ذكرته في هذا الكتاب عن علي بن الحسن بن فضال: فقد أخبرني به أحمد بن عبدون المعروف بابن الحاشر سماعة منه وإجازة عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن بن فضال.
16ـ وما ذكرته عن الحسن بن محبوب: ما أخذته من كتبه ومصنفاته فقد أخبرني بها أحمد بن عبدون عن علي بن محمد بن الزبير القرشي عن أحمد بن الحسين بن عبد الملك الأزدي، عن الحسن بن محبوب، وأخبرني به أيضاً الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد النعمان والحسين بن عبيدالله واحمد بن عبدون، بن أبي الحسن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أبيه محمد بن الحسن بن الوليد، وأخبرني به أيضاً أبو الحسين بن أبي جيد، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد ومعاوية بن حكيم والهيثم بن أبي مسروق عن الحسن بن محبوب.
17ـ وما ذكرته في هذا الكتاب عن الحسين بن سعيد: فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان والحسين بن عبيدالله وأحمد بن عبدون، كلهم عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أبيه محمد بن الحسن بن الوليد، وأخبرني به أيضاً أبو الحسن بن أبي جيد القمي، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الحسين بن الحسن بن أبان عن الحسين بن سعيد ورواه أيضاً محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد.
18ـ وما ذكرته عن الحسين بن سعيد ( عن الحسن خ ل) عن زرعة عن سماعة وفضالة بن أيوب والنضر بن سويد وصفوان بن يحيى: فقد رويته بهذه الأسانيد عن الحسين بن سعيد عنهم.
19ـ وما ذكرته في هذا الكتاب عن محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري: فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله والحسين بن عبيد الله وأحمد بن عبدون. كلهم عن أبي جعفر محمد بن الحسين بن سفيان، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد بن يحيى، وأخبرنا أبو الحسين بن أبي جيد بن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن يحيى وأحمد بن إدريس، جميعاً عن محمد بن أحمد بن يحيى وأخبرني به أيضاً الحسين بن عبيدالله، عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن أبيه محمد بن يحيى. عن محمد بن أحمد بن يحيى، وأخبرني به الشيخ أبو عبدالله والحسين بن عبيدالله وأحمد بن عبدون، كلهم عن أبي محمد الحسن بن الحمزة العلوي وأبي جعفر محمد بن الحسين البزوفري، جميعاً عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد بن يحيى.
20ـ وما ذكرته في هذا الكتاب عن محمد بن علي بن محبوب: فقد أخبرني به الحسين بن عبيدالله، عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار، عن أبيه محمد بن يحيى، عن محمد بن علي بن محبوب.
21ـ ومن جملة ما ذكرته عن أحمد بن محمد بن عيسى: ما رويته بهذا الإسناد عن محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد.
22ـ ومن جملة ما رويته عن الحسين بن سعيد والحسن بن محبوب: ما رويته بهذا الإسناد عن محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد، عنهما جميعاً.
23ـ وما ذكرته في هذا الكتاب عن محمد بن الحسن الصفار: فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان والحسين بن عبيدالله وأحمد بن عبدون كلهم عن أحمد بن محمد بن الحسين بن الوليد عن أبيه، وأخبرني به أيضاً أبو الحسين بن أبي جيد عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار.
24ـ ومن جملة ما ذكرته عن أحمد بن محمد: ما رويته بهذا الإسناد عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد.
25ـ ومن جملة ما ذكرته عن الحسن بن محبوب والحسين بن سعيد: ما رويته بهذا الإسناد عن أحمد بن محمد، عنهما جميعاً.
26ـ وما ذكرته في هذا الكتاب عن سعد بن عبدالله: فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، عن أبيه، عن سعد بن عبدالله، وأخبرني به أيضاً الشيخ (ر ح) عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن سعد بن عبدالله.
27ـ ومن جملة ما ذكرته عن أحمد بن محمد: ما رويته بهذا الإسناد عن سعد بن عبدالله، عن أحمد بن محمد.
28ـ ومن جملة ما ذكرته عن الحسين بن سعيد والحسين بن محبوب معاً: ما رويته بهذا الإسناد عن أحمد بن محمد، عنهما جميعاً.
29ـ وما ذكرته عن أحمد بن عيسى الذي أخذته من نوادره: فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله والحسين بن عبيدالله وأحمد بن عبدون. كلهم عن الحسن بن حمزة العلوي ومحمد بن الحسين البزوفري، جميعاً عن أحمد بن إدريس عن أحمد بن محمد بن عيسى، وأخبرني به أيضاً الحسين بن عبيدالله وأبو الحسين بن أبي جيد جميعاً عن أحمد ابن محمد بن يحيى، عن أبيه محمد بن يحيى العطار، عن أحمد بن محمد بن عيسى.
30ـ ومن جملة ما ذكرته عن الحسن بن محبوب: ما رويته بهذا الإسناد عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب.
31ـ وما ذكرته عن محمد بن الحسن بن الوليد وعلي بن الحسين بن بابويه: فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله، عن أبي جعفر محمد بن علي بن محمد بن الحسين بن الوليد وعلي بن الحسين بن بابويه: فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه علي بن الحسين ومحمد بن الحسن بن الوليد.
32ـ وما ذكرته في هذا الكتاب عن الحسن بن محمد بن سماعة: فقد أخبرني به أحمد بن عبدون، عن أبي طال الأنباري، عن حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة وأخبرني أيضاً الشيخ أبو عبدالله والحسين بن عبيدالله وأحمد بن عبدون. كلهم عن أبي عبدالله الحسن بن سفيان البزوفري، عن حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة.
33ـ وما ذكرته عن علي بن الحسن الطاطري: فقد أخبرني به أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن أبي الملك([920]) أحمد بن عمرو بن كيسبة، عن علي بن الحسن الطاطري.
34ـ وما ذكرته عن أبي العباس أحمد بن محمد بن سعيد: فقد أخبرني به أحمد بن محمد بن موسى، عن أبي العباس أحمد بن محمد بن سعيد.
35ـ وما ذكرته عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين: فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان عنه.
36ـ وما ذكرته عن أحمد بن داود القمي: فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد النعمان والحسين بن عبيدالله، عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن داود، عن أبيه.
37ـ وما ذكرته عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه: فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله والحسين بن عبيدالله. جميعاً عن جعفر بن محمد بن قولويه.
38ـ وما ذكرته عن ابن أبي عمير: فقد رويته بهذا الإسناد عن أبي القاسم بن قولويه، عن أبي القاسم جعفر بن محمد العلوي الموسوي، عن عبيدالله بن أحمد بن نهيك، عن ابن أبي عمير.
39ـ وما ذكرته عن إبراهيم بن إسحاق الأحمري: فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله والحسين بن عبيدالله، عن أبي محمد هارون بن موسى التلعكبري، عن محمد بن هوذة، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمري.
40ـ وما ذكرته عن علي بن حاتم القزويني: فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله وأحمد بن عبدون، عن أبي عبدالله الحسين بن علي بن شيبان القزويني، عن علي بن حاتم.
41ـ وما ذكرته عن موسى بن القاسم بن معاوية بن وهب، فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار وسعد بن عبدالله، عن الفضل بن غانم وأحمد بن محمد، عن موسى بن القاسم.
42ـ وما ذكرته في هذا الكتاب عن يونس بن عبد الرحمن: فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عن أبيه ومحمد بن الحسن عن سعد بن عبدالله والحميري وعلي بن ابراهيم بن هاشم عن إسماعيل بن مرار وصالح بن السندي، عن يونس. وأخبرني الشيخ أيضاً والحسين بن عبيدالله وأحمد بن عبدون، كلهم عن الحسن بن حمزة العلوي، وعن علي بن ابراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس وأخبرني به أيضاً الحسين بن عبيدالله، عن أبي المفضل محمد بن عبيدالله بن المطلب الشيباني، عن أبي العباس محمد بن جعفر بن محمد الرزاز، عن محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، عن يونس بن عبد الرحمن.
43ـ وما ذكرته في هذا الكتاب عن علي بن مهزيار، فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله، عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه ومحمد بن الحسن، عن سعد بن عبدالله والحميري ومحمد بن يحيى وأحمد بن إدريس، كلهم عن أحمد بن محمد عن العباس بن معروف، عن علي بن مهزيار.
44ـ وما ذكرته عن أحمد بن أبي عبدالله البرقي، فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله، عن أبي الحسن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أبيه، عن سعد بن عبدالله عنه، وأخبرني أيضاً، عن الشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، عن أبيه ومحمد بن الحسن بن الوليد، عن سعد بن عبدالله والحسين. عن أحمد بن أبي عبدالله، وأخبرني به أيضاً الحسين بن عبيدالله، عن أحمد بن محمد الزراري، عن علي بن الحسين السعدآبادي،، عن أحمد بن أبي عبدالله.
45ـ وما ذكرته عن علي بن جعفر: فقد أخبرني به الحسين بن عبيدالله، عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن أبيه محمد بن يحيى، عن العمركي النيسابوري البوفكي، عن علي بن جعفر.
46ـ وما ذكرته عن الفضل بن شاذان: فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله والحسين بن عبدالله وأحمد بن عبدون، كلهم عن أبي محمد بن الحسن بن حمزة العلوي الحسيني الطبري، عن علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري، عن الفضل بن شاذان وروى أبو محمد بن الحسن بن حمزة، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن الفضل بن شاذان، وأخبرنا الشريف أبو محمد الحسن بن أحمد بن القاسم العلوي المحمدي، عن أبي عبدالله محمد بن أحمد الصفواني، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن الفضل بن شاذان.
47ـ وما ذكرته عن أبي عبدالله الحسين بن سفيان البزوفري: فقد أخبرني به أحمد بن عبدون والحسين بن عبيدالله عنه.
48ـ وما ذكرته عن أبي طالب الأنباري، فقد أخبرني به أحمد بن عبدون عنه.
وقد أوردت جملاً من الطرق إلى هذه المصنفات والأصول، ولتفصيل ذلك شرح يطول، هو مذكور في الفهارس المصنفة في هذا الباب للشيوخ رحمهم الله، من أراده أخذه من هناك إن شاء الله وقد ذكرنا نحن مستوفى في كتاب فهرست الشيعة، والحمدلله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وسلم([921]).
وقال صاحب المنتقى: الفائدة الخامسة في بيان طرق الشيخ إلى أكثر من روى عنه: أن الطرق التي ذكرها في آخر الكتابين يلتزم فيها بالصحيح الواضح، بل أكثر ما ذكره هناك يوجد في الفهرست ما هو أوضح منه، والسبب في ذلك أنه راعى التقليل([922]).
وقال في الفائدة العاشرة: «وقد ذكرنا أن الشيخ (ر ح) ربما عدل في كتابيه عن السند المتّضح إلى غيره لكونه أعلى، ولعدم تفاوت الحال عنده في وجوه شتّى يطول الكلام بشرحها، ووقوع هذا العدول في الطرق الإجمالية غير ضائر بعد إعطاء القاعدة التي يهتدي بملاحظتها إلى الطريق الواضح في الفهرست.
وأما وقوعه في الطرق المفصلة، وذلك حيث يورد تمام إسناد الحديث، فموجب للإشكال إذا كان لغير من إليه الطريق من سائر رجال السند أو بعضهم كتب، فإنه يحتمل حينئذٍ أخذ الحديث من كتب هذا وذاك إلى آخر رجال السند الذين لهم تصنيف: فبتقدير وجود الطريق الواضح يكون باب الإطّلاع عليه مسنداً، وربما أفاد التتبع العلم بالمأخذ في كثير من الصور»([923]).
كما جاءت الإشارة في هامش ص23 أن هناك طرق ذكرها استطراداً، منها: طريق الريان بن الصلت في باب الخمس، وكذلك طريق إبراهيم بن هاشم، فراجع.
قال الشيخ محمد واعظ زاده: «والمذكور من أرباب الكتب في مشيخة التهذيب حسب استقصائنا بعد حذف ما تكرر منهم 35 شخصاً، ومشيخة الاستبصار 36 شخصاً» فعقّب الإمام البروجردي لكل من هؤلاء المشايخ في كتابه، (ترتيب أسانيد التهذيب) باب جمع فيه كل ما في الكتاب من الأسانيد المبدوءة بأسمائهم فصدر الباب باسم صاحب الكتاب ثم رتب الأسانيد حسب الحروف([924]).
ومعرفة أحوال سند الأحاديث من أرباب الكتب الأربعة إلى المعصومين (عليهم السلام) أوجدت الحاجة إلى علم الرجال.
محمد حسين الحسيني الجلالي.
الاستحسان
الاستحسان في اللغة هو «عدّ الشيء حسناً سواء كان الشيء من الأمور الحسية أو المعنوية»([925]).
ولكن تحديده لدى الأصوليين مختلف فيه جداً، وأكثر تعاريفهم التي ذكروها أبعد ما تكون عن التعريف وهي أقرب ـ إلى تسجيعات الأدباء التي كان يراعى فيها إخضاع المعنى للمحسنات البديعية ـ منها إلى تحديدات المنطقيين، وإليكم نماذج مما ذكره السرخسي في مبسوطه من التعاريف، يقول:
1ـ الاستحسان ترك القياس والأخذ بما هو أوفق للناس.
2ـ الاستحسان طلب السهولة في الأحكام فيما يبتلى به الخاص والعام.
3ـ الاستحسان الأخذ بالسعة وانتقاء ما فيه الراحة([926]).
وقريب منها في البعد عن الفن ما نسب إلى المالكية من أنه «الالتفات إلى المصلحة والعدل»([927]).
ومثل هذه التعاريف لا تستحق أن يطال فيها الكلام لعدم انتهائها إلى أمور محددة يمكن إخضاعها للحديث عن الحجية وعدمها.
والذي يقتضي الوقوف عنده من تعاربفها التي تكاد تكون منطقية من حيث كونها ذات مفاهيم محددة،
أولها: ما ذكره كل من:
1ـ البزدوي من الأحناف من أنه «العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه أو هو تخصيص قياس بدليل أقوى منه»([928]).
2ـ الشاطبي من المالكية من أنه: «العمل بأقوى الدليلين»
3ـ الطوفي في الحنابلة في مختصره من أنه: «العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص من كتاب أو سنّة»([929]).
ثانيها: «ما يستحسنه المجتهد بعقله».
ثالثها: «دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على التعبير عنه»([930]).
وهذه التعريفات يختلف حالها من حيث التعميم والتخصيص، فبعضها تخصصه بتقديم قياس على قياس، وبعضها تجعله عاماً الى تقديم مختلف الادلة بعضها على بعض، وبعضها الثالث لا يتعرض إلى عالم تقديم الأدلة أصلاً بل يأخذ لمجرد الاستحسان والانقداحات النفسية وإن لم تعرف حدود هذا للاستسحان أو الانقداح الذي لا يقدر على التعبير عنه.
وقد حاول بعضهم إرجاع هذه المفاهيم بعضها إلى بعض أي إرجاع الخاص منها إلى العام، إلا أن هذه المحاولة غير ذات جدوى لاحتمال تقيد أصحابها في مجال الحجة بحدود ما عرضوه لها من مفاهيم بالإضافة إلى أن بعضها غير ناظر إلى عالم تقديم دليل على دليل لينتظم هذا السلك من الأدلة العامة.
فالأنسب توزيعها في مجالات التماس الحجية لها على ما أريد لها من تحديدات.
والذي يلاحظ ـ بادىء ذي بدء – أن هذه التعاريف ليس فيها ما يدعو إلى جعل الاستحسان دليلاً له استقلاله الذاتي في مقابل بقية الأدلة، إذ إن قسماً منها يمكن إرجاعه إلى الكتاب والسنة، وقسماً منها إلى القياس، وثالثاً إلى حكم العقل، ورابعاً إلى المصالح المرسلة، لو صح أنها من الأدلة المستقلة وسيتضح الحال فيها ـ فلا وجه ـ فيما يبدو ـ لعدّه من الأدلة المستقلة في عرضها.
حجيته ومناشىء الخلاف فيها
وقد اختلفوا في حجيته وعدمها على قولين يتضمن أحدهما نفي الحجية وقد تبنّاه الشافعي وأرسل كلمته المعروفة فيه «منه استحسن فقد شرع»([931]).
ويتضمن الثاني إثبات الحجية له وإضفاء الأهمية الواسعة عليه، وقد تبنّاه مالك، وأرسل قوله المعروف: «الاستحسان تسعة أعشار العلم».
والمعروف عن الشيعة والظاهرية أنهم من النفاة.
وتحقيق الحال في صحة النسبة وعدمها وبيان مناشىء الخلاف فيه، يقتضينا أن نعود إلى تلكم التعاريف، ونلقي بعض الأضواء عليها.
ولعلنا نعود من نتائج الحديث ببعض الثمرات التي تعود في واقعها إلى تضييق شقة الخلاف وإزالة أكثر معالمها من بين الأعلام.
وملخص ما يمكن أن يقال إن تلكم التعاريف مختلفة جداَ، وربما عادت في أصولها إلى أربعة، يصعب التقاؤها في قدرٍ جامعٍ، وتصور القدر الجامع لها لا يخلو من تعسّف، فلا بد من استعراضها جميعاً. وتفصيل الحديث فيها بما يتسع له صدر هذا البحث وتشخيص مواقع الحجة منها من غيرها. وهذه الأصول هي:
1ـ الاستحسان وأقوى الدليلين
ونريد به ما أخذ في بعض التعاريف من العمل أو الأخذ بأقوى الدليلين، وهذا التعريف بعمومه شامل لما كان فيه الدليلان لفظيين أو غير لفظيين، أو أحدهما لفظياً والآخر غير لفظي، فالمسائل التي تنتظم في هذا القسم إذن ثلاث:
1ـ ما كان الدليلان فيه لفظيين.
2ـ ما كانا فيه لفظيين ـ على تفصيل فيها.
3ـ ما كان احدهما لفظياً والآخر غير لفظي.
والاختلاف بين الدليلين اللفظيين قد تكون له مناشىء أهمها:
أ ـ التزاحم:
ويراد بالتزاحم هنا صدور حكمين من الشارع المقدس وتنافيهما في مقام الامتثال اتفاقاً، إما لعدم القدرة على الجمع بينهما كما هو الغالب في باب التزاحم، أو لقيام الدليل من الخارج على عدم إرادة الجمع بينهما، وفي مثل هذا الحال لا بد من الرجوع إلى:
مرجحات باب التزاحم:
وقد عرضت في كتب الشيعة في الأصول بتفصيل واسع نشير إلى أهم خطوطه وهي:
1ـ تقديم الحكم المضيق على الحكم الموسع إذا كان في التكليفيين مضيق وموسع، ومثاله ما لو تزاحم الأمر بالصلاة وكانت في أول أوقاتها مع الأمر بإزالة نجاسة ما عن المسجد الحرام، وكانت الأولى موسعة.
2ـ تقديم ما ليس له البدل على ما كان له بدل كما لو تزاحم الأمر بإنقاذ نفس محترمة، كاد أن يؤدي بها الظمأ، والأمر بالوضوء مع فرض وجود ماء لا يتسع لهما معاً، وبما أن الوضوء له بدل وهو التيمم وإنقاذ النفس لا بدل فلا بد من تقديم الإنقاذ.
3ـ تقديم ما كان أمره معيناً على ما كان مخيراً كتقديم الوفاء بالنذر على الكفارة، فيما لو نذر عتق رقبة مؤمنة وتحقق نذره وكان لديه رقبة واحدة، وهو مطالب بعتقها للنذر ومطالب من ناحية أخرى بعتقها للكفارة، إفطار عمدي في شهر رمضان باعتبارها إحدى خصال الكفارة، وحيث يمكن تعويضها بالخصال الأخرى في الكفارة، فلا بد من عتقها للوفاء بالنذر.
4ـ تقديم ما كان مشروطاً بالقدرة العقلية، على ما كان مشروطاً بالقدرة الشرعية كتقديم الأمر بوفاء الدين على الأمر بالحج لأخذ الاستطاعة فيه شرطاً بلسان الدليل، والقدرة إن أخذت بلسان الدليل سميت شرعية، لأن أخذها بلسانه يكشف عن مدخليتها في الملاك، وإن لم تؤخذ بلسانه سميت عقلية.
والدليل الذي لا ياخذ القدرة بلسانه، يكشف عن وجود ملاكه حتى مع عدمها، وتكون القدرة بالنسبة له دخيلة في تحقق الامتثال لا في أصل الملاك، ولهذا قدم ما كان مشروطاً بالقدرة العقلية على ما كان مشروطاً بالقدرة الشرعية لتوفر ملاكه.
5ـ تقديم ما كان أهم منهما على غيره، ومقياس الأهمية إحساس المجتهد بأن أحد الدليلين أهم في نظر الشارع من غيره كتقديم الصلاة التي لا تترك بحال بآخر مراتبها على أي واجب آخر.
6ـ تقديم أسبقهما في زمان امتثاله مع تساويهما من حيث الأهمية كتقديم صلاة الظهر على صلاة العصر فيما لو انحصرت قدرته على الأداء في الإتيان بإحدى الصلاتين مثلاً.
والأنسب ـ فيما أخال ـ هو حصر المقياس في التقديم بالمرجحين الأخيرين والمرجحات الأخرى مما ذكر، أو يمكن أن تذكر، لا يريد ما يتمّ منها على كونه منقحاً لصغريات إدراك العقل للأهمية في أحد الأمرين ذاتاً أو عرضاً.
إذ أن إدراك الإنسان للأهمية في تقديم أحدهما قد يكون منشؤه المحافظة على التكليفين معاً، كاختياره المضيق وتقديمه على الموسع أو اختياره المعين وتقديمه على المخير، أو تقديمه لما ليس له البدل على ما له البدل، وقد يكون المنشأ غير ذلك.
والمقياس ـ كما سبق أن ذكرنا ـ هو إدراكه لأهمية أحد التكليفين وترجيحه على الآخر.
ومع هذا الإدراك فتقديم الأهم في باب تزاحم الأدلة اللفظية لا يعدو كونه من قبيل تعيين الحجة الفعلية من بينها، إذ لا نحتمل في حق الشارع المقدس أن يلزمنا بالمهم ويرفع اليد عن التكليف بالأهم، لاستحالة ترجيحه للمرجوح على الراجح، ومع استحالة امتثالهما ـ كما هو الفرض ـ فإنه يتعين أن يكون المرتفع هو التكليف بالمهم.
هذا إذا كان هناك أهم ومهم، أما إذا تساويا فإن كان أحدهما أقدم زماناً من حيث ظرف الامتثال، قدم الأقدم ـ بحكم العقل ـ وإلا فإن المكلف مخير في امتثال أيهما شاء.
ب ـ التعارض وأقسامه:
وقد يكون منشأ الاختلاف بين الأدلة اللفظية هو التعارض، وأمره يختلف باختلاف صور المسألة فقد يكون بدوياً يزول بأدنى ملاحظة، وينتظم في هذا القسم:
1 ـ تعارض العام والخاص كنهي الشارع عن بيع كل معدوم، وترخيصه به في السلم حيث التزموا بتقديم الخاص على العام، وتخصيص العام به.
ولقد سبق أن قلنا: إن هذا النوع من التقديم مما يقتضيه الجمع العرفي المقتضي للأخذ بالدليلين معاً مع تضييق لأحدهما عما هو ظاهر فيه. ومنشأ التقديم لدى بعض أساتذتنا هو حكومة النص على الظاهر فيما لو كان الخاص نصاً في مدلوله، أو الأظهر على الظاهر فيما إذا لم يكن نصاً فيه لبداهة أن ظهور الخاص في مدلوله أكثر من ظهور العام في مدلول الخاص، فيكون بمنزلة القرينة على المراد منه، وهي حاكمة بلسان شرح المراد من ذيلها عليه، ولكن هذا الشرح ليس مما يقتضيه لسانه لو خليَّ وطبعه لينتظم في مبحث الحكومة في حدود ما شرحناها في بحوث التمهيد، وإنما اقتضته طبيعة الجمع بين الأدلة وإيضاح بعضها ببعض.
2 ـ أن يكون بين الدليلين حاكم ومحكوم، وقد سبق بيان السر في تقديم الدليل الحاكم على الدليل المحكوم.
3 ـ أن يكون فيها ناسخ ومنسوخ وسيرد الحديث حول مفهوم النسخ وسر التقديم فيه في مبحث (السنة).
هذا كله في التعارض البدوي الذي يعود إلى المضامين، بعد المفروغية عن صدور الدليلين من الشارع المقدس، أما التعارض المستحكم الذي لا يزول بأدنى ملاحظة ولا يرى العرف طريقاً للجمع بين مضامين ما تحقق فيه، كما في المتباينين أو العامين من وجه فالمرجع فيه.
مرجحات باب التعارض
وقد عرضت لها صحيحة وردت عن الإمام الصادق (ع): «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فردّوه، فإن لم تجدوه في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامة، فما وافق أخبارهم فذروه، وما خالف أخبارهم فخذوه»([932]) وهذه الرواية عرضت للمرجحات المضمونية وهي لا تفترض عادةً، إلا بعد تساوي الروايتين المتعارضتين من حيث السند وليس في إحداهما ما يوجب الاطمئنان بالصدور، وقد ذكرت روايات غيرها والأصدق من صفات الراوي، وهي مناقشة سنداً ودلالة وليس هنا موضع تفصيلها([933]).
ومن هذه الصحيحة ندرك أن الترجيح المضموني لا يتجاوز:
1ـ موافقة الكتاب ومخالفته.
2ـ موافقة العامة ومخالفتها.
موافقة الكتاب ومخالفته
ويراد بموافقة الكتاب أن يكون الحكم داخلاً ضمن إطار أحكامه العامة أو الخاصة، وبالمخالفة أن يصادمها على نحو التباين أو العموم والخصوص من وجه، أي في المواضع التي لا يمكن فيها الجمع العرفي أصلاً، والسر في إسقاط الرواية عند المخالفة هو ما سوف نشير إليه من أن النسخ لا يثبت بأخبار الآحاد، والأخبار المتعارضة تعطي في نتائجها ما تعطيه أخبار الآحاد من حيث عدم القطع بها سنداً أو مضموناً، والنسخ لا يكون إلا بقاطع.
ومن تقديم هذا المرجح على موافقة العامة وجعل المرجع الثاني في طوله، ندرك أن موافقة الكتاب وعدم مخالفته في المقياس الأول، كانت هناك موافقة للعامة أو مخالفة لها، فالحديث الموافق للكتاب أو غير المخالف يؤخذ به على كل حال وافق العامة أم لم يوافقها، والحديث المخالف للكتاب يطرح سواء وافق العامة أو خالفها.
مخالفة وموافقة العامة
والمراد بالعامة هنا أولئك الرعاع وقادتهم من الفقهاء الذين كانوا يسيرون بركاب الحكام ويبررون لهم جملة تصرفاتهم بما يضعون لهم من حديث حتى انتشر الوضع على عهدهم انتشاراً فظيعاً صحّ معه لمثل يحيى بن سعيد القطان أن يقول: «لو لم أرو إلا عمن أرضى ما رويت إلا عن خمسة»([934]) وليحيى بن معين قوله: «كتبنا عن الكذابين وسجرنا به التنور وأخرجنا خبزاً نضيجاً»([935]) إلى غيرها من آراء وأقوال أرباب الجرح والتعديل.
وليس المراد بالعامة في الصحيحة وأمثالها أولئك الأئمة الذين عرفوا بعد حين بأئمة المذاهب الأربعة وأتباعهم لأن هؤلاء الأئمة ما كان بعضهم على عهد الإمام الصادق (ع) حيث أبطل «الظاهر بيبرس البندقداري» غيرها من المذاهب في مصر وقصرها عليها([936]) ومنه انتشرت في بقية الأمصار.
وعلى هذا فإن كلمة الإمام الصادق (ع) لم توجه إلا إلى أولئك الكذابين من أذناب الحكام فقهاء ومحدثين ممن يستسيغون الكذب والدّسّ مراعاة لعواطفهم وميولهم السياسية وغيرها.
ووجود حديثين لا تعرض للكتاب لمضمونهما أحدهما موافق للعامة وهم ممن يستسيغون الكذب على المعصوم، والآخر مخالف لهم لا بد وأن يكون الموافق هو الذي يستحق وضع علامات الاستفهام عليه. على أن الإمام ربما صدرت عنه فتاوى توافق ما انتشر عند العامة ومبعثها على الأكثر أن الإمام كان يجيب السائل على وفق ما يدين به، فيقول له: إنهم يرون في العراق كذا وفي الحجاز كذا، ونقول نحن كذا، وللسائل أن يختار ما يدين به وربما نقل السائل ما يختاره عن الإمام كفتوى له، بينما تكون فتوى الإمام ـ إن صحّ تسميتها فتوى ـ على خلافها فتتكون لدى الآخرين فتويان متعاكستان عنه، وبهذا صحّ جعل المقياس من قبله بأن ما وافق العامة مما نقل عنه هو الذي يجب طرحه عند المعارضة. والخلاصة أن مرجحات باب التعارض ـ من وجهة مضمونية هي: موافقة الكتاب أولاً ـ سواء وافقت هذه الروايات ما عند العامة أم خالفتها ومخالفة العامة ثانياً. وإذا لم تتوفر هذه المرجحات كلّاً أو بعضاً فالمرجع التساقط كما هو مقتضى القاعدة لدوران الأمر بين الحجة واللاحجة فيهما أو التخيير على قول، ولم نعرف من الفقهاء من عمل به، ورواياته ليست وافية الدلالة كما ذهب إلى ذلك بعض أساتذتنا.
هذا كله في الاختلاف في الأدلة اللفظية.
الاختلاف في الأدلة غير اللفظية
والأمر فيها مختلف، فإم كان الدليلان في رتبتين كما هو الشأن في الاستصحاب وأصل البراءة قدم السابق رتبة واعتبر أقوى من لاحقه ـ إن صحّ هذا التعبير ـ وإن كانا في رتبة واحدة وكان أحدهما أقوى من الآخر كما هو الشأن في التماس علل الأحكام في القياس إذا كانت مستنبطة قدم القياس ذو العلة الأقوى بناءً على حجية أصل القياس، وقد قصر تعريف الاستحسان في بعض الألسنة على تقديم قياس أقوى على قياس، ولكن عدّه ـ لو صحّ التعريف ـ أصلاً في مقابل القياس لا يتّضح له وجه إذ تعيين أقوى القياسيين لا يعدو عن تشخيص القياس الحجة منهما فما الموجب لعدّه في عرضه؟
ومع تساوي الأدلة غير اللفظية في الرتبة وتعارضها، تتساقط حتماً ويرجع إلى الأدلة اللاحقة لها في الرتبة، وهكذا…
الاختلاف بين الأدلة اللفظية وغيرها
وفي هذا الحال، لا بد من تقديم الدليل اللفظي وما هو برتبته على غيره من الأدلة لما سبق من بيان حكومته عن غيرها من الأصول، ما لم يكن بعض هذه الأصول مزيلاً لموضوعها، كما هو الشأن في الاستصحابات الموضوعية بالنسبة إلى بعض الأدلة اللفظية.
2ـ الاستحسان والعرف
وينتظم فيه ما أخذ في الاستحسان من رجوعه إلى العرف كالاستحسان في عقد الاستصناع «وهو عقد على معدوم وصحّ استحساناً لأخذ العرف به»، وهذا النوع من الاستحسان من صغريات مسألة «العرف» وحجيته، وسيأتي أنه لا يكون حجة ودليلاً إلا إذا وصل الحكم الذي يقوم عليه إلى زمن المعصومين وأقرّ من قبلهم، وعندها يكون إقرار المعصوم هو الدليل لا الاستحسان العرفي وإقرار المعصوم من السنة كما مرّ.
3ـ الاستحسان والمصلحة
ويدخل ضمن هذا النوع ما يرجع منه إلى إدراك العقل لمصلحة توجب جعل حكم من الشارع له على وفقها، وهذ ما يرجع إلى «الاستصلاح» وسيأتي الحديث عنه في مبحث «المصالح المرسلة» وتشخيص ما يصلح للحجية منه وعدّه في مقابله ولا وجه له، وسيأتي إرجاع المصالح المرسلة إلى صغريات حجية العقل وأنها ليست من الأصول القائمة بذاتها.
4ـ الاستحسان وبعض الحالات النفسية
وينتظم فيه من تعاريف الاستحسان أمثال قولهم: «دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على التعبير عنه».
ومثل هذا النوع من الاستحسان لا يمكن عدّه من مصادر التشريع لكونه عرضه لتحكم الأهواء فيه بسبب من عدم ذكر الضوابط له، حتى في أنفس المستحسنين، كما هو الفرض، على أنه لا دليل عليه اللهم إلا أن يدعي بعض أصحابه حصول القطع منه أحياناً، وربما كانت وجهة نظر القائلين «بالذوق الفقهي»، تلتقي هذا النوع من الاستحسان، إلا أن حجيته مقصورة على مدعي القطع به من الفقهاء ومقلّديهم خاصة، وهي ليست من القواعد المحددة ليمكن أن تكون أصلاً قائماً برأسه كسائر الأصول، وما ذكر له من الأدلة لا يصلح لإثبات ذلك فلا بدّ من استعراضها جميعاً ومناقشتها.
حجيته
وقد استدلّوا على حجية الاستحسان بعدة أدلّة، بعضها من الكتاب وبعضها الآخر من السّنّة والثالث الإجماع.
أدلتهم من الكتاب
وأهمها:
1ـ قوله تعالى: «الّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ»([937]).
2ـ قوله تعالى: «وَاتَّبِعُوا أحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ»([938]).
بتقريب أنه تعالى مدحهم على اتّباع أحسن ما أنزل إليهم من ربهم في الآية الثانية، والمدح والإلزام أمارة جعل الحجة له.
ويرد على الاستدلال بهاتين الآيتين ونظائرهما:
1ـ أن هذه الآيات استعملت لفظة (الأحسن) في مفهومه اللغوي، وهو أجنبي عما ذكروه لها من المعاني الاصطلاحية، ولو سلم فعلى أيها ينزل ليصلح للدليلية عليه، مع أنها متباينة وليس بينها قدرٌ جامعٌ، بل لا يمكن تصورّه إلا بضرب من التعسف كما سبقت الإشارة إليه، وحمله على بعضها دون بعض مصادرة واضحة.
نعم القائلون بأن الاستحسان هو الأخذ بأقوى الدليلين يمكنهم التمسك بهذه الآيات.
2ـ أن الآية الأولى وإن مدحت هؤلاء المستمعين على اتّباع أحسن الأقوال، إلا أنها افترضت أن هناك أقوالاً بعضها أحسن من بعض إذا كانت صادرة من شارع، نظراً لأهميتها كما هو مقتضى التعبير عنها بكونها أحسن ـ إنما هي من شؤون الكتاب والسّنّة.
وقد سبق أن قلنا إن ترجيح دليل لفظي على دليل عند المزاحمة أو المعارضة، يعود في واقعه إلى تعيين الحجة الفعلية من بين الأقوال، فهو راجع إليها، فعدّ الاستحسان دليلاً في مقابلها، بأمثال هذه الآيات لا يتّضح وجهه، ومن الواضح أن الأخذ بأقوى الدليلين لا يتعدى الأخذ بأحدهما فهو ليس دليلاً في مقابلهما.
وما يقال عن هذه الآية، يقال عن الآية الأخرى مضافاً إلى أنها اعتبرت اتّباع الأحسن في خصوص ما أنزل عليهم، لأن الأحسن بعض ما أنزل ـ بحكم إضافته إلى ما ـ فإثبات أن الاستحسان مما أنزل أو مما لم ينزل، لا يرجع تعيينه إلى هذه الآية لبداهة أن القضية لا تثبت موضوعها.
3ـ أن الآيتين أجنبيتان عن عوالم جعل الحجية للاستحسان أو غيره غير واردتين لبيان هذه الجهة، ولذا لو بدلت لفظة الأحسن بلفظة أنهم يعملون بالاستحسان في مجالات الاستنباط لا يستقيم المعنى بحال.
أدلتهم من السّنّة
وقد استدلوا منها بما روى عن عبدالله بن مسعود من أنه قال: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن»([939]) ويرد على الاستدلال بها:
1ـ أنها موقوفة على ابن مسعود ولم يروها أحد عنه عن رسول الله (ص)([940])، وربما كانت كلاماً له لا حديثاً عن النبي (ص) ومع هذا الاحتمال لا تصلح للدليلية أصلاً.
2ـ إطلاق لفظ الحسن على الاستحسان بالمعنى المصطلح في هذه الرواية لا دليل عليه لكون الاستحسان من المعاني المستحدثة لدى المتأخرين، فكيف يصح نسبة مضمونها إلى ابن مسعود؟ ومع الغضّ عن ذلك فأي معاني الاستحسان التي عرضناها ينطبق عليه هذا التعبير، وهل يتّسع لها جميعاً وهي متباينة، كما سبق شرحه، وليس حمله على بعضها بأولى من حمله على الآخر؟
والظاهر أن هذه الرواية ـ لو صح ورودها عن النبي (ص) ـ فإنما هي لتأكيد قاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع. أي ما أطبق العقلاء على حسنه فهو عند الله حسن، وهذا إنما يتمّ إذا أردنا من لفظة المسلمين ـ بما أنهم عقلاء.. وأما إذا اعتبرنا خصوصية لهذه الفظة (المسلمين) فهي تصلح أن تكون من أدلة الإجماع بعد حملها على العموم المجموعي. ومن الواضح أن العموم الاستغراقي لا يمكن أن يراد منها، وإلا لأوقعتنا بألف مفارقة لإنهائها إلى أن استحسان أي مسلم، ولو كان عامياً لا يحسن إقامة الرأي يكون تشريعاً وكاشفاً عن الحكم الواقعي (فهو عند الله حسن) مع ما في ذلك من فوضى لا حد لها.
الإجماع
وذلك بدعوى إجماع الأمة باستحسانهم دخول الحمام وشرب الماء من أيدي السقائين، من غير تقدير لزمان المكث وتقدير الماء والأجرة.
ولكن هذا الإجماع ـ لو صحّ وجود مثله ـ فهو قائم على هذه الأحكام بالخصوص لا على استحسان ولا أقل من اقتصاره على هذه الموارد بحكم كونه من الأدلة اللبية التي يقتصر فيها على القدر المتيقن.
والظاهر أن مثل هذا الإجماع لا أساس له، وإنما قامت السيرة على هذه الأحكام، وهي مستمرة على «جريان ذلك إلى زمن النبي (ص)، مع علمه به وتقريره لهم عليه»([941]).
والذي أتصوره أن أصلاً هذه حججه وأدلته، لا يستحسن ان يعطى له أهمية كالتي أعطاها له مالك حين قال: «الاستحسان تسعة أعشار العلم» اللهم إلا أن يريد به معناه السليم من تقديم دليل على دليل.
نفاة الاستحسان وأدلتهم
أما نفاة الاستحسان فأظهرهم الشافعي، وقد علّل وجهة نظره بقوله: «أفرأيت إذا قال المفتي في النازلة ليس فيها نص خبر ولا قياس، وقال استحسن فلا بد أن يزعم أنه جائزاً لغيره أن يستحسن خلافه فيقول كل حاكم في بلد ومفتٍ بما يستحسن، فيقال في الشيء الواحد: بضروب من الحكم والفتيا، فإن كان هذا جائزاً عندهم فقد أهملوا أنفسهم فحكموا حيث شاؤوا، وإن كان ضيقاً فلا يجوز أن يدخلوا فيه»([942]).
ومثل هذا الكلام غريب على الفن لانتهائه ـ لو تمّ ـ إلى حظر الاجتهاد مطلقاً، مهما كانت مصادره، لأن الاختلاف واقع في الاستنباط منها، إلا نادراً، ولا خصوصية للاستحسان في ذلك.
وإذن فمتى جاز لحاكم أن يجتهد، فقد جاز لغيره أن يجتهد، وعندها ينتهي الأمر إلى ضروب من الأحكام والفتاوى المختلفة، ولازم ذلك أن نمنع الاجتهاد بجميع مصادره، وهو مما لا يمكن أن يلتزم به مثله، بالإضافة إلى وروده عليه نقضاً في اجتهاده بمنع الاستحسان مثلاً إذ يقال له: إذ أجزت لنفسك الاجتهاد في منعه، فقد أجزت لغيرك أن يجتهد في تجويزه، فلزم الاختلاف في الشيء الواحد بضروب من الحكم والفتيا.
والظاهر أن مراده هو الردع عن خصوص القسم الرابع من الأقسام التي ذكرناها، كما تومىء إليه بقية أقواله، مما لا تخضع لضوابط من شأنها أن تقلل من وقوع الاختلاف وتفسح المجال أمام المتطفلين على منصب الإفتاء ليرسلوا كلماتهم بسهولة استناداً إلى ما يدعونه لأنفسهم من انقداحات نفسية وأدلة لا يقدرون على التعبير عنها مما يسبب إشاعة الفوضى في عوالم الفقه والتشريع.
ولكن هذا النوع من الاستدلال أقرب إلى النهج الخطابي منه إلى الروح العلمية، فالأنسب أن يدفع هذا القسم بعدم قيام الدليل على حجيته لأن ما ذكروه من الأدلة لا يصلح ـ على الأقل ـ لإثبات ذلك على الخصوص، ويكفي شكنا في الحجة للقطع بعدمها.
والخلاصة: إن كان المراد بالاستحسان: هو خصوص الأخذ بأقوى الدليلين فهو حسن ولا مانع من الأخذ به، إلا أنّ عدّه أصلاً في مقابل الكتاب والسّنّة ودليل العقل لا وجه له «وإن كان ـ كما يقول ابن القفال ـ ما يقع في الوهم من استقباح الشيء واستحسانه من غير حجة دلّت عليه من أصل ونظير محظور والقول به سائغ».
محمد تقي الحكيم
أسترآباد
هناك مشكلة أساسية تعترض طريق هذا البحث، وهذه المشكلة هي استعمال الاسمين الذين تعرف بهما هذه المنطقة، وهما: جرجان (كركان)([943]) ، وأسترآباد.
إن جرجان الذي يطلق عليها في القديم (هير كاينه) أو (ور كان) كانت تشمل ولفترة طويلة كل الأجزاء التي تتكون منها منطقة كركان هذا اليوم، وكذلك منطق «كنبد كاووس» السهلية، والقرى الواقعة على الساحل الجنوبي الشرقي لبحر الخزر وقسماً من المنطقة الحالية الواقعة شمال نهر أترك. ورغم التدمير الكبير الذي شمل المنطقة أيام الحكم العربي لكنها أعيد إعمارها مرة أخرى. وعندما تعرضت مدينة كركان، للتدمير بعد عصر آل زيار ولا سيما بعد هجوم المغول، ازدهرت مدينة أخرى باسم «أسترآباد» وبعد ذلك أطلق اسم أسترآباد على جميع المنطقة التي كانت تسمى كركان. ومن خلال إلقاء نظرة فاحصة على موقع كركان وهي على شاطىء نهر كركان وموقع أسترآباد على موقع شاطىء نهر قراسو يتبين لنا أن كركان الحالية هي نفسها أسترآباد التاريخية تقريباً، وقد بدل اسمها سنة 1937م.
أما فيما يخص اسم أستر هل هو مخفف «أستار» أو «ستارة»؟ أو هل هو اسم الفتاة اليهودية أستر التي كانت زوجة لأردشير، والتي بنى لها عمارة؟ أو كما ذكروا أن أستر كانت إحدى زوجات «خشايارشاه» أو هل يعود إلى أحد معاني أستر وهو البغل حيث كان سائقو بغال «كركين» ـ صاحب أسطورة كركان ـ يطلقون حيواناتهم للرعي؟ كل واحد من هذه الأقوال ليس لها نصيب كاف من الصحة تاريخياً، وقد ذكر مؤرخو اليونان في عصر الإسكندر كلمة «زادراكارتا» إشارة إلى «أسترآباد». وهذه الكلمة تتكون من شقين هما «زادرا» وشكلها المصحف «ساترا» و«ستارة» و«كارتا» وتعني آباد([944]). وبما أننا لم نعثر على معلومات أثرية مفيدة في هذا المجال، لهذا نقبل بالنظرية الأخيرة احتياطاً، إلى أن نعرف جذر كلمة «كارتا»، هل تعني «مدينة» أو تعني حيا من أحياء المدينة؟ فتكون على هذا الأساس «مدينة أستر» «أو حي أستر».
ولكن كما ذكرنا فإن هذه المنطقة كانت تسمى «هير كانيا» في العصور القديمة لهذه الأرض، وهي كانيا مقر للقبائل «الماردية» و«الطابورية» وقد اشتقت كلمة طابورستان أو طبرستان من اسم هذه القبائل، يقول صاحب «حدود العالم»: «تقع أسترآباد على سفح جبل، وتتمتع بنعم كثيرة وخضرة وفيرة ومياه جارية وطقس جميل ويتكلم أهلها بلغتين «اللوترية الأسترآبادية» و«الفارسية الجارجانية» وهم معروفون بصناعة الثياب الحريرية الكثيرة».
ويذكر المقدسي من أعلام القرن الرابع: «أن قلعة أسترآباد» في زمانه كانت على وشك التدمير بسبب الحرب التي دارت بين آل بويه وآل زيّار وبالفعل قام البويهيون أخيراً بتدميرها تماماً ويضيف المقدسي: «أن المسجد الجامع في المدينة قد شُيد في السوق بالقرب من بوابة المدينة أيام الفتوحات الأولية للمسلمين».
وينقل الدمشقي في كتابه المعروف بنخبة الدهر: «إن أستر آباد مدينة تقع في الجنوب الشرقي من بحر الخزر شرق «بندر([945]) كز» وهي من مناطق مازندران قرب مديننة «جرجان».
في زمان «أمير ولي [745 ـ 788هـ] بعد سقوط الحكومة الإلخانية المغولية، كانت خراسان وأسترآباد تحت تصرفه لمدة من الزمن، وقد حفر حولها خندقاً، كذلك شيّد الملك «بيرك» [786 ـ 809هـ] برجاً وجداراً للدفاع عن أسترآباد».
يصف رابينو «أسترآباد» في «كتاب الرحلات» هكذا: «تقع مدينة أسترآباد على بعد ثلاثة أميال عن التلال الجنوبية وما يقارب العشرين ميلاً شمال بندركز على مكان مرتفع يحيط بها جدار ترابي وخندق وفي بعض الأماكن أبراج دائرية كانت مزخرفة بالقيشاني».
وبعد أن يشير إلى تدمير جدارها من قبل «نادرشاه» نتيجة سوء ظنه بحاكمها «محمد حسن خان القاجار»، يستطرد قائلاً: «إن لمدينة أسترآباد خمس بوابات جميعها في حالة دمار، وهذه البوابات هي: بوابة «بسطام» في المشرق، «جهل دختران» في الجنوب، مازندان في المغرب، «سبزمشهد» أو «فوجرد» (ولعلها هي بوابة كركان القديمة) في الشمال، وبوابة «دنكوان» التي لا يستفاد منها للتردد، وتتكون المدينة من ثلاث محلات، أصلية هي «نعلبندان»، «ميدان محلة»، «سرجشمه»، وكل منها تنقسم إلى محلات فرعية».
كانت مدينة أسترآباد تتكون في القديم من منطقتين: الأولى في الشمال وتعرف بـ «دهستان». والثانية في الجنوب وتعرف بـ «وركان». وكانت دهستان تشمل الساحل الجنوبي الشرقي لبحر الخزر بأسره والمنطقة الحالية الواقعة شمال نهر «أترك». أما وركان فتشمل المنطقة، التي يمر منها نهر كركان الحالي، ووركان هذه التي كانت تشكل قسماً من (هير كان) السابقة، تمثل القسم الأعظم من مدينة أسترآباد الحالية من المنطقة الواقعة من الحد الفاصل بين مازندان ودهستان. ربما لأن دهستان تقع في جوار سهول آسيا المركزية لها أهميتها العسكرية، فقد تمّ تحصينها بتشييد قلاع حولها لمنع هجوم البدو عليها مثل: «شهر ستانيزد كرد» و«شهر فيروز». كذلك تمت إحاطتها من ناحية الشمال بجدار لصد حملات القبائل الأجنبية عليها، ويبدأ هذا الجدار اعتباراً من «كمشتبه» الحالية مارّاً بـ«كنبدقابوس»([946]) لينتهي عند «الخواجة»، من الأمور التي تستحق الدراسة ـ ونحن في حديثنا عن أسترآباد ـ التركيبة العرقية للمجتمع ووضعه الديني. أن قسماً من أهالي هذه المنطقة الذين يعيش أكثرهم في أطراف مدينة «كنبد قابوس» هم من أصلٍ تركيّ، ومن أتباع المذهب السني، يتكلمون باللغة التركمانية، ويشكلون 20% من نفوس أسترآباد.
وهناك المهاجرون الذين رحلوا من مختلف مناطق إيران إلى أسترآباد ليعملوا في الزراعة، وهؤلاء يشكلون 20% أيضاً. لكن أغلب الناس في هذه المنطقة، يتكلمون باللغة الفارسية وهم من أتباع المذهب الشيعي، لأنه منذ دخول الإسلام إلى هذه المنطقة، ومعارضة أهاليها للحكام الأمويين والعباسيين، عمل فيها دعاة الزيدية ومن بعدهم مبلغو الجعفرية الاثني عشرية فأثروا في أهلها وصار لهم أتباع كثيرون ووجدوا فيها أرضية صالحة للنشاط ضد السلطة علماً أن الأهالي كانوا يعارضون ظلم الحكام ومغارمهم. لا الإسلام نفسه.
من الناحية الجغرافية فإن لأسترآباد حدوداً مع بعض المناطق حيث يحدها من الشمال نهر أترك، ومن الشرق خراسان، ومن الجنوب «شاهكوه» التي تفصل أسترآباد عن شاهرود وبسطام، أما في الغرب فإن حدود أسترآباد ومازندان غير طبيعية([947]) وتبدأ من جبال «هزار جريب» وتنتهي عند كرد محله على خليج أسترآباد مقابل رأس «ميانكاله».
أما سطحها: فتقسم أسترآباد إلى ثلاث مناطق هي:
- «صحراء التركمان» وتقع بيت أترك وقراسو، وتشمل سهول «فندرسك» الخصبة. وهذه الصحراء منطقة سهلية منبسطة واسعة يمر فيها نهر أترك وكركان الكبيران.
(2) أسترآباد وساحل بحر الخزر، وتقع هذه المنطقة بين قراسو وكوهستان، وتعتبر أخصب منطقة في أسترآباد. وتتكون من تلال ومرتفعات مختلفة، وتوجد على صخورها طبقة من التراب الآجري جعلت الأرض صالحة للزراعة وغرس الأشجار.
(3) المنطقة الجبلية الجنوبية وتشمل السفوح الشمالية «لشاهكوه». هذه المنطقة التي تغطي الغابات والمراتع أكثرها، هي عين من عيون بعض المياه الجارية أيضاً.
تشمل أسترآباد التاريخية هذا اليوم مدن علي آباد، كُركُودي، بندر تركمن، كركان، وكنبد كاووس، زراعتها جيدة نسبياً، وأهاليها يعيشون حياة مرفهة ويتمتعون بمستوى معيشي عال، أما الفلاحون فهم مشغولون بزراعة الغلال، والحبوب الدهنية، والتبغ، والرز، وصناعات المنطقة ترتبط بمنتوجاتها الزراعية، وتشكل الحمضيات قسماً من فواكه هذه المنطقة. وهناك سد و«شمكير» الذي شيد على نهر كركان وله تأثير كبير على الزراعة. وتحظى تربية المواشي في المنطقة بأهمية كبيرة، كما أن أكثر من مليوني رأس غنم ترعى في سهول المنطقة.
أما بالنسبة لتاريخ أسترآباد، فإنه يرتبط بتاريخ دهستان، ويمكن أن يكون هناك بحثٌ تاريخي يدرس العلاقة الموجودة بين قوم «داهه» مع منطقة Dah في الأجزاء الشمالية لأسترآباد، حيث أطلق على المنطقة «دهستان» فيما بعد. وإذا سلمنا أن إطلاق دهستان عليها كان مطلباً لحكومة «برثوه» في شمال خراسان الحالية، وأن هؤلاء القوم «البارتيين» اتحدوا مع قوم «داهه» لتشكيل الحكومة الأشكانية، فيمكن أن يكون لهذه التسمية ما يبررها إلى حدّ ما. ولكن كما ذكرنا سابقاً فإن الأجزاء الجنوبية والغربية لهذه المنطقة كانت تسمى «وهر كان» أو «هيركان».
وكانت واحدة من المناطق التي سكنتها قبائل «إيران وئجه» عند هجرتها إلى إيران، وهي نفسها المنطقة التي تسمى «هير كانية». وهنا لا بد أن نطرح سؤالاً: وهو: هل كانت «هير كانية» هذه تابعة للحكومة المادية بصورة مباشرة أو كانت إحدى المناطق الخراجية للماديين؟
التاريخ هنا لا يعطينا معلومات واضحة لكن ـ على ما ينقل ـ فإن «كوروش» توجه إلى الشرق بعد فتح آسيا الصغرى، واحتل «هير كاني» و«بارت» وفوض حكومة هاتين المنطقتين لـ «يشتاسب» والد «داريوش» وعندما هاجم الإسكندر المقدوني تلك المنطقة فوض لقائدين من قادته القيام ببعض المهمات. وقائداه هما: «كراتوس» وقد فوض إليه مسؤولية الحرب مع «الطبوريين»، و«ارى ريوس» وقد أمره أن يأتي إلى أسترآباد ومعه جميع التموينات والأمتعة والجنود غير اليونانيين، ويسلك طريقاً منبسطة أكثر.
بعد مدة قليلة من انفصال «بلخ» عن الحكومة السلوكية سنة (250) قبل الميلاد، تمردت كل من «بارت» و«كركان» على حكومة «انطيوخس الثاني» من السلوكيين وخرجتا من قبضة حكومته، ومع أن «انطيوكس الثالث» تحرك صوب «كركان»بعد السيطرة على «ماد» و«عيلام» و«أكباتان» (همدان) وبعد عبوره من الصحراء عن طريق «قومس» و«هكاتوم بليس» وذلك سنة (209) قبل الميلاد حيث استغرقت جولته القتالية هذه ما يقارب من ثماني سنين وصل فيها حتى بلخ، لكن تلك الأراضي كانت قد وقعت بأيدي البارتيين.
في زمن «مهرداد الأول الأشكاني» حدثت انتفاضة في كركان، لأن أهاليها طلبوا امتيازات خاصة لهم من خلال مشاركتهم في تأسيس الحكومة، ورحل الملك الأشكاني (كودرز) إلى كركان حيث عشيرته وأملاكه بعدما واجه معارضة أخيه «بردان» وأشراف المنطقة.
ومن الطريف أن «كودرز» تمرد في تلك المنطقة ضد «بردان» الذي كان قد تسلم مقاليد الأمور، ومع أن حركة التمرد هذه قد أخمدت لكن «بردان» نفسه قد قتل مما جعل الطريق ميسوراً أمام «كودرز» لاستلام السلطة.
لقد رضخت «هير كانية» للساسانيين منذ السنين الأولى لحكومة «أردشير» وكانت محطة لعبور القوات العسكرية التي عبأها الساسانيون لمواجهة «الهياطلة»، ولم لا؟ فإنها كانت معقلاً للإيرانيين الذين أخذوا على عاتقهم مسؤولية المواجهة والدفاع أمام حملات السكان الصحراويين الذين كانوا يقطنون في السهول الشمالة، وقد شيد على هذه الأرض جدار هو من أقوى الجدر وأكبرها حيث يمتد من بحر الخزر متجهاً نحو المشرق بمسافة مائتي كيلومتر، ولا تزال آثاره باقية حتى اليوم ويسمى سد «الإسكندر» أو «قزل إيلان» أي الأفعى الحمراء. ولم يعلم وقت تشييده، ولكن هناك احتمال كبير أنه شيد أواخر الحكم الساساني، كذلك تمّ بناء جدار آخر في تلك الأرجاء قرب «ساري» متزامناً مع تشييد ذلك الجدار، ويعرف بجدار [طميس].
وصل المسلمون تلك المناطق عن طريق (قومس). وقد دخل سعيد بن العاص كركان مع عدد من أبناء بعض الصحابة أيام خلافة عثمان سنة (30)هـ تقريباً. وتصالح مع أهلها على مبلغ قدره (مائتا ألف درهم): وفي زمن «المراونييين» جعل «يزيد بن المهلب» والي خراسان من قبل سليمان بن عبد الملك، احتلال كركان وطبرستان، ضمن برنامج عمله، ومع أنه تمكن للوهلة الأولى من فتح كركان دون مصاعب، لكن عمله في مازندان قد جرّ له متاعب، وتمرد عليه الكركانيون أيضاً. فقام بقتل جمعٍ كثيرٍ منهم وذلك تلافياً لاندحاره وثأراً لهيبته ومقامه. وبما أنه كان مصمماً على إراقة الدماء إلى الحد الذي تجري فيه وتحرك الرحى كي تدور، فإن أنصاره أسالوا ماءً مع الدم ليجري هذا الأخير تسكيناً لغضب الوالي وإرضاء لطموحه([948]).
وبعد أن انضمت «كركان» إلى الحكومة العباسية، تولى ممثلو الأسرة «الطاهرية» تمشية الأمور فيها وفي «طبرستان» حتى الربع الأول من القرن الثالث الهجري حيث أعلن مزيار استقلاله، ومع أن تمرده على الحكومة قد قضي عليه عاجلاً لكن «كركان» أصبحت جزءاً من الحكومة الزيدية أواسط القرن الثالث، ووقف أهلها في مواجهة الخليفة العباسي، وسرعان ما تعرضت لهجوم «يعقوب بن الليث الصفار». وبعد حكومة «ناصر الحق» و«الحسن بن القاسم»، وانقراض الحكومة العلوية جاء دور (آل زيّار) حيث اتخذوا من (كركان) عاصمة لهم. وكانت في زمانهم مكان «كنبد كاووس» الحالي بعيدة عن مكانها الفعلي بمائة كيلومتر.. ومن المدن المهمة في شرق العالم الإسلامي، وتحظى بأهمية كبيرة لا سيما في عصر «شمس المعالي قابوس وشكمير»، وكانت مركزاً لتجمع العلماء والشعراء، وفي عصر قابوس هذا وقعت كركان تحت تصرف آل بويه مدة من الزمن. وتعرضت لدمار كثير في زمانهم. على أي حال فعندما استعاد قابوس سلطته عليها، تعرض لاستفزازات محمود «الغزنوي» وضغوطه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تمرد عليه الناس، فأجبر على الاستقالة والهرب بعدها، وعندما ألقي عليه القبض وأودع السجن، قام عدد من قادة الجيش بقتله، آزرهم على ذلك حراس حصن «جناسك».
من الأعمال التي قام بها (قابوس) بناؤه لبرج عالٍ من عشرة أضلاع قرب معسكر الجيش من أجل استطلاع الهجمات المحتملة للقبائل الصحراوية والأعداء الآخرين. شُيد هذا البرج من الطابوق على تلٍّ مرتفعٍ.. وقد عمل في بنائه معمارون مهرة وعمال نشطون لمدة خمس سنين.
ارتفاع هذا البرج عن سطح التل خمسون متراً، يشكل اثنان وثلاثين متراً منها: هرماً ناقصاً اعتباراً من أسفل البرج حتى القاعدة العلوية، والبقية: وهي ثمانية عشرة متراً تبدأ من أساس المخروط حتى رأسه. ولا يخفى أن قابوساً دفن في هذا البرج بعد مقتله، وبما أنه هو الذي بناه فإنه بعد مقتله دفن فيه، لهذا سمي البرج باسم «كنبدقابوس»([949]).
وبعد مقتل قابوس وقعت حكومة آل زيار تحت نفوذ الغزنويين.. وقد مرّ مسعود الغزنوي على هذه المنطقة عندما سافر إلى آمل.. وعند مجيء السلاجقة انضمت أسترآباد للحكم السلجوقي.
في أوائل القرن السابع الهجري تعرضت إيران لهجوم المغول.. وقد أصدر «جنكيزخان» أمراً إلى أحد أبنائه مع عدد من أفراد جيشه لملاحقة السلطان «محمد خوارزمشاه». وصل هؤلاء مدينة أسترآباد سنة 617هـ.. وقاموا بتدمير مدينة كركان بأسرها وقد كان عدد سكانها آنذاك أربعمائة ألف نسمة. وفي هجمات المغول، حيث فرّ الناس إلى أسترآباد والمدن الأخرى بعد وفاة السلطان «أبي سعيد» آخر الإيلخانيين، أصبحت أسترآباد مركزاً لتلك المنطقة، وكان (طوغاي تيمورخان) ينطلق منها في حكم كافة أرجاء المناطق الشرقية الإيلخانية، بعد ذلك ألحقها «السربداريون» بمناطق نفوذهم.. ولم تبق بيد السربداريين إذ انتزعها منهم «أمير ولي» أحد حكام أسرة (جاني قرباني) واتخذها علصمة له، ولما ظهر تيمور في شرق العالم الإسلامي سيطر على أسترآباد كسيطرته على بقية المناطق.
إن سبب ازدهار مدينة أسترآباد في الواقع هو توافد القبائل المختلفة عليها.. وإحدى هذه القبائل هي القبيلة القاجارية التي كانت تعتبر فرعاً من قبيلة «سالور» الكبيرة، وهذه القبيلة هي إحدى القبائل السبعة التي ساعدت الشاه إسماعيل الصفوي في توليه السلطة، أما في زمن الشاه عباس فقد انتقل قسم من هذه القبيلة إلى خراسان وكركان، وكان السبب الظاهري لانتقالهم هو قصدهم صدّ المهاجمين «الأزابكة» و«اللزكية» و«التركمان» ولكن السبب الحقيقي هو خوفهم من النفوذ المتعاظم لتلك الأقوام.. وبعد انتقالهم سكنوا في مكان يسمى «آق قلعة» ـ الذي عرف فيما بعد بـ «مبارك آباد» ـ وقد حدثت بينهم مصادمات ومنازعات أدت بهم إلى ترك ذلك المكان والتوجه إلى أسترآباد (كركان الحالية).
في زمان نادر شاه اختلط هؤلاء القاجاريون القاطنون في أسترآباد مع أفراد جيشه، وبعد مقتله تحركوا صوب كركان بأسرع ما يكون للقبض على زمام الأمور والاستقلال بأمر الحكومة، وتذكر الأحداث التاريخية التي وقعت فيما بعد منازعات كبار القاجاريين مع كبار القبائل الأخرى كالزنديين مثلاً ورئيسهم كريم خان زند. على أي حال بمجيء «آغا محمد خان القاجاري» استطاع أتراك مناطق أسترآباد أن يؤسسوا السلسلة القاجارية ويتخذوا من طهران عاصمة لهم.
على عكس القبائل القاجارية التي لم يعد لها اليوم وجود عشائري منظم، فإن قبائل التركمان، بمحافظتهم على تقاليدهم وأعرافهم الخاصة، لا زالوا يشكلون طبقة اجتماعية جديرة بالاهتمام بين أهالي المنطقة. وتشير الدراسات التاريخية أنه في القرن الرابع الهجري كانت مجموعة من أتراك آسيا المركزية ممن كانوا يعيشون على سواحل «جيحون» قد فرّوا إلى المناطق الجنوبية إما بحثاً عن العشب والكلأ أو فراراً من الحروب المحلية، وكان أصلهم من قبائل «الغز» و«كُغز» والذين جاؤوا منهم إلى إيران كانوا يسمون «تركمان» علماً أن عدداً من التركمان يعيشون اليوم في جمهورية تركمنستان وعدد منهم يسكن في أسترآباد وهؤلاء هم من قبيلتي «يموت» و«جعفرباي».
وقد بدأ تركمان إيران كفاحاً ضعيفاً للحصول على شيء من الاستقلال وذلك بعد سقوط الحكومة القاجارية بسبب الفساد الإداري لبعض حكامها، ولكن بسبب انعدام التنسيق بينهم وبين تركمان روسيا على هذا الصعيد قمع تحركهم بأسرع ما يكون.
إن توطن التركمان، وتوجههم للعمل في القطاع الزراعي، أديا إلى فتور روح الكفاح والمقاومة لديهم، وتطبّعوا بالحياة المدنية إلى الحد الذي أدت فيه مظاهر هذه الحياة إلى ضعف التقاليد القبلية عندهم.
سيد حسين رئيس السادات
- () يستثنى من ذلك الشعر في مدح الإمام علي (ع) الذي كان شعراً ملحمياً تتجاوز القصيدة فيه الألف بيت (ح). ↑
- () مروج الذهب، 1: 12 ـ 13. ↑
- () م.ن.4: 405. ↑
- () م. ن4: 406. ↑
- () التنبيه والإشراف، 258. ↑
- () مروج الذهب 4: 164. ↑
- () م.ن: 93، 375. ↑
- () ذكرها مجتمعة في مروج الذهب، 2: 292. ↑
- () التنبيه والإشراف، 65 و66. ↑
- () م. ن: 264. ↑
- () م. ن: 198، 204، 205، 208، 250، 252، 257 مروج الذهب، 3: 92 ـ 93 ↑
- () مروج الذهب3: 90، 92 ـ 93. ↑
- () م.ن4: 406. ↑
- () م.ن3: 90. ↑
- () التنبيه والإشراف: 206، مروج الذهب2: 174. ↑
- () مروج الذهب2: 162، 164، 165، 180، ـ 187، 225، 258، 276. ↑
- () م.ن. 3: 90 ـ 91، 231 و232، 245 ـ 250. ↑
- () التنبيه والإشراف: 167. ↑
- () م.ن. 183، مروج الذهب2: 202 ـ 218. ↑
- () مروج الذهب2: 254. ↑
- () م.ن2: 230. ↑
- () م.ن2: 223. ↑
- () م.ن4: 235. ↑
- () م.ن4: 236 ـ 239. ↑
- () م.ن4: 345 ـ 347. ↑
- () التنبيه والإشراف: 84. ↑
- () م.ن67. ↑
- () م.ن68. ↑
- () م.ن 346 ـ 347. ↑
- () مروج الذهب2: 227. ↑
- () م.ن4: 393. ↑
- () م.ن4: 183. ↑
- () م.ن4: 184 ـ185. ↑
- () م.ن1: 12. ↑
- () م.ن1: 13. ↑
- () م.ن1: 12 ـ 13. ↑
- () م.ن1: 13 ـ 18. ↑
- () م.ن1: 107، التنبيه والإشراف: 49. ↑
- () م.ن3: 262، 263. ↑
- () التنبيه والإشراف: 204، 208، 250. ↑
- () م.ن205. ↑
- () م.ن252. ↑
- () م.ن198، 257. ↑
- () م.ن1: 12،13، 17، 107. ↑
- () مروج الذهب1: 16. ↑
- () م.ن1: 17. ↑
- () م.ن1: 107، التنبيه والإشراف: 49. ↑
- () أنظر: م.ن2: 168. ↑
- () م.ن: 163. ↑
- () م.ن: 164 ـ 167. ↑
- () م.ن: 169. ↑
- () م.ن2: 180 ـ 183. ↑
- () م.ن: 183. ↑
- () م.ن2: 164، 187. ↑
- () مقدمة ابن خلدون، دار الفكر، ط2، 1408، ص: 7، 14، 16، 24، 25، 42، 43. ↑
- () م.ن: 7. ↑
- () م.ن: 14. ↑
- () م.ن: 16. ↑
- () م.ن: 24. ↑
- () م.ن: 25. ↑
- () م.ن: 42. ↑
- () م.ن: 43. ↑
- () المسعودي، التنبيه والإشراف: 2 و3. ↑
- () في طهران جماعة من الأخباريين المتسترين لا يظهرون (أخباريتهم)، وصدف أن كنت في مجلس ذكرت فيه أن أحد قدامى أجدادنا كان أخبارياً، وأني أود لو لقيت أحداً من الأخباريين ليشرح لنا حقائقهم فأنا سأكتب عنهم، ومن الإنصاف أن نسمع رأيهم فيما يقال فيهم. وبعد انفضاض المجلس وخروجنا إلى الشارع، تقدم مني أحد من كانوا في المجلس وقال إنه أخباري وإنه مهندس وإنه يمكن أن يجمعني بأخباريين غداً الجمعة في صلاة الجمعة التي يقيمونها هم في مصلّى خاص بهم.وذهب بي يوم الجمعة فعبرنا في أزقّة وتعاريج إلى أن وصلنا إلى المصلى القائم في مكان لا يلفت الأنظار ولا يوهم أحداً أنه مصلّى، وهو لا يعدو أن يكون غرفة واسعة تتّسع لعدد محدود من الناس. ولم أجد هناك من هو بزيّ الفقهاء، بل كان الإمام رجلاً بسيطاً بالملابس المألوفة لسائر الناس. فأمّ المصلّين، ولم يتسنّ لي لقاء أحد على انفراد لاستيضاحه بعض الشؤون.وكل ما عرفته أنهم متسترون (بأخباريتهم) وأنهم يقيمون هذه الصلاة سراً لئلا ينكشف أمرهم للناس. (ح). ↑
- () الشابي، علي، الشيعة في إيران، ص 157. ↑
- () مروة، التشيع بين جبل عامل وإيران، ص29. ↑
- () الدُجيلي، حسن، الفقهاء حكام على الملوك، ص47. ↑
- () الشيرازي، الملا صدرا، الأسفار الأربعة ج1 (طهران، 1964م) ص706. والجابري، ص279. ↑
- () بعد أن غزت الدولة العثمانية (مصر) عام (923هـ 1517م) ضمّت (الحجاز) إلى ممتلكاتها، كما أن (الأحساء) أيضاً أصبحت جزءاً من الدولة العثمانية حينما احتلت عام (963هـ 1555م) في عهد السلطان سليمان القانوني. يُنظر: الشيخ د. رأفت غنيمي، التوجه العثماني نحو الخليج العربي من خلال محمد علي، مجلة الوثيقة، العدد (16)، (الأردن، 1990م)، ص62. وكذلك تاريخ العالم العربي، ص181. ↑
- () الجابري، حسين، الفكر السلفي عند الشيعة الاثني عشرية، ص268. ↑
- () الجابري، ص268. ↑
- () المصدر السابق، ص280. ↑
- () نوّار ص76. ↑
- () المصدر السابق، 65. ↑
- () بحر العلوم، الدراسة وتاريخها في النجف، ص95. ↑
- () بحر العلوم، محمد، الأخبارية وأصولها، الورقة (10) (مخطوطة نسخة المؤلف). ↑
- () الأمين، حسن، دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، ج3، ص27. ↑
- () الفوائد المدنية، ص179. ↑
- () الخونساري، روضات الجنات، ج1، ص120. ↑
- () الخونساري، ج1، ص120. (17) أعيان الشيعة، ج9، ص137. ↑
- () الخونساري، ج1، ص110، وكذلك يُنظر: البحراني، يوسف، الكشكول، ج2 (بيروت، 1986)، ص386. ↑
- () بحر العلوم، الاجتهاد، ص157. ↑
- () يُراجع بهذا الصدد: الكركي، حسين، هداية الأبرار إلى طريق الأئمة الأطهار (النجف، 1977م) تحقيق رؤوف جمال الدين، ص75، ص187. بحر العلوم، الأخبارية أصولها وتطورها، ص14، د. حسن نصرالله تاريخ كرك نوح، ص117، وكذلك ينظر:Mallat,Chibli, the Renaissance of Islamic Law, PhD Thesis p.41 – 46. ↑
- () الوافي في شرح أصول الكافي (في مكتبتي نسخة محفوظة ترجع إلى عصر المؤلف)، وقد طُبع الكتاب عدة طبعات في إيران والعراق. ↑
- () طُبع في (20) مجلداً في طهران، وأُعيدت طباعته في بيروت عام 1974م. ↑
- () طُبع في (110) مجلدات في إيران، وأُعيد طبعه عام 1984م في بيروت. ↑
- () الصدر، المعالم الجديدة، ص83. ↑
- () كوثراني، الفقيه والسلطان، ص163. ↑
- () كوثراني، أيضاً، ص167. ↑
- (4) Kazemi A. The Estabishment of the Postion of Marja’iat al–Taqlted in theTwelve Shi’i Community, Iranian Studies, Vol XVIII, No. 1. Winter 1985,P41. ↑
- () الصدر، المعالم الجديدة، ص88. ↑
- () مقدمة محمد رضا المظفر على كتاب جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام للشيخ محمد حسن النجفي، ج1، (بيروت، 1972م)، ص9. ↑
- () الدّجيلي، حسن، الفقهاء حكام على الملوك، ص57. ↑
- () حاول نادر شاه تقليص نفوذ المؤسسة الدينية بإقامة مؤتمر في مدينة (النجف) بالعراق متواطئاً مع العثمانيين بحجة القضاء على الفوارق المذهبية بين (الشيعة) و(السّنّة). وقد حشد أكثر من ثمانين شخصية دينية وشيعية، في حين رصد العثمانيون مجموعة كبيرة من السّنّة. وانتهى المؤتمر بقرارات منها:1ـ قبول المذهب الجعفري من قبل السّنّة، وقبول المذهب السّنّي من قِبَل الجعفري (الشيعة).2ـ جعل المذهب الاثني عشري مذهباً خامساً، والاعتراف به رسمياً، وممارسة العبادات بشكل علني في (الحج)، وتأدية الصلاة.3ـ تعيين أمير للحاج الإيراني.
4ـ إطلاق سراح الأسرى من الجانبين الإيراني والعراقي. (الوردي، ج1 ص133). والملاحظ أن أغلب الأسماء الشيعية التي استقدمها نادر شاه لم تكن معروفة في الوسط الشيعي نفسه. وقد قاطع الفقهاء الدينيون في النجف، وفي إيران المؤتمر لعلمهم أنه ورقة سياسية لا يُكتب لها البقاء الطويل. وقد اغتيل نادر شاه عام (1160هـ 1747م)، أي بعد أربع سنوات مضت على إقامة المؤتمر. يُراجع بهذا الشأن:
السويدي عبدالله، الحُجج القطعية لاتفاق الفرق الإسلامية (القاهرة، 1906م)، وطبع ثانية (1948م) بعنوان (مؤتمر النجف) بتقديم مُحب الدين الخطيب. ويُنظر أيضاً، نوّار، عبد العزيز، الشعوب الإسلامية، (بيروت، 1973م)، ص312ـ 322. ↑
- () بحر العلوم، الدراسة، ص72. ↑
- () أعيان الشيعة، ج7، ص386. ↑
- () القزويني، مهدي، الاستعداد لتحصيل ملكة الاجتهاد، الورقة (51)ـ (مخطوظ). ↑
- () الخونساري، ج4، ص402. ↑
- () بحر العلوم، الأخبارية أصولها وتطورها، ص9. ↑
- () روضات الجنات، ج4، ص402. ↑
- () البحراني، لؤلؤة البحرين، ص118. ↑
- () البحراني، الحدائق الناضرة، ج1، ص167. وقد طُبع الكتاب ضمن (25) مجلداً. ↑
- () البحراني، ن.م، ص167. ↑
- () الصدر المعالم الجديدة، ص85. ↑
- () أعيان الشيعة، ج2، ص589. ↑
- () العبقات، الورقة (28) ـ مخطوط. ↑
- () الدجيلي، الفقهاء حكام على الملوك، ص69. ↑
- () العبقات، الورقة (39) ـ مخطوط. ↑
- () الجابري، الفكر السلفي، ص400، وكذلك: شبر، حسن، التحرك الإسلامي، ص48. ↑
- () الخوانساري، ج2، ص202. ↑
- () الوردي، لمحات إجتماعية، ج2، ص78. ↑
- () أثبت نص الرسالتين محمد حسين كاشف الغطاء في (العبقات العنبرية)، ص19 (مخطوط). ↑
- () حرز الدين، معارف الرجال، ج2، ص336. ↑
- () إعتقد بعض الباحثين أن الميرزا محمد الأخباري ترك إيران مُتجهاً إلى العراق بتأثير من الشيخ جعفر كاشف الغطاء (الفكر السلفي، ص400)، إلا أن الحقيقة تشير إلى أن الميرزا الأخباري لم يترك إيران إلا بعد بضع سنين من وفاة الشيخ جعفر كاشف الغطاء. العبقات العنبرية، الورقة (43) ـ (مخطوط). ↑
- () العبقات العنبرية، الورقة (99 ـ مخطوط). ↑
- () الخوانساري، ج2، ص129. والعبقات، الورقة (9) ـ (مخطوط). ↑
- () الجابري، الفكر السلفي، ص401. ↑
- () الجابري، ص401. ↑
- () أيضاً، ص425. ↑
- () الفضلي، د. عبد الهادي، في ذكرى أبي، الورقة (83) (نسخة مصورة بقلم المؤلف) ـ (مخطوط). ↑
- () الحسني، عبد الرزاق، العراق قديماً وحديثاُ، (صيدا 1956م)، ص79. ↑
- () الحسني، ص79. ↑
- () العبقات العنبرية، الورقة (37) ـ (مخطوط). ↑
- () الفضلي، الورقة (94) ـ (مخطوط). ↑
- () الفضلي، الورقة (93) ـ (مخطوط). ↑
- () العبقات، الورقة (67) ـ (مخطوط). ↑
- () نقل لي ذلك المرحوم السيد حميد القزويني عام (1395هـ 1975م). ↑
- () العبقات العنبرية، ج2، ص 73 (مخطوط). ↑
- () العبقات الورقة (67) ـ (مخطوط). ↑
- () حاولت بعض الجهات الدينية أن تنسب للفقيه مهدي القزويني انتماءه للكشفية نظراً لموقفه السلمي من الرشتي، وهذه التهمة بحدّ ذاتها تهدف إلى الحيلولة دون وصوله إلى الزعامة الدينية التي يتنافس عليها مجتهدون كبار، وقد ذكر محمد حرز الدين أن القزويني قبيل وفاته قال «أبرأتُ ذمة كل من ظلمني إلا من رماني بالكشفية». (معارف الرجال، ج3، ص113).وقد امتدت زعامة القزويني في الوسط العراقي العربي في بادىء أمرها، لكنها أصبحت شبه مطلقة بعد وفاة الأنصاري عام (1281هـ 1864م) حيث رجع إليه عموم الشيعة في إيران، والعراق، وطُبعت رسالته العملية الفقهية في تبريز عام (1297هـ 1879م). ↑
- () العبقات الورقة (65) ـ (مخطوط). ↑
- () المصدر السابق، ص67 ـ (مخطوط). ↑
- () العبقات، ص67 ـ (مخطوط). ↑
- () النص منقول في العبقات العنبرية، ج2، ص67 ـ 68. ↑
- () شبّر، جواد، أدب الطف، ج7، ص25. ↑
- () المصدر السابق، الورقة (90). ↑
- () شنّع الشيخ يوسف البحراني في (الدرر النجفية) على طريقة الشيخ محمد أمين الأسترآبادي في نقده للعلامة الحلي وقال: (إن المجتهدين (رضوان الله عليهم) لم يألوا جهداً في إقامة الدين وإحياء شريعة سيد المرسلين ولا سيما آية الله العلامة الذي قد أكثر ـ الأسترآبادي ـ من الطعن عليه والملامة. وقد صار ـ العلامة ـ من اليد العليا عليه ـ أي على الأسترآبادي ـ وعلى غيره من علماء الفرقة الناجية ما يستحق به الثناء الجميل، ومزيد التعظيم والتبجيل، لا الذّم كما اجترأ عليه به قلمه وعلى غيره من المجتهدين) ص255. ولكن لم يظهر من هذا النص ما يوحي بتنكّب البحراني من الأخبارية إلى الأصولية كما ذهب إلى ذلك الشيخ محمد جواد مغنية في كتابه (مع علماء النجف الأشرف)، في الاستدلال بدفاع البحراني عن المجتهدين والثناء عليهم، على عدوله من الأخبار إلى الأصول، وإنما الظاهر من سيرته، أنه كان يتميز بالاعتدال، وينأى عن الخصومات والتشنيع على المخالفين لرأيه، وقد سُئِلَ ذات مرة عن الصلاة خلف البهبهاني، القطب الأصولي الأكبر في مقابل الأخبارية، قال: تصحّ، فقيل له: كيف تصححها خلف من لا يصحح الصلاة خلفك؟ فقال: وأية غرابة في ذلك؟ إن واجبي الشرعي يحتّم عليّ أن أقول ما أعتقد، وواجبه الشرعي أن يقول ما يعتقده، وقد فعل كلٌّ منا بتكليفه وواجبه. أنظر: عبد العظيم المهتدي البحراني ـ علماء البحرين دروس وعِبَر، مصدر سابق ص326. ↑
- () الأسترآبادي: محمد أمين (ت1033هـ)، الفوائد المدنية.ط/حجر، طهران، 1321هـ/181. ↑
- () المقصود بالأئمة الثلاثة هم أصحاب الكتب الأربعة، الكليني محمد بن يعقوب (328 ـ 329هـ) صاحب كتاب الكافي، ومحمد بن علي بن الحسين بن بابويه (ت 381هـ) صاحب كتاب (من لا يحضره الفقيه) والشيخ الطوسي محمد بن الحسن (ت460هـ) صاحب كتابي (التهذيب والاستبصار). ↑
- () العاملي: حسين بن شهاب الدين (ت1076هـ): هداية الأبرار إلى طريق الأئمة الأطهار، ط/1، مطبعة النعمان، النجف الأشرف 1396هـ/82. ↑
- () الكاشاني: ملا محسن الفيض (ت1091هـ): الوافي، طبع حجر/ إيران/1328هـ 1/11. ↑
- () الحر العاملي: محمد بن الحسن (ت1104هـ)، وسائل الشيعة، ط/4، دار إحياء التراث العربي، بيروت 1391هـ، 20/96 ـ 104، الخاتمة. ↑
- () البحراني: يوسف بن أحمد(ت1186هـ):الحدائق الناضرة، تحقيق محمد تقي الأيرواني، مطبعة النجف1376هـ،1/15-24. ↑
- () لم يذهب الأخباريون إلى صحة جميع ما ورد في الكتب الأربعة فحسب، بل ذهبوا إلى صحة ما ورد في كتب حديثية أخرى كفقه الرضا، حيث نقل لنا المجلسي محمد باقر (ت1111هـ) أنه أخبره به السيد الفاضل المحدث القاضي أمير حسين بعدما ورد أصفهان، قال: قد اتفقت في بعض سني مجاورتي بيت الله الحرام أنه أتاني جماعة من أهل قم حاجّين، وكان معهم كتاب يوافق تاريخه عصر الرضا (ع)، وإن السيد يقول: كان عليه خط الرضا (ع) وإجازات جماعة كثيرة من الفضلاء، ونقل المجلسي أيضاً:إن السيد قال: (حصل لي العلم بتلك القرائن أنه تأليف الإمام(ع).وقد أخذ المجلسي هذا الكتاب وصححه واعتمد عليه.راجع: المجلسي، محمد باقر (ت1111هـ): بحار الأنوار، ط/حجر/ إيران 1306هـ، 1/11 كما أشار البحراني في تتمة المقدمة الثانية من الحدائق إلى أنه لم يقصر العمل بالأخبار على ما في كتب الأربعة المشهورة، فقد نقل عن المحدث السيد نعمة الله الجزائري (ت1212هـ) أن الأصول الأربعة لم تستوفِ الأحكام كلها بل وجدنا كثيراً من الأحكام في غيرها مثل: عيون أخبار الرضا، والأمالي، وكتاب الاحتجاج، كما امتدح المحدث البحراني الشيخ المجلسي على ما جمع في بحاره من أخبار جمّة من الأصول المندرسة.
البحراني: الحدائق الناضرة، 1/25. ↑
- () الأسترآبادي: الفوائد المدنية/181. ↑
- () الحر العاملي وغيره. ↑
- () الحر العاملي وغيره. ↑
- () م.ن/ 48 ـ 74 ـ 75. ↑
- () الطوسي محمد بن الحسن (ت460)، عدة الأصول، مطبعة وت برساد، بمبي، 1318هـ 1/47. ↑
- () الأسترآبادي: الفوائد المدنية/ 183. الكاشاني: ملا محسن (الفيض): الوافي 1/11.وأنا بصدد ذكر هذا الدليل رأيته من المناسب أن أتعرض إلى عصر تأليف هذه الأصول حيث تكاد الآراء تختلف، فبينما نجد بعضهم لا يتعرض إلى عصر التأليف إطلاقاً كما في عبارة الشهيد الثاني (ت965 ـ 966هـ) في شرح الدراية حيث قال: (استقر أمر المتقدمين على أربعمائة مصنّف لأربعمائة مصنف سموها أصولاً فكان عليها اعتمادهم).الطهراني: أغابزرك: الذريعة إلى تصانيف الشيعة، مطبعة الغري، النجف الأشرف، 1355هـ 2/ 130. في حين هناك نصوص تصرح بزمن التأليف ويمكن حصرها في قولين:الأول: أن زمن التأليف هو عصر الصادق(ع) قال المقق الحلي (ت676هـ): (كتب من أجوبة مسائل جعفر بن محمد أربعمائة مصنف لأربعمائة مصنف سموها أصولاً).
الحلي: أبو القاسم جعفر (المحقق) المعتبر، ط/حجر، إيران، 1317،/5.
الثاني: عصر الأئمة من الإمام علي إلى زمان العسكري، وهذا ما ذهب إليه السيد العاملي راجع: العاملي: محسن الأمين: أعيان الشيعة، ط/3، مطبعة الإنصاف، بيروت، 1370هـ، 1/50.
الطهراني: الذريعة 2/130. ↑
- () لكليني: محمد بن يعقوب: الكافي ـ كتاب فصل العلم ـ باب رواية الكتب والحديث وفضل الكتابة، مطبعة جانخانة، حيدري، طهران، 1379هـ1/10. ↑
- () العاملي: حسين بن شهاب الدين: هداية الأبرار/85. ↑
- () العاملي: حسين بن شهاب الدين: هداية الأبرار/85.الحر العاملي: وسائل الشيعة 20/99. ↑
- () الكليني: الكافي 1/5. العاملي: هداية الأبرار/56. ↑
- () الحر العاملي: وسائل الشيعة 20/64. ↑
- () الصدوق: من لا يحضره الفقيه 1/302. ↑
- () الأسترآبادي: الفوائد المدنية/183 حيث اعتمده وجهاً. ↑
- () الحر العاملي: وسائل الشيعة 20/62، 64، 65 فقد أورد كلام الشيخ الطوسي في العدة والاستبصار وعلّق عليه بما يؤيّد مذهبه. ↑
- () العاملي: هداية الأبرار/101. ↑
- () التقية: الإظهار باللسان خلاف ما ينطوي عليه القلب للخوف على النفس، إذا كان ما يبطنه هو الحق فإذا كان يبطنه باطلاً كان ذلك نفاقاً، وهي مأخوذة من الوقاية لتدفع عن نفسك الأخطار وتقيها من المخاوف.راجع الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، تحقيق أحمد حبيب القصير، المطبعة العلمية، النجف الأشرف 1957، 1/357.الطبرسي، أبو علي (ت588هـ): مجمع البيان في تفسير القرآن، 1/43، وقد استفاضت الأخبار عند الشيعة الإمامية على جواز استعمال التقية في أقوالهم وأفعالهم، فكانوا لا يبيحون بالحكم الواقعي إلا عند الأمن على أنفسهم (منها): صحيح معمر بن خلاد: عن الإمام الباقر(ع) قال: (التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له).راجع: الحر العاملي، وسائل الشيعة، ب23 الأمر بالمعروف، فتدل بإطلاقها على استعمال أهل البيت للتقية قولاً وفعلاً.
ومنها: صحيح زرارة عن أحد الصادقين(ع) قال: (ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً، شرب المسكر ومسح الخفين، ومتعة الحج). راجع الحر العاملي، وسائل الشيعة، ب38، الوضوء، ح1.
وأهل البيت لا يستعملوا التقية إلا بعد أن دعت الحاجة إليها، وقد رخص فيها الشرع الإسلامي، قال تعالى: «تُوْلِجُ اللّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي الليْلِ وتُخْرُجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ*، لَا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَدِّرِكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإلى اللهِ المَصِيرُ» (سورة آل عمران آية 27/28).
بل رخص في إظهار كلمة الكفر عند الاضطرار كما فعله عمار بن ياسر حين اضطرته قريش إلى النيل من النبي(ص) فنزل قوله تعالى: «وَعَلامَاتِ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ». (سورة النحل آية 16).
وقال النبي(ص): «يا عمار إن عادوا فعُدْ». راجع: الحر العاملي: وسائل الشيعة، ب29، الأمر بالمعروف، الواحدي، علي بن أحمد النيسابوري، أسباب النزول/212.
بالإضافة لما دلّ من الكتاب والسنة على نفي الجرح في الشرع، وإباحة ما اضطر إليه المكلف، فإنه دال على مشروعية التقية لأنها عبارة عن وقاية النفس أو المال أو العرض من الأذى، وقد ذكر الخطيب البغدادي أن أبا حنيفة كان يقول بخلق القرآن فاعترضه ابن أبي ليلى واستتابه، فتاب وعدل إلى القول بأن القرآن من كلام الله تعالى، فقال له ابنه حماد: كيف صرت إلى هذا وتابعته، قال: «يا بنيّ خفت أن يقدم عليّ، فأعطيته التقية».
راجع: البغداد، أحمد بن علي: تاريخ بغداد، نشر دار الكتاب العربي، بيروت، لم تذكر سنة الطبع 13/379. ↑
- () المحدث البحراني: الحدائق 1/1308. ↑
- () الكشي: محمد بن عمر بن عبد العزيز: رجال الكشي أو معرفة أخبار الرجال، المطبعة المصطفوية، بمبي، لم تذكر سنة الطبع، 4/197 ترجمة محمد بن مقلاص. ↑
- () م.ن: 4/191 وأبو الخطاب هو محمد بن مقلاص أبي زينب الأسدي، الكوفي، الأجدع الزراد، البزار، البراد، وهو من أصحاب الإمام الصادق(ع) غير أنه تغيرت حاله فطرده ولعنه.راجع: المامقاني، عبدالله، تنقيح المقال، المطبعة المرتضوية، النجف الأشرف، 1352هـ، 3/189 رقم الترجمة (11393). ↑
- () الكشي: معرفة أخبار الرجال، 4/197. ↑
- () البهبهاني: محمد باقر (ت1206 ـ 1208هـ): الفوائد الحائرية المطبوع ضمن رجال الخاقاني/210. ↑
- () م.ن/210. ↑
- () م.ن/210 ـ 211. ↑
- () الحر العاملي: وسائل الشيعة، 20/64. ↑
- () الحرّ العاملي: وسائل الشيعة 2/98. ↑
- () البهبهاني: الفوائد الحائرية/217. ↑
- () م.ن/217 ـ 218. ↑
- () الكليني: الكافي: الكتاب3، باب إبطال الرؤية، ح1212/29.م.ن: الكتاب3، باب الإشارة والنص على الحسن العسكري(ع) ح13 ـ 14، 1/70. ↑
- () كاشف الغطاء. جعفر: كشف الغطاء، مطبعة محمد باقر، إيران، 1371هـ. المبحث الثامن والأربعون، بلا ترقيم. ↑
- () الخوئي، أبو القاسم: معجم رجال الحديث، المدخل، 1/103ـ 104. ↑
- () الفياض، عبدالله: الإجازات العلمية عند المسلمين، مطبعة أسعد، بغداد، 1392هـ/12. ↑
- () راجع هذه التعاريف: الشهيد الثاني، زين الدين بن علي بن أحمد: الدراية في علم مصطلح الحديث، مطبعة النعمان، النجف الأشرف، لم تذكر سنة الطبع/19 ـ 24.العاملي، حسين بن شهاب الدين: هداية الأبرار/109.الأزري، مهدي: الفقه الجعفري والقانون المدني العراقي، مقال في مجلة الغري، لشيخ العراقين آل كاشف الغطاء، العدد 57/10000. ↑
- () حسن، الشيخ بن زين الدين: منتقى الجمان في أحاديث الصحاح والحسان، ط/حجر، إيران 1379هـ، 1/3/13. ↑
- () م.ن: 1/1303. ↑
- () الكاشاني: الوافي 1/11. ↑
- () البحراني: الحدائق الناضرة 1/14 ـ 15، المقدمة الثانية. ↑
- () وهو أبو الفضائل جمال الدين بن أحمد بن موسى بن جعفر، العالم الفقيه، المحدث، صاحب التصانيف الكثيرة (ت673هـ)، القمي، عباس: الكنى والألقاب، 1/334 ـ 335. ↑
- () وهو جمال الدين أبو منصور، الحسن بن سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر الحلي (ت726هـ).القمي، عباس: الكنى والألقاب، 2/442 ـ 444. ↑
- () حسن بن زين الدين: منتقى الجمان، 1/13. ↑
- () العاملي: هداية الأبرار/96. ↑
- () الكاشاني: الوافي، 1/811. ↑
- () الحر العاملي: وسائل الشيعة، 20/102 الخاتمة. ↑
- () البحراني: الحدائق الناضرة، 1/102. ↑
- () الحر العاملي: وسائل الشيعة، 20/96 الفائدة التاسعة. ↑
- () البحراني: الحدائق الناضرو، 1/15 ـ 16. ↑
- () م.ن: 1/16. ↑
- () م.ن: 1/17 ـ 20 راجع بقية الوجوه في صفحة 22/24. ↑
- () الحر العاملي: وسائل الشيعة، ب11،ح15، صفات القاضي 18/103. ↑
- () م.ن: ب11، ح33، صفات القاضي 18/107. ↑
- () م.ن: ب11، ح33، صفات القاضي 18/108. ↑
- () م.ن: ب11، ح33، صفات القاضي 18/104. ↑
- () المغيرة بن سعيد، مولى بجيلة، ضعّفه رجال الحديث، وترددت أخبار عديدة أنه كان يكذب على الإمام الباقر(ع)، فقال فيه الإمام الصادق(ع) هذا الحديث وغيره مما نقله الرجاليون. أنظر: المامقاني، عبدالله: تنقيح المقال، 3/236، رقم الترجمة (12059). ↑
- () الكاشاني: الوافي، 1/11. ↑
- () الصدوق، محمد بن علي: من لا يحضره الفقيه، 2/55. ↑
- () الطوسي: عدة الأصول، 1/53. ↑
- () عمدة الطالب. ↑
- () عمدة الطالب. ↑
- () هناك رأي آخر يقول: تدل طبيعة الرسائل ومحتوياتها على أن زمن تصنيفها هو القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي وأنها كتبت في سلمية (سورية) ونشرت في البصرة لإبعاد الشبهة عن مقرّ الإمام الإسماعيلي المستور الذي أشرف على تصنيف هذه الرسائل، وقد أيدت هذا الرأي دراسات عباس همداني، المختص في دراسة إخوان الصفا ورسائلهم. ↑
- () الدكتور الدوري ـ تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري ص78. ↑
- () المرجع السابق نفسه. ص78. ↑
- () حول لغة الرسائل يقول طه حسين في مقدمة الطبعة المصرية للرسائل: «إن لرسائل إخوان الصفاء قيمتها الفنية الخالصة فهي من حيث أنها تتجه إلى جمهرة الناس للتعليم والتثقيف قد عدل فيها عن العسر الفلسفي إلى اليسر الأدبي إلى أن يقول: أنها قاربت المثال الأعلى في تذليل اللغة العربية وتيسيرها لقبول ألوان العلم على اختلافها، وجملة القول أن هذه الرسائل كنز لم يُقدّر بعد لأنه لم يُعرَف بعد». ↑
- () المقابسات ص45 وقد نقل القفطي ما جاء فيها حرفياً واستند إليه في أكثر ما كتب. ↑
- () راجع كتاب، إخوان الصفا لعمر الدسوقي وما نقله المؤلف عن كازنوفا في ص94 وغيرها. ↑
- () راجع كتاب تاريخ الفلسفة في الإسلام 105 و108 وغيرها والكتاب مترجم بقلم أبي ريدة. ↑
- () ذهب الدكتور طه حسين إلى أن أبا العلاء المعري انضم إليهم لما زار بغداد. ↑
- () انظر مادة إخوان الصفا ج1 ص96 الطبعة الثالثة بيروت دار التعارف. ↑
- () راجع بحث آق قويونلو. ↑
- () فهرست المخطوطات الفارسية في دار الكتب ج2 ص177 مطبعة دار الكتب، القاهرة سنة 1967م. ↑
- () نفس المصدر ج2 ص177. ↑
- () الشيخ أقا بزرك الطهراني: الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج22 ص136 بيروت دار الأضواء. ↑
- () نفس المصدر ج1 ص78. ↑
- () القاضي نور الله الشوشتري: مجالس المؤمنين ج1 ص14 هـ. 517 طهران المكتبة الإسلامية سنة 1375 هجرية. ↑
- () محمد آصف فكرت: فهرست كتب خطى آستانة قدس رضوي ص549 مشهد من منشورات آستانة قدس رضوي سنة 1369ش. ↑
- () شمس الدين محمد السخاوي: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع ج7ص133 مكتبة القدسي القاهرة سنة 1354 هجرية. ↑
- () رضا قلى خان هدايت: مجمع الفصحاء ج4 ص17 منشورات أمير كبير، طهران سنة 1339 ش الطبعة الأولى. ↑
- () أعيان الشيعة ج9 ص122 بيروت سنة 1403هـ، 1983م دار التعارف. ↑
- () الشيخ آقا بزرك الطهراني: الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج1 ص231 بيروت دار الأضواء. ↑
- () الشيخ آقا بزرك الطهراني: إحياء الداثر من القرن العاشر ص220 ـ 222 طهران من منشورات جامعة طهران. ↑
- () الشيخ آقا بزرك الطهراني: الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج14 ص177 بيروت دار الأضواء. ↑
- () نفس المصدر ج6 ص134. ↑
- () مستدركات أعيان الشيعة ج3 ص43 بيروت دار التعارف الطبعة الأولى. ↑
- () نفس المصدر ج2 ص299 انظر دائرة المعارف الإسلامية الشيعية ج5 ص198 مادة غنائم العارفين طبعة بيروت دار التعارف عام 1410هـ، 1990م الطبعة الآولى. ↑
- () الدكتور حسين علي المحفوظ: موجز تاريخ الشيعة ص70 بغداد سنة 1958م. ↑
- () مستدركات أعيان الشيعة ج2 ص303 بيروت دار التعارف سنة 1409هـ ـ 1989م. ↑
- () نفس المصدر ج3، ص262. ↑
- () نفس المصدر ج3، ص185. ↑
- () هذا البحث مكتوب في الأصل بالفارسية وترجمة إلى العربية عبد الحسين سلمان. ↑
- () هذه هي المدارس الفكرية والمعرفية المعروفة ولم يشر في هذا التقسيم إلى العلوم التجريبية (التي كانت موجودة في المجتمعات البشرية منذ القدم في دائرة محدودة) وقسم من هذه العلوم يدخل في مقولة «الصناعة» لا العلم وإن اصطلح عليه عنوان العلم. وقد تطور هذا القسم للعلوم في العقود الأخيرة بشكل كبير جدا. وتجدر الإشارة إلى أن المقدار الذي ثبتت صحته من هذه العلوم خصوصاً بعض الفروع يمتاز بأهمية على المستوى المعرفي والنظري باعتباره يساعدنا في فهم وإدراك ما أشارت إليه التعاليم السماوية من أن الأشياء الموجودة في هذا الكون هي آيات لا بد من التأمل فيها ومعرفة أسرارها وما تنطوي عليه من عجائب ورموز وضرورة اقتفاء آثارها. ما نستفيده من العلوم التجريبية في الجانب المعرفي ينصب أساساً في هذا المجال أي في معرفة «الآيات الآفاقية» وأما بالنسبة إلى «الآيات الأنفسية» ومعرفة أسرارها وأبعادها وآثارها فإن هذه العلوم لا تفيدنا بالشيء الكثير. فعلم النفس بكافة فروعه ومجالاته كعلم النفس التحليلي وعلم النفس الطبي حتى الآن لم يقم بشيء يذكر في مجال معرفة الروح الإنسانية وأبعادها. ↑
- () سورة العلق، الآية 5. ↑
- () مصطلح الحقائق المتعالية في مقابل الحقائق غير المتعالية التي تبحثها «العلوم التجريبية» وتهتم هذه العلوم بالدرجة الأولى بدراسة العالم المادي والجوانب المادية لهذا العالم، وإخضاعها للتجربة. وفي مجال معرفة الروح وما يتعلق بها من مسائل توجد هناك ثمة طرق تجريبية خاصة. إلا أن أصحاب هذه العلوم ليسوا بصدد فهم ووعي تلك الحقائق ولن يتمكنوا من نيلها. علم الروح الحديث أيضاً بحسب فهمنا للأمور لم يحط بعد بالموضوع من جميع جهاته. فمن الواضح أنه لا بد من أن تكون هناك سنخية بين التجربة والشيء الذي يراد تجربته، وبناءً على ذلك فالإفادة من أدوات خاصة بمعرفة المادة للتعرف على الروح وخصائصها دليل على جهل المجرب. مع العلم أن البعض من علماء الروح الجدد وضعوا أرجلهم في بداية الطريق. ↑
- () بحثت هذه النقطة في كتابي «علم المسلمين» تحت عنوان «النظم الفلسفية في الإسلام» وعرضت الحديث عن الفلسفة الإشراقية والفلسفة المشائية الإسلامية والحكمة المتعالية الصدرائية وأوردت أهم المسائل التي تبحثها كل واحدة من هذه الفلسفات. ↑
- () مدينة الأعلون: مصطلح أبدعه الكاتب قد يريد به الإشارة إلى مجتمع المدين؟ الذي خاطبه القرآن الكريم «ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون». الآية 139 ـ آل عمران. ↑
- () قولي الفلسفة والعرفان… طريقان يختلفان عن طريق القرآن «إشارة إلى الاختلاف الموجود في العناصر والأجزاء لا الاختلاف في المقاصد والأهداف وهذا أمر واضح لأنه كما أشرنا في محله هناك جملة من العناصر الأساسية التي تدخل ضمن مكونات هذه المدارس هي في الواقع مأخوذة من الفلاسفة القدماء. أي أنها تعود بالأصل إلى قرون متمادية سبقت نزول القرآن فما ضرورة أن نرجع المباني والأسس القرآنية إلى تلك المباني؟! ↑
- () ذهب الشيخ محمد رضا المظفر النجفي إلى أن الفارابي وابن سينا والخواجه نصير الدين الطوسي وصدر المتألهين الشيرازي هم أعمدة الفلسفة الإسلامية. «مقدمة الأسفار ج1.ص ب». ↑
- () في تأسيس مدرسة أو اتجاه فلسفي إذا لم ينشئ [أو لم يتمكن] المؤسس من أن يؤسس مدرسة مستقلة وغنية بنفسها فإنه سيضطر إلى أن يقتبس الآراء من هنا وهناك وسيضطر أيضاً إلى تأويل الآيات بل وحتى الآراء الفلسفية والعرفانية للآخرين وهذا ما نلمسه في بعض المؤلفات الفلسفية. وهذه التأويلات تفتقر إلى الجانب العلمي والموضوعي معاً، لأن البحث العلمي يقضي بحمل كلام المفكر على ما هو عليه من دون تأويل أو أي محاولة إسقاطية من جهة خارجية. ↑
- () كمال الدين ملا عبد الرزاق الكاشاني [أو الكاشي] (ب736هـ) عارف مشهور وتلميذ نور الدين الأصفهاني وهو تلميذ شهاب الدين عمر السهروردي [من عرفاء أهل السنة المشهورين]. يعد الملا عبد الرزاق الكاشاني من المدافعين عن نظرية «وحدة الوجود». التي يذهب إليها ابن عربي وكلاهما من كبار عرفاء اهل السّنّة. ↑
- () التأويل في الواقع هو نوع من التحريف، أو هو التحريف المعنوي للكلام. ↑
- () شرح مبسوط منظومه. ج1: ص220 «بالفارسية». ↑
- () الأسفار. ج8: ص241. ↑
- () الأسفار. ج6: ص182 ـ 184. ↑
- () دققوا في عبارة «في ضوء المعتقدات التي يؤمن بها هو» فمن الملاحظ أن هذه العبارة صدرت عن عالمٍ متمرسٍ في هذه الفنون ومن المروجين لها وبالتالي دقيق باختياره للعبارة. ↑
- () «شرح مبسوط منظومه» ج1: ص221 «بالفارسية». ↑
- () شرح مبسوط منظومه. ج1: ص63. ↑
- () سورة النساء، الآية 46. ↑
- () غرر الحكم. ص71. ↑
- () دققوا في الأحاديث الواردة في النهي عن التأويل وتأملوا الشدة والغلظة الموجودة في لحن هذا الإخبار. ↑
- () أشرنا في محله إلى أن هناك ثمة موارد يتجه فيها التأويل ويكون ضرورياً، لكن هذه الموارد محدودة ونادرة جداً. ولا يخفى على المطلعين ورواد المعرفة أننا لسنا بصدد تلك الموارد النادرة والمحدودة التي يصحّ فيها التأويل.الزمر، الآية 17 ـ 18. ↑
- () تاريخ الفلسفة الغربية، ج2، ص222. ↑
- () وهو ما جرى في الآونة الأخيرة طرحه من قبل بعض الكتاب والفضلاء والأساتذة في الأوساط العلمية وفصول الدراسة الجامعية ودروس الحوزات العلمية، واستخدمه المؤرخون ومن جملتهم ما ورد في «مستدركات أعيان الشيعة»، ج3: ص185، في سيرة الشيخ مجتبى القزويني الخراساني. ↑
- () طبعاً مع عدم إهمال هذا الموضوع الحساس والمهم والعميق الذي أشرنا إليه وهو أن المعطيات في إدراك مراحل ومقامات وغايات الوصول (إلى البلوغ الكمالي، والقرب الإلهي) بين هاتين الحالتين مختلفة بالنسبة للسالك الذي يسير في ضوء المعتقدات والمعارف القرآنية الخالصة، والسالك الذي يسير في ضوء المعتقدات والمعارف الهجينة… (وهكذا بالنسبة للأعمال والطرق السلوكية). وهذه الحقيقة يجب أن لا تكون خافية على المتعمقين في هذه المعاني والمباني. ↑
- () إلى الحد الذي جعل البعض يزعم أن الفلاسفة استقوا مبادىء معارفهم من الأنبياء. ↑
- () تفسير الميزان ج5، ص282 ـ283، طبعة بيروت، (1390هـ). ↑
- () «نهج البلاغة، ص424، «شرح محمد عبده» ج2، ص29. ↑
- () «نهج البلاغة» ص567، «شرح محمد عبده» ج2، ص112. ↑
- () ذكر اسم هذا القصر (بلكوارا) تارة، وبكلوار (مجرداً من الأف) تارة أخرى. ↑
- () من طرائف وسخائف الدكتور حسين مؤنس قوله أن الأدارسة ليسوا شيعة، ودليله على ذلك هذا الدليل الطريف السخيف قال:من الأخطاء الشائعة القول بأن دولة الأدارسة دولة شيعية لأن مؤسيسيها وأئمتها كانوا من أهل البيت، وقد غاب عن القائلين بذلك أن آل البيت لا يمكن أن يكونوا شيعة، لأن الشيعة هم الذين يتشيعون لهم!! فهل هناك أطرف وأسخف من هذا الدليل؟! ↑
- () سماه ابن الأثير فيما يأتي خالد البريدي ولا شك أنه صحف أحدهما بالآخر. ↑
- () أعيان الشيعة. ↑
- () هي قاعدة جبل زرهون وكانت مدينة متوسطة حصينة كثيرة المياه والغروس والزيتون وكان لها سور عظيم من بنيان الأوائل يقال أنها المسماة اليوم بقصر فرعون. ويأتي كلام مفصل عنها. ↑
- () تاريخ دول المغرب لإسماعيل سرهنك. ↑
- () هذا الفصل بقلم أحمد بن سودة. ونقول عن امتداد الدولة الإدريسية في أقصى اتّساعها عند وفاة إدريس الثاني، هي دولة واسعة الأرجاء تشمل المغرب الأقصى كله من ساحل البحر المتوسط إلى بلاد السوس الأقصى بل تمتد إلى جنوبها فتسود بلاد قبيلة لمطة جنوبي وادي درعة، وحدها في الشرق نهر المولوية بل لها بعض السلطان على ناحية تلمسان ثم أنها كانت تسيطر بالفعل على كل أهل القبائل المصمودية ومن سكن معهم في أرضهم من صنهاجيين، وتبسط سلطانها على قبائل زناتية ضخمة مثل مكناسة ومواطنها حوض المولوية وامتداده إلى واحات تافللت. ↑
- () زرهون جبل بالقرب من مدينة مكناس يبلغ ارتفاعه 1119 متراً، وتحف به غابة من أشجار الزيتون والتفاح والليمون ويمتاز بمناظره الطبيعية الخلابة ومياهه المتدفقة العذبة. وفي وسطه مقام إدريس الأكبر. وبالقرب من هذا المكان توجد آثار المدينة الرومانية الشهيرة وليلي. ↑
- () وليلي: مدينة أثرية يرجع تاريخها إلى العصر الروماني تقع بجبل زرهون على بعد 3كلم من زاوية المولى إدريس الأكبر.وهي مدينة مستطيلة الشكل تتدرج بناءاتها في سفح الجبل وتعد أعظم أثر روماني قائم بهذه البلاد ولا زال المنقبون يشتغلون في حفرياتها منذ عدة سنوات. ورمموا ما وجدوا بها من أطلال كقوس النصر وباب كاراكالا والأزقة والدور ومعاصر الزيتون والكنيسة إلخ.ومن بين القطع التي وقع اكتشافها مصنوعات فنية من الطين والخزف ورؤوس بعض التماثيل وكلب من البرونز ونقوش وفسيفساء وأروقة وقنوات المياه وأحواض رخامية وقطع نقدية إلى غير ذلك. وتوجد بعض هذه القطع في جناح خاص بها وبالمتحف الأثري بالرباط. وكان المغاربة يسمون هذه المدينة بقصر فرعون. أما اسمها الروماني فهو فوليبيليس. وقد دمرها زلزال أشبونة الشهير سنة 1775. وتبلغ مساحتها نحو 40 هكتار وكانت لها ثمانية أبواب و40 برجاً. وخلال العصر الروماني كانت مركزاً للحكام الرومانيين ثم أخذت في الاضمحلال حتى دخلها المولى إدريس.تقع على بعد 30كلم شمال مكناس. ↑
- () اصطخري: المسالك والمملك. ص37. ↑
- () زياني: ترجمان معرب. ص261. ↑
- () أنظر أيضاَ: السنوسي: الدرر السنية، ص81، والحلبي، الدرر النفيس ورقة 75. خزانة عامة الرباط. وابن الخطيب أعمال الأعلام 3، 197. ↑
- () انظر بهذا الشأن: ابن الخطيب، أعمال الأعلام 3، ص14 و196. ↑
- () محمد التنسي. نظم الدرر، ص83، راجع أيضاً ابن الأبار، الحلة السيراء 1، 111. ↑
- () روض القرطاس، 1، 29، 30. ↑
- () يذكر الزياني في الترجمان المعرب أن كنزة هي بنت عبد الحميد أو إسحاق بن عبد الحميد الأوروبي رئيس قبيلة أوروبة، وقد تزوج بها إدريس الأول. وكانت شديدة الحنو على ابنها إدريس الثاني حيث كانت تتولى إطعامه وطبيخه خوفاً من تسميمه. (الهمذاني، البلدان. ص40). ↑
- () في هذه الحملة قبض جوهر على عامل الفاطميين السابق بسجلماسة الذي استقل بحكمها وتلقب بالشاكر لله، كما قبض على عامل فاس من قبل عبد الرحمن الناصر الأموي وجعل كلا منهما في قفص فطيف بهما في المنصورية (صبرة) (انظر المؤنس، ص64، وأعمال الأعلام. 3، 220 وأنس 1، 133). ↑
- () راجع بشأن دولتهم، ابن الخطيب أعمال 3، 171، 179، البكري، مسالك، 90، 99 ابن عذاري، بيان 1، 246 ـ 252. ↑
- () أي من أصحاب ميسرة. ↑
- () كانت زناتة كل شيء في المغرب الأوسط حتى ليعرف بوطن زناتة ومنها كان أيضاً مغراوة وجراوة قوم الكاهنة. ↑
- () لا تنسى أن والدة عبد الوهاب بن رستم الذي كان يقوم بمواجهة الزناتيين هي من زناتة من بطن بني يفرن كما أن زوجته كذلك لواتية. ↑
- () ابتدأ ظهور الأغالبة أواسط جمادى الثانية (يونيه 800) عندما كتب العهد لإبراهيم بن الأغلب من قبل الرشيد بعد استشارة أصحابه. ↑
- () هذا لا يمنع أن الأدارسة قضوا على عقيدة الخوارج فيما تحت أيديهم من بلاد. ↑
- () أحد كبار القادة العسكريين الذين عهد إليهم الخليفة موسى الهادي بإخماد مقاومة الطالبيين. ↑
- () ورد في المصادر القديمة أن هذه الشخصية وردت من (فوساطوم)، فذهب البعض إلى أن القصد مدينة فاس، وهو صحيح، ولكن هذا لا يعني أن منطلق البعثة كان من فاس، ولكنه من القيروان، وإنما حشر اسم فاس لأنها كانت من الشهرة بحيث أن اسمها يعبر به عن المنطقة كلها على نحو ما نقل عن أبي عبدالله البنا الذي ألف كتابه عام 375هـ حيث حشر اسم فاس ـ لشهرتها ـ مع المدن التي تحد تاهرت. وما نزال نسمع إلى اليوم تعبير الأتراك عن بلاد المغرب كلها باسم فاس… هذا وقد ذكر أن في جملة الأخبار التي حملتها السفارة البغدادية إلى الأمبراطور عودة إسحاق ترجمان سفارته السابقة ومعه فيل ضخم عرف باسم أبي العباس! وقد تبعت هذه السفارة سفارة أخرى عام 191هـ (807م) وهي التي قدم فيها هارون الرشيد للأمبراطور ساعة مائية رفيعة. ↑
- () ورد يوليان على المغرب ليرفع شكاة بقصة ابنته فلوريندا التي اعتدى عليها ملك الأندلس وقتئذِ لذريق. ↑
- () الغزال بفتح الزاي والغين المشددة. ↑
- () عرف بلاط الأمويين بالأندلس سفارات عديدة كان من أهمها سفارة صاحب القسطنطينية التي وردت في صفر 949هـ. ↑
- () يقول صاحب الاستقصا عن إدريس الأول: لما استوثق له الأمر زحف إلى البربر وأكثرهم على غير دين الإسلام فأسلموا على يده. ↑
- () الشبيبي في ابن الفوطي. ↑
- () ما يعرف اليوم بدولة المغرب. ↑
- () الجزائر. ↑
- () تونس. ↑
- () الطبري. ↑
- () الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى. ↑
- () الشبيبي في ابن الفوطي. ↑
- () الجمهرة، وقد أخطأ ابن حزم في تحديد ذلك التاريخ (راجع بعض التفاصيل في بني حمود في أواخر هذا البحث). ↑
- () Sicilia (Fienzwe, 1868) III. 172 Michelle Amari. Storia di Musulmni. ↑
- ()) Marcais, G: La Berberic Musulmane. P.141. ↑
- () النفوسي: صفحة 4. ↑
- () أبو زكريا: ورقة 13. ↑
- () أنظر: Gautier: Op. Cit. P. 292, Biquet: Op.Cit. P47. ↑
- () انظر المقدمة. ↑
- () البكري صفحة 149، Mercier: Histoire de l’Afrique, Septentrionale. ↑
- () ابن عذارى: ج1، صفحة 73، Bel: Op. Cit. P. 95 ↑
- () البكري: ص148، الاستبصار ص200، القلقشندي: ج5 ص163. ↑
- () الاصطخرى:المسالك والممالك ص34،دائرة المعارف الاسلاميةص298/ G.Marcais, La Berberie Musulmane P.143 ↑
- () ابن خلدون: ج6، ص129، Gautier: Op. Cit. P. 292 Bel: Op. Cit. P. 167. ↑
- () انظر: ابن الخطيب: أعمال الأعلام ج3 ص137، عبد الرحمن بن زيدان، اتحاف أعلام الناس ج1 ص62، مؤنس: ثورات البربر ص187. ↑
- () وهو نهر زيرز كما يسميه اليعقوبي. انظر: البلدان ص359، كولين: المرجع السابق صفحة 298. ↑
- () ابن خلدون: ج6 ص129، Fournel Op. Cit Vol. I.P. 351 ↑
- () ابن خلدون: نفس المصدر والصحيفة. ↑
- () نفس المصدر والصحيفة. ↑
- () البلدان: صفحة 359. ↑
- () مجهول: الاستبصار ص201، حسن محمود: قيام دولة المرابطين ص231. ↑
- () المغرب صفحة 148. ↑
- () نفسه: صفحة 149. ↑
- () الاصطخرى: ص34، الاستبصار ص201، المقدسي: أحسن التقاسيم ص231. ↑
- () ابن خلدون: ج4، صفحة 126. ↑
- () أبو العرب تميم: طبقات علماء إفريقيا ص80. ↑
- () النفوسي: الأزهار الرياضية ج2، ص93. ↑
- () ابن خلدون: ج6، ص130، Gautier Op. Cit. P. 292. ↑
- () النفوسي: صفحة 93. ↑
- () ابن خلدون: ج6، ص130، Gautier Op. Cit. P. 292. ↑
- () اليعقوبي: البلدان صفحة 359. ↑
- () إسماعيل حامد (جامع): نبذة في تاريخ القصوى ص7. ↑
- () نفسه: صفحة 3. ↑
- () مجهول: الاستبصار صفحة 200. ↑
- () إسماعيل حامد: المرجع السابق ص7. ↑
- () نرجح أن مدرارا كان لقب أبي القاسم كما يذهب ابن الخطيب، وليس اسم جده كما اعتقد ابن عذارى، أو اسمه هو حسبما ذكر، صاحب كتاب الاستبصار ونجد في رواية أخرى لابن الخطيب خطأ في شخص أبي القاسم سمكو وبين عيسى بن يزيد، فينسب دور أبي القاسم إلى عيسى ولا يورد للأول ذكراً. أما البكري فينسب الفضل في قيام الدولة المدرارية إلى جهود أبي القاسم لكنه يشير إلى لقبه. وجدير بالذكر أن رواية البكري عن دولة بني مدرار أصح الروايات وأكثرها صدقاً، وقد أخذ بها كبار الدارسين فورنل ومرسييه. انظر: ابن الخطيب: أعمال الأعلام ج3 ص138، 140، ابن عذارى: ج1 ص215، الاستبصار ص201، البكري: ص149.Mercier: Histoire de l’Afrique: P. 243.Fournel: Op. Cit. Vol. L.P 352. ↑
- () ابن الخطيب: أعمال الأعلام ج3 ص138. ↑
- () لا اعتبار لما يقال عن ان أبا القاسم كان أباضياً (الأزهار الرياضية ج2 ص93 أو أنه كان أباضياً كما ذهب ابن خلدون (العبر ج6 ص130). فنحن نعلم أن أبا القاسم كان من دعاة عكرمة مولى ابن عباس و«مقدم الصفرية» انظر: بروفنسال: نبذة تاريخية ص48، الشاطبي: الجمان ورقة 203. ↑
- () ابن خلدون: ج6 ص130، Fournel: Op. Cit. Vol.I.P 352. ↑
- () البكري: ص149، ابن خلدون: ج1 ص215، الاستبصار ص201، Fournel: Op. Cit. Vol.I.P 352. ↑
- () نفس المصدرين والصفحتين، ان عذارى: ج1 ص215، الاستبصار ص201، Fournel: Op. Cit. Vol.I.P 352. ↑
- () النفوسي: صفحة 93. ↑
- () ابن خلدون: ج6 صفحة 130. ↑
- () ينفي هذا ما ذهب إليه من التفاف بربر مكناسة حول عيسى بن يزيد ومبايعته طائعين مختارين La Religion Musulmane والواقع أن الفضل يعزى إلى أبي القاسم سمكو في تقديم عيسى بن يزيد، ولعل ذلك كان سبباً فيما درجت عليه بعض مدرار، وتزعم أنه كان حداد قدم من الأندلس بعد موقعة الربض. انظر: البكري: ص149، الاستبصار ص201، Fournel: Op. Cit. Vol.I.P 352. ومن المعروف أن أهل الربض رحلوا عن قرطبة سنة 198هـ بينما قامت دولة مدرار سنة 140هـ. انظر: ابن خلدون ج4 ص126، Fournel: Op. Cit. Vol.I.P 352.ومع ما تنطوي عليه تلك الرواية من أخطاء فلا شك في أهمية مغزاها لما تبرزه من نزوح أعداد غفيرة من الأندلسيين بعد حادث الربض الشهير إلى سجلماسة واستيطانهم بها ـ على غرار ما فعلوه بفاس ـ وإسهامهم في عمارتها واشتغالهم بالحرف والصناعات كالحدادة وأعمال البناء وغيرها. انظر: ابن خلدون: ج3 صفحة 126، Conde: Op.Cit. P. 262 سعد زغلول عبد الحمد: تاريخ المغرب العربي صفحة 405. ↑
- () العبر ج6 ص130، النفوسي: ص93. ↑
- () العبر ج6 ص130، النفوسي ص93. ↑
- () لم يرد بالمصادر تقلد أمراء بني مدرار الخلافة أو الإمامة باعتبارهم رؤساء روحيين وسياسيين كما يفهم من لقب الإمام أو الخليفة. ونعتقد أن سبب ذلك يكمن في أن تواريخ الصفرية لم تصل إلينا، وكل ما وصلنا عنهم مستمد من المصادر المعادية لهم، عن ألقاب الإمامة والخلافة. انظر: حسن الباشا: الألقاب الإسلامية ص60. ↑
- () الثابت أن مدينة سجلماسة استحدثها بنو مدرار ولم يكن لها وجود من قبل على عكس ما قيل من أن الإسكندر ذو القرنين أسسها لتكون موطناً للعجزة والمرضى من جنوده، فتلك رواية أسطورية، وما ذكره الحسن الوزان من أن أحد قواد الرومان أسسها باسم Sigillm messe عقب إحدى انتصاراته. انظر: كولين: مادة سجلماسة ـ دائرة المعارف الإسلامية ـ ص298. ↑
- () المقدسي: صفحة 219. ↑
- () كان يتبع سجلماسة عدداً من الحصون والمنازل والقرى كدرعة وتدانقوست وأثر ايلا وحصون النحاسين وهلال وغيرها. انظر: اليعقوبي: البلدان ص395، المقدسي: صفحة 219. ↑
- () المراكشي: المعجب صفحة 357. ↑
- () ابن خلدون: ج6 ص129، Fournel: Op. Cit. Vol.I.P 351. ↑
- () المقدسي صفحة 231. ↑
- () الاستبصار: صفحة 201. ↑
- () الإدريسي: صفحة 60. ↑
- () الاستبصار صفحة 202. ↑
- () نفس المصدر: صفحة 201. ↑
- () المقدسي صفحة 231. ↑
- () المسالك والممالك صفحة 65. ↑
- () نزهة الأنظار صفحة 11. ↑
- () ابن الخطيب: أعمال الأعلام ج3 ص139. ↑
- () الاستبصار: صفحة 201، Juliene Op. Cit. P. 399 ↑
- () البكري: صفحة 148. ↑
- () انظر: البكري ص148، ابن حوقل: ص65، القلقشندي: ج5 ص164. ↑
- () ابن حوقل: ص65، سعيد بن مقدش: ص10. ↑
- () صفة المغرب: صفحة 60. ↑
- () نفس المصدر والصفحة. ↑
- () ابن حوقل ص 65، القلقشندي: ج5، ص164. ↑
- () البكري ص149، ابن عذارى: ج1 ص215، مجهول: الاستبصار: ص201. ↑
- () ابن خلدون: ج6 ص130، الاستبصار: 112. ↑
- () ابن عذارى: ج1 ص215، ابن الأثير: ج6 ص3. ↑
- () المغرب صفحة 149. ↑
- () أعمال الأعلام ج3 صفحة 139. ↑
- () تاريخ المغرب العربي صفحة 401. ↑
- () ابن الأثير: ج6 ص3، القلقشندي: ج5 ص165، السلاوي: ج1، ص112. ↑
- () البكري: صفحة 148. ↑
- () انظر: بنو مدرار والرستميين. ↑
- () الشهرستاني: ص121، Gautier. Op. Cit. P. 299 ↑
- () ابن عذارى: ج1، ص215، ابن خلدون: ج6، ص130. Fournel Op. Cit Vol. I.P. 553,Bel: Op. Cit. P. 167 ↑
- () ابن عذارى: ج1، ص215. ↑
- () العبر ج6 صفحة 130. ↑
- () السلاوى: ج1 ص112. ↑
- () يخلط ابن خلدون بين الأباضية والصفرية، فيذكر أن أبا القاسم كان «أباضياً صفرياً» وهو قول سبق تخطئته لأن أئمة بني مدرار جميعاً كانوا من الخوارج الصفرية. انظر: العبر ج6 ص130.وعن خطأ ابن خلدون انظر: ابن حزم: نقط العروس ص76، كولين: دائرة المعارف الإسلامية ـ مادة سجلماسة ص289. ↑
- () ذهب بعض الدارسين إلى صعوبة تتبّع علاقات بني مدرار بالأدارسة بسبب ندرة المعلومات. انظر: حسن عبد العواد: دولة الأدارسة ص250، Basset Op. Cit.P.333. ↑
- () أخطأ البعض حين انتهى الى أن «حسن الجوار كان العلاقة السائدة بين دولة الأدارسة ودولة سجلماسة». انظر: حسن عبد العواد: دولة الأدارسة صفة 253. ↑
- () ابن فضل الله العمري: مسالك الأبصار ج5 قسم 2 ورقة 17 ـ مخطوط. ↑
- () الإدريسي: صفحة 76. ↑
- () ابن أبي زرع: صفحة 53. ↑
- () ابن حوقل: صفحة 65. ↑
- () La Barberie Musulmane et l’Orient. P.124. ↑
- () ابن أبي دينار: المؤنس: ص99، أطفيش: الإمكان ص81. ↑
- ()ابن الآبار: الحلة السيراء ص200. ↑
- () ابن خلدون: ج4 صفحة 28. ↑
- () النويري: ج22 ورقة. ↑
- () ابن خلدون: ج4 ص12، محمد علي السنوسي: الدرر السنية: ص44. ↑
- () ابن أبي زرع القرطاس ص22، Fournel Op. Cit Vol.I. P.475. ↑
- () نفس المصدر والصحيفة. ↑
- () ابن خلدون: ج4 ص13، عبد الرحمن بن زيدان: اتحاف اعلام الناس: ج2، ص19. ↑
- () ابن أبي زرع: ص69، ابن الخطيب: أعمال الأعلام ج3 ص198، السنوسي: الدرر السنية، ص59. ↑
- () أطفيش: الأمكان: ص57، Masqueray Op. Cit. P. 172. ↑
- () الإدريسي: صفحة 81. ↑
- () اليعقوبي: البلدان ص359، حسن محمود: قيام دولة المرابطين ص71. ↑
- () اليعقوبي: نفس المصدر والصحيفة. ↑
- () انظر: البكري: ص125، ابن أبي زرع: ص112 ـ 115، ابن خلدون: ج4 ص15، ابن الخطيب: ج3 ص208 ـ 209، السلاوي: ج1 ص162. ↑
- () سلفاتور كوسا: تواريخ مدينة فاس ص6، Masqueray. Op. Cit.P. 172. ↑
- () La Berberie Musulmane P. 126 ↑
- () ابن الخطيب: أعمال الأعلام: ج3 ص145. ↑
- () البيان المغرب: ج1 ص277. ↑
- () ينفي هذا ما قاله ابن خلدون من أن عبد الرحمن قدم إلى إفريقية «مع طوالع الفتح» انظر: العبر: ج6، ص121. ↑
- () السير: صفحة 123. ↑
- () النفوسي: ج2 صفحة 84. ↑
- () ابن عذارى: ج1 ص277، ابن خلدون: ج6 ص111. ↑
- () البكري: صفحة 68. ↑
- () أبو زكريا: ورقة 10، النفوسي: ص2. ↑
- () ابن عذارى: ج1 صفحة 277. ↑
- () ذكر النفوس أن هذا الجبل مجهول الموقع، ويعتقد دبوز أنه هو نفس الجبل المعروف بسوفيف الكائن بين مدينتي سلالة والسوفر، انظر: الأزهار الرياضية ج2، ص3، المغرب الكبير. ج3، ص256. ↑
- () أبو زكريا: ورقة 11. ↑
- () نفس المصدر والصحيفة، Gautier: Op. Cit. P.301. ↑
- () النفوسي: صفحة 3. ↑
- () نفس المصدر والصحيفة. ↑
- () أبو زكريا: ورقة 11، الدرجيني: ج1 ورقة 17. ↑
- () النفوسي: صفحة 3. ↑
- () نفس المصدر: ص4، Mercier: Histoire de l’Etablissement des Arabes…P.79 ↑
- () ابن خلدون: ج6 ص121، مارسيه: مادة بني رستم ـ دائرة المعارفة الإسلامية صفحة 92. ↑
- () ابن خلدون: نفس المصدر والصحيفة. ↑
- () انظر:Siecles Obscurs P. 312. Les ↑
- () النفوسي: صفحة 6. ↑
- () أبو زكريا: ورقة 13، الشماخي: السير: 139، الدرجيني: ج1، ورقة 9. ↑
- () ابن الصغير: ص9، النفوسي ص84. ↑
- () النفوسي: صفحة 93. ↑
- () نفس المصدر والصحيفة. ↑
- () انظر: محمد بن تاويت: دولة الرستميين ص117، محمد علي دبوز: المغرب الكبير ج2، ص387، حسن عبد العواد: دولة الأدارسة ص245. ↑
- () انظر: Masqueray: Op. P. L XXIV, Gautier: Op. Cit. P. 295. ↑
- () انظر: Chronique d’Abou Zakaria. P. 220. ↑
- () ابن أبي زرع: القرطاس ص 16 ـ 18، ابن خلدون: ج4 ص12، الكتاني: المغرب: ورقة 13 مخطوط، محمد علي السنوسي، الدرر السنية ص44، Gautier: Op. Cit. P. 274 ↑
- () تصور بعض المصادر أن الأدارسة نجحوا في اقتطاع كافة الأجزاء الشمالية من الدولة الرستمية حتى لاصقت حدودها الشرقية دولة الأغالبة، انظر: عبد الرحمن بن زيدان: اتحاف أعلام الناس: ج2 ص5، حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام السياسي: صفحة 221، Vonderheyden Op. Cit. P. 274 لكن الواقع أن بني رستم احتفظوا بنفوهم على بعض هذه الجهات حيث شكلت املاكهم حاجزاً بين الأغالبة والأدارسة. انظر اليعقوبي: البلدان،ص352، Gautier: Op. Cit. P. 295 ↑
- () نعلم أن عبد الرحمن بن رستم تزوج من يفرنية وأنجب منها ابنه عبد الوهاب، انظر: أبو زكريا: ورقة 14، النفوسي: ص100، Masqueray: Op. Cit. P. 57. ↑
- () سعيد بن مقديش: صفحة 18. ↑
- () البكري: صفحة 76. ↑
- () اليعقوبي: البلدان…صفحة 80. ↑
- () ابن الصغير: صفحة 17. ↑
- () ابن أبي زرع، ص69، الجزنائي: ص22: محمد علي السنوسي: الدرر السنية ص45، سلفاتوركوسا: تواريخ مدينة فاس: ص4، Mercier Histoire de l’Afrique Septentrionale. P. 89. ↑
- () انظر: مادة بني رستم ـ دائرة المعارف الإسلامية: ص93. ↑
- () الشماخي: السير.. ص197 ـ 198 Lewcki Etudes Ibadites . P. 36. ↑
- () أبو زكريا: ورقة 19، محمد علي دبوز،: ج3 ص485، حسن عبد العواد: دولة الأدارسة: ص246. ↑
- () قدامة بن جعفر: الخراج ص295، النفوسي: ص116. ↑
- () أبو زكريا: ورقة 19. ↑
- () ينتسب آل سليمان إلى سليمان بن عبدالله ـ أخي إدريس الأكبر ـ الذي نجا من معركة فخ ولحق بأخيه في المغرب الأقصى بعد تأسيس دولة الأدارسة سنة 172هـ ولما فتح إدريس تلمسان جعل سليمان والياً عليها، ويخيل إلينا أنه غادر تلمسان بعد ثورة زناتة بزعامة محمد بن خزر واتجه إلى نواحي تاهرت حيث لم يطب له المقام هناك طويلاً. ويبدو أن خلافاً وقع بينه وبين راشد ـ مولى الأدارسة ـ بعد موت إدريس الأول جعله لا ينزل وليلي على أثر ثورة ابن خزر ويتجه إلى نواحي تاهرت. لكنه ما لبث أن لحق بإدريس الثاني حيث شب عن الطوق، وصحبه في حملته على تلمسان لاستردادها وقد مات إبان إقامة ادريس الثاني في تلمسان، وخلفه ابنه محمد في ولايتها من قبل إدريس الثاني. انظر: البكري: ص77، ابن خلدون: ج4 ص17، سلفاتور كوسا: ص14، مبارك الميلي: تاريخ الجزائر ج2 ص49، Lavoix Catalogue des Monnaies. P. 398. ↑
- () ابن خلدون: ج4 ص17. ↑
- () من مظاهر استقلال هذه الإمارات حرص أمرائها على سكّ عملة خاصة بهم خالية من أي إشارة إلى تبعيتهم للأدارسة. وهاك صورة لدينار ـ ضرب في سوق إبراهيم في عهد أحمد بن عيسى: الوجه: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. الكتابة الدائرية: لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصرالله. الوجه الآخر: محمد رسول الله ـ أحمد بن عيسى. انظر: Lavoix Catalogue des Monnaies. P. 397 ↑
- () Les Berberes Vol. 2. P. 13 ↑
- () المقدسي صفحة 218. ↑
- () اليعقوبي: البلدان: ص352، 353. ↑
- () النفوسي: صفحة 70. ↑
- () يرى الأستاذ محمد علي دبوز أن بني رستم تنازلوا عن هذه البلاد طائعين مختارين لآل سليمان العلويين. وهو رأي يجانب الصواب بالقياس إلى ما كان بين الطرفين من خصومة سياسية وعداء مذهبي. انظر: المغرب الكبير: ج3 ص336. ↑
- () ساق بكر بن حماد أبياتاً من الشعر امتدح بها أبا العيش تدلل على هذه الصلة، منها:
سائل زواغة عن طعان سيوفه وديار نفرة كيف داس حريمها
ورماحه في العارض المتهلل والخيل تمرغ في الوشيح الذيل
انظر: النفوسي: صفحة 70. ↑
- () النفوسي صفحة 74. ↑
- () نفس المصدر: صفحة 77. ↑
- () جبل بقرب تونس وعليه تعتمد في مياه الشرب سمي بسبب علوه وإشرافه على النواحي كلب الزقاق. فتح أيام موسى بن نصير. ↑
- () البكري: 46 الإدريسي 86 وحدد المسافة بثلاث مراحل اليعقوبي 101 وجعلها مرحلتين فقط ربما لأن الطريق الذي سلكه كل واحد منهما كان مختلفاً عن الآخر ثم إنه يوجد طريق للشتاء وآخر للصيف وغالباً ما يكون بينهما فرق في المسافة. ↑
- () وفي هذا العهد أصبحت توصف بباب المهدية. ↑
- () وقد غضب محبوب بن عبدون الهواري بسبب رفض اقتراحه في إفريقية، انظر ابن عذارى 1، 304. ↑
- () اتعاظ الحنفا 1، 63 وقد عبر عن خطة الداعي ضد ابن الأغلب بقوله «كادهم بخيل بعثها من خلفهم». ↑
- () ابن الأثير: وقد عبر عن مكان الموقعة بقوله «فاقتتلوا في مضيق هناك» أما النعمان فأطلق عليه اسم المسيلة وأشار إلى أنها تعرف «بالمصارة». وفي مكان الغرة البيضاء في المسيلة وقع الالتحام انظر افتتاح الدعوة ورقة 148. ↑
- () ومما قالوه له «أنت لم تستطع دفع كتامة بالعساكر والسلاح والمال فكيف نقوى نحن على دفعهم بأموال الرعية» وثاروا ضده بقولهم: «اخرج عنا فما لك عندنا سمع ولا طاعة» وكان ردهم عليه «إنما نحن فقهاء وعامة وتجار وما في أموالنا ما يبلغ غرضك». ↑
- () ومن ذلك قوله له «إن هذا تصديق ما قيل فيك إنك كاتبت الشيعي فأردت أن تمكنه مني» ويلاحظ هنا أن النعمان لم يثبت هذه التهمة أو ينفيها كما لم ينسب إليه التشيع ولو عرف به مثل المروزي وغيره لنبه على ذلك كعادته خاصة وأن ابن الصائغ كان حنفياً ويقرب الفقهاء ومنهم ابن جيمال القاضي. ↑
- () سوق كبيرة في الطريق بين الإسكندرية وبرقة كانت تحت نفوذ والي مصر بواسطة محرس أو رابطة وقد بنى زيادة الله مسجداً أثناء إقامته فيها وذلك في طريق عودته إلى إفريقيا. ↑
- () النويري: وهنا يشير إلى تبرئة ابن الصائغ من التهمة على لسان الداعي الذي قال عنه (والله ما كاتبني قطّ). ↑
- () النعمان: ورقة 151 وفيه ما يشير إلى تبرئة ابن الصائغ من تهمة الرغبة في أخذ الأموال لأن المكلفين بحفظها هم الذين أخطؤوا التقدير، ودخلوا سوسة ولو كان لابن الصائغ تدبير خاص على حد رواية ابن عذارى، لأخذ الأموال لأنه مر بهذه المدينة عند خروجه من رقادة إلى المشرق عبر صقلية. ↑
- () لم يوفق هذا الرجل بشيء بقدر توفيقه في الفرار نجاة من الأخطار المحققة مرة في مدينة الأربس، وأخرى عندما صاح في وجهه أهل القيروان «اخرج عنا ورجموه» ومرة ثالثة عندما عزم زيادة الله على الفتك به في طرابلس لما سمعه عنه وفي هذه المرة نجا بنفسه وسبق الأمير في الهروب إلى مصر حيث أفسد عليه الجو وجعل عيسى البوشري يتوجس منه خيفة. ↑
- () النعمان: ورقة 151 وما بعدها وكان ذلك إشارة إلى تدهور شأنها وخلائها لفائدة المهدية. وقد تمّ تخريبها في عصر المعز لدين الله. ↑
- () وكان هذا القصر وقصر الفتح مقرّ إبراهيم بن أحمد الخاص ثم قصور بغداد والمختار والبحر الذي بناه زيادة الله ثم قصر العروس سبباً في شهرة رقادة باسم مدينة القصور وكانت تحيد بها بساتين وصهاريج لنزهة الأمراء. ↑
- () شبههم النعمان نظراً لكثرتهم «بالجراد المنتشر» وقد بلغ مجموع قبيلة مسالته وحدها، وهم أنصار شيخ المشايخ نحو اثني عشر ألف سيف. ↑
- () واستاء رجال كتامة، من منح الأمان لسكان المدينتين. ↑
- () كانت سوسة تعتبر منفذاً للقيروان وظهرت أهميتها أثناء فتنة أبي يزيد. حولها أربطة ومحارس أشهرها: قصر الرباط وقصر الطوب. ↑
- () كان مجموعها نحو الثلاثين حملاً من الذهب وقصر الرباط يقع بجوار سوسة وهو أكبر من قصر الطوب وأقرب إلى المدينة وأقدم منه تأسيساً إذ يعود بناؤه إلى عصر زيادة الله الأول وقد أشرف على تأسيسه مولاه مسرور الخادم واستفيد ذلك من الوثيقة التي توجد في جناح خاص من الرباط عرف «بمتحف أسد بن الفرات» واشتمل على وثائق وآثار وتحف عن العصرين الأغلبي والفاطمي. ↑
- () ويبدو أن فراره إلى غير منطقة كتامة بعد نجاته من السجن يدعو إلى الدهشة. ↑
- () يبدو أن هذا الخبر الذي تفرّد به النعمان وهو معاصر للمروزي يشير إلى ظهور لقب قاضي القضاة لأول مرة في السجلات الرسمية في بداية عصر الفاطميين في المغرب. ↑
- () يلاحظ أن الكاتب يطلق على الخليفة الفاطمي الأول اسم (عبيدالله) وهذا من الأغلاط الشائعة، فاسمه الحقيقي عبد الله لا عبيد الله. ↑
- () عرف بلقب خيطوم والأخرم وبالمحتسب أيضاً ويبدو أن لقب المخطوم عرف به منذ أن ضرب بسيف على وجهه في الطاحونة من طرف قطاع الطرق الذين أخذوا من عبيدالله أموالاً وكتباً قديمة. ↑
- () وعرفوا بالنجوية لتناجيهم بالإثم والشغبية لادّعائهم الشغب، والنكاث لنكثهم البيعة دون سبب والملحدة لأنهم ألحدوا في أسماء الله. والعمرية التي تنسب نفسها إلى عبدالله بن مسعود، وهي في حقيقتها تنسب لعيسى بن عمير، وهي أقدم تصدع ظهر بين الإباضية، وقد ألّف الدرجيني للرد عنهم. ↑
- () كان مجمع الواصلية بجوار تاهرت، ويعيشون حسب أنماط المجتمع البدوي، ويذكر أن ميمون بن عبد الوهاب كان رأس الإباضية وإمام الصفرية والواصلية ويشير الدرجيني ورقة 66 إلى قتل هذا الأمير بواسطة النكارية وأنهم اعترفوا بذلك عندما خاطبوا ابنه، بقولهم «بابن المهدور دمه» فأخبر جده بذلك فحاربهم، محمد بن تاويت الطنجي. ↑
- () ابن حوقل: وفيه إشارة لاعتبار جبل نفوسة دار هجرة للإباضية، أتباع عبدالله بن إباض، الذين ذكرهم في مقابلة الوهبية أتباع عبدالله بن وهب الراسبي، الذي يذكر أنه هاجر إلى هذا المكان ودفن فيه مع ابن إباض. ويبدو أن هذه الرواية غريبة لأن أهل الطائفة لا يعتقدون صحتها. ↑
- () كان يمثل علماء الإباضية في هذا العصر الربيع بن حبيب وأبو عمر، وابن عياد وقد أفتوا بجوار التوكيل لأداء مناسك الحج. ↑
- () كما عيّن عبد الوهاب نائباً في جبل دمر مركز الإباضية، بوزير الإمام عبد الوهاب. ↑
- () وقد برروا عصيانهم بقولهم «ما هو لنا بإمام، وإنما إمامنا خلف إذ هو في حوزتنا والحافظ لجماعتنا والجامع لكلمتنا. وأما عبد الوهاب ففي حوزة غير حوزتنا وغير أهل لجماعتنا». ↑
- () البكري: وفيه نقلاً عن محمد بن يوسف الوراق قوله: «وكان (عبد الرحمن) خليفة لأبي الخطاب عبد الأعلى أيام تغلبه على إفريقية. فلما قتل هرب وترك القيروان فاجتمعت إليه الإباضية واتفقوا على تقديمه وعلى بنيان مدينة تجمعهم فنزلوا موضع تاهرت». ↑
- () وعن افتراق الإباضية إلى فئات متنازعة، هي الوهابية، والنكارية، والخلفية، والنفاثية، نسبة لنفاث في ناحية قنطرارة بإقليم جبل نفوسة، ومنها السكاكية نسبة (للسكاك) والسليمانية في وارجلان بمنطقة الصحراء وهي تنسب إلى أبي سليمان بن يعقوب وتعرف بالفرثية أيضاً ثم التمزينية في نفوسة وتنسب لأبي يونس وسيم التمزيني، انظر الدرجيني: ورقة 91، ويجمع بينها اسم الوهبية وهي تتبرأ من الأزارقة والبيهسية وبقايا النكارية في جربة وزواغة. ↑
- () ويعرف بالياس وكان يمثل سلطة الإمام الرستمي في جبل نفوسة ضد الخليفة. ↑
- () في أحد المراجع: أن إبراهيم بن أحمد، نكاية في بعض شيوخ نفوسة الأسرى، قال له: «أتعرف علي بن أبي طالب، فردّ عليه النفوسي: لعنك الله يا إبراهيم على ظلمك وقتلك، فذبحه وشق عن قلبه، وتسمى الوقعة الكبرى التي انهزم فيها الإباضية واقعة مانو، ويرى أنها من أسباب انهيار القبيلة وسقوط الإمامة الرستمية أيضاً». ↑
- () وعقب فشله وسقوط الإمامة الرستمية استقر في وارجلان وجبل نفوسة ثم التجأ إلى مصر ويعتبر آخر الأئمة الرستميين. ↑
- () وقد اعتذر إليه بكر بن حماد بقصيدة شعرية فعفا عنه. ↑
- () ولأبي حاتم يوسف بنت تعرف دوسرا، الدرجيني، الطبقات ورقة 110، أبو زكريا: السيرة ورقة 33، وهي التي ستمثل دوراً مع الداعي الشيعي ضد الإمام اليقظان. ↑
- () اليعقوبي: البلدان، 104 ـ 105، ويصف تاهرت بعراق المغرب وكان لها أخلاط من الناس، وهي في طاعة محمد بن أفلح الذي زار اليعقوبي بلاد المغرب في عصره. ↑
- () ابن الصغير: حيث يذكر بصفته مالكياً، محاورة جرت له مع رجل هواري إباضي في تاهرت، عن مسألة في الفرع. ↑
- () وقد امتدت الثورة من عهد الأمير المنذر إلى عهد عبد الرحمن الثالث، ويلاحظ أن ابن حفصون خطب لإبراهيم بن القاسم صاحب مدينة البصرة. ↑
- () ومما ردّ به أبو يوسف يعقوب على الشيخ الإباضي قوله «إنه لا يستتر الجمل بالغنم». ↑
- () وقد عمرت الإمامة الرستمية مائة وثلاثين سنة، ابن الأثير، الكامل، 8، 49 ويلاحظ أن مدة الإمامة الرستمية كانت مائة وستين سنة، وهناك من يذكر أنها 147 سنة. ↑
- () يعرف العزابة بالبربرية أعز ابن، ويرقى هذا المصطلح إلى عصر أبي يزيد النكاري. ↑
- () وفي نفس الوقت أصبح أخوه حباسة بن يوسف في إقليم برقة يشرف على مراكز هامة في الجزء الشرقي من الدولة الفاطمية. ↑
- () ويقول الشماخي: «بقيت نسخة عمروس ينتفع بها الإباضية ولولاها لبقي أهل المذهب من غير ديوان بالمغرب يعتمدون عليه» وهذه النسخة منقولة عن مدونة أبي غانم بشر بن غانم الخراساني، الذي رواها عن تلامذة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة إمام الإباضية ومجتهدهم في مدينة البصرة. ↑
- () تعرف قلعة المدينة، أو قصبتها باسم المعصومة أيضاً. ↑
- () يشير ابن عذارى إلى لقب الهواري أيضاً فربما اكتسب ذلك من إقامته في تاهرت: وقد تكون النسبة إلى الأهوار وحقها إذاً أن تأتي بصيغة الأهواري كما هي القاعدة اللغوية وعلى هذا الاعتبار تكون الكلمة مصحفة في رواية ابن عذارى. ↑
- () إذ تزوج مدرار المنتصر بن اليسع، أروى بنت عبد الرحمن بن رستم، فولدت له ميموناً، الملقب بابن أروى، الذي كان مقرباً من نفسه، فأراد أن يوليه العهد من بعده، لولا معارضة صفرية سجلماسة له التي ألجأته إلى ترك الإمارة لابنه الآخر، الملقب بابن بقية، والأمير الذي بقي حتى 270هـ حيث وليها اليسع بن مدرار الذي سجن عبدالله المهدي. ↑
- () ومن ذلك ديوان اشتمل على تآليف كثيرة وبلغ عددها 33 ألف سفر. ↑
- () المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب حيث يلاحظ أن مزاتة وضريسة وسكان باغاية كلهم إباضية مثل هوارة ومكناسة في جبال أوراس. ↑
- () صورة الأرض، ويصنف الإباضية إلى أتباع ابن إباض (إباضية) ووهبية وهم أتباع ابن وهب الراسبي. ويلاحظ أن أبا يزيد من إباضية سوماطة، أما زناتة ومزاتة فكانت نزعة الاعتزال بارزة فيهما. ↑
- () تفسير الميزان 222. ↑
- () كنز العرفان: المقداد السيوري: 10 ـ 4. ط النجف الغري. ↑
- () التبيان: 130 ـ 3. ↑
- () مجمع البيان: 15 ـ 3. ↑
- () كنز العرفان: 12 ـ 4. ↑
- () راجع التبيان: 138 ـ 133 ـ 3، ومجمع البيان: 13 ـ 16 ـ 3، وتفسير الرازي: 203 ـ 218 ـ 9، وكنز العرفان 8 ـ 12ـ 4، وآلاء الرحمن: 33 ـ 27 ـ 3، وتفسير الميزان: 220 ـ 125 ـ 4، وزبدة البيان في أحكام القرآن: المقدس الأردبيلي 645 ـ 652، ط ـ إيران. ↑
- () كنز العرفان: 13 ـ 4. ↑
- () يشترط في الولد هنا أن يكون وارثاً، فلو كان غير مسلم، أو قاتلاً، أو رقاً، فلا يحجب الزوج من النصف إلى أربع، ووجوده كعدمه، فلم يكن لوجوده تأثير كما نصت على ذلك الروايات الصحيحة عن أهل البيت (عليهم السلام). ↑
- () راجع: التبيان: 135 ـ 136 ـ 3، ومجمع البيان: 17 ـ 3 والميزان: 226 ـ 4. ↑
- () مجمع البيان: 17 ـ 18 ـ 3. ↑
- () أمور موضحة:1ـ تقدم القول أن هذه الفقرة من الآية الكريمة تخص الأخوة أو الأخت ممن يتقرب بالأم. دليلنا على ذلك.أ: فلأنه تعالى جعل للكلالة في آخر آية من هذه السورة للأختين (الثلثين) وللإخوة (الكل)، وفي هذه الآية جعل للواحد (السدس)، وللأكثر (الثلث) فعلم أن الأخوة هنا غير الأخوة هناك، وحيث أن المقدر هنا نصيب الأم ـ كما تقدم ـ ناسب أن يكون المراد هنا الإخوة من قبلها.ب: روايات الشيعة المتضافرة التي تؤيد على أن ما ورد في هذه الآية يختص بالإخوة من الأم.
ج: إن هذه المسألة اجتماعية.
2ـ إن الزائد عن المذكور من (السدس) أو (الثلث) يرد على الوارث منهم إذا لم يكن سواه عند الشيعة أما عند بقية المذاهب فلأول رجل ذكر من عصبة الميت. ↑
- () التبيان: 408 ـ 412 وتفسير الرازي: 120 ـ 122 ـ3. ↑
- () هو مبعوث نابليون إلى فتح علي شاه في محاولة للتحالف على الإنكليز. ↑
- () راجع كتاب لينا، الجزء الثاني، ص161، تأليف إبراهيم يور داوود، طبع جامعة طهران. ↑
- () راجع كتاب روضة الصفا، الجزء الأول، ص602 طبع مؤسسة الخيام. طهران. ↑
- () راجع كتاب زين الأخبار تأليف الكرديزي ص33، طبع مؤسسة الثقافة الإيرانية في طهران. ↑
- () راجع كتاب: صورة الأرض لابن حوقل ترجمة جعفر الشعار، طبع طهران، ص83 وص84. ↑
- () حدود العالم تحقيق منوجهر ستوده ص159، طبع جامعة طهران. ↑
- () روضة الصفا: ج1، ص497. ↑
- () نزهة القلوب، ص92، طبع 1336هـ ش تحقيق محمد دبير سياقي. ↑
- () آذربيجان. ↑
- () كنزك هي مدينة شيز ذاتها وتسمى حالياً باسم تخت سليمان وتقع بالقرب من تكاب. ↑
- () زين الأخبار: تأليف أبي سعيد عبد الحي بن الضحاك بن محمود الكرديزي. ص33. ↑
- () تاريخ الطبري. ↑
- () صورة الأرض لابن حوقل، ص83. ↑
- () صورة الأرض ص83. ↑
- () صورة الأرض ص83. ↑
- () «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» تأليف محمود بن أحمد الطوسي، تحقيق منوجهر ستوده ص80 عام 1345 هـ.ش. ↑
- () الأرقام مستقاة من كتاب (نزهة القلوب) تأليف حمد الله المستوفي، تحقيق محمد دبير السياقي عام 1336هـ. ↑
- () وهي مدينة صغيرة واقعة بين خلخال وأردبيل. ↑
- () وكان جواب السلطان العثماني بايزيد خان على هذا الطلب أن أكثر المسافرين إلى أردبيل لا يقصدون الزيارة وإنما يفرون من الخدمة العسكرية، وأن أحداً لا يمنعهم من السفر إذا كان سفرهم مؤقتاً ثم يعودون إلى بلادهم. ↑
- () ويضيف سانسون قائلاً: على الرغم من منع الشاه لخروج العملة من البلاد إلا أن الهنود كانوا يتلقفونها فور خروجها من المصنع ويحملونها الى الهند. ↑
- () تمغا: هي اسم الضرائب التي كان المغول والصفويون يتقاضونها في الطرق والبوابات على البضائع التجارية. ↑
- () الورقة الخضراء. ↑
- () نزهة القلوب طبعة طهران تصحيح الدكتور محمد دبيرسياقي ص92. ↑
- () انظر كتاب: «آذرى يازبان آذربايكان» ص53 ط طهران. ↑
- () انظر: تاريخ ماد، تأليف ديا كونوف، ترجمة كريم كشاورز ط طهران، ص397. ↑
- () انظر: نظرة بتاريخ آذربيجان، تأليف محمد جواد مشكور ط طهران، ص99. ↑
- () الملل والنحل ط مصر «1348هـ» على حاشية «الفصل» لابن حزم الظاهري أوفست بيروت. ↑
- () انظر: لينا: القسم الثاني، ص161، ط جامعة طهران. ↑
- () انظر: روضة الصفا، ج1 ص602، ط مكتبة خيام طهران. ↑
- () زين الأخبار: الكرديزي ط: بنياد فرهنك إيران، ص33. ↑
- () شاهنامه فردوسي، ط موسكو، ج8، 55. ↑
- () انظر للتفصيل عن سلسلة نسب الساجيين وأحوالهم في (لغتنامة دهخدا، حرف السين، ص30، عنوان ساجيه). ↑
- () صورة الأرض لابن حوقل، ترجمة جعفر شعار، ص83 ـ 84 ط طهران. ↑
- () حدود العالم: تحقيق وتصحيح ميوخير ستودة ، ط جامعة طهران، ص159. ↑
- () معجم البلدان، طبعة وستنفلد، ج1، ص197. ↑
- () راجع مقالة آقا حسين النخجواني في مجلة دانشكدة أدبيات (كلية آداب). ↑
- () راجع النص الفارسي للفرمان في المصدر السابق (مقالة الحسين النخجواني). ↑
- () انظر تاريخ عالم آراى أميني: النسخة الفوتوغرافية للمكتبة المركزية لجامعة طهران ص140، وتاريخ سياسي واجتماعي دوره شاه عباس لأبي القاسم طاهري ص138. ↑
- () تأريخ إيران القديم حتى القرن الثامن عشر تأليف خمسة من المستشرقين السوفيت ط طهران ص502. ↑
- () انظر تأريخ سياسي واجتماعي إيران دوره شاه عباس، تأليف أبو القاسم طاهري ص110 ط طهران. ↑
- () أرك دستان تعني قلعة دستان. ↑
- () بلد قيم في السند. ↑
- () بلدة أسسها العرب في السند. ↑
- () نزهة القلوب ص101. ↑
- () يوجد في (خدا آفرين) جسران قديمان، الأول منها متهدم، وهو يقع على بعد عشرة أمتار من الجسر الموجود في هذا الوقت، وقد أقيم الجسر الأول على قواعد من الصخور الكبيرة في قاع النهر. والجسر الثاني مبني من (الطابوق) والصخور. وقد حدثت معارك دموية عديدة على أطراف الجسر في الحروب العديدة التي نشبت بين روسيا وإيران. ويبلغ طوله 170 متراً.وحسب آخر اتفاق عقد بين إيران وما كان يدعى الاتحاد السوفياتي فإن 130 متراً من الجسر بتصرف إيران و40 متراً بتصرف الإتحاد. ↑
- () حبيب السير، المجلد الثالث ص247. ↑
- () كتاب (سلاطين مجهولون) تأليف كسروي صفحة 87. ↑
- () (وثائق ورسائل تاريخية) ص 427/ تأليف السيد علي مؤيد ثابتي. ↑
- () رحيم هويدا. ↑
- () تاقشت ندوة أقيمت في القاهرة سنة 2001 مشكلة الأرقام العربية الأصيلة ومحاولة بعض الكتاب العرب الكتابة بالأرقام اللاتينة خصوصاً في بلاد المغرب العربي وهم الذين ينادون باستخدام الأرقام (الغبارية) المغربية وهي هندية كانوا ينثرون عبرها الغبار على الألواح ثم يكتبون عليها، علماً أنها ظهرت بعد ثلاثة قرون من الأرقام المشرقية العربية الأصيلة، «1، 2، 3، 4، 5،». على أساس أن الأرقام الغبارية مبنية على الزوايا بحسب تصور هندسي فهي دقيقة جداً، وصاحب هذا الرأي المستشرق الفرنسي كرادي فور. وقد تغيرت تلك الأرقام نحو ثلاث مرات عبر مراحل مختلفة كي تتلاءم مع اللغات الموجودة في فترة نشوئها، في حين أن الأرقام العربية لم تتغير صورتها منذ ظهورها منذ أكثر من اثني عشر قرناً. ↑
- () راجع ترجمة سعيد حيدر في مستدركات أعيان الشيعة. ↑
- () 33. ↑
- () 2: 311 ـ 2. وقبله ابن الكلبي في «الجمهرة» انظر (المختصر) ـ 81 وفيه (دِرءٌ). والحازمي في (العجالة) ـ 10. وابن حزم ينقل عن الجمهرة مما يحمل على القول بأن ما في كتابه تحريف. ↑
- () القلقشندي: نهاية الأرب 91. ↑
- () نفس المرجع. ↑
- () ابن الأثير: الكامل1: 491 (الطبعة الأوروبية). ↑
- () أبو عبيد البكري: معجم ما استعجم 479. ↑
- () ولكن ابن حزم (جمهرة أنساب العرب) 358 ذكر أن مالك بن فهم كان يقيم بعمان. ↑
- () صفة جزيرة العرب 207. ↑
- () ابن هشام: السيرة النبوية، 1 ص13 البلاذري: فتوح البلدان 16. البلاذري: صفة جزيرة العرب 209. وتختلف أقوالهم في المنتصر والمهزوم من الأزد وعك، ويبدو أن كل واحد منهم يتحدث عن مرحلة مختلفة من الحرب بينهم. ↑
- () البلاذري 16. الهمداني 116. ↑
- () ابن هشام1: 14، الهمداني 49، 70، 118 ـ 21، 206 ـ11. البلاذري 16، البكري 15، 63، 66، 90، 92، 102، 428، ياقوت3: 66. ↑
- () ابن هشام1: 14، ابن الأثير الكامل 1: 492. الهمداني 211. البلاذري 17. ↑
- () ابن هشام1: 14 ابن الأثير 1: 492 البلاذري 16. ↑
- () ابن هشام 1: 15، ابن الأثير 1: 492 البلاذري 17 الهمداني 211. ↑
- () الهمداني 51، 211. ↑
- () الهمداني 51، 211، ابن هشام1: 14 البلاذري 16، 76، البكري 46، 82. ↑
- () البكري 12، 79. ↑
- () البكري 12، 79، ابن الأثير 1: 243. ↑
- () الهمداني: 211، واللاذري 16، البكري 479. ابن الأثير 1: 195. ↑
- () البكري: 90. ↑
- () البكري: 90. ↑
- () البكري: 66، 90. ↑
- () البكري: 12. ↑
- () البكري: 45 ـ47. ↑
- () البكري: 46 ـ 48، 82، 89. ↑
- () البكري: 79، 82، 88. ↑
- () 79، 82. ↑
- () 60، 61. ↑
- () الهمداني: صفة جزيرة العرب: 206. ↑
- () مادة أزد. ↑
- () نهاية الأرب: 91. ↑
- () ابن رشيق: العمدة1: 55. وياقوت: معجم البلدان3: 66. ↑
- () الأصنام: 34. ↑
- () ابن هشام1/84، 88 و2: 24. وابن الكلبي: الأصنام: 34. ↑
- () ابن هشام1: 24. ↑
- () فلهوزن: تاريخ الدولة العربية 382. ودائرة المعرف الإسلامية، مادة أزد. ↑
- () المبرد: الفاضل 112. ↑
- () العمدة1: 55. معجم البلدان 3: 66. ↑
- () الفاضل 113. وانظر خصائص ابن جني 2: 10. ↑
- () الطبري: 3/6 ـ 4. ↑
- () الطبري 3: 402. ↑
- () الطبري 3: 487. ↑
- () الطبري3: 463 البلاذري : فتوح البلدان 253. ↑
- () الطبير2: 484. ↑
- () الطبري: 3: 462 ـ 3: 9. ↑
- () ابن عبد الحكم: فتوح مصر 98، 117، 119 ـ21. ↑
- () ابن عبد الحكم 120. ↑
- () ابن عبد الحكم 116. ↑
- () البلاذري: فتوح البلدان 386. ↑
- () البلاذري 383. ↑
- () الطبري 3: 466. ↑
- () الطبري 4: 35. ↑
- () الطبري 4: 12. ↑
- () البلاذري 386. ↑
- () البلاذري. فتوح البلدان 65. ↑
- () الطبري 4: 177. ↑
- () البلاذري 531. ↑
- () البلاذري: 514. ↑
- () البلاذري: 417. ↑
- () البلاذري 414. ↑
- () البلاذري 514. ↑
- () البلاذري 531. ↑
- () الطبري 4: 261. ↑
- () فتوح مصر 184. ↑
- () النقائض 728، وورد النص مضطرباً بعض الشيء في تاريخ الطبري 5: 516. ↑
- () البلاذري 373. ↑
- () البلاذري 430. الطبري 3: 591، ياقوت: معجم البلدان1: 638. ↑
- () البلاذري 430. الطبري3: 591. ياقوت 1: 641. ↑
- () ياقوت1: 639. ↑
- () البلاذري 459، 461. ↑
- () الطبري 3: 512. ↑
- () الطبري 5: 79. ↑
- () الطبري 3: 101، 241. ↑
- () الطبري 4: 503. ↑
- () الطبري 4: 512، 516، 520، 523. ابن الأثير 3: 216. ↑
- () الطبري 4: 512. ↑
- () المسعودي: المروج 1: 12 والتنبيه 255، الطبري 4: 539، 545. ↑
- () نصر بن مزاحم: وقعة صفين 117، الطبري 5: 79. ↑
- () تاريخ الدولة العربية 381 ـ2. ↑
- () الفرج: الثغر وقال ابن الأثير في النهاية مادة (فرج): «في حديث عمر: قدم رجل من بعض الفروج أي الثغور، وأحدها فرج». ↑
- () ومنه: عده بما يتمناه من الدنيا. ↑
- () الأثرة ـ بفتحتين ـ هنا الإيثار على الغير. ↑
- () سنح: عرض، والأعضب من الشاء والظباء: مكسور القرن، ومن الإبل: مشقوق الأذن. ↑
- () لعلها «يرى رأينا في عثمان بن عفان». ↑
- () الضحاك بن قيس الهلالي من أخوال عبدالله بن عباس انظر تاريخ الطبري 5/142 حوادث سنة 40). ↑
- () عبدالله بن خازم ـ بمعجمتين ـ السلمي، أبو صالح. قال ابن الأثير في أسد الغابة 3/148: «أمير خراسان شجاع مشهور، وبطل مذكور قيل: له صحبة، وكان أميراً على خراسان أيام فتنة ابن الزبير». قال: وقد استقصينا أخباره في كتاب الكامل في التاريخ وقتل سنة إحدى وسبعين في الفتنة، يعني الفتنة التي حدثت بخراسان. ↑
- () السوداء أم عبدالله بن خازم واسمها عجلى وقد ورث السواد عنها فكان يعد من غربان العرب (وانظر تاج العروس في غرب). ↑
- () أم الفضل بنت الحارث الهلالية: زوج العباس بن عبد المطلب واسمها لبابة، وهي أم الفضل وعبدالله ومعبد وعبيد الله وقثم وعبد الرحمن أبناء العباس بن عبد المطلب، ويقال لها لبابة الكبرى تفريقاً بينهما وبين أختها لبابة الصغرى أم خالد بن الوليد المخزومي، وهي أخت أسماء وسلمى وسلامة بنات عميس الخثعميات لأمهن، وأمهن جميعاً هند بنت عوف الكنانية وقيل: الحضرمية التي قيل فيها: إنها أكرم الناس أصهاراً لأن رسول الله (ص) زوج ميمونة والعباس زوج لبابة، وجعفر بن أبي طالب وأبو بكر وعلي أزواج أسماء وحمزة بن عبد المطلب زوج سلمى (انظر الإصابة بترجمة لبابة كتاب النساء حرف اللام ق1، وأسد الغابة 5/540. ↑
- () ش «وخاتم الأنبياء بعد الرسل» ولا يستقيم وزن البيت وفي أسد الغابة «وخاتم الرسل وخير الرسل» وهو أوجه. ↑
- () عبد الرحمن بن عمير وقيل: عميرة وقيل: ابن أبي عميرة قال ابن الأثير في أسد الغابة 3/313: «حديثه مضطرب لا يثبت في الصحابة» روى عن النبي (ص) أنه قال لمعاوية: «اللهم اجعله هادياً مهدياً واهدِ به» ثم نقل عن أبي عمر صاحب الاستيعاب أنه «لا تصح أحاديثه ولا تثبت صحبته». ↑
- () الشعث ـ بالتحريك ـ التفرق. ↑
- () الصرف: التوبة، والعدل: الفدية. ↑
- () الهيجان، ويريد هيجان الفتنة. ↑
- () الجريرة: الذنب والجناية. ↑
- () عمرو بن المرجوم العبدي العصري صحابي وفد على رسول الله (ص) في وفد عبد القيس كان أبوه المرجوم واسمه عامر بن مر من أشراف عبد القيس في الجاهلية وابنه عمرو من أشرافهم في الإسلام ساق يوم الجمل في أربعة آلاف فكان مع علي (ع) (انظر الإصابة حرف العين ق 1 بترجمته، وتاج العروس في رجم وعصر). ↑
- () ش «روى محمد بن عبدالله عن ابن أبي سيف عن الأسود بن قيس عن ثعلبة بن عباد إلخ» وثعلبة بن عباد ـ بكسر المهملة وتخفيف الموحد العبدي البصري قال ابن حجر في تهذيب التهذيب 2/24 «ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في ميزان الاعتدال 1/37: «تابعي يروي عن مجاهيل».» ↑
- () صحار ـ كغراب ـ ابن عباس العبدي ذكره ابن سعد في الطبقات 7/61 فيمن نزل البصرة من الصحابة ووصفه ابن عبد البر في الاستيعاب 1/132 يقول: «له صحبة ورواية وكان بليغاً لسناً» وقال ابن النديم في الفهرست ص132 «كان خارجياً أحد النسابين والخطباء في أيام معاوية وله مع دغفل أخبار وقال في ص131 كان عثمانياً من بني عبد القيس، روى عن النبي (ص) حديثين أو ثلاثة، وله من الكتب كتاب الأمثال» ويظهر من كلامه هذا أنه انتقل من الخوارج إلى العثمانية ويؤيد هذا كلام ابن سعد: «كان ممن طلب بدم عثمان» توفي صحار بالبصرة. ↑
- () المثنى بن مخربة ـ كمرحلة ـ العبدي من التوابين الذين خرجوا مع سليمان بن صرد في ثلاثمائة من أهل البصرة ثم رجع بعد ذلك ودعا لبيعة المختار بن أبي عبيد في البصرة وخرج معه (انظر تاريخ الطبري 6/66 حوادث سنة 66). ↑
- () صبرة ـ بفتح الصاد المهملة وكسر الباء ـ ابن شيمان الأزدي: كان رأس الأزد يوم الجمل مع عائشة (الإصابة حرف الشين ق 3 بترجمة شيمان بن عكيف). ↑
- () حضين ـ بضاد معجمة مصغراً ـ ابن المنذر الرقاشي ـ بتخفيف القاف ـ أبو محمد، وأبو ساسان حامل راية أمير المؤمنين (ع) يوم صفين، دفعها إليه وهو ابن تسع عشرة سنة مات على رأس المائة (انظر تقريب التهذيب وكتاب صفين لنصر بن مزاحم ص325 وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد م1/495). ↑
- () مالك بن مسمع كان رأيه مائلاً إلى بني أمية، وكان مروان لجأ إليه يوم الجمل، وكان يأمر الناس بعد واقعة الطف بتجديد البيعة ليزيد بن معاوية (انظر تاريخ الطبري 5/110 حوادث سنة 38). ↑
- () في الأصلين «سنبيل» تصحيف قال في تاج العروس في ابن سنبل ـ بالكسر ويقال بالصاد أيضاً أحرق جارية من قدامة وهو من أصحاب علي رضي الله تعالى عنه وخمسين رجلاً من أهل البصرة في داره. ↑
- () الحدّان ـ بالضم ـ إحدى محال البصرة القديمة نسبة إلى حدان حي من العرب. ↑
- () المضمار ـ هنا ـ الغاية في السباق. ↑
- () يقصد أباه. ↑
- () الحتات ـ بالضم ـ ابن زيد بن علقمة التميمي صحابي قال في الإصابة في حرف الحاء المهملة ق1: «ذكره ابن إسحاق وابن الكلبي وابن هشام فيمن وفد من بني تميم على النبي (ص)». ↑
- () يمكن أن يكون أبا الكنود الوائلي الذي عدّه الشيخ في رجاله في باب الكنى من أصحاب أمير المؤمنين (ع) وسيأتي أبو الكنود الأزدي ولعله هو المراد هنا. ↑
- () مخنف ـ بكسر الميم وفتح النون ـ ابن سليم بن الحارث الأزدي الغامدي صحابي نزل الكوفة، وكان نقيب الأزد بالكوفة، واستعمله علي (ع) على مدينة أصفهان وشهد معه صفين، وكانت معه راية الأزد، واستشهد بعين الوردة سنة 65 مع التوابين، وهو جدّ أبي مخنف لوط بن يحي بن سعيد بن سليم صاحب الأخبار والسير المشهور (انظر أسد الغابة 3/339). ↑
- () التباغي: ظلم بعضهم بعضاً، والتهاذي: التكلم بغير المعقول لمرضٍ ونحوه. ↑
- () الثائرة: الضجة والشغب، وفي ش «النائرة» وهي هيجان الشر. ↑
- () الهام ـ جمع هامة ـ: رأس كل شيء. ↑
- () الحمية: الأنفة والنخوة أي إذا كانت لغير الحق تكون من خطرات الشيطان. ↑
- () أعين ـ بفتح الهمزة والياء والسكون بينهما ـ ابن ضبيعة ـ بضم الضاد كجهينة ـ عده الشيخ في رجاله من أصحاب أمير المؤمنين (ع) انتدبه أمير المؤمنين (ع) لقتال ابن الحضرمي لما دخل البصرة فقتل غيلة فأرسل مكانه جارية بن قدامة السعدي (انظر الطبري 5/111 حوادث سنة 38 وشرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد م1/351. ↑
- () الزعيم: الكفيل. ↑
- () ترامت ـ هنا ـ بلغت. ↑
- () أي ستسمع وتبصر ماذا يكون. ↑
- () خطت: تجاوزت، والمردية: المهلكة، وسفه: ضعف والجائز: المائل عن الحق. ↑
- () الجياد: الخيل، والركاب. قربتها: أدنيتها. ورحلتها، شددت الرحال عليها، والكلام كناية عن الاستعداد والتهيؤ. ↑
- () شخص إلى البلد: ذهب إليه. ↑
- () صدع الأمر: كشفه وبيّنه. ↑
- () العوذي ـ بالذال المعجمة ـ نسبة إلى العوذ بطن من الأزد واسم العوذي هذا عمرو بن العرندس ـ كما في تاريخ الطبري 5/112 حوادث سنة 38. ↑
- () الشجب: الهلاك. ↑
- () لحاهم الله: لعنهم وقبحهم، والشصب: السلخ، وفي ش «لعمري لبئس الشواء الشصب». ↑
- () الحباق ـ بكسر الحاء المهملة لقب قوم من بني تميم، وحمان ـ بالكسر ـ والتشديد ـ قبيلة من تميم وروى الطبري تتمة لهذه الأبيات:
ونحن أناس لنا عادة نحامي عن الجار أن يغتصب حميناه إذ حلّ أبياتنا ولا يمنع الجار إلا الحسب ولم يعرفوا حرمة للجوا ر، إذ أعظم الجار قوم نجب كما فعلوا قبلنا بالزبير عشية إذ برءه يُسلَبْ - () محمد بن قيس مردد بين محمد بن قيس الهمداني الكوفي ومحمد بن قيس اليشكري البصري (انظر ميزان الاعتدال 4/16 و17). ↑
- () ظبيان بن عمارة عده الشيخ في رجاله من أصحاب أمير المؤمنين (ع) وهو من الرواة ةعنه (ع) ـ كما في ميزان الاعتدال 2/348، ولهذا الرجل مواقف من يوم صفين (انظر صفين لنصر بن مزاحم ص172 وص192). ↑
- () إن تشيع ابن هانيء هو الذي دعا إلى إهمال هذا الشاعر العظيم، وهكذا فعلت وستظل تفعل العصبيات السوداء (ح). ↑
- () ابن الأبار: تكملة ج1 ـ 9 ص103 رقم 350. قال الحجاري: البيرة كانت قاعدة المملكة في القديم. ↑
- () ابن سعيد الغرب في حلي المغرب ج2 ص970. ↑
- () الضبي: بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس ص130 رقم 301، ابن سعيد: المغرب في حلي المغرب ج2 ـ ص93. ↑
- () ابن خلكان: وفيات الأعيان ج3 ص49. ↑
- () ياقوت الحموي: معجم الأدباء ج19 ص920. ↑
- () ابن الخطيب: الإحاطة في أخبار غرناطة ج2 ص212. ↑
- () ابن خاقان: مطمح الأنفس ص 74. ↑
- () المقري: نفح الطيب ج4 ص183. ↑
- () ابن العماد: شذرات الذهب ج3 ص41 ـ 43. ↑
- () ديوان ص715 رقم 50 بيت 75. ↑
- () إحاطة ج2 ص212، وفيات ج3، ص49. تكملة ج1 ص103 ترجمة 350، معجم الإباء ج11 ص92 شذرات الذهب ج3 ص41 ـ 43 تاريخ ابن خلدون ج4 ص46. ↑
- () إحاطة ج2 ص212. ياقوت ج19 ص92. ↑
- () وفيات الأعيان ج3 ص49. ↑
- () الضبي ـ بغية الملتمس ص130 رقم 302. ↑
- () ابن الفرضي ـ تاريخ علماء الأندلس ج1 326، 337، 120. ↑
- () ابن الفرضي ـ تاريخ علماء الأندلس ج1 326، 337، 120. ↑
- () ابن الفرضي ـ تاريخ علماء الأندلس ج1 326، 337، 120. ↑
- () ابن الأبار ـ التكملة ج1 ، 103. ↑
- () ابن خاقان ـ مطمح الأنفس ص74. ↑
- () ابن خلكان ـ وفيات الأعيان ج3، 49. ↑
- () ياقوت الحموي ـ معجم الأدباء ج19، 92. ↑
- () ابن الخطيب ـ الإحاطة في تاريخ غرناطة ج2، 212. ↑
- () المقري. نفح الطيب ج5، 183. ↑
- () ابن الأبار ـ الحلة السيراء ـ نشر دوزي ـ ص137. ↑
- () ابن الأبار ـ الحلة السيراء ص138. ↑
- () ديوان ق 12 ـ 210. ↑
- () ابن الخطيب، الإحاطة في أخبار غرناطة ج، 2 ـ 212. ابن خلكان، وفيات الأعيان ـ 3 ـ 49. ↑
- () ديوان ق37. ↑
- () ابن خلدون تاريخ ج4 ـ 46. ↑
- () ديوان ق3 ـ 42. ↑
- () ابن خلدون تاريخ ج 4 ـ 36. ↑
- () ابن الخطيب إحاطة ج 2 ـ 212. ↑
- () ابن خلدون تاريخ ج 4 ـ 46. ↑
- () ديوان ق 32 ـ 466. ↑
- () ابن خلدون المصدر السابق ص49. ↑
- () أبو الفداء تاريخ ج2، 118. ↑
- () ابن الأثير الكامل ج8 ـ 323. ↑
- () ابن الخطيب الإحاطة ج 2 ـ 212. ↑
- () ياقوت معجم الأدباء ج19 ـ 92. ↑
- () ابن خلكان وفيات الأعيان ج3 ـ 49. ↑
- () المصدر ذاته وفيات الأعيان ج3 ـ 49. ↑
- () ما ذكره ابن الخطيب عن سبب موته لا يقصد به إلا التشنيع على ابن هانيء، فالشاعر اغتيل اغتيالاً لأنه أصبح لسان الدولة الفاطمية (ح). ↑
- () مثل ابن هاني في إسلامه وكياسته لا يمكن أن يحتقر الشعوب لا سيما منها المناضل المخلص، ولكن الحقيقة أن زعماء تلك الأقوام غير العربية لم يكونوا يفهمون العربية فهماً صحيحاً، فإذا فهموها بعض الفهم، فلم يكن لهم من هذا الفهم ما يجعلهم يتذوقون الشعر العربي ويذكرون جمال أسلوبه وبعض مرامي معانيه ينفذ عندهم ويروج، لذلك لم يكن لابن هانيء فيهم شيء من الشعر (ح). ↑
- () ابن خلدون: تاريخ ج4 ـ 64. ↑
- () ابن خلدون: تاريخ ج4 ـ 46. ↑
- () ابن عذارى: البيان المغرب ج242 ـ 243. ↑
- () ابن خلدون تاريخ 4 ـ 48. ↑
- () مرت مدائح ابن هاني في المعز في ترجمة ابن هاني في المجلد العاشر فلا نعيدها هنا (ح). ↑
- () ديوان: ق42. ↑
- () سعيد المغربي ـ رايات المبرزين وأخبار المميزين ص55. ↑
- () الحصري: زهر الآداب وثمر الألباب ج2 ـ ص755. ↑
- () الحصري ـ زهر الآداب وثمر الألباب ج2 ـ 753. ↑
- () السيوطي: تاريخ الخلفاء، ص276. ↑
- () السيوطي: تاريخ الخلفاء، ص279. ↑
- () حسن إبراهيم حسن: النظم الإسلامية، ص84. ↑
- () ابن الأثير: الكامل، ج9، ص8. ↑
- () الفلال: ص14. ↑
- () مهيار الديلمي. ↑
- () هو ابن الحسن علي بن الحسن الباخرزي الشاعر المشهور، صنف كتاب «دمية القصر» وهو ذيل «يتيمة الدهر» للثعالبي وقد قتل بباخرز في ذي القعدة سنة سبع وستين وأربعمائة. «باخرز، هذه ناحية من نواحي نيسابور تشتمل على قرى ومزارع». ↑
- () دمية القصر: ص76 الديوان ج1، ص: هـ. ↑
- () الديوان، ج1، ص: و ↑
- () الفلال: مهيار الديلمي وشعره ص: 22 ـ 24. ↑
- () دائرة المعارف للبستاني: مجلد 8، مادة ديلم. ↑
- () الفلال: ص106. ↑
- () الفلال: ص108. ↑
- () الفلال: ص112. ↑
- () ومن هؤلاء الشعراء الأعلام الشاعر مهيار الديلمي الذي يقول محرر الهلال بمناسبة صدور دراسة موجزة عنه بقلم الأستاذ إسماعيل حسين: «مهيار الديلمي من نوابغ الشعراء العربية، وديوانه من أبدع ما نظم في فنون الشعر العربي… ومن الغريب أننا لم نجد قبل الآن أحداً من الأدباء عني به في العهد الحديث عنايتهم بغيره من الشعراء. بل إن مدرسي تاريخ الأدب العربي، في مدارس الحكومة كادوا يتناسونه ولا يذكرون عنه شيئاً» (الهلال الجزء 8، السنة 39، ص1250). ↑
- () صبح الأعشى ج3 ص348. ↑
- () الخطط ج2 ص204، والنجوم الزاهرة ج4 ص41. ↑
- () الخطط ج2 ص179. ↑
- () لا بد من الإشارة إلى أن هذه الدولة تمثل مذهباً واحداً من مذاهب الشيعة الثلاثة هو المذهب الفاطمي (الإسماعيلي) الذي لا يزيد أتباعه اليوم على نصف المليون. ولا تشمل المذهبين الأخيرين: المذهب الجعفري والمذهب الزيدي، كما أنه لا بد من إلفات نظر القارىء إلى أن دائرة المعارف هذه مختصة مبدئياً، بما يتعلق بالمذهب الجعفري وهو ما يعرف أيضاً باسم الإمامي وباسم الاثني عشري. ولكنه هذا لا يمتنع من معالجة ما هو مهم في شؤون المذهبين الآخرين كهذا البحث مثلاً (راجع الإسماعيلية). ↑
- () يمكن أن نحدد المسجد الفاطمي القديم من الجهة الشرقية بمقصورة عبد الرحمن كتخدا، والغربية بنهاية الصحن الكبير، والبحرية بالمدرسة الجوهرية، ومرافق الجامع، والقبلية بشارع الشيخ محمد عبده. ↑
- () ليست هذه المعالم مجهولة ممن يعرف أحياء القاهرة القديمة. فمواقع باب زويلة وبابي النصر والفتوح، وهما حدّا القاهرة المعزية من الجنوب والشمال لا تزال قائمة معروفة، وكذلك مواقع بابي المحروق والبرقية (حي الدراسة الحديثة) تحدد معالم الحد الشرقي للقاهرة المعزية من جهة المقطم. وعلى ذلك يكون موضع المدينة المعزية القديمة مما يشمل الآن الجامع الأزهر وما حوله من الأحياء والجمالية وقسماً من الحسينية وباب الشعرية والموسكي إلى الخليج القديم، والسكة الجديدة والغورية وما حولها، وحارة الروم وما يليها ودرب سعادة وما يليه إلى باب الخلق، وامتداد ذلك غرباً حتى النيل (راجع) الخطط ج1 ص179 وما يليها، والخطط التوفيقية ج1 ص7). ↑
- () الحقيقة أن اسمه عبدالله، لا عبيد الله. وقد ظهر ذلك في النقود الفاطمية المحفوظة في متاحف تونس، وفي غير النقود أيضاً، كما أن بقايا المذهب الفاطمي البهرة الموجودون اليوم، لا يرون اسمه إلا عبدالله، (راجع: الإسماعيليون). ↑
- () يؤخرك ويثنيك عن عزمك. ↑
- () المجالس والمسايرات ج2 ص417 ـ 420. ↑
- () الخطط ج2 ص205، وابن خلكان ج1 ص148. ↑
- () هو محمد بن هانىء ولد بإشبيلية سنة 326هـ وبرع في الشعر منذ الحداثة، ثم غادر الأندلس، ولحق بالبلاط الفاطمي في المهدية. ولما سار المعز إلى مصر سار ابن هانىء للحاق به، ولكنه توفي في طريقه سنة 363هـ. ويمتاز شعر ابن هانىء بجودته وروعة افتنانه. ↑
- () ابن خلكان ج1 ص149. ↑
- () كان القصر الشرقي الكبير هو الذي تمّ بناؤه فقط لنزول الخليفة عند إنشاء القاهرة على يد جوهر. ولم ينشأ القصر الغربي الصغير المواجه إلا بعد ذلك في عهد العزيز بالله. ↑
- () ابن خلكان ج1 ص147، والنجوم الزاهرة ج4 ص33. ↑
- () راجع المقريزي عن ابن زولاق، في اتعاظ الحنفاء ص90 و92 و94. ↑
- () اتعاظ الحنفاء ص92. ↑
- () راجع في ترجمة المعز لدين الله، ابن خلكان ج2 ص133 وما بعدها، واتعاظ الحنفاء للمقريزي، وخطط المقريزي ج2 ص164 ـ 167، والنجوم الزاهرة ج4 ص96 وما بعدها. ↑
- () راجع في ترجمة جوهر، ابن خلكان ج1 ص147 وما بعدها، وخطط المقريزي ج4 ص205 وما بعدها، والنجوم الزاهرة ج4 ص30 وما بعدها. ↑
- () ابن خلكان ج1 ص147، والنجوم الزاهرة ج4 ص33. ↑
- () هو ابو الحسن علي بن محمد بن النعمان القيرواني، تولى قضاء مصر في أواخر عهد المعز لدين الله، وكان أول من لقب بقاضي القضاة في مصر، وأقام في منصبه حين توفي سنة 374هـ في عهد العزيز بالله، وكان بارعاً في النظم وأما أبوه فهو أبو حنيفة النعمان بن محمد بن منصور القيرواني المعروف بابن حيون، وكان من أكابر العلماء، تولى القضاء للمعز بالمغرب، وقدم معه إلى مصر ولكنه لم يتول قضاءها. ↑
- () الخطط ج4 ص156. ↑
- () ابن خلكان ج2 ص441، والخطط ج4 ص57. وراجع أيضاً الإشارة إلى من نال الوزارة لابن الصيرفي ص23. ↑
- () صبح الأعشى (عن المسبحي) ج3 ص367، والخطط ج4 ص49. ↑
- () كان منصب داعي الدعاة أو رئيس الدعاة من المناصب الدينية الكبيرة في الدولة الفاطمية، وكان يختار من أكابر العلماء المتفوقين في علوم آل البيت وله نقباء ونواب في سائر النواحي (راجع الخطط ج2 ص226، وصبح الأعشى ج3 ص487). ↑
- () الخطط ج2 ص334، راجع كتاب ولاة مصر وقضاتها للكندي (الذيل) طبعة رفن جست ص610. ↑
- () الخطط ج2 ص334، وكتابة الولاة والقضاة ص610. ↑
- () راجع زولاق في كتاب سيبويه المصري (طبع مصر) ص22 و23 و24. ↑
- () السيوطي في حسن المحاضرة ج1 ص186. ↑
- () كان عميد الأسرة عبدالله بن عبد الحكم أحد أقطاب الفقه المالكي وقد توفي سنة 214هـ. وابنه عبد الرحمن بن عبد الحكم أقدم مؤرخ لمصر الإسلامية وصاحب كتاب «فتوح مصر وأخبارها» وقد توفي سنة 257هـ، ومحمد وهو فقيه كبير وقد توفي سنة 269هـ، (راجع ابن خلكان ج1، ص312). ↑
- () توفي ابن قديد سنة 312هـ، وأبو عمر الكندي سنة 350هـ، وأبو جعفر النحاس سنة 338هـ، وأبو بكر الحداد سنة 345هـ. ↑
- () راجع الحسن بن زولاق في كتاب أخبار سيبويه المصري (مصر) ص44. ↑
- () محمد بن طغج الإخشيد أمير مصر والشام (سنة 323 ـ 334هـ) وكان أميراً عظيماً استطاع أن يستقل بملك مصر والشام في ظل الدولة العباسية، وأن ينشىء له ولعقبه فيهما مملكة مستقلة. وخلفه ولده أنوجور واستمرت ولايته على مصر والشام حتى سنة 349هـ. وكافور خادم الإخشيد ووزيره ثم وزير ولديه أنوجور وعلي من بعده. وقد استطاع أن يستخلص الإمارة لنفسه بعد موت علي بن الإخشيد سنة 355هـ وتوفي سنة 357هـ. وجعفر بن الفرات من وزراء مصر المشاهير، ولي الوزارة للدولة الإخشيدية، ولما فتح الفاطميون مصر توفي سنة 391هـ والحسين بن محمد المارداني من وزراء مصر أيضاً في أواخر الدولة الطولونية، وفي عهد الولاة العباسيين في أوائل القرن الثالث، ولي خراجها أكثر من مرة، ولعبت أسرته دوراً كبيراً في هذا العهد. ↑
- () ابن زولاق في أخبار سيبويه ص32، 34، و36 وما بعدها. ↑
- () أورد لنا المقريزي نص هذا السجل كاملاً في الخطط (ج4 ص49 ـ 51). ↑
- () الخطط ج4، ص84. ↑
- () الخطط ج2 ص252. ↑
- () يستفاد من أقوال المقريزي أن نظام الأروقة قد بدأ بالأزهر منذ بناء الجامع ذاته (الخطط ج4 ص54). ↑
- () راجع نص هذا المرسوم بأكمله في ابن خلدون ـ كتاب العبر ج4، ص60. ↑
- () لأول مرة في تاريخ الدول الإسلامية تتبنّى الدولة تدريس غير مذهبها وتطلق الحرية لكل المذاهب ولا تضطهد من لا يقول بقولها وذلك ما فعلته الدولة الفاطمية وما انفردت به في التاريخ ويحدد الدكتور مصطفى مشرفة في مجلة المقتطف وضع كل مذهب في الأزهر على الصورة الآتية: كان للمالكية خمس عشرة حلقة وللشافعية مثلها ولأصحاب أبي حنيفة ثلاث: وهذا من أعظم مفاخر الدولة الفاطمية وما انفردت به في تاريخ الدولة الإسلامية. وإلى جانب مدرسي المذاهب السنية كان هناك مدرسون للمذهب الشيعي الجعفري الاثني عشري وهو غير مذهب الدولة الفاطمية «ح» ↑
- () توفي سنة 363هـ (974م). ↑
- () ابن خلكان ج2 ، ص319. ↑
- () راجع الإشارة إلى من نال الوزارة لابن الصيرفي ص23، وابن خلكان ج2، ص441، والخطط ج4، ص157. ↑
- () الخطط ج2، ص169. ↑
- () الخطط ج3، ص226، وتاريخ ابن ميسر ص64. ↑
- () توفي الحوفي سنة 430هـ، وابن بابشاذ سنة 469هـ، وابن القطاع سنة 515هـ، وابن بري سنة 499هـ، وابن هاشم سنة 445هـ، والشاطبي سنة 590هـ. ↑
- () راجع ما أورده المقريزي عن الدورة السرية في الخطط ج2 ص227 ـ 235. ↑
- () الخطط ج2 ص253 ـ 255. ↑
- () الخطط ج2 ص254 و334. ↑
- () أخبار مصر لابن ميسر ص64. ↑
- () المقريزي ابن زولاق في اتعاظ الحنفاء ص92. ↑
- () المقريزي في الخطط ج4 ص56. ↑
- () راجع النجوم الزاهرة ج5 ص176، حيث يذكر أن خطبة الجمعة كانت تلقى بالأزهر حتى عهد الآمر بأحكام الله (496 ـ 525هـ). ↑
- () صبح الأعشى ج3 ص487. ↑
- () راجع خطط المقريزي ج2 ص289 ـ 291، والنجوم الزاهرة ج5 ص153 ـ 154. ↑
- () الخطط ج2 ص181 و345. ↑
- () الخطط ج2 ص225، وصبح الأعشى ج3 ص487. ↑
- () راجع خطط المقريزي ج4 ص294، وحسن المحاضرة للسيوطي ج1 ص182. ↑
- () ورد ذلك في ترجمة الشيخ عبدالله الشرقاوي في حوادث سنة 1227هـ (ج4 ص172). ↑
- () راجع كتاب «الإفادة والاعتبار» (القاهرة 1286هـ) ص ـ ح. ↑
- () الإفادة والاعتبار ص ـ ح. ↑
- () ابن إياس ج1 ص82. ↑
- () وفيات الأعيان ج2 ص558. ↑
- () السلوك في معرفة دول الملوك للمقريزي ج1 ص556 و557، والخطط ج4 ص52 و53. ↑
- () الخطط 65 ـ الخطط ج4 ص54. ↑
- () توفي الحافظ بن حجر سنة 852هـ، والقلقشندي سنة 821هـ، والمقريزي سنة 845هـ، وابن تغري بردي سنة 874هـ، والعيني سنة 855هـ، والبلقيني سنة 868هـ، والمناوي سنة 871هـ، والسخاوي سنة 902هـ، والسيوطي سنة 911هـ. ↑
- () صبح الأعشى ج14 ص324 وما بعدها. ↑
- () راجع حسن المحاضرة للسيوطي ج2 ص157، وقد أشار الجبرتي أيضاً في تاريخه غير مرة إلى النظام المتقدم (راجع ج2 ص262). ↑
- () حسن المحاضرة ج1 ص262. ↑
- () وقعت موقعة مرج دابق، التي هزمت فيها الجيوش المصرية أمام الغزاة الترك وقتل السلطان الغوري، في شهر رجب سنة 922هـ الموافق شهر أغسطس سنة 1516م. ↑
- () يعقد ابن إياس في تاريخه فصلاً خاصاً يذكر فيه أسماء مئات من أكابر العلماء المصريين الذين نفاهم السلطان سليم إلى قسطنطينية (راجع بدائع الزهور ج3 ص119 و120 و121). ↑
- () نسبة إلى متن «الكافية» في علم النحو وذلك لكثرة اشتغاله به وبراعته في شروحه. ↑
- () راجع ابن إياس في بدائع الزهور ج3 ص116 و132. ↑
- () راجع الخطط ج4، ص76. ↑
- () راجع صبح الأعشى ج3، ص502. ↑
- () أخبار مصر لابن ميسر ص46. ↑
- () المقريزي في الخطط ج4 ص54 و55. ↑
- () التبر المسبوك ص198. ↑
- () Cite Uniperptair ↑
- () وقد صدر أخيراً قرار بإدخال اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية في مرحلتي التعليم بالمعاهد الدينية. وستدرس الانجليزية بصفة إجبارية في فصول السنة الأولى الثانوية، وتدرس باقي اللغات بصفة اختيارية في بعض الفصول في معهدي القاهرة والإسكندرية، وينفرد الطالب بدرسة لغة واحدة. ↑
- () الخطط ج4 ص54. ↑
- () الخطط ج4 ص54 و55. ↑
- () عجائب الآثار ج2 ص6. ↑
- () الخطط التوفيقية ج4 ص31. ↑
- () من أفضل ما كتب عن الازهر رسالة للأستاذ عبدالله عنان كانت هي الأهم فيما اعتمدناه في هذه الدراسة. ↑
- () راجع ترجمة البيروني وابن سينا في موسوعة (أعيان الشيعة). ↑
- () وردت الإشارة إلى بعض أسئلة البيروني وأجوبة الشيخ هذه عنها في كتاب المباحث المشرقية لفخر الدين الرازي (2: 441) في بحثه عن اتصاف الأجرام البسيطة بالكيفيات، وهذا نص ما جاء في الكتاب المذكور. قال أما الماء فالمشهور من أمره أنه غير ملون ولكن وجدت للشيخ كلاماً يدل على أنه أثبت للماء لوناً فإن أبا الريحان سأله فقال إذا كانت زجاجة صافية… الخ ويلاحظ أن الفخر الرازي يتفق مع ابن سينا في رأيه المذكور. وفي هذه المباحث المشرقية للفخر الرازي إشارات أخرى إلى هذه الأسئلة والأجوبة. ↑
- () جمع الجلال السيوطي ما نقل عن ابن عباس في هذا المعنى في كتابه: الإتقان في علوم القرآن (ج2 ص6 ـ106). ↑
- () لاحظ الفقيه والمتفقه للخطيب، تأسيس الشيعة للسيد الصدر (ص223). ↑
- () سعد السعود لابن طاوس، ص287 و296). البرهان في علوم القرآن للزركشي (ج1 ص8). ↑
- () تاريخ التراث العربي (المجلد الأول ج1 ص177). ↑
- () الإتقان للسيوطي (ج4 ص193)، ولاحظ الذريعة (ج3 ص34). ↑
- () بحار الأنوار للمجلسي (ج93 ص9) نقلاً عن تفسير النعماني. ↑
- () أسباب النزول للواحدي (ص4). ↑
- () آراء السيد الفاني (حول القرآن) (ص29). ↑
- () معجم مصنفات القرآن الكريم (ج1 ص6 ـ 127). ↑
- () الإتقان (ج1 ص107). ↑
- () المصدر السابق (ج1 ص7ـ 109). ↑
- () الإتقان للسيوطي (ج1 ص110). ↑
- () روضة الناظر (ص206). ↑
- () الإتقان (ج1 ص107). ↑
- () المصدر السابق (ج1 ص109). ↑
- () المصدر نفسه (ج1 ص8 ـ109). ↑
- () المصدر نفسه (ج1 ص112). ↑
- () المصدر نفسه (ج1 ص113). ↑
- () تفسير الحبري بتحقيقنا ـ الحديث (66) (ص47) من الطبعة الأولى. ↑
- () ذكر هذا الحديث مرفوعاً عن علي (ع) في عدة من التفاسير والمصادر الحديثية مثل: تفسير القرطبي (17/302)، وابن جرير، (28/15)، وابن كثير (4/327)، ومثل: كنز العمال (3/155)، ومناقب ابن المغازلي (ص114 وص 325) وكفاية الطالب للكنجي (ص135)، وأحكام القرآن للجصاص (ج3 ص526)، والدر المنثور (6/1885).ورواه الرياض النضرة للطبري (2/265) عن ابن الجوزي في أسباب النزول، وذكره الواحدي في أسباب النزول (ص276)، وانظر: جامع الأصول للجزري (2/2 ـ 453)، وفتح القدير (5/186).نقلنا هذه التخريجات من تفسير الحبري، تخريج الحديث (66). ↑
- () الإتقان (ج1 ص116). ↑
- () أسباب النزول للواحدي (ص4). ↑
- () الإتقان (ج1 ص115). ↑
- () لاحظ: مغني اللبيب لابن هشام (ص224). ↑
- () االإتقان (ج1 ص116). ↑
- () المصدر السابق (ج1 ص5 ـ 116). ↑
- () التفسير الكبير. ↑
- () محجة العلماء (ص258). ↑
- () المصدر والموضع. ↑
- () أسباب النزول (ص4). ↑
- () الإتقان (ج1 ص114). ↑
- () تدريب الراوي (ص115) عن المستدرك للحاكم، ونقله في (ص116) عن معرفة علوم الحديث للحاكم. ↑
- () تدريب الراوي (ص115). ↑
- () تقريب النواوي من تدريب الراوي (ص107). ↑
- () تدريب الراوي (ص107). ↑
- () المصدر (ص108). ↑
- () المصدر والموضع. ↑
- () روضة الناظر (ص112). ↑
- () تدريب الراوي شرح تقريب النواوي (ص126). ↑
- () تقريب النواوي المطبوع مع التدريب (ص118). ↑
- () الإتقان (ج1 ص117). ↑
- () البرهان في علوم القرآن للزركشي (ج2 ص158). ↑
- () تدريب الراوي (ص120). ↑
- () المصدر والموضع. ↑
- () المصدر والموضع. ↑
- () المصدر (ص106). ↑
- () الرفع والتكميل في الجرح والتعديل (ص136). ↑
- () المصدر السابق (ص137). ↑
- () منهج النقد في علوم الحديث (ص290). ↑
- () تدريب الراوي بشرح تقريب النواوي (ص104). ↑
- () منهج النقد (ص418). ↑
- () المصدر والموضع السابقان. ↑
- () الإتقان (ج ب ص120). ↑
- () تهذيب التهذيب (ج1 ص267). ↑
- () نقله في هامش الرفع والتكميل (ص122). ↑
- () ميزان الاعتدال (ج2 ص231). ↑
- () الرفع والتكميل (ص122 ـ 123). ↑
- () منهج النقد (ص288) الهامش (1) ↑
- () تدريب الراوي (ص106). ↑
- () البرهان للزركشي (ج2 ص159). ↑
- () لسان الميزان (ج7 ص359). ↑
- () المصدر السابق، نفس الموضع. ↑
- () كذا في المطبوعة، وفي المخطوطة «جمعناه». ↑
- () في المطبوعة: «مما ورد في». ↑
- () في المطبوعة: «الانتفاع». ↑
- () في المطبوعة: «عظيم». ↑
- () في المطبوعة: «الحرام والحلال». ↑
- () في المطبوعة: «وصف العناية». ↑
- () في المطبوعة: «مما يرجح». ↑
- () الاستبصار 1: 3.ط/ النجف 1375. ↑
- () الاستبصار4: 297. ط/ النجف 1376. ↑
- () الاستبصار4: 297. ط/ النجف 1376. ↑
- () الاستبصار3: 6، ط/النجف 1376. الكافي 1/355. ↑
- () انظر الفهرست: 327، الترجمة 709. ↑
- () رجال السيد بحر العلوم4: 99. ↑
- () الاستبصار 1: 226. ↑
- () الذريعة 2: 15. ↑
- () ورد في مشيخة التهذيب: «أبي ملك» انظر المشيخة التهذيب الرقم (36). ↑
- () ملاة الأخبار شرح الاستبصار: المجلسي 69: 70 (ت/1111)ط م/المرعشي بقم 1407. ↑
- () منتقى الجمان 1: 28. ↑
- () منتقى الجمان 1: 41. ↑
- () الذكرى الألفية للشيخ طالوسي: 688. ↑
- () سلم الوصول، ص296. ↑
- () محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء للخفيف، ص236 وقد نقل هذه التعاريف عن المبسوط. ↑
- () فلسفة التشريع في الإسلام، ص174. ↑
- () مصادر التشريع، ص58. ↑
- () مصادر التشريع الإسلامي، ص174. ↑
- () مصادر التشريع الإسلامي، ص174. ↑
- () المدخل إلى الفقه الاسلامي، ص257. ↑
- () مصباح الأصول، ص415. ↑
- () راجع مصباح الأصول، ص414. ↑
- () الغدير، ج5 ص291. ↑
- () الغدير، ج5 ص291. ↑
- () دراسات في الفلسفة الإسلامية للتفتازاني الغنيمي، ص122. ↑
- () الزمر/18. ↑
- () الزمر/55. ↑
- () إبطال القياس، ص50 (هامش). ↑
- () الأحكام للآمدي، ج2 ص38. ↑
- () الأحكام للآمدي، ج2 ص38. ↑
- () فلسفة التشريع الإسلامي، ص174 وما بعدها. ↑
- () اسمها المتداول هذا اليوم (كركان) وكانت تعرف بين أهل الضاد بجرجان. ونحن هنا نستعمل الاسمين. ↑
- () آباد في اللغة العربية تعني (حي) ويتكرر استعمالها كثيراً في أسماء المدن والقرى. ↑
- () بندر تعني في اللغة العربية ميناء. ↑
- () وهي نفسها «كنبد كاووس» والكاتب يستعمل الاسمين لها لرفع الاستغراب باعتبارها معروفة بهما. ↑
- () أي لم يفصلها جبل أو نهر أو بحيرة. ↑
- () أقسم يزيد بن المهلب لأن دخل كركان، أن يطحن بدماء أهلها ويعجن ويخبز، فلما فتحها قطع الماء عن القناة وذبح فيها خمسة عشر ألفاً من أهل كركان فقال له أعوانه: اجر الماء فوق الدماء فتبر يمينك ففعل (الطبري). ↑
- () كنبد تعني في العربية «قبّة». ↑