لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد الرابع عشر
الطبعة السادسة
1423هـ/2002م
بسم الله الرحمن الرحيم
سهل الخان
من سهول جبل عامل يتصل بسفح الجبل الذي تقوم عليه بلدة تبنين، وكانت تمر به القوافل القادمة من دمشق في طريقها إلى صور وعكا وتبيت فيه.
وقد مرت القافلة التي كان فيها الرحالة ابن جبير في هذا السهل وبات فيه مع القافلة، وقد وصف الطريق إليه من دمشق على هذه المراحل: دمشق ـ دارية ـ بيت جن ـ بانياس ـ الميسة([1]).
وقد باتت قافلة ابن جبير بالميسة، وحين ذكر ابن جبير القافلة قال عنها: قافلة كبيرة من التجار المسافرين بالسلع إلى عكا.
ومن الميسة اتجهت القافلة إلى تبنين فمرت بوادي الإصطبل الذي لا يزال يحتفظ باسمه حتى اليوم، وهو واد أدهش ابن جبير فأفاض في وصفه.
ومما قاله عنه: «المهبط إليه والمطلع منه عقبتان كؤودان».
ثم يقول: «فأجزناه ومشينا عنه يسيراً وانتهينا إلى حصن كبير من حصون الإفرنج يعرف بتبنين، وهو موضع تمكيس القوافل وصاحبته خنزيرة تعرف بالملكة وهي أم الملك الخنزير صاحب عكة دمرها اللَّه، فكان مبيتنا أسفل ذلك الحصن ومُكّس الناس تمكيساً غير مستقصى، والضريبة فيه دينار وقيراط من الدنانير الصورية على الرأس ولا اعتراض على التجار فيه لأنهم يقصدون موضع الملك الملعون وهو محل التعشير، والضريبة فيه قيراط من الدينار، والدينار أربعة وعشرون قيراطاً» (انتهى كلام ابن جبير).
والمكان الذي عبّر عنه ابن جبير بقوله: (فكان مبيتنا أسفل ذلك الحصن) هو المعروف اليوم في جبل عامل بسهل الخان ولا شكّ أن هذا الاسم قد لحقه لوجود خان كبير فيه معد لنزول المسافرين فالخانات هي التي كانت معدة لنزول المسافرين الغرباء.
وهنا لا بدّ من الإشارة إلى عدة أشياء:
1إن ابن جبير لم يذكر أية بلدة بين وادي الإصطبل وبين تبنين، في حين أن بين المكانين اليوم بلدة (شقرا)، ولا بدّ لمجتاز هذا الطريق من المرور بها.
فهل أن بلدة شقرا استحدثت بعد رحلة ابن جبير التي ابتدأها سنة 578هـ (1183م) من غرناطة وأنهاها في غرناطة سنة 581هـ (1185م)؟
إن هذا مستبعد جداً لأن ما هو مكتشف في شقرا من آثار قديمة سواء في القبور من أوان زجاجية وما شابهها، أو ما وجد فيها من معاصر العنب، أو الأجران الكبيرة المنقوش عليها الصلبان إن ذلك يؤكد قدم البلدة.
وقد علّل بعضهم عدم ذكره لشقرا أنه ربما كان لأن القوافل كانت تفضل عدم صعود العقبة الموصلة إليها بعد وادي الإصطبل والمسماة اليوم بعقبة (السكيكة)، بل كانت تدور حول شقرا سائرة في الوادي المعروف اليوم باسم وادي نحلة، حيث تنتهي إلى سهل الخان.
وهذا تعليل معقول لو أن ابن جبير لم يقل عن وادي الإصطبل: «المهبط إليه والمصعد منه عقبتان كؤودان».
فالعقبة التي هي مصعد من وادي الإصطبل هي عقبة السكيكة الموصلة إلى شقرا، فما أدرى ابن جبير أنها عقبة كؤود لو لم يكن قد صعدها؟!
ويُردّ على هذا بأنه يكفي بأن يراها ليحكم بأنها كؤود، دون أن يصعدها.
على أن من يعتقدون بأن شقرا ليست مستحدثة بعد رحلة ابن جبير يذكرون أن ابن جبير لم يكن ملتزماً بذكر أسماء كل ما يمر به من قرى ودساكر وبلدان فهو مثلاً يقول بعد رحيله عن سهل الخان:
«ورحلنا من تبنين دمرها اللَّه سحر يوم الاثنين وطريقنا كله على ضياع متصلة وعمائر منتظمة» دون أن يسمي واحدة من تلك الضياع أو العمائر ويظل هكذا حتى النزول قريباً من عكا فيقول:
فنزلنا يوم الاثنين المذكور بضيعة من ضياع عكا على مقدار فرسخ». فمن تبنين حتى أبواب عكا لم يذكر اسماً لبلدة.
ونرجو من القراء أن يسامحونا عن هذا الأطناب عن وجود (شقرا) وعدم وجودها، فشقرا هي البلدة التي ولد فيها الوالد وبها نشأ وتلقى تعليمه الأول، وهي بلدة الآباء والجدود([2]).
2 ـ عرفنا أن ما نسميه اليوم في أمور البضائع التجارية باسم (ترانزيت) وهو ما يمر في البلد مروراً دون أن يستقر فيها فلا تؤخذ عليه ضريبة في البلد المار به، بل تؤخذ الضريبة في البلد التي سيستقر فيه، إن (الترانزيت) كان له أشباه في ذلك الزمن فموظفو (الجمارك) الصليبيون في سهل الخان لم يتقاضوا الضريبة على البضائع التي مرت بهم لأنها مارة مروراً في طريقها إلى عكا.
3 ـ إن ضريبة (الجمرك) لم تكن يومذاك على البضائع فقط، بل كانت على الناس الداخلين أيضاً، وهي عن كل رأس دينار وقيراط.
ألا يمكن أن نشبه هذه الضريبة بالضريبة التي يتقاضاها قناصل الدول عند إعطائهم تأشيرة الدخول (الفيزا) على جوازات السفر؟ أليست هي الأخرى ضريبة على الناس لا على البضائع؟
4 ـ يبدو الغموض فيما ذكره ابن جبير هنا، فقد فهمنا الضريبة على الرؤوس، وفهمنا أمر بضائع (الترانزيت). ولكن الذي لم نفهمه هو قوله: ومُكّس الناس تمكيساً غير مستقصى. وهذا يدل على أن هناك أمراً غير ضريبة الرؤوس وغير بضائع (الترانزيت) تساهل فيه موظفو (الجمارك) فلم يستقصوا الناس فيه.
وربما كان هذا الأمر هو أمر البضائع التي ستستقر في المنطقة فلا تمر (ترانزيت) إلى عكا، بل ستباع في تبنين وما إليها من قرى ودساكر، وهذه فرض الموظفون عليها الضريبة ولكن بدون استقصاء.
5 ـ إن مركز (الجمرك) لم يكن على الحدود، بل كان على مرحلة طويلة من الحدود بين منطقة المسلمين ومنطقة الصليبيين، فالحدود كانت ـ كما ذكر ابن جبير ـ في ضواحي بانياس، ومركز (الجمرك) في سهل الخان عند تبنين، وما بين المكانين مسافات بعيدة، فكيف تأتمن إدارة (الجمارك) الداخلين على أن لا يكونوا ممن سيستقر سواء بشخصه أو ببضائعه في هذه المناطق الواسعة ما بين بانياس وتبنين، وبذلك ينجون من الضريبة؟!
الذي يبدو أنه كان هناك نظام دقيق يطبق على القوافل لا على الأفراد فابن جبير قد ذكر فيما تقدم أنه كان في «قافلة كبيرة من التجار المسافرين بالسلع إلى عكا».
فالظاهر أنه كان هناك ضمانات تطبق على القوافل المهيأة لمثل هذه الأسفار.
ونعود إلى سهل الخان فنقول: في هذا السهل أكثر من عين نابعة ولكنها غير كثيرة الماء ولتوسطه بين مجموعة قرى، كانت القرى المحرومة من الينابيع تستفيد من مائه ولا يمانع بذلك أهل تبنين الذين تعود لبلدتهم ملكية العيون لاستغنائهم عنها بالينبوع الثّر الدافق الواقع في الطرف الآخر من البلدة والمسمى عين (المزراب). على أنه في سني الجفاف التي تقل فيها مياه الينابيع كان أهل تبنين يحرسون عيون سهل الخان ويمنعون غيرهم من ورودها وطالما وقعت بينهم وبين غيرهم من أهل القرى المجاورة معارك وتضارب على نقل الماء من تلك العيون.
ولما بدىء في هذا القرن باستعمال المطاحن النارية أنشأ بعض أهل تبنين طاحوناً من هذا النوع في سهل الخان لطحن القمح والبرغل فكثر الإقبال عليها لا سيّما من القرى البعيدة عن طواحين الماء في وادي الحجير والليطاني فعمر سهل الخان فترة من الزمن.
وفي سهل الخان يقول الشيخ يوسف برّي المهاجر من تبنين إلى ديترويت ميشغن في الولايات المتحدة الأمريكية وقد بدأ حياته في ديترويت عاملاً في معامل سيارات فورد:
حياة أسير السجن في موطني مثلي
وشغل العبيد السود في مصنع شغلي
تمنيت أن أحيا مع المعز راعياً
وأبقى قريباً من ربوعي ومن أهلي
أروح مع العمال في (فورد) عاملاً
فأصبح فرداً ضاع في عدد النمل
وهذي من المازوت والزيت بزّتي
وأكل صغار الفأر من جبنة أكلي
أحن إلى (تبنين) شوقاً وإنّني
سأذكرها ما طال عن أرضها رحلي
وإن كان جسمي في مصانع (مشغن)
فقلبي (بسهل الخان) أو قلعة التل
وكتب في رسالة إلى صديق له:
إليك الشعر أبعثهُ كتابا
فهات مع البريد لي الجوابا
وعن (دترويت) لا تسأل فأني
على رغمي أطلت بها الغيابا
غريب الدار لا يرضى سواها
ويهواها وإن كانت خرابا
هنالك خيمة التينات عندي
تعادل كل ناطحة سحابا
سألتك كيف أنت وكيف أهلي
وأطلال طويت بها الشبابا
(وسهل الخان) كيف السهل أمسى
وهل طابت أزاهره وطابا
بروحي غادة كانت تغني
على هضباته لحن (العتابا)
(وعين الورد) هل أغدو إليها
وأغسل في مساربها الثيابا
وفي (صدّيق) حيث البطم زاه
يعانق في تثنيه القبابا
(راجع، صدّيق)
سهم الإمام
يجبى الخمس من الغنائم الحربية، والمعادن، والعوائد السنوية الخالصة، وبعض الأشياء الأخرى، يعني أن يدفع كل شخص، بعد استخراج مصاريفه الخاصة، الخمس إلى جهاز الإمامة والقيادة الدينية.
نصف هذا الخمس يدعى «سهم الإمام» ويصرف، بحسب الفقه الشيعي، في حفظ الدين وإبقائه.
واليوم، إن الميزانية الوحيدة التي تدبر شؤون المنظمة الدينية، والتي عليها بني تنظيم الحياة الدينية، ومنها استمدت المنظمة الدينية شكلها وصيغتها بحيث أصبح لها تأثير كبير في جميع الشؤون الدينية، هي سهم الإمام.
إن رجال الدين والمجتهدين لا يفرضون أي إلزام أو إجبار لغرض جباية هذه الميزانية المالية، بل إن الناس المؤمنين هم الذين يتصلون عن رضا وطيب خاطر بمن يعتمدونهم ويطمئنون إليهم من رجال الدين ويدفعون لهم ما بذمتهم. وليس لهؤلاء أي تنظيم مالي متميز لهذه الأموال، إنما الناس، مدفوعين بضمائرهم وإيمانهم، يدفعون ما ينبغي عليهم من أموالهم كثيراً كان أم قليلاً، من الأرقام الصغيرة حتى الأرقام التي تصل إلى المئة ألف تومان وبضع مئات الآلاف منه.
إن ميزة سهم الإمام على ميزانية الأوقاف هي أنه ينطوي على عواطف الناس وتواضعهم وحبهم، فقيام عامة الناس بدفع سهم الإمام إلى شخص ما ناشىء عن حسن ظنهم، أما كون الذي يتسلم هذا المال يصلح لذلك أو لا يصلح فيعود إلى مقدار صحة حكم الناس على صلاح هذا الشخص، وإلى عدم وجود عوامل أخرى غير ذلك الأمر. غير أن المتسلم النهائي لهذا السهم هو الإمام، فثمة سلسلة من العلل والمعلولات تنتظم تعريف شخص ما، ثم وثوق الناس وحسن ظنهم به، ثم وصول سهم الإمام إليه، ثم بلوغه الزعامة وتسنم الرئاسة.
التركز والسلطة
قبل مئة سنة، يوم كانت وسائل الارتباط بين المدن ضعيفة، كان أهالي كل مدينة يدفعون ما عليهم من الحقوق المالية إلى علماء مدينتهم وكانت تلك الأموال غالباً ما تصرف في المدينة نفسها. ولكن خلال هذا القرن الأخير، وبعد أن ظهرت وسائل المواصلات الحديثة، وازداد قرب المناطق بعضها من بعض، جرت العادة على أن تدفع تلك الأموال إلى مرجع التقليد. وعلى ذلك فإن مرجع التقليد الذي كان موضع التقدير والطاعة، ازدادت، بوصول أموال سهم الإمام إليه، إمكاناته في إدارة الحوزات العلمية وفي توسيعها وإدامتها. وعلى أثر اتساع الاتصالات وازدياد الارتباطات بين الناس ومراجع التقليد، وانتشار الحوزات العلمية وكثرة عدد الطلاب والمتخرجين الذين انتشروا في معظم المدن والقرى، ظهرت زعامات وسلطات كبيرة.
إن طريقة تجميع أسهم الإمام هي التي ذكرناها. أما طريقة صرفها فترتبط مئة بالمئة بوجهة نظر المرجع الذي يتسلمها. ولم تجر العادة إلى هذا اليوم أن يكون لهذا حسابات ودفاتر وسجلات، وحسن التصرف في هذه الأموال منوط بمدى تقوى المرجع وزهده وخوفه من اللَّه، ثم بمدى تثبته من أحقية جهات الصرف وعدم الوقوع في أخطاء، وثالثاً يتعلق ذلك بقدرة الرجل على حسن قيامه بالأمر وإمكاناته.
نقطتا القوة والضعف
إن لطريقة تجميع سهم الإمام المتبعة في الوقت الحاضر محاسنها ومساوئها. ومن محاسنها أن دافعها الوحيد هو إيمان الناس وعقيدتهم، وأن علماء الشيعة لا يتقاضون ميزانيتهم من الحكومة، وأن تعيينهم وعزلهم ليس بيد الدولة، وعلى ذلك فإن ستقلالهم محفوظ دائماً في قبال الحكومات، فهم قوة بإزاء قوة الدولة، وقد ينافسونها أحياناً.
إن هذا الاستقلال في الميزانية، والاستناد إلى عقيدة الناس، هما السبب أحياناً في الوقوف بوجه انحرافات الحكومات ومعارضتها وإسقاطها، ولكن هذه نفسها، من جهة أخرى، هي نقطة ضعف الشيعة أيضاً، فليس ثمة ما يلزم علماء الشيعة ويجبرهم على إطاعة الحكومات ولكنهم مضطرون إلى مجاراة أذواق العامة وعقائدها، للإبقاء على حسن الظن بهم، وهذا منشأ، المفاسد الموجودة في السلك الديني الشيعي.
سلك رجال الدين
لو قارنا بين سلك رجال الدين في إيران وفي مصر بزعامة الجامع الأزهر للاحظنا وجود امتياز لكل من هاتين المنظمتين على الأخرى.
ففي مصر يعين رئيس الجمهورية رئيس الجامع الأزهر، بالنظر لأسباب خاصة يأتي على رأسها عدم وجود ميزانية مستقلة للجامع الأزهر، وكذلك وجود نظرة مختلفة في مصر بشأن ولي الأمر. وعلى ذلك فرئيس الجامع الأزهر أشبه بالمدعي العام الذي يعينه عندنا الرجل الأول في الدولة. ولكن هذا لا وجود له في السلك الديني في إيران، بل إذا ظهر أن بعض الدوائر الرسمية تميل إلى رئاسة شخص معين فإن ذلك يكون مدعاة إلى سقوط ذلك الشخص.
قبل سنوات رأيت في إحدى الصحف صورة الشيخ محمد شلتوت رئيس الجامع الأزهر وهو جالس إلى مكتبه وفوق رأسه علقت صورة جمال عبدالناصر. أما في إيران فلا يمكن أن تجد صورة أحد المسؤولين معلقة حتى في غرفة حقيرة لأحد الطلبة. إن زعيم مصر الديني لا يمكن أن يبلغ من القوة والقدرة بحيث يستطيع في قضية مثل قضية التبغ أن يسقط حكومة. لماذا؟ لأنه متكىء على الدولة.
ولكن من جهة أخرى، نجد أن رجل الدين المصري، بالنظر لكونه لا يجد مرتبه ومورد معاشه في أيدي الناس فإنه لا يكون متكئاً على العامة، وتكون له حرية الرأي والعقيدة، ولا يخفي الحقائق ولا يكتمها، لأنه لا يخشى الناس، إنه لمن المستبعد أن يقدر رئيس ديني شيعي، في هذه الظروف الحاضرة مهما يكون حي الضمير وطالب إصلاح ومخلصاً، على إصدار فتوى مثل الفتوى التي أصدرها الشيخ شلتوت والتي حطم بها طلسماً دام أكثر من ألف سنة، أو حتى أن يخطو خطوة أصغر من تلك الخطوة بكثير.
في القرون الإسلامية الأولى، يوم كانت الظروف المعاشية لرجال الذين المصريين والإيرانيين متشابهة، لم يكن علماء الشيعة، من حيث تنورهم الفكري وتنوع مؤلفاتهم في الفروع المختلفة وابتكاراتهم العلمية، متخلفين عن علماء مصر، بل إن المصريين أنفسهم يعترفون بتقدم الإيرانيين عليهم في جميع العلوم الإسلامية. أما اليوم فالأمر معكوس، إن عيون المسلمين المتنورين في إيران تتجه نحو علماء مصر، ينتظرون تآليفهم الجديدة في المسائل الاجتماعية الإسلامية المطلوبة في أيامنا هذه، إنهم قد يئسوا من علمائهم، لأنهم في الظروف التي يعيشون فيها لا ينتظر أن يصدر عنهم غير الرسائل العملية أو بعض المؤلفات السطحية التي لا تتخطى مستوى تفكير العامة.
غير أن عدداً من النخبة المخلصة استطاعت خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية أن تنفصل عن ميزانية رجال الدين وانصرفت إلى التأليف والتحقيق في المجالات التي تشتد إليها الحاجة اليوم في المجتمع الإسلامي.
إن المتضلعين يعترفون الآن بأن الآثار والمؤلفات التي صدرت في السنوات الأخيرة عن خريجي الحوزات العلمية الشيعية أعمق بكثير مما ينشره العلماء المصريون وأدق تحقيقاً.
القدرة والحرية
إذا اعتمدت المنظمة الدينية على الناس نالت القدرة، ولكنها تخسر الحرية. وإذا اعتمدت على الحكومات فقدت القدرة واحتفظت بالحرية، وذلك لأن عامة الناس ذوو عقيدة وإيمان على العموم ولكنهم جهلة وسذج ومتخلفون، ولذلك فإنهم يعارضون كل إصلاح، ولكن الحكومات من جهة أخرى متنورة، غير أنها ظالمة متجبرة. فالمنظمة التي تتكىء على الناس تكون قادرة على محاربة ظلم الحكومات وتجاوزها، ولكنها ضعيفة في محاربة خرافات الجهلة وعقائدهم الباطلة. أما إذا استندت المنظمة إلى الحكومات فإنها تكون قادرة على محاربة العادات والأفكار الجاهلة، وتكون ضعيفة في وجه ظلم الحكومات وتجبرها.
عندي أن استناد ميزانية رجال الدين على الناس ليس هو سبب ضعفهم، إنما سبب الضعف هو عدم وجود تنظيم لهذه الميزانية وهو الذي يؤدي إلى هذه المنقصة الكبيرة. فبتنظيم ميزانيتهم يمكن إزالة المنقصة الكبرى بحيث يكون لرجال الدين الشيعة كلاً من القدرة والحرية، وهدف كلامنا في هذا الموضوع هو أن نبلغ بالمنظمة الدينية إلى هذه المرحلة المثالية.
آفة المجتمع
المجتمع يشبه الفرد في كثير من الحالات، ومن ذلك الإصابة بالآفات، وطبيعي أن تكون آفة المجتمع خاصة بالمجتمع، ولكل مجتمع آفته الخاصة به. إن الآفة التي أصابت مجتمعنا الديني بالشلل وأقعدته عن العمل هي «الإصابة بالعوام» وهي أشد بلاء من الإصابة بالسيول أو الزلازل أو لسع العقارب والحيات. إن أصل هذه الآفة هو نظامنا المالي.
إن منظومتنا الدينية على أثر إصابتها بهذه الآفة، لا تستطيع أن تكون طليعة فتتحرك أمام القافلة، وأن تهدي القافلة بالمعنى الصحيح للهداية. إنها مضطرة إلى التحرك وراء القافلة. إن من سمات العامة أنهم لا يفارقون القديم الذي اعتادوا عليه، بل يتمسكون به، دون تمييز بين حق وباطل. إنهم يعتبرون كل جديد بدعة أو اتباعاً للأهواء. لا يعرفون قوانين الطبيعة ومقتضيات الفطرة، لذلك فإنهم يخالفون كل جديد من هذا المنظور. ويحافظون على الواقع القديم دائماً.
إننا نرى اليوم أن العامة من الناس ينظرون إلى مسائل مهمة، كالتوزيع العادل للثروة، والعدالة الاجتماعية، والتعليم العام، والحكم الوطني، وأمثالها مما يرتبط ارتباط وثيقاً بالإسلام وتعاليمه التي تدعو له وتدافع عنه، ينظرون إليها نظرتهم إلى رغبة صبيانية.
فمجتمعنا الديني المصاب بآفة العامة لا مندوحة له ـ عندما يريد أن يتحدث في مسألة اجتماعية ـ عن الخوض في مسائل سطحية وثانوية، مبتعداً عن الجذور العميقة التي يتعامل معها بطريقة تدل، مع الأسف، على تأخره وعلى نقضه الإسلام، مما يكون سلاحاً بيد أعداء الإسلام.
إنه لمدعاة للأسى حقاً أن نجد هذه الآفة تقيد الأيدي والأرجل، ولولا ذلك لاستبان بكل وضوح أن الإسلام جديد في كل عصر وزمان حقاً «لا تفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه» ولعرف أن أعرق النظم الاجتماعية في عصرنا هذا ليس قادراً على منافسة الإسلام.
ليس أمام مجتمعنا الديني سوى السكوت في موضع الكلام والسكون في موضع الحركة، والنفي في موضع الإثبات، لأن ذلك ينسجم مع طبيعة العامة.
إن حكومة العامة هي منشأ رواج الرياء والمجاملة، والتظاهر وكتمان الحقائق والاهتمام بالمظاهر، وشيوع الألقاب والمقامات، والتطلع إلى المراكز العليا في مجتمعنا الديني مما لا نظير له في العالم.
إن حكومة العوام هي التي تدمي قلوب أحرارنا وطلاب الإصلاح فينا.
لقد ارتأى الشيخ عبدالكريم الحائري اليزدي مؤسس الحوزة العلمية في قم، أن يطلب من عدد من الطلبة تعلم اللغات الأجنبية وبعض العلوم كمقدمات، لكي يستطيعوا عرض الإسلام على الطبقات المثقفة الجديدة، وفي البلدان الأجنبية، ولكن ما أن انتشر هذا الخبر حتى جاءت جماعات من العامة وأشباه العامة من طهران إلى قم، وقالوا إن هذه الأموال التي يدفعها الناس باسم سهم الإمام لا يقصد بها أن تصرف لتعلم الطلبة لغة الكفار، وأنهم سوف يفعلون كذا وكذا إذا نفذ الاقتراح. فلما رأى المرحوم أن ذلك سيكون سبباً لانهيار الحوزة العلمية من أساسها، ألغى فكرته مؤقتاً.
وبعد ذلك بسنوات، في عهد زعامة السيد أبو الحسن الأصفهاني، عقد عدد كبير من علماء النجف الأشرف وفضلائها المبرزين ـ وبعضهم اليوم من مراجع التقليد ـ اجتماعاً تبادلوا فيه وجهات النظر واتفقوا على إعادة النظر في برنامج الدروس التي يدرسها الطلاب، آخذين حاجات المسلمين الآتية بنظر الاعتبار، وعلى الأخص تلك المسائل التي هي جزء من أصول عقائد المسلمين فيدخلونها في البرنامج التدريسي للطلاب، وكان الهدف هو إخراج الحوزة العلمية في النجف من نطاق الاقتصار على الفقه والرسائل العملية. ورفعت هذه النتائج إلى السيد الإمام لإقرارها، غير أنه وقد سبق له أن تلقى درسه مما جرى مع الشيخ الإمام الحائري ومن أمثال ذلك، أرسل يقول: ما دمت حياً لا يحق لأحد أن يغير من تركيب هذه الحوزة. وأضاف: أن سهم الإمام، الذي يوزع على الطلاب، يجب أن يكون من أجل الفقه والأصول دون غيرهما. ومن البديهي أن ذلك كان درساً لا ينسى للفضلاء الذين هم رؤساء الحوزة العلمية في النجف الآن.
إن في هذا توضيحاً كافياً لمعرفة السبب الذي يحمل شخصياتنا البارزة عندما تصل إلى مركز الحل والربط، تعجز عن تحقيق ما كان يدور في خلدها من قبل، وعلى الرغم مما يسببه لها ذلك من آلام، ولا تفتأ تفكر في الإصلاح، ولكنها في العمل لا قدرة لها على التنفيذ. لماذا خرجت حوزتنا العلمية من شكل جامعة دينية إلى شكل كلية فقهية؟ لماذا عندما يبرز علماؤنا وفضلاؤنا ويشتهرون، يخفون ما عندهم من العلوم، غير الفقه والأصول، وينكرونها؟ لماذا يكثر العاطلون والمتطفلون في هذا الوسط المقدس بحيث إن الزعيم الديني إذا أراد أن يسقي نبتة ورد يضطر إلى سقي الأشواك والنباتات الطفيلية الكثيرة؟ لماذا يطغى السكوت والسكون والتماوت في محيطنا الديني على المنطق والحركة والحياة؟ لماذا ضعفت فيما بيننا حرية الفكر والعقيدة؟ لماذا لا ينظم منهاج تدريس طلاب العلوم الدينية تنظيماً يتفق ومتطلبات العصر؟ لماذا نرى طلبة العلوم الدينية، بدلاً من أن يكونوا هم الساقين في الطليعة والهادين لمسيرة المجتمع، يعرجون خلف القافلة؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟
طريق الإصلاح
ليس طريق الإصلاح ألا يكون للحوزة الدينية ميزانية وأن يكون على كل شخص أن يعيش من عرق جبينه، ولا طريق الإصلاح هو أن يصبح رجال الدين عندنا مثل رجال الدين في مصر أتباعاً للدولة.
طريق الإصلاح واحد: تنظيم الميزانية الموجودة فعلاً. إن ما يجري الآن في سهم الإمام أشبه بأن تقرر الدولة تخصيصات لتأمين معاش رجال التربية، ولكن تطلب منهم أن يرفدوا تلك الميزانية بطريق حثّ الناس وترغيبهم على التبرع لها، وأن لكل شخص أن يأخذ من الناس ما يستطيع على أن يحكم ضميره فلا يصرف على نفسه أكثر من حاجته، وأن يعطي الآخرين ما يفيض عن حاجته.
من المعلوم كيف يمكن أن يصبح حال التربية والتعليم في هذه الحالة، فالمعلمون سوف يربون الأطفال ويعلمونهم حسبما يشتهي أولياء الطلاب، وهم في الأغلب من العامة. إن هذه الطريقة في العمل تدفع بالذين يخدعون الناس إلى المقدمة، وتنحي إلى المؤخرة أصحاب الرأي وطالبي الإصلاح في التربية والتعليم، فتنشط سوق الرياء والمجاملة وكتمان الحقائق والتجمل الظاهري، بحيث تسود جميع المثالب التي تتصل بممالأة العامة من الناس. إن هذه الطريقة في العمل تحمل المعلم على أن ينظر إلى أولياء الطلاب بعين الطامع المستغل، فيتخذ جميع التدابير التي يتخذها صاحب عقار أو صاحب معمل للحصول على أكثر ما يمكن من الفائدة والربح، فيتسبب في ظهور مفاسد استجلاب العامة كالرياء والتظاهر وكتمان الحقائق والاستجداء، وكذلك مفاسد عدم تقسيم الثروة تقسيماً عادلاً بسبب الأحقاد والعداوات وسوء الظن.
إن ميزانية الحوزة الدينية عندنا تعاني من حالة مماثلة لتلك، ولا طريق لإصلاحها إلا بإخضاعها للتنظيم بإيجاد صندوق عام ودفاتر وحسابات وأرصدة في مراكز الحوزات، بحيث إن أحداً لا يستطيع أن يقبض مالاً من الناس مباشرة، بل يأخذ كل بحسب الخدمة التي يؤديها من ذلك الصندوق الذي يكون تحت تصرف رجال الدين من الطراز الأول، فيعتاشون منه.
إذا حدث هذا فإن الناس سيوالون دفع الحقوق الشرعية بحكم إيمانهم وعقيدتهم، وفي الوقت نفسه سوف ينحسر تسلط الدولة وتسلط العامة ورفع أيديها عن الأخذ بخناق الحوزة الدينية. إن كل المفاسد ناشئة من كون رجال الدين يتناولون المال مباشرة من الناس، الأمر الذي يوجب على رجال الدين أن تكون لهم علاقات مباشرة مع دافعي الحقوق الشرعية للتأثير عليهم واجتذابهم.
إن كل مرجع تقليد تعتمد إدارته على تسلم سهم الإمام وتوزيعه على طلاب الحوزة الدينية. فلا بدّ له من أن يستجلب الاهتمام لكي يستطيع استيفاء هذه الميزانية وإعدادها. ففي الظروف الحالية لا يسع رجال الدين في المدن إلا أن يجعلوا من انتمائهم إلى الحوزة الدينية مهنة لهم، ومن المسجد مكاناً لعملهم وتكسبهم.
فلو أصلح هذا الحال، لما راح أحد يتصل بالناس بصورة مباشرة ولتحرر مراجع التقليد المحترمون، ولانتفت عن المساجد صورة كونها أمكنة للكسب، ووضع حد لحالتها المؤسفة هذه ولما غدت المساجد الكبيرة، مثل جامع (گوهرشاد)، مكاناً ينتحي فيه عشرات الأشخاص في كل زاوية يقيمون فيها صلاة الجماعة فيثيرون انتقاد المدركين من الناس([3]).
المعاش
لا يمكن النظر إلى قضية المعاش نظرة سهلة ساذجة، فهي ركن أساس من أركان الحياة، فلو اختلت لأثرت على باقي جوانب الحياة.
إن من مميزات الإسلام أنه يولي اهتماماً كبيراً لمسألة المعاش، حتى أن بعضهم يرى أن الإسلام يعتبر الاقتصاد أساساً، إلا أن نظرة الإسلام الواقعية لا ترى الاقتصاد أساساً، ولكنها لا تهمل دوره الرئيس. يرى الإسلام أن إصلاح شؤون المعاش لا بدّ أن يكون من مسؤولية المنظمات الاجتماعية كبيرها وصغيرها. ولهذا السبب نقول إن قضية المعاش ليست مما يمكن التغاضي عنه بسهولة، لأنها ركن من أركان الحياة الرئيسة، فإذا اختل هذا الركن، اختلت الأركان الأخرى أيضاً.
فلنأخذ رجلاً من رجال الدين يعيل عائلة تتألف من بضعة أفراد، بعد بضع سنوات من الدراسة يلقي رحاله في إحدى المدن، ويتخذ من أحد المساجد مركزاً له. وبالنظر إلى كونه متديناً فإنه يسعى في حدود إمكاناته أن يكون ذا نفع. وعلى ذلك فإن معاشه يعتمد على قبول المال من الناس مباشرة ولا مناص له عن النظر إلى أتباعه نظرة المستغل. ولما كان من المحتمل أن يكون في المدينة نفسها أشخاص آخرون يعتاشون مثل اعتياشه، ومن حيث طبيعة البشر، لا بدّ أن يحصل بينهم تنافس في اجتذاب الأتباع. إن التنافس يقتضي إبداء مزيد من الرعاية والاهتمام بأذواق الناس. وعندما يرى هذا المسكين أن مخالفة العامة تسقطه من الوجود، فيفكر في نفسه أن الأمر بالمعروف يكون واجباً إذا لم يؤد إلى ضرر، فإذا وجد احتمال الضرر، فقد سقط عنه التكليف.
إن ارتباط معاش هذا الإنسان بالناس قد بدل إحساسه وتصوره للتكليف الشرعي.
إنني أعترف أنه كان دائماً أفراد متميزون يؤدون واجبهم على الرغم من الظروف الصعبة، منزهين عن التزلف للأتباع، إلا أن الكلام يدور على الناس العاديين. لذلك لا ضرورة لإيجاد ظروف لا يستطيع غير النخبة أن يؤدوا فيه وظائفهم.
أثر الإيمان والتقوى
قد يخطر للقارىء أننا قد أهملنا في حساباتنا السابقة أثر الإيمان والتقوى العجيب في إصلاح الأمور، وأننا لم ننظر إلى المسائل إلا من نافذة الأمور المعاشية، وعليه فإن ما قيل لا يصدق إلا على المنظمات الاجتماعية الدنيوية، لا المنظمات الدينية التي تتألف من أشخاص منزهين وأتقياء لا يعنون إلا بالمعنويات، وإن في المنظمات الدينية تتخذ روح الإيمان والمعنويات مكان التنظيم والأجهزة والترتيب وكل ضبط وانضباط.
فأقول: ليس الأمر كذلك. إنني أعترف بأثر الإيمان والتقوى المدهش. إن الإيمان والتقوى يحلان كثيراً من المشاكل، ويقومان مقام الكثير من الضبط والانضباط. لو وضعنا ميزانية حرة كهذه وبدون أية مسؤولية أو دفاتر وحسابات تحت إدارة منظمة غير دينية، عندئذ ستنكشف الحالة وكيف يمكن أن تكون. ففي المنظمات والمؤسسات الحكومية، على الرغم من كل ما فيها من التشكيلات الطويلة والعريضة ذات المسؤوليات والمحاكم، وعلى الرغم من التفتيش المتوالي، نسمع كل يوم بقضايا الاختلاس المليونية تعرض أمام المحاكم. إنها قدرة الدين والمعنوية التي ما زالت تحافظ على الحوزة الدينية، برغم كل ما هنالك من انعدام التنظيم والحساب، وتحول دون تلاشيها.
لقد ظهر في المحيط الديني المقدس زعماء من أمثال الشيخ مرتضى الأنصاري الذي كان ينظر إلى الأموال التي تصله نظرته، حسب تعبيره، إلى الماء الوسخ الذي يبقى في الطشت بعد غسل الملابس، لا يمد يده إليها إلا عند الضرورة القصوى والحاجة الملحة. إنّ من بين طلاب العلوم الدينية أفراداً كانوا وما يزالون مثالاً للزهد والقناعة والمنعة لا نظير له، حتى أن أقرب المقربين إليهم من أساتذتهم وزملائهم لا يعلمون شيئاً عن فقرهم، فهم مصداق للآية الشريفة: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف}.
أهمية النظام والتنظيم
إننا نعرف أنه ما من شيء يقوم مقام التقوى والإيمان، وأنهما يسدان الخلل في كثير من النواقص ولكن، من جهة أخرى، لا يمكن أن نضع التقوى والإيمان في مكان كل شيء. إننا لا يمكن أن نتوقع من الشيء إلا أثره الخاص. فالمعنويات لا تملأ مكان الماديات كلياً، ولا الماديات مكان المعنويات، وحتى المعنويات فيما بينها لا يملأ الواحد منها مكان الآخر تماماً. فلا العلم مثلاً، يقوم مقام الإيمان، ولا الإيمان يمكن أن يقوم مقام العلم.
إن النظام والمؤسسات التنظيمية مبدأ مقدس من مبادىء حياة البشر، فإذا لاحظنا أن الروح المعنوية والإيمان قد قضيا على بعض مفاسد اللانظام وعدم الانضباط، فلا بدّ أن نلاحظ أيضاً أن اللانظام وانعدام وجود المؤسسات التنظيمية لحياة رجال الدين قد زلزلتا أركان الإيمان والمعنويات وأوجدتا محيطاً فاسداً.
وإنه لمما يدعو إلى الأسف الشديد أن يرى الناس بأعينهم أن أبناء بعض مراجع التقليد وأحفادهم وحاشيتهم يستغلون الفوضى السائدة في تنظيم مالية الحوزة الدينية فيختلسون ويصرفون في بذخ وإسراف دون أن تصل اختلاساتهم إلى نهاية. فهل فكرتم في قوة الضربة التي ينزلها هذا بعالم التدين؟
والمشكلة الكبيرة الأخرى في مجتمعنا الديني هي وجود أناس يتزيون بزي رجال الدين، ولكنهم صنيعة بعض الأجهزة التي تساندهم وتمدهم بالمال، فيقوم هؤلاء بكل ذكاء وبالإغراء باجتذاب أفراد آخرين يؤيدونهم ويعملون لمصلحتهم بما يضر بمصلحة المسلمين.
إنني لا أريد أن أتطرق في هذه المقالة إلى هؤلاء الأشرار والمفاسد التي يثيرها وجودهم، فمعظم الناس على علم، زاد أو قل، بهؤلاء. إنما أتساءل هل يمكن قطع دابر هؤلاء وفسادهم بغير التنظيم السليم لمؤسساتنا الدينية؟.
الوعظ والتبليغ
إن الوعظ والإرشاد والخطابة والمنبر من الفروع التي ترتبط بالدين، وإذا أردنا أن نتحدث عن هذا الفرع من الوظيفة التي يتحمل مسؤوليتها والخدمات التي يجب أن يؤديها وما له وما عليه، فلا بدّ لنا أن نعقد بحثاً خاصاً بذلك. أما هنا وفيما يتعلق بما مرّ من كلام، بل يرتبط بكونه قد أصبح مهنة وحرفة للتكسب رسمية يطلب فيها بالأجرة. أي الموضوع نفسه الذي رفضه جميع الأنبياء، حسب ما ورد في القرآن، أصبح مألوفاً عندنا. إن من البديهي أن يسري قانون العرض والطلب على كل شيء يكون جزءاً من القضايا الاقتصادية، كأية بضاعة، عندئذ لا بدّ أن يميل باتجاه ميلان رغبة المستهلك، لا مصلحته.
إذا أمكن القول بأن جميع ما يستورده التجار يكونون مدفوعين إليه بما تقتضيه مصلحة المستهلك، نستطيع عندئذ أن نقول إن احتراف الوعظ والإرشاد عندنا يستهدف مصلحة الإسلام والمسلمين.
إنني لا أنكر وجود الخطباء الصالحين الذين أدوا خدمات جليلة ويؤدون، كما إنني لا أقول بتغيير الوضع الموجود، ولكني أقول إن المنظمة الدينية يجب أن تربي مجموعة من الخطباء والوعاظ وتضع لهم برنامجاً صحيحاً وتؤمن لهم معيشتهم لكيلا يأخذوا أجراً على تبليغ رسالتهم. هؤلاء سوف يتمكنون من أن يفكروا بحرية دون أن يرتبطوا بجهة. وسيكون وجودهم حافزاً للآخرين على أن يحذوا حذوهم. إن جهاز الوعظ والإرشاد عندنا، مثل المنظمة الدينية، لا حرية له، وضعيف في مكافحة جهل العامة.
تحذير وإنذار
إذا شاء اللَّه وحلت مشكلة منظمتنا الديبنية، فإن النواقص الأخرى تحل أيضاً على أثر ذلك، وإن لم نفعل نحن ذلك، فإن الزمان كفيل بتحقيقه. إن ما يبعث على الأمل هو وجود شخصيات كبيرة كفوءة ومخلصة في طلبها الإصلاح بين طبقة رجال الدين من الطراز الأول ومراجع التقليد وكبار الخطباء وحتى الطلبة والوعاظ الشبان، إن ما قيل في هذه المقالة لا يعني أن في رجال الدين ـ لا سمح اللَّه ـ منقصة. بل إن هذه المقالة نفسها دليل على أن الكاتب إذا كان ينتظر إصلاحاً فإنه ينتظره من هذه الطبقة الجليلة. إن الكاتب يرى أن التنظيم الصحيح لمجتمعنا الديني يساعد شخصياتنا البارزة على أن تفتح يدها أكثر وتعد الطريق لتحقيق أهدافها المقدسة.
يعتقد الكاتب أنه ما دام الإصلاح الأساس لم يتحقق بعد، فإن من واجب طلاب الإصلاح أن يؤمنوا معيشتهم عن طريق امتهان عمل أو حرفة لا تستغرق كل وقتهم، فيعيشون منها، لكي يستطيعوا التفكير بحرية والقول بحرية، والدفاع عن الإسلام في خندق حر ليهيئوا كل المقدمات لإصلاح كبير([4]).
إن على رجال الدين الكبار عندنا أن يدركوا أن بقاء رجال الدين ووجود الإسلام يعتمد على تمسك زعماء الدين بابتكار الإصلاحات العميقة التي تعتبر اليوم ضرورة لا مناص منها. إنهم اليوم يواجهون شعباً نصف يقظ، ولكنه يزداد يقظة يوماً بعد يوم. إن ما ينتظره الجيل الحاضر من رجال الدين غير ما كانت تنتظره منهم الأجيال السابقة، وإذا أغضينا الطرف عن بعض الآمال الفجة والساذجة، فإن معظم ما ينتظرونه حق ومشروع. فإذا لم يسرع رجال الدين في تحركهم ولم يخلصوا أنفسهم من قبضة العامة، ولم يجمعوا قواهم، ولم يخطوا خطوات نيرة، فإن خطراً كبيراً سوف يتوجه إليهم من طلاب الإصلاح الذين لا يرتبطون بالدين.
إن الشعب اليوم متعطش للإصلاح، وسوف يزداد تعطشه غداً. إنه شعب يحس أنه متخلف عن الشعوب الأخرى، فهو يستعجل اللحاق بها. ومن ناحية أخرى نجد طلاب الإصلاح الذين لا يرتبط معظمهم بالدين كثيرين ويتربصون بمشاعر الجيل الحاضر وبطموحاته العالية، فإذا لم يستجب الإسلام ورجال الدين استجابة إيجابية لتلك الطموحات، فإنها سوف تتوجه نحو الأفكار الجديدة. فكروا لو أن خندق الإصلاح شغله هؤلاء، أفلا يتعرض الإسلام والمجتمع الديني للخطر؟
أما إذا أريد بحول اللَّه وقوته إجراء ترتيبات تنظيمية على المجتمع الديني، فينبغي أن يجلس مفكرونا وعلماؤنا ليضعوا الوسائل الكفيلة بتحقيق ذلك، ويرتبوا الأمور من حيث برامج الدراسة وطريقة إدارة مختلف الأقسام وغير ذلك.
أمل وانتظار
إنني أعلم أن بعضهم يرى هذه الأفكار والآمال عبثاً وغير عملية. إنهم يعتقدون أن العمل على تنظيم المجتمع الديني في هذا العصر إنما هو أشبه بمحاولة إحياء ميت، أو في الأقل، أشبه بمحاولة إنقاذ مريض محكوم عليه بالموت.
ولكني أقف في الجهة المعاكسة تماماً، وأرى نواة المجتمع الديني أشد حيوية من أي جهاز آخر، إنما هم كبلوا يديه ورجليه بالسلاسل والقيود، فيجب تحريره من هذه القيود. كثيراً ما قلت وأقول إن مجتمعنا الديني شجرة أصيلة ثمينة وحية ولكنها مصابة بالآفات، فيجب الحفاظ عليها ومكافحة آفاتها. أما الذين يرونه شجرة يابسة نخرة ينبغي أن تجتث من جذورها، فإنهم مردودون مئة بالمئة. إن مقولة «إسلام بغير رجال دين» كانت دائماً في نظري مقولة استعمارية. فإني أعتقد أن لا شيء يمكن أن يقوم مقام مجتمعنا الديني، إذ أن حملة الثقافة الإسلامية الأصيلة والعميقة والثمينة نجدهم في هذا المجتمع. إن ذلك الإيمان والتقوى، والإخلاص، والتفجر والتحرك وتلك المعنويات والتضحيات، التي هي العلة الأصيلة في بقاء هذا الشعب، إنما منبعها من هذه التربة المقدسة.
إنني أستلهم إيماني وأملي في إصلاح المجتمع الديني من مطالعاتي في التراث الإسلامي الغني ومن معلوماتي عن الشخصيات الكفوءة في هذا الجهاز. وعليه فإني لا أرى وجوب إصلاح هذا الجهاز ولا أستبعد إمكان تحققه فحسب، بل أراه قريب الوقوع تماماً. {إنهم يرونه بعيداً} {ونراه قريباً}.
(راجع: الخمس)
مرتضى مطهري
سهند (جبال)
جبال سهند، كتلة بركانية تقع إلى الجنوب من تبريز ولها ثلاث قمم مخروطية الشكل ومتقاربة، يبلغ ارتفاع أعلاها 3710م عن سطح البحر وتغطي الثلوج كتلة سهند في معظم أيام السنة.
السواد
كانت كلمة السواد تعني العراق. قال الخطيب البغدادي: وإنما سمي السواد سواداً لأن المسلمين قدموا يفتحون الكوفة، فلما أبصروا النخل قالوا: ما هذا السواد؟ فكلمة (السواد) أصبحت مدلولاً على الأراضي الزراعية الخصبة المكونة من ترسبات دجلة والفرات، وأصبح يراد بها إقليم بابل جميعه، ويجمع جغرافيو المسلمين على أن السواد يمتد من حربى([5]) شمالاً إلى الخليج الفارسي جنوباً، ومن حلوان([6]) شرقاً إلى العذيب([7]) بجوار القادسية غرباً([8]).
وقال المسعودي في كتابه (التنبيه والإشراف) في تحديد السواد:
وقد حدَّ كثير من الناس السواد وهو العراق فقالوا حدَّه ممّا يلي ـ المغرب وأعلى دجلة من ناحية أثور وهي الموصل القريتان المعروفة إحداهما بالعَلث من الجانب الشرقي من دجلة وهي من طُسّوج بُزُرْ جسَابور والأخرى المعروفة بِحَرْبَى وهي بإزائها في الجانب الغربي من طُسّوُج مَسكن ومن جهة المشرق الجزيرة المتّصلة بالبحر الفارسي المعروفة بِمِيان روُذَان من كورة بَهُمَن أرْدَشير، ورآءَ البصرة ممّا يلي البحر طول ذلك مائة وخمسة وعشرون فرسخاً، والحدُّ الشماليُّ من عَقَبَة حُلْوان إلى الموضع المعروف بالعُذَيْب وراءَ القاسيّة من جهة الجنوب مسافة بين هذين الموضعين وهو عرض السواد ثمانون فرسخاً، يكون ذلك مكسّراً عشرة آلاف فرسخ والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع بالذراع المرسلة يكون بذراع المساحة وهي الذراع الهاشميّة تسعة آلاف ذراع وهو مائة وخمسون أشلاً يكون ذلك جِرْباناً اثنين وعشرين ألفاً وخمس مائة جريب.
أما حدود العراق فإنها تكاد تكون منطبقة على حدود السواد مع اختلاف الجغرافيين المسلمين في تحديد الحدّ الشمالي له فمنهم من يرى أن حدود العراق هي حدود السواد([9]) بينما يرى الإصطخري أن حدود العراق هي: في الطول من حدّ تكريت إلى حدّ عبادان على بحر فارس. وفي العرض عند بغداد في قادسية الكوفة إلى حلوان وعرضه بواسط ـ من واسط إلى قرب الطيب، وعرضه بالبصرة ـ من البصرة إلى حدود جبى([10]). أما الخطيب البغدادي فإنه يحدد العراق: من بلد إلى عبادان، وعرضه من العذيب إلى جبل حلوان([11]). ومدينة بلد التي يقصدها الخطيب هي الموضع المعروف اليوم بأسكي موصل، وتعرف باسم بلط أيضاً، وتقع على بعد 40 كلم شمال غربي الموصل على ضفة دجلة اليمنى.
وقد تطلق كلمة (السواد) مضافة إلى إحدى المدن فيقال: سواد الكوفة، وسواد البصرة، وسواد بغداد.
وعندما ولي سعيد بن العاص الكوفة لعثمان بن عفان، قال: السواد بستان لقريش وبني أمية!
فقال له مالك الأشتر: أتزعم أن السواد الذي أفاءه اللَّه على المسلمين بأسيافنا بستان لك ولقومك! واللَّه ما يزيد أوفاكم فيه نصيباً إلا أن يكون كأحدنا، وتكلم معه القوم…
فقال عبدالرحمن الأسدي وكان على شرطة سعيد: أتردون على الأمير مقالته! وأغلظ لم، فقال الأشتر: من هاهنا! لا يفوتنكم الرجل، فوثبوا عليه فوطئوه وطأ شديداً حتى غشي عليه…
سوزوگداز ويقال
رازونياز وسوزوگداز
سوز: ديوان شعر فارسي كبير من نظم الشيخ الميرزا عبدالوهاب ابن الشيخ محمد صالح البرغاني الحائري القزويني المتوفى سنة 1294 هجرية من كبار متكلمي الشيعة في القرن الثالث عشر، عارف متأله، شاعر متفنن صرح في أوله أن هذا الديوان منظومة لكتاب مقتل الحسين (عليه السلام) لوالده المسمى (مفتاح البكاء) ونظم هذه الرباعية في تسمية ديوانه.
گر راز ونياز است همه سوز وگداز است
گرسوز وگداز است همه راز ونياز است
اين راز ونيازيست زرضوان كه همه عمر
از آتش هجران همه در سوز وگدازاست
رتبه على ثلاث مقدمات المقدمة الأولى في مصادر الديوان والمقدمة الثانية في فضيلة الشعر ورثاء سيد الشهداء أبي عبداللَّه الحسين (عليه السلام) والمقدمة الثالثة في فهرست الديوان، وقسّمه على مجالس متفرعة إلى أبواب.
وكان تخلصه في الشعر (رضوان) ويلقب بـ (رضوان الدين) ونسخه بخط الناظم من مخطوطات مكتبة كاتب هذه السطور وعندنا نسخة ثانية بخط شكسته.
عبدالحسين الصالحي
السياسة للملك
أو السياسة السلطانية
للحكيم الفيلسوف أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب الخازن الرازي الأصل الأصفهاني المسكن المعروف بمسكويه والملقب بالعلم الثالث المتوفى في 9 صفر سنة 421 هجرية.
لم أجد ذكراً لخصوصيات هذا الكتاب في حديث الدراسات التي قام بها الباحثون والمحققون وفي كل ما نشر عن حياته ومؤلفاته والفهارس. واقتصر كل من كتب عنه على ذكر اسم هذه الرسالة فقط دون الإشارة إلى خصوصياتها ونسخها في المكتبات العامة والخاصة ويستفاد أن نسخها نادرة الوجود، ذكر في أعيان الشيعة ج3 ص160 هذه الرسالة باسم (السياسة للملك) نقلاً عن كتاب مسكويه (طهارة الأعراق) والسيد حسن الصدر باسم (كتاب السياسة السلطانية) ([12]) دون أن يذكر من أين نقله وشيخنا الأستاذ آغا بزرك الطهراني في الذريعة باسم (السياسة السلطانية) ([13]) نقلاً عن كتابه (طهارة الأعراق) وبما عن السيد الصدر والخوانساري في الروضات قال: (… وكتاب السياسة للملك على ما يظهر من كتابه الطهارة..) ([14]) ونقل الدكتور أبو القاسم الإمامي، في مقدمته المفصلة لكتاب مسكويه (تجارب الأمم) الذي قام بتحقيقه، أقوال السيد الأمين والخوانساري والسيد الصدر ثم يقول: (كتاب السياسة السلطانية ونحن نظن أنه ليس غير كتاب السياسة للملك) ([15]). أقول: عندنا مجموعة من مؤلفات مسكويه مؤرخة سنة 480 هجرية ومنها رسالة السياسة للملك في مكتبتنا بكربلاء أمر العلامة الكبير مدرس الطف الشيخ علي تقي البرغاني الحائري آل الصالحي باستنساخها خشية الضياع والتلف ومنها هذه الرسالة في سنة 1289 هجرية.
أصدر مسكويه هذه الرسالة باسم جمال الدين أبو إسحاق ووصفه بقوله: (… من خصّه اللَّه تعالى بالدولة القاهرة وجمع له بين النعم الباطنة والظاهرة وأتاح له الملك مع الفضيلة… وهو الشاه الأعظم ولي الأيادي والنعم المشار إليه بالبنان في المكارم… جمال الدنيا والدين أبو إسحاق لا زالت الدنيا معمورة بعدله مغمورة بفضله…).
وجعلها في أربع مقالات وأولها بعد البسملة (الحمد للَّه على جسيم نعمائه والصلاة على محمد خاتم أنبيائه وعلى آله وأصحابه وأوليائه..) ثم أضاف قائلاً (أما بعد فإن الملوك في الأعصر الماضية كانوا راغبين في العلم معتنين بتربية أهله وترفيه خاطرهم وتصفية أوقاتهم عن الشوائب…).
وهناك نسخة ثانية من هذه الرسالة من مخطوطات مكتبة كاتب هذه السطور عبدالحسين الصالحي في قزوين.
سيالكوت
تقع على بعد مائتي ميل من مدينة لاهور وهي قاعدة مقاطعة تحمل اسمها. وهي من أقدم مدن الباكستان، وفي هجوم الإسكندر المقدوني على الهند سنة 320 قبل الميلاد كانت سيالكوت بلدة عامرة. وهي اليوم مركز صناعي كبير اشتهرت بصنع أدوات الرياضة البدنية.
والتشيع في سيالكوت قديم العهد ولكنه ازدهر في القرن التاسع عشر، ومما يروى أنه نزلها رجل اسمه محمد عبداللَّه فأنشأ فيها سنة 1880 ميلادية منشرة لقطع الأخشاب. وكان هذا الإنسان رجلاً عجيباً وله طرق وأساليب بارعة في الدعوة. فبعد بضعة أيام من إنشاء المنشرة صارت مركزاً للتبليغ والإرشاد؛ وفي سنة 1915 خرجت المواكب الحسينية من منشرة محمد عبداللَّه لأول مرة في سيالكوت. ثم أقيمت بعد ذلك حسينية كبرى تمّ بناؤها سنة 1925. وفيها للشيعة مسجد كبير تقام فيه الجمعة والجماعة.
السيباية
السيباية: جمعها (سوابي) وهي محرفة عن كلمة (سوباية) الفارسية، أي ذات الثلاث أرجل يطلقها عرب الفرات الأوسط على كل قلعة حربية مبنية من الطين على شكل نصف دائري غير منتظم على الغالب. وتكون السيباية عادة سميكة الجدران قليلة الارتفاع، خلافاً للقلاع المربعة الشكل التي يتخذونها مسكناً لهم ولعيالهم.
والسيباية معروفة عند الفراتيين منذ عهد ليس بالقريب فقد ذكر أهل التاريخ أن الخزاعل كانوا يستخدمونها عند مقاومتهم للجيوش التركية التي كانت تأتيهم إلى مواطنهم غازية ففي سنة 1196هـ (1781م) كان سفر سليمان باشا والي بغداد نحو آل سلمان الخزاعيين فحاربهم وأخرجهم من (السيباية) ذكره الشيخ الفتوني في كشكوله وجماعة غيره منهم العزاوي في تاريخ العراق ج6 ص86.
وفي سنة 1198هـ (1783م) توجه سليمان باشا نفسه لمحاربة شيخ الخزاعل حمد آل حمود وحاصره في (السيباية) كما ذكر هذا صاحب التاريخ المجهول وجماعة آخرون من المؤرخين منهم العزاوي في تاريخ العراق ج6 ص91.
وفي سنة 1212هـ (1797م) كان سفر علي كخوه (الكخيه أو الكدخدا) على حمد آل حمود الخزاعي إلى (السيباية) وتسمى معركة العليبي لأن حمد آل حمود أصيب في علباته. ذكره السيد حسون البراقي في قلائد الدر والمرجان، وورد ذكر هذه الحادثة بصورة أوسع في عدة كتب تاريخية من بينها كتاب غرائب الأثر لياسين العمري ومطالع السعود لابن سند البصري وتاريخ العراق بين احتلالين للعزاوي ج6 ص120 وغيرها.
وسيباية حمد الحمود شيخ الخزاعل التي وقعت فيها معركة العليبي المتقدمة الذكر لا تزال ماثلة تعرف بالنسبة إليه. وموقعها في نهاية نهر الرملة المندرس، على بعد نحو ثلاث ساعات من غربي بلدة الحمزة الشرقي وهي سيباية كبيرة جداً سمعت ممن شاهدها من أبناء تلك المنطقة، أنها تشغل مساحة من الأرض تقدر بنحو ثلثمائة دونم، وأن كل ضلع من أضلاعها الثلاثة يبلغ طوله أكثر من خمسمائة متر، وفي كل ضلع ثمانية أبراج كبيرة، وسمك جدارها نحو خمسة أمتار.
ولا يزال عرب الفرات الأوسط يتحدثون عن المعركة التي دارت رحاها في هذه السيباية بين الخزاعل وبين عساكر الأتراك فيقولون إن حمد الحمود لما ضايقه الجيش التركي ترك منزله وانسحب عنه إلى قرب الهور، وهناك طلب من أتباعه أن ينشؤوا لهم (سيباية) يتحصنون بها من العدو. فامتثلوا جميعهم وتقاسموا العمل حصصاً وشرع كل فرد منهم ببناء حصته، إلا واحداً منهم وهو أبو الغمسي وكان من شجعان خزاعة، فلم يهتم للأمر لأنه كان يرى من العار عليه أن يتحصن من الأتراك وكان كلما طولب ببناء طرحه (حصته) يجيب أن لدي من الوقت الكافي لبنائه. وهكذا بقي أبو الغمسي يماطل صحبه حتى قاربهم العدو وأخذت مدافعه ترسل حممها على الخزاعل عن طريق طرح أبو الغمسي، وحينئذ نهض أبو الغمسي وقاد حصانه الذي كان يرتجف من شدة دوي أصوات المدافع، إلى طرحه وصار يشد عليه سرجه في تلك الثلمة من السيباية وهو يخاطبه بقوله [من بحر الميمر]:
تزحر يمن ريتك عرج ما تدره
والمادره بالعاقبه ما يدره
العز بلوهمات يلما تدره
والذل تتلاه الندامه واكشر
وما أن أتم قوله حتى امتطى حصانه وهجم على أحد المدفعيين وقد رأسه بسيفه، وكان في هجومه النصر للخزاعل على الجيش التركي هذا ولا تزال ثلمة أبي الغمسي البالغ طولها نحو خمسين متراً ظاهرة للعيان في موقع السيباية المنسوبة إلى حمد الحمود.
حمود الساعدي
السيابجة أو السبابجة
لما قدم طلحة والزبير وعائشة البصرة وأثاروا الفتنة التي عرفت باسم وقعت الجمل، وكان ممن قتلوهم أول وصولهم إلى البصرة جماعة من الزط والسيابجة، فمن هم السيابجة، وقد يقال لهم السبابجة؟.
ذلك ما أجاب عنه كاتب هندي في مجلة ثقافة الهند، وهو ما نأخذه هنا:
اختلف المؤرخون في الأخذ بواحد من هذين الاسمين. وقد ذكرها البلاذري في فتوح البلدان، وابن خلدون في تاريخه في مواضع كثيرة بالسيابجة كما أخذ به غيرهما من عامة المؤرخين. وأما الاسم الثاني (بالباء) فقد اختاره ابن الفقيه الهمداني في كتاب البلدان، وابن دريد في جمهرة اللغة وابن منظور في لسان العرب، حيث قالوا: السبابجة جمع سبيجي أو سابج.
السيد سليمان الندوي قال عن السيابجة في بحث «الروابط العربية الهندية» في أمكنة كثيرة بأنه معرب «سياه بچه» (الطفل الأسود). ولكنه حينما ذكر (السبابجة) نقلاً عن كتاب ابن دريد (جمهرة اللغة) قال: «لم يعرف الأصل الهندي للسبابجة».
والمؤرخون الذين أثبتوا ذكر السبابجة في كتبهم (بالباء) يرونه جمعاً للسبيجي أو السابج كما يقال في نحو بعض أسماء الجموع المتقدم ذكرها من أن الأساورة جمع الأسور، والأحامرة جمع الأحمر، والبياسرة جمع البيسر. وأما لفظة السبيج على وزن الرغيف فهي ـ على ما يبدو لنا ـ معربة من كلمة «سبىء» الفارسية الأصل ويصغرونها على السبيج. وقال الشيخ محمد طاهر الكجراتي «هو ثوب صوف أسود»([16]).
وقد استعمل هذا اللفظ ابن خرداذبه في وصفه لقرن المرميس (الكركدن أو وحيد القرن) وأراد به ما يقرب كثيراً من معناه السالف الذكر حيث يقول:
«فيه صورة من أول القرن إلى آخره. فإذا شق رأيت الصورة بيضاء في سواد كالسبج في صورة إنسان أو دابة، أو سمكة أو طاووس أو غيره من الطير»([17]).
ومعروف أن السبجة هي الكساء الأسود الذي يكون في الغالب غليظاً عريضاً. والفعل منه: تسبج بمعنى لبس السبجة. ويترجح عندنا أن هذا هو المصدر لكلمة السبابجة، فهو الأصل الذي اشتقت منه هذه الكلمة، بيد أن ذلك إنما يصح إن صح القول بأنها جمع السبيجي والذي يحدو بنا إلى ترجيحه هو أن ملبسهم العادي إنما كان من السبج. وذلك لأن وظيفة هؤلاء القوم بعد قدومهم إلى الجزيرة كانت في بادىء الأمر مقصورة على القيام بحراسة السفن ووقايتها من قرصنة لصوص البحر مما كان قد يلجئهم إلى محاربتهم واشتباكهم معهم في القتال. وأيضاً قد أسندت إليهم حراسة السجون من بعد. فلقد كانوا يرتضون لبس السبج نزولاً على مقتضى طبيعة العمل الذي احترفوه لئلا يقرسهم البرد ولا يصيبهم الماء وموج البحر بضرر. ويتغلبون على الأجواء غير المواتية. وكان لباسهم هذا كله يقي أجسادهم من الإصابات وقت القتال. وقد ورد ذكر السبابجة في لسان العرب كما يلي:
والسبابجة قوم ذوو جد من السند والهند يكونون مع رئيس السفينة البحرية يبذرقونها. واحدهم سبيجي. ودخلت في جمعه الهاء للعجمة والنسبة كما قالوا: البرابرة وربما قالوا: السابج»([18]).
وهذا الوصف لعصابة السبابجة صريح في أنهم كانوا رجالاً أقوياء ضخام الهياكل. وكانوا يضطلعون بعبء حراسة السفن وبذرقتها في الرحلات البحرية كقوة حامية تقف في وجه اللصوص، وكان ذلك حرفتهم في جزيرة العرب تكفل لهم مؤنة العيش. وفيهم يقول ابن السكيت:
«السبابجة قوم من السند يستأجرون ليقاتلوا فيكونون كالمبذرقة»([19]). وقال الجوهري:
«السبابجة قوم من السند كانوا بالبصرة جلاوزة وحراس السجن»([20]) وكتب ابن دريد في كتابه جمهرة اللغة:
«السبابجة قوم من الهند يستأجرون للقتال في السفن»([21]).
ويقول ابن الفقيه الهمداني في كتاب البلدان:
«وعلوج السند السبابجة»([22]).
وموجز ما نستنبطه من الأقوال السالفة أن السبابجة قوم من السند والهند قطنوا في الجهات الساحلية من جزيرة العرب وكانت حرفتهم حراسة السفن فكانوا يستأجرون ليقوموا بالدفاع عن ركاب السفن ومشحوناتها. فلما عمرت البصرة من بعد أقيموا حراساً على السجون ونحوها من بعض مرافق الحكومة الهامة الحساسة.
وهناك آثار تدل على أن وجود السيابجة في إيران أقدم منه في جزيرة العرب كما أثبت بعض التصاريح رحلاتهم بين الهند وإيران وإقامتهم فيها. وقد كتب أبو الفرج قدامة بن جعفر البغدادي في كتاب الخراج وصنعة الكتابة أن أنوشروان بن قباد لما اعتلى عرش البلاد أنشأ ثلاث مدن عرفت بشابران، ومسقط، وباب الأبواب. ثم قال: «وأسكن ما بنى من جنده قوماً من السبابجيين»([23]).
ولا مرية في أن الظاهر هنا يقضي بأنه ليس هناك أي رباط ترتبط به الكلمات الثلاث: سياسجيين، وسيابجة وسبابجة. غير أنه من الممكن المحتمل جداً أن يكون هؤلاء القوم من السند والهند هم الذين أسكنهم أنوشروان بن قباد مدنه الجديدة إثر إنشائها. وأن يكونوا قد ظلوا يحافظون على أمنها، ويذودون عن حماها بدفع هجمات اللصوص وغيرهم، فراحوا يعرفون بلقب سياسجيين ثم يكون قد تحول هذا اللفظ بالتعريب من شكله الأول إلى السبابجة أو السيابجة ـ على اختلاف سبق أن أشرنا إليه ـ من بعد. وهذا الرأي المؤسس على الحدس يصير منطقياً بل يكاد يكون واقعاً إذا ما تذكرنا أن سيابجة السند قد كانوا من المتجندين في الجيش الإيراني، كما سيأتي بيانه.
وكانت في إيران القديمة قرى ومساكن قطنتها الأجيال السوداء وعرفت بـ (سياه جرد) و(سياه مص) و(سياه) ([24]) كما نفيده من الكتب القديمة التي تناولت ذكرها بهذه الأسماء غير أنه من الصعب العسير الحكم بشيء عن أصل هذه الأجيال ومواطنها الأصلية على وجه التحقيق، وإنما القياس يقتضي أن تكون غالبيتها من سود الهند من الزط والسيابجة.
والسيابجة وإن كانوا على عهد النبي(ص) وقبله يقطنون في المناطق الساحلية من جزيرة العرب على وجه عام إلا أن (الأبلّة) حيث عمرت البصرة من بعد، والبحرين بخاصة كان كل منهما مكتظاً بهم ومركزاً لهم وقال البلاذري:
«فانضم إلى الأساورة السيابجة وكانوا قبل الإسلام بالسواحل. وكذلك الزط وكانوا بالطفوف([25]).
والمراد هنا بالسواحل والطفوف هي المناطق والبلدان الكائنة على شواطىء البحرين وعمان وما والاهما. ومما شملته تلك الجهات: القطيف، وهجر، ودارين والخط، وقطر. ولما قامت فتنة الارتداد في البحرين إثر استهلال عهد خلافة أبى بكر كان السيابجة والزط كغيرهم من الذين ارتدوا بقيادة حطم بن ضبيعة الذي عمل على إلبابهم واستغوائهم كما يثبت من القول التالي الذي عرضناه قبل:
«حتى نزل القطيف، وهجر، واستغوى الخط ومن فيها من الزط والسيابجة»([26]).
والسيابجة وإن كانت تسند إليهم حراسة السفن عامة في نظير الأجور المعلومة كما صرح به جمهرة المؤرخين عنهم على أنه من الثابت كذلك أن عدداً منهم كان يمثل جزءاً من الجيش الإيراني، وكانوا في حساب إحدى القوات الإيرانية المستجلبة من السند وأما رواتبهم التي كانوا يتقاضوها فقد كانت ضئيلة، وبذلك فإن كانت جنديتهم أقرب منها إلى العبودية التي تتمثل بشتى الصور والألوان. وفي رواية البلاذري التالية بهذا الصدد:
«وأما السيابجة والزط، والاندغار فإنهم كانوا في جند الفرس ممن سبوه وفرضوا له من أهل السند»([27]).
والاندغار قوم كانوا يسكنون أعمال كرمان المتاخمة لسجستان.
والبرهان الذي ينهض معنا علاوة على كل ما سبق لدعم ما نستخلصه من تتبع المصادر العربية الموثوق بها من أن السيابجة كانوا يسكنون في جزيرة العرب بعدد كبير، واندمجوا في البيئة العربية واحتلوا من الحياة العربية مكانة لا يستهان بها ـ ذلك البرهان ـ هو انطواء ثنايا الثقافة العربية الأدبية القديمة على ذكرهم، وتسجيل الشعر العربي لتاريخهم بتنويهه ببسالتهم. ومما قيل فيهم من الأشعار هذان البيتان:
يقول يزيد بن مفرج الحميري:
وطماطم من سيابيج حزر
يلبسوني مع الصباح القيودا
وقال فيهم شاعر آخر يسمى هميان:
لو لقي الفيل بأرض سابجا
لدق منه العنق والدوارجا
وإن السيابجة قد وجدوا في جزيرة العرب من قبل عهد النبي(ص) ولم يرو لنا التاريخ ما يثبت إسلامهم على عهده، غير أنه من الثابت أن سيابجة البصرة وأعمالها كانوا قد أسلموا مع الزط على عهد الخليفة الثاني، أو قبل ذلك بقليل. ولما قدم أساورة إيران البصرة ليعيشوا فيها بعد أن اعتنقوا الإسلام كان نزولهم على أولئك الأساورة والسيابجة الذين كانوا قد أسلموا من قبل. ولما اجتمعت قبائل الزط والسيابجة والأساورة أخذت كل قبيلة من القبائل العربية في استمالتها إليها فأسفر ذلك عن استئثار قبيلة بني سعد بمحالفة الأساورة، وتحالف كل من الزط والسيابجة مع بني حنظلة. وبدأت تعمل كل قبيلة من هذه القبائل على تعزيز شوكة الإسلام بمناصرتها للمسلمين في حروبهم فكانت حيادية.
وقد أقيمت جماعة من السيابجة حراساً على بيت المال بالبصرة على عهد علي (عليه السلام) وكانوا أربعين شخصاً على إحدى الروايتين. وأما الرواية الأخرى فهي تحدد عددهم بأربعمائة رجل. وكان عثمان بن حنيف عامل البصرة من قبل علي (عليه السلام). ولما قدم طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة وحاولوا الاستيلاء على بيت المال أبى حراسه السبابجة إباء نتج عنه قتلهم عن بكرة أبيهم في الليلة قبل أن يصبح الصباح، وكان رئيسهم حينئذ أبا سالمة الزطي الذي كان على جانب كبير من الكرم والمروءة والصلاح. ثم إن معاوية نقل من البصرة جماعة كبيرة من زط الهند وسيابجتها القدماء إلى الشام وسواحل أنطاكية فأسكنها إياهم. (وكل ما سبق آنفاً من البيان المسهب تلخيص لما أورده البلاذري تحت عنوان «أمر الأساورة والزط»).
سيراف
على ساحل الخليج الفارسي، ثمة ميناء تابع لمنطقة كنگان، بين ميناء لنگه وميناء بوشهر الحالي، اسمه ميناء طاهري، قليل السكان خالٍ من التجارة والعمران إلا قليلاً، وتقتصر أهميته عن كونه أحد مراكز الغوص لجمع اللؤلؤ، حيث يشتغل أهله بسفنهم الصغيرة في صيد اللؤلؤ والأسماك والمتاجرة مع الموانىء الصغيرة المجاورة.
يقع هذا الميناء على عرض 27 درجة و38 شمالاً وطول 52 و20 شرقاً عن مركز گرينج. ومن خلال ملاحظة العرض الجغرافي له يلاحظ عدم ابتعاده كثيراً عن المناطق الحارة، وإذا كانت عامة سواحل الخليج الفارسي تعد من النواحي الشديدة الحرارة في العالم، وأغلب نقاطها هي عرضة للسَموم والرياح الجافة، فمن البديهي أن لا يكون ميناء طاهري مكاناً مناسباً للسكنى واجتذاب الناس. وممّا يثير العجب وجود ميناء قريب منه يدعى ميناء سيراف، كان في القرون الإسلامية الأولى، وخصوصاً في القرنين الثالث والرابع للهجرة من أكبر المراكز التجارية في العالم، ومن خلال الآثار الباقية يتضح تفوقه على كل موانىء الخليج الفارسي الأخرى عدا ميناء البصرة.
وميناء طاهري الحالي، كان في الحقيقة مجرد محلة تابعة لميناء سيراف، ولا تزال خرائب سيراف قائمة إلى الآن بالقرب من طاهري (على بعد كيلومترين ونصف إلى الغرب من طاهري الحالية).
وليس هناك شكّ في كون سيراف أحد الموانىء القديمة في الخليج الفارسي، التي يعود قدمها إلى ما قبل الإسلام، وفي الآثار المتعلقة بالقبور الزرادشتية وأبنية الإيرانيين السابقين لعهد الإسلام دليل على صحة ذلك. إضافة إلى ما ينقله ياقوت الحموي من أسطورة يذكرها الإيرانيون في وجه تسمية هذا الميناء، ومضمونها وإن كان عديم الأهمية إلا انه يُشير إلى قدم هذه المدينة واسمها القديم.. وهي كما يلي:
عندما أراد كيكاوس العروج إلى السماء، وتوارى عن أنظار الناس، أرسل عليه اللَّه ريحاً ليدمره، فدحره في سيراف. وطلب كيكاوس حينئذٍ ماء ولبناً، فسُقي ما أراد، ومن هنا سمِّي هذا المكان شيراب([28]) ثم حرفت الشين إلى سين وقلبت الباء فاء، ثم عربت الكلمة إلى سيراف([29]).
وقد تحدث جيمز موريه صاحب الكتاب المشهور (قصة حاجي باباي أصفهاني) الذي قدم إلى إيران عام 1323هـ تحدث في مذكراته([30]) في وصف ميناء طاهري أي سيراف القديمة قائلاً بأنه عثر هناك على مخطوطات ونقوش تشبه ما هو موجود في آثار تخت جمشيد. والجدير بالذكر أنه لم يعثر على أي من هذه المخطوطات التي ذكرها موريه، وإذا كان الأخير لم يتشابه عنده الخط الكوفي والخط المسماري؛ فلا بدّ أن تكون هذه المخطوطات قد غمرت بأحجار وصخور الأبنية الخربة طوال المائة سنة الأخيرة.
ويتحدث ياقوت الحموي في مادة (سيراف) بما فحواه أن التجار يسمون هذا الميناء باسم (شيلاو). وشيلاو اليوم هي اسم وادٍ يقع في شمال سيراف القديمة وشمال غربي طاهري الحالية بين الجبال الساحلية والبحر.
ومن هنا يظهر جلياً أن الاسم الفارسي القديم لسيراف هو (شيلاو) بمعنى أن سيراف هو لهجة أخرى في لفظ (شيلاو). وغير بعيد أن يكون الجزء الأول من هذه التسمية (شيل) هو نفس اللفظ الذي يطلق في شمال البلاد ـ أي في سواحل بحر الخزر ـ على المياه التي تحتوي على الأسماك، ويسمى جمعها «شيلات».
كانت سيراف في القرن الثالث الهجري المركز الرئيسي للتجارة بين البلدان البعيدة مثل الهند والصين وجزر الهند الصينية وزنجبار وميناء البصرة. فكانت السفن القادمة من موانىء الصين ومالي وسومطرة إلى الخليج الفارسي تفرغ أمتعتها وبضائعها في هذا الميناء، ثم تُشحن ببضائع البصرة وعُمان ـ التي تأتي بها إلى هذا الميناء سفن أخرى ـ وتعود من حيث أتت.
والجدير بالذكر أن أول شخص كتب عن أوضاع التجارة والعمران في ميناء سيراف وأحوال البحار والجزر والبلدان التي ترتبط أهالي سيراف معها بالأعمال والمعاملات التجارية هو أحد أهالي هذا الميناء، ويدعى أبو زيد حسن السيرافي، وهو صاحب كتاب يتحدث عن بلدان الهند وجاوه والصين وسيلان والبحار المجاورة لها وأنواع الأسماك الموجودة في هذه البحار، وهو يشتمل على جزأين؛ الجزء الأول: رواية لسفر أحد التجار ويدعى سليمان، كان قد قام برحلة في مياه الصين والهند.. وهذا الجزء في 207 صفحات، والجزء الآخر هو ما أضافه أبو زيد السيرافي على كتاب سليمان.
وكان المؤرخ المسعودي المعروف قد التقى أبا زيد السيرافي في البصرة عام 303هـ، ونقل عنه بعض المعلومات حول بحار الشرق والهند والصين؛ أدرجها في كتابه مروج الذهب.
وقد تعرض الإصطخري ـ وهو من أهل فارس ـ في كتابه (المسالك والممالك) لوصف سيراف عام 340هـ، قائلاً ما مضمونه:
تعد سيراف أكبر المناطق في ناحية «أردشير خرّه» (وهي الأجزاء الجنوبية من فارس التي تلي اصطخر) بعد مدينة شيراز، وتعادل شيراز في مساحتها تقريباً، وبيوتها مصنوعة من خشب الصاج أو أنواع أخرى يؤتى بها من زنجبار، وهي تتكون من عدة طوابق. وتقع المدينة على ساحل البحر، وتتصف بتداخل بيوتها.
ويبالغ العديد من أهالي المدينة في الإنفاق على بيوتهم، فقد أنفق أحد التجار على بيته 30.000 دينار. والمدينة وضواحيها خالية من الحدائق والبساتين. ويؤتى إليها بماء الشرب والفاكهة من جبل (جم) الذي يتميز ببرودته وإشرافه على المدينة. وسيراف هي من أكثر مناطق ناحية (أردشير خرّه) حرارة.
وفي موضع آخر يتحدث الإصطخري عن سيراف بما مضمونه: «سيراف هي أكبر موانىء فارس، وتبلغ مساحة المدينة حداً بحيث إن بيوتها المتلاصقة مع بعضها لا تنقطع عن النظر حتى الجبل المشرف عليها. وعلى الرغم من أن سيراف تفتقد إلى المياه الباردة وإلى الزراعة، إلا أنها من أكثر مدن بلاد فارس إعماراً… وتحمل من سيراف إلى سائر المناطق الإيرانية الأخرى والعديد من بلدان العالم ما يحمل إليها من خارج البلاد من كافور وجواهر وخيزران وعاج وآبنوس وفلفل وصندل وعطور وأدوية طبية، وهي تمثل في ذلك ميناء للاستيراد والتصدير.
وسكان سيراف هم من أثرى الإيرانيين، بحيث تبلغ ثروة بعضهم أكثر من 60.000.000 درهم، وقد جمعوا ثرواتهم هذه من التجارة، ويشتهر التجار السيرافيون بتفوقهم على التجار الآخرين من جميع البلدان ومختلف البحار. وهؤلاء يمضون أغلب أعمارهم في البحار»([31]).
وفي كتاب «أحسن التقاسيم» الذي صنف عام 375هـ، يصف مؤلفه المقدسي سيراف، بما مضمونه:
«سيراف هي مركز أردشير خرّه، وقد جعل منها أهلها مدينة تضاهي مدينة البصرة، لكثرة العمران فيها وجمال منازلها ومسجدها الجامع وحسن أسواقها وكثرة النعم فيها. وسيراف ـ في هذه الأيام ـ تعد المنفذ إلى الصين ومستودع فارس وخراسان، وليس لعُمان قيمة إذا ما قورنت بسيراف. وخلاصة الأمر؛ لم أر في مختلف البلاد الإسلامية بيوتاً أجمل وأروع من بيوت سيراف. وهي مبنية من الصاج والآجر على أرض مرتفعة. ويبلغ ثمن البيت بما يتجاوز أحياناً 100.000 درهم.
«وعندما استولى الديالمة عليها؛ خبا نجمها وهاجر أهلها إلى سواحل البحر، فعمروا قصبة عُمان. وحينما حدثت الزلزلة في عام 366 أو 367هـ كانت سيراف في حركة وزلزلة مستمرة لمدة سبعة أيام([32]). وقد تصدعت أثر ذلك أغلب منازل المدينة أو تهدمت، فهرب أهلها إلى السواحل، وكانت سيراف بذلك عبرة للمتأمل وعظةٌ للمتعظ وقد سألت أهل تلك الديار: ما فعلتم حتى صرف اللَّه عنكم حلمه؟ قالوا: الربا..!» ([33]).
وفي باب سيراف، يقول الوصاف في تاريخه المشهور ما مضمونه:
«كانت سيراف من أعظم البلاد في بداية دولة البويهيين؛ فكانت مدينة واسعة الأرض، مبسوطة المساحة، تشتمل على أنواع الخلق من الأئمة المحققين والعلماء المدققين، وسادة البلاغة وذوي الرأي الثاقب، والأغنياء من أصحاب المروءة، والتجار من أصحاب الثروة، وكانت بذلك موطناً للحضارة وعنواناً للمدينة الفاضلة. ومن جملة العلماء الأعلام فيها: السيرافي([34]) الذي كتب تحقيقاً وافياً في شرح كتاب سيبويه. ومن الفضلاء المتأخرين: صفي الدين أبو الخير مسعود([35]). ولشدة ازدحام الأسواق والأبنية الأخرى، فإن الدكاكين والحجرات تبنى في طوابق ثنائية وثلاثية ورباعية. وأما الطبقة الأرضية فهي شارع عام مشاع بين الناس والأنعام…».
وكان خراب سيراف، إثر الزلزلة الشديدة التي وقعت في عام 366 أو 367 واستمرت سبعة أيام متوالية. وإلى هذه الزلزلة التي أتت على المدينة تماماً وأسقطتها من الاعتبار، يبقى هناك عامل آخر، كان له أثر في زوال المدينة، وهو بروز جزيرة كيش الصغيرة أو (قيس) كجزيرة مهمة بإزاء ميناءي جارك وجيرو، بالقرب من مضيق هرمز. وكان إعمار هذه الجزيرة وانتقال بعض أهالي وتجار سيراف إليها، ساهم في إبرازها مركزاً تجارياً بحرياً على سواحل الخليج الفارسي كبديل عن سيراف، فآل الميناء الأخير إلى الزوال.
ويتعرض ياقوت الحموي في معجم البلدان لوصف سيراف فيقول ما مضمونه: «مرسى سيراف غير صالح لشحن السفن، فهي تتعرض للخطر حينما تقترب منه، ولذلك فهي تتوجه إلى ميناء نابند ـ على بعد فرسخين ـ لتحمل هناك بالبضائع، ويتميز هذا الميناء بموقعه بين جبلين، ومن ثم فهو مرسى صالح لإرساء السفن، وحينما تقترب منه السفن تكون في مأمن من خطر العواصف… وقد رأيت هذا المكان بنفسي، ولم يبق فيه ـ في الوقت الحاضر ـ سوى حفنة من قطاع الطرق وحتى هذه الحفنة لم يبقها في هذا المكان إلا حب الوطن».
ومن خلال ما مرّ من حديث؛ نستنتج أن خراب سيراف إنما كان ـ في الدرجة الأساس ـ نتيجة للزلزلة التي وقعت عام 366 أو 367، والتي أتت على القسم الأكبر من المدينة ودفعت بأهلها إلى الهجرة من مدينتهم إلى الجزر والموانىء المجاورة…
حتى إذا قويت شوكة أمراء كيش (قيس) وسطع نجمهم، أبوا السماح لسيراف أن تستعيد أمجادها، ولمّا حلّ النصف الأول من القرن السابع الهجري ـ أي عصر ياقوت الحموي ـ لم تكن سيراف سوى أطلال متهاوية.
ويعزو ياقوت الحموي إعمار جزيرة (قيس) و(كيش) إلى شخص يسمّى (ابن عميرة)، ويرى الوصّاف أمراء هذه الجزيرة المشهورين باسم بني القيصر، هم أبناء أحد ملاحي سيراف، ويدعى قيصر، كان قد هاجر إلى هذه الجزيرة، ثم قام ابنه الأكبر، (قيس) بإعمارها وبعد بضع سنين من التجارة والقرصنة، قويت شوكته وأصبح ذا قوة يعتد بها، فأسس سلالة لنفسه، وقد أرّخ له الإمام أسعد الدين، وكان هذا التاريخ بين يدي الوصاف الذي نقل عنه.
وقد برزت أهمية جزيرة كيش ودورها بعد خراب سيراف أيام سلطنة سلطان كرمان السلجوقي عماد الدولة توران شاه (477 ـ 490)، حيث اتخذ هذا السلطان من جزيرة كيش مركزاً لتفريغ وشحن بضائع جزر وسواحل الخليج الفارسي، بعد أن أصبحت سيراف خرائب وأطلالاً. وفي نفس الوقت كان بنو القيصر قد فرضوا سيطرتهم على الجزيرة، ومنعوا سفن الخليج التجارية من الرسو في منطقة أخرى غير (كيش)، لما كان رسوها في جزيرتهم يدر عليهم مبالغ كبيرة من المال من خلال ما كانوا يفرضونه من ضرائب ورسوم جمركية. وقد حاول حاكم فارس السلجوقي ركن الدين خمارتگين جاهداً الحد من سيطرة أمراء جزيرة كيش، إلا أنه لم يفلح في محاولاته، لا سيّما وأن هؤلاء الأمراء كانوا يرسلون كل عام مبالغ كبيرة من التحف والهدايا إلى مراكز الخلافة في بغداد، وبذلك كانوا يظهرون أنفسهم على أنهم يتمتعون بحماية الخلافة وتأييدها.
وقد بلغ تطاول أهالي كيش أن أخذوا يحاولون فرض سيطرتهم على بعض سواحل الخليج الفارسي الواقعة إلى الشمال منهم، وبالرغم من أن هذا الأمر لم يتحقق في البداية لرفض حكام فارس السلفوريين له، إلا أنه تحقق في آخر الأمر في زمن الحاكم سنقر (543 ـ 558) الذي أوكل إليهم إدارة بعض جزر وسواحل الخليج بعد أن تلقى منهم الهدايا والتحف.
ولم يمض وقت طويل حتى واجه أمراء جزيرة كيش أعداء لهم في الأجزاء الشرقية من جزر وسواحل الخليج، وهؤلاء الأعداء هم سلالة أخرى من الحكام المحليين الذين فرضوا سيطرتهم على موغستان وميناب ومياه جزيرتي قشم وجرون (هرموز حالياً)، ولما كان مركز حكمهم هو ميناء هرموز القديم (ميناب حالياً) فقد عرفوا بحكام هرموز.
وقد نشب نزاع مستمر بين ملوك هرموز وأمراء گيش حول السيطرة على جميع جزر وسواحل الخليج الفارسي، حتى كان عهد الحاكم أبو بكر بن سعد بن الزنكي (623 ـ 658) فآل الأمر في جزيرة كيش إلى ملوك هرموز. ولكن النزاع لم ينقطع بين أهالي كيش وهرموز، فاغتنم الحاكم أبو بكر الفرصة وأرسل ملك هرموز للقضاء على أهالي كيش، وضم هذه الجزيرة إلى مناطق سلطته عام 626هـ، وقام الملك هرموز بإخراج عدد كبير من أهالي كيش ثم قتلهم، وهكذا فقدت جزيرة كيش موقعها في تجارة الخليج الذي ورثته عن سيراف منذ أواخر القرن الخامس، وحلّ بذلك ميناء هرموز القديم محلها.
وبادر الحاكم أبو بكر إلى تغيير اسم كيش بعد احتلالها إلى «دولتخانه» وقد ظل هذا الاسم متداولاً طوال فترة سيطرة حكام فارس، كاسم رسمي للجزيرة ومرفئها.
وإضافة إلى المكانة الكبرى التي شغلتها سيراف في التجارة الدولية طوال القرنين الثالث والرابع الهجري، فقد استطاع أهلها بمهارتهم في الإبحار، وسعة معلوماتهم ومعرفتهم الجغرافية والتجارية والبحرية، ولكثرة التجارب التي حصلوا عليها خلال تلك الفترة، استطاعوا أن يكونوا الأدلاء والمعلمين لجميع ملاحي الخليج الفارسي وبحر عمان والمحيط الهندي وبحار الشرق، وقد صنفوا كتباً في باب معرفة الطرق البحرية وأوضاع جزر وسواحل البحار البعيدة من زنجبار إلى الصين؛ أسموها (راهنامه). ونفس هذه الكتب أخذها ملاحو عمان ومسقط وزنجبار ـ فيما بعد ـ وترجموها إلى العربية وأضافوا عليها، وصرفوا اسمها إلى «رهانج»، وكانت وسيلتهم في قيادة السفن والاستهداء في متاهات البحار.
وقد ألفت هذه الكتب ـ في الأصل ـ في العهد الساساني، ثم أخذها المسلمون في عصر النهضة الإسلامية وترجموها عن اللغة البهلوية، ثم أضافوا إليها معلوماتهم.
وقد وردت أسماء الملاحين والتجار السيرافيين المعروفين في أكثر الكتب التي صنفت في القرنين الثالث والرابع للهجرة في المسالك والممالك ومعرفة البحار من قبل المتخصصين في هذا المجال، ومن هذه الكتب؛ كتاب عجائب الهند، تأليف بزرك بن شهريار الرامهرمزي، الذي ألّفه باللغة العربية في القرن الرابع للهجرة، فقد تعرض مؤلف هذا الكتاب لذكر الملاحين والتجار المعروفين في سيراف وهم:
1 ـ أبو محمد الحسن بن عمر بن حمويه بن خرم بن حمويه النجيرمي([36]) الذي كان عام 288 في ميناء المنصورة، أحد موانىء غربي الهند.
2 ـ أبو عبداللَّه محمد بن بابشاد بن خرم بن حمويه السيرافي، وهو أحد الملاحين الماهرين، حيث كان يسافر إلى مناطق الذهب (أي جزيرة سومطرة).
3 ـ الملاح أحمد بن علي بن منير السيرافي.
4 ـ الملاح أبو زهر البرخاتي السيرافي.
5 ـ عبدالواحد بن عبدالرحمن الفسائي الذي أمضى أغلب عمره في البحار.
6 ـ مردانشاه وابنه مرزبان.
7 ـ يونس بن مهران السيرافي التاجر الذي كان قد سافر إلى جزيرة زايج (سومطرة).
8 ـ محمد بن مسلم السيرافي الذي كان مقيماً في تانا (بالقرب من بومبي) لعشرين سنة، وقد طاف أغلب نواحي الهند، وحصل على معلومات جمة فيما يتعلق بأوضاع وأخلاق تلك البلاد.
9 ـ عبداللَّه بن جنيد وسبا وأحمد الذين أبحروا عام 306 بثلاث سفن تجارية و1200 بحار.
ولم يبق من سيراف القديمة في الوقت الحاضر سوى بعض القبور التي تحوي صخور بعضها مخطوطات كوفية، وبعض خرائب المساجد والأبنية المقامة على التلال والجبال المجاورة، وعدا هذه الأشياء والأطلال ليس هناك شيء جدير بالذكر.
وقد كتب السائح والمستشرق المعروف السير أورل اشتيني تحقيقات دقيقة حول تعيين محل سيراف القديمة، ودراسة خرائبها وآثارها التاريخية وجمعه لمقادير من الآنية الفخارية القديمة التي عثر عليها في تلك المنطقة خلال سفرته إلى سواحل الخليج الفارسي، وقد ضمّ إلى هذه التحقيقات خريطة قديمة لسيراف والسواحل المجاورة لها، مع صور لبعض أطلال المدينة، وأودع كل ذلك كتابه القيم «تحقيقات حول الآثار التاريخية في شمال غربي الهند وجنوب شرقي إيران»([37]) في صفحات 202 ـ 212. وقد طبع هذا الكتاب القيم باللغة الإنكليزية في لندن عام 1937م.
السيرة
المقصود من «السيرة» استمرار عادة الناس وتباينهم العملي على فعل شيء، أو ترك شيء.
والمقصود بالناس:
إما جميع العقلاء والعرف العام من كل ملة ونحلة، فيعم المسلمين وغيرهم. وتسمى السيرة حينئذ: «السيرة العقلائية». والتعبير الشايع عند الأصوليين المتأخرين تسميتها بـ«بناء العقلاء».
وإما جميع المسلمين بما هم مسلمون، أو خصوص أهل نحلة خاصة منهم كالشيعة مثلاً. وتسمى السيرة حينئذ «سيرة المتشرعة» أو «السيرة الشرعية» أو «السيرة الإسلامية».
وينبغي التنبيه على حجية كل من هذين القسمين لاستكشاف الحكم الشرعي فيما جرت عليه السيرة، وعلى مدى دلالة السيرة، فنقول:
1 ـ حجية بناء العقلاء
إن بناء العقلاء لا يكون دليلاً إلا إذا كان يستكشف منه على نحو اليقين موافقة الشارع وإمضاؤه لطريقة العقلاء، لأن اليقين تنتهي إليه حجية كل حجة.
وإن موافقة الشارع لا تستكشف على نحو اليقين إلا بأحد شروط ثلاثة. نذكر خلاصتها فنقول:
إن السيرة إما أن ينتظر فيها أن يكون الشارع متحد لمسلك مع العقلاء، إذ لا مانع من ذلك.
وأما ألا ينتظر ذلك، لوجود مانع من اتحاده معهم في المسلك، كما في الاستصحاب؛ فإن كان (الأول):
فإن ثبت من الشارع الردع عن العمل بها فلا حجية فيها قطعاً.
وإن لم يثبت الردع منه فلا بدّ أن يعلم اتحاده في المسلك معهم، لأنه أحد العقلاء، بل رئيسهم، فلو لم يرتضها ولم يتخذها مسلكاً له كسائر العقلاء لبين ذلك ولردعهم عنها ولذكر لهم مسلكه الذي يتخذه بدلاً عنها، لا سيّما في الإمارات المعمول بها عند العقلاء، كخبر الواحد الثقة والظواهر.
وإن كان (الثاني):
فإما أن يعلم جريان سيرة العقلاء في العمل بها في الأمور الشرعية، كما في الاستصحاب.
وإما ألا يعلم ذلك كما في الرجوع إلى أهل الخبرة في إثبات اللغات.
فإن كان (الأول) فنفس عدم ثبوت ردعه كاف في استكشاف موافقته لهم، لأن ذلك مما يعنيه ويهمه، فلو لم يرتضها ـ وهي بمرأى ومسمع منه ـ لردعهم عنها، ولبلغهم بالردع، بأي نحو من أنحاء التبليغ. فبمجرد عدم ثبوت الردع منه نعلم بموافقته، ضرورة أن الردع الواقعي غير الواصل لا يعقل أن يكون ردعاً فعلياً وحجة.
وبهذا تثبت حجية مثل الاستصحاب ببناء العقلاء، لأنه لما كان مما بني على العمل به العقلاء بما فيهم المسلمون وقد أجروه في الأمور الشرعية بمرأى ومسمع من الإمام، والمفروض أنه لم يكن هناك ما يحول دون إظهار الردع وتبليغه من تقية ونحوها ـ فلا بدّ أن يكون الشارع قد ارتضاه طريقة في الأمور الشرعية.
وإن كان (الثاني) ـ أي لم يعلم ثبوت السيرة في الأمور الشرعية ـ فإنه لا يكفي حينئذ في استكشاف موافقة الشارع عدم ثبوت الردع منه، إذ لعله ردعهم عن إجرائها في الأمور الشرعية فلم يجروها، أو لعلهم لم يجروها في الأمور الشرعية من عند أنفسهم فلم يكن من وظيفة الشارع أن يردع عنها في غير الأمور الشرعية لو كان لا يرتضيها في الشرعيات. وعليه، فلأجل استكشاف رضا الشارع وموافقته على إجرائها في الشرعيات لا بدّ من إقامة دليل خاص قطعي على ذلك.
وبعض السير من هذا القبيل قد ثبت عن الشارع إمضاؤه لها، مثل الرجوع إلى أهل الخبرة عند النزاع في تقدير قيم الأشياء ومقاديرها، نظير القيميات المضمونة بالتلف ونحوه، وتقدير قدر الكفاية في نفقة الأقارب ونحو ذلك.
أما ما لم يثبت فيها دليل خاص كالسيرة في الرجوع إلى أهل الخبرة في اللغات، فلا عبرة بها، وإن حصل الظن منها، لأن الظن لا يغني عن الحق شيئاً. كما تقدم ذلك هناك.
2 ـ حجية سيرة المتشرعة
إن السيرة عند المتشرعة من المسلمين على فعل شيء أو تركه هي الحقيقة من نوع الإجماع، بل هي أرقى أنواع الإجماع، لأنها إجماع عملي، من العلماء وغيرهم. والإجماع في الفتوى إجماع قولي؛ ومن العلماء خاصة.
والسيرة على نحوين: تارة يعلم فيها أنها كانت جارية في عصور المعصومين (عليهم السلام)، حتى يكون المعصوم أحد العاملين بها أو يكون مقرّراً لها، وأخرى لا يعلم ذلك أو يعلم حدوثها بعد عصورهم.
فإن كانت على (النحو الأول) ـ فلا شكّ في أنها حجة قطعية على موافقة الشارع، فتكون بنفسها دليلاً على الحكم كالإجماع القولي الموجب للحدس القطعي برأي المعصوم. وبهذا تختلف([38]) عن (سيرة العقلاء) فإنها إنما تكون حجة إذا ثبت من دليل آخر إمضاء الشارع لها ولو من طريق عدم ثبوت الردع من قبله كما سبق.
وإن كانت على (النحو الثاني) ـ فلا نجد مجالاً للاعتماد عليها في استكشاف موافقة المعصوم على نحو القطع واليقين، كما قلنا في الإجماع، وهي نوع منه. بل هي دون الإجماع القولي في ذلك كما سيأتي وجهه. قال الشيخ الأعظم )الأنصاري) في كتاب البيع في مبحث المعاطاة([39]): «وأما ثبوت السيرة واستمرارها على التوريث ـ يقصد توريث ما يباع معاطاة ـ فهي كسائر سيراتهم الناشئة من المسامحة وقلة المبالاة في الدين، مما لا يحصى في عباداتهم، ومعاملاتهم، كما لا يخفى».
ومن الواضح أنه يعني من السيرة هذا النحو الثاني. والسرّ في عدم الاعتماد على هذا النحو من السيرة، هو ما نعرف من أسلوب نشأة العادات عند البشر وتأثير العادات على عواطف الناس: إن بعض الناس المتنفذين أو المغامرين قد يعمل شيئاً، استجابة لعادة غير إسلامية أو لهوى في نفسه، أو لتأثيرات خارجية نحو تقليد الأغيار، أو لبواعث انفعالات نفسية مثل حب التفوق على الخصوم أو إظهار عظمة شخصه أو دينه أو نحو ذلك. ويأتي آخر فيقلد الأول في عمله، ويستمر العمل، فيشيع بين الناس من دون أن يحصل من يردعهم عن ذلك، لغفلة، أو لتسامح، أو لخوف، أو لغلبة العاملين فلا يصغون إلى من ينصحهم، أو لغير ذلك.
وإذا مضت على العمل عهود طويلة يتلقاه الجيل بعد الجيل، فيصبح سيرة المسلمين، وينسى تاريخ تلك العادة. وإذا استقرت السيرة يكون الخروج عليها خروجاً على العادات المستحكمة التي من شأنها أن تتكوَّن لها قدسية واحترام لدى الجمهور، فيعدون مخالفتها من المنكرات القبيحة. وحينئذ يتراءى أنها عادة شرعية وسيرة إسلامية، وأن المخالف لها مخالف لقانون الإسلام وخارج على الشرع.
ويشبه أن يكون من هذا الباب سيرة تقبيل اليد، والقيام احتراماً للقادم، والاحتفاء بيوم النوروز، وزخرفة المساجد والمقابر… وما إلى ذلك من عادات اجتماعية حادثة.
وكل من يغترّ بهذه السيرات وأمثالها، فإنه لم يتوصل إلى ما توصل إليه الشيخ الأنصاري من إدراك سر نشأة العادات عند الناس على طول الزمن، وإن لكل جيل من العادات في السلوك والاجتماع والمعاملات والمظاهر والملابس ما قد يختلف كل الاختلاف عن عادات الجيل الآخر. هذا بالنسبة إلى شعب واحد وقطر واحد، فضلاً عن الشعوب والأقطار بعضها مع بعض. والتبدل في العادات غالباً يحدث بالتدريج في زمن طويل قد لا يحس به من جرى على أيديهم التبديل.
ولأجل هذا لا نثق في السيرات الموجودة في عصورنا أنها كانت موجودة في العصور الإسلامية الأولى. ومع الشكّ في ذلك فأجدر بها ألا تكون حجة، لأن الشكّ في حجية الشيء كافٍ في وهن حجيته، إذ لا حجة إلا بعلم.
3 ـ مدى دلالة السيرة
إن السيرة عندما تكون حجة فأقصى ما تقتضيه أن تدل على مشروعية الفعل وعدم حرمته في صورة السيرة على الفعل؛ أو تدل على مشروعية الترك وعدم وجوب الفعل في صورة السيرة على الترك.
أما استفادة الوجوب من سيرة الفعل، والحرمة من سيرة الترك ـ فأمر لا تقتضيه نفس السيرة، بل كذلك الاستحباب والكراهة، لأن العمل في حدّ ذاته مجمل لا دلالة له على أكثر من مشروعية الفعل أو الترك.
نعم المداومة والاستمرار على العمل من قبل جميع الناس المتشرعين قد يستظهر منها استحبابه، لأنه يدل ذلك على استحسانه عندهم على الأقل. ولكن يمكن أن يقال إن الاستحسان له ربما ينشأ من كونه أصبح عادة لهم، والعادات من شأنها أن يكون فاعلها ممدوحاً مرغوباً فيه لدى الجمهور وتاركها مذموماً عندهم. فلا يوثق ـ إذن ـ فيما جرت عليه السيرة بأن المدح للفاعل والذم للتارك كانا من ناحية شرعية.
والغرض أن السيرة بما هي سيرة لا يستكشف منها وجوب الفعل ولا استحبابه، في سيرة الفعل، ولا يستكشف منها حرمة الفعل ولا كراهته في سيرة الترك.
نعم هناك بعض الأمور يكون لازم مشروعيتها وجوبها، وإلا لم تكن مشروعة. وذلك مثل الإمارة كخبر الواحد والظواهر، فإن السيرة على العمل بالإمارة لما دلت على مشروعية العمل بها فإن لازمه أن يكون واجباً، لأنه لا يشرع العمل بها ولا يصلح إلا إذا كانت حجة منصوبة من قبل الشارع لتبليغ الأحكام واستكشافها. وإذا كانت حجة وجب العمل بها قطعاً لوجوب تحصيل الأحكام وتعلمها. فينتج من ذلك أنه لا يمكن فرض مشروعية العمل بالإمارة مع فرض عدم وجوبه.
محمد رضا المظفر
سيهات
من بلدات واحة القطيف تقع في أقصى الواحة من الجنوب، وإلى القرب منها موضع بينها وبين بلدة الجش، يسمى (الجعبة) قيل أنه المكان الذي أقام عليه أبو طاهر القرمطي بناية ووضع فيها الحجر الأسود سنة 317.
وقد تغنى بسيهات الشاعر الشيخ جعفر الخطي، فقال من قصيدة:
هلاّ سألت الربع من سيهات
عن تلكم الفتيان والفتيات
ومجر أرسان الجياد كأنها
فوق الصعيد مسارب الحيات
حيث المسامح لا تكاد تفيق من
ترجيع نوتي ورجز حداة
هذه الصورة الجميلة عن سيهات التي صورها لنا هذا الشاعر المبدع تعطينا فكرة عما كانت عليه سيهات من حياة عامرة، حياة بحرية برية تجمع بين رجز الحادي وترجيع النوتي.
وإننا نلخص هنا ما كتبه (حسين آل سلهام) عن موطنه (سيهات) مركزاً على الحياة السيهاتية البحرية:
خور سيهات
منذ عهود بعيدة عرف البحَّارة في الخليج أهمية الممرات المائية واكتسبوا خبرة في ذلك، وخور سيهات هو الممر البحري الرئيسي الذي سلكه أجدادنا منذ عهود بعيدة للوصول إلى عرض البحر. وهو يمتد من منطقة النجوة (النيوة) (وهي موقع بحري يقع شمال ميناء الدمام) حتى ساحل سيهات، وبالتحديد بالقرب من مصائد الحظور ويتجه شمالاً محاذياً لمصائد الحظور لأهالي سيهات ثم يقترب من مصائد الحظور لأهالي عنك حتى يتلاقى مع خور ملك المتجه غرباً نحو مدينة عنك والقطيف. وهذا الخور من معالم المنطقة منذ القدم، وقد أبحر فيه التجار من الهند وإيران وتجار الخليج نظراً لصلاحيته للسفن الكبيرة، ويُمَكِّنُهم من الوصول إلى سواحل المنطقة، وما زال السكان حتى يومنا هذا يمخرون عبابه بقواربهم لصيد الأسماك.
وقد عرف قدماء الملاحين ومعاصروهم أسرار ومسالك هذا الخور، ومن يجهل هذا الممر يلاقي صعوبات كثيرة، منها الاصطدام بالصخور البحرية المنتشرة في مياه الخليج حيث إن بعضها بارز على سطح البحر خصوصاً عندما يكون جَزْراً (ثبراً). ومن يتبع هذا الخور من منطقة النيوة متجهاً غرباً يتمكن من الوصول إلى شاطىء سيهات دون الاصطدام بصخور البحر، ولهذا سمي بخور سيهات. وقد أعطى هذا الخور مدينة سيهات موقعاً بحرياً استراتيجياً منذ القدم، ولهذا يلاحظ أنه في نهاية الخور على بعد ميلٍ منه بُني البرج البحري([40]) القديم، الذي يطل على ممر الخور لما له من أهمية في الأمور الحربية والأمنية لهذه المدينة.
ويعتقد أن اسم هذا الخور عرف مع بداية قيام مدينة سيهات في القرن السابع الهجري تقريباً. والرواة يذكرون أنه معروف منذ القدم ولم يطلق حديثاً، وأن جميع ملاحي البحر في منطقة القطيف يطلقون عليه اسم خور سيهات.
خارطة توضح موقع مدينة سيهات في منطقة القطيف
البرج الساحلي (البري)
البرج الساحلي على شاطىء مدينة سيهات يعرف في اللهجة المحلية بـ (البري). وكان يمثل القلعة الدفاعية لصد الغزاة القادمين من جهة البحر وترسو بجانبه قوارب الصيد وسفن الغوص قديماً. وكان موقعه مميزاً بسبب قربه من خور سيهات.
ولا يعرف بالتحديد متى بني البرج، وهل تم بناؤه منذ تاريخ بناء قلعة سيهات؟ أم تم بناؤه في عهد الاستعمار البرتغالي؟ حيث ظل البرتغاليون أكثر سني القرن السادس عشر أسياد الموقف في الخليج لا ينازعهم فيه منازع، وقد أنشؤوا على جانبيه قلاعهم الحصينة التي تمكِّن من سيادتهم على البحر.
كانت أطلال هذا البحر قائمة حتى نهاية القرن الرابع عشر الهجري، وبدأت أحجاره تتساقط حتى أصبح في النهاية تلاً من الحجارة المتراكمة.
البرج الساحلي (البري) على ساحل البحر الشرقي. تاريخ التقاط هذه الصورة عام 1940م.
وفي عام 1400هـ تمّ إزالته من موقعه نظراً للتوسعة العمرانية في الواجهة البحرية، وتمّ دفن بعض أجزاء الساحل، وأصبح موقع البرج في حي الجمعية السكني. وارتسمت صورة هذا البرج في ذاكرة أهالي سيهات نظراً لكونه أحد معالم المدينة.
مصائد الحظور
كان الأهالي بهذه المدينة يمتهنون أعمال البحر، ومنها مصائد الحظور الممتدة على طول الشريط الساحلي من ساحل الدمام مروراً بساحل سيهات (في الأحياء الجديدة التي دفنت بعد التوسعة العمرانية) حتى تتصل بمصائد حظور عنك.
وتشاهد هذه الحظور وكأنها قرى عائمة في البحر، بنيت من جريد النخل بطريقة فنية. ولن تزول من الذاكرة عربة القاري (صندوق خشبي تجره الحمير) وهي وسيلة النقل التقليدية التي يستخدمها البحَّار للوصول إلى الحظور.
هذه المصائد تكون حاجزاً للأسماك عند عودتها إلى المياه العميقة حالة الجزر، فتتجمع داخلها في مكان يدعى (السر) فيسهل جمعها والتقاطها من قبل البحَّار.
وفي كل عام يتم صيانة وإصلاح الحظور ويتم اقتلاع بعض أعواد الجريد التالفة ووضع الجديد بديلاً له.
شجر القَرْم
القَرْمُ ـ كما هو موضح في كتاب لسان العرب([41]) ـ: «هو ضرب من الشجر، حكاه ابن دريد، قال: ولا أدري أعربي هو أم دخيل. وقال أبو حنيفة: القرم بالضم: شجر ينبت في جوف ماء البحر وهو يشبه شجر الدّلب من غلظ سوقه وبياض قشره، وورقه مثل ورق اللوز والأراك، وثمره مثل الصَّومَر، وماء البحر عدوّ كل شيء من الشجر إلا القرم والكندلي، فإنهما ينبتان به».
البحَّار وهو يجمع الاسماك في الحظرة
وهناك العديد من الدراسات والبحوث التي جرت لدراسة أسباب إمكانية زراعة هذه الأشجار في المياه المالحة، وكيفية تأقلم هذه الأشجار معها، والتي يصعب فيها زراعة أشجار أخرى في ظروف مشابهة.
وفي الوقت الراهن لم يتبقَ من هذه الأشجار إلا القليل نظراً لردم مواقع تكاثرها بسبب التوسع العمراني من جهة البحر. ويلاحظ في الوقت الراهن الكثير منها في الواجهة البحرية لمدينة عنك شمال سيهات.
بحيرات الملح (الممالح)
كانت تنتشر قديماً بحيرات الملح الطبيعية في كل قرية بحرية وكأنها مزارع، تفصل بين كل بحيرة وأخرى حدود رملية.
ويتكون الملح فيها نتيجة المدّ الكبير لمياه البحر في آخر كل شهر (ماية الهلال) التي تمتد وتغمر المناطق المنخفضة القريبة من البحر، وتتبخر هذه المياه وتتكون طبقة الملح طافية على سطح الماء المتبقي مكونة منظراً طبيعياً جميلاً.
وبعد تكون الملح يأتي دور رجال بحيرات الملح في رفع طبقة الملح بطريقة فنية وبمهارة عالية في رفع طبقة الملح دون اختلاطه بالرمل فيحصلون على ملح صافٍ ويحملونه على الحمير ويسيرون متجهين إلى البلدة. وأثناء المسير تبدأ المياه الزائدة بالانفصال عن الملح متساقطة منه، وعند الوصول إلى البلدة يبدؤون ببيع حمولتهم من خلال التجول في الفرجان والنداء على الأهالي بصوت مميز يعرف من خلاله الأهالي بأنه بائع الملح. وفي بعض جولاته يطرق أبواب البيوت لمعرفته المسبقة بحاجة بعض البيوت للملح.
وبالنسبة لموقع الممالح في مدينة سيهات فكانت في الجهة الجنوبية منها، وتمتد على طول الطريق من مدينة سيهات حتى مقربة من مدينة الدمام مروراً بمنطقة الخضرية والإذاعة حتى تلتقي مع الشارع المتجه شرقاً إلى الدمام المسمى حالياً شارع الملك سعود (القطيف سابقاً). وعند المرور قديماً على الشارع المحاذي لهذه البحيرات يستطيع الفرد مشاهدة منظر البحيرات بوضوح نظراً لارتفاع الشارع عن هذه البحيرات فيما يقارب المترين ونصف.
والرجال الذين يعملون في هذه البحيرات ذوو سواعد قوية، لكن أين هؤلاء الرجال بعد مرور كل هذه السنين وبعد انتشار مصانع الملح الحديثة، وباستيراد الملح اختفت الممالح ورجالها وانتهى زمن الملح المحلي، ولم يستطع البحر اجتياز الحواجز لا في منتصف الشهر ولا في آخره، ولم يعد هناك ممالح ولا بحيرات طبيعية، ولكن ما أحلى ملح هذه الأرض المعطاء فكيف بمذاق حلاوتها.
المغاصات
يطلق على المغاصات قديماً (هيرات الغوص)، وذلك عند بحَّارة الخليج. والهيرات: هي المواقع التي يتم فيها الغوص من أجل البحث فيها عن المَحَّار، ومفردها الهير.
وهي تنتشر في مواقع متفرقة من الخليج، وكل هير له اسم خاص به، ويختلف قاعه عن الهيرات الأخرى من ناحية الأعشاب والرمال وألوانها والصخور وأشكالها([42]) ولكل هير عمق ثابت وتيارات مائية معروفة للغواصين وجودة إنتاجه أو رداءته وشكل محاره، وفي الغالب لا يزيد عمق المغاص عن 78 قدماً. على أن ربابنة البحر يتفادون الغوص العميق فيها.
وتكثر الهيرات في مياه الخليج، وقد كانت سفن الغوص تنتقل بينها. وفيما يلي نوضح بعضها كما وردت في كتاب مجاري الهداية([43]):
1 ـ هير النيوة: يقع في الناحية الشمالية الشرقية من منطقة النجوة (النيوة).
2 ـ هير طرقة: يقع جنوب خور أبا الوقاع.
3 ـ هير خبابان: بالقرب من رأس تنورة، من هير أبو دقل إلى هير خبابان المسافة (5) أميال.
4 ـ هير الواسعة: بالقرب من رأس تنورة.
5 ـ هير أبو دِقلْ: من رأس تنورة إلى هير أبو دقل المجرى في يسار مطلع الناقة (33ْ) وعمق البحر من دونه 16 قامة، والمسافة قدرها 17 ميلاً.
6 ـ هير أبو دقيل.
7 ـ هير أبو سبيطي: من هير أبو دقل إلى هير أبو سبيطي المجرى في مغيب الواقع وفي اليسار منه (303ْ) والمسافة قدرها (5) أميال.
8 ـ هير شِقته: من هير أبو دقل إلى هير شقته المسافة 13 ميلاً.
9 ـ هير الوشير: من هير أبو دقل إلى هير الوشير المسافة قدرها (10) أميال.
10 ـ هير أبو سعفه: ماؤه ضحل لدرجة أن السفن تصطدم به. وتمر به تيارات قوية. ومن هير أبو سعفه إلى هير الخشينة كلها مغاصات، وعمقها من 6 إلى 14 قامة حتى تصل إلى هير الخشينة في مغيب الجوزاء (258ْ).
11 ـ هير الخشينة.
12 ـ هير أبو حاقول.
13 ـ هير الميّانه.
14 ـ هير خوره.
15 ـ هير غريْبَه.
16 ـ هير الصُّفره.
17 ـ هير اغْمِسه.
18 ـ هير رأس الجعيلية.
19 ـ هير شتيّه: من فشت الجارم مجرى هير شتيّه في مطلع العيوق (45ْ) وشماله وجنوبه، ويعتبر شتيّة من الهيرات الكبيرة.
20 ـ هير أبا الجعل.
21 ـ هير صور.
22 ـ هير أبو الخرب.
23 ـ هير أبو إلثامه.
24 ـ هير ابن زيان.
25 ـ هير أبو عمّامه.
26 ـ هير المشبك.
27 ـ هير أرجله.
ـ وتوجد الكثير من الهيرات في الخليج الفارسي ذكرنا بعضها فقط.
الغوص
إن مهنة الغوص للحصول على المَحَّار الذي يحوي اللؤلؤ بين ثناياه كانت من المهن الرئيسية ودعامة الاقتصاد لهذه المدينة قبل اكتشاف النفط، وكانت هذه المهنة تعطي من يمارسها مكانة اجتماعية. وكبار السن يذكرون أن الأهالي في زمن الغوص يقولون: إن الذي لا يذهب إلى العمل في سفن الغوص لا يحترم اجتماعياً، بل لا يعد في صف الرجال حين يذكرون بأفعالهم في المجالس؛ لذا فإن هذه المهنة يطلق عليها «مهنة الرجال» لكثرة المشاق والمخاطر، فهي تحتاج إلى صبر وقوة وتحمّل، كما أنها تحقق الأحلام الاقتصادية من توفير حياة كريمة نتيجة الحصول على لآلىء ثمينة تكون عوائدها جيدة على الملاحين في سفن الغوص.
وتلك المهنة التي مارسها أسلافنا ثم اندثرت كانت لها جذور تاريخية قديمة ذكرها أكثر الرحالة والمؤرخين ومنهم المسعودي في كتابه مروج الذهب، والإدريسي في كتابه نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، وابن بطوطة في كتابه رحلة ابن بطوطة تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار.
واشتهرت هذه المنطقة بسفن الغوص منذ القدم، ونلاحظ أن شاعر منطقة البحرين القديم (الخط، هجر، أوال) طرفة بن العبد في العصر الجاهلي يقول في معلقته:
كأن حُدوج المالكية غدوةً
خلايا سفين، بالنواصف من دَدِ
عدولية([44])، أو من سفين ابن يامن([45])
يجور بها الملاحُ طوراً، ويهتدي
يشق حباب الماء حيزومها بها([46])
كما قسم التراب المفائل باليد([47])
وقد تميز سكان منطقة الخليج بهذه المهنة وتوارثتها الأجيال وعملوا بها حتى اكتشاف النفط واندثرت.
الغوص في سيهات
سيهات كسائر المدن الساحلية في منطقة القطيف كان موسم الغوص فيها هو الموعد الذي ينتظره الأهالي، فعندما يقترب موعد الدشَّة (رحلة الغوص) يتم سحب سفن الغوص من اليابسة إلى البحر وتجهز بحاجيات رحلة الغوص. وصاحب السفينة هو (النوخذة)، أو يكون النوخذة مستأجراً للسفينة ويتم اختيار أفضل الغواصين. وهناك منافسة بين النواخذة لاختيار أفضل رجال الغوص.
ويتفق النواخذة في المدينة على يوم (الدشَّة) لتكون رحلة سفن الغوص جميعها في يوم واحد، حيث يجتمع النواخذة في مجلس العمدة ويتم تحديد يوم الدشَّة ويكون سردال الغوص رئيساً وقائداً للسفن في عرض البحر، وتكون سفينته مزودة بالأسلحة ومدفع يحمي السفن من مواجهة قراصنة البحر الذين كانوا يهاجمون سفن الغوص ويقتلون وينهبون. لذا لا بدّ من وجوده لهذه السفن ليصبح بمثابة قائد لسفن الأهالي وحمايتها. حيث في الفترة ما بين 1878 ـ 1880م لمع اسم (زيد بن محمد) من قبيلة بني هاجر كقرصان استطاع أن يروع الأمن في مياه الخليج بأعماله العدوانية وخاصة بمنطقة القطيف، فقد قام هو وأتباعه من بني هاجر، وآل مرة، يشاركهم بعض أفراد قبيلة العجمان بزعامة (منصور بن منيخر) بالسطو على العديد من السفن وتجريدها من الأموال والبضائع التي تقلها، وكانت تلك العصابة لا تتورع عن سفك الدماء في سبيل تحقيق غايتها([48])، لهذا أصبح عرفاً في رحلة الغوص حمل الأسلحة لحماية السفن ورجالها من هجوم قراصنة البحر.
الدخول إلى الغوص
ويسمى (يوم الدشَّة) والدشة كلمة محرفة تعني (الدخلة) وهو يوم رحلة الغوص، وتكون فيه سفن الغوص كاملة التجهيز، وفيه يتجمع الأهالي على سيف البحر. وفي مدينة سيهات تحديداً عُرف موقع التجمع إلى جانب البرج الساحلي، فيجتمع الأهالي لتوديع رجال الغوص فيلاحظ أن النساء يبكين وهن يودعن أبنائهن لعلمهن بمخاطر رحلة الغوص ومصاعبها.
في يوم الدشة يحتفل الأطفال بطريقتهم الخاصة بهم من خلال ترديد الأهازيج توديعاً لآبائهم وإخوتهم. وقبل يوم الدشة يقوم كل غواص وباقي أفراد رحلة الغوص أيضاً بإعداد وصاياهم نظراً إلى أن رحلة الغوص هي رحلة المشاقّ والصعاب والمجهول.
جماعة العمل في سفينة الغوص
النوخذة
هو ربان السفينة (قائد السفينة) وتكون له الكلمة الفصل في أمور الغوص بسفينته، وعادة ما يكون هو صاحب السفينة (مالكها) أو استأجرها من مالكها مقابل نسبة متفق عليها من محصول الغوص (الخمس). والنوخذة يختار الرجال الذين سيبحرون معه على ظهر السفينة.
فالنوخذة قبل رحلة الغوص يصرف مبالغ طائلة لتجهيز الرحلة، منها تزويد العاملين على ظهر السفينة بسلفة([49]) ليتمكنوا من تزويد بيوتهم بحاجياتهم خلال غيابهم في رحلة الغوص، كما يقوم بصيانة سفينة الغوص قبل الرحلة من دهانها بالصل وتغيير التالف من أخشابها ومساميرها وأشرعتها، كما يتم تزويد السفينة بالتمور والأرز والمياه والمؤنة الخاصة برحلة الغوص نظراً إلى أن الرحلة تمتد عدة أشهر.
ويكون عمل النوخذة في السفينة هو اتخاذ القرارات والإشراف المباشر على الغواصين وعلى أعمال فلق المَحَّار، وتحديد الهيرات التي سوف يتم فيها البحث عن المَحَّار، كما يقوم النوخذة ببيع اللؤلؤ على (الطوَّاشين) المتجولين بين سفن الغوص في الهيرات.
الغواص
الغواص يعتبر الساعد الأيمن لرجال الغوص نظراً لتحمله المشاق والمخاطر في قاع البحر؛ لهذا فإن الغواص يكون نصيبه (اقلاطة) ونصف (أي سهم ونصف) والسيب (الذي يقوم بسحب الغواص) يستلم (اقلاطة). والغواص له منزلة اجتماعية مرتفعة، لهذا يضرب هذا المثل «إن كنت بحار يا وخيي فأنا غواص». كما أن الغواص لا يقوم بأعمال الخدمة والنظافة والطهي على ظهر السفينة نظراً لمكانته.
واشتهر رجال سيهات بعملهم كغواصين حيث عملوا في سفن بعض الدول المجاورة([50]).
السِّيْب
يأتي في الدرجة الثانية بعد الغواص وله (قلاطة) وهو الذي يقوم بسحب الغواص من قاع البحر، ويحتاج إلى عضلات (مفتولة) لسحب الغواص بين الفينة والأخرى، ويجب أن يكون السيّب له خبرة ودراية بالإشارات التي يطلقها الغواص من خلال الحبل الذي يصل بين الغواص والسيّب.
التباب
يقوم بأعمال الخدمة فوق ظهر السفينة، وعادة يكون مرافقاً لوالده الذي هو أحد أفراد رجال السفينة. ونصيب التباب هو مكافأة من النوخذة بعد انتهاء الغوص.
النَّهَّام
هو أحد أفراد جماعة السفينة، وجرت العادة أن لا تخلو سفينة غوص من نهَّام يشدو بصوته على مسامع الملاحين ويشجعهم ويبث روح الحماسة فيهم ويرفع معنوياتهم. عمل النهَّام على ظهر السفينة له تأثير على معنويات البحَّارة وحثهم لمواصلة العمل بكل جهد ونشاط.
نستطيع أن نقول إن النهَّام يتساوى مع باقي أفراد السفينة في مشقة العمل، فالنهَّام يبدأ عمله منذ إنزال سفينة الغوص من السيف إلى مياه البحر وتنظيمها، فهنا يغني (الهليب)، وعندما ترفع المرساة يغني (البريخة)، وعندما تبتعد السفينة للانطلاق يغنون (الزهيرية) لوداع الأهل، وعندما تنطلق السفينة يغنون (الهوب يا مال)، وعند رفع الشراع يغنون (الدواري)، وعند لف الشراع يغنون (الهولو) وعند دوران الشراع يغنون (الدواري) وعندما تقف السفينة يعودون إلى غناء (البريخة).
وبعد أن يلتقطوا ما تيسر من المحار، ترفع المرساة ويغنون أغاني (العودة).
الطوَّاشون (الطواويش)
الطوَّاشون (جمع طوَّاش) وهم رجال أثرياء لديهم القدرة على شراء كميات من اللآلىء وجمعها وتصنيفها وعرضها بطريقة جيدة، ثم بيعها بأسعار ذات أرباح عالية، ولديهم خبرة واسعة في معرفة اللآلىء وأسعارها في السوق، فكل نوع من اللآلىء له سعره، لهذا يستفيد الطواشون من خبرتهم ويركبون سفنهم في فترة الغوص ويتجولون على سفن الغوص لمعاينة اللآلىء لدى نواخذة الغوص وشراء بعضها، وبعد انتهاء فترة الغوص يقومون بزيارة النواخذة في مجالسهم لمعاينة لآلئهم والمساومة معهم بطريقة سرية في أسعارها، كما يرتادون المقاهي التي يتجمع فيها النواخذة والطواشون، وفي هذه الأماكن يتعرف كل منهم على المعروض من اللآلىء. ويعتمد الطواشون في أسلوب الشراء والبيع على السرية التامة لقيمة اللآلىء، وهذه من الأعراف السائدة لدى الطواشين.
رحلات الغوص
رحلات الغوص التي عرفها أبناء الخليج ومارسها أهالي سيهات قديماً تنقسم إلى ثلاثة أنواع:
1 ـ رحلات الغوص (للمحترفين).
2 ـ رحلات غوص المناتر.
3 ـ رحلات غوص المترابعة.
وفيما يلي شرح مفصل لهذه الأنواع:
أولاً: رحلات الغوص (للمحترفين):
أ ـ رحلة الغوص الكبير: وهي الرحلة الرئيسية ومدتها ثلاثة شهور.
ب ـ رحلة الخانجيه: وتكون في آخر فصل الربيع، وعدد السفن فيها قليل، وعادة تكون الرحلة قريبة من الساحل، ولا تخضع لقانون الغوص، وكل ما يحصل البحَّار عليه من نقود من رحلة الخانجيه يكون له.
جـ – رحلة الردة: بعد رحلة الغوص، ومدتها تتراوح ما بين 20 يوماً إلى 25 يوماً.
د ـ رحلة الرديدة: بعد رحلة الردة ومدتها تتراوح بين 20 و25 يوماً، يتعين على سفن الغوص العودة، وبعد هذه الرحلة ينتهي موسم الغوص([51]).
ثانياً: رحلة غوص المناتر:
هذه الرحلة خاصة للشبان الذين لا تتجاوز أعمارهم الخمس عشرة سنة، وتكون رحلات المناتر للمغاصات القريبة مثل النيوة. وتبدأ من صباح كل يوم والعودة قبل الغروب، أي حوالي اثنتي عشرة ساعة تقريباً. وهي رحلات للذين لا يستطيعون التأقلم مع المدة الطويلة لرحلات الغوص للمحترفين، وهذه الرحلات لا يختلف فيها تقسيم المهن على ظهر (الجالبوت) عن مهن رحلة الغوص للكبار (المحترفين).
ثالثاً: رحلة غوص المترابعة:
سفينة من نوع الشوعي وضعت في أحد الشوارع الرئيسية بمدينة سيهات، ومنظر الشوعي يحكي لزائر المدينة تاريخها البحري، وفي زمن الغوص كان الطواشون (تجار اللؤلؤ) يستخدمون هذه النوعية من السفن للتجوال بين سفن لغوص وهي مبحرة في الهيرات
سمك القرش، يطلق عليه أهالي الخليج اسم الجرجور (اليريور) وهو العدو الأول للغواص لشراسته، حيث يعتبر مرعب الأعماق، وكان رجال الغوص إذا شاهدوا يريوراً في إحدى الهيرات اضطروا إلى الانتقال إلى موقع آخر.
سفن الغوص
من الصعب تصور ساحل سيهات أيام الغوص وعدد السفن الراسية فيه. إذ لم تكن هناك معلومات تاريخية كافية تساعدنا على وضع صورة حيّة لذلك المشهد.
هناك مصدر يوضح لنا عدد سفن الغوص بسيهات وهو الكاتب الإنكليزي لوريمر وذلك في كتابه دليل الخليج([52]) فقد أوضح بأن مدينة سيهات تمتلك (30) سفينة لصيد اللؤلؤ، وعدد العاملين على هذه السفن (560) رجلاً وكان ذلك سنة 1907م.
وعدد السفن التي أوضحها لوريمر وعدد الرجال الذين يعملون عليها ليس بالعدد القليل مقارنة بهذه القرية الصغيرة، وإن عدد (30) سفينة كانت راسية على ساحل سيهات لمشهد ينم عن تعلق الأهالي بالبحر كيف لا وهو مورد رزق رئيسي لهم.
الغوص مع نواخذة سيهات
بالرغم مما هو معروف عن نواخذة الغوص من تسلُّطهم على أفراد جماعة السفينة، إلا أنه كانت هناك مزايا لنواخذة سيهات جعلت الأهالي تفضّل العمل معهم، ومنها:
أولاً: العودة من الهيرات إلى البلدة في أيام التحاريم، ومنها أيام عاشوراء ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته (عليهم السلام)، وبالتالي فإن نواخذة سيهات يراعون الشعائر الدينية لمن يعملون معهم على ظهر السفينة، وهذا بخلاف ما نلاحظه في بعض البلدان من عدم اهتمام النواخذة بهذه الأمور.
ثانياً: النواخذة في سيهات كانوا لا يتبعون طريقة الجيلة (كيل المحار) التي كانت متبعة في بعض البلدان وهي ترهق الغوَّاص، كما أن النوخذة يقوم بإهانة الغواص الذي يجمع أقل عدد من المَحَّار مقارنة بباقي الغوَّاصين في السفينة.
أنواع اللؤلؤ
اللؤلؤ أنواعه متعددة، وتعارف على تسميته في منطقة الخليج (إقماش) بكسر الهمزة وإسكان القاف، واللؤلؤة الواحدة (إقماشة). وتسمى اللؤلؤة الفريدة الكريمة (دانة) بفتح الدال وجمعها دانات([53]). وتسمى (حصباة) بفتح الحاء وجمعها حصابي، وتطلق على أكبر أنواع اللؤلؤ (الحصباة)، وأصغر أنواع اللؤلؤ تسمى اليكه (الحبات الصغيرة جداً). وأردأ أنواع اللؤلؤ تسمى (الخشْرة) ([54]). وينقسم اللؤلؤ لدى الطواشين إلى أنواع، ولكل منها اسم خاص وأوضحها الأستاذ/ سيف الشملان كما يلي:
1 ـ جيون: بكسر الجيم جمعه جيونات.
2 ـ شرين: بكسر الشين وجمعه شرينات.
3 ـ قولوة: بضم القاف وجمعه قولوات.
4 ـ بدلة: بفتح الباء وجمعه بدلات.
5 ـ يكة: بفتح الياء وجمعه يكات.
6 ـ كبنياتي: بكسر الكاف وجمعه كبنياتات.
7 ـ فص: بفتح الفاء وجمعه افصوص.
8 ـ مجهولة: بفتح الميم وجمعه مجاهيل بكسر الميم.
9 ـ رأس: بفتح الهمزة وجمعه رؤوس بضم الراء.
10 ـ بطن: بفتح الباء وجمعه إبطون.
11 ـ خشن: بفتح الخاء.
12 ـ تنبول: بفتح التاء وجمعه تنابيل بفتح التاء.
13 ـ خشرة: بفتح الخاء وجمعه مخاشر.
14 ـ سحتيت: بفتح السين وجمعه سحاتيت وهي صغار اللؤلؤ.
15 ـ الجالس: من أنواع اللؤلؤ تكون لها قاعدة تجلس عليها.
16 ـ البيضي: أي تشبه البيضة.
17 ـ النخجي: أي تشبه حبة النخي الحمص.
18 ـ الموري: بضم الميم تشبه مورة الصبار تمر الهند.
19 ـ الطبلي: أي تشبه الطبل.
20 ـ أم عيونة: من أنواع اللؤلؤ.
21 ـ كاوكي: من أنواع اللؤلؤ.
22 ـ فوفلي: من أنواع اللؤلؤ.
23 ـ ربياني: من أنواع اللؤلؤ.
24 ـ عدسي: يشبه حبات العدس.
أما من ناحية لون اللؤلؤ فهناك عدة تسميات هي كما يلي: (نباتي، قلابي، وردي، بصلي، سماوي، شقرا، سنقباسي، الخضراء) وكل تلك التسميات تعتمد على اللون وسعرها يتحدد بصفاتها أو نقائها ونعومة سطحها.
اللؤلؤ الزراعي ونهاية زمن الغوص
كان الغوص من أجل البحث عن اللآلىء من المهن الرئيسية في مدينة سيهات، واستمرت هذه المهنة المربحة الشاقة حتى اكتشف اللؤلؤ الصناعي أو المزروع) سنة (1912م) من قبل الياباني (ميكوموتو) فتراجعت أهمية هذه المهنة في الخليج نظراً لمنافسة اللؤلؤ المزروع للآلىء الطبيعية حتى أن بعض اللآلىء المزروعة كانت ذات لمعان أفضل وشكل دائري وحجم أكبر وبسعر أقل من اللؤلؤ الطبيعي، ويصعب معرفة إن كانت اللآلىء طبيعية أو مزروعة([55]).
وقد برع اليابانيون بذلك وقاموا بعمل مزارع اللؤلؤ، واحتكار أسرار هذه المهنة، وكثر العرض من اللؤلؤ الزراعي في الأسواق وبالتالي قلّ الطلب مما أثر سلباً على التجارة الرئيسية في الخليج وبدأ العد التنازلي لاندثار هذه المهنة، وأصبح نواخذة الغوص يتحملون خسائر كبيرة نتيجة تدني أسعار اللؤلؤ، كما أن الطواشين بدؤوا يتخوفون من المغامرة بشراء بعض اللآلىء الثمينة بسعر مرتفع، لعدم استقرار الأسواق وكثرة الخسائر التي مني بها الكثير منهم.
واستمر هذا الحال حتى اكتشاف النفط في منطقة القطيف الممتدة من الظهران حتى مدينة صفوى، ومنذ اكتشاف النفط قامت شركة أرامكو بأعمال التنقيب وإنشاء المعامل، والتحق رجال المنطقة بهذه الشركة وأصبح المنفذ والمهرب من مهنة الغوص التي أصبحت غير مربحة في ظل اكتساح اللؤلؤ الزراعي للعالم وانخفاض أسعار اللؤلؤ الطبيعي، مما أدى لاتجاه معظم الشباب إلى العمل بشركة أرامكو وحصولهم على رواتب تمكنهم من تلبية مطالبهم المعيشية اليومية، وأصبح هناك قبول تام وارتياح للعمل بالشركة وهُجِر العمل بالغوص الذي كانوا يتقاضون فيه مبالغ مالية متمثلة في ما يسمى بالقلاطة وهي صافي الأرباح الناتجة من بيع اللآلىء التي حصلوا عليها خلال رحلة الغوص، وتقسم هذه المبالغ بين أفراد الجماعة كل حسب وظيفته، وفي آخر سنوات الغوص كانت القلاطات التي يستلمونها غير مجدية ومخيبة للآمال مقارنة مع عمال شركة أرامكو الذين يستلمون مبالغ لا بأس بها مقابل عملهم، إضافة إلى تدريبهم في مدارس الشركة.
وكثر في تلك الحقبة الزمنية بيع سفن الغوص أو تأجيرها لمن يريد استئجارها لقلة رجال الغوص وصعوبة الحصول عليهم، فبدأت السفن تتحول من سفن الغوص إلى سفن لصيد الأسماك، وبعضها ظلّ متوقفاً على سيف البحر إلى أن بليت ألواحها ودفن الكثير منها تحت رمال بعض الأحياء الجديدة بعد التوسعة العمرانية.
سيهات في الشعر
ذكرنا فيما تقدم ثلاثة أبيات للخطي في سيهات. ونقول إن أجمل شعر الخطي وأخلده هو ما كان صدى لعواطفه ومظهراً لحنينه، فإن الخطي نظم في الحنين إلى القطيف حين هاجرها إلى البحرين، ثم في الحنين إلى كليهما حين رحل إلى إيران. وهو في كل ذلك يذكر الأماكن ويتشوق إلى المنازل:
هلا سألت الربع من «سيهات»
ومجر أرسان الجياد كأنها
فوق الصعيد مسارب الحيات
ومجدفات السفن أدنى برها
من بحرها ومبارك الهجمات
حيث المسامع لا تكاد تفيق من
ترجيع نوتي وصوت حداة
إن «القطيف» وإن كلفت بحبها
وعلت على استيطانها زفراتي
إذ حيث جزت رأيت فيها مدرجي
طفلاً وأترابي بها ولداتي
إحدى سفن الغوص ترفع شراعها للإبحار في مياه الخليج.
لأجل ملتمسي وغاية منيتي
إني أقيم بتلكم الساحات
فسقى الغمام إذا تحلب ركبه
تلك الرحاب الفيح والعرصات
واجتازت المزن العشار فطبقت
بالسقي من «عنك» إلى «نبكات»
وهكذا فإن «سيهات وعنك ونبكات» هي مطمح أنظاره ومثار هواه، مرابع الخليج وما فيها من حياة بحرية برية تلتقي فيها أصوات الحداة بأصداء النوتية، وتمتزج مجاديف السفن بأرسان الخيل، إن حياة الخليج هذه يشغف بها شاعر الخليج فيصورها لنا ويحدثنا عنها فنرى في شعره صورة وطنه.
وقد مضى في بحث (الخليج) تفصيل عن الخطي وشعره، يراجع هناك.
الشافي في الإمامة
كتاب للسيد المرتضى
في مجلدين، طبع في إيران على الحجر سنة 1301هـ. المجلد الأول في 148 صحيفة كل صحيفة 35 سطراً، كل سطر 22 كلمة تقريباً. والمجلد الثاني يحتوي على 147 صحيفة من نسق صحائف المجلد الأول.
ألّفه «المرتضى» في نقد كتاب «المغني من الحجاج» للقاضي المتكلم المعتزلي «عبدالجبار» وهو معاصر له.
و«عبدالجبار» يعتبر في نظر المعتزلة ودارسي تاريخهم، في ذروة الفكر المعتزلي، ونهايته التي ما وراءها نهاية، والشريف «المرتضى» يعدّ في نظر الشيعة وغيرهم سيد متكلمي الشيعة، في تاريخهم القديم والحديث، فالصراع بين الرجلين في هذا الكتاب خير ما يصور طبيعة الكلام والجدل في القرن الرابع. ويخيل لي أن كل من كتب من المُحْدَثِين عن المعتزلة، ولم يقف على الكتابين، أو على الأخير منهما خاصة، يصعب عليه معرفة المذاهب الكلامية عرفاناً حقاً.
ويعيب كتاب «الشافي» أنه اعتمد أوائل كلام صاحب «المغني» ولم يذكر الأصل كله ـ كما نص المرتضى على ذلك في المقدمة ـ رغبة في الاختصار، وإحالة على الأصل الذي بيد الناس يوم ذاك، ولكنه أدرك هذا العيب وحاول ملافاته، في أثناء التأليف وبعد أن أتمّ شطراً كبيراً منه، فتلافى ما تلافى، ولم يستطع أن يعيد النظر فيما فاته، نظراً لخروج الأصول من يده، وانتشارها بين الناس وعدم إمكان جمع ما تفرّق منها.
وقد كان ظهور الكتابين حدثاً بارزاً بين أئمة الكلام، لشديد ما احتفوا به، فقد ألَّف «الشيخ الطوسي» «تلخيص الشافي» وألَّف «أبو الحسين البصري» كتاباً يسمى «نقض الشافي»، وألَّف «أبو يعلى سلار بن عبدالعزيز» «النقض على النقض» وكل ذلك في حياة المرتضى.
ويخيل لي أن من أسباب عدم احتفاء المعاصرين بالكتاب رداءة طبعه، وعدم تيسّر نسخه، وصعوبة فهمه ـ وبخاصة ما كان النزاع فيه على مسائل كلامية بحتة.
يعتبر الكتاب مفتاح المذهب الشيعي، وباب الدخول إلى صميم عقائده.
وبعد فهو خير مصوّر لثقافة «المرتضى» الأدبية والتاريخية. تقرأ فيه الفروق بين الزيدية والإمامية، والمعتزلة والإمامية، وتكذيب ما يُتَّهم به الإمامية من القول بزيادة علم الإمام (عليه السلام) على النبي(ص)، والقول بأنه لولا الإمام ما قامت السماوات، واتهامهم بدعواهم أن المعارف كلها ضرورية ورأي الإمامية في البداء، والفرق بين الإجماع لدى الإمامية وغيرهم وعدم وجوب علم الإمام بالبواطن مما لا يجب العلم به، هذا إلى غير ذلك من سرد كلام أكثر أئمة المعتزلة.
وهو يشير في الكتاب إلى بعض مؤلفاته منها رسالته «في الشبهة» الواردة على حديث «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» و«كلامه في الوعيد» من إجاباته على أسئلة أهل الموصل.
الشام[56]*(*) (بلاد)
ـ 1 ـ
بلاد الشام هي ما تعرف اليوم بكل من سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، مضافاً إليها قسم من تركيا هو: عين تاب ومرعش وسيس وأضنة وإسكندرونة.
وفي المصطلح القديم: هي البلاد الممتدة من الفرات إلى مصر، أو: هي القطر الممتد من سقي النيل إلى سقي الفرات، ومن سفوح طورس إلى أقصى البادية.
وفي قول الجغرافيين العرب([57]): تحدها من الشرق: البادية من أيلة([58]) إلى الفرات. ومن الغرب: البحر المتوسط. أما غربها البحري فيمتد من طرسوس غرب أضنة إلى رفح بين مصر والشام. ويحدها من الشمال حد يمتد من بالس([59]) مع الفرات إلى قلعة نجم ثم إلى البيرة إلى قلعة الروم إلى سميساط إلى حصن منصور إلى بهنس إلى مرعش إلى بلاد سيس إلى طرطوس. أما الحد الجنوبي فيمتد من رفح إلى تيه بني إسرائيل إلى ما بين الشوبك وأيلة إلى البلقاء([60]). وياقوت في معجم البلدان يكتفي في تحديدها بهذا القول: أما حدها فمن الفرات إلى العريش المتاخم للديار المصرية، وأما عرضها فمن جبلي طيىء([61]) من نحو القبلة إلى بحر الروم.
وفي التفصيل قال الجغرافيون العرب:
«أمّا (الشام) فإنّ غربيَّها بحر الروم، وشرقيّها البادية من أيْلة إلى الفرات، ثمّ من الفرات إلى حدّ الروم، وشماليّها بلاد الروم أيضاً، وجنوبيّها حدّ مصر وتيه بني إسرائيل، وآخر حدودها مِمّا يلي مصر رَفَح وممّا يلي الروم الثغور المعروفة كانت قديماً بالجزيرة وهي مَلَطْية والحدث ومَرعش والهارونيّة والكَنِيسة وعين زَرْبة والمِصّيصة وأَذَنة وطَرَسُوس.
قد جمعت الثغور إلى الشام، وبعض الثغور يُعرف بثغور الشام، وبعضها يُعرف بثغور الجزيرة، وكلّها من الشام، وذلك أنّ كلّ ما كان وراء الفرات فمن الشام؛ وإنّما سُمّي من ملطية إلى مرعش ثغور الجزيرة لأنّ أهلا لجزيرة بها كانوا يرابطون ويغزون منها، لا لأنّها من الجزيرة.
وكور الشام إنّما هي جند فلسطين وجند الأردن وجند دمشق وجند حمص وجند قنّسرين والعواصم والثغور. وبين ثغور الشام وثغور الجزيرة جبل اللُّكام وهو الفاصل بين الثّغرين، وجبل اللّكام جبل داخل في بلد الروم ويُقال إنّه ينتهي إلى حد مائتيْ فرسخ، ويظهر في بلد الإسلام بين مرعش والهارونيّة، وعين زربة فيُسمّى اللكام إلى أن يجاوز اللاذقيّة، ثمّ يُسمّى جبل بَهْراء، وتَنوخ إلى حمص، ثمّ يُسمى جبل لبنان، ثمّ يمتدّ على الشام حتّى ينتهي إلى بحر (القُلْزُم) من جهة، ويتّصل بالمُقطَّم من جهة أخرى.
أمّا جند حِمص فإنّ مدينتها (حمص)، وهي مدينة في مستواة خصبة صحيحة الهواء من أصح بلدان الإسلام، ودخلها الروم في وقتنا هذا، وأتوا على سوادها وأخربوها، وجميع طرق حمص من أسواقها، وسككها مفروشة بالحجارة والبلاط.
وأمّا (أَنْطَرْسُوس) فحصن على البحر، ثغر لأهل حمص، وعليه سور من حجارة يمنع أهلها من بادرة، ولقد أنجوا من الروم في حيننا هذا عند قصد نِقْفُور ساحل الشام.
وأمّا (شَيْزَر وحماة) فإنّهما مدينتان صغيرتان نزهتان كثيرتا المياه والشجر والزّروع والفواكه.
وأمّا جند قِنَّسرين فمدينتها (حلب)، وكانت عامرة جدّاً غاصّة بأهلها كثيرة الخيرات على طريق العراق إلى الثغور وسائر الشامات، فافتتحها الروم، وكان لها سور من حجارة لم يغن عنهم من العدوّ شيئاً، فخرّب جامعها، وسبى ذراري أهلها، وأحرقها. وكان بها قلعة غير طائلة ولا حسنة العمارة، فلجأ إليها قوم من أهلها، فنجوا وهلك بها من المتاع والجهاز للغرباء وأهل البلد، وسبى بها وقتل من أهل سوادها ما في إعادته إرماض لمن سمعه ووهن على الإسلام وأهله. وكان لها أسواق حسنة وحمّامات وفنادق ومحالّ وعِراص فسيحة، وهي الآن كالمتماسكة ولها وادٍ يعرف بأبي الحسن قُوَيْق، وشرب أهلها منه، وفيه قليل طفس، ولم تزل أسعارهم في الأغذية وجميع المآكل قديماً واسعة رخيصة، وعليهم الآن للروم في كل سنة قانون يؤدّونه وضريبة تُستخرج من كلّ دار وضيعة معلومة، وكأنّهم معهم في هدنة وليست وإن كانت أحوالها متماسكة وأمورها راضية بحال جزءٍ من عشرين ممّا كانت عليه في قديم أوقاتها وسالف أيّامها.
(وقِنَّسرين) مدينة نسبت الكورة إليها، وهي من أضيق تلك النواحي بناءً، وإن كانت نزهة الظاهر، مغوثة في موضعها بما كان بها من الرخص، فاكتسحتها الروم، فكأنها لم تكن إلا بقايا دِمَن فديتُها مِنْ دِمَن.
(وَمَعَرَّةُ النُّعمان) مدينة هي وما حولها من القرى أعذاء([62]) ليس بنواحيها ماءٌ جارٍ ولا عين، وكذلك جميع جند قنّسرين شربهم من السماء. وهي مدينة كثيرة الخير والسعة والتين والفستق وما شاكل ذلك من الكروم.
وأمّا (الخُناصِرة) فهي حصن يُحاذي قنّسرين إلى ناحية البادية وعلى شفيرها وسيفها، كان يسكنه عمر بن عبدالعزيز، صالحة في قدرها مغوثة للمجتازين عليها في وقتنا، لأنّ الطريق انقطع من بطن الشام بإتيان الروم عليه وهلاك ولاته، فلجأ الناس إلى طريق البادية بالأَدِلاّء والخفراء.
و(العواصم) اسم الناحية وليس بمدينة تُسمّى بذلك، وقصبتها (أنطاكية) وهي بعد دمشق أنزه بلد بالشام، وعليها إلى هذه الغاية سور من صخر يحيط بها وبجبل مشرف عليها، لهم فيه مزارع وأجنّة وأرحية، وما يستقلّ به أهلها من مرافقها. ويُقال إنّ دَور سورها يوم، تجري مياههم في أسواقهم ودورهم وسككهم ومسجد جامعهم، وكان لهم ضياع وقرى ونواحٍ خصبة حسنة استولى عليها العدو فملكها، وكانت قد اختلّت قبيل افتتاحها في أيدي المسلمين، وهي أيضاً في أيدي الروم أشدّ اختلالاً. وفتحها الروم في أوّل سنة تسع وخمسين وثلاثمائة.
و(باليس) مدينة على شطّ الفرات من غربيّه، صغيرة، وهي أول مدن الشام من العراق، وكان الطريق إليها عامراً، ومنها سابلاً، وكانت فرضة لأهل الشام على الفرات.
و(مَنْبِج) بالقرب منها، وهي خصيبة، كثيرة الأسواق، قديمة الآثار عظيمة الأسوار في بريّة، الغالب عليها وعلى مزارعها الأعذاء، وهي حصينة عليها سور أزليّ روميّ.
و(سَنْجَة) تقع قرب منبج، وهي مدينة صغيرة بقربها قنطرة حجار تُعرف بقنطرة سنجة، ليس في الإسلام قنطرة أحسن منها، ويُقال إنّها من عجائب الزّمان.
و(سُمَيْساط) مدينة على الفرات، وكذلك (جسر مَنْبِج) وهما مدينتان صغيرتان حصينتان، لهما زرع سقي ومباخس، وماؤهما من الفرات.
و(مَلَطْية) كانت مدينة كبيرة من أكبر الثغور وأكثرها سلاحاً ورجالاً، دون جبال اللّكام إلى ما يلي الجزيرة، ويحفّ بها جبال كثيرة فيها الجوز والكروم واللوز وسائر الثمار الشتويّة والصيفيّة، مباحة لا مالك لها. وهي من أقوى بلاد الروم في هذا الوقت، يسكنها الأرمن، وفُتحت في سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وكانت المدينة المعروفة بحصن منصور، صغيرة حصينة، فيها منبر، وبها رستاق، وقرى برسمها أعذاء، فاستأثر القضاة بهلاكها على أيدي الروم وبني حمدان.
و(الحَدَث) و(مَرْعَش) مدينتان صغيرتان افتتحهما الروم فأعادهما سيف الدولة علي بن عبداللَّه، وعاد الروم فانتزعوهما ثانية من المسلمين. وكان لهما زروع وأشجار كثيرة وفواكه، وكانتا ثغرين يرابط فيهما المسلمون ويجاهدون، ففسدت النيّات وافتتحت الأعمال وارتفعت البركات، وفسدت المذاهب، ولجّ الملوك في الظّلم والاستئثار بالأموال، والعامّة في الإصرار على المعاصي والطغيان، فهلك العباد، وتلاشت البلاد، وانقطع الجهاد.
وكانت (الهارونيّة) من غربي جبل اللكام في بعض شعابه، حصناً صغيراً بناه هارون الرّشيد، أدركته عامراً حسناً فأهلكته الروم.
وكانت (الإِسْكَنْدريّة) أيضاً حصناً على ساحل بحر الروم، ذا نخيلٍ وزرع كثير، وغلة وخصب، فأتى عليه العدوّ.
وكذلك (التينات) حصن كان على شطّ البحر فيه مقطع لخشب الصنوبر الذي كان ينقل إلى الشام ومصر والثغور، وكان فيه رجال فُتّاك أجلاد لهم علم بمضار بلد الروم ومعرفة بمخائضهم.
وكانت (الكَنِيسَة) حصناً فيه منبر، وهو ثغر في معزل من ساحل البحر يقارب حصن (المُثَقَّب) الذي استحدثه عمر بن عبدالعزيز وعمّره، وكان فيه منبره ومصحفه بخطّه، وكان فيه قوم سراة من عبد شمس اعتزلوا الدنيا ورفضوا المكاسب، وكان لهم ما يقيم بهم من المباح.
وكانت (عين زَرْبَة) ([63]) بلداً يشبه مدن الغور، بها نخيل وخصب، واسعة الثمار والزّرع والمرعى، وهي المدينة التي كانت وصيف الخادم همّ بالدخول منها إلى بلد الروم، فأدركه المُعْتَضِد بها. وكانت حسنة الداخل والخارج نزهة داخل سورها، جليلة في جميع أمورها.
وكانت (المِصِّيصَة) مدينتين، إحداهما تُسمّى (المِصّيصة) والأُخرى تُسمّى (كَفْرَبَيَّا)، على جانبَيْ جَيْجان، وبينهما قنطرة حجارة، وكانتا حصينتين جدّاً على شرف من الأرض، ينظر منها الجالس في مسجد جامعها نحو البحر أربعة فراسخ كالبقعة بين يديه خضرة نضرة، جليلة الأهل نفيسة القدر، كثيرة الأسواق، حسنة الأحوال.
و(جَيْحان) نهر يخرج من بلاد الروم حتى ينتهي إلى المِصّيصة، ثمّ إلى رستاق، يُعرف بالمَلُون، فيقع في بحر الروم، وكان كثير الضياع غزير الكراع.
وكانت (أَذَنة) مدينة كأحد جانبَيْ المِصّيصة على نهر (سَيْحان) في غربي النهر، وسَيْحان دون جَيْحان في الكبر، عليه قنطرة عجيبة البناء طويلة جدّاً. ويخرج هذا النهر من بلد الروم أيضاً.
وكانت أذنة جليلة الأهل حسنة المحل في كلّ أصل وفصل، وعلى أطل طريق طرسوس.
و(طَرَسُوس) مدينة مشهورة كبيرة، عليها سوران من حجارة، كانت تشتمل على خيل ورجال وعدّة وعتاد وكراع. وكانت من العمارة والخصب بالغاية إلى رخص عامّ على مرّ الأيّام وتعاقب الأعوام. وكان بينها وبين حدّ الروم جبال متشعّبة من اللُّكام كالحاجز بين العملين، ورأيت غير عاقل مميّز وسيّد حصيف مبرّز يُشار إليه بالدراية والفهم واليقظة والعلم، يذكر أن بها مائة ألف فارس، وكان ذلك عن قريب عهد من الأيّام التي أدركتها وشاهدتُها، وكان السبب في ذلك أنه ليس من مدينة عظيمة من حدّ سِجستان وكِرْمان وفارس وخُوزِسْتان والجبال وطَبَرِسْتان والجزيرة وأذَرْبيجان والعراق والحجاز واليمن والشامات ومصر والمغرب، إلاّ وبها لأهلها دار ينزلها غزاة تلك البلدة ويرابطون بها إذا وردوها، وتكثر لديهم الصلات وتَرِد عليهم الأموال والصدقات العظيمة الجسيمة إلى ما كان السلاطين يتكلفونه وأرباب النعم يعانونه وينفذونه متطوعين متبرعين، ولم يكن من ناحية ذكرتها رئيس ولا نفيس إلا وله عليه وقف من ضيعة ذات مزارع وغلاّت أو مسقّف من فنادق، فهلكوا فكأنهم لم يقطنوها، وعفوا فكأنهم لم يسكنوها حتّى لظننتم كما قال اللَّه تعالى: {هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً}.
وكانت (أَوْلاس) حصناً على ساحل البحر فيه قوم متعبّدون، وكان في آخر ما على بحر الروم من العمارة، فكانت ممّا بدأ به العدوّ.
و(بَفْراس) كان فيها منبر على طريق الثغور، وكانت فيها دار لِزُبَيْدة، ولم يكن بالشام دار ضيافة كبيرة غيرها.
فأمّا المسافات بالشام فإنّ طولها من حدّ مطلية إلى رفَح والطريق من ملطية على مَنْبِج وبينهما 4 أيّام، ومن مَنْبِج إلى حلب يومان، ومن حلب إلى حمص 5 أيّام، ومن حمص إلى دمشق 5 أيّام.
وعرضها في بعض المواضع أكبر من بعض، وذلك أن أعرضها طرفاها، وأحد طرفيها من الفرات من جسر مَنْبِج على منبج ثمّ على قُورس في حدّ قِنَّسرين، ثمّ على العواصم في حدّ أنطاكية، ثمّ يقطع جبل اللكام إلى (بَيَاس)، ثمّ إلى (التينات)، ثمّ إلى المُثَقَّب، ثمّ على المِصِّيصة، ثمّ على أَذَنة، ثمّ على طَرَسُوس، وذلك نحو عشر مراحل، وإن سلكت من بالس إلى حلب ثمّ أنطاكية ثمّ إلى الإسكندرونة، ثمّ إلى بَياس، حتّى تنتهي إلى طرسوس، فالمسافة أيضاً نحو 10 مراحل، غير أنّ السمت المستقيم هو الطريق الأوّل.
وجند قنّسرين، قنّسرين مدينتها؛ غير أنّ دار الإمارة والأسواق ومجمع ناسها والعمارات بحلب، فمن حلب إلى بالس يومان، ومن حلب إلى (الأَثارِب) يوم، ومن حلب إلى قُورُس يوم، ومن حلب إلى قُورُس يوم، ومن حلب إلى منبج يومان، ومن حلب إلى (الخُناصِرَة) يومان.
والعواصم قصبتها أنطاكية، وكان منها إلى أَذَنة 3 مراحل، ومنها إلى بَفْراس يوم، وإلى الأَثارِب يومان، وإلى حمص 4 مراحل، ومنها إلى مَرْعَش يومان، وإلى الحدث 3 مراحل.
وأمّا الثغور فلا قصبة لها، وكل مدينة قائمة بنفسها. ومنبج مدينة قريبة من الثغور، ومن منبج إلى الفرات مرحلة خفيفة، ومن منبج إلى قُورس مرحلتان، ومن منبج إلى ملطية 4 أيّام، ومن منبج إلى (سُمَيْساط) يومان، ومن منبج إلى الحدث يومان، ومن سميساط إلى (شِمشاط) مرحلتان، ومن سُمَيْساط إلى حصن منصور يوم، ومن حصن منصور إلى ملطية يومان، ومن منصور إلى (زِبَطرة) يوم، ومن حصن منصور إلى الحدث يوم، ومن ملطية إلى مرعش 3 مراحل كبار، ومن مرعش إلى الحدث يوم.
فهذه مسافات الثغور الجزرية.
وأمّا الثغور الشاميّة، فمن الإسكندرية إلى بَيَاس مرحلة خفيفة، ومن بياس إلى المِصِّيصة مرحلتان، ومن المصِّيصة إلى عين زَربة مرحلة، ومن المِصِّيصة إلى أَذَنة مرحلة، ومن أَذَنَة إلى طَرَسوس مرحلة، ومن طرسوس إلى (أولاس) على بحر الروم يومان، ومن طَرسوس إلى الحوزات مرحلتان، ومن طرسوس إلى الحوزات مرحلتان، ومن طرسوس إلى بياس على بحر الروم فرسخان، ومن بياس إلى الكَنِيسة والهارونيّة أقلّ من يوم، ومن الهارونيّة إلى مرعش من ثغور الجزيرة مرحلة، فهذه جملة مسافات الثغور([64]).
وتنقسم بلاد الشام إلى خمسة أقسام:
1 ـ السهل الساحلي الذي هو شريط يقع شرق البحر المتوسط وغرب الجبل ويمتد من ساحل شبه جزيرة سيناء حتى خليج الإسكندرونة، وهو متسع في الشمال والجنوب، فيبلغ اتساع السهل الساحلي عند عسقلان عشرين ميلاً، وضيق عند لبنان. وينقطع امتداد السهل الساحلي في نقطتين: الأولى إلى الجنوب من مصب نهر الكلب فيصل الجبل إلى البحر، والثانية عند جبل الكرمل.
2 ـ يقع القسم الثاني إلى الشرق من السهل الساحلي الذي يمتد من جبل الأمانوس شمالاً حتى جبل سيناء جنوباً مكوناً سلسلة من المرتفعات التي تشكل عائقاً أمام الاتصال بين البحر وداخل الشام. وأهم جبال هذه السلسلة هو جبل الأمانوس الذي يفصل بين الشام وآسيا الصغرى، ويقطع هذا الجبل نهر العاصي في جزئه الجنوبي. ويعرف هذا الجزء بجبل الأقرع ويقطع طرقاً تمتد إلى إنطاكية وحلب مارة بمضيق بيلان المعروف بأبواب سوريا. وتمر هذه الجبال باللاذقية إلى أن تصل إلى النهر الكبير الجنوبي. وأعلى قمم هذه السلسلة الجبلية: جبال لبنان.
وتستمر هذه السلسلة في الاتجاه جنوباً في شكل مرتفعات وهضبات تسمى جبل الجليل الأعلى. وأقصى ارتفاع فيه عند جبل الجرمق شمال مدينة صفد، وهو أعلى قمة في فلسطين. والجليل الأدنى وأعلى قمة فيه جبل طابور قرب الناصرة. وتنقطع هذه السلسلة عند مرج ابن عامر.
3 ـ يقع القسم الثالث إلى الشرق من سلسلة الجبال الغربية ويبدأ من المشال بسهل العمق فسهل البقاع ويمتد في وادي الأردن حتى البحر الميت، ثم وادي عربة حتى خليج العقبة. على أن سهل البقاع يرتفع عند بعلبك فيتجه نهر العاصي نحو الشمال، أما نهر الليطاني فيتجه نحو الجنوب، وهما النهران الكبيران الوحيدان في الشام. ثم يأخذ نهر الليطاني مسار نهر العاصي فينعطف فجأة في مجراه الأسفل نحو الغرب عند سفح قلعة الشقيف.
4 ـ يتكون هذا القسم من سلسلة الجبال الشرقية وتبدأ من جنوبي حمص وتقابل جبل لبنان الغربي بجبل لبنان الشرقي (سنير) ([65]) ثم تنحدر نحو هضبة حوران ومنها إلى هضبة الجولان في الغرب، ثم إلى شرق الأردن حيث تلال جلعاد وهضبة مؤاب المرتفعة إلى جبل سعير جنوبي البحر الميت. ويحد هضبة حوران من الشمال الشرقي منطقة اللجا المعروفة بالوعر. وفي الجنوب الشرقي لهذه المنطقة يوجد جبل حوران (جبل الدروز).
5 ـ إلى الشرق من سلسلة الجبال الشرقية المتقدم ذكرها نجد بادية الشام وهي تكوّن مثلثاً رأسه عند حلب شمالاً وقاعدته عند خليج الكويت في الشرق وخليج العقبة في الغرب. وهي التي تفصل الشام عن العراق.
ولا بدّ لنا من أن نشير إلى التقسيمات الإدارية التي عرفت بها بلاد الشام في القديم، منذ قسمت إلى خمس وحدات إدارية عرفت بها منذ الفتح الإسلامي، بل ربما كان هذا التقسيم موروثاً عن البيزنطيين كما يرى بعضهم. وهذه الأقسام الخمسة هي: جُند قنسرين([66]) (وفيها حلب) وجند حمص. وجند دمشق. وجند الأردن. وجند فلسطين.
أما لماذا سميت هذه الأقسام الإدارية باسم (جُند)، فليس هناك ما يوضح ذلك، على أن بعضهم يرى أن ذلك كان لأن الجنود كانوا يقبضون أعطياتهم فيه.
وجند دمشق يضم في قسمه البري كلاً من البقاع: وقاعدته بعلبك.
وحوران: وقاعدته بُصرى.
والبثنيّة: وقاعدتها أذرعات([67]).
والظاهر: وقاعدته عمّان.
والغور: وقاعدته أريحا.
والجبال وقاعدتها عرندل([68]).
والجولان: وقاعدته بانياس.
وزُغر([69]).
ويضم جند دمشق في قسمه البحري:
عِرقة وجبيل وصيدا وبيروت وطرابلس.
ويضم جند الأردن كلاًّ من: طبرية وبانياس وصفد وهونين وتبنين وشقيف أرنون وشقيف تيرون وكوكب([70]) وقلعة الطور([71]) وصور وعكا وحيفا. وجند فلسطين يضم كلاًّ من: الرملة والقدس والخليل ونابلس وقيسارية وأرسوف ويافا وعسقلان وغزة. وكانت التقسيمات الإدارية تتطور حتى كانت قبل نهاية القرن السادس عشر بعد الفتح العثماني (1520) مقسمة إلى ثلاث باشويات كبرى:
1 ـ دمشق وتتبعها عشرة سناجق أهمها: بيت المقدس، وغزة، ونابلس، وصيدا، وبيروت.
2 ـ طرابلس وتشمل سناجق حمص، وحماه، وسلمية، وجبلة.
3 ـ حلب وتشمل شمال سوريا كله ما عدا عين تاب التي أدخلت في باشوية مرعش. وأنشئت في القرن التالي باشوية صيدا التي شملت لبنان. وفي منتصف القرن الثامن عشر نقلت قاعدة الحكم من صيدا إلى عكا.
وبعد سنة 1864 كانت الشام ولايتين: ولاية حلب، وولاية دمشق وفي سنة 1888 جعلت بيروت ولاية ثالثة.
وفي سنة 1918 كانت بلاد الشام تتألف من هذه الولايات الثلاث بما فيها متصرفيتان مرتبطتان رأساً بالعاصمة، هما متصرفية القدس ومتصرفية جبل لبنان.
قبائل متصارعة ونزوج دائم ودويلات
على تخوم بلاد الشام
يقصد بعرب الشمال الإسماعيلية أو العدنانية، وهم أقاموا في تهامة والحجاز ونجد ومشارف الشام والعراق، ويرجع نسبهم إلى إسماعيل بن إبراهيم. وكل ما قيل في هذا الموضوع يتفق على أن إسماعيل رُبي في البادية وكان رامياً بالقوس وأنه أنجب اثني عشر ولداً تطابق أسماؤهم بعض قبائل الشمال.
تقسم العدنانية أولاً إلى فرعين رئيسيين: بمك ومعد. نزلت بمك في نواحي زبيد جنوب تهامة وليس لها تاريخ يذكر. أما معد فهو البطن الأهم، إذ منه تناسل عقب عدنان كلهم، وكانت كبيرة في القرن السادس قبل الميلاد، ما لبثت أن انقسمت إلى فرعين كبيرين: نزار وفتص، والكثرة والنسل في نزار وهم فروع عدة أشهرهم خمسة: قضاعة، ومضر وربيعة وإياد وأنمار.
أوّل من نزح من قبئال معد قضاعة، وذلك بسبب عشق رجل قضاعي لفتاة ربيعية مما أدى إلى نشوب حرب خسرتها قضاعة فنزحوا من مكانهم. أما بطون قضاعة فهي: تيم اللات نزحت إلى البحرين، تزيد بن حلوان في وادي عبقر، سليح في مشارق الشام وفلسطين، أسلم وهم أربعة أفخاذ: عذرة ونهد وحوتكة وجهينة، نزلوا الحجر ثم نجد، تنوخ اللجرين ثم الحيرة، ربان بن حلوان ثلاثة أفخاذ: كلب وجرم والعلاف بالشام، بلى وبهرا في مأرب ثم تفرقوا.
على أن أشهر بطون قضاعة التي كان لها تأثير في التاريخ هي:
جهينة وبلى: هم القسم الغربي من بطون قضاعة كانت منازلهم ما بين ينبع وحدود مصر ولم تكن لهم دولة وملوك لكنهم غلبوا على بادية مصر وصعيدها أجيالاً.
تنوخ: فرع كبير من قضاعة ذكره اليونان، وقال بعض النسابين إنهم مزيج من قضاعة والأزد، وكانت لهم دول في مشارف الشام والعراق أقدمها لجذيمة الأبرش أو الأبرص في العراق، وكان هذا ملكاً عظيماً ثاقب الرأي ظاهر الحزم وقيل إنه أول من غزا بالجيوش، شن الغارات على قبائل العرب وفتح سائر القرى المجاورة لبادية العراق، كان يجبي الأموال، وله هيبة وسطوة فمدحه الشعراء.
أما تنوخ الشام فجاؤوها عند انحلال دولة النبطيين في البتراء، وكانت دولة الروم ملكت الشام فقربوهم واستعملوهم على بادية العرب ومشارف الشام. وأخبار دولة تنوخ مضطربة متناقضة، فقد ذكر العرب من ملوكهم ثلاثة هم: النعمان بن عمرو، وعمرو بن النعمان، والجواري ابن عمرو.
سليح: قدموا إلى مشارف الشام مع التنوخيين وملكوا بعدهم ونزلوا في مؤاب وحوارين والزيتون، وذكر العرب من ملوكهم ثلاثة: النعمان بن عمرو بن مالك ومالك بن النعمان، وعمرو بن مالك. وقد غلبوا على يد الغساسنة في الشام فنزحوا إلى العراق.
بعد قضاعة ضاقت تهامة من أغار فنزحت بسبب خصام بينها وبين مضر. أما إياد فنزحت أيضاً من تهامة بسبب حرب وقعت بينها وبين ربيعة ومضر في خانق ونزلت في سواد العراق قرب الكوفة. أقاموا هناك دهراً وكانوا يغزون أهل العراق والعجم حتى تولى الحكم كسرى فغزاهم وقتل منهم ونفاهم عن أرض العراق.
ربيعة من القبائل الكبرى من بني معد في تهامة. نزحت بسبب فتن قامت بين قبائلها ولها شأن عظيم في تاريخ العرب فهي التي بدأت بإخراج زعامتها للأكبر فالأكبر، وكانت أول الأمر في عنزة ثم إلى عبد قيس ثم إلى النمر بن قاسط ثم إلى بكر بن وائل ثم إلى تغلب بزعامة وائل بن ربيعة المشهور بكليب.
ولم تزل مضر بعد خروج ربيعة مقيمة وحدها بمنازلها في تهامة حتى اختلفت قبائلها وكثر عددها وفصائلها وضاقت بلادها فطلبت المتسع والمعاش والكلأ والماء.
الدول القحطانية خارج اليمن
ظهر في شمال جزيرة العرب بضع دول يعدها مؤرخو العرب من بني قحطان وأهمها: الغساسنة في الشام، والمناذرة في العراق، وكنده في نجد. ويقول نسابو العرب إنها ترجع بأنسابها إلى كهلان بن سبأ بن قحطان. أقام الغساسنة بعد رحيلهم عن اليمن في تهامة على ماء يقال له غسان فنسبوا إليه، ثم نزلوا إلى مشارف الشام وفيها الضجاعمة من قضاعة فغلبوهم وأنشؤوا لأنفسهم دولة تحت رعاية الروم عرفت بدولة الغساسنة كانت عاصمتها بصرى في حوران.
وأقدم ما وجد عن تسلسل ملك غسان «كتاب سني الملوك» لحمزة الأصفهاني، وهو أقدم المحققين من مؤرخي العرب وعنده أن ملوك غسان اثنان وثلاثون ملكاً حكموا نحو ستمائة سنة. غير أن الألماني نولدكه الذي تابع تاريخ هذه الدولة من مصادر يونانية وسريانية يقول إن عدد ملوك الدولة الغسانية عشرة ملوك ومدة حكمهم قرن وبعض القرن. وبلغ عدد ملوك الغساسنة عند أبي قتيبة أحد عشراً، وعند الجرجاني تسعة وعند المسعودي عشرة.
والمتفق عليه أن أهم ملوك غسان جبلة وولده الحارث الذي ذاعت له شهرة واسعة وشدة بأس وأمضى أربعين سنة في الحروب والغزوات.
كان اللخميون عمال الفرس على أطراف العراق وتاريخهم أوضح من تاريخ آل غسان لأنه كان مدوناً في كتب الحيرة. وبلغ عدد ملوك اللخميين اثنين وعشرين ملكاً حكموا مدة ثلاثمائة وأربع وستين سنة، وكان منهم ستة عشر ملكاً من نسل عمرو بن عدي من آل نصر أو لخم وكانت قصبة ملكهم جميعاً الحيرة. ومن ملوكهم: عمرو بن عدي وامرؤ القيس بن عمرو (طالت مدة حكمه فجعلها بعضهم مئة سنة)، وهو أول من وقف المنقبون على اسمه من ملوك لخم منقوشاً على قبره وفيه تاريخ وفاته، وأوس بن قلام، والنعمان بن امرىء القيس الأعور السائح من أشهر ملوك الحيرة حكم ثمان وعشرين سنة وغزا الشام مراراً ونكب أهلها وسباهم.
عباس محمد صفا
الشام (بلاد)
ـ 2 ـ
كانت «بلاد الشام» على الدوام بالنسبة للعرب، قبل الإسلام وفي فجره، هي المنطقة الواقعة إلى الشمال من شبه الجزيرة العربية باستثناء الزاوية الشمالية التابعة «لأهل المصرين: البصرة والكوفة».
و«الشام» عند العرب يراد بها «سوريا»([72]) على العموم من دون تحديد تخومها بدقة، إلاّ أنها بعد الفتح الإسلامي لها، بدأت هذه التسمية تأخذ عندهم أبعاداً جغرافية فعلية، فبات يطلق هذا الاسم على المناطق التي تضمها «سبعة أجناد» تشكل بمجموعها «بلاد الشام». وهذه الأجناد هي: فلسطين والأردن وحمص ودمشق وقنسرين والعواصم والثغور.
وفي العهد العثماني قبل عام 1839م، أي قبل «التنظيمات»، كانت بلاد الشام مقسّمة إدارياً على الوجه التالي:
1 ـ ولاية سوريا ومركزها دمشق.
2 ـ ولاية حلب وكانت تشمل فوق حدودها الحاضرة أنطاكية وإسكندرون وألوية عديدة في الشمال معظم سكانها من الترك والأرمن.
3 ـ ولاية طرابلس.
4 ـ ولاية صيدا وكان ينتقل واليها عند إيجاب المصلحة إلى بيروت أو عكا.
5 ـ متصرفية القدس: مركز إدارة فلسطين المرتبطة بالعاصمة أسوة بالولايات.
6 ـ المقاطعات ذات الامتياز الإداري، وقد نالته بحكم الأمر الواقع منذ جاء سوريا بعد الفتح الإسلامي أمراء عرب يمانيون وقيسيون وتنوخيون ومعنيون وشهابيون وإرسلانيون وأيوبيون، بالإضافة إلى إقطاعيين ومشايخ محليين. فكان التنوخيون في اللاذقية، وبنو سيفا والأيوبيون في شمال طرابلس، وآل حرفوش في بعلبك وجوارها، والشيخ ضاهر العمر في بلاد صفد وعكا وبعض فلسطين، والأمراء المعنيون والشهابيون وغيرهم في لبنان والوائليون في جبل عامل.
وبعد مباشرة «التنظيمات»، أصاب بلاد الشام حقبة من التغيير المتواصل للتقسيمات الإدارية التي يمكن القول بأنها استقرت مع أواخر القرن التاسع عشر على الوجه التالي:
ـ ولاية سوريا وتضم: لواء الشام، لواء حماه، لواء حوران، لواء معان.
ـ ولاية بيروت وتضم: لواء بيروت، لواء عكا، لواء طرابلس الشام، لواء اللاذقية، لواء البلقاء.
ـ ولاية حلب وتضم: لواء حلب، لواء أورفة، لواء مرعش([73]).
وعرّف صاحب كتاب «خطط الشام» بلاد الشام تبعاً لتعريف الإدريسي الذي حدّد المنطقة جغرافياً على النحو التالي: تبدأ شمالاً عند السفوح الجنوبية لجبال طوروس بالامتداد إلى «ما وراء خليج الإسكندرونة لجهة أرض الروم (…) ومن السويدية إلى جبل رأس الخنزير عشرون ميلاً وعلى هذا الجبل دير كبير وهو أول بلاد الأرمن وآخر بلاد الشام. فما كان من جهة الشام على ضفة الفرات فهو شام، وما كان على الضفة الأخرى من الشرق فهو عراق. فصفّين مثلاً في الشام وقلعة جعبر في الجزيرة الفراتية وبينهما مقدار فرسخ أو أقل، وتدخل بالس أو مسكنة الشام لأنها من غرب الفرات وتدخل البيرة (بيردحك) في الجزيرة لأنها على الشق الآخر من الفرات، وما كان من دير الزور على الفرات إلى جهة الشام فهو من الشام، وما كان على الشاطىء الآخر إلى الشرق فهو من العراق، وكذلك يقال في الرّقة. وتدخل دومة الجندل المعروفة اليوم بالجوف في الجنوب في جملة هذا القطر، كما أن أيلة (العقبة) هي آخر الحجاز وأول الشام، فالعريش أو رفح أو الزعقة هي حدّ الشام الجنوبي الغربي ومعان نصفها للشام ونصفها للحجاز».
نلحظ من خلال قراءتنا لتعريفات بلاد الشام في مختلف المصادر أنّ الحدود الجغرافية لبلاد الشام أو لـ«سوريا»، لم تكن مستقرة، وهي تختلف أحياناً اختلافاً جوهرياً عما هي عليه التقسيمات السياسية والإدارية الراهنة في المنطقة. إلاّ أننا، ضبطاً للبحث الذي نحن بصدده، ومراعاة لحجمه وأغراضه، سنلتزم فيما يلي بما هي عليه حالياً هذه التقسيمات، ونعتبر أن «بلاد الشام» هي تلك المنطقة التي تضم حالياً الجمهورية العربية السورية والجمهورية اللبنانية والمملكة الأردنية الهاشمية وفلسطين المحتلة. وهي المنطقة التي تنسجم حدودها لدرجة كبيرة مع ما أعتمده «المؤتمر السوري العام» في التقرير الذي رفعه إلى لجنة الاستفتاء الأمريكية بعد الحرب لعالمية الأولى.
محمد فقيه
الشام (بلاد)
ـ 3 ـ
تمتد بلاد الشام في العصور الوسطى، كما وصفها الجغرافيون العرب([74]) من الفرات إلى مصر وظلت تعتبر كذلك حتى نهاية العصر العثماني([75]) إذ تحدها من الشرق البادية من أيلة([76]) إلى الفرات ومن الغرب البحر المتوسط، أما غربها البحري فيمتد من طرسوس غرب أَذَنة إلى رفح بين مصر والشام. ويحدها شمالاً حدّ يمتد من بالس([77]) مع الفرات إلى قلعة نجم ثم إلى البيرة إلى قلعة الروم إلى سمساط إلى حصن منصور إلى بهنس إلى مرعش إلى بلاد سيس إلى طرسوس. أما الحدّ الجنوبي فيمتد من رفح إلى تيه بني إسرائيل إلى ما بين الشوبك وأيلة إلى البلقاء([78]). ولعل من أهم العوامل التي أثرت في تاريخ بلاد الشام، وضعها الجغرافي الذي يتكون من بيئات طبيعية متعددة متباينة تجمع بين المتناقضات جميعها، فهناك الجبل والسهل والصحارى والأراضي الزراعية. كما أن إقليم الشام يتميز بتنوع الأرض من ارتفاع وانخفاض يسيران في سمت واحد آخذاً مساراً طولياً من الشمال إلى الجنوب. لذلك فقد كان التقسيم الطولي هو أنسب التقاسيم لطبيعة بلاد الشام.
تنقسم بلاد الشام إلى خمسة أقسام طولية يحدها من الشرق بادية الشام ومن الغرب البحر المتوسط.
القسم الأول:
هو السهل الساحلي وهو عبارة عن شريط يقع شرق البحر المتوسط وغرب الجبل ويمتد من ساحل شبه جزيرة سيناء حتى خليج الإسكندرونة، وهو متسع في الشمال والجنوب فيبلغ اتساع السهل الساحلي عند عسقلان عشرين ميلاً، وضيق عند لبنان، وينقطع امتداد السهل الساحلي في نقطتين الأولى إلى الجنوب من مصب نهر الكلب فيصل الجبل إلى البحر. وقد أفاد السكان من هذه الميزة فائدة عظيمة إذ أعطتهم موقعاً استراتيجياً هاماً فقد شكل ذلك مانعاً طبيعياً أمام القوات المعادية السالكة لهذا السهل. والنقطة الثانية عند جبل الكرمل حيث يتميز السهل بخصوبة أرضه وخاصة عند سهل صارونة وسهل فلسطين جنوباً ومنطقة الساحل عند لبنان شمالاً. وبرغم امتداد السهل لهذه المسافة الكبيرة إلا أننا لا نجد خليجاً نهرياً عميقاً اللهم إلا خليج الإسكندرونة في الشمال. وقد ترتب على ذلك عدم وجود موانىء هامة.
القسم الثاني:
يقع إلى الشرق من السهل الساحلي الذي يمتد من جبل الأمانوس شمالاً حتى جبل سيناء في الجنوب، مكوناً سلسلة من المرتفعات التي تشكل عائقاً أمام الاتصال بين البحر وداخل الشام، ويمكن عبور هذا العائق في عدة مواضع عن طريق الجسر السوري مع سهول ما بين النهرين، وعند تصدع مرج ابن عامر شرقي عكا وحيفا، وعن طريق وادي النهر الكبير وشمالي طرابلس، ولذلك فقد كان على الجيوش الصليبية المتجهة إلى ظهير بلاد الشام أن تسلك أحد هذه الأبواب، على أن أهم جبال هذه السلسلة هو جبل الأمانوس الذي يفصل بين الشام وآسيا الصغرى، ويقطع هذا الجبل نهر العاصي في جزئه الجنوبي. ويعرف هذا الجزء بجبل الأقرع ويقطع طرقاً تمتد إلى أنطاكية وحلب مارة بمضيق بيلان المعروف بأبواب سوريا (Pyle Syria) ([79]) وتمر هذه الجبال باللاذقية إلى أن تصل إلى النهر الكبير الجنوبي([80]).
وتضم أودية عميقة وكثيرة بعضها شديد الوعورة، وذات ميل حاد. وقد اتخذ الصليبيون من هذه المواقع الحصينة مكاناً لبناء حصونهم وقلاعهم التي لا تزال خرائبها باقية حتى اليوم، على أن أعلى قمم هذه السلسلة الجبلية جبال لبنان.
وتستمر هذه السلسلة في الاتجاه جنوباً في شكل مرتفعات وهضبات تسمى الجليل الأعلى وأقصى ارتفاع فيه عند جبل (الجرمق) شمال صفد، وهو أعلى قمة في فلسطين، والجليل الأدنى وأعلى قمة فيه جبل طابور قرب الناصرة. وتنقطع هذه السلسلة عند مرج ابن عامر.
القسم الثالث:
يقع إلى الشرق من سلسلة الجبال الغربية ويبدأ من الشمال بسهل العمق، فسهل البقاع ويمتد في وادي الأردن حتى البحر الميت، ثم وادي عربة حتى خليج العقبة. على أن سهل البقاع يرتفع عند بعلبك حيث نقطة تقسيم .. فيتجه نهر العاصي نحو الشمال، أما نهر الليطاني فيتجه نحو الجنوب وهما النهران الكبيران الوحيدان في الشام، ثم يأخذ نهر الليطاني مسار نهر العاصي فينعطف فجأة في مجراه الأسفل نحو الغرب عند سفح قلعة الشقيف (التي كانت تعرف بقلعة {Belfort} إلا أن مجرى هذا النهر منخفض مما يجعل الري متعذراً وقد كان لهذين النهرين أكبر الأثر في خصوبة سهل البقاع فإن أراضي هذا السهل من أجود أراضي الشام وأخصبها مرعى.
وتتميز هذه المنطقة بوجود الزلازل والبراكين بها، فالهضبة الواقعة شرقي جبل حرمون وجنوبي دمشق تخترقها خطوط البراكين الخامدة، كذلك منطقة لبنان والوادي الكبير ووادي الأردن والبحر الميت تعتبر منطقة الزلازل، فقد أصيبت أنطاكية خلال القرون الستة الأولى للميلاد بهزات عنيفة([81]) حوالي عشر مرات. كذلك تدل التصدعات الموجودة في جدران معبد الشمس في بعلبك على تعرضه لهزات عنيفة نتيجة الزلزال. وكذا خراب سدوم وعمورة الشهير في الطرف الجنوبي الغربي للبحر الميت، بالإضافة إلى النيران التي نجمت عن ترشيحات الزلازل من نفط وينابيع من الإسفلت، وغيرها من التصدعات التي حدثت للقلاع الصليبية التي ما تزال باقية.
القسم الرابع:
يتكون من سلسلة الجبال الشرقية وتبدأ من جنوبي حمص وتقابل جبل لبنان الغربي بجبل لبنان الشرقي (سنير) ([82])، ثم تنحدر نحو هضبة حوران ومنها إلى هضبة الجولان في الغرب، ثم إلى شرقي الأردن حيث تلال جلعاد وهضبة مؤاب المرتفعة إلى جبل سعير جنوبي البحر الميت. والجدير بالذكر أن في هذا القسم نهر بردى يبدأ من مرتفعات وادي الزبداني في جبال لبنان الشرقي ويتجه شرقاً ويسقي قسماً كبيراً من الأراضي ويمر بمدينة دمشق ويروي بساتين دمشق المشهورة، ويتفرع هذا النهر إلى خمسة أفرع تمر بدمشق، ويحد هضبة حوران من الشمال الشرقي منطقة اللجا المعروفة (بالوعر)، ويطلق الجغرافيون العرب هذا الاسم على كل من منطقة اللجا ومنطقة الصفا([83]). وقد اتخذت القبائل المتمردة من منطقة اللجا ملجأ، ولعل هذا يفسر اسم هذه المنطقة. وفي الجنوب الشرقي لهذه المنطقة يوجد جبل حوران أو جبل الدروز، وبرغم قلة مصادر المياه بهذه المنطقة إلا أنها تنتج القمح بكثرة كما تكثر بها المراعي الجيدة. ومن القمم البارزة في هضبة حوران جبل عجلون وجبل جلعاد الذي عرف عند الصليبيين باسم (La Coac).
القسم الخامس:
وإلى الشرق من سلسلة الجبال الشرقية سالفة الذكر نجد بادية الشام وهي تكون مثلثاً رأسه عند حلب شمالاً وقاعدته عند خليج الكويت في الشرق وخليج العقبة في الغرب. وأرض بادية الشام قاحلة، وهي امتداد لصحراء العرب وهي التي تفصل الشام عن العراق وقد سمي الجزء الشرقي من البادية ببادية ما بين النهرين، أما الجزء الجنوبي فيعرف ببادية العراق أو السماوة. وكان سكان البادية منذ عهد قديم يقومون بالتجارة وأعمال الوساطة التجارية أو كأدلاء للقوافل. وبالنظرة العامة لطبيعة بلاد الشام وعلاقتها بشبه جزيرة العرب نجدهما تتفقان في ميليهما العام من الغرب إلى الشرق، ومن الجنوب إلى الشمال، اللهم إلا تلك الهضبات الانكسارية التي تشرف على الساحل من الشمال، إلى الجنوب إلا أننا نجد أن اتجاه الظهير السوري من الغرب نحو العراق في اتجاه من الجنوب الغربي نحو الشمال الشرقي([84]).
أما عن مناخ بلاد الشام فهو معتدل إذ يقع بين منطقة الرياح التجارية الجافة التي تهب على الجزء الجوبي من الشام ومنطقة الرياح الغربية المحملة بالرطوبة التي تهب على الجزء الشمالي من الشمال مسببة الأمطار، أما في فصل الصيف فتسود الرياح التجارية الجافة التي تجعل هواه الشام حاراً بعض الشيء. فالرياح الغربية التي تمر بالبحر المتوسط تكون محملة بالرطوبة وتقابل جبال لبنان ومنطقة التلال الوسطى فترتفع وبارتفاع الهواء يتمدد مما يتسبب في سقوط الأمطار، وهذا هو تعليل كثرة الأمطار التي تسقط على غرب جبال سوريا، على أن كمية المطر تتناقص كلما اتجهنا شرقاً. فدمشق مثلاً الواقعة خلف الحاجز المزدوج لجبال لبنان لا يصيبها إلا القليل من المطر، كذلك الحال كلما اتجهنا جنوباً فتقل الأمطار بعد مرتفعات فلسطين الوسطى وتلال شرق الأردن، أما القسم الشرقي من شرقي الأردن فلا يصبه إلا النزر القليل من المطر.
وفي الشتاء تأتي البرودة الجافة الآتية من آسيا الوسطى فوق منطقة الهضاب الشرقية في سوريا وتكوّن الصقيع والثلوج، ويقع تأثير البرودة كلما اتجهنا صوب الساحل. وتعمل سلسلة الجبال على منع تسرب الرياح البحرية الباردة من الوصول إلى داخل بلاد الشام. وفي الصيف تأتي الرياح الحارة الآتية من الشرق والجنوب الشرقي وتسبب ارتفاع درجة الحرارة. أما رياح السموم أو الشرقية فتهب في فصلي الربيع والخريف.
ونشير إلى أن مياه الأمطار تتسرب في الصخور الكلسية فيتجمع بعضها تحت الأرض ويخرج على شكل ينابيع. ففي الجديدة على مقربة من بحيرة الحولة عشرات من العيون حيث (مرج العيون). وفي ريحا بجانب حلب. أما المياه التي لا تتسرب في الطبقات الكلسية فتكوّن جداول وأنهارً تتحول إلى سيول بعد هطول الأمطار بغزارة، أما في فصل الصيف حيث الجفاف فإنها تقل إن لم تجف تماماً. ولا شكّ أن السيول التي كانت تتدفق من المرتفعات العالية قد ساعدت على عامل التعرية والتآكل في بعض الأراضي التي كانت خصبة فأمست قاحلة اليوم. الأمر الذي حدا ببعض العلماء إلى الاعتقاد بحدوث تغيرات طبيعية تتجه بالمنطقة نحو الجفاف عبر العصور التاريخية، على أن انخفاض قدرة الأرض على الإنتاج نتيجة تعرية سفوح المرتفعات بفعل مياه الأمطار والرياح وتضاءل بعض الينابيع والرعي وزوال الغابات التي كانت جذورها تساعد على تماسك التربة الرخوة وإهمال وتخريب أعمال الري نتيجة لهجمات البدو والغزوات، وإنهاك التربة، لم يكن هو العامل الوحيد في فقر المنطقة بل زاد الطين بلة.
أما في الجنوب فقد كان يغطي جبال لبنان أشجار الأرز وغابات السنديان الفضية والصنوبر وقد أتت عليها يد الاستغلال والنهب والتخريب في عصور التاريخ المتعاقبة فلم يبق منها إلا مساحات ضئيلة من الأرز. ولم ينم محل الغابات المزالة غيرها بل حل محلها الماكي وهي شجيرات قصيرة كثيفة ينتجعها رعاة الماعز والفحامون، وقد ساهموا في تخريب تلك الشجيرات وعرضوا بذلك التربة للتعرية وحيوان الماعز. فالماعز خفيف الحركة يتسلق الصخور والجروف ويصعد إلى القمم العالية فيقرض الأخشاب وفروع الأشجار والشجيرات.
لقد كانت لطبيعة وجغرافية بلاد الشام بالإضافة إلى موقعها المتوسط بين دول الشرق الأوسط أثر كبير على تاريخها. فقد كانت منذ زمن بعيد تقوم بدور الوسيط بين الحضارات النهرية الكبرى: حضارة الرافدين وحضارة وادي النيل وبين الحضارات البحرية التي كانت تتخذ البحر المتوسط طريقاً لها كالحضارة اليونانية. ولم يكن هذا الموقع الجغرافي مسؤولاً عن دور الوسيط الذي لعبته فحسب، بل كان مسؤولاً عن مزاجها الحضاري، فقد كانت في موقع وسط بين العالم السامي من ناحية، وبين العالم الإيجي من ناحية أخرى، كما أنها كانت متأثرة بآسيا الصغرى وحضاراتها المختلفة. وكان لموقع بلاد الشام أكبر الأثر في عبور كثير من الهجرات خلال فترات التاريخ المختلفة فقد عبرته كل الطرق البرية بين البحر المتوسط والخليج الفارسي عن طريق ممرات طبيعية خاصة هيأتها الطبيعة حيث عرفت سوريا باسم المعبر السوري.
وكانت تسلك هذا المعبر قوافل التجار وجحافل الجيوش فقد كانت القوافل لا تجرؤ أن تسلك بادية الشام المجدبة بل كانت تتخذ طريقها عبر نطاق الحشائش شمالاً ثم تتجه جنوباً بشرق وقد نجم عن هذا نشوء عدة مدن على حافة الصحراء توازي الساحل من الشمال إلى الجنوب وهي مدن حلب وحمص ودمشق وعمان. كما قامت كل من تدمر وسلع (البتراء). في ذات الوقت كانت هذه المدن محطات ونهايات القوافل البرية متصلة باستمرار بالموانىء الساحلية.
وقد ساعدت طبيعة بلاد الشام لكي تكون حلقة وصل بين قارات العالم القديم حيث تكاد تلتقي أذرع المياه الداخلية بالبحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج الفارسي مما جعل من الساحل الشرقي للبحر المتوسط أهمية وأهم طريق يصل بين الخليج والبحر لأي دولة قامت في العالم القديم.
وقد أتى البدو إلى بلاد الشام عن طريق ممرات: هي حلب ـ الإسكندرونة في الشمال واليرموك ومرج ابن عامر في الوسط ثم النقب. فمن الممر الأول اتصل البدو بغيرهم من الشعوب التي تسكن هضبات آسيا الصغرى لذلك أمسى إقليم حلب مستودعاً للعديد من الثقافات. أما الفتحة الجنوبية فكانت أسهل الممرات إلى بلاد الشام وعن طريقها تمّ استعراب جنوب فلسطين قبل غيره من أقاليم بلاد الشام. والتقسيم الطبيعي لبلاد الشام بخطوط مستقيمة تأتي من الشمال إلى الجنوب وخطوط انكسارية أخرى تسير عمودية عليها من الشرق إلى الغرب، كان سبباً في وجود قوميات مختلفة بين سكان بلاد الشام، فلقد كان سكان بلاد الشام في العصور الوسطى معظمهم من بقايا الآراميين الأصليين وهم السريان في الشمال والشرق والسامريون في الجنوب وبقايا الأنباط في الغرب يليهم العرب الغساسنة والمناذرة ثم قبائل إياد وربيعة، ويتخلل هذه الجموع شتات من أمم أخرى كالجراجمة في جبل اللكام والجرامقة في شمال الشام وأخلاط من مولدي اليونان والرومان على الشواطىء ومولدي الفرس والأكراد في الشمال وكانت جامعة الدين قد غلبت على جامعة النسب أو الجنس أو اللغة فأصبحت الطوائف تنتسب إلى مذاهبها الدينية كالنصارى واليهود والسامريين. وينقسم النصارى إلى ملكيين ويعاقبة ونساطرة وموارنة.
على أنه من المفيد هنا أن نجمل أهم العوامل التي تركت أثراً عظيماً في المجتمع الإسلامي ببلاد الشام في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، ولعل من أهم هذه العوامل وضع البلاد الجغرافي، فهي تتكون من بيئات طبيعية متعددة متباينة تجمع بين المتناقضات جميعها فهناك الجبل والسهل والصحارى والأراضي الزراعية والأنهار والبحار. وقد سكن هذه المناطق المتباينة خليط من السكان والجماعات المتباينة الأجناس والحضارات واللغات والديانات وكذا المذاهب.
أما العامل الثاني الذي أثر في تاريخ الشام وفي مجتمعه فهو موقعه كحلقة اتصال بين القارات الثلاث ومن ثم فقد كان طريقاً للهجرات التي ارتحلت من قارة إلى أخرى كما أنه كان عرضة للحروب والغزوات التي وفدت على الشرق الأوسط، كما أن حدوده الطبيعية جعلته في مهب الأطماع.
أما العامل الثالث فلعله أكثر العوامل تأثيراً في المجتمع الإسلامي في بلاد الشام ونعني به الطرق التجارية الكبرى التي تتصل به، منها الطريق الكبير أو كما يسميه بعضهم الطريق الدولي العظيم الذي يبدأ من دلتا النيل ماراً بسيناء حيث يتفرع منه فرع يذهب إلى مناجم النحاس والفيروز، والفرع الثاني يذهب إلى أراضي البخور وجنوبي الجزيرة العربية. ومن سيناء يتحول الطريق شمالاً نحو ساحل فلسطين حتى الكرمل على مسافة من البحر، ومن هناك يتفرع الطريق مرة أخرى إلى فرعين أحدهما يتجه إلى الساحل فيصل صور وصيدا وجبيل وسائر الموانىء الشامية. ويسير الفرع الآخر إلى الداخل فيجتاز سهل مجدو ويعبر الأردن في واديه الشمالي ثم يتجه رأساً إلى دمشق في الشمال الشرقي. وفي مدينة دمشق يتفرع الطريق الكبير إلى ثلاث شعب أحدها يعبر بادية الشام ماراً بتدمر حتى يصل إلى بلاد الرافدين والثاني يتجه نحو الغرب فيعبر لبنان إلى البحر المتوسط والثالث يصعد شمالاً عبر سوريا متبعاً نهر العاصي إلى شمال سوريا.
كان هذا الطريق تحمل منه مباشرة أحمال العاج والذهب من إفريقية والمر والبخور والتوابل من الهند وجنوبي بلاد العرب، والكهرمان والحرير من آسيا الوسطى والصين، والقمح والأخشاب من سهول سوريا وجبالها. وأنه كان ينقل بطريق غير مباشر الحضارات والثقافات المختلفة التي أثرت دون شكّ في الحضارة السورية.
ويكاد يكون العامل الرابع من العوامل التي انفردت بها الشام وهو الصراع المتواصل بين البدو والحضر المستقرين وخاصة في أطراف الشام الشرقية والجنوبية. فقد كانت هناك غزوات متكررة يقوم بها البدو والطامعون في حياة الرخاء التي يتمتع بها سكان الحضر في الأراضي المجاورة. والمتصفح لتاريخ سوريا يجد أنه قصة متصلة الحلقات للموجات المتتالية التي كان يقوم بها سكان البادية محاولين تارة بالطريق السلمي وأخرى بالعنف والقوة احتلال الأراضي الزراعية، وذلك أن الأقوام الرحل الذين ينتقلون من مكان إلى آخر سعياً وراء الكلأ والمراعي، كانوا أسرع حركة وأشد احتمالاً من أهل الحضر المستقرين.
الدكتور أحمد رمضان أحمد
مجتمع بلاد الشام
في نهاية الحكم العثماني
نهاية الحكم العثماني في بلاد الشام تمثل انهيار حكم مركزي خضعت له بلاد الشام ما ينوف على أربعمائة عام مما أثر بشكل مباشر على أشكال الحياة.
وقد طغى اسم سوريا على معظم ما كان يعرف ببلاد الشام، ويبدو أن هذا الاسم مقتبس من (السريان) أي اللغة التي يتكلم بها الكلدانيون والأنباط والآراميون.
الوضع السكاني هو مدخل الحياة الاجتماعية فالأزقة المتراصة والأحياء المتداخلة في المدن والمنازل التي تحوي أقساماً للنساء وأخرى للرجال، إضافة إلى شكلها المعماري المميز، هي مفتاح لفهم الحياة الاجتماعية في بلاد الشام.
إن تمييز السلطة بين المسلمين والطوائف الأخرى أثر سلباً في إيجاد حالة من القلق الدائم قاد إلى افتراق بين أبناء البلاد وصل حدّ التمايز في اللباس والمهن، فالمسلمون تجار وأصحاب مهن مختصة بالخدمات، أما المسيحيون فهم حرفيون ويعملون في الصناعة، بينما حافظ اليهود على دورهم التاريخي المنغلق في التعامل بالصرافة واحتكار النقد. وتميز أبناء دمشق عن غيرهم بوجود بعض منهم في المدارس العسكرية. وفي الريف يبدو الأمر مشابهاً لما في المدينة. لكن التمايز الاجتماعي أوضح بسبب انعدام الأمن، وتعرض القرى لغزوا البدو. والحقيقة أن البدو أسقطوا هيبة الدولة، وقادوا عصياناً مسلحاً في الكرك العام 1910، وكان الجهاز الإداري القائم على هذه الحياة الاجتماعية منسلخاً بشكل كامل عن حياة المجتمع، سواء لجهة الفساد أو عدم قدرته على تسديد حاجات المجتمع. وبمعنى آخر لم تكن مؤسسة الدولة قادرة على وضع جهاز إداري يتوافق والتطور المطلوب في بداية القرن العشرين، مما أدى لنشوء زعماء الحارات و«الآغاوات» في القرى، وجعل من المخاتير، وهم جهاز الدولة الإداري، أشخاصاً شكليين وظيفتهم التحصيل المالي أو التبليغ عن التجنيد العام. ويمكننا تلخيص أهم النقاط الاجتماعية بالتالي:
1 ـ لم تكن هناك طبقات بالمعنى الكامل للكلمة، بل فئات اجتماعية عززتها قوانين السلطة.
2 ـ حالات التجنيد كانت شأناً مهماً في حياة المجتمع لأن السلطنة خاضت حروبها بواسطة المجتمع السوري.
3 ـ حتى بداية القرن العشرين لم يكن المجتمع يشعر بأن العثمانيين مستعمرون إنما اعتبرهم ظالمين أو قساة، خصوصاً أن الجيش المحلي غالباً كان من أبناء سوريا.
لم تكن الحياة الاقتصادية بعيدة عن الحالة الاجتماعية. فالزراعة خضعت لنظام الأرض الذي لا يحكمه شكل متطور فما بين الأراضي الأميرية التابعة للسلطان، والأوقاف والإقطاعيات الخاصة والمشاع لم تتمكن القوانين العثمانية من تحقيق حدود الملكية والتحكم. وطوال ثلاث سنوات (1911 و1912 و1913) عجزت السلطة التشريعية التركية عن وضع تشريعات تستطيع حل مشاكل الملكية، وكانت الدولة تملك أكثر من 60 في المئة من الأراضي. وعلى رغم أن اعتماد سوريا الأساسي كان على الزراعة، وكانت الأراضي الزراعية تتناقص بشكل مستمر وهناك سببان أساسيان لتدهور الوضع الزراعي: الأول متعلق بمصادرات الدولة وتغير الولاة ومسؤولي السناجق بشكل دائم. والثاني انعدام الأمن وغزوات البدو المستمرة بسبب القحط وقلة الكلأ ومن جهة أخرى تأثرت الزراعة بالأسواق الأوروبية، فازدهرت كروم لبنان قبل الحرب العالمية الأولى، ونشطت زراعة القمح في حوران خلالها.
من الناحية التجارية، أدى انهيار الصناعة لضعف الحركة التجارية. وتدل الإحصاءات على أن المنتوجات الزراعية كانت لها أولوية التصدير. وبالطبع فإن تجارة المرور (الترانزيت) تأثرت في تلك الفترة بسبب اختلال الميزان الدولي، والاعتماد على قناة السويس لكن التجارة الخارجية السورية، ارتبطت بحركة المصانع الغربية، فالحرير والصوف كانا على رأس قائمة التصدير. ويبدو أن الفترة بين 1908 و1911 شهدت ازدهاراً تجارياً، ثم تدهورت بسبب الحرب البلقانية.
إن انتشار الأمية أدى إلى ظهور الكتاتيب. وكان للمدارس التي افتتحتها البعثات التبشيرية أثر في جعل الفئة المثقفة تعمل على افتتاح مدارس. وانتشرت في تلك الفترة الجمعيات التي كان لها تأثير في إثارة وعي المجتمع باتجاهات مختلفة.
التشيع في بلاد الشام
وقد جاء وقت كان فيه التشيع هو الغالب على بلاد الشام كما نص على ذلك ابن جبير في كتاب رحلته التي كانت في أواخر القرن السادس.
على أن مما يلفت النظر ويدل على استقرار التجمعات الشيعية في دمشق بكثافة وقوة حتى أوائل القرن العاشر، ما ورد في كتاب (أعلام الورى) لمؤلفه محمد بن طولون الصالحي الدمشقي، خلال الحديث عن أحداث دمشق سنة 907 فقد قال ما نصه:
في يوم عاشوراء اجتمع جماعة من الأوباش والأعجام والقلندرية بدمشق وأظهروا قاعدة الروافض من إدماء الوجوه وغير ذلك وقام عليهم بعض الناس وترافعوا إلى نائب الغيبة المذكور فنصر أهل البدعة وشوش على القائم عليهم، ولا قوة إلا باللَّه.
والمقصود بنائب الغيبة: هو وكيل الوالي أثناء غيابه وقد كان يطلق على الوالي وصف (النائب)، فإذا غاب تولى مكانه في فترة غيابه من يطلق عليه وصف (نائب الغيبة).
ونائب الغيبة هنا الذي جرى هذا الحادث في عهده وانتصر للمحتفلين بذكرى عاشوراء هو (جان بلاط)([85]) والنائب الأصلي الغائب كان أخاه الأمير قانصوه، وهو المعروف بنائب البرج، وقد كان لقانصوه ثلاثة إخوة: خير بك، وجان بلاط، وخضر بك. فلما سافر قانصوه إلى الحج صار نائب غيبته أخاه جان بلاط.
وعدا ما تدل عليه هذه القصة من قوة التجمع الشيعي في دمشق في تلك الفترة فإنها تدل كذلك على أن إدماء الوجوه كان معروفاً في أوائل القرن العاشر، وهذا يهم الباحثين عن أصل هذه العادة الذميمة ومدى إيغالها في الزمن.
ثم إننا نتساءل عن عوامل نصر جان بلاط لهؤلاء الشيعة المحتفلين بذكرى استشهاد الحسين (عليه السلام) وتشويشه على من قام عليهم والنص المذكور يدل على وجود عدد وافر من الإيرانيين في دمشق، وهم من أطلق عليهم مؤلف (أعلام الورى) اسم (الأعجام).
أما القلندرية فأحسب أن ما دعاهم إلى المشاركة في تلك الاحتفالات هو نزعتهم الصوفية وما فيها من التعلق بآل البيت([86]).
أما اليوم فإن أهم مراكز التشيع في بلاد الشام هو في لبنان حيث يكاد يقارب عدد الشيعة ثلث سكانه، وأكثر ما يتجمعون في منطقة جبل عامل ومنطقة بعلبك ومنطقة الهرمل وضواحي بيروت الجنوبية.
ويوجدون في سوريا وأهم تجمع لهم فيها هو بالعاصمة دمشق وكان الحي الذي يقيمون فيه يسمى (حي الخراب). وبعد قيام الحكم الوطني الاستقلالي استبدل به اسم (حي الأمين) اعترافاً من هذا الحكم بما كان لمرجع الشيعة السيد محسن الأمين الذي سكنه حوالي نصف قرن من مجاهدة المستعمرين الفرنسيين وقيادته للحركة الوطنية الاستقلالية وبما له من منزلة علمية ودعوة إصلاحية وفي هذا الحي تقوم (المدرسة المحسنية) المنسوبة إليه أيضاً.
وللشيعة تجمعات في بعض قرى الشمال وفي حلب نفسها وفي قرى حمص وفي حوران.
كما كانت تتبع فلسطين قرى شيعية هي في الأصل من قرى جبل عامل المتصلة حدودها بفلسطين، ثم ألحقت بعد الحرب العالمية الأولى بفلسطين. وباستيلاء اليهود على فلسطين وقيام دولتهم فيها أجلوا سكان تلك القرى عنها وأصبحت يهودية.
وعلى مدى الأزمان الماضية أخرجت بلاد الشام العديد من العلماء الذين يعدون من أبرز علماء الشيعة فمنهم مثلاً الشيخ علي الكركي المتوفى سنة 937هـ وزين الدين بن علي المعروف بالشهيد الثاني المستشهد سنة 966هـ والشيخ حسين بن عبدالصمد المتوفى سنة 984هـ ومحمد بهاء الدين العاملي المعروف بالشيخ البهائي المتوفى سنة 1031هـ والشيخ محمد حسن الحر المتوفى سنة 1107هـ والسيد محمد جواد العاملي المتوفى سنة 1226هـ.
وهؤلاء ممن ترك بلاد الشام ورحل إلى العراق وإيران فتصدروا هناك واشتهروا وكانت لهم المنزلة الرفيعة.
أما الذين لم يرحلوا وظلوا في مواطنهم فإنهم ولو لم يكونوا يقصرون عن هؤلاء علماً وعملاً، فقد ظلت شهرتهم محدودة لم تخرج عن نطاق بلادهم. ما عدا اثنين لم يتركا بلاد الشام ومع ذلك فقد كانت لهم شهرة عالمية مدوية، هما في الأقدمين الشيخ محمد بن مكي المعروف بالشهيد الأول والمستشهد سنة 786هـ وفي هذا العصر: السيد محسن الأمين المتوفى سنة 1371هـ (1952م). ويكفي في شهرة الأول وما بلغ إليه صدى علمه وفضله أن علي بن المؤيد في عهد (السربداريين) قد طلب إليه أن يرتحل إلى بلادهم لتستهدي بهداه وتسترشد بعلمه.
أما الثاني الذي ظل مرجعاً للشيعة في بلاد الشام (سوريا ولبنان) طيلة نصف قرن، فإنه الوحيد بين جميع علماء بلاد الشام من أبعد عهود العلم فيها إلى هذا العهد ـ الوحيد الذي كان له رسالة عملية لعمل مقلديه المنتشرين في كل مكان حتى في العراق نفسه وقد طبعت رسالته هذه مرات ومرات. وقد كانت ترد إليه استفتاءات المستفتين حتى من أقصى الشرق من أندونيسيا التي كان له فيها مريدون كثيرون.
وكرّست شهرته وخلوده موسوعته الكبرى (أعيان الشيعة) التي أصبحت من المراجع العالمية لطالبي الدراسات الإسلامية في كل مكان.
هذا عدا أعماله في ميادين الإصلاح الديني والاجتماعي لا سيّما محاربته لما يجري في احتفالات العاشر من المحرم من اللطم والضرب وجرح الرؤوس والظهور.
الدول الشيعية في بلاد الشام
عرفت بلاد الشام من الدول الشيعية كلاً من الدولة الفاطمية والدولة الحمدانية والدولة المرداسية ودولة بني عمار.
أما الفاطميون فكانت بلاد الشام امتداداً لدولتهم التي قامت أول الأمر في تونس ثم امتدت إلى مصر فبلاد الشام. والحمدانيون قامت دولتهم في شمال بلاد الشام والدولة المرداسية كانت في الحقيقة وارثة الدولة الحمدانية في حلب، وهي دولة تنتمي إلى بني كلاب، وقد عاش بنو كلاب قرابة قرن في بلاد الشام قبل قيام الدولة وكانوا قد استطاعوا بفضل كثرة عددهم أن يفرضوا إرادتهم في منطقة حلب، كما خلقوا لأنفسهم المناخ المناسب لإقامة دولتهم وسط القوى المتصارعة في ذلك الوقت في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي.
وقد كانت للمرداسيين وقائعهم مع البيزنطيين التي صانوا بها بلاد الشام.
وقامت دولة (بني عمار) في بلاد الشام وكانت حدودها من نواحي جبلة في سوريا شمالاً حتى جونيه في لبنان جنوباً، لتمتد إلى قلعة صافيتا وحصن الأكراد والبقيعة وعكار والهرمل والضنية وجبة بشري وبلاد العاقورة شرقي بلاد جبيل.
فرسان الشيعة يحمون بلاد الشام
من البيزنطيين ويذودونهم عن القدس
وشعراؤهم يتغنون بالنصر الإسلامي
إذا كان العاهل البيزنطي (هرقل) قد وقف بعد معركة اليرموك وما تلاها ـ إذا كان قد وقف فوق جبال طوروس وتطلع إلى سوريا التي تمزقت فيها جيوشه، وتنهد تنهّد الأسيف وقال: وداعاً يا سوريا، وداعاً لا لقاء بعده…
إذا كان هرقل قد أيس من العودة إلى سوريا فإن الذين تلوه بعد ذلك بقرون لم ييأسوا منها وظلوا متشبثين بها لا سيّما بعد أن انفرط نظام الدولة الكبرى، دولة أعدائهم، وعادت دولاً مقسمة تتنازع وتتقاتل، في حين كانوا هم قد تقووا واستفحل أمر بعضهم استفحالاً يرى فيه نفسه جديراً بالعودة إلى سوريا تحت رايات الظفر المؤزر.
فقد جاء قسطنطين ليكابينوس، ثم تلاه الأخوان برداس فوكاس أولاً ثم نقفور فوكاس، وكل من هؤلاء الثلاثة كان يجمع إلى المطامح البعيدة، القوة التي يرتكز عليها لتحقيق هذه المطامح، وفي رأس هذه المطامح: أعظمها وهو العودة إلى بلاد الشام (سوريا ولبنان وفلسطين والأردن) واسترداد السيادة البيزنطية عليها.
ولكن تشاء المقادير أن تخلق من ذلك التمزق الإسلامي العربي تكتلين، يتماسك كل منهما تماسكاً محكماً، ويقود كلاً منهما قائد يجمع إلى الإخلاص، الكفاءة التي تعوز مواجهة المطامح البيزنطية.
فقد قامت في شمال أفريقيا دولة الفاطميين، وقضت هناك على الكيانات الانفصالية وجمعتها كلها في كيان واحد متلاحم كما قامت في الوقت نفسه في شمال بلاد الشام دولة الحمدانيين([87])، وضمت إليها ما استطاعت ضمه من الأشلاء ومضت تشق طريقها شجاعة طماحة.
فوقت كان يتعاقب على حكم بيزنطية من عددناهم من قبل، ووقت كان قسطنطين ليكابينوس يعربد مهدداً متوعداً، كان يقوم على رأس الدولة الحمدانية: سيف الدولة فلا ينتظر تقدم عدوه إليه، بل يتحداه في عقر داره.
ثم يأتي برداس فوكاس ويقود الجيوش مقتحماً الأرض العربية على سيف الدولة، ويصمد له سيف الدولة فلا ينال برداس منه منالاً، بل يفقد في كل معركة العدد الخطير من جيشه وقواده، حيث يحيق به المصير الرهيب في معركة مرعش سنة 332هـ (953م) فيجرح في وجهه ويقع ابنه قسطنطين أسيراً فيمن يقع من الأسرى.
ويكبر الأمر على برداس ويبلغ به الحزن مداه على أسر ولده، فلا يجد ملاذاً لخيبته وأحزانه إلا الترهب ودخول الدير.
ويأتي شقيقه نقفور فوكاس الثاني وهو أشرس الثلاثة وأعتاهم، وقد كانت مطامحه متوازية مع شراسته وعتوه. وقد سبق له قبل توليه الملك أن قهر العرب حين كان قائداً عاماً للقوات البيزنطية البرية والبحرية في الجبهة الغربية، فانتزع منهم جزيرة كريت سنة 350هـ (961م).
ثم ازداد طموحاً وثقة بالنفس بعد أن تولى الملك سنة 352هـ (963م) بتزوجه ثيوفانو أرملة الامبراطور رومانوس وإعلان نفسه امبراطوراً. وكان شعاره الوصول إلى القدس، وحين تقدم ففتح طرسوس خطب على منبرها قئلاً إن هذه البلدة هي التي كانت تعيقه عن الوصول إلى القدس.
الأسطول الفاطمي
وفي هذا الوقت كان على رأس الدولة الفاطمية خليفة خليق بالمهمة التي أعدتها له المقادير هو المعز لدين اللَّه. وإذا كانت مهمة سيف الدولة الحمداني مقصورة على مقاتلة البيزنطيين براً فاكتفى بإعداد الجيوش البرية، فإن مهمة المعز الفاطمي كانت مزدوجة إذ كان عليه أن يقاتل براً وبحراً، لذلك انصرف أول ما انصرف إلى إعداد أسطول ضخم جعل منه سيد البحر المتوسط، حتى لقد وصف أحد المؤرخين الوضع قائلاً: «استطاع المعز بفضل أسطوله القوي أن يجعل غربي البحر الأبيض المتوسط بحيرة فاطمية»([88]).
وقد خص هذا المؤرخ غربي البحر، لأن الفاطميين لم يتقدموا بعد إلى الشرق ولم يصلوا إلى مصر وبلاد الشام. أما بعد أن وصلوا إليهما فقد أصبح هذا البحر كله بغربيّه وشرقيّه بحيرة فاطمية. كما امتد أسطولهم إلى البحر الأحمر، فكما كانت الإسكندرية ودمياط في مصر وعسقلان وعكا وصور وصيدا في الشام أهم المرافىء التي تتجمع فيها قطع الأسطول في البحر الأبيض، كانت عيذاب أهم مرافىء البحر الأحمر.
وقد أثار هذا الأسطول شاعرية شاعر المعز، محمد بن هاني الأندلسي فأنطقها بقصيدة من عيون الشعر العربي الخالد، تحسب وأنت تقرؤها أنك أمام وصف أسطول حربي معاصر، يقول فيها مخاطباً المعز بعد انتصار الأسطول في إحدى معاركه الكبرى مع أسطول البيزنطيين:
لك البر والبحر العظيم عبابه
فسيّان أغمار تخاض وبيد
وما راع ملك الروم إلا اطلاعها
تنشر أعلام لها وبنود
عليها غمام مكفهر صبيره
له بارقات جمة ورعود
مواخر في طامي العباب كأنه
لعزمك بأس أو لكفك جود
أنافت بها أعلامها وسما لها
بناء على غير العراء مشيد
من الراسيات الشم لولا انتقالها
فمنها قنان شمخ وريود
من القادحات النار تضرم للصلى
فليس لها يوم اللقاء خمود
إذا زفرت غيظاً ترامت بمارج
كما شب من نار الجحيم وقود
فأنفاسهن الحاميات صواعق
وأفواههن الزافرات حديد
لها شعل فوق الغمار كأنها
دماء تلقتها ملاحف سود
ولابن هاني في وصف معارك هذا الأسطول الخالدات من القصائد التي تعتبر من أروع ما خلف الشعراء العرب من تراث شعري ملحمي، ولا يتسع المجال هنا للإفاضة في الحديث عنها ولكننا نكتفي بهذه الأبيات من قصيدة يخاطب فيها ابن هاني نقفور فوكاس بعد هزيمة أسطوله أمام الأسطول الفاطمي:
وبعثت بالأسطول يحمل عدة
فأثابنا بالعدة الأسطول
أدى إلينا ما جمعت موفراً
ثم انثنى باليم وهو جفول
ومضى يخف على الجنائب حمله
ولقد يرى بالجيش وهو ثقيل
ثم يموت بطل الحمدانيين بل بطل العرب في عصره سيف الدولة، فيموت بموته عنفوان الدولة، ولا يكون في خلفائه من له شيء من صفاته، وتنهار الجبهة الشرقية أمام البيزنطيين، في حين ظلت الجبهة الغربية، جبهة الفاطميين قوية عنيفة بتوالي الخلفاء الأقوياء، وكانت قد بلغت في ذلك كل مبلغ بوصول الفاطميين إلى مصر والجزيرة العربية وبلاد الشام.
ومن حسن حظ الأدب العربي أن قد رافق معارك الظفر التي قادها سيف الدولة الحمداني والمعز لدين اللَّه الفاطمي شاعران عبقريان، ولن نقول عن المتنبي شاعر سيف الدولة شيئاً، فهو مالىء الدنيا وشاغل الناس في عصره وفي كل العصور حتى هذا العصر. ولكن لا بدّ لنا من كلمات قصار عن الشاعر الآخر شاعر المعز: محمد بن هاني الأندلسي الذي بلغ من تفاخر مواطنيه به سواء في منبته بالأندلس أو في مهجره بشمال إفريقيا، أن سموه متنبي المغرب، كما سموا بعد ذلك ابن زيدون: بحتري المغرب، على عادتهم في محاولة مماشاة المشرق في كل شيء.
ولقد رأينا فيما تقدم نموذجاً من شعر ابن هاني في وصف الأسطول، وكل قصائده في وصف المعارك لا سيّما البحرية منها على هذا النسق المتألق المتوثب، حتى لقد كان جديراً بأن يحمل اسم (متنبي المغرب) والموضوع الذي حلق فيه متنبي المشرق هو الموضوع الذي حلق فيه متنبي المغرب، وهو المعارك الظافرة والبطولة العربية الهادرة.
وكانت شهرة ابن هاني قد امتدت إلى المشرق حتى وصلت إلى المتنبي نفسه، وقيل إن المتنبي كان عازماً بعد فراق سيف الدولة على التوجه إلى المغرب فلما بلغته قصيدة لابن هاني مطلعها:
تقدم خطى أو تأخر خطى
فإن الشباب مشى القهقرى
عدل عن عزمه وقال: لقد سدّ علينا ابن هاني طريق المغرب. ولم يحدد المؤرخون الذين رووا هذا القول زمن هذا العزم، ولم يوضحوا هل كان قبل ذهابه إلى كافور أو بعد مفارقته له.
ومهما كان من أمر فإن القصة تدل على تهيب المتنبي من مجاورة ابن هاني ومن المؤسف أن الحياة لم تطل بابن هاني. فقد اغتيل وهو لم يتجاوز السادسة والثلاثين، وكان اغتياله وهو يهم باللحاق بالمعز إلى القاهرة. ولقد خسر الشعر العربي خسارة كبرى بموت ابن هاني قبل أن يصل إلى مصر، فلو وصلها ورافق المعز في حياته المصرية وما حفلت به من أمجاد لترك تراثاً شعرياً رائعاً.
ولقد تألبت على ابن هاني قوى شتى عملت جاهدة على طمس اسمه وتشويه أمره وإخمال ذكره، ولقد نجحت في ذلك إلى حدّ بعيد، ولست الآن في صدد الإشارة إلى هذه القوى.
بعد المتنبي وابن هاني
رأينا فيما تقدم انهيار الدولة الحمدانية بعد سيف الدولة فتمهد الطريق أمام البيزنطيين ليتقدموا في شمال بلاد الشام ويحتلوا فيه المدن ويبسطوا سيادتهم على أجزاء منه كما سيطروا على كيليكيا، بل لقد غزوا شمال العراق وعبروا نهر دجلة. ولم يكن باستطاعة الفاطميين الأقوياء أن يعملوا شيئاً على الجبهة المشرقية، لأن بينهم وبينها آماداً واسعة لا سلطة لهم عليها. ثم إذا بهم على أبواب المشرق ثم في صميم مصر. ثم جاءت الخطوات التالية فإذا بهم يوغلون في المشرق ثم يصبحون جزءاً منه، وإذا بهم وجهاً لوجه مع البيزنطيين في المشرق كما هم معهم في المغرب، فجعلوا همهم الأول استرجاع ما استولى عليه البيزنطيون من المدن الشامية. وحاولوا أول الأمر إجلاء البيزنطيين عن أنطاكية التي كان قد استولى عليها نقفور فوكاس سنة 358هـ (969م)، ولكن القوى البيزنطية كانت أكثر كثافة مما قدرت مخابرات الفاطميين وكانت تفوق قواتهم عِدداً وأعداداً، فإن البيزنطيين عرفوا خطورة سقوط أنطاكية فضلاً عن أنها مدينة البطاركة والقديسين، لذلك اعتبرت منافسة بيزنطية من الناحية الدينية لهذا حشدوا للدفاع عنها قوى لم تكن في تقدير الفاطميين، ففشل الجيش الفاطمي في استردادها، واغتنم الامبراطور البيزنطي حنازيمسكس هذا الفشل وتقدم بجيوشه سنة 975 من أنطاكية إلى حمص ومنها إلى بعلبك، وخافت دمشق مغبة مقاومته فخضعت ودفعت له الجزية، كما سلمت له طبريا وقيسارية، وكان مصمماً على الوصول إلى القدس، وبوصوله إلى طبرية وقيسارية يكون قد صار في فلسطين وقطع أكثر من نصف المسافة إلى القدس وهكذا يكون هذا الامبراطور البيزنطي ثاني من يفكر من أباطرة بيزنطية في استرجاع القدس من المسلمين، بعد المفكر الأول نقفور فوكاس الثاني، وهكذا تكون بيزنطية قد سبقت الصليبيين في التخطيط للنفاذ إلى القدس.
ويبدو جلياً من استعراض الأحداث أن الفاطميين أدركوا نية حنازيمسكس وصمدوا له فتراجع عن محاولة الوصول إلى القدس وحول هدفه فاتجه إلى الساحل اللبناني مغتنماً فرصة حشد الجيوش الفاطمية في طريق القدس، فاستطاع الاستيلاء على صيدا وبيروت، ثم اتجه إلى طرابلس.
لم يغفل الفاطميون عن نيات الامبراطور البيزنطي فأسرعوا لصده عن طرابلس والوقوف في طريق زحفه إليها، وعضدوا جيشهم البري المدافع عنها بأسطولهم الحربي، واستطاعوا إلحاق الهزيمة بالبيزنطيين ورد حنازيمسكس عن طرابلس وملاحقته حتى أخلى بيروت وصيدا وكل ما استولى عليه من مدن الساحل اللبناني. وظلت الضربات الفاطمية تلاحقه حتى ردته إلى أنطاكية.
ولما حاق به الفشل عاد آيباً إلى القسطنطينية مقهوراً حيث توفي في أوائل سنة 976.
هنا نفتقد المتنبي ونفتقد ابن هاني، هنا نفتقد الشاعر العربي الذي يتغنى بالظفر العربي، ونتلفت فلا نجد في الساحة من يقول في حنازيمسكس المهزوم المقهور اللائذ من بطولات الفاطميين بعاصمته ما قاله المتنبي في برداس فوكاس حين فرّ من المعركة جريحاً في وجهه وترك ابنه أسيراً فيها ثم لاذ بالدير:
نجوت بإحدى مهجتيك جريحة
وخلفت إحدى مهجتيك تسيل
أتسلم للخطية ابنك هارباً
ويسكن في الدنيا إليك خليل
بوجهك ما أنساكه من مرشة
نصيرك منها رنة وعويل
أو ما قاله ابن هاني في نقفور فوكاس بعد معركة المجاز البرية البحرية:
يوم عريض في الفخار طويل
لا تنقضي غرر له وحجول
مسحت ثغور الشام أدمعها به
ولقد تبل الترب وهو همول
قل للدمستق مورد الجمع الذي
ما أصدرته له قنا ونصول
سل رهط (منويل) وأنت غررته
في أي معركة ثوى منويل([89])
منع الجنود من القفول رواجعا
تبعاً له بالمنديات قفول
لم يتركوا فيها بجعجاع الردى
إلا النجيع علّ النجيع يسيل
نحرت بها العرب الأعاجم إنها
رمح أمق ولهذم مصقول
قلت إنا افتقدنا الشاعر العربي الذي يعيش بشعره المعارك العربية الظافرة، فلم نره بعد المتنبي وابن هاني، فهل كانت الساحة العربية خالية من عباقرة الشعر؟
الواقع أنها لم تكن خالية، فقد كان فيها أيام تلك الأحداث شاعر العرب الفريد (أبو العلاء المعري)، ولكن هل كان باستطاعة أبي العلاء أن يسدّ فراغ الشاعرين الحماسيين؟
إنه رهين المحبسين، سجين في سجنين رهيبين، وماذا عسى الشاعر الحبيس أن يفعل؟
إنه لم يكن مستطيعاً أن يمتطي الجواد ويجرد السيف ويمشي إلى جنب القائد فيشارك في المعركة ويراها عن كثب فينفعل برهجها، كما كان يحدث للمتنبي مع سيف الدولة… ولا كان مستطيعاً أن يواكبها في أحداثها متتبعاً لها ساعة فساعة فيضطرم بأنبائها، كما كان يحدث لابن هاني مع المعز.
إنه كان في محبسيه… ولكن المعري الذي عاش هموم شعبه، فأنطقته هذه الهموم الشعر الثائر المثير، هل كان يمكن أن يكون بعيداً عما يجري على حدود الوطن، أو في قلب الوطن من صراع بين حرية الوطن واستعباده… بين الأجنبي المنقض على الوطن، وبين المواطن المنقض على هذا المنقض؟
لم يكن هذا من طبعه، لهذا كان وهو في محبسيه يعيش مع المناضلين في ميادين الحرب، يعيش معهم بحسه وعواطفه ووطنيته، إن لم يستطع أن يعيش معهم بجسمه وعينيه.
لذلك كان المعري شاعر النضال العربي المسلح في تلك الفترة الحرجة من حياة الوطن العربي.
كان الصوت الذي تغنى ببطولات المقاتلين وتحمس لوقائعهم، وحرض على أعدائهم.
المعري الهادىء الرقيق القلب الذي يشفق على اليوان المذبوح فلا يأكل اللحم، هو نفسه الذي يقول وقد سمع بجولات فرسان العرب ذياداً عن وطنهم:
فوارس قوالون للخيل اقدمي
وليس على غير الرؤوس مجال
لهم أسف يزداد أثر الذي مضى
من الدهر سلما ليس فيه قتال
بأيديهم السمر العوالي كأنما
يشب على أطرافهن ذبال
ها هو المعري ينقلب بعد الرفق واللين أسداً هصوراً يستطيب تصور الدم الفوار، ويستعذب تخيل الفوارس جوالة فوق الرؤوس المضرجة بالنجيع الأحمر!
ويأسف على أيام السلم الوادعة التي انطوت بلا قتال تزهق فيه النفوس وتطيح الهامات!
هل المعري هو الذي يتكلم؟ أجل هو المعري بلسانه الطلق وبيانه الفياض!
إذا كانت الإنسانية هي التي أوحت للمعري أن يقول للذين ذبحوا له (الفروج) وأنضجوه وقدموه له ليأكله في مرضه الذي أنحله: «استضعفوك فوصفوك… هلا وصفوا شبل الأسد…» ثم يمتنع عن أكله استفظاعاً لتخيل دمه المراق!
إذا كانت الإنسانية هي التي رققت قلب المعري، فإن الوطنية هي التي قسّت ذلك القلب الرحيم، فجعلت الدم المراق عنده أجمل منظر وأعذب مرأى!
دم الأعداء الذين لم يتورعوا عن اقتحام وطنه واستباحة أرضه وترويع أهله وتشريد سكانه!
ثم يشتد في القول فيخاطب الغزاة مهدداً متوعداً بمواصلة الحرب:
بني الغدر هل ألفيتم الحرب مرة
وهل كفّ طعن عنكم ونضال
وهل اطلعت سحم الليالي عليكم
وما حان من شمس النهار زوال
وهل أطلعت شعث النواصي عوابساً
رعال ترامى خلفهن رعال
لها عدد كالرمل المبد على الحصا
ولكنها عند اللقاء جبال
فإن تسلموا من سورة الحرب مرة
وتعصمكم شمّ الأنوف طوال([90])
خذوا الآن ما يأتيكم بعد هذه
ولا تحسبوا ذا العام فهو مثال
ثم يعود إلى ذكر الدماء بعد أن يصف الخيل العربية واثبة بفرسان العرب، وإن تلك الخيول الظامئات لن يكون الماء موردها، ولن يرويها إلا دماء الروم:
يردن ماء الروم وهي غريضة
ويتركن ورد الماء وهو زلال
وفي قصيدة أخرى يندد بالانهزاميين الذين يخوّفون المواطنين بأس الروم ويحثّ قومه على الثبات:
أيوعدنا بالروم ناس وإنما
هم النبت والبيض الرقاق موام
ويذكّر مواطنيه بانتصاراتهم السابقة على الروم وأن ما يوعدهم به الانهزاميون لن يكون مصيره بأفضل:
كأن لم يكن بين «المخاض» و«حارم»
كتائب يشجين الفلا وخيام
ولم يجلبوها من وراء «ملطية»
تصدع أجبال بها وآكام
كتائب من شرق وغرب تألبت
فرادى أتاها الموت وهي توام
بيوم كأن الشمس فيه خريدة
عليها من النقع الأحم لثام
كأنهم سكرى أريق عليهم
بقايا كؤوس ملؤهن مدام
فأضحوا حديثاً كالمنام وما انقضى
فسيان منه يقظة ومنام
ويبدو أن البيزنطيين (الروم) قد أرسلوا يفاوضون على الصلح وإنهاء الحرب مما لم يعجب المعري لأنه يريد أهداف أمته كاملة ولو أدى الأمر إلى ما يمكن أن يؤدي إليه من الضحايا الكثيرة: قتلى وجرحى. وهنا نرى المعري داعية حرب لا هوادة فيها، حرب تسيل فيها الدماء أي مسيل فهو يخاطب المفاوض العربي بهذا القول الصريح ويحدد له الموقف المطلوب:
وردوا إليك الرسل، والصلح ممكن
وقالوا على غير القتال سلام
فلا قول إلا الضرب والطعن عندنا
ولا رسل إلا ذابل وحسام
فإن عدت، فالمجروح توسي جراحه
وإن لم تعد متنا ونحن كرام
فلسنا وإن كان البقاء محبباً
بأول من أخنى عليه حمام
هذه صفحات من تاريخ الشيعة النضالي كان فيها الشعراء مع الفرسان جنباً إلى جنب في كفاح الغزاة، التاريخ النضالي الذي أطلق شاعراً وديعاً رقيق القلب عطوف النفس من محبسيه وأعاده من الدعوة إلى الهدوء والحنان والتعاطف، إلى الصخب والقسوة والعنف، من داعية سلام إلى داعية حرب عنيف الدعوة صارمها.
وإذا كان إعجابنا بالمعري المسالم الهادىء العطوف عظيماً، فإن إعجابنا بالمعري المحارب الثائر الحاقد الدموي أعظم.
مؤرخان يتحدثان عن
حماية الشيعة لبلاد الشام
قال الدكتور حسن حبشي في كتابه (الحروب الصليبية) وهو يتحدث عن الغزوات البيزنطية لبلاد الشام:
«وامتد النفوذ البيزنطي عام 565هـ (975م) على طول البلاد الشامية فدفعت له حمص الجزية واستسلمت بعلبك، وأراق الأفتكين ماء وجهه إبقاء على ولايته».
إلى أن يقول الدكتور حبشي مستمراً في الحديث عن الفتح البيزنطي:
«على أن موجة الفتح (البيزنطي) على حساب البلدان والإمارات الإسلامية لم تلبث أن توقفت منذ أواخر القرن العاشر واصطدمت بقوة الفاطميين الذين أمدوا الإسلام بدم جديد وعنصر قوي يتدفق حياة ويتطلع للفتح…».
وقالت الدكتور سعاد ماهر في كتابها (البحرية في مصر الإسلامية):
إن اهتمام الفاطميين ودعم قواعد الأسطول المصري (الفاطمي) على سواحله كان له أكبر الأثر في صيانة الدولة الإسلامية عامة، والمحافظة على النفوذ العربي في شرقي البحر الأبيض المتوسط خاصة، ذلك أن الروم (البيزنطيين) كانوا قد تمادوا في استهتارهم بالخلافة العباسية ولا سيّما بعد استيلائهم على اقريطش (كريد)، فعولوا على الهجوم على إقليم الشام لكي ينتزعوا بيت المقدس منه، ففي سنة 975م سار الأسطول الرومي إلى بلاد الشام واستولى على كثير من مدنها ولا سيّما الساحلية منها مثل بيروت وصور وعسقلان وصيدا. إلا أن قوات مدينة طرابلس البرية استطاعت بفضل مؤازرة الأسطول المصري (الفاطمي) لها من هزيمة الأسطول الرومي، وبذلك عاد فاشلاً إلى القسطنطينية. وبدأت الدولة الفاطمية بعد ذلك تثبت سلطانها على قواعد بلاد الشام البحرية وتطارد الروم (البيزنطيين) من أطراف الشام الشمالية.
وتقول أيضاً:
… وتحققت مخاوف الفاطميين حين لجأ امبراطور الروم سنة 1025م إلى تأليب حكام صور وطرابلس على الفاطميين ومساعدتهم على شقّ عصا الطاعة عليهم، ولكن الأسطول المصري (الفاطمي) كان لهم بالمرصاد فتصدى لسفن الروم في مياه هذين الميناءين وأنزل بهم هزائم منكرة.
الشيعة يواصلون الحماية
عدا الحمدانيين والفاطميين فإن المرداسيين الشيعة الذين خلفوا الحمدانيين في حلب تصدوا هم أيضاً لحماية بلاد الشام من البيزنطيين.
ففي العام 421 وصل ملك البيزنطيين (أرمانوس) إلى حلب ومعه ملوك الروس والبلغار والألمان والبلجيك والخزر والأرمن في جيش قدّر عدده بعض المؤرخين بستمائة ألف مقاتل، ومهما رأينا من مبالغة في هذا العدد فلا شكّ في أن الجيش كان كبيراً فتصدى لهم شبل الدولة نصر بن صالح المرداسي ووقف في وجه زحوفهم حتى هزمها، وتبعهم إلى إعزاز وأسر جماعة من أبناء ملوكهم وغنم المسلمون منهم غنائم عظيمة.
وكما تغنى شعراء الشيعة بمعارك الحمدانيين ومعارك الفاطميين كذلك تغنوا بمعارك المرداسيين فرأينا شاعر بني مرداس الحسين بن أبي حصينة المعري يخلد هذه المعركة بشعره الجميل ويحملها أغنية على الشفاه العربية الشادية. وينظم قصيدة وينشدها لبطل المعركة نصر بن صالح، والتي نأخذ منها ما يلي:
إلى نصر وأي فتى كنصر
إذا حلّت بمغناه الركاب
أمنتهك الفرنج غداة ظلت
حطاماً فيهم السمر الصلاب
جنودك لا يحيط بهن وصف
وجودك لا يحصله حساب
(وأرمانوس) كان أشد بأساً
وحلّ به على يداك العذاب
أتاك يجر بحراً من حديد
له في كل ناحية عباب
إذا سارت كتائبه بأرض
تزلزلت الأباطح والهضاب
فعاد وقد سلبت الملك عنه
كما سلبت من الميت الثياب
فما أدناه من خير مجيء
ولا أقصاه عن شر ذهاب
فلا تسمع لطنطنة الأعادي
فإنهم إذا طنوا ذباب
ولا ترفع لمن عاداك رأساً
فإن الليث تنبحه الكلاب
وبعد زوال الدولة بقيت القبيلة وفيها يقول القلقشندي في الجزء الرابع من (صبح الأعشى): «كانوا عرب أطراف حلب وكان لهم غزوات وغارات عظيمة على الروم وإنهم من أشد العرب بأساً».
وعندما دهمت العالم الإسلامي الحروب الصليبية تجندوا لها بقيادة أميرهم وثاب بن محمود بن نصر بن صالح وفي وثاب هذا ومعاركه يقول ابن الخياط:
عتادك أن تشن به مغاراً
فقدها شزّ باقباً تبارى
كأن أهلة قدحت نجوماً
إذا قدحت سنابكها شرارا
وقد هبت سيوفك لامعات
تفرق في دجنته نهارا
أما والسابقات لقد أباحت
لك الشرف الممنع والفخارا
فزر حلبا بكل اقبّ نهد
فقد تدني لك الخيل المزارا
ويأبى اللَّه إن أبت الأعادي
لناصر دينه إلا انتصارا
وفي معارك المرداسيين في حماية بلاد الشام يقول ابن أبي حصينة مخاطباً ثمال بن صالح بن مرداس:
فلتدفعن عن البلاد وأهلها
نوباً يخاف وقوعها وكأن قد
ولتحمدن كما حمدت «بتبّل»
والخيل تعثر بالقنا المتقصد
والشرك منك ومن شقيقك هارب
هرب الشحاح من الغمام المرعد
لولا سيوفكم البواتر لالتقى
من بالثغور ومن ببرقة ثهمد
أسندتم الإسلام إن سيوفكم
لمعاقل الإسلام أفضل مسند
وفي ثمال نفسه يقول عبداللَّه بن سنان الخفاجي:
تزور جياده أرض الأعادي
وأطراف الرماح لها دليل
وملك شاده طعن الهوادي
تزول الراسيات ولا يزول
حذار فإن في حلب ليوثاً
أنابيب الرماح لهن غيل
ومن بطن الشآم إلى رجيل
مرابع نبتها الأسل الطويل
تسيل شعابها بندى ثمال
فليس لها إلا كلأ رحيل
وفي محمود بن نصر بن صالح يقول عبداللَّه بن سنان الخفاجي:
لا يذكروا حلباً وبيضك دونها
مشهورة فهي الظبا وهم هم
كم وقفة لك دونها مشهودة
والنقع ليل والأسنة أنجم
وفي ثمال يقول ابن أبي حصينة:
لقد عزّ قوم شايعوك وحصنت
ثغور عليها من سيوفك أقفال
فلا يجزع الإسلام ما دمت سالماً
فقد عزّ غيل فيه مثلك رئبال
ومن دون هذا (الشام) أنت وفتية
(مرادسة) شمّ العرانين أبطال
شعراء الشيعة في بلاد الشام
أخرجت بلاد الشام خمسة من أكبر شعراء العالم العربي هم: أبو تمام والبحتري والمعري وعبدالمحسن الصوري وأحمد بن منير الطرابلسي. وتشيع أبي تمام واضح ظاهر، وهو صاحب القصيدة الشهيرة:
فعلتم بأبناء النبي ورهطه
أفاعيل أدناها الخيانة والغدر
ومن قبله أخلفتم لوصيه
بداهية دهياء ليس لها قدر
فجئتم بها بكراً عواناً ولم يكن
لها قبلها مثلاً عوان ولا بكر
أخوه إذا عدّ الفخار وصهره
فما مثله أخ ولا مثله صهر
وشدّ به أزر النبي محمد
كما شدّ من موسى بهارونه الأزر
وما زال صبّاراً دياجير غمرة
يمزقها عن وجهه الفتح والنصر
فأي يد للذم لم يبر زندها
ووجه ضلال ليس فيه له أثر
ثوى ولأهل الدين أمن بحده
وللواصمين الدين في حده ذعر
يسدّ به الثغر المخوف من الردى
ويعتاض من أرض العدو به الثغر
بأحد وبدر حين ماج برجله
وفرسانه أحد وماج بهم بدر
ويوم حنين والنضير وخيبر
وبالخندق الثاوي بعقوته عمرو
سما للمنايا الحمر حتى تكشفت
وأسيافه حمر وأرماحه حمر
مشاهد كان اللَّه كاشف كربها
وفارجه والأمر ملتبس إمر
ويوم الغدير استوضح الحق أهله
بنجاء لا فيها حجاب ولا ستر
أقام رسول اللَّه يدعوهم بها
ليقربهم عرف وينهاهم نكر
يمد بضبعيه ويُعلم أنه
ولي ومولاكم فهل لكم خبر
يروح ويغدو بالبيان لمعشر
يروح بهم غمر ويغدو بهم غمر
فكان له جهر بإثبات حقه
وكان لهم في بزهم حقه جهر
أثم جعلتم حظه حدّ مرهف
من البيض يوماً حظّ صاحبه القبر
بكف شقي وجهته ذنوبه
إلى مرتع يرعى به الغي والوزر
إلى منزل يلق به العصبة الأولى
حداها إلى طغيانها الأفن والخسر
هراقوا دمي سبطيهم وتمسكوا
بحبل عمى لا المحض فتلاً ولا الشزر([91])
بني أصفياء اللَّه سهل حينهم
لهم فيهم دهياء مسلكها وعر
فهلا انتهوا عن كفر ما سلفت به
صنائعهم إن لم يكن عندهم شكر
وهلا اتقوا فصل احتجاج نبيهم
إذا ضمهم بعث من اللَّه أو حشر
أحجة رب العالمين ووارث النبي
ألا عهد وفيّ ولا أصر
لكم ذخركم أن النبي ورهطه
وجيلهم ذخري إذا التبس الذخر
جعلت هواي الفاطميين زلفة
إلى خالقي ما دمت أو دام لي عمر
وكوفني ديني على أن منصبي
شآم ونجري أية ذكر النجر
لقد أسمع الداعيكم لو سمعتم
صراخاً ولكن في مسامعكم وقر
وأعلم أن لا تتركوا مخزياتكم
ولم يترك المكروه من شوكه السدر
إذا الوحي فيكم لم يضركم فإنني
زعيم لكم أن لا يضيركم الشعر
وأما البحتري فلم يكن متجاهراً هذا التجاهر وإنما كان يراعي ظروفه ولكن كانت تندّ عنه في بعض الأحيان بدوات لا يستطيع إخفاءها، بل ينطلق على لسانه ما تجيش به نفسه من كوامن متأصلة فيها، فمن ذلك أنه لما أحسن المنتصر العباسي إلى العلويين ووصلهم على عكس أبيه تفجرت شجون البحتري فقال مخاطباً المنتصر:
رددت المظالم واسترجعت
يداك الحقوق لمن قد قُهر
ونالت أدانيهم جفوة
تكاد السماء لها تنفطر
وصلت شوابك أرحامهم
وقد أوشك الحبل أن ينبتر
فقربت من حظهم من نأى
وصفيت من شربهم ما كدر
وأين بكم عنهم واللقا
ء لا عن ثناء ولا عن عفر
قرابتكم بل أشقاؤكم
وإخوتكم دون هذا البشر
ومن هم وأنتم يدا نصرة
وحدا حسام قديم الأثر
يشار بتقديمكم في الكتاب
وتتلى فضائلكم في السور
وإن (علياً) لأولى بكم
وأزكى يداً عندكم من (عمر)
وغيظه الشيعي المكتوم ينطلق هداراً:
كنا نكفر من (أمية) عصبة
طلبوا الخلافة فجرة وفسوقا
ونقول (تيم) قربت و(عديّها)
أمراً بعيداً حيث كان سحيقا
ونلوم طلحة والزبير إذا انتحوا
طابوا أصولاً فيهم وعروقا
حتى انبرت جشم بن بكر تبتغي
إرث النبي وتدعيه حقوقا
أما الثورة النفسية الشيعية الكاسحة فتنفجر في صدره حين يتطاول علي بن الجهم على مقام علي بن أبي طالب (عليه السلام) فيتناوله البحتري بشعر ليس هو في حقيقته سوى سياط تجلد ابن الجهم جلداً وصخور ترجمه رجماً:
إذا ذكرت قريش للمعالي
فلا في العير أنت ولا النفير
وما رعثانك الجهم بن بدر
من الأقمار ثم ولا البدور
لأية حالة تهجو علياً
بما لفقت من كذب وزور
ويتلوى من الغضب فيخرج عن وقاره فيفلت لسانه بما يراه في لحظة الغضب الشيء الوحيد الذي يستحقه هاجي علي:
أمالك في… الوجعاء داء
يصدك عن أذى أهل القبور
ولو أعطاك ربك ما تمنى
عليه لزاد في عظم…
ويظل الغضب منفعلاً في نفسه والمرارة متقدة في صدره:
يا سوأتا من رأيك العازب
وعقلك المستهتر الذاهب
ثم تطوح النقمة بوقاره مرة ثانية فيتمم القول:
ومن (رشيق) وهو مستقدم
يبصق في… الشائب
وبعد أن يشفي غيظه العنيف يعود إلى جده:
إن قعدت سوقك أو أكسدت
بضاعة من شعرك العائب
أنحيت كي تنقضها زارياً
على علي بن أبي طالب
هذه غضبات لا يغضبها إلا شيعي معرق في التشيع حتى ليخرجه الغضب عن طوره…
وقد روى أبو عبداللَّه أحمد بن عياش في كتابه (مقتضب الأثر) أن البحتري وأبا الغوث الطهوي كانا في عصر واحد وكانا من الشيعة، لكن البحتري يمدح الملوك وأبا الغوث يمدح آل الرسول(ص)، وذكر قصيدة لأبي الغوث في مدح الأئمة من آل محمد، قال البحتري أبو عبادة ينشدها. وتلك القصيدة لا يمكن أن ينشدها إلا من كان شيعياً، من جملتها:
ينابيع علم اللَّه أطواد دينه
فهل من نفاد إن علمت لأطواد
نجوم متى نجم خبا مثله بدا
فصلى على الخابي المهيمن والبادي
عباد لمولاهم موالي عباده
شهود عليهم يوم حشر وأشهاد
وكما أن تشيع البحتري يحتاج إلى توضيح فكذلك تشيع أبي العلاء، فأبو العلاء هو القائل:
أرى الأيام تفعل كل نكر
فما أنا في العجائب مستزيد
أليس قريشكم قتلت حسيناً
وكان على خلافتكم يزيد
وهو القائل:
وعلى الدهر من دماء الشهيد بـ
ـن علي ونجله شاهدان
فهما في أواخر الليل فجرا
ن وفي أولياته شفقان
وهو القائل في احتفاله بعيد الغدير الذي لا يحتفل به إلا الشيعة:
لعمرك ما أسر بيوم فطر
ولا أضحى ولا بغدير خم
وكم أبدى تشيعه غوي
لأجل تنسب ببلاد قم
وعندما عدد ياقوت مؤلفاته ذكر أن له كتاباً في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام). وكما يقول في (موسوعة أعيان الشيعة): فإنه لم يعهد لغير الشيعة التأليف في فضائله وحده.
وأما الشاعر الرابع فهو وإن كان أقل شهرة، فإنه شاعر عصره، ذاك هو عبدالمحسن الصوري، المتوفى سنة 419 والذي عاش حياته كلها في صور لم يخرج منها إلا نادراً أيام شبابه.
لهذا الشاعر في أئمة أهل البيت مديحاً ورثاء قصائد غرّاء هي من أحسن ما يقال في هذا الباب وهو القائل:
نفر من (أمية) نفر الإسلام
من بينهم نفور أباق
أنفقوا في النفاق ما غصبوه
فاستقام النفاق بالإنفاق
وهو القائل:
ورزايا المصطفى في أهله
فاتحات للرزايا وختم
يا بني الزهراء ماذا اكتسبت
فيكم الأيام من عتب وذم
أي عهد يرتجى الحفظ له
بعد عهد اللَّه فيكم والذمم
لا تسليت وأنوار لكم
غشيتها من بني حرب ظلم
ركبوا بحر ضلال سلموا
فيه والإسلام فيهم ما سلم
والشاعر الخامس هو أحمد بن منير الطرابلسي الذي كان يلقب هو ومعاصره محمد بن نصر القيسراني بشاعري الشام. وابن منير منسوب إلى طرابلس الشام ومولود سنة 473هـ ومتوفى سنة 548هـ وهو صاحب القصيدة التترية المشهورة.
الخيانة تفتح أبواب الشام
أمام الصليبيين
يحدثنا ابن الأثير في تاريخه (ج10 ص276 طبعة 1966) عن زحف كربوقا أمير الموصل السلجوقي لإنقاذ أنطاكية كما يلي:
«جمع العساكر وسار إلى الشام وأقام بمرج دابق واجتمعت معه عساكر الشام، تُرْكُها وعربها سوى من كان بحلب. فاجتمع معه دُقاق بن تتش وطغتكين أتابك، وجناح الدولة صاحب حمص وأرسلان تاش صاحب سنجار وسليمان بن أرتق وغيرهم من الأمراء ممن ليس مثلهم، فلما سمعت الفرنج عظمت المصيبة عليهم وخافوا لما هم فيه من الوهن وقلة الأقوات عندهم.
وسار المسلمون فنازلوا أنطاكية، وأساء كربوقا السيرة فيمن معه من المسلمين وأغضب الأمراء وتكبر عليهم ظناً منه أنهم يقيمون معه على هذه الحال، فأغضبهم ذلك وأضمروا له في أنفسهم الغدر إذا كان قتال، وعزموا على إسلامه عند المصدوقة.
وأقام الفرنج بأنطاكية بعد أن ملكوها اثني عشر يوماً ليس لهم ما يأكلونه، وتقوّت الأقوياء بدوابهم، والضعفاء بالميتة وورق الشجر، فلما رأوا ذلك أرسلوا إلى كربوقا يطلبون منه الأمان([92]) ليخرجوا من البلد، فلم يعطهم ما طلبوا، وقال: لا تخرجون إلا بالسيف. وكان معهم من الملوك: بردويل وصنجل وكُندفري والقُمّص صاحب الرها وبيمُنت صاحب أنطاكية، وهو المُقَدّم عليهم.
وكان معهم راهب مُطاع فيهم، وكان داهية من الرجال، فقال لهم: إن المسيح (عليه السلام) كان له حربة مدفونة بالقيسان الذي بأنطاكية، وهو بناء عظيم، فإن وجدتموها فإنكم تظفرون وإن لم تجدوها فالهلاك متحقق.
وكان قد دفن قبل ذلك حربة في مكان فيه وعفى أثرها، وأمرهم بالصوم والتوبة، ففعلوا ذلك ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع أدخلهم الموضع ومعهم عامتهم والصناع منهم، وحفروا في جميع الأماكن فوجدوها كما ذكر، فقال لهم: أبشروا بالظفر، فخرجوا في اليوم الخامس من الباب متفرقين من خمسة وستة، ونحو ذلك. فقال المسلمون لكربوقا: ينبغي أن نقف على الباب فنقتل كل من يخرج، فإن أمرهم الآن وهم مترفقون سهل، فقال: لا تفعلوا، أمهلوهم حتى يتكامل خروجهم فنقتلهم، ولم يمكّن من معاجلتهم. فقتل قوم من المسلمين جماعة من الخارجين، فجاء إليهم هو بنفسه ومنعهم ونهاهم.
فلما تكامل خروج الفرنج، ولم يبق بأنطاكية أحد منهم، ضربوا مصافاً عظيماً، فولى المسلمون منهزمين، لما عاملهم به كربوقا أولاً من الاستهانة بهم والإعراض عنهم، وثانياً من منعهم من قتل الفرنج. وتمت الهزيمة عليهم، ولم يضرب أحد منهم بسيف ولا طعن برمح ولا رمى بسهم، وآخر من انهزم سليمان بن أرتق. وجناح الدولة لأنهما كانا في الكمين وانهزم كربوقا معهم.
فلما رأى الفرنج ذلك ظنوه مكيدة، إذ لم يجر قتال يُنهزم من مثله، وخافوا أن يتبعوهم. وثبت جماعة من المجاهدين وقاتلوا حسبة وطلباً للشهادة فقتل الفرنج منهم ألوفاً، وغنموا ما في المعسكر من الأقوات والأموال والأثاث والدواب والأسلحة، فصلحت حالهم وعادت إليهم قوتهم». (انتهى ابن الأثير).
كان ابن الأثير واضحاً في تحميل كربوقا والقواد الآخرين مسؤولية نجاح الصليبيين في اختراق بلاد الشام والوصول إلى القدس مع اختلاف نوع المسؤولية بين كربوقا وبين بقية الأمراء والقواد.
لقد استطاع كربوقا أن يجيّش الجيوش الإسلامية ويجمع جموعها من الموصل حتى بلاد الشام، وأن يحرك العرب والأتراك وكل من هو في طريقه الطويل من شمال العراق حتى شمال الشام، وفي هذا المدى الواسع من القوى البشرية ما تتألف منه جيوش جرارة، وهذا ما كان، وما أكده ابن الأثير في عباراته الصريحة.
وهذا ما أدركه الصليبيون الذين كانوا يعانون الوهن وقلة الأقوات ـ كما يقول ابن الأثير ـ بعد تلك الرحلة الطويلة التي بدؤوها من قلب أوروبا وصولاً إلى أنطاكية.
ومما زاد في وهنهم وانخذالهم ما عانوه في حصارهم لأنطاكية، حتى عادوا وكأنهم المُحاصَرون لا المُحاصِرون. وقد كانت المجاعة قد حلت بهم لانعدام موارد القوت فيهم، فلم يجدوا سبيلاً لاتقاء الجوع سوى التحول إلى عصابات تحاول نهب القرى والمزارع، ولكن أهل هذه القرى والمزارع عرفوا كيف يصدونهم ويفتكون بهم، فدب اليأس فيهم، وبدؤوا يتسللون من جيشهم هاربين. وحين نعلم أنه كان في طليعة الهاربين الرجل الأول في الدعوة إلى إشعال الحرب الصليبية، وبطل جمع جموعها وتحريض الجماهير على الانضمام إلى جيوشها، أعني بطرس الناسك…
وحين نعلم أن الفرار من الجيش الصليبي الجائع الواهن قد تعدى العامة إلى القادة ففر أمثال ستيفن كونت بلوا…
حين نعلم ذلك، ندرك إلى أي مدى كان الصليبيون يائسين منخذلين واهنين جائعين وهم حول أنطاكية محاصرين لها.
ولولا خيانة خائن كان داخل أنطاكية لعجز الصليبيون عن دخول أنطاكية.
لقد دخلوها على وهنهم وجوعهم، وظلوا على هذا الوهن والجوع وهم داخلها، لأن أسباب الوهن والجوع كانت لا تزال قائمة، فلا مصادر للقوت تقيهم الجوع وتدفع عنهم الوهن.
صليبي يصف حال الصليبيين
ممن استجابوا لنداء البابا في الزحف إلى القدس، كان القسيس (فوشه دوشاركار) الذي انضم إلى الحملة الأولى التي انتهت باحتلال القدس، ثم قضى بقية حياته في القدس حيث سجل مذكراته عن مرافقته للحملة، ذاكراً وقائعها وأحداثها، فكان ما كتبه تاريخاً للحملة الصليبية مكتوباً بقلم أحد رجالها ـ كما ذكرنا من قبل ـ.
وقد انقطع عن الكتابة سنة 1127م ويبدو من انقطاعه عنها في هذه السنة أنه توفي فيها.
ويصف فوشه حال الصليبيين التعيسة وهم يحاصرون أنطاكية، ثم يصف استمرار التعاسة فيهم بعد احتلالها فيقول:
بعد أن حاصر الفرنجة المدينة فترة من الزمن وتجولوا في الأراضي المجاورة بحثاً عن الطعام ولم يجدوا خبزاً يبتاعونه، بدأ الكثيرون يخططون سراً للانسحاب من الحصار والفرار إما عن طريق البحر أو البر.
ولكن لم يكن لهم أموال يعتاشون بها، وقد اضطروا أن يبحثوا عما يقتاتون به في أماكن نائية، والخوف يلازمهم، إذ ابتعدوا أربعين أو خمسين ميلاً عن الحصار. وهناك في المناطق الجبلية قتل الأتراك كثيراً منهم في كمائن نصبوها لهم.
شعرنا أن المصائب قد حلت بالفرنجة بسبب خطاياهم.
وقد أصاب البؤس والشقاء الغني كما أصاب الفقير بسبب الجوع والمذابح اليومية، ولو لم يحفظ اللَّه قطيعه وهو الراعي الصالح، قطيعه متجمعاً لهرب الجميع من هناك على الفور بلا جدال. وبسبب شحّ الغذاء انطلق الكثيرون إلى القرى المجاورة بحثاً عن الطعام ولم يرجعوا بعد ذلك إلى المعسكر وتركوا الحصار نهائياً.
في عام 1098 بعد أن خلت الأراضي حول أنطاكية من الجموع الفقيرة من شعوبنا، تزايد البؤس في نفوس الكبار والصغار بسبب الجوع الشديد.
وأكل الناس جذوع البقليات التي ما زالت تنبت في الحقول وجميع أنواع الأعشاب غير المملحة وحتى الأشواك، التي لم يستطيعوا إجادة طهيها بسبب انعدام الحطب لإشعال النار فألهبت ألسن آكليها. وأكلوا الخيول أيضاً والحمير والجمال والكلاب وحتى الجرذان. بل إن الفقراء أكلوا جلود الحيوانات وبذور الحبوب التي وجدوها في روث الماشية (انتهى).
هذا ما وصف به فوشيه حال الصليبيين وهم يحاصرون أنطاكية، ثم وصف حالهم بعد احتلالها، ويكفي أن نأخذ من كلامه ما يغني عن الإطالة في القول: «لما رأى الفرنجة هذه الأمور وهنت عزائمهم». «في تلك الأثناء أراد كثير من الفرنجة أن يهبطوا ليلاً من الأسوار بالحبال ويهربوا خائفين من الموت جوعاً أو بحد السيف». «لم يستطيعوا أن يطيقوا هذا العذاب أكثر من ذلك، إذ لم يبق لديهم ما يأكلونه مما أوهنهم وأنهك جيادهم» (انتهى).
وصلت حملة كربوقا إلى أنطاكية والصليبيون على تلك الحال، ووصلتهم أخبار عن ضخامة الجيوش التي أخذت تُحاصرهم لذلك قرروا الاستسلام ـ كما ينص على ذلك ابن الأثير…
وهذا يعني أن الحملة الصليبية قد فشلت وأن جيوشها وقوادها قد قرروا الاستسلام، وأن بلاد الشام التي كانت هدفهم قد نجت، وانتهى أمرهم، ولم تعد تقوم لهم قائمة وسيعودون أذلاء إلى بلادهم.
فماذا غيّر ذلك كله، وماذا أحال وهنهم إلى قوة وجوعهم إلى شبع. وماذا غيّرهم من موقف طالب استسلام إلى المهاجم المنتصر؟
إن ابن الأثير يفصل لنا ذلك بعبارات مقتضبة، فهو يقول:
«… ولما سمعت الفرنج (بقدوم الجيوش الإسلامية الكثيفة) عظمت عليهم المصيبة وخافوا لما هم فيه من الوهن وقلة الأقوات عندهم».
ثم يسترسل ابن الأثير قائلاً:
«وأساء كربوقا السيرة فيمن معه من المسلمين وأغضب الأمراء وتكبر عليهم ظناً منه أنهم يقيمون معه على هذه الحال، فأغضبهم ذلك وأضمروا له في أنفسهم الغدر إذا كان قتال وعزموا على إسلامه عند المصدوقة». اهـ.
عوضاً عن أن تبعث كثرة الجند وضخامة الجيش في نفس كربوقا التواضعَ للَّه على أن وفقه لقيادة مثل هذه القوة الكبرى، وعوضاً عن أن يحمد الأمراء على استجابتهم لدعوته ويتألفهم ويتواضع لهم، عوضاً عن ذلك، عاد إلى طبيعته فرأى في تلك الحشود الإسلامية مجرد أتباع له، وفي أولئك الأمراء مجرد مأمورين له، فازدهاه ذلك فتكبر وتجبر وعامل الأمراء بمهانة أحفظتهم وغيّرت نواياهم لا عليه وحده، بل على الموقف كله، فانقلبوا من متحفزين لنصرة الإسلام، إلى ناوين خيانة الإسلام.
فالأمر يلخص كما ذكر ابن الأثير كما يلي:
1 ـ كان الصليبيون داخل أنطاكية في منتهى الوهن والجوع.
2 ـ قرروا الاستسلام بلسان قيادتهم الموجودة كلها في داخل أنطاكية.
3 ـ رفض كربوقا استسلامهم وقرر دخول أنطاكية حرباً.
4 ـ بدؤوا بالتسلل من أنطاكية فرأى المسلمون مقابلتهم وهم شراذم تسهل إبادتهم تدريجياً، وبالفعل بدأ ذلك المسلمون فقتلوا كل من خرج، فرفض ذلك كربوقا وجاء بنفسه يمنع المسلمين من هذا.
5 ـ كان كربوقا قد أساء معاملة الأمراء المنضمين إليه وعاملهم بمهانة.
6 ـ حقد هؤلاء الأمراء عليه وقرروا عدم القتال والانهزام من المعركة عند أول مواجهة مع العدو.
7 ـ أصرّ كربوقا على منع جمهور المقاتلين معه من تصيد الأعداء وهم شراذم مما أغضب هذا الجمهور فقرروا ما قرره الأمراء من الانهزام دون قتال.
8 ـ وجدت جماعة في الجيش الإسلامي رفضت ذلك فقررت الاستشهاد تقرباً إلى اللَّه.
فأول ما يطال كربوقا من المسؤولية في ذلك هو تنفيره قلوب الأمراء منه والاستعلاء عليهم.
وثاني ما يطاله ـ وهو الأخطر في الأمر ـ هو رفضه استسلام الصليبيين بلا قتال.
وثالث ما يطاله ـ وهو ما لا يقل خطورة عن الثاني ـ هو رفضه طلب جمهور المقاتلين عدم السماح للصليبيين بالتجمع كتلة واحدة ومقابلتهم وهم شراذم تسهل إبادتها.
فلماذا فعل كربوقا ذلك؟
يصعب علينا اتهام كربوقا بالخيانة، فإننا هنا لا ننسبها إليه، فتصرفاته كلها منذ أخذ يجيّش الجيوش حتى وصوله إلى أنطاكية تدل على الإخلاص والعزم على محاربة الصليبيين.
ولكننا لا نتردد أبداً باتهامه بالأنانية وحب الذات وتغليبهما على كل شيء، مهما تعارض هذا الشيء مع المصلحة العامة.
إن أنانيته وحبه لذاته جعلاه يحتقر الأمراء الذين استجابوا لدعوته، ويحاول بذلك إثبات أنه هو وحده السيد المطلق الآمر الناهي، وأن هؤلاء الأمراء مجرد أتباع لا شأن لهم.
وإن أنانيته وحبه لذاته وحرصه على مجده الشخصي جعلته يرفض استسلام الصليبيين بأمان بلا قتال وخروجهم من أنطاكية ورجوعهم إلى بلادهم.
لأنه ـ وقد أيقن بوهنهم وحلول المجاعة فيهم ـ أعتقد أنه سيخوض معهم معركة سهلة يكون هو بطلها المنتصر، واستسلامهم بلا قتال سيحرمه من التباهي بالانتصار عليهم في معركة حاسمة.
وكذلك القول في منعه جمهور المقاتلين المسلمين من تصيد الصليبيين أفراداً وشراذم وهزيمتهم بهذه الطريقة فإن ذلك سيحرمه من المجد الشخصي والتفاخر بالانتصار.
وهكذا فإن الأنانية وحب الذات وطلب المجد الشخصي عند كربوقا وخيانة الأمراء وجمهور المقاتلين قد حالت بين المسلمين وبين إنهاء الحروب الصليبية عند أنطاكية، وعرضتهم لما عرضتهم من فجائع دخول الصليبيين للقدس فاتحين واستمرار الاحتلال الصليبي لبلاد الشام مئتي سنة، وما اقتضى ذلك من إذلال وسفك دماء.
وهذا في رأينا وفي رأي جميع المنصفين لا يقل جريمة في كربوقا عن تعمد الخيانة.
أما أولئك الأمراء، وأما جمهور المقاتلين، فإنهم جمعوا إلى الصفات الذميمة التي كانت لكربوقا، جمعوا إليها الخيانة الصريحة…
نعم، لولا الخيانة لارتد الصليبيون خائبين ولما تجاوزوا أنطاكية، بل لعادوا إلى بلادهم أذلاء فاشلين. هذا كله يتجاهله مزيفو التاريخ، ويفتشون عن بريء يتهمونه وبطل يخوّنونه وهذا ما نأسف أن يتمسك به في هذا العصر من يقولون إنهم أكادميون وحملة دكتوراه وأساتذة جامعيون!..
ويصف ابن الأثير احتلال الصليبيين لأنطاكية بعد الخيانة قائلاً:
«… وصعد جماعة كثيرة بالحبال فلما زادت عدتهم على خمسمائة ضربوا البوق وذلك عند السحر، وقد تعب الناس من كثرة السهر والحراسة فاستيقظ باغي سيان (حاكم أنطاكية السلجوقي) فسأل عن الحال، فقيل: إن هذا البوق من القلعة، ولا شكّ أنها قد ملكت ـ ولم يكن البوق من القلعة وإنما كان من ذلك البرج ـ، فدخله الرعب، وفتح باب البلد وخرج هارباً في ثلاثين غلاماً على وجهه، فجاء نائبه في حفظ البلد فسأل عنه، فقيل إنه هرب، فخرج من باب آخر هارباً، وكان ذلك معونة للفرنج، ولو ثبت ساعة لهلكوا.
ثم إن الفرنج دخلوا البلد من الباب، ونهبوه وقتلوا من به من المسلمين (انتهى).
وهكذا فقد كان مفتاح أبواب بلاد الشام الذي أهدي للصليبيين مؤلفاً من الخيانة والجبن. والذين يطيلون في الكلام ويطيلون… ويطيلون عن المسؤولين عن نكبة بلاد الشام بالصليبيين، ثم ينتهون إلى تخوين الشرفاء!… إنهم يتعامون عن هذه الحقيقة البارزة وعن حقائق أخرى سيأتي ذكرها، يتعامون عن الخيانة التي انبعثت من قلب أنطاكية، فأمكنت عشرات الصليبيين من دخولها صاعدين بالحبال على الأسوار، ثم هابطين من الأسوار إلى داخل المدينة.
ومع ذلك فقد كان أمر هؤلاء الداخلين سهلاً غير خطر، فيمكن استئصالهم في لحظات لو كان في قيادة المدينة رجال… رجال لا في هياكلهم… بل رجال في عزائمهم…
الحاكم السلجوقي باغي سيان لم يكد يسمع صوت البوق حتى أسرع في الهرب. هذا الحاكم القائد الذي أودع القدر إليه حماية شرف أنطاكية بالدفاع عنها حتى آخر رمق، لم يكن فيه ذرة شرف تجعله أهلاً لحماية ذاك الشرف!…
وبعد أن كان الصليبيون مرهقين من الصعود بالحبال إلى السور، ثم يزدادون إرهاقاً في النزول من السور، فلا يصل إلى داخل أنطاكية، منهم إلا أفراد محدودون، إذا برجل أنطاكية وحامي حماها يهرب بمجرد سماعه صوت البوق، ثم لا يجد وسيلة للهرب إلا باباً من أبواب أنطاكية الموصودة في وجه الصليبيين، فيفتحه على مصراعيه راكضاً منه إلى السلامة!.
لقد فتح باب أنطاكية من كان عليه أن لا يفتح هذا الباب ـ إذا قدر له أن يفتح ـ إلا وقد صبغته الدماء وتكدست عليه الأشلاء…
لقد فتح باب أنطاكية وخرج منه راكضاً، فدخل منه الصليبيون راكضين أيضاً..
ولم يكن الباب الواحد يتسع لجموع الصليبيين المتدفقة، فأسرع نائب باغي سيان، إلى فتح باب آخر خرج منه هو الآخر راكضاً ليدخل منه الصليبيون راكضين.
يقول ابن الأثير فيما تقدم من القول عن هذا الذي فتح الباب وهرب بمجرد سماعه صوت البوق: لو ثبت ساعة لهلك الفرنج…
ولكي لا نظلم باغي سيان فإننا نذكر له أنه حين بلغه توجه الصليبيين إلى أنطاكية بادر إلى اتخاذ ما يقتضيه الموقف من تدابير كان من أهمها حفر خندق حولها، حتى ليصفه ابن الأثير بأجمل الصفات من الشجاعة وجودة الرأي والحزم والاحتياط!.
وإذا أمكن أن نسلم له بهذه الصفات فإننا لا يمكن أن نستثني منها صفة الشجاعة، فالذي ينخلع قلبه بمجرد سماعه بوق الأعداء، ثم يترك البلد المودع إليه حمايته والدفاع عنه، ويتخلى حتى عن أسرته فيه، ويسرع إلى باب أنطاكية فيفتحه أمام الأعداء ويخرج منه هارباً، ليدخل منه الأعداء فاتحين، إن الذي يفعل ذلك لا تكون فيه ذرة من الشجاعة ولا من جودة الرأي ولا من الحزم ولا من الاحتياط…
على أن باغي سيان هذا الذي فرّ ناشداً السلامة لم يسلم مما فرّ منه. ونترك الصورة التي رسمها ابن الأثير لما ناله ـ نتركها كما هي لتعبر عن الموقف أحسن تعبير.
يقول ابن الأثير:
وأما باغي سيان فإنه لما طلع عليه النهار رجع إليه عقله، وكان كالولهان، فرأى نفسه وقد قطع عدة فراسخ، فقال لمن معه: أين أنا؟ فقيل: على أربعة فراسخ من أنطاكية، فندم كيف خلص سالماً ولم يقاتل حتى يزيلهم عن البلد أو يُقتل، وجعل يتلهف ويسترجع على ترك أهله وأولاده والمسلمين. فلشدة ما لحقه سقط عن فرسه مغشياً عليه، فلما سقط إلى الأرض أراد أصحابه أن يُركبوه فلم يكن فيه مُسكة، فإنه كان قد قارب الموت فتركوه وساروا عنه. واجتاز به إنسان أرمني كان يقطع الحطب، وهو بآخر رمق، فقتله وأخذ رأسه وحمله إلى الأفرنج بأنطاكية…
سقوط معرة النعمان
ان الظفر الهين الذي حققه الصليبيون في أنطاكية فتح لهم أبواب الشام بخيانة الخائنين مشجعاً لهم على الإسراع في التوغل في بلاد الشام، فكانت أول مدينة في طريقهم هي (المعرة)، وكانت أول معركة يخوضونها مع الشاميين هي معركتهم مع أهل المعرة.
وإذا كانت الجيوش التي قادها كربوقا قد أخلت ساحة المعركة للصليبيين وانهزمت منذ تراءوا لها، وبذلك وطأ الصليبيون أرض الشام بلا قتال، وتقدموا فيها دون أن يلقوا مقاومة، فوصلوا إلى مدينة المعرة سالمين غانمين، فإن المدينة الشامية وقفت في وجههم في أول الأمر الوقفة الشامية العربية التي تليق بالعرب الشاميين. فلم ترهب جموعهم التي تفوق جمعها، فحين نازلوها وحصروها، نازلتهم وردت على حصارهم بالثبات على الأسوار تقاتلهم من فوقها وتحول بينهم وبين التقدم إلى داخلها.
ويصف ابن الأثير الحال قائلاً: «وقاتلهم أهلها قتالاً شديداً، ورأى الفرنج منهم شدة ونكاية، ولقوا منهم الجد في حربهم والاجتهاد في قتالهم».
فعند ذلك عمد الصليبيون إلى تدبير يجعل رماياتهم تصل إلى حماة الأسوار، فأنشؤوا في موازاة الأسوار برجاً من الخشب صاروا يقاتلون منه، فلم يفدهم ذلك شيئاً.
وهنا وقع ما يجعلك تقف مندهشاً مذهولاً، فبعد ذاك الثبات، وبعد ذلك الجد في القتال، وبعد أن بدا أن البرج الخشبي لم يغن عن الصليبيين شيئاً، كان دخول الليل مصدر هلع لفريق من المقاتلين، فيبدو أن رؤيتهم البرج الخشبي الموازي للسور قد جعلتهم يتوهمون أنهم قد أصبحوا أمام الصليبيين وجهاً لوجه، وتخيلوا الحشود الصليبية الواقفة حيال السور فخارت عزائمهم، وتصوروا أنهم إذا تحصنوا ببعض الدور الكبار فإنها تحميهم.
وهكذا فالخائر العزيمة يصور له خوره تصورات وهمية يحاول أن يعلل بها انهزامه النفسي، فهم لم يريدوا أن يعترفوا بهزيمتهم وعارها، وإنما أوهموا أنفسهم أنهم إنما يلجؤون إلى ما يقويهم على الثبات!…
لقد نزل الخائرو العزيمة عن السور وأخلوا مكانهم ممن يرد العدو عنه، فلما رآهم غيرهم يفعلون ذلك، فعلوا فعلهم فخلا مكانهم من المدافعين.
يقول ابن الأثير: «ولم تزل تتبع طائفة منهم التي تليها في النزول حتى خلا السور»، فصعد الفرنج إليه على السلالم، فلما علوه تحير المسلمون ودخلوا دورهم فوضع الفرنج فيهم السيف ثلاثة أيام فقتلوا ما يزيد على مئة ألف وسبوا السبي الكثير، وملكوه…».
هذه رواية ابن الأثير. على أن هناك من يرى أن المعريين كانوا يأملون وصول نجدات من رضوان أمير حلب ومن جناح الدولة أمير حمص، ولكن النجدات لم تصل، بل وصلت نجدة صليبية ما أوهن عزائم المدافعين.
هذه الحملة الصليبية الضخمة التي كانت تستهدف المسلمين إذلالاً وإبادة، وتستهدف إزاحتهم من مكان هو ثالث أماكنهم المقدسة.
هذه الحملة التي كان يجب أن تقابل بالحزم والإخلاص والشجاعة، وأن يعد لمقاومتها ما يعد من تصميم على الدفاع واستماتة في القتال. كان الأمر أمامها على العكس من ذلك، فأول ما قوبلت به في أنطاكية خيانة سهلت صعود رجالها إلى الأسوار، ثم هلع وجبن من القيادة فتحت معهما الأبواب هاربة، فدخل الأعداء أنطاكية فاتحين!..
ثم تتالت المخازي: تجبّر على الأنصار ينفرهم، ثم أنانية تحول دون النصر، ثم خيانة عارمة يتعمد فيها المقاتلون الهزيمة لتخلو الساحة للفاتحين!..
ثم خور في العزائم تسقط فيه المعرة في أيديهم!…
لقد قتل الصليبيون في المعرة أكثر من مئة ألف نفس([93]) قُتلوا قتلاً ذليلاً، فلو صمدوا على الأسوار وثبتوا في القتال لما احتاج الصمود والثبات إلى هذا العدد من القتلى…
وكما فر باغي سيان تاركاً المدينة التي عهد إليه بالدفاع عنها، تاركاً إياها للفوضى والاستسلام… تاركاً إياها وتاركاً فيها أسرته للسبي والأسر… أملاً بأن ينجو بنفسه، ولكنه لم ينج فقتل قتلة الذل، كذلك فعل أهل المعرة… وكذلك كان مصيرهم.. فالذي فروا منه وقعوا فيه… وقوعاً ذليلاً…
بعد المعرة
بعد إقامة أربعين يوماً في المعرة زحفوا إلى (عَرْقة) فلم تستسلم لهم وأقاموا على حصارها أربعة أشهر فظلت صامدة، ومع أنهم استطاعوا أن ينقبوا سورها في عدة أماكن فلم يستطيعوا النفاد إليها لشدة الدفاع.
فوشيه يصف الموقف
ينسب فوشيه النصر الذي أحرزه الصليبيون على جيوش كربوقا إلى الرعب القاتل المنزل من السماء، ومن حقه أن يقول ذلك بعد أن رأى تلك الجموع الغفيرة تنهزم دون قتال. لقد انهزمت خيانة على الأرض لا رعباً منزلاً من السماء.
يقول فوشيه: «عندما رأى الأتراك صفوفهم وقد اخترقها اقتحام جيش الفرنجة برمته، بدؤوا يتدافعون إلى الأمام فرادى ليطلقوا السهام كعادتهم، ولكن الرعب القاتل المنزل من السماء ألقي في قلوبهم فأمعنوا جميعاً في الفرار كما لو أن العالم كله سقط عليهم. وطارد الفرنجة الهاربين بأسرع ما استطاعوا».
ثم يقول: «ولكن لما كانت خيول الفرنجة قليلة العدد ومنهكة من الجوع فإنهم لم يستطيعوا القبض على كثير من الكفار».
ووصفه الخيل بأنها منهكة من الجوع، يدلنا على ما كانوا عليه هم وخيولهم من الإنهاك جوعاً.
وكما قلنا من قبل فإن جيوش كربوقا قد فرت تاركة كل شيء، وهذا ما تحدث عنه فوشيه قائلاً: «ولكن خيام الأتراك بقيت مضروبة في معسكرهم ووجد فيها الفرنجة حاجيات من مختلف الأصناف، كالذهب والفضة والأردية والأثواب المختلفة والأوعية وأشياء كثيرة أخرى تركها الأتراك أو ألقوها في فزعهم وفرارهم المضطرب. وعلى سبيل المثال كان هناك خيول وحمير وبغال وجمال وعمامات فاخرة وأقواس وسهام وكنانات».
ثم يهزأ من كربوقا ناسباً ما أصابه إلى تحديه للَّه:
«فرّ كربوقا رشيقاً كالغزال، ذاك الذي طالما ذبح الفرنجة بالكلام وبالوعيد والتهديد. ولكن لماذا فر ذلك الذي ملك جيشاً عظيماً ومعه كل هؤلاء الفرسان المدججون؟ لأنه جرؤ أن يتحدى اللَّه، الرب الذي شاهد أبهة كربوقا من بُعد فدمر قوته تدميراً ساحقاً».
وعندما يتحدث عن خسائر الصليبيين يقول: «ومن ناحية أخرى فإن قليلاً من رجالنا أصيبوا بجراح».
وهذا القسيس رجل الدين لا يبالي أن يقول متباهياً: «أما النساء اللواتي وجدن في خيام العدو فإن الفرنجة لم يمسوهن بأذى».
وهنا تحسب أن هؤلاء الفرنجة بلغوا من الشهامة حداً يمنعهم من التعرض للنساء بأذى. ولكن فوشيه يتابع كلامه قائلاً: «وإنما بقروا بطونهن بالحراب».
بقر بطون النساء بالحراب ليس بأذى عند أولئك الصليبيين، وعند فوشيه!..
كربوقا يلعب الشطرنج
يصف فوشيه استهتار كربوقا بالموقف وتوهمه بقاء الصليبيين على طلبهم الاستسلام فيقول عن الصليبيين: «وهكذا خرجوا كلهم من المدينة جاهزين للمعركة. ثم تنظيم المشاة والفرسان في سرايا وفصائل تسبقها الرايات، وكان معهم الكهنة متشحين أردية بيضاء، يبكون لجميع الناس وينشدون للرب ويصبون الدعاء من أعماق أرواحهم المؤمنة. عند ذلك رآهم رجل تركي وكان فارساً مقداماً فأصابته دهشة عظيمة لمرآهم يتقدمون وراياتهم مرفوعة».
ونقول: دهش هذا الرجل دهشة عظيمة لرؤيته الرايات مرفوعة، لأن رفعها دليل التصميم على الحرب، في حين أن ما يتوهمه كربوقا الذي رفض استسلام الصليبيين وطلبهم الأمان ليفوز بمعركة هينة يدعي فيها شرف الأمجاد، أمجاد الانتصار ـ ما يتوهمه هو أنهم خرجوا مستسلمين، وهذا ما أوهم به رجاله. ومن هنا كانت دهشة الرجل لرفع الرايات التي لا ترفع إلاَّ بنية الحرب، فأسرع يخبر كربوقا بما رأى.
يقول فوشيه: «وأيقن حين رأى رايات قادتنا التي كان يعرفها تتقدم واحدة تلو الأخرى بنظام، أن المعركة لا بدّ قريبة، فأسرع إلى كربوقا يخبره بما رأى، وقال له: ما بالك تلعب الشطرنج؟. انظر فإن الفرنجة قادمون».
ولكن كربوقا العاكف في تلك الساعات المصيرية على لعب الشطرنج لم يتخيل أن الفرنج قادمون للقتال.
يقول فوشيه: «فأجاب (كربوقا) أهم قادمون للقتال؟ فأجابه: لست موقناً من ذلك حتى الآن ولكن أمهلني قليلاً».
نقول: هذا الرجل الذي كان قبل دقائق موقناً أن الفرنجة قادمون للقتال، أثّر فيه وضع كربوقا غير المبالي، فعاد مشككاً، فرجع ليتأكد.
يقول فوشيه: «عندما رأى رايات أمرائنا مرفوعة في الناحية الأخرى تتقدم بشكل حربي وتتبعها الصفوف المتراصة بانضباط عسكري سارع في العودة وقال لكربوقا: أعتقد أن المعركة واقعة، ولكن انتظر قليلاً لأني لا أميز الرايات التي أراها، وبعد التدقيق شاهد علم أسقف لابوي يتقدم في الفصيلة الثالثة، وبدون أي إبطاء قال لكربوقا: انظر لقد حضر الفرنجة، اهرب الآن أو حارب بشجاعة لأنني أرى علم البابا متقدماً، ارتجف الآن لئلا يهزمك أولئك الذين اعتقدت أنك ستبيدهم عن وجه الأرض».
نقول: لقد أدرك كربوقا أن الأمر جد كل الجد فظن أنه لا يزال مسيطراً على الموقف فقرر قبول استسلام الصليبيين ـ فقال:
«سأبعث رسولاً للفرنجة يخبرهم أنني سأمنحهم اليوم ما طلبوا مني بالأمس. فقال الرجل: لقد فات الأوان على هذا الكلام. ومع ذلك فإن كربوقا بعث الطلب ولكنه لم يحظ بما ابتغى».
أما عن تقدم الصليبيين بعد أنطاكية فيعترف فوشيه بفظائع الصليبيين بكل مباهاة. ولكنه يختلف في روايته عما رواه ابن الأثير. فابن الأثير يقول إن أول بلد احتله الصليبيون بعد أنطاكية هو: المعرة.
أما فوشيه فيقول إنهم احتلوا بعد أنطاكية مدينتي: البارة([94]) ومعرة النعمان، وأنهم احتلوا المدينة الأولى بسرعة فائقة وأفنوا مواطنيها عن بكرة أبيهم وصادروا كل ما فيها.
وفضلاً عن اعتراف فوشيه بفظائع الصليبيين وقوله بكل مباهاة بأنهم أفنوا مواطني مدينة البارة عن بكرة أبيهم، فإنه في الوقت نفسه يعترف بما كان لا يزال عليه الصليبيون من الجوع وانعدام المؤن لديهم وهم يحاصرون المعرة فيقول:
«ثم سارعوا إلى المدينة الثانية وحاصروها عشرين يوماً عانى خلالها رجالنا من الجوع الشديد. ويقشعر بدني إذ أذكر أن كثيراً من رجالنا وقد أضناهم الجوع وعذبهم إلى حدّ الجنون اقتطعوا لحم العجز من جثث الشرقيين المطروحة وطبخوه وأكلوه ملتهمين اللحم بوحشية قبل أن يتم طهيه».
من هؤلاء الجياع آكلي لحوم أعجاز الجثث الميتة، انهزمت الجيوش عند أنطاكية، وفرت جموع المعريين!..
بعد المعرة
ينقلنا ابن الأثير من المعرة إلى عرقة ـ كما رأينا ـ وبدلاً من أن يسير بنا مع الصليبيين مرحلة مرحلة إذا به يصل بنا فجأة إلى حمص، فلا نعرف منه ماذا كان قبل الوصول إلى حمص، وما أبعد ما بين عرقة وحمص..
أما فوشيه فإننا نعلم منه أن الصليبيين بعد أن عجزوا عن فتح عرقة «طووا خيامهم وبدؤوا بالرحيل» ثم حدد خطة سيرهم فيقول إنهم مروا بطرابلس، ثم بقلعة جبيل، ثم بصيدا، ثم بالصرفند، ثم بصور، ثم بما يسميه مترجم الكتاب (الزف)، وهي: الزيب، ثم بعكا، إلى أن دخلوا الرملة فبقوا فيها أربعة أيام. ومن الرملة كان تخطيط الوصول إلى القدس، فمرّوا بعمواس، ومنها انفصل مئة فارس فمروا قرب القدس وصولاً إلى بيت لحم، ثم عادوا منضمين إلى الجيش الزاحف إلى القدس الذي كان قد بدأ بحصارها.
ولنا أن نأخذ برواية فوشيه الذي كان شاهد عيان مرافقاً للحملة. واستناداً إلى هذه الرواية نرى أن الصليبيين مروا بما مروا به من مدن دون الدخول إليها، لأن محاولة دخولها تقتضي حصارها وإضاعة الوقت الطويل في هذا الحصار ما يعيق وصولهم إلى القدس، فضلاً عما يخشى من فشل الحصار كما حدث في عرقة، لذلك أرجؤوا أمرها إلى ما بعد فتح القدس. ويستثنى من ذلك مدينة الرملة التي دخلوها لأن أهلها فارين منها، فمكث فيها الصليبيون أربعة أيام تزودوا خلالها بكميات وافرة من القمح الذي تركه الأهلون الفارون، فحملوه معهم استعداداً لحصار القدس الذي قد يطول.
ونحن نرى في رواية فوشيه تناقضاً مع رواية ابن الأثير الذي يقتصر في سرده لمراحل سير الحملة بعد عرقة على هذا القول: «وساروا إلى حمص وحصروها فصالحهم صاحبها جناح الدولة، وخرجوا على طريق النواقير إلى عكا فلم يقدروا عليها».
ثم بعد أربع صفحات يذكر وصولهم إلى القدس وفتحهم لها. في حين أن فوشيه لا يذكر أبداً وصول الصليبيين إلى حمص. ثم ما جاء في رواية ابن الأثير من القفز من حمص إلى النواقير، والنواقير هي الواقعة قرب صور والمعروفة اليوم باسم (الناقورة).
وهكذا نرى النقص بارزاً في سرد ابن الأثير، وهو نقص ـ لو أردنا الاعتماد على ابن الأثير وحده ـ لضاع علينا الكثير من الحقائق.
ويمكننا استناداً إلى عدد من المصادر تحديد سير الحملة الصليبية على الشكل التالي:
في 13 كانون الثاني (يناير) سنة 1099م (17 صفر سنة 492هـ) كانت حملة صليبية بقيادة الكونت ريموند تخرج من معرة النعمان فتمر بأمارات عربية مثل كفرطاب وشيزر فتتهيبها هذه الإمارات فلا تلقى منها مقاومة، بل تضطر إلى تزويدها ببعض ما تحتاج إليه أملاً بابتعادها عن أرضها. ولما حطت الحملة رحالها على أبواب شيزر هدد أميرها بقطع الذخيرة عن الحملة فاستجابت له خوفاً من أن تغضب من ستلقاهم بعد ذلك وتثير سخطهم لا سيّما وأن طريقها طويل شاق.
وبعد هذا نراها تختار الطريق الساحلي وتتجه إلى جبلة، على أن تقصد منها إلى طرطوس فطرابلس فبيروت فصيدا فصور فعكا.
ولكن هناك من اعترض على هذه الخطة لأنها ستؤدي حتماً إلى الصدام العسكري في غير مكان، في حين أنهم في حاجة إلى الاحتفاظ بقواهم سليمة انتظاراً للمعركة الكبرى معركة القدس. فاتجهوا مباشرة إلى مصياف فكانوا حيالها في 22 كانون الثاني سنة 1099م فاتقى شرهم أميرها بموادعتهم، ومنها وصولاً إلى بعرين التي يقول ياقوت في معجم البلدان أن اسمها الصحيح (بارين) ثم إلى رفنية([95]) وهنا يختلف الأمر عما مروا به من بلاد، فإن أهل رفنية فروا من البلدة فدخلها الصليبيون فوجدوا فيها ذخيرة وافية، ورأوا أن يستريحوا فأقاموا فيها ثلاثة أيام.
ولنا هنا أن نتساءل عن سبب اختلاف تصرف سكان رفنية عن تصرف من سبقهم من سكان المدن الأخرى التي لم يفر أهلها. وليس في أيدينا ما يمكن أن نجد فيه الجواب عن تساؤلنا. وقد أتاح ـ فرار الرفنيين عن مدينتهم وخلوها من السكان ـ أتاح للصليبيين أن يستريحوا أياماً ثلاثة في بيوت المدينة التي كانت تحوي وسائل الراحة التي خلفها فيها الفارون.
ومن رفنية مضوا إلى البقيعة، فكان حال أهلها حال أهل رفنية من الفرار من مدينتهم وتخليتها للفاتحين، ويبدو أن فرار الرفنيين هو الذي روّع البقيعيين فآثروا الفرار مثلهم. وتقول بعض النصوص إن سكان البقيعة كانوا كلهم من العرب والبدو، وأنا لا أدري ما هي حدود التفرقة هنا بين العرب والبدو، ولا ما يقصد صاحب النص بالعرب الذين جعلهم مقابل البدو.
وعلى كل فإن كثرة العدو في البقيعة جعلتهم أحسن حالاً في فرارهم من الفارين من رفنية، فهؤلاء نجو بأنفسهم دون أن يستطيعوا نقل شيء معهم في حين أن ما يملكه البدو من الإبل سهل لهم حمل ما خفّ حمله وغلا ثمنه، فمضوا لاجئين إلى حصن الأكراد، فتعقبهم الصليبيون إليه وحاصروه واقتحموه.
ويبدو أن اقتحام حصن الأكراد قد بعث الرهبة في النفوس، فبعد أن كانت موادعة الصليبيين تتم عند مرورهم بالمدن، صار أصحاب المدن يستبقون وصول الصليبيين إليهم مسرعين إلى موادعتهم، فهذا جناح الدولة صاحب حمص يرسل إليهم رسله حاملة الهدايا مؤكدة الموادعة والاتفاق، وهكذا فعل غيره من أصحاب النواحي المجاورة.
وتضحكك هذه الألقاب الضخمة التي كان يطلقها هؤلاء الناس على أنفسهم: جناح الدولة، فيا لدولة هذا المستسلم أحد جناحيها!.
ومضت الحملة في تقدمها قاصدة المرور بطرابلس، وكان صاحب طرابلس يومذاك ابن عمار فكان على حذر منهم، وكان يدرك ضعف إمارته أمام قوتهم، فلا هو تحرش بهم ولا هو صانعهم.
وواصلوا السير إلى بيروت فصيدا فصور وعكا واللد والرملة. وفي الرملة توقفوا يشتورون في الخطوة القادمة، فارتأى بعضهم الزحف إلى مصر لأن في الاستيلاء عليها اطمئناناً من هجمات تباغتهم منها، ثم أن في ذلك ما يوفر لهم انطلاقاً تجارياً برياً وبحرياً دون التعرض لمخاطر الأسطول المصري.
أما الرأي الآخر فكان يرى أن لا بدّ من الزحف إلى القدس والاستقرار فيها، ثم التفكير بغيرها. وتم الأخذ بهذا الرأي وتقدموا فحاصروا القدس في 7 أيار (مايو) سنة 1099م.
الدفاع عن القدس
فوجىء افتخار الدولة حاكم القدس بمقدم هذه الجموع اللجبة، وأدرك قوتها فعمد إلى تسميم الآبار وطم القنوات، وأخرج غير المسلمين من المدينة، وعهد بحراسة الأسواق إلى جماعة من العرب والسودان. أما الصليبيون فقد قسموا أنفسهم أقساماً حتى يكون حصارهم للمدينة من جميع منافذها فلا يمكنون المسلمين من الاتصال بالخارج. وشرعوا بالهجوم على القسم الجنوبي من المدينة، وطبيعي أن تحملهم الحماسة الدينية على الاستبسال فانهارت الأسوار الأولى أمام هجماتهم العنيفة، ولكنهم قاسوا الكثير من نقص الذخيرة وقلة المياه وحرارة الجو وشدة المحصورين في دفعهم عن البلد. وأدرك الصليبيون أنهم يواجهون عدواً عنيداً ليس من السهولة قهره، فقرروا بناء آلات الحصار والقتال ونصبوا الأبراج وأسندوها إلى السور. وجرت الظروف رخاء وفق أهوائهم إذ قدم ثغر يافا في 17 حزيران (يونيو) 1099م بعض أساطيل جنوية حملت إلى المهاجمين ما هم في حاجة إليه من الذخيرة والأخشاب والعمال. ولم يكتفوا بذلك بل أرسلوا قوة من رجالهم أخذت تجوس خلال بعض النواحي التي تتوفر فيها الأخشاب. وعمل الجميع في البناء فلم يتأخر عنه الزعماء بل عملوا جنباً إلى جنب مع الحجاج والمحاربين مما شدّد عزائم الجميع وأدركوا أنهم يحاربون من أجل المسيح. وأقاموا صلاة ردت عليهم هدوءهم الروحي.
وشرع الصليبيون بهجوم شديد، ووجدوا من الحاميات الإسلامية دفاعاً أشدّ فقام المدافعون بهجوم مضاد من أجل إحراق آلات الحصار الخشبية التي نجحت في هدم أجزاء كبيرة من سور القدس، فأخذوا برميها بالسهام والأحجار، كما عمدوا إلى قذفها بجرار هشة مليئة بالنار والكبريت والقطران والزيت وكل ما يصلح أن يكون وقوداً. وأجبر المدافعون على التقهقر نحو الأسوار الداخلية بعد سقوط السور الخارجي بأيدي الصليبيين الذين نجحوا أيضاً في تسلق بعض الأسوار الداخلية، لكن المدافعين نجحوا في ردّ الصليبيين على أعقابهم.
دام القتال على القدس ستة أسابيع وتم احتلالها يوم الجمعة 23 شعبان 492هـ 15 تموز (يوليو) 1099م ومما ساعد الصليبيين على النصر أنهم رموا ناراً من الأبراج الخشبية على آلات الحرب المركبة على السور فالتهبت وزادتها الريح التهاباً وتطاير الشرر والدخان على المدافعين فاضطروا للتأخر عن الأسوار. وكان احتلال القدس بعد نحو ستة أشهر من احتلال أنطاكية.
ملامح المجتمع الصليبي
في بلاد الشام
من أهم الأحداث في تاريخ بلاد الشام هو هجمة الصليبيين عليها واحتلالهم لها زمناً دام قرنين وفي هذا المقال يتحدث الدكتور سعيد عبدالفتاح عاشور عن تلك الفترة:
المقصود بالصليبيين في المصطلح التاريخي، جموع المسيحيين الغربيين الكاثوليك الذين خرجوا من بلادهم في شتى أنحاء الغرب الأوروبي، واتخذوا الصليب شعاراً لهم، لغزو ديار الإسلام، وبخاصة في منطقة الشرق الأدنى وبلاد الشام حيث الأراضي المقدسة. ومعنى هذا أن المسيحيين الشرقيين من روم وأرمن وسريان وأقباط ونحوهم لا يدخلون في دائرة مصطلح الصليبيين، لأن هؤلاء من أهل البلاد، وليسوا وافدين عليهم من الخارج، ربطتهم بالأرض التي ينتمون إليها روابط أصيلة جذرية ترجع إلى ما قبل الإسلام، وعاش معظمهم قبل الحركة الصليبية تحت مظلة الإسلام، يتمتعون بما كفلته لهم هذه الديانة من حقوق، ويؤدون ما فرضته عليهم من واجبات.
ومن المعروف تاريخياً أن الصليبيين وصلوا أول مرة إلى بلاد الشام في أواخر القرن الحادي عشر للميلاد، أو على وجه التحديد سنة 1097م، وأن آخر البقايا الصليبية اجتثت جذورها من تلك البلاد في أواخر القرن الثالث عشر للميلاد، أو على وجه التحديد سنة 1291م. ومعنى هذا أن فترة الوجود الصليبي ببلاد الشام امتدت قرنين من الزمان، الثاني عشر والثالث عشر للميلاد.
ونحن، عندما نعالج أوضاع المجتمع الصليبي في بلاد الشام في هذه الفترة التاريخية، علينا أن نضع نصب أعيننا حقيقة تاريخية مهمة، هي أن الدول تمر بأدوار تشابه الأدوار التي تمر بها الكائنات الحية في تطورها. فالتاريخ أيام يداولها اللَّه بين الناس، ولم يُقدر لدولة عبر التاريخ أن تظل على حال واحد من الرفعة أو الحطة، وإنما هناك دورة معينة تبدأ فيها الدولة في مرحلة المولد والنشأة على درجة من الضعف والدقة، حتى تتكامل لها أسباب النضج والقوة، بكل ما يحمله ذلك من مظاهر الاستقرار والانتعاش الحضاري، وبعد ذلك تتعرض تدريجياً لضعف بعد قوة، فتبدو على أجهزتها علامات الانحلال التدريجي والخور البطيء، لتفسح الطريق أمام دولة أخرى تظهر على المسرح، لتتبوأ مكان القوة والصدارة في لعبة الأمم التي يشهدها التاريخ عبر العصور.
ونخلص من هذا إلى حقيقة مهمة، هي أننا في دراستنا للمجتمع الصليبي في بلاد الشام خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر للميلاد، علينا أن نفرق بين أوضاع ذلك المجتمع في دور المولد والنشأة ثم الاكتمال والنضج، وبين أوضاعه في دور الضعف والشيخوخة.
وسنحاول نحن في هذه الدراسة، أن نقصر كلامنا على العموميات، بمعنى الخصائص العامة التي أكسبت الوجود الصليبي في بلاد الشام طابعه المميز.
وليس هناك من شكّ في أن أوضاع المجتمع الصليبي في بلاد الشام تأثرت، إلى حدّ بعيد، بمجموعة من العوامل، منها نوعية الصليبيين الذين نزحوا من الغرب الأوروبي واختاروا الاستقرار في تلك البلاد ليعيشوا على أرضها رابطين مصيرهم ومستقبلهم بها. ومنها علاقة هذا الوليد بالوطن الأم، أي علاقة الصليبيين في بلاد الشام بأصولهم وبلادهم التي نزحوا منها في غرب أوروبا. ثم علاقة ذلك المجتمع الصليبي بالمحيط الإسلامي الكبير الذي أحاط بالكيان الصليبي من كل جانب.
أما عن الصليبيين الذين نزحوا من غرب أوروبا، فكانوا يمثلون خليطاً كبيراً من شتى أجناس الغرب الأوروبي وشعوبه، فمنهم الفرنجة، ومنهم الألمان، ومنهم الإيطاليون… وغير ذلك.
وكانوا من ناحية البناء الطبقي، يمثلون الطبقات الثلاث الرئيسية التي تألف منها المجتمع الأوروبي الغربي في ظل النظام الإقطاعي، أعني طبقة الفرسان، وطبقة رجال الدين، وطبقة العامة.
والواقع أن الفرسان الذين أسهموا في الحركة الصليبية كانوا عماد تلك الحركة، بوصفهم المحاربين الذين فتحوا البلاد، وعلى أكتافهم وقعت مسؤولية حماية الكيان الصليبي في الشرق. وعلى رأس هذه الفئة، قامت مجموعة من الأمراء، تولوا قيادة المجتمع الصليبي وتوجيه سياسته. ومعظم هؤلاء الأمراء أسهموا في الحركة الصليبية لتحقيق أطماع سياسية واسعة، وإقامة إمارات لأنفسهم في الشرق تغنيهم عمّا افتقروا إليه في الغرب. ومن أجل ذلك، حرصوا على الاستقرار في البلاد التي فتحوها، وتأسيس بيوت حاكمة فيها. أما الأمراء الغربيون الذين أسهموا في الحركة الصليبية، والذين كانت لهم إمارات وإقطاعات في الغرب الأوروبي، فإنهم ـ مثل الملوك الذين تزعموا بعض الحملات الصليبية ـ غالباً ما كانوا يفضلون العودة السريعة، إلى بلادهم في الغرب، بعدما أوفوا بقسمهم الصليبي إرضاءً للبابوية، وربما تحت تأثير ضغوط منها.
أما عن رجال الدين الكاثوليك، فكان لهم دور بارز في بناء المجتمع الصليبي ببلاد الشام. ومهما يتردد من أقوال عن الأهداف الحقيقية للحركة الصليبية، فإن هذه الحركة اتخذت مسحة دينية، قد تكون زائفة ولكن كان لها أثرها فعلاً. وحسب هذه الحركة أن البابوية هي التي دعت لها، وتعهدتها بالرعاية. وعندما خرجت الحملة الصليبية الأولى إلى الشام، رافقها مندوب يمثل البابا، يتمتع بنفوذ واسع بين صفوف الصليبيين. وبنجاح الصليبيين في الاستقرار ببلاد الشام، صار للبابوات رأي مسموع في حلّ كثير من المشاكل التي واجهت الصليبيين في مجتمعهم الجديد. هذا إلى أن زمام الكنيسة في الأرض المقدسة انتقل من أيدي رجال الدين الأرثوذكس إلى أيدي رجال الدين الكاثوليك، فنزح العديد من هؤلاء الأخيرين من غرب أوروبا لتنظيم شؤون الكنيسة والإشراف عليها، فضلاً عن رعاية المصالح الدينية للمجتمع الغربي الجديد الذي قام في الشرق.
ـ وليست العبرة بأعداد هذه الفئة من رجال الكهنوت الكاثوليك، وإنما العبرة بنفوذهم ومدى تأثيرهم على مصائر الأمور، وذلك في مجتمع قام تحت شعار الصليب، واتخذ من الدين ذريعة لبقائه. ولا يستطيع الباحث أن ينزه غالبية رجال الدين الكاثوليك في بلاد الشام على عصر الحروب الصليبية من السعي لتحقيق مكاسب خاصة شخصية، بعيدة عن الدين وروح الدين، مما أدخلهم في حلبة الصراعات المحلية بين أمراء الصليبيين بعضهم ببعض، كما سنرى فيما بعد.
وثمة حقيقة تسترعي الانتباه هي أن الكنيسة الكاثوليكية في بلاد الشام فازت في ظل الغزو الصليبي بنصيب الأسد، بمعنى أنها ربحت كثيراً من الامتيازات، ولم تضح سوى بالقليل. ذلك أنه ترتب على طرد رجال الدين الأرثوذكس من كراسيهم وكنائسهم، أن استحوذ رجال الدين الكاثوليك على كل شيء من الممتلكات والأموال. هذا فضلاً عن الهبات التي انهالت على الكنيسة الكاثوليكية ورجالها، حتى أفسدت هذه الثروة المفاجئة نفوسهم فاتصفوا بالجشع، وعاش كبارهم في جو من الترف أبعد ما يكون عن روح الدين وبساطته([96]).
وهكذا تميزت الكنائس والأديرة التي استحوذ عليها الصليبيون. أو التي أقاموها في بلاد الشام، بوفرة ثروتها واتساع أملاكها التي لم تقتصر على الأراضي المقدسة فحسب، بل ربما امتدت إلى الغرب الأوروبي. من ذلك أن دير جبل صهيون في بيت المقدس امتلك سنة 1178 حياً بأكمله في تلك المدينة المقدسة، مع تمنعه بحق فتح بوابة في أسوار المدينة. وكان لهذا الدير ممتلكات وأراضٍ وبساتين وأسواق في عسقلان ويافا ونابلس وقيسارية، وعكا وصور وأنطاكية وقيليقية. بل إن بعض الخيّرين من حجاج الصليبيين. وهبوا ذلك الدير ضياعاً وممتلكات في صقلية وإيطاليا وفرنسا([97]).
ولا شكّ في أن هذه الثروة الضخمة التي تمتعت بها الكنيسة والمؤسسات الدينية في بلاد الشام على عصر الحروب الصليبية، أثارت أحياناً حقد الأمراء والفرسان، لا سيّما وأن ممتلكات الكنيسة كانت معفاة من الضرائب، كما كان رجالها معفيين من الخدمة العسكرية، مما جعل النبلاء والفرسان يشعرون بأن الكنيسة ورجالها يتخمون على حسابهم، ويجمعون الأموال والثروات، في الوقت الذي كان الأمراء والفرسان يتحملون عبء الدفاع عن الكيان الصليبي في بلاد الشام.
وبعد الفرسان ورجال الدين، يأتي العامة الذين لا ينتمون إلى إحدى هاتين الفئتين. وغالبية هؤلاء العامة كانوا أقناناً في بلادهم، فرأوا في الحركة الصليبية فرصة للتخلص من أوضاعهم الاجتماعية السيئة والحصول على قدر أكبر من الحرية. ومع أنهم صاروا يشكلون الأكثرية العددية في المجتمع الصليبي ببلاد الشام، إلا أنه لم يكن لهم دور ملحوظ في توجيه سياسته…
ويضاف إلى هذه الفئات الثلاث، فئة رابعة من التجار الغربيين ـ وبخاصة الإيطاليين ـ الذين كان لهم دور واضح في تكييف أوضاع المجتمع الصليبي ببلاد الشام، وبخاصة في المراكز التجارية والموانىء والثغور. ذلك أن عصر الحروب الصليبية شهد في الغرب الأوروبي انفتاحاً كبيراً على الشرق وحضارته وتجارته، وتزعم الانفتاح الاقتصادي على الشرق تجار المدن الإيطالية بوجه خاص. وكان الصليبيون دائماً في حاجة إلى المعونة البحرية لتلك المدن، سواء لنقل أعداد الحجاج والصليبيين إلى الشرق أو لربط المجتمع الصليبي في الشام بأصوله في غرب أوروبا. ولذا صار للمدن الإيطالية وتجارها وجالياتها دور خطير في تكييف المجتمع الصليبي، وبخاصة في موانىء بلاد الشام.
من هذا العرض السريع، يتضح لنا أن المجتمع الصليبي في بلاد الشام تألف من نوعيات من البشر متباينة الأصول والجذور، مختلفة الأهداف والأغرض، متعددة المشارب والنزعات. وإذا كانوا جميعاً قد خرجوا إلى الشرق تحت شعار الصليب، فإن هذا الشعار لم يكن ليوحد بينهم إلاّ في ساعات الخطر، لأنه كان ستاراً ظاهرياً، يخفون وراءه أهدافهم الحقيقية ونياتهم الواقعية. فقط في بعض أوقات الخطر الجسيم، عندما يتعرضون لتهديد مخيف من جانب المسلمين، ويشعرون أن عدوهم يوشك أن يعصف بهم جميعاً نجدهم يقفون بعضهم إلى جانب بعض لدرء الخطر وحماية أنفسهم.
والواقع أن الصليبيين بالشام خاضوا خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر غمار معركتين: معركة ضد المسلمين كانت تهدأ حيناً وتثور أحياناً، ومعركة ضد بعضهم البعض قلّ أن تهدأ نارها ـ حتى في حالات الخطر الخارجي ـ بسبب المطامع الشخصية للأمراء والتنافر بين مصالح الفئات المتباينة، والعداء الموروث بين بعض الأجناس والأمم الأوروبية والذي حمله الصليبيون معهم إلى الشرق.
وكانت المشكلة الكبرى التي واجهت الصليبيين ببلاد الشام هي تناقص أعدادهم، وبخاصة أعداد الفرسان المحاربين الذين كانوا عماد المجتمع الصليبي في تلك البلاد. ذلك أن الحروب المستمرة مع المسلمين من ناحية، وطبيعة الظروف المناخية التي لم يألفوها في بلادهم الأصلية من ناحية أخرى، وانتشار بعض الأمراض والحميات بينهم من ناحية ثالثة، كانت كلها من العوامل التي أدت إلى تناقص أعدادهم وازدياد نسبة الوفيات بينهم. حقيقة أن أعداداً كبيرة من الصليبيين كانت تفد على بلاد الشام من الغرب كل عام، ولكن غالبية هؤلاء الوافدين من الحجاج المسلحين كانوا يعودون إلى بلادهم بعد الوفاء بنذورهم وزيارة الأماكن المقدسة. أما نسبة المواليد فكانت محدودة، دون نسبة الوفيات والعائدين بكثير. وغالبية هؤلاء المواليد جاءت نتيجة زواج الصليبيين الغربيين من عناصر شرقية، وبخاصة المسيحيين الشرقيين كالأرمن والسريان ونحوهم. وهذا النتاج الخليط لم تتوافر له من صفات القوة والعزيمة والثبات والحرص على التمسك بالأرض، ما توافر لغالبية الصليبيين الوافدين من الغرب. ومن الواضح أن غالبية هؤلاء الصليبيين الوافدين من الغرب لم يصطحبوا معهم نساءهم، مما أثار مشكلة اجتماعية كبرى في المجتمع الصليبي ببلاد الشام. وقد أحس الصليبيون بذلك، وبأنهم في حاجة إلى الاحتفاظ بأصولهم، حتى لا يعرضوا للذوبان جيلاً بعد جيل في محيط الشرق. لذلك دأبوا بين فينة وأخرى ـ بقدر ما سمحت به ظروفهم ـ على جلب مجموعات من النساء من غرب أوروبا، بغية تحقيق قدر من التوازن الجنسي في المحيط الصليبي ببلاد الشام. وقد أدرك المؤرخون المسلمون المعاصرون هذا الاتجاه، وأشار بعضهم إلى ذلك. ومن هؤلاء العماد الكاتب الأصفهاني، الذي يذكر في حوادث سنة 585هـ (1189م) ما نصه:
«وصلت في مركب ثلاثمائة امرأة إفرنجية مستحسنة، متحلية بشبابها وحسنها متزينة. قد اجتمعن من الجزائر، وانتدبن للجزائر، واغتربن لإسعاف الغرباء، وتأهبن لإسعاد الأشقياء… وزعمن أن هذه قربة ما فوقها قربة لا سيّما فيمن اجتمعت عنده غربة وعزبة…» ([98]).
ولا أدل على ما كان يعانيه الصليبيون من نقص في الفرسان المحاربين من أن نساءهم اشتركن أحياناً في القتال، وخضن غمار الحروب ضد المسلمين، وهو الأمر الذي عبر عنه العماد الأصفهاني بقوله:
«ومن الفرنج نساء فوارس، لهن دروع وقوانس، وكن في زي الرجال، ويبرزن في حومة القتال، ويعملن عمل أرباب الحجا وهن ربات الحجال. وكل هذا يعتقدن أنه عبادة…» ([99]) ولسدّ هذا النقص في القوى البشرية المحاربة ببلاد الشام، تحول رهبان بعض المنظمات إلى فرسان محاربين، فنشأ ما عرف باسم هيئات الرهبان الفرسان، الذين شكلوا ركناً أساسياً في بناء المجتمع الصليبي منذ النصف الأول من القرن الثاني عشر. وقد تعددت هذه الهيئات، ولكن الدور الخطير الذي قامت به هيئتا الداوية والاسبتارية جعل لهاتين الهيئتين مكان الصدارة والزعامة في نشاط الرهبان الفرسان.
وكان الهدف الأول من تأسيس هذه الهيئات، هو أن تعنى بمرضى الصليبيين وجرحاهم وتقوم برعايتهم. ولكن الأخطار التي أحاطت بالصليبيين وافتقارهم إلى السواعد التي تدافع عن كيانهم في بلاد الشام، جعل رهبان تلك الهيئات يسهمون في النهوض بذلك العبء فجمعوا بين حياة العبادة وحياة القتال، ثم غلب الطابع الحربي على نشاطهم، حتى غدت لهم اليد الطولى في الدفاع عن الصليبيين وممتلكاتهم في بلاد الشام([100])، وساعد على خطورة الدور الذي نهضوا به، أن تلك الهيئات تمتعت باستقلال ذاتي، فلم تخضع لملك الصليبيين في بيت المقدس، أو لأي أمير صليبي آخر كانت لها ممتلكات داخل إمارته، وإنما غدت تبعيتهم للبابا في روما مباشرة، مما أكسبهم حرية كبيرة في اتخاذ القرار وفي مزاولة نشاطهم. وقد تمكن فرسان هذه الهيئات من مزاولة نشاطهم الواسع، بفضل حصولهم على كثير من الإعانات والأراضي، فضلاً عن أن عدداً من كنائس بيت المقدس خصصت نسبة من دخلها لمساعدتهم، فعظمت ثرواتهم وكثرت ممتلكاتهم، وصارت لهم في بلاد الشام مدن وحصون وقلاع يمتلكونها ويتخذون منها معاقل يزاولون فيها ومنها نشاطهم الحربي الواسع ضد المسلمين، حتى جاء وقت صاروا فيه حماة الكيان الصليبي ببلاد الشام([101]). واتصفت حروبهم ضد المسلمين بالعنف والضراوة والتعصب المتطرف، لأنهم كانوا يحاربون عن عقيدة راسخة مشبعة بالكراهية ضد الإسلام والمسلمين، حتى لقد وصفهم المؤرخ ابن الأثير بأنهم «جمهرة الفرنج»([102]). واشتهر عنهم أنه ما وقع في أيديهم أسير من المسلمين إلاّ قتلوه.
ولكن يبدو أن هيئات الفرسان الرهبان استغلت استقلالها وأخذت مع مرور الوقت تتدخل فيما لا يعنيها. بل ربما اتخذت في بعض المواقف الحساسة سياسة تتعارض مع إجماع القوى الصليبية في بلاد الشام، مما جعل منها دولة داخل الدولة، وأنزل بالصليبيين أضراراً بالغة. كذلك لم يحجم بعض مقدمي هذه الهيئات من الوقوف من رجال الكنيسة بالشام موقفاً مناوئاً. لذلك يتهم بعض المؤرخين الأوروبيين المحدثين طائفتي الاسبتارية والداوية بأنهما من أسباب انهيار البناء الصليبي ببلاد الشام، نظراً لسياستهما غير الحصيفة التي قامت على الانفرادية واستقلالية القرار([103]). وقد يكون لهذا الرأي ما يبرره، ولكننا نرى أن الأسباب الحقيقية لانهيار ذلك البناء تكمن في بنية المجتمع الصليبي نفسه، فضلاً عن أن ظاهرتي الانفرادية والاستقلالية في اتخاذ القرار لم تختصا بهما الاسبتارية والداوية وحدهما، وإنما كانتا ظاهرة عامة لم يستطع أن يتجرد منها بعض كبار قادة المجتمع الصليبي في أشد الأوقات حرجاً.
وإذا كان المجتمع الصليبي في بلاد الشام قد تألف ـ كما سبق أن أشرنا ـ من تشكيلة واسعة من الجنسيات والنوعيات المتباينة الأصول، المتنافرة الأهداف والمصالح؛ فإن الفرنجة ـ أهل غاليا التي عرفت في مرحلة لاحقة باسم فرنسا ـ كانوا أكثر فئات الصليبيين ببلاد الشام عدداً. ومنذ الحملة الصليبية الأولى لوحظ أن الفرنجة كانوا أكثر إقبالاً من غيرهم على المشاركة في الحركة الصليبية. ولعل هذا هو السبب في أن لهجة الفرنجة كانت هي الغالبة على المجتمع الصليبي ببلاد الشام، كما أن تقاليدهم وعاداتهم أعطت ذلك المجتمع مسحته الخاصة المميزة. من هذا المنطلق عرف الصليبيون عند المسلمين باسم «الفرنجة» و«الفرنج»، وهو الاسم الذي استخدمته المصادر العربية المعاصرة.
أما الإيطاليون الذين تركزوا في الموانىء والثغور، فكان لا يعنيهم في المقام الأول سوى مصالحهم التجارية. وبسبب تضارب هذه المصالح، دبّ الشقاق بين مواطني المدن الإيطالية المختلفة، بحيث يمكن القول إن ما كان بين تلك المدن من صراعات في إيطاليا، انتقل في صورة أو أخرى إلى مسرح بلاد الشام. من ذلك أن الصراع بين جمهوريتي جنوا والبندقية في القرن الثالث عشر انتقل إلى بلاد الشام حيث نجح قنصل البندقية في عكا في استقطاب بعض القوى الصليبية ضد الجنوية. ومن هذه القوى البيازنة وأمير أرسوف الصليبي وأمير يافا، فضلاً عن طائفة فرسان التيوثون وفرسان الداوية، في حين وقف فرسان الاسبتارية إلى جانب الجنوية. وهكذا قامت حرب أهلية بين الصليبيين بعضهم وبعض في أواسط القرن الثالث عشر، شاركت فيها الأساطيل البحرية للقوى الإيطالية، فدارت معركة رهيبة في البحر أمام عكا سنة 1258 انتهت بهزيمة الجنوية الذين اضطروا إلى الجلاء عن عكا والنزوح إلى صور لاتخاذها مركزاً لنشاطهم التجاري. هذا وإن كانت أعمال القرصنة التي مارسها كل طرف ضد الطرف الآخر قد استمرت، حتى تمّ طرد آخر البقايا الصليبية من بلاد الشام بعد ذلك بنحو ثلث قرن([104]).
ومن ناحية أخرى، فإن الصليبيين عندما أتوا من الغرب واستقروا في بلاد الشام، نقلوا معهم ملامح النظام الإقطاعي الذي عرفه الغرب الأوروبي في تلك الحقبة من العصور الوسطى. ومع تطبيق هذا النظام في بلاد الشام صار البناء الطبقي للصليبيين بالشام هو البناء نفسه الذي عرفه الغرب الأوروبي عندئذ، بمعنى وجود ملك على رأس الهرم الإقطاعي، يليه عدد من كبار الأمراء يُفترض فيهم أن يكونوا أفصالاً لذلك الملك، ولكل أمير كبير عدد من صغار الأمراء يتبعونه، ثم يتبع كل واحد من هؤلاء الآخرين مجموعة من الفرسان المحاربين. ويتمتع كل فرد في هذا الهرم بإقطاع تتوقف قيمته ومساحته على درجته في البناء الإقطاعي، فقد يكون الإقطاع قرية كاملة بزمامها، وقد يكون أكبر أو أصغر من ذلك. كل ما في الأمر هو أن ملك بيت المقدس لم تكن له سيادة كاملة على كبار الأمراء الصليبيين بالشرق ـ وهم أصحاب الرها وأنطاكية وطرابلس ـ وإنما تمتع فقط بنوع من الأولوية عليهم. ذلك أن طبيعة قيام هذه الوحدات في الشرق الأدنى ـ عندما غزا الصليبيون المنطقة لأول مرة ـ جعلت هؤلاء الأمراء الكبار أقرب إلى أن يكونوا أنداداً لحاكم بيت المقدس منهم أن يكونوا أفصالاً له([105]).
أما عن مملكة بيت المقدس نفسها، فكان على رأسها الملك، وتتألف ممتلكاته الخاصة (الدومين) من ثلاث مدن رئيسية هي: بيت المقدس وعكا ونابلس، ثم أضيفت إليها الداروم (دير البلح) بعد ذلك. وكان يلي الملك في الهرم الإقطاعي داخل المملكة أربعة من كبار الأمراء ـ أشبه بالدوقات في غرب أوروبا ـ هم أمراء يافا والجليل وصيدا وشرق الأردن. ولكل واحد من هؤلاء الأمراء الأربعة الكبار موظفوه وإدارته ـ أشبه بالملك ـ ولكن على نطاق أصغر. وبعد ذلك يأتي في سلّم الهرم الإقطاعي عدد من الأمراء، كانوا أفصالاً للأمراء الكبار السابق ذكرهم، عددهم حوالي اثني عشر أميراً أهمهم أمير قيسارية وأمير تبنين. وكان على كل فصل أن يؤدي الخدمة العسكرية لسيده الإقطاعي المباشر، مثلما كان متبعاً في الغرب الأوروبي؛ مع فارق أساسي هو أن الخدمة العسكرية في بلاد الشام لم تكن محدودة بعدد معين من الأيام في السنة، نظراً لطبيعة الوجود الصليبي في تلك البلاد، واضطرار الصليبيين إلى الدخول في حروب طويلة مع المسلمين دفاعاً عن كيانهم([106]).
والغالب أن إقطاع الأمير كان وحدة متماسكة من الأرض، مدينة وأعمالها، أو حصن ومتعلقاته، أو عدة قرى متجاورة. ولكن بالنسبة للفرسان ـ وربما بعض صغار الأمراء ـ كان الإقطاع في كثير من الحالات نقداً وليس عيناً، بمعنى أن الفصل أو المقطع لا يتسلم إقطاعه من سيده في صورة أرض، وإنما في سورة مرتب تدره جهة من الجهات ذات الإيراد الثابت. وفي حالات كثيرة، كانت هذه الإقطاعات النقدية للفرسان وصغار الأمراء لا تكفيهم، فلجؤوا إلى السلب والنهب وقطع الطريق على قوافل المسلمين أو الإغارة على ضياعهم القريبة، فضلاً عن سلب الرعاة والبدو ماشيتهم وأغنامهم. هذا إلى أن طبيعة الوجود الصليبي في بلاد الشام ـ وهو الوجود الذي اعتمد على توسع الصليبيين على حساب أهل البلاد الأصليين ـ أدت إلى أن يستولي المحارب على الأرض التي يتسنى له انتزاعها من المسلمين.
وقد سمح للإناث بوراثة الإقطاع في حالة عدم وجود أبناء ذكور لصاحب الإقطاع، مما جعل كثيرين من الأمراء المفلسين القادمين من الغرب يبحثون لأنفسهم بين صفوف الصليبيين في بلاد الشام عن أميرة وريثة إقطاع للزواج منها. وأبرز الأمثلة لدينا عن هذا النوع من الزواج، زواج أرناط من الأميرة كونستانس الوصية على إمارة أنطاكية، ثم زواجه بعد ذلك من وريثة إقطاع الكرك وشرق الأردن. وكذلك زواج جاي لوزجنان من الأميرة سيبل أخت بلدوين الرابع ملك بيت لمقدس وصاحبة صور. وبينما كان الإقطاع في غرب أوروبا لا يقسم بين الأبناء وإنما يستأثر به الابن الأكبر، إذا بالوضع يختلف في بلاد الشام، حيث اشتدت الحاجة إلى جهود أكبر عدد من المحاربين، فكان الإقطاع يقسم بين الأبناء، مما أدى إلى تفتيت الإقطاعات الكبيرة.
ومهما يكن من أمر، فإن النظام الإقطاعي كان من السمات الأساسية للمجتمع الصليبي في بلاد الشام. وكان الإقطاعيون من كبار الأمراء وصغارهم وحتى الفرسان، يشكلون الارستقراطية السائدة في ذلك المجتمع. ولا يخفى علينا أن المجتمع الصليبي في الشام هو في أساسه مجتمع حربي، اعتمد على القتال في الحفاظ على وجوده من ناحية، وفي التوسع على حساب الغير من ناحية أخرى. لذلك كان للمحاربين الشجعان المكانة الأولى في ذلك المجتمع. وقد أدرك المسلمون المعاصرون هذه الحقيقة، فقال أسامة بن منقذ:
«والإفرنج ـ خذلهم اللَّه ـ ما فيهم فضيلة من فضائل الناس سوى الشجاعة، ولا عندهم تقدمة ولا منزلة عالية إلا للفرسان، ولا عندهم ناس إلا الفرسان، فهم أصحاب الرأي، وهم أصحاب القضاء والحكم…» ([107]).
أما البورجوازيون من أرباب التجارة والصناعة الذين اكتظت بهم موانىء الصليبيين بالشام، فرغم ما حققوه من ثروت ضخمة، لم يكن لهم نفوذ في شؤون الحكم أو توجيه دفة الأمور في المجتمع الصليبي. ومنذ الحملة الصليبية الأولى وافقت المدن التجارية وبخاصة في إيطاليا ـ ذات الأساطيل البحرية ـ عن تقديم السفن اللازمة والمعونة البحرية للصليبيين، وذلك لتمكينهم من حصار موانىء الشام والاستيلاء عليها. وكان الثمن الذي اشترطته تلك المدن هو أن يكون لتلك المدن أحياء خاصة بها في كل ثغر أو ميناء يتم الاستيلاء عليه بمعونتها. وربما نص الاتفاق على أن يكون ذلك الحي ثلث الميناء أو المدينة، مما شكل ركائز لتجار الغرب في مدن الشام، يتخذونها أسواقاً ومخازن ومحطات كبرى لهم في تلك البلاد. ولم تقتصر هذه الركائز على الموانىء فحسب، وإنما سرعان ما امتدت إلى المدن الداخلية ذات الأهمية الاقتصادية بحكم موقعها على طرق التجارة أو بحكم مكانتها الدينية، وتدفق الحجاج المسيحيين عليها. وهكذا اكتظت مدن الشام التي سيطر عليها الصليبيون، مثل أنطاكية وطرابلس وعكا وصور وصيدا على الساحل، ومثل بيت المقدس وطبرية والناصرة في الداخل، بأعداد كبيرة من البورجوازيين الذين مارسوا نشاطاً اقتصادياً واسع النطاق، واكتسبوا نفوذاً في المجتمع الصليبي يتناسب مع ما حققوه من ثروات. ولا شكّ في أن الثراء الذي أصابه أهل هذه الفئة جعلهم يحاكون الطبقة الارستقراطية من النبلاء في بناء القصور التي جمعت بين الطرازين الشرقي والقوطي الغربي، وحصروا على تنميقها بالأعمدة ذات التيجان المزخرفة الجميلة وكسوة أراضيها بالرخام وجدرانه بالفسيفساء وتزويدها بأنابيب المياه الجارية، وعمل النوافير في أحواشها وساحاتها. أما النساء فقد تحلين بالحلى الثمينة، وارتدين الملابس الحريرية الفضفاضة التي تتناسب وطبيعة الجو والبيئة الجديدة([108]).
على أنه من الملاحظ أن نشاط هذا الطبقة البورجوازية في المجتمع الصليبي لم يأت مصحوباً في بلاد الشام بمطالبة بعض المدن ذات النشاط التجاري بالحصول على استقلال سياسي أو اقتصادي، مثلما حدث في نشأة القومونات ـ وهي المدن المستقلة ـ في الغرب الأوروبي. ذلك أن طبيعة الوجود الصليبي في الشام ـ وسط محيط أسلامي كبير ـ تطلب قدراً خاصاً من الحماية، مما جعل البورجوازيين في مدن الشام الصليبية يقنعون بقدر من الاستقلال الاقتصادي في ظل الخضوع لطبقة الفرسان المحاربين، لأن في هذا سلامتهم وأمنهم وبقاءهم. كل ما في الأمر هو أن أهالي هذه المدن من الصليبيين تمتعوا بقدر معقول من الحرية في ممارسة نشاطهم الاقتصادي والاجتماعي، وهي حرية تتفق مع طبيعة نشاطهم من جهة، وطبيعة الحياة في المدينة من جهة أخرى، حتى قيل: «إن جو المدينة يخلق الحرية»([109]).
أما عن وضع طبقة المزارعين في هيكل البناء الاجتماعي للصليبيين في بلاد الشام، فإن وجود هذه الطبقة يرتبط بحقيقتين أساسيتين: الأولى هي أن الصليبيين استولوا على كثير من الأراضي الزراعية، في بلاد الشام، واغتصبوها من أصحابها بما اعتبروه حق الفتح. ولكنهم في كثير من الحالات تركوا أصحاب الأرض من المسلمين وغيرهم يباشرون فلاحتها بشرط تقديم نسبة معينة من المحاصيل والأموال للسادة الجدد الذين صاروا ملاك الأرض. ويبدو أن المزارعين المسلمين قنعوا بذلك الوضع، واعتبروه حلاً مرضياً، بدليل ما ذكره الرحالة ابن جبير ـ الذي عبر بلاد الشام أيام صلاح الدين ـ من أنه في طريقه إلى عكا مرّ بعديد من الضياع:
«سكانها كلها مسلمون، وهم مع الإفرنج على حال ترفيه ـ نعوذ باللَّه من الفتنة ـ وذلك أنهم يؤدون لهم نصف الغلة عند أوان ضمها، وجزية على كل رأس دينار وخمسة قراريط، ولا يتعرضونهم في غير ذلك. ولهم على ثمر الشجر ضريبة خفيفة يؤدونها أيضاً. وجميع أحوالهم متروكة لهم. وكل ما بأيدي الإفرنج من المدن بساحل الشام على هذه السبيل…».
كذلك يروي ابن جبير أنه نزل في ضيعة من ضياع عكا عليها رئيس من المسلمين، عينه الصليبيون من قبلهم ليدير شؤونها ويشرف على العاملين فيها من المسلمين.
أما الحقيقة الثانية، فهي أن نسبة كبيرة من الفلاحين والمزارعين في غرب أوروبا وجدوا في الحركة الصليبية متنفساً وباباً يخرجون منه إلى حياة جديدة في الشرق، أكثر حرية وانطلاقاً. ومعظم هؤلاء الفلاحين كانوا يعيشون في الغرب الأوروبي أقناناً مرتبطين بالأرض، لا هم أحرار ولا هم رقيق وإنما بين هذا وذاك، يقضون حياتهم في ظروف اجتماعية واقتصادية بالغة السوء. فلما ظهرت الدعوة للحملة الصليبية الأولى، أعلنت الألوف الوفيرة من هؤلاء المزارعين رغبتهم في خدمة الصليب والمشاركة في تحرير الأرض المقدسة، وعندئذ لم يستطع سادتهم الإقطاعيون منعهم، مما أدى إلى نزوح أعداد غفيرة منهم إلى الشرق. على أنه يبدو أن نسبة كبيرة من هؤلاء المزارعين الأوروبيين لم يعملوا في بلاد الشام بالفلاحة، وإنما تركوا ذلك لأبناء البلاد الأصليين بحكم درايتهم بطبيعة البيئة وظروفها، فضلاً عن أن أساليب الزراعة في الشام اختلفت عمّا كان معروفاً في الغرب الأوروبي.
ومع ذلك، فالغالب على المزارع الخاصة بالهيئات الدينية المسيحية أنه كان يفلحها مزارعون من الفرنج. وهناك إشارات في المصادر الصليبية المعاصرة إلى دور المزارعين الصليبيين في فلاحة بعض الضياع الخاصة بالصليبيين في بلاد الشام([110]). كذلك يشير ابن القلانسي إلى أنه عندما نزل بعض أمراء الصليبيين على عرقة سنة 502هـ (1108م) فإنه «وجد بعض الإفرنج في زرعها»([111]).
أما عن الأوضاع الحضارية للمجتمع الصليبي ببلاد الشام، فقد اتصفت بالتخلف إذا قورنت بالمستوى الحضاري للمسلمين. ومن المعروف أن الشطر الأول من العصور الوسطى ـ بين نهاية القرن الخامس ونهاية القرن العاشر للميلاد ـ يطلق عليه في تاريخ العرب الأوروبي اسم العصور المظلمة Dark Ages نظراً لما عمّ غرب أوروبا في تلك الفترة من ظلمة حضارية موحشة نتيجة لسقوط الامبراطورية الرومانية في الغرب، واشتداد تيار غزوات البرابرة من جرمان وغير جرمان، مما أدى إلى ذبول المدن واندثار كثير منها. وزاد الطين بلة أن الكنيسة الغربية ورجالها لم يبذلوا جهداً واضحاً لتبديد تلك العجاجة القاتمة التي ألمت بالغرب الأوروبي، وإنما اتصف سلوك رجال الدين بالجمود والتزمّت والجهل، مما أوصل الحضارة الأوروبية عندئذ إلى الحضيض.
وفي تلك المرحلة، كانت الحضارة الإسلامية، قد بلغت أوج مجدها في القرنين التاسع والعاشر للميلاد (الثالث والرابع للهجرة)، بعد أن حقق المسلمون من المنجزات ما جعل حضارتهم أسمى حضارة عرفها العالم أجمع في العصور الوسطى، وذلك باعتراف جمهرة الباحثين الغربيين. ولم يقتصر الأمر على ما حققه المسلمون من تقدم في ميادين الآداب والعلوم والفنون، وإنما بلغت الحياة الاجتماعية والحياة الاقتصادية عندهم درجة فريدة من الرقي واتساع الأفق([112]).
وكانت النتيجة أنه بوصول الصليبيين إلى الشام في أواخر القرن الحادي عشر، واستقرارهم وسط ذلك المحيط الإسلامي الكبير، ظهر التباين واضحاً بين مجتمعين متواكبين، أحدهما غربي مسيحي يتصف بالجمود والتخلف وضيق الأفق، والآخر شرقي إسلامي يتسم بالتحرر والانفتاح والتسامح والتقدم الحضاري. وقد استرعى تدني أوضاع الصليبيين الحضارية والاجتماعية أنظار المسلمين المعاصرين في بلاد الشام، فعابوا عليهم تخلفهم، وتندروا بجهلهم وخشونتهم، وكتبوا في ذلك عبارات تستحق منّا وقفة قصيرة عابرة.
من ذلك ما ذكره أسامة بن منقذ ـ في القرن الثاني عشر للميلاد من ملاحظات شخصية على الصليبيين ومجتمعهم في الشام، إذ وصف الفرنج بأنهم «لا عقل لهم». وتندّر بانحطاط مستوى الطب عندهم، وكيف أن أطباءهم يعالجون المرضى بأساليب بدائية تعتمد على الشعوذة في الوقت الذي كان أطباء المسلمين يجرون الفحوص على مرضاهم، ويفصحون النبض، ويعاينون حالة البول، ويقفون على السيرة الذاتية للمريض… قبل أن يصفوا الغذاء والدواء المناسبين له. كذلك يعيب أسامة بن منقذ عليهم أنهم «ليس عندهم شيء من النخوة والغيرة» فيصادف الرجل وامرأته صديقاً لهما في الطريق، وعندئذٍ يترك الرجل امرأته مع الصديق يتبادلان الحديث، والزوج يتنحى بعيداً «ينتظر فراغهما من الحديث!!». ويشير أسامة بن منقذ إلى مدى إعجاب الفرنج بالحمامات التي رأوها في المدن الإسلامية، والتي لم يكن لهم عهد بها… إلى غير ذلك من الملاحظات التي تلقي أضواء على الفارق الحضاري الكبير بين المجتمعين الإسلامي والصليبي في بلاد الشام([113]).
لذلك، لا عجب إذا أقبل الصليبيون في نهم على حضارة المسلمين، ينهلون منها ويحاكونها، حتى اعتبر المؤرخون في بلاد الشام في عصر الحروب الصليبية معبراً من المعابر الأساسية التي عبرت عليها الحضارة الإسلامية، إلى الغرب الأوروبي، بالإضافة إلى الأندلس وصقلية. وقد أبدى بعض الكتاب والمؤرخين الصليبيين المعاصرين أسفهم لأن مواطنيهم الذين نزحوا إلى الشام تناسوا أصولهم وجذورهم، وابتعدوا عن تقاليد الأجداد وعادات الآباء، واستبدلوا كل ذلك بأوضاع شرقية جديدة، من ذلك أن فولشر ـ وهو معاصر ـ يتعجب من أن الصليبي الذي نزح من ريمز أو شارتر تخلى عن أصوله ولم يعد يذكر إلا أنه من أهل طبرية أو صور([114]).
وفي الطعام تأثر الصليبيون في بلاد الشام بالأوضاع التي لمسوها في الشرق، فعرفوا العديد من أنواع الأطعمة التي لم يكن لهم عهد بها، واستخدموا الأواني الخزفية والزجاجية المزخرفة والمطلية بالمينا، مما أنتجته مصانع صور وغيرها من مدن الشام العريقة وذات الشهرة في هذه الصناعات. بل لقد حاكوا المسلمين في كثير من تقاليدهم المتبعة في الطعام والشراب، فحرم بعضهم أكل لحم الخنزير تشبهاً بالمسلمين. وهؤلاء هم الذين قال عنهم أسامة بن منقذ «ومن الإفرنج قوم قد تبلّدوا وعاشروا المسلمين». ويروي أسامة أنه حضر وليمة عند فارس صليبي «فأحضر مائدة حسنة وطعاماً في غاية النظافة والجودة. ورآني متوقفاً عن الأكل فقال: كل طيب النفس، فأنا من آكل من طعام الإفرنج. ولي طباخات مصريات ما آكل إلا من طبيخهن، ولا يدخل داري لحم الخنزير!!» ([115]).
كذلك عرف الصليبيون بالشام لعبة الشطرنج من المسلمين، ودأب بعض فرسانهم على قضاء ساعات طويلة في التلهي بها([116]).
يضاف إلى هذا أنه كانت للصليبيين أفراحهم الصاخبة التي حاكوا فيها ما كان يجري في المجتمع الإسلامي. وقد وصف الرحالة ابن جبير زفاف عروس صليبية في صور:
«فاحتفل لذلك جميع النصارى رجالاً ونساء، واصطفوا سماطين عند باب العروس المهداة، والبوقات تضرب المزامير وجميع الآلات اللهوية، حتى خرجت تتهادى بين رجلين يمسكانها من يمين وشمال، كأنهما ذوي أرحامها؛ وهي في أبهى زيّ وأفخر لباس، تسحب أذيال الحرير المذهّب سحباً على الهيئة المعهودة في لباسهم، وعلى رأسها عصبة ذهب، وقد حُفت بشبكة ذهب منسوجة وعلى لبّتها مثل ذلك منتظم، وهي رافلة في حليها وحللها، تمشي فتراً في فتر، مشي الحمامة أو سير الغمامة، نعوذ باللَّه من فتنة المناظر. وأمامها جلّة رجالها من النصارى، في أفخر ملابسهم البهية، تسحب أذيالها خلفهم، ووراءها أكفاؤها ونظراؤها من النصرانيات يتهادين في أنفس الملابس، ويرفلن في أرفل الحلي. والآلات اللهوية قد تقدمتهم… فساروا بها حتى أدخلوها دار بعلها؛ وأقاموا في يومهم ذلك وليمة…» ([117]).
ويفهم من هذا أنه من الخطأ أن يتصور البعض المجتمع الصليبي في بلاد الشام في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وكأنه لم يعرف سوى حياة الحرب والقتال، وأن أفراد هذا المجتمع عاشوا في عداء دائم مع المجتمع الإسلامي الذي أحاط بهم. ذلك أن الطبيعة البشرية فرضت على الطرفين أن يتقاتلوا حيناً ويتهادنوا أحياناً. وفي أوقات الهدن، كان يتم الاتصال الحضاري بين الطرفين على نطاق واسع، بل لقد كان يحدث أحياناً أن يطول أجل المعركة، فيتوقف القتال بعض الوقت وتتم اتصالات سلمية بين الفريقين لفترة قد تطول أو تقصر ثم يعاودان القتال. من ذلك ما يذكره المؤرخ المعاصر أبو شامة من أنه عندما طال القتال بين المسلمين والصليبيين أمام عكا سنة 1189، فإن «الطائفتين كانتا تتحدثان وتتركان القتال، وربما غنّى البعض ورقص البعض لطول المعاشرة، ثم يرجعون إلى القتال بعد ساعة!!» ([118]). كذلك أشار المؤرخ ابن واصل إلى ما حدث من تآلف بين المسلمين والصليبيين أثناء تلك المعركة الطويلة أمام عكا، فقال: «وأنس السلمون بالفرنج بطول المدة، بحيث كانوا يتركون القتال ويتحدثون، وربما غنّى بعضهم لبعض، ثم يعاودون القتال بعد ساعة!!» ([119]). ولم يقتصر الأمر على التفاهم والألفة بين الكبار، بل تعداه إلى الصغار، فصار صبيان المسلمين يخرجون لمصارعة صبيان الصليبيين. واستطاع أحد الصبيان المسلمين أن يضرب صبياً من الصليبيين ويأسره، فاسترده الصليبيون بدينارين «وقالوا له: هو أسيرك حقاً… فخذ الدينارين وأطلقه»([120]).
وهكذا استمرت المعاملات الاجتماعية والاقتصادية بين المسلمين والصليبيين في بلاد الشام في الوقت الذي احتدم القتال بين الطرفين. وفي ذلك يقول الرحالة المعاصر ابن جبير ـ وهو شاهد عيان ـ:
«ومن أعجب ما يُحدث به أن نيران الفتنة تشتعل بين الفئتين، مسلمين ونصارى، وربما يلتقي الجمعان ويقع المصاف بينهم، ورفاق المسلمين والنصارى تختلف بينهم دون اعتراض عليهم».
وفي الوقت الذي نازل صلاح الدين حصن الكرك ليعاقب أميره أرناط لغدره بالمسلمين، كان «اختلاف القوافل من مصر إلى دمشق على بلاد الإفرنج غير منقطع»!! بل إن ابن جبير نفسه رحل من دمشق الإسلامية إلى عكا الصليبية «في قافلة كبيرة من التجار المسافرين بالسلع إلى عكة!!». ومن عكا أراد ابن جبير أن يعود أدراجه إلى موطنه بالأندلس، فأبحر في سفينة تجارية للصليبيين، والتمس «ركوب البحر مع تجار النصارى، وفي مراكبهم المعدة لسفر الخريف المعروف عندهم بالصليبية». ولم يستطع ابن جبير أن يخفي دهشته لهذه الاتصالات التي كانت تتم بين المسلمين والصليبيين بالشام، فاعتبر أن «من أعجب ما يحدّث به في الدنيا أن قوافل المسلمين تخرج إلى بلاد الفرنج وسبيهم يدخل إلى بلاد المسلمين…!!».
ولعلنا في ضوء هذه الاتصالات نستطيع أن نتصور الكثير من ملامح التطور الذي ألمّ بالمجتمع الصليبي في بلاد الشام. ومع ذلك، فقد احتفظ الصليبيون بكثير من عاداتهم وتقاليدهم التي تتفق وأصولهم الغربية، لأنه من الصعب أن يكون التحول الاجتماعي تاماً وشاملاً في تلك الفترة التاريخية المحدودة. وربما كان أقرب إلى الصواب أن نقرر أن المجتمع الصليبي في بلاد الشام كان مجتمعاً مصطنعاً. فطبيعة البلاد وأهلها ومناخها العام… كانت كلها بعيدة عن طبيعة الغرب الأوروبي الذي نزح منه الصليبيون. وربما وجد بعضهم في ذلك التباين والاختلاف قدراً من الطرافة المحببة إلى نفسه، ولكنه حتى هذا الفريق ظل يعيش في بلاد الشام أشبه بالشجرة التي غرست في غير بيئتها.
وربما كان للظروف التي عاش فيها الصليبيون بالشام أثرها في تشكيل أخلاقهم، فضلاً عن انتشار بعض الأمراض الخلقية بينهم. فالصليبي اتصف غالباً بالعنف والجشع والتشكك فيمن حوله، والإمعان في الاستمتاع بما تيسر له من ملاذ الحياة. ومن ناحية أخرى، فإن مجيء معظم الصليبيين دون نسائهم وأولادهم ساعد على انتشار الشذوذ الجنسي بين صفوفهم([121]).
ويتضح من دراسة أوضاع المجتمع الصليبي في بلاد الشام، أن المرأة الصلبية نهضت بدور كبير في تكييف الحياتين الاجتماعية والسياسية، فمن الناحية الاجتماعية، كان للمرأة دور بارز في الاحتفالات الخاصة والعامة، فضلاً عن الأعياد الدينية وغير الدينية. وقد حرصت المرأة الصليبية في بلاد الشام على إظهار حسنها وجمالها، وحاكت النساء الشرقيات في ارتداء الملابس الحريرية المسبلة، وفي طلاء وجهها بالمساحيق، وتكحيل عينيها، وصبغ كفيها وكعبيها بالحناء كما عرفت التردد على الحمامات الخاصة بالنساء حيث تقوم البلانة بتحفيفهن وتمشيطهن([122]).
أما في الحياة السياسية، فإن المرأة الصليبية أسهمت أيضاً إسهاماً كبيراً في تكييف العلاقات بين القوى الصليبية بعضها وبعض، بل أحياناً في تكييف العلاقات بين الصليبيين والمسلمين، أو بين الصليبيين والبيزنطيين. ونعني بالمرأة الصليبية هنا نساء طبقة النبلاء والفرسان، اللائي ـ مع قلة عددهن كما سبق أن أشرنا ـ قمن بدور في الحياة العامة يسترعي الانتباه. ولدينا أمثلة عديدة لما كان سبق أن أشرنا ـ ولدينا أمثلة عديدة لما كان يحدث أحياناً في بلاط مملكة بيت المقدس، أو في إمارتي أنطاكية وطرابلس من تدخل النساء بشكل مباشر في شؤون الحكم والحرب والسياسة.
من ذلك ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ أن فولك الأنجوي ـ ثالث ملوك مملكة بيت المقدس الصليبية (1131 ـ 1144) كان يكبر بكثير زوجته ميلزاند، فلم يجد وسيلة لاسترضاء زوجته الشابة سوى إطلاق يدها في شؤون الدولة([123]). وكان ذلك في مرحلة حرجة، أخذت تتجمع فيها بوادر تكوين الجبهة الإسلامية المتحدة، نتيجة لجهود عماد الدين زنكي أتابك الموصل الذي نجح في الاستيلاء على الرها ـ أولى الإمارات التي أسسها الصليبيون في الشرق ـ سنة 1144. ثم أنّ نفوذ ميلزاند لم يقتصر على مملكة بيت المقدس، وإنما امتد إلى إمارة أنطاكية، حيث كانت أختها الأميرة أليس تسعى هي الأخرى للسيطرة على شؤون الإمارة، مستغلة وصايتها على ابنتها القاصر، فأخذت توزع الإقطاعات والمناصب على أنصارها ومؤيديها([124]). ولم تتردد الأميرة أليس من أجل إشباع شهوة الحكم في الاتصال بأعداء الصليبيين، فاتصلت بعماد الدين زنكي حيناً وبالامبراطور البيزنطي حنا الثاني كومنين، أحياناً.
وعندما توفي فولك ملك بيت المقدس، قامت الملكة ميلزاند بالوصاية على ابنها القاصر بلدوين الثالث، فتحكمت في توجيه سياسة المملكة توجيهاً خاطئاً، ولم توفق في الاستفادة من حملة لويس السابع الذي وصل إلى الشام سنة 1148. بل إن ميلزاند لم تشأ أن تتخلى عن السلطة عندما بلغ ابنها سن الرشد، وأصرت على أن تتوج معه ليستمر زمام الأمور في يدها([125]).
وفي فجر موقعة حطين، كان للمرأة الصليبية دور خطير في توجيه الأمور مما أسهم في إنزال الهزيمة بالصليبيين. من ذلك أن أمير أنطاكية كان قد تزوج سنة 1183 ـ قبل حطين بثلاث سنين ـ من امرأة اسمها سيبل، الأمر الذي عارضته الكنيسة لأن الأمير كان متزوجاً من قبل، مما عرّضه لتهمة الجمع بين أكثر من زوجة وفي وقت واحد. وكان أن عبرت سيبل عن نقمتها على الكنيسة والرأي العام المسيحي بالاتصال سراً بصلاح الدين، فصارت تراسله «وتهاديه وتعلمه كثيراً من الأحوال التي يؤثر علمها»([126]). أما صلاح الدين، فقد أخذ من جهته «يكرمها لذلك ويهدي إليها أنفس الهدايا!!».
ومرة أخرى نؤكد أننا عند كلامنا عن دور المرأة في المجتمع الصليبي في بلاد الشام، فإنما نعني نساء الطبقة الأرستقراطية من النبلاء والفرسان. ذلك أن هذه الطبقة هي التي كان بأيديها زمام الأمور في ذلك المجتمع، في حين أن البورجوازيين والعامة لم يكن لهم رأي فيما يجري حولهم من أمور، وبالتالي لم يكن لنسائهم دور في الحياة العامة.
أما رجال الكنيسة والدين فكانوا عزاباً، لأن الكنيسة الكاثوليكية الغربية حبذت دائماً مبدأ عدم زواج رجالها، أشبه بالرهبان والديريين.
ومع ذلك، فإن رجال الدين كان لهم دورهم الكبير في توجيه الأحداث في المجتمع الصليبي ببلاد الشام. ذلك أن دورهم لم يقتصر على الوفاء بالمطالب الدينية للمجتمع والنهوض بشعائر الدين، وإنما تعدى ذلك إلى التدخل في شؤون الحكم والسياسة والحرب. وبالإضافة إلى ما سبق أن أشرنا إليه من قيام جماعات الفرسان الرهبان ـ وبخاصة الاسبتارية والداوية ـ بدور بارز في مقاتلة المسلمين وحراسة العديد من قلاع الصليبيين وحصونهم، فإن كبار رجال الدين أنفسهم كانت لهم طموحاتهم ومطامعهم ما جعل لهم دوراً في شؤون الحكم والسياسة. ومنذ وقت مبكر، نسمع أن أدهمار مندوب البابا المرافق للحملة الصليبية الأولى، كان له رأي مسموع في توجيه تلك الحملة، حتى كانت وفاته سنة 1098 عند أنطاكية، قبل أن يزحف الصليبيون على بيت المقدس. ولو كان أدهمار حياً عندما سقطت بيت المقدس في قبضة الصليبيين، لقامت في تلك المدينة حكومة ثيوقراطية تتزعمها الكنيسة، ولكن عدم وجود شخصية قوية، بين رجال الدين الكاثوليك عندئذ، مع إحساس الصليبيين بضرورة وجود قيادة حربية علمانية للدفاع عن تلك المدينة المقدسة، جعل زمام الحكم ينتقل إلى الأمير غودفري دي بوايون سنة 1099([127]).
ولكن الأمير غودفري لم يلبث أن توفي في العام التالي، وعندئذ تطلع بطرق بيت المقدس ـ دايمبرت ـ للحكم لولا أن تصدى له أتباع غودفري من الأمراء والفرسان، فأرسلوا سفارة سرية إلى أخيه بلدوين في الرها يستدعونه على وجه السرعة ليتولى حكم المدينة المقدسة. ولم يرض البطرق دايمبرت عن هذا الاتجاه، فحالف بوهيموند أمير أنطاكية، ودبر معه مؤامرة لاعتراض بلدوين في الطريق ومنعه من الوصول إلى بيت المقدس، مما هدد بنشوب حرب أهلية بين أمراء الصليبيين بالشام نتيجة لأطماع البطرق وسياسته([128]).
ومثل آخر نضربه على مدى نفوذ الكنيسة ورجالها في تكييف أوضاع المجتمع الصليبي ببلاد الشام. ذلك أنه حدث سنة 1186 ـ قبيل حطين بأشهر معدودة ـ أن اشتد التنافس حول شغل عرش مملكة بيت المقدس بين ريموند الثالث ـ أقوى أمراء الصليبيين بالشام ـ وبين جاي لوزجنان زوج الأميرة سيبل أم بلدوين الخامس من زوجها الأول. وكان أن رأى هرقل ـ بطرق بيت المقدس عندئذ ـ أنه ليس من مصلحته، ولا من مصلحة الكنيسة، أن يلي عرش المملكة رجل قوي مثل أمير طرابلس ريموند الثالث لذلك شارك البطرق في مؤامرة انتهت بإبعاد الأمير ريموند، وتتويج جاي لوزجنان الذي اشتهر بضعفه وتردده. وقد انتقم ريموند الثالث لنفسه بالاتصال بصلاح الدين ـ في فجر معركة حطين ـ «وانتمى إليه واعتضد به، وطلب منه المساعدة على بلوغ غرضه من الفرنج ففرح صلاح الدين والمسلمون بذلك ووعده النصر»([129]). أما الملك جاي لوزجنان ـ الضعيف المتردد ـ فقد قدر له أن يقود الصليبيين في حطين، فكانت قيادته من أسباب الكسرة التي حلت بهم.
وبعد، فإن الصليبيين الذين خرجوا إلى الشرق واستقروا فيها، كانوا جماعات متنافرة، حركتهم بواعث متباينة، وتحكمت في سياستهم أطماع شخصية متضاربة وقد ترك كل ذلك أثره في تشكيل المجتمع الصليبي ببلاد الشام، إذ ظل مجتمعاً ممزقاً، لا تربط بين أفراده روابط مشتركة، ولا توحد بينهم سياسة ثابتة…
ولئن استطاع الصليبيون أن يفتحوا البلاد ويضربوا العباد، ويحتفظوا بوجودهم على أرض الشام نحواً من قرنين من الزمان، فإن الفضل في ذلك لا يرجع إلى قوة بنيتهم الاجتماعية والسياسية، بقدر ما يرجع إلى ضعف المسلمين وتفكك بنياتهم، وتصدع وحدتهم، في ذلك الدور من أدوار التاريخ، فلما أفاق المسلمون في المنطقة إلى رشدهم ووحدوا صفوفهم، لم يعد للصليبيين بقاء على أرض الشام.
الدكتور سعيد عبدالفتاح عاشور
فرنج الشام
حاول الصليبيون احتلال دمشق غير مرة، ولكنهم فشلوا كل مرة، ونشير هنا إلى واحدة من تلك المحاولات أبرزت شيئاً جديداً في الكيان الصليبي هو ما أصبح يعرف باسم (فرنج الشام):
كانت القوى المهاجمة لدمشق هذه المرة من الضخامة بحيث يخيل إليها ـ وإلى من يراها ـ أنها ناجحة لا محالة! لكن إرادة الصمود والتصميم على حماية دمشق كانت دائماً ترد الفرنج خائبين.
وسقوط دمشق كان يعني للفرنج شيئاً خطيراً، فإذا كانت القدس هدفهم الأول، فإن في احتلال دمشق دلالة كبرى على سيادتهم المُطْبقة وانتصارهم المعنوي الساحق، لذلك كانوا حريصين على حشد أعظم القوى لتحقيق ذلك الحلم!
وإذا كان احتلال دمشق يعني للفرنج ما يعني، فإنه كذلك لأبنائها وحُماتها، لما تُمثل دمشق عندهم من معانٍ، وما تدل عليه من رموز…
وأود أن أشير إلى واحدة من تلك الوَقَعات التي استطاع فيها الفرنج النفاذ إلى أبواب دمشق، حتى خُيل إليهم وإلى غيرهم أنّ دمشق انتهت شر انتهاء… وفي هذه الوقعة دلالات عدة، والشيء الكثير عن تطورات الأوضاع الفرنجية، والتحولات التي صار إليها الذين استقروا منهم في البلاد، مما جعلهم ينظرون إلى الفرنج القادمين نظرة الغريب إلى الغريب، لا القريب المتحد في الهدف مع القريب.
ففي سنة 543هـ (1149م) أراد الألمان أن يكون لهم فعل في تلك الحروب، وأن يحققوا ما عجز غيرهم عن تحقيقه، فيستولوا على دمشق استيلاءً نهائياً. ونترك هنا تعابير المؤرخين العرب كما هي، لبيان واقع الحال يومذاك، فابن الأثير يقول: «في هذه السنة (543) سار ملك الألمان من بلاده في خلق كثير وجمع عظيم من الفرنج». إلى أن يقول: «وهو لا يشكّ في ملكها بأيسر قتال لكثرة جموعه وتوفر أمواله وعُدَدِه».
وابن خلدون يقول: «سار ملك الألمان في جموع عظيمة… لا يشكّ في الغلب والاستيلاء لكثرة عساكره وتوفر أمواله».
والواقع أنّ الطريق إلى دمشق كانت مفتوحة أمام الألمان وظلوا في زحفهم حتى نزلوا عند النيرب. والنيرب مفتاح دمشق، من يحتله يطمئن إلى دخول المدينة. فنشبت هناك معركة حامية تضعضعت فيها قوى الدمشقيين، وتأخروا نحو البلد، واستطاع الألمان الوصول إلى «الميدان الأخضر». والميدان الأخضر هو المكان الذي يقوم فيه المعرض الدولي الآن.
ولنعرق قوة العزيمة عند القتال لدى المسلمين، نذكر أنه ساهم في القتال منهم حتى الشيوخ الهَرِمون. وحفظت لنا الرواية قصة أحدهم، وهو الفقيه يوسف بن ذي ياس الغندلاوي الذي خرج مع من خرج للدفاع عن دمشق… فقال له بعض الناس: يا شيخ أنت معذور لِكبَر سنك، وسألوه أن يعود، فلم يفعل وقال: لقد بعتُ واشترى، فواللَّه لا أقتله ولا أستقتله». ويقصد ما جاء في الآية: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} [التوبة: 111] وكان هذا الشيخ في أول من استشهد في معركة النيرب.
وكان الدمشقيون قد توقعوا هذا الغزو، فأرسلوا يستنجدون بقوى أخرى من العراق وحلب، وكانت هذه القوى في طريقها إليهم حتى بلغ بعضها مدينة حمص، ولكن شيئاً جديداً حسم الموقف لمصلحة دمشق، وهذا من أهم ما يعنينا في بحثنا، ذلك أنه يظهر لنا ما طرأ من تحول في نظرة الفرنج إلى ما في أيدي بعضهم من بلاد محتلة، وإلى من هو قادم لاحتلال جديد.
بعد انقضاء أكثر من نصف قرن على الحملات الأولى واستقرار من استقر في فلسطين والسواحل الشامية، أصبح المستقرون يرون أنهم هم أصحاب الحق في البلاد، وأنهم ينظرون نظر الناقم إلى حملات جديدة تأتي للتوسع في الفتح، بل يرون الفتح الجديد هو في النهاية فتح لبلادهم واستصفاء لما في أيديهم، هكذا بدت الأهداف الحقيقية للحروب الصليبية، وأنها لم تكن حمية دينية، بل كانت سلطاناً وحكماً واستعباداً ولو كان الأمر غير ذلك لرحّب الفاتحون السابقون بالفاتحين اللاحقين، ولجمعتهم وحدة الغاية ووحدة الهدف. لكن الأمر تجلى في حرب دمشق على العكس تماماً.
فإن ملك الألمان عندما جاء بقواه الكثيفة استقبله من سمّاهم ابن الأثير «فرنج الشام» بالطاعة التي تُبطن العصيان، وبالقبول الذي يضمر الرفض، وكانوا مرغمين على الترحيب به لقوته الكبرى.
وهكذا نرى لأول مرة تعبيراً جديداً في تاريخ هذه الحقبة هو تعبير «فرنج الشام» تمييزاً لهم عن غيرهم من الفرنج الأوروبيين. وهكذا قام تباين بين النوعين من الفرنج، في الهدف وفي المصلحة. وغابت خلال ذلك فكرة الوحدة في الدين والوحدة في الفكرة، وبرزت الحقيقة جلية واضحة، وهي أن الطمع وحده يقود النفوس، وحب السيطرة وحده هو الذي يحفز العزائم…
كان موقف فرنج الشام في جوهره ضد موقف فرنج أوروبا الألمان، لكنهم لم يجرؤوا على المجاهرة بحقيقة موقفهم، فكان لا بدّ لهم من استخدام الحرب المعنوية التي لا تُظهر نياتهم.
كان القتال على أشده بين الدمشقيين والغازين، ودمشق صامدة في القتال، وهنا وجدت القيادة الدمشقية المخرج لفرنج الشام المشاركين في قتالهم، ففاوضتهم سراً منبهة إلى الخطر المحيق بهم في حالة فوز الألمان… وفي الحقيقة لم يكونوا بحاجة إلى هذا التنبيه، لكنهم كانوا يريدون المخرج الذي لا يُثير الشبهات حولهم فوجدوه في تحذيرهم الألمان من النجدات القادمة لمعونة دمشق، وهولوا الأمر على الألمان، وأوهموهم بما ينتظرهم على أيدي النجدات، مضعفين بذلك روحهم المعنوية، متفاهمين مع دمشق على التفاصيل ومنها الثمن الذي سيقضونه لقاء تخذيل الألمان عنها، وهو تسليم قلعة «بانياس».
ونجحت الخطة نجاحاً تاماً وضعفت عزائم الألمان، ولم تُغنهم كثافة جيوشهم وضخامتها وانسحبوا لا من دمشق وحدها، بل من المعركة «الصليبية» كلها عائدين إلى بلادهم.
ويصف ابن الأثير هذه العودة: «وعاد الفرنج الألمانية إلى بلادهم وهي بزوراء «القسطنطينية»… هكذا كان مفهوم موقع «ألمانيا» عند ابن الأثير.
أما ابن خلدون فيصف ذلك قائلاً: «وعاد ملك الألمان إلى بلاده على البحر المحيط في أقصى الشمال والمغرب». وهو بذلك أدق من ابن الأثير في تحديد موقع «ألمانيا».
والعجيب هو هذا التخلي النهائي بعد الانسحاب من أبواب دمشق. فمع أن الجيش الألماني كان جيشاً كبيراً، ومع أنه لم يُهزم في القتال فإن مجرد التهويل عليه كان كافياً لأن يدفعه إلى بلاده دون توقف ودون تفكير في قتال جديد!
فما تدري أكانت الهزيمة النفسية بلغت به هذا الحد من الهلع. أم أن ما لمسه من عناد الدمشقيين جعله يوقن بفشل كل محاولة للنجاح في هذه البلاد فآثر السلامة ورضي من الغنيمة بالإياب.
أما فرنج الشام فإنهم جيل جديد ولد وعاش في هذه البلاد، وصار يرى في غيره من الفرنج قوماً دخلاء عليه، يزاحمونه في الملك والسلطة، لذلك استحل خيانتهم، ورأى فيها دفاعاً عن أرضه ومستقره. وضاع الهدف المزعوم للحروب الصليبية!
مزاعم عن بلاد الشام
والغزو الصليبي
يقول الدكتور عمر تدمري في بعض ما كتبه: لقد جاءت الحملات الصليبية في وقت كان فيه العالم الإسلامي يعاني ـ بشكل عام ـ من الانقسامات السياسية والخلافات المذهبية، وكانت بلاد الشام التي استهدفتها تلك الحملات تعيش في وضع سياسي مفكك حيث توزعت مدنها بين حكام وأمراء يحذر كل منهم الآخر. وكان الخلاف المذهبي بين العبيديين (الفاطميين) ([130]) الإسماعيليين الشيعة في مصر، والسلاجقة الأتراك والعباسيين السنة في العراق هو أشبه بالخلاف المذهبي بين الكنيستين اليونانية البيزنطية (الشرقية) واللاتينية الرومانية (الغربية)، بل؛ هو خلاف أشد وأدهى لطالما أدى إلى القتال، إذ كانت بلاد الشام مسرحاً للصراع العسكري والسياسي والمذهبي بين السلاجقة والفاطميين مما جعلها منهوكة القوى عندما راحت جيوش الصليبيين تجوس خلال ديارهم (انتهى).
هذا الذي قاله الدكتور عمر تدمري هو بعيد كل البعد عن الحقيقة، ولا صلة له من قريب أو بعيد بالصدق والتاريخ الصحيح.
والدكتور تدمري في هذا القول يعمل بقول من قال: «اقتلوني ومالكاً». فهو من أجل أن يفتري على الفاطميين لا يبالي بأن يشرك معهم السلاجقة.
وأول ما نقوله: أنه لم يكن هناك احتكاك بين الفاطميين الشيعة في مصر والسلاجقة السنة في العراق، لسبب واضح: هو أنه عندما كان الفاطميون مسيطرين في مصر، كان البويهيون الشيعة هم المسيطرين في العراق لا السلاجقة.
كما أن بلاد الشام لم تكن أبداً مسرحاً للصراع العسكري، والسياسي، والمذهبي بين السلاجقة والفاطميين. وعندما تقدم الفاطميون من مصر إلى بلاد الشام لم يكن السلاجقة هم الذين يحكمونها.
يقول الدكتور موسى لقبال، وفي قوله هذا الرد على مزاعم التدمري:
إن بلاد الشام يومذاك بحكم كونها منطقة نفوذ للإخشيديين آلت نظرياً، وعن طريق الإرث بعد تصفية نظامهم في مصر إلى الفاطميين، في نفس الوقت كانت منطقة هامة في حرب الثغور وأصبحت بعد فتح مصر ملجأ لفلول المنهزمين من الكافورية والإخشيدية الذين ضموا جهودهم إلى عناصر السلطة القديمة في بلاد الشام، وأصبح الخطر من جهتهم متوقعاً فقد بادر جوهر فاتح مصر الفاطمي بضمها إلى مصر، تأميناً للحدود وتوسيعاً للنفوذ الفاطمي، الذي امتدت خطوط دفاعه «فأصبحت في بلاد الشام وليست في مصر».
وكان نائبه في قيادة الحملة الكبرى جعفر بن فلاح هو الرجل الأول الذي عهد إليه بتصفية بقايا الإخشيدية والكافورية وضم بلاد الشام فعلياً إلى نفوذ الخلافة الفاطمية.
وكان يشرف على بلاد الشام كبير الأسرة الإخشيدية، أبو محمد الحسن بن عبداللَّه بن طغج الذي كان مركزه دمشق، وكان على طبرية وحوران والبثنية([131]) ولاة من عرب بني عقيل، ومنهم شبيب وظالم، وملهم، الذي كان يشرف عن طريق غلامه فاتك على طبرية، وكان على بيت المقدس عامل إخشيدي هو الصباحي، ولما كانت الرملة ودمشق أهم مدن الإقليم التابع للإخشيديين، فقد كان والي بلاد الشام يوصف أحياناً بصاحب دمشق والرملة التي هي مدينة جنوب فلسطين العظمى، وقد ظفرت بمركز ممتاز فاق أهمية بيت المقدس بسبب موقعها الاستراتيجي وقربها من حدود مصر، وقد تعرضت أكثر من مرة لغارات قرامطة البحرين، وغدت بعد فتح مصر قاعدة حربية لمواجهة الغزو الفاطمي من جهة مصر، إذ استقر فيها الحسن بن عبيداللَّه بن طغج منذ شهر رمضان 358هـ/ يوليه 968م. ليخطط للمعركة القادمة مع جعفر بن فلاح، وترك دمشق في عهدة أحد موالي الإخشيديين، وهو شمول، ولأن الأخير، كان يحقد على الحسن لمكانته السياسية وسعة سلطانه، وينتظر به فرصة قدوم طلائع الجيش الفاطمي ليخذله، ويظهر ما بيّته له، فقد اتصل بجوهر سراً، وكشف له عورات البلاد وأبان عن وجهة نظره في الحسن بن عبيداللَّه ثم تقاعد عنه ورفض مساعدته في الرملة، رغم إلحاحه عليه وعلى الصباحي وفاتك في سرعة المجيء، بسبب قرب العسكر الفاطمي، وتركوه مع ثلة من مساعديه يواجهون الهزيمة، ومحنة الأسر على يد جعفر بن فلاح، منذ منتصف رجب 359هـ/ ماي 970م وقد أرسلوا مقيدين إلى مصر، ومنها واصلوا الرحلة صحبة الهدية التي أنفذها جوهر إلى بلاد المغرب.
ويبدو أن حزم جعفر بن فلاح وسياسته ودعوته لولاة الإخشيديين لإعلان الولاء والطاعة للمعز لدين اللَّه، هي التي صرفت كثيراً منهم عن مساعدة ابن طغج وأدته إلى الاستسلام لقوات جعفر دون مقاومة تذكر، إلا في مدينة طبرية، التي يبدو أن واليها فاتكاً غلام ملهم العقيلي، بيّت على مقاومة قوات الفاطميين، ولذلك تحصن جعفر في نقطة استراتيجية تسيطر على الجسر وبنى معسكراً اتخذه منطلقاً لحرب فاتك، رغم أن ملهماً مال إلى الموادعة وتظاهر بالولاء والطاعة للفاطميين([132]). وعندما تم قتل فاتك غدراً، تظاهر جعفر بأنه فوجىء بالحدث الذي لم يكن به علم، وتحفظ على عناصر التآمر من الأعراب، وقدمهم إلى ملهم، ليقتص منهم، فتحاشى الأخير قتلهم، وعفا عنهم، خوفاً من الإيقاع به أما سكان المدينة فقد استاؤوا للحادث، والتحموا مع قوات جعفر، وشهدت طبرية فتنة كبرى، لم تقتصر آثارها على عناصر الخلاف، وإنما شملت من جاء إلى المدينة في هذا الظرف الدقيق، وهم ممثلو سكان مدينة دمشق، الذين غادرهم شمول الإخشيدي، وانضم إلى قوات جعفر بن فلاح في طبرية، فارتاع السكان وأرسلوا إلى جعفر، وفداً من شيوخهم لإعلان الولاء، ورغم أن القائد الكتامي استقبلهم بحفاوة وتبسط معهم في الحديث فإنهم تألموا من سوء المعاملة، وعندما رجعوا إلى دمشق «غير شاكرين، ولا راضين» عن قوم جفاة قباح المناظر والزي والكلام، ليس لهم عقول يرجعون إليها، «نقلوا إلى سكان المدينة صورة قاتمة وانطباعاً سيئاً آذى مشاعرهم، وأدخل الرعب في نفوسهم، وجعلهم يستعدون للمقاومة الجدية بتوجيه أشراف دمشق وبمساعدة بقايا الإخشيدية والكافورية الذين لم يرافقوا شمولاً، ثم عنصر الأحداث والشطار الذين كانوا بمثابة قوة دفاعية مدنية من بين عامة السكان، وقد استغلوا حالة القلق في المدينة والفراغ السياسي بعد انسحاب شمول، وتفرق جنده، لكي يظهروا عنصراً فعالاً في حماية المدينة من الغزو الخارجي ويبرزوا إلى الحياة السياسية ويمثلوا دوراً هاماً في مدن الشام الأُخرى قبل وبعد الفتح الفاطمي.
ويبدو أن أوضاع دمشق، وحالة الاستعداد للمقاومة، هي التي أملت على ابن فلاح، خطة أساسها الانتقاص من أطراف دمشق، وكسر مقاومة بني عقيل في حوران، والبثنية، وسكان الغوطة، بجهد مشترك بين جزء من قواته، وأعراب مرة، وفزارة، وذلك قبل اقتحام المدينة بقوات الحملة الرئيسية. وعندما شعر بأنه أبعد بني عقيل عن الميدان إلى حمص، ونال رجاله من ضواحي دمشق، بعد خسائر تكبدها، خف بكامل قواته، منذ يوم الخميس لثمان خلون من ذي الحجة 359هـ، وفرض حصاراً على المدينة، واتخذ من يوم السبت 10 ذي الحجة معسكره، ومقر قيادته بحي الشماسية، ومن هناك أشرف على المعركة ضد أحداث دمشق وأشرافها وجندها الذين قاوموا ضغط جند كتامة فترة ثم بدؤوا يميلون لإنهاء حالة الحرب والحصار في إطار الاعتراف بالسيادة الفاطمية، غير أن جعفراً بن فلاح، لم يستجب لهم بسهولة، قصداً لما عرفه من تقلب أهوائهم وسيطرة الشطار والأحداث، والأشراف، وسائر عملاء العباسيين على الوضع الداخلي، ولذلك لقي وفد سكان المدينة معاملة سيئة أثناء محاولتهم الاتصال به في حي الشماسية للحصول على الأمان، كما قوبلوا بالتهديد والوعيد من جانبه عندما قابلهم بنفسه وكان هدفه فيما يبدو أن يكون هؤلاء أداة تبليغ لسكان المدينة ولعناصر الشغب المتطرفين، ليشتد خوفهم وتزداد حيرتهم، عندما يعرفون مدى تصميم القائد على إخضاعهم بالقوة القاهرة، وربما كان يريد بهذا التشدد أن ينصرف السكان عن المشاغبين، ويتخلصوا منهم، وبذلك تتبلور اتجاهات السلام والصلح على أساس متين ويبدو أنه نجح في خطته إلى حدّ بعيد، لأن السكان وقد هالهم هذا التشدد واحتاروا في معالجة الوضع، لم يجدوا غير مشائخ البلد وأشرافها، وكان جعفر بن فلاح يميل إليهم ويقدرهم لأنهم من آل البيت، وقد نجحت وساطتهم لإنهاء حالة الحرب إنما بعد تشدد، وعندما عرف استعدادهم لتنفيذ كل ما يطلبه، بدأ يتراجع عن موقف الشدة الذي اصطنعه حتى هذا الوقت، وتبسط في الحديث مع الوفد، وقرر أن يشرف بنفسه على إقامة الدعوة للمعز لدين اللَّه في الجامع الأموي في يوم الجمعة ويتفقد شؤون المدينة تطييباً لخاطر السكان، ثم يرجع إلى معسكره بالشماسية.
وكان أعضاء الوفد قد بلغوا ذلك، ورغبوا من عنصر الشطار أن يلازموا بيوتهم، غير أن هؤلاء لم يستجيبوا لهذه الرغبة، واستغلوا فرصة انتشار عسكر كتامة في أحياء لمدينة وأسواقها أثر الصلاة، وقتلوا منهم كثيرين بحجة الدفاع عن النفس وعن الأموال، فتأثر جعفر للحادث، واعتبر ما حصل حركة عدائية مقصودة لنقض عهد الأمان الذي تقرر مع وفد المدينة، وأنكر على المشائخ والأشراف ما حصل من الغدر برجال أمير المؤمنين وتهددهم، ولم تهدأ ثورته إلا عندما اعتذروا عن الحادث، ووافقوا على ما اقترحه من دفع ديات ضخمة، فدية (لمن قتل من عسكره) وتكفلوا بجمع المال من السكان.
وتشير النصوص إلى ثورة عامة شهدتها مدينة دمشق في الجمعة الثانية، أي بعد الاتفاق على مبدأ الصلح، وقد تزعمها عنصر الأشراف بقيادة أبي القاسم بن أبي يعلى، الذي كان بمثابة رئيس المدينة ينتهي السكان عند رأيه، ويطيعه الشطار، وقد انضم إليه عرب بني عقيل، ومنهم ظالم بن موهوب وأبناء عصودا، محمد، وإسحاق، وكان مظهر الثورة قطع الدعوة للمعز لدين اللَّه وإزالة شعار الفاطميين، وإرجاع الدعوة للمطيع العباسي ولبس شعار السواد، وكانت الثورة من الخطورة بحيث أن جعفراً واجهها بقوة، واجتهد في إخمادها وفي القبض على رؤوس الفتنة ومثيري الشغب، ويبدو أن جهوده أثمرت في النهاية، وفشلت الثورة وفر زعماؤها خارج دمشق، وبينما نجا محمد بن عصودا، وظالم بن موهوب العقيلي بالفرار إلى الإحساء حيث نجحا في الكيد للنفوذ الفاطمي بتأليب القرامطة وتشجيعهم على العودة إلى بلاد الشام وفشل الشريف أبو القسام بن أبي يعلى، في النجاة بنفسه إلى بغداد، فأدركه ابن عليان العدوي، في صحراء تدمر، وأرجعه إلى دمشق لكي ينال الجزاء من قائد الفاطميين، وقد قام جعفر بن فلاح بتشهيره في المدينة على جمل، ثم أودعه السجن وأخضعه لامتحان عسير حتى رقّ لحاله وتأثر من مصيره ووعده التوسط عند جوهر لتخفيف العقوبة عنه وحرم ابن عليان من المكافأة وخاطب رجاله مستنكراً عليهم بقوله: «غدرتم بالرجل» ثم صرفهم عنه بدون مال، وأرسل الشريف وبعض «الأحداث» إلى مصر، أما الباقون ومعهم إسحاق بن عصودا، فقد قتلوا وصلبوا واحتزت رؤوسهم وعلقت عل أبواب المدينة، وفي الميادين الكبرى، وكان فشل هذه الثورة عاملاً هاماً في تشريد عنصر الأشراف والحدّ من تطرف الأحداث، وشغب السكان في دمشق التي استقرت أوضاعها مؤقتاً، وعادت الدعوة الفاطمية إليها، كما كانت من قبل.
وعندما بدا لجعفر بن فلاح أنه سيطر على الوضع الداخلي بتحطيم عناصر المقاومة، بدأ يرسي قواعد السيطرة الفاطمية ويطبق مظاهر التحول الجديد، في الدعوة، وفي الأذان، والإقامة. وتصرف على نحو يشعر بأنه اطمأن على الوضع فانتقل من معسكره بحي الشماسية إلى الدكة فوق نهر يزيد، بظهر سور دمشق، وأشرف على حركة التعمير والبناء، فاتخذ لنفسه قصراً عجيباً بناه بالحجارة وتفنن في بنائه حتى جعله «شاهقاً في الهواء غريب البناء» وحوله بنى الجند مساكنهم ومعسكراتهم ونشطت حركة البيع والشراء في أسواقهم واتسعت خطتهم وانبثت الحياة بين أظهرهم حتى صارت خططهم «شبه المدينة»، وعني بالجبهة الشمالية، وبمنطقة الثغور، فأرسل بعوثاً عسكرية بقيادة بعض مساعديه ضد الروم البيزنطيين في الإسكندرونة وإنطاكية التي احتلوها منذ فترة سابقة (محرم 359هـ/ نوفمبر 969م). وبدؤوا يضغطون بشدة على مدن شمال الشام وحلب خاصة، استضعافاً للحمدانيين، بعد وفاة سيف الدولة سنة (303 – 356)هـ 967م، وكان قد أرسل من قبل داعياً هو أبو طالب التنوخي إلى أبي تغلب ناصر الدولة بن حمدان في الموصل يعرفه بأنه في طريقه لإعلان الدعوة الفاطمية في بلاده، فرفض بشدة على أساس قرب المنطقة من بغداد، ومن ضغط القوات العباسية، ولخص رأيه في قوله: «هذا ما لا يتم، لأننا في دهليز بغداد والعساكر قريبة منا ولكن إذا قربت عساكركم من هذه الديار أمكن ما ذكرتم» (انتهى كلام لقبال).
هكذا وصل الفاطميون إلى بلاد الشام. وصلوا إليها في أواسط القرن الرابع الهجري في حين أن أول ظهور للسلاجقة في العراق، كان في أواسط القرن الخامس، فكيف تكون الشام مسرحاً للصراع العسكري والسياسي والمذهبي بين السلاجقة والفاطميين، في حين أن السلاجقة لم يكونوا وجدوا بعد؟!!
وبعد ذلك عندما سيطر السلاجقة على العراق، كان حكم الفاطميين قد تضعضع في مصر في أواخر عهد المستنصر، ثم تلاشى هذا الحكم نهائياً في حياة المستنصر باستيلاء الجماليين على الخلافة الفاطمية. فمتى كان هذا الصراع الذي يزعم عمر تدمري وجوده بين السلاجقة والفاطميين في بلاد الشام؟!.
جعفر بن فلاح
القائد الفاطمي في بلاد الشام
إن الغموض يكتنف حياة هذا القائد ودوره في الدور المغربي للخلافة الفاطمية. فنسبته كما وردت في المصادر القليلة التي أشارت إليه كانت ذات صبغة عامة ومن ثم يوصف فيها بالكتامي، مساعد جوهر.
ولم نظفر رغم استشارة كثير من المصادر، على نسبته الخاصة بين فروع كتامة المعروفة. وقد لاحظنا أن كثيراً من قادة كتامة ورجالاتها في الدور المغربي ينسبون إلى عشائرهم الخاصة والأمثلة على ذلك، أبو مدين بن فروخ اللهيصي، وأبو زاكي الأجاني، وعروبة الملوسي، وأبو القاسم السكتاني، والقلة منهم هم الذين جاءت نسبتهم ذات صبغة عامة مثل جعفر بن فلاح، وعبداللَّه بن يخلف، وتشيع هذه الظاهرة خاصة في الدور المشرقي للخلافة الفاطمية. ويزداد الأمر غموضاً عندما يكتفي بمجرد ذكر النسبة المغربية ويستثنى من ذلك حالات قليلة يأتي فيها ذكر النسبة الخاصة لأحد فروع كتامة، ومن الأمثلة على ذلك عسلوج بن الحسن الدنهاجي، وابن لبون الدنهاجي وجبر بن القاسم المسالتي([133])، وغيرهم ممن ازدهر في عصر الحاكم سواء كانوا من عنصر دنهاجة في مصر أو من أُسرة ابن ثعبان من فروع جميلة([134])، الذين أدركوا مجداً في بداية عصر الظاهر لإعزاز دين اللَّه في بلاد الشام.
وبالنسبة لجعفر بن فلاح، نلاحظ أن المصادر القليلة التي أشارت إليه، لم تفدنا بشيء، ينير السبيل حول نشأته وحياته عندما ظهرت الحركة في منطفة كتامة وإفريقية، ولا عن نشاطه في خدمة الدولة الفاطمية قبل اشتراكه في الحملة الكبرى على مصر الأخشيدية، فلم نصادف إشارة إليه ضمن قادة كتامة في بلاد المغرب الذين اشتركوا إلى جانب جوهر أثناء حركته الكبرى سنة 347هـ/ 958 ـ 959، هذا بينما نلاحظ إشارة عن اشتراك زيري بن مناد في الحملة ومسؤوليته القيادية ودوره في اقتحام مدينة فاس.
فهل أن جعفر بن فلاح لم يقم فعلاً بأي دور إيجابي لفائدة الدولة قبل اشتراكه في الحملة على مصر، التي لم يفصلها عن حملة بلاد المغرب غير فارق زمني يسير، مداه إحدى عشرة سنة، ربما كان خلالها جعفر صغير السن نسبياً، يشق طريقه إلى الظهور في الميدان السياسي تدريجياً، وهذا احتمال قريب، أو أن المصادر التاريخية انساقت وراء الروايات الخاصة التي تبرز قيمة جوهر وأهميته عند المعز لدين اللَّه الذي حرص على خضوع الجميع إليه وإظهاره دون غيره في ميدان القيادة في بلاد المغرب حيث ينافسه الكثيرون من أولياء الدولة وعصبيتها، من رجالات كتامة خاصة، الذين كانوا بارزين مثله، وكرهوا أن يظهر عليهم فجأة مع أنه لم يصل إلى مستواهم في القدم والتاريخية وقوة العصبية. ولعل ذلك هو سرّ إهمال الحديث عنه وعن غيره في ميدان المغرب.
أما في مصر فيبدو أن وجود مجموعات قبلية أُخرى غير كتامية، ساعد على ظهوره كقائد لبني قومه الذين كان دورهم البطولي إلى جانبه في بداية ظهور حركة المقاومة عند منية شلقان، دوراً مشرفاً.
ويبدو أن جعفراً بن فلاح كان من بين قادة الدولة ورجالها في بلاد المغرب، لكنه لم يلق العناية التي يستحقها لاعتبارات خاصة، لأنه من غير المقبول بسهولة أن يظهر فجأة في قمة الميدان السياسي والعسكري مساعداً مباشراً لجوهر في قيادة أضخم حملة ضد مصر وأساساً ترتكز عليه جهود الفاطميين في مصر ثم في بلاد الشام إذا لم يكن المعز لدين اللَّه قد عرفه من قبل معرفة جيدة وخبره في ميدان القيادة فتبينت له قدراته ومهارته في الحرب، وإخلاصه للنظام والتزامه بسياسة التوسع لإيجاد مناطق للنفوذ الفاطمي في بلاد المغرب والمشرق.
وعلى أقرب الاحتمالات فإن جعفر بن فلاح كانت أهميته في بلاد المغرب لا تقل عما أداه من خدمات للدولة في ميدان المشرق وهو من بين الرعيل الأول، للجيل الذي أشرف المعز لدين اللَّه على تربيته وتكوينه من أبناء كتامة وشبابهم، ويؤيد ذلك مجموعة اعتبارات في مقدمتها:
ـ أن مركز جعفر في قيادة الحملة على مصر، كان يلي مباشرة([135]) مركز القائد الأعلى، وهو جوهر لذلك وقع الاختيار عليه ليقوم دون غيره بأكبر دور ضد الكافورية والإخشيدية، الذين تجمعوا لمقاومة عبور الحملة إلى الجانب الآخر من النيل، وهذا يشير إلى أنه كان بمثابة رئيس أركان الحملة حسب المفهوم العسكري الحديث.
ـ وقد اعترف القائد جوهر بأهمية اشتراكه في الحملة ودوره الإيجابي، ولمح إلى دواعي اختيار الخليفة المعز لدين اللَّه له دون غيره إذ خاطبه بقوله «لهذا اليوم أرادك المعز لدين اللَّه»([136]).
ـ وقد انتدب جعفر، لكي يتتبع فلول الكافورية والإخشيدية ويضم بلاد الشام إلى النفوذ الفاطمي، وهذا يعني أن جوهراً كان يعترف بقيمته الخاصة وأهميته لكي يضم قطراً متسعاً ويقف فيه حارساً له ولمصر، من بقايا عناصر السلطة القديمة ومن أطماع القرامطة وتطلعات العباسيين، وإغارات الروم البيزنطيين([137]).
ـ ويلاحظ أن المنافسة بين القائدين كانت قوية ومثلت أحد العوامل لترشيح جعفر لمهمة في بلاد الشام، إبعاداً له من مصر([138]).
ومع ما كان يوجد من تنافس فإن جوهر حرص على إرضاء مساعده ومشاركته عاطفياً، فقد حضر جنازة أحد أبنائه في مصر اعتباراً لشخصه كما حضرها كبار القادة من الكافورية والإخشيدية([139]). ويلاحظ أن هذا الابن الذي توفي في مصر كان أحد أبناء جعفر الأربعة الذين صحبوه أو ألحقوا به فيما بعد وهذا في حدّ ذاته يبرهن على أن هذا القائد الكتامي كان كبير السن نسبياً، عندما اشترك في الحملة، وقد ظهر دور أحد أبنائه في ميدان القيادة مباشرة، وهو أبو محمود إبراهيم.
ولو لم يكن جعفر في مستوى القيادة وعلى درجة لا تقل عن قيمة جوهر ما تطلعت نفسه إلى الرئاسة العليا وإلى الاستقلال ببلاد الشام عن التبعية لجوهر في مصر، فقد حرص على الاتصال مباشرة بالخليفة المعز لدين اللَّه في المنصورية دون وساطة جوهر.
وإذا كان الخليفة المعز قد سار في خط معين لم يتزحزح عنه ومن ثم كره تصرفات جعفر، ووقوعه في جوهر، وسارع في ردّ رسائله، ولامه وحثّه على الكتابة إليه عن طريق القائد الأعلى، فإنه أوضح له أن حسن التغيير لا يقتضي استفساد قلب جوهر مع إخلاصه للنظام، وثباته على العهد «قد أخطأت الرأي لنفسك، نحن أنفذنا له مع قائدنا جوهر، فاكتب إليه فما وصل منك إلينا على يده قرأناه، ولا تتجاوزه بعد»([140]).
وعندما اتضح للمعز لدين اللَّه ما بين القائدين من تنافس وجفاء، وكان يعرف قيمة جعفر وطموحه إلى السلطة والاستبداد بالأمر لم يشأ أن يوسع الهوة بينهما بتغذية طموح جعفر لئلا يغضب جوهر، ونظراً لأهمية كل منهما للنظام الفاطمي فقد التزم الخليفة بالمبدأ الذي رسمه من قبل وهو إضفاء كل الأهمية على قائده جوهر وفي نفس الوقت أرضى خاطر جعفر، بتمجيد دوره وخاطبه بقوله «فلسنا نفعل ذلك على الوجه الذي أردته وإن كنت أهله عندنا»([141]).
ولم تشر النصوص إلى صفاء الجو بين القائدين، ولذلك لم يطلب جعفر نجدات من جوهر، كما لم يخف الأخير، لمساعدته عندما لاحت الأخطار.
وكانت هزيمة جوهر بعد ذلك في ميدان الشام بسبب تخاذل كتامة بمثابة الثأر الذي استوفاه رجال هذه القبيلة منه لموقفه المعادي لأكبر قادتهم في بلاد الشام، وكان إبعاده تدريجياً عن مركز النفوذ بعد سنة 364هـ (974 ـ 975م) تدبيراً سياسياً خاصاً قصد به ترضية أُسرة ابن فلاح، التي استاءت من موت رئيسها في ظروف محزنة، كما كان بداية لسياسة جديدة بمقتضاها، بدأ اصطناع وجوه جديدة عوضاً عن القادة القدامى الذين استنفذوا طاقتهم وأدوارهم، وهذه السياسة أدركها جوهر وعبر عنها في قوله للحسن بن عمار الكلبي، «لكل زمان دولة ورجال، أنريد نحن أن نأخذ دولتنا ودولة غيرنا»([142]).
وكان ابن فلاح أحد الجعفرين([143]) اللذين مدحهما ابن هانىء شاعر المعز لدين اللَّه في قوله:
كانت مساءلة الركبان تخبرني
عن جعفر بن فلاح أطيب الخبر
حتى التقينا فلا واللَّه ما سمعت
أذني بأحسن مما قد رأى بصري
وبما أن ابن هانىء قد قتل غيلة في برقة، أي لم يقدر له اللقاء بابن فلاح في مصر، فضلاً عن بلاد الشام، فإن المؤكد على كل حال أن يكون مدحه له في فترة مبكرة، دليلاً على ظهوره في الميدان السياسي والعسكري كشخصية قوية في عصر المعز لدين اللَّه وذلك قبل أن يشترك في الحرب في ميدان مصر والشام، وكان اللقاء بين الشاعر والقائد قد تمّ في أرض المغرب تأكيداً حسب إشارة الشاعر نفسه([144]).
وما أشار إليه ابن هانىء عن قيمة جعفر بن فلاح، أكدته بعض النصوص التي أوضحت بأن ابن فلاح لم يكن فقط قائداً عسكرياً ماهراً وإنما كان أيضاً شاعراً قديراً له عواطف رقيقة خاصة تجاه أهل البيت حتى أن عدوه القرمطي بكاه بعد قتله، تأثراً واعترافاً بقيمته([145]).
ولعل هذه الاعتبارات جميعها تؤيد ما نعتقده من ظهور جعفر بن فلاح في ميدان المغرب قائداً كبيراً لا تقل أهميته عن زيري بن مناد، ولا عن جوهر الصقلي، الذي حظي بالقيادة العليا في المغرب وفي مصر، عن غير اقتناع من القائد الكتامي الذي حاول من مركزه في بلاد الشام أن يبرهن للخليفة المعز لدين اللَّه على أنه أهم من غيره إخلاصاً للنظام ونجاعة عند الأخطار.
وقد لا يبعد عن الصواب القول بأن الخلفاء الفاطميين بعد الذي جرى لهم مع كتامة أصبحوا يحتاطون من طموح قادتهم ويجاهدون من أجل إبعادهم عن مراكز التوجيه العليا، خوفاً على سلطانهم أن يتأثر لأن كتامة يدلون على الخلفاء بسبب دورهم التاريخي في نصرة الحركة الفاطمية وكونهم أقدم عهداً بها إذا قيسوا بطبقة الفتيان الصقالبة الذين كانوا غرباء عن البيئة ومفتقرين إلى التاريخية وإلى العصبية ومن ثم كانت لا تطمح نفوسهم إلى شيء مما تطمح إليه نفوس الكتاميين، وكانوا يرضون دائماً بدور التابع الذليل، ولذلك استصفاهم الخلفاء واعتمدوا عليهم اعتماداً كلياً حتى بلغ منهم قيصر ومظفر مكانة كبرى في عصر المنصور والمعز، ومثلهما جوذر الذي كان مستودعاً لثلاثة خلفاء وناب عن المنصور في تسيير سياسة الدولة وكان عمدة المعز في التعرف على سير الحياة السياسية والإدارية، ولو امتد به العمر لكان له شأن كبير في مصر وقد همّ المعز لدين اللَّه باستخلافه على بلاد المغرب بعد رحيله لولا امتناعه، ورغبته في البقاء إلى جانبه في مصر كما أشرنا.
وظواهر التجديد في القيادة واصطناع الوجوه الجديدة والتركيز على من لم تكن لهم عصبية سارت مع الخلافة الفاطمية منذ قيامها في بلاد المغرب حتى سقوطها في نهاية الأمر([146]).
ويرتبط بشخصية جعفر بن فلاح، تحقيق اسمه الكامل، فقد جاء في أغلب المصادر التي أشارت إليه مختصراً، أي على النحو التالي «جعفر بن فلاح الكتامي»([147]). ويضيف بعضها إليه كنية أبي علي، لأن أحد أبنائه يعرف بهذا الاسم([148]). بينما تذكر بعض النصوص كنية أُخرى لهذا القائد فهو أبو الفضل([149])، وهو فيما يبدو اسم أحد أبنائه الذي توفي في مصر وحضر جنازته كبار رجال الدولة بما فيهم القائد جوهر([150])، لأنه لم يظهر له دور ما في مصر أو بلاد الشام على عكس أخوته علي، وإبراهيم وسليمان، ونجد اسمه أكمل من ذلك في بعض النصوص التي تشير إلى جده، أبي مرزوق([151]).
ولما كانت بلاد الشام بحكم كونها منطقة نفوذ للإخشيديين وآلت نظرياً، وعن طريق الإرث بعد تصفية نظامهم في مصر إلى الفاطميين، وفي نفس الوقت كانت منطقة هامة في حرب الثغور، وأصبحت بعد فتح مصر ملجأ لفلول المنهزمين من الكافورية والإخشيدية الذين ضموا جهودهم إلى عناصر السلطة القديمة في بلاد الشام، وأصبح الخطر من جهتهم متوقعاً فقد بادر جوهر بضمها إلى مصر، تأميناً للحدود وتوسيعاً للنفوذ الفاطمي، الذي امتدت خطوط دفاعه «فأصبحت في بلاد الشام وليست في مصر».
وكان نائبه في قيادة الحملة الكبرى جعفر بن فلاح هو الرجل الأول الذي عهد إليه بتصفية بقايا الإخشيدية والكافورية وضم بلاد الشام فعلياً إلى نفوذ الخلافة الفاطمية([152]).
وكان يشرف على بلاد الشام كبير الأُسرة الإخشيدية، أبو محمد الحسن بن عبيداللَّه بن طغج الذي كان مركزه دمشق، وكان على طبرية وحوران والبثنية([153]) ولاة من عرب بني عقيل، ومنهم شبيب وظالم، وملهم، الذي كان يشرف عن طريق غلامه فاتك على طبرية وكان على بيت المقدس عامل إخشيدي هو الصباحي، ولما كانت الرملة ودمشق أهم مدن الإقليم التابع للإخشيديين فقد كان والي بلاد الشام يوصف أحياناً بصاحب دمشق والرملة التي هي مدينة جنوب فلسطين العظمى([154])، وقد ظفرت بمركز ممتاز فاق أهمية بيت المقدس بسبب موقعها الإستراتيجي وقربها من حدود مصر، وقد تعرضت أكثر من مرة لغارات قرامطة البحرين وغدت بعد فتح مصر قاعدة حربية لمواجهة الغزو الفاطمي من جهة مصر، إذ استقر فيها الحسن بن عبيداللَّه بن طغج منذ شهر رمضان 358هـ/ يوليه 968م ليخطط للمعركة القادمة مع جعفر بن فلاح، وترك دمشق في عهدة أحد موالي الإخشيديين، وهو شمول، ولأن الأخير، كان يحقد على الحسن مكانته السياسية وسعة سلطانه، وينتظر به فرصة قدوم طلائع الجيش الفاطمي ليخذله، ويظهر ما بيَّته له، فقد اتصل بجوهر سراً وكشف له عورات البلاد وأبان عن وجهة نظره في الحسن بن عبيداللَّه، ثم تقاعد عنه ورفض مساعدته في الرملة رغم إلحاحه عليه وعلى الصباحي وفاتك في سرعة المجيء، بسبب قرب العسكر الفاطمية، وتركوه مع ثلة من مساعديه يواجهون الهزيمة، ومحنة الأسر على يد جعفر بن فلاح، منذ منتصف رجب 359هـ/ ماي 970م وقد أرسلوا مقيدين إلى مصر، ومنها واصلوا الرحلة صحبة الهدية التي أنفذها جوهر إلى بلاد المغرب([155]).
ويبدو أن حزم جعفر بن فلاح وسياسته ودعوته لولاة الإخشيديين لإعلان الولاء والطاعة للمعز لدين اللَّه، هي التي صرفت كثيراً منهم عن مساعدة ابن طغج وأدته إلى الاستسلام لقوات جعفر دون مقاومة تذكر، إلا في مدينة طبرية، التي يبدو أن واليها فاتكاً غلام ملهم العقيلي، بيَّت على مقاومة قوات الفاطميين، ولذلك تحصن جعفر في نقطة استراتيجية تسيطر على الجسر وبنى معسكراً اتخذه منطلقاً لحرب فاتك، رغم أن ملهماً مال إلى الموادعة وتظاهر بالولاء والطاعة للفاطميين([156]). وعندما تم قتل فاتك غدراً، تظاهر جعفر بأنه فوجىء بالحدث الذي لم يكن له به علم، وتحفظ على عناصر التآمر من الأعراب، وقدمهم إلى ملهم، ليقتص منهم، فتحاشى الأخير قتلهم، وعفا عنهم، خوفاً من الإيقاع به([157]) أما سكان المدينة فقد استاؤوا للحادث، والتحموا مع قوات جعفر، وشهدت طبرية فتنة كبرى، لم تقتصر آثارها على عناصر الخلاف وإنما شملت من جاء إلى المدينة في هذا الظرف الدقيق، وهم ممثلو سكان مدينة دمشق، الذين غادرهم شمول الإخشيدي، وانضم إلى قوات جعفر بن فلاح في طبرية([158])، فارتاع السكان وأرسلوا إلى جعفر وفداً من شيوخهم لإعلان الولاء، ورغم أن القائد الكتامي استقبلهم بحفاوة وتبسط معهم في الحديث فإنهم تألموا من سوء المعاملة، وعندما رجعوا إلى دمشق «غير شاكرين، ولا راضين» عن قوم جفاة قباح المناظر والزي والكلام، ليس لهم عقول يرجعون إليها» نقلوا إلى سكان المدينة صورة قاتمة وانطباعاً سيئاً آذى مشاعرهم، وأدخل الرعب في نفوسهم([159])، وجعلهم يستعدون للمقاومة الجدية بتوجيه أشراف دمشق وبمساعدة بقايا الإخشيدية والكافورية الذين لم يرافقوا شمولاً، ثم عنصر الأحداث والشطار الذين كانوا بمثابة قوة دفاعية مدنية من بين عامة السكان، وقد استغلوا حالة القلق في المدينة والفراغ السياسي بعد انسحاب شمول([160])، وتفرق جنده، لكي يظهروا عنصراً فعالاً في حماية المدينة من الغزو الخارجي ويبرزوا إلى الحياة السياسية ويمثلوا دوراً هاماً في مدن الشام الأُخرى قبل وبعد الفتح الفاطمي.
ويبدو أن أوضاع دمشق، وحالة الاستعداد للمقاومة، هي التي أملت على ابن فلاح، خطة أساسها الانتقاص من أطراف دمشق، وكسر مقاومة بني عقيل في حوران، والبثنية، وسكان الغوطة، بجهد مشترك بين جزء من قواته، وأعراب مرة، وفزارة، وذلك قبل اقتحام المدينة بقوات الحملة الرئيسية. وعندما شعر بأنه أبعد بني عقيل عن الميدان إلى حمص، ونال رجاله من ضواحي دمشق، بعد خسائر تكبدها، خف بكامل قواته(2)، منذ يوم الخميس لثمان خلون من ذي الحجة 359هـ، وفرض حصاراً على المدينة، واتخذ من يوم السبت 10 ذي الحجة معسكره، ومقر قيادته بحي الشماسية، ومن هناك أشرف على المعركة ضد أحداث دمشق وأشرافها وجندها الذين قاوموا ضغط جند كتامة فترة ثم بدؤوا يميلون لإنهاء حالة الحرب والحصار في إطار الاعتراف بالسيادة الفاطمية، غير أن جعفراً بن فلاح، لم يستجب لهم بسهولة، قصداً لما عرفه من تقلب أهوائهم وسيطرة الشطار والأحداث، والأشراف، وسائر عملاء العباسيين على الوضع الداخلي، ولذلك لقي وفد سكان المدينة معاملة سيئة أثناء محاولتهم الاتصال به في حي الشماسية للحصول على الأمان، كما قوبلوا بالتهديد والوعيد من جانبه عندما قابلهم بنفسه وكان هدفه فيما يبدو أن يكون هؤلاء أداة تبليغ لسكان المدينة ولعناصر الشغب المتطرفين، ليشتد خوفهم وتزداد حيرتهم، عندما يعرفون مدى تصميم القائد على إخضاعهم بالقوة القاهرة، وربما كان يريد بهذا التشدد أن ينصرف السكان عن المشاغبين، ويتخلصوا منهم، وبذلك تتبلور اتجاهات السلام والصلح على أساس متين ويبدو أنه نجح في خطته إلى حدّ بعيد، لأن السكان وقد هالهم هذا التشدد واحتاروا في معالجة الوضع، لم يجدوا غير مشائخ البلد وأشرافها، وكان جعفر بن فلاح يميل إليهم ويقدرهم لأنهم من آل البيت، وقد نجحت وساطتهم لإنهاء حالة الحرب إنما بعد تشدد، وعندما عرف استعدادهم لتنفيذ كل ما يطلبه، بدأ يتراجع عن موقف الشدة الذي اصطنعه حتى هذا الوقت، وتبسط في الحديث مع الوفد، وقرر أن يشرف بنفسه على إقامة الدعوة للمعز لدين اللَّه في الجامع الأموي في يوم الجمعة ويتفقد شؤون المدينة تطييباً لخاطر السكان، ثم يرجع إلى معسكره بالشماسية.
وكان أعضاء الوفد قد بلغوا ذلك، ورغبوا من عنصر الشطار أن يلازموا بيوتهم، غير أن هؤلاء لم يستجيبوا لهذه الرغبة، واستغلوا فرصة انتشار عسكر كتامة في أحياء لمدينة وأسواقها أثر الصلاة، وقتلوا منهم كثيرين بحجة الدفاع عن النفس وعن الأموال، فتأثر جعفر للحادث، واعتبر ما حصل حركة عدائية مقصودة لنقض عهد الأمان الذي تقرر مع وفد المدينة، وأنكر على المشائخ والأشراف ما حصل من الغدر برجال أمير المؤمنين وتهددهم، ولم تهدأ ثورته إلا عندما اعتذروا عن الحادث، ووافقوا على ما اقترحه من دفع ديات ضخمة، فدية (لمن قتل من عسكره) وتكفلوا بجمع المال من السكان.
وتشير النصوص إلى ثورة عامة شهدتها مدينة دمشق في الجمعة الثانية، أي بعد الاتفاق على مبدأ الصلح، وقد تزعمها عنصر الأشراف بقيادة أبي القاسم بن أبي يعلى، الذي كان بمثابة رئيس المدينة ينتهي السكان عند رأيه، ويطيعه الشطار، وقد انضم إليه عرب بني عقيل، ومنهم ظالم بن موهوب وأبناء عصودا، محمد، وإسحاق، وكان مظهر الثورة قطع الدعوة للمعز لدين اللَّه وإزالة شعار الفاطميين، وإرجاع الدعوة للمطيع العباسي ولبس شعار السواد، وكانت الثورة من الخطورة بحيث أن جعفراً واجهها بقوة، واجتهد في إخمادها وفي القبض على رؤوس الفتنة ومثيري الشغب، ويبدو أن جهوده أثمرت في النهاية، وفشلت الثورة وفر زعماؤها خارج دمشق، وبينما نجا محمد بن عصودا، وظالم بن موهوب العقيلي بالفرار إلى الإحساء حيث نجحا في الكيد للنفوذ الفاطمي بتأليب القرامطة وتشجيعهم على العودة إلى بلاد الشام وفشل الشريف أبو القسام بن أبي يعلى، في النجاة بنفسه إلى بغداد، فأدركه ابن عليان العدوي، في صحراء تدمر، وأرجعه إلى دمشق لكي ينال الجزاء من قائد الفاطميين، وقد قام جعفر بن فلاح بتشهيره في المدينة على جمل، ثم أودعه السجن وأخضعه لامتحان عسير حتى رقّ لحاله وتأثر من مصيره ووعده التوسط عند جوهر لتخفيف العقوبة عنه وحرم ابن عليان من المكافأة وخاطب رجاله مستنكراً عليهم بقوله: «غدرتم بالرجل» ثم صرفهم عنه بدون مال، وأرسل الشريف وبعض «الأحداث» إلى مصر، أما الباقون ومعهم إسحاق بن عصودا، فقد قتلوا وصلبوا واحتزت رؤوسهم وعلقت عل أبواب المدينة، وفي الميادين الكبرى، وكان فشل هذه الثورة عاملاً هاماً في تشريد عنصر الأشراف والحدّ من تطرف الأحداث، وشغب السكان في دمشق التي استقرت أوضاعها مؤقتاً، وعادت الدعوة الفاطمية إليها، كما كانت من قبل.
وعندما بدا لجعفر بن فلاح أنه سيطر على الوضع الداخلي بتحطيم عناصر المقاومة، بدأ يرسي قواعد السيطرة الفاطمية ويطبق مظاهر التحول الجديد، في الدعوة، وفي الأذان، والإقامة. وتصرف على نحو يشعر بأنه اطمأن على الوضع فانتقل من معسكره بحي الشماسية إلى الدكة فوق نهر يزيد، بظهر سور دمشق، وأشرف على حركة التعمير والبناء، فاتخذ لنفسه قصراً عجيباً بناه بالحجارة وتفنن في بنائه حتى جعله «شاهقاً في الهواء غريب البناء» وحوله بنى الجند مساكنهم ومعسكراتهم ونشطت حركة البيع والشراء في أسواقهم واتسعت خطتهم وانبثت الحياة بين أظهرهم حتى صارت خططهم «شبه المدينة»، وعني بالجبهة الشمالية، وبمنطقة الثغور، فأرسل بعوثاً عسكرية بقيادة بعض مساعديه ضد الروم البيزنطيين في الإسكندرونة وإنطاكية التي احتلوها منذ فترة سابقة (محرم 359هـ/ نوفمبر 969م). وبدؤوا يضغطون بشدة على مدن شمال الشام وحلب خاصة، استضعافاً للحمدانيين، بعد وفاة سيف الدولة سنة (303 – 356)هـ 967م، وكان قد أرسل من قبل داعياً هو أبو طالب التنوخي إلى أبي تغلب ناصر الدولة بن حمدان في الموصل يعرفه بأنه في طريقه لإعلان الدعوة الفاطمية في بلاده، فرفض بشدة على أساس قرب المنطقة من بغداد، ومن ضغط القوات العباسية، ولخص رأيه في قوله: «هذا ما لا يتم، لأننا في دهليز بغداد والعساكر قريبة منا ولكن إذا قربت عساكركم من هذه الديار أمكن ما ذكرتم»
ورغم أن بلاد الشام حسب مظاهر السلطة المادية والتغييرات المذهبية، التي فرضت في عهد جعفر بن فلاح، قد أصبحت ولاية تابعة لنظام الفاطميين، فإنها لم تبق عضواً صالحاً ولم تحظ بميزة الاستقرار بل غدت منطقة اضطراب، ونقطة ضعف بارزة. وانصراف الخلفاء إلى معالجة مشاكلها، وصرف طاقاتهم الكبرى في ميادينها، أثر على نفوذهم في بلاد المغرب خاصة، التي انحط شأنها وأصبحت نسياً منسياً، ومجالاً حراً لتصرفات الزيريين.
وكان يمكن أن تتحطم جميع مشاريع المخالفين ويتغلب جعفر بن فلاح على المشاكل الداخلية والخارجية لو استعد ونسق مع نائب المعز لدين اللَّه وراقب الوضع الداخلي ولم يثر خلافاً مع بني حمدان غير أنه أخطأ التقدير وأثار خلافات جانبية ولذلك انهار بنيانه ولقي مصيره عند أول اصطدام بعناصر المعارضة للحكم الفاطمي التي أغراها الانتصار السريع في بلاد الشام بمتابعة نشاطها لتصفية ما للفاطميين من نفوذ في مصر.
ومعارضة القرامطة للحكم الفاطمي في بلاد الشام، التي ظهرت فجأة كانت أخطر المشاكل التي واجهتهم في بداية اتصالهم بهذه البلاد. وقد تحولت إلى حركة صراع مرير، لم يقتصر على بلاد الشام وإنما تجاوزها إلى مصر، وكان ذلك في عصر أبي علي الحسن بن أحمد بن أبي سعيد بن بهرام، المعروف بالأعصم الذي ولي الإمارة بعد وفاة أبيه سنة 359هـ/ 969 ـ 970 وقد بنى سياسته الخارجية عن أسس منها:
التحرر تدريجياً من التبعية للفاطميين، وتأكيداً لهذا الاتجاه، أبعد الحسن بن أحمد العناصر الموالية للفاطميين من أُسرة أبي طاهر وجمعهم في جزيرة (أوال) حتى لا يعتمد الفاطميون على ولائهم في التمهيد لإحداث الشقاق الداخلي، كما لم يعترض أثناء وجوده في مكة (359هـ) على إقامة الدعوة باسم الخليفة المطيع العباسي، مع أن أشراف مكة كانوا يدعون للمعز لدين اللَّه ويتقلدون الحكم باسمه منذ أن تدخل لفضّ خلافاتهم ودفع ديات قتلاهم، ولا يفسر موقف الحسن بن أحمد، إلا على أساس أنه محاولة للتقرب من العباسيين وبني بويه، على حساب الفاطميين، وعندما بدأ المعز لدين اللَّه في التحرك ضد الحسن بن أحمد بتشجيع أُسرة سابور أبي طاهر ردّ عليه بحذف اسمه من الخطبة والدعوة للمطيع وإعلان الولاء للعباسيين نكاية في الفاطميين.
الاحتفاظ بالمركز السياسي للقرامطة في بلاد الشام كان ركناً سياسياً في سياسة الحسن الأعصم، تمسكاً بحق الفتح على أساس أن ذلك يتيح لهم مجالاً للتوسع، وميزات اقتصادية هامة تمون خزينتهم بمبالغ مالية ضخمة وهذا الاتجاه جعل الحسن الأعصم يقف موقفاً معارضاً لمد النفوذ الفاطمي في بلاد الشام.
ولكي يبرز نشاطه ضد النفوذ الفاطمي، ويمهد للاصطدام الذي أعد له، طلب من جعفر بن فلاح([161]) الاستمرار في دفع الأموال إلى القرامطة اعتباراً بأن البلاد ما زالت تابعة لهم في إطار سياسة الصلح التي قررها أحمد بن أبي سعيد، والحسن بن عبيداللَّه بن طغج، ويعني هذا الطلب المثير أن يصبح جعفر بن فلاح، معترفاً بنفوذهم ومتحملاً لنتائج ترتبت عن توسعه باسم الفاطميين، في أرض ارتبطت مع القرامطة برباط الصلح نظير دفع الأموال([162])، وعلى هذا الاعتبار يصير القرامطة برباط الصلح للفاطميين في بلاد الشام أتباعاً لهم في الإحساء، ولأن الطلب غريب وانبنى على تجاهل متعمد للوضع الجديد في بلاد الشام فقد رفضه جعفر واعتبره غير معقول وترتب على الإلحاح من ناحية القرامطة والرفض الحاسم من جهة جعفر الاصطدام المباشر في ميدان الشام ويبدو أن جعفراً لم يتصور تداخلهم العسكري بسرعة، ولذلك لم يستعد لمواجهتهم حتى فاجؤوه وهو في قلة من أنصاره.
وقد مهد القرامطة للتدخل في شؤون الشام بترحيبهم بالزعماء الفارين منها، عقب فشل ثورتهم في دمشق، ومن هؤلاء محمد بن عصودا، وظالم بن موهوب، اللذان بسطا للقرامطة حقيقة الوضع السياسي وموقف السكان من الفاطميين وحثا الحسن بن أحمد على سرعة التدخل لنجدة سكان البلاد من بطش المغاربة. وفرار هؤلاء الزعماء إلى الإحساء، كان يعلم به القائد الكتامي لكنه لم يدرس عواقبه ويحذر نتائجه، أما الحسن الأعصم فقد اهتبل الفرصة، وتظاهر بأنه منقذ لسكان الشام ومنفذ لرغبات زعمائهم، ولم يكن في الواقع حريصاً على غير تحقيق أهدافه في البلاد على نحو يبقيها تحت دائرة نفوذه السياسي والاقتصادي ولو بالتحالف المؤقت مع العباسيين.
وفي الوقت الذي التأم فيه شمل الأحداث بقيادة الحسن الأعصم. الذي أصبح في حالة تعبئة كاملة من الناحيتين المادية والمعنوية وصار يتظاهر بأنه يتصرف بوحي من الإرادة الشعبية في بلاد الشام وفي إطار الشرعية لتصحيح الأوضاع المنحرفة، حيث اتخذ الأعلام السود شعاراً وعليها اسم الخليفة المطيع، وتحته شعار القرامطة الجديد «السادة الراجعون إلى الحق» وزحف إلى دمشق.
ولم تكن قوات جعفر بن فلاح مجتمعة في دمشق، بل أغلبها كان في النواحي أو في منطقة الاسكندرية لحرب الروم، ومن ثم لم يتم له استرجاعها إلى دمشق وحشدها ضد الأحلاف المعادية على الوجه الذي أراده، وهكذا فوجىء بقوات ضخمة لم يكن يتوقعها وهو في قلة من الأعوان. «فلم يكن إلا كرجع الطرف أو دونه حتى انهزمت المغاربة».
ويلاحظ أن جعفراً لم ينظم قواته ولم يختبر الحالة السائدة بينهم كما لم يقدر قوة أعدائه، لأنه لم يرتب طلائع لتقصي أخبارهم وحركاتهم وذلك بدافع الاستهانة بهم، ومن ثم «لم يشعر بهم حتى كسبوه بظاهر دمشق»([163]).
وقد أخذ جعفر برأي بعض أعوانه، ففارق مركزه الحصين في مدينة دمشق ولقي قوات الأحلاف خارج المدينة «بطرف البرية»([164])، وهذا جعل جانبه ضعيفاً بسبب كثرة أعدائه، وربما لو أنه ترك الأمر لأحد مساعديه، وبقي في المدينة يمده بالنجدات، ولم يخرج بنفسه على حالتي الاستعجال، والارتجال، وربما كان مريضاً([165])، لأمكن الصمود، وتدبير الدفاع عن المدينة من داخل الأبواب. ولو لفترة يسيرة، ولما وقع الانهيار السريع لخطوط دفاعه، عند أول لقاء بالقوات المهاجمة في قرية الدكة على نهر يزيد حيث هزمت قواته وتفرق رجاله وأصبحوا بين قتيل، وأسير، وفار، كما قتل ـ هو ـ في ظروف غامضة، واحتز رأسه محمد بن عصودا، وصلب جثته على حائط داره، انتقاماً منه لقتله أخاه إسحاق بن عصودا أثناء فشل ثورة الشريف أبي يعلى([166]).
وأصبحت دمشق منذ 6 ذي القعدة 360هـ/ أغسطس 970م، منطقة نفوذ للحسن بن أحمد القرمطي الذي باشر جباية المال من سكان المزة، ومنح الأمان لهم ولسكان دمشق، كما أعلن الدعوة للمطيع العباسي، وتظاهر بأنه أمير مفوض من طرفه وأعاد شعار السواد، والخطبة في كل المدن التي استرجعها من ولاة الفاطميين، وأهمها الرملة التي فارقها سعادة بن حيان وتحصن في يافا ولما انصرف عنها الحسن بن أحمد ترك لحصارها ظالماً بن موهوب العقيلي وأبا الهيجاء بن المنجا القرمطي، ويظهر أن الأمر لم يطل بسعادة بن حيان، حيث تركها إلى مصر([167])، التي أصبحت هدفاً مباشراً للقرامطة بعد سقوط بلاد الشام. (انتهى).
وإذا كان المقصود في هذا المقال هو الحديث عن جعفر بن فلاح، فإننا نرى تماماً للفائدة مواصلة الكلام عما آل اليه أمر القرامطة في صراعهم مع الفاطميين بعد مقتل جعفر بن فلاح.
وقد استخلص جوهر الصقلي، العبرة من قتل جعفر بن فلاح على يد القرامطة وتحاشى سعادة بن حيان الاصطدام بهم، بسبب تفوقهم العددي وبذل جهوداً جبارة من أجل تقوية مركزه في القاهرة، فاحتفر خندقاً في الجهة الشامية ليمنع نفاذ القرامطة إلى المدينة، ونصب عليه بابين من حديد، وبنى القنطرة على الخليج وفرق السلاح على المغاربة والمتطوعين المصريين، وتحفظ على ابن الفرات ووكل به من يلازمه حتى في داره، ويصاحبه حيثما سار. ثم أجبره على البقاء في القاهرة. كما راقب بقايا الكافورية والإخشيدية في مصر، وكان هدفه من هذه الإجراءات، ومن التحصين بمدينة القاهرة «أن تصير ـ هذه ـ حصناً فيما بين القرامطة ومدينة مصر ليقاتلهم من دونها». وكانت هذه الإجراءات ضرورية، لأن ضغط القرامطة على حدود مصر هيأ لعناصر المعارضة في الداخل فرصة التحرك، وفي الوقت الذي ثار سكان تنيس ضد واليهم واستغلوا فرصة سيطرة القرامطة على القلزم (ذي الحجة 360هـ)، وعلى الفرما (محرم 361هـ) فخلعوا طاعة جوهر وأظهروا الدعوة للمطيع العباسي، وشعار السواد، وزعت مناشير وجد شيء منها في الجامع العتيق، وتضمنت التشهير بجوهر وتحذير السكان منه، وظهرت ثورة عباسية في الصعيد. وتحرك سواد الرعية لترديد بعض الشعارات المعادية، كما مال الجند المصريون إلى العصيان.
وقد واجه جوهر هذه التحركات المعادية بحزم وبحكمة فأدّب ثوار تنيس، والصعيد، ووبخ السكان على ترويجهم للدعايات السيئة، وإثارتهم للعنف استغلالاً للظروف الدقيقة، وقد اعتذر السكان، ورجع الهدوء إلى مدينة الفسطاط واستقر الوضع الداخلي حتى مستهل ربيع الأول 361هـ حيث بدأت المعركة الحاسمة مع القرامطة حول الخندق، وبعد قتال عنيف استمر عدة أيام انتهت المعركة لصالح جوهر، وانهزم الحسن الأعصم وأحلافه من بني عقيل وطيىء، وبقايا الكافورية، وانسحب ليلاً عن طريق القلزم إلى بلاد الشام، ومنها إلى الإحساء، بعد أن ترك أبا الهيجاء عبداللَّه بن المنجا في دمشق يساعده ظالم بن موهوب العقيلي، ومهمتهما المحافظة على ولاء بلاد الشام وجباية خراجها، وكان الحسن يقرب أبا الهيجاء، ويعتمده، وذلك ما أغضب ظالماً وجعله ينسحب من الحلف ويبقى في بعلبك بعيداً عن نفوذ القرامطة والفاطميين إلى حين.
وإذا كانت جهود جوهر قد كللت بالنجاح فإن رغبته في قتل الحسن الأعصم أو أسره حياً، لم تتحقق رغم أنه رصد لمن ينجح في ذلك، ثلاثمائة ألف درهم وخمسين خلعة وخمسين سرجاً بحلي على دوابها. ومعنى ذلك أن المشكلة لم تجد حلها النهائي بعد، ذلك أن الحسن الأعصم الذي انسحب مؤقتاً، لمزيد من الإعداد، دبر خطة جديدة أساسها الضغط على مصر بحراً، وبراً، وشعور جوهر بحدة المشكلة دفعه إلى مكاتبة المعز لدين اللَّه يستحثه على القدوم إلى مصر، فاستجاب وأسرع «وهو يظن أنها ستخرج من يده قبل وصوله إليها». كما أمد جوهراً بنجدات برية هامة.
وبفضل إخلاص جند كتامة وشجاعتهم وبأس ابن عمار تحطمت مشاريع القرامطة، ففشل الغزو البحري لمصر عن طريق تنيس وغيرها من سواحل مصر، وأنزلت بهم هزيمة في (الحوف). وأسر كثير من رجالهم واحتجزت سفنهم وأعلامهم وعدتهم.
ويبدو أن المعز لدين اللَّه لم يكن يتصور مدى خطورة الحركة وهو في بلاد المغرب، لأن تفاصيلها لم تبلغه كما وقعت فعلاً، فلما استقر في القاهرة وعرف تأثير الحركة وأبعادها، حاول أن يعالج مشكلة العلاقة مع القرامطة بالطرق السلمية، فأرسل بياناً سياسياً مطولاً إلى الحسن بن أحمد، ينكر عليه الاتجاه التخريبي، الذي تبناه على غير سبب معقول أو أساس مقبول، إلا سفك دماء الأبرياء تعطشاً إلى السلطة([168]).
ولما كان ردّ الحسن الأعصم على بادرة المعز لدين اللَّه جافاً ومعبراً عن الاستمرار في السياسة العدائية ومتضمناً للسخرية منه، لإطنابه في الحديث دون فائدة ونصه «وصل إلينا كتابك الذي كثر تفصيله وقل تحصيله، ونحن سائرون إليك على أثره والسلام»، لم يبق غير المواجهة الحقيقية في ميدان الحرب.
وقد جرت المعركة هذه المرة منذ شهر رجب 363هـ/ آذار 974 ـ في ظروف تختلف عن ظروف الحرب الأولى، فالجبهة الداخلية في مصر أصبحت أكثر تماسكاً بسبب إشراف المعز لدين اللَّه بنفسه على المعركة وقد أراد الحسن الأعصم أن تكون الثورة شاملة للصعيد وللدلتا، واعتمد خاصة على تفجير الوضع الداخلي، والنيل من الجبهة، باستمالة عناصر المعارضة، وقد نجح في جذب فريق من الأشراف يتزعمهم عبداللَّه بن عبيداللَّه أخو مسلم، الذي أعلن ثورة في الصعيد، وجبى الأموال ونكل بجند كتامة، واستقر في إخميم، ولم يبرحها إلى الشام، ثم إلى الإحساء، حيث لقي مصيره قرب البصرة([169])، إلا بعد أن سمع خبر هزيمة القرامطة أمام خندق القاهرة، ثم انسحاب الحسن بن أحمد، على حالة سيئة، إلى الإحساء عبر بلاد الشام، بعد أن تفرق عنه رجاله وتآمر عليه بنو طيىء وزعيمهم حسان بن مفرج لقاء أموال كثيرة وعدوا بها من طرف المعز لدين للَّه الذي هالته قوة الأحلاف، ولم يجد وسيلة للنجاة غير تفريق كلمتهم وتخذيل بعضهم عن بعض([170]).
ولم يبق أمام لمعز لدين اللَّه ـ وقد نجح في حماية القاهرة من السقوط إلا تصفية آثار القرامطة ونفوذهم في بلاد الشام وإعادتها ولاية فاطمية كما كانت، وقد تولى تنفيذ هذه المهمة، أبو محمود إبراهيم ابن جعفر بن فلاح بمعية قوة من كتامة، وبمساعدة ظالم ابن موهوب العقيلي، الذي مال إلى التعاون مع الفاطميين، وبالتنسيق بين هذين القائدين بناء على رغبة لمعز لدين اللَّه ألقي القبض على أبي الهيجاء وبقايا القرامطة وأعوانهم من بين الأحداث، وفيهم محمد بن أحمد النابلسي الفقيه المالكي وأرسل الجميع إلى القاهرة حيث طيف بهم على الإبل بالبرانس والقيود([171]) وبينما اكتفى المعز لدين اللَّه باعتقال القرامطة فترة، ثم أطلق سراحهم وخلع عليهم قتل النابلسي.
وكانت هذه الحركة مقصودة، للتأثير على القرامطة حتى يراجعوا سياستهم تجاه الفاطميين، وفي هذا المعنى أنفذ رسولاً إلى الإحساء منذ شهر شوال 364هـ (367) وقد تلقى جواباً منهم في منتصف ذي القعدة 364هـ/ يوليه 975. «فخلع على الرسول، وعلى جماعة معه وحملوا»، وقد أكده الحسن الأعصم برسالة إلى المعز في ربيع الآخر 365هـ/ ديسمبر 975م وتضمنت الرجوع إلى الطاعة. واستمر الوضع على هذا النحو حتى توفي المعز لدين اللَّه. ورغم أن القرامطة لم يقطعوا صلتهم ببلاد الشام بسبب مكاتبتهم للمغامر أفتكين يعدونه بالعودة إلى الميدان، في أخريات حياة المعز لدين اللَّه، وهو الأمر الذي لم يخف عليه، فإن وفاته كانت حداً فاصلاً، جعلهم أحراراً في الحركة إلى بلاد الشام، نصرة للعناصر المعارضة للحكم الفاطمي فيها، وتوالت النجدات، بقيادة إسحاق وكسرى، وجعفر من قادة القرامطة ثم انضم الحسن الأعصم إليهم في نهاية الأمر، وكان ظهوره، بداية لانقلاب الوضع في بلاد الشام لغير صالح الفاطميين، وقائدهم جوهر الصقلي.
وعندما نجح العزيز باللَّه في إزالة خطر المغامر أفتكين وضمه إلى صنائعه وأدخله إلى مصر. لم يستجب الحسن الأعصم لنداء الخليفة بالاجتماع به ولم يستغل القرامطة بعد وفاة الحسن الأعصم مشاكل الفاطميين في بلاد الشام، واستمر الأمر حتى عصر الحاكم بأمر اللَّه إذ تشير بعض النصوص إلى توتر العلاقة بين القرامطة والفاطميين في عصره وقد كان عنوان التوتر، رسالة أرسلها زعيم القرامطة إلى الحاكم بأمر اللَّه يهدده، ويتوعده شراً، ويطلب منه الاستسلام، «لتكون آمناً على النفس والمال والأهل والولد» فأجابه الحاكم مسفهاً رأيه ومستهيناً بقوته ومهدداً له بسوء العاقبة بقوله «فيجب أن تعلم أن قد أحاط بك البلاء ونزل بك الفناء، فما أنت جئت بل اللَّه جاء بك» عند هذا الحدّ، لا تشير النصوص بعد ذلك إلى حركات أو زحوف قرمطية ضد مصر أو الشام بسبب انصرافهم إلى مشاكلهم الداخلية، وإلى معالجة الأخطار الخارجية التي تعرضوا لها منذ زمن طويل، من جهة بني بويه([172]) وبعض المغامرين ومن ثم لم تشر إلى نتيجة توتر العلاقة بينهم وبين الحاكم بأمر اللَّه.
ولم يستطع القرامطة الوصول إلى أهدافهم بإرجاع السيطرة على بلاد الشام، والضغط منها لإسقاط نظام الخلافة الفاطمية في مصر وأصبحت القاهرة حصناً حصيناً يقي السلطة الشرعية من أية حركة انفصالية. وهزائمهم المتوالية أمامها أصابت هيبتهم وحطمت كبرياءهم ووضعت حداً لتوسعهم وكانت بداية لمتاعبهم الداخلية.
الدكتور موسى لقبال
دفاع الشيعة عن صور
في الغزو الصليبي
بعد احتلال الفرنج لصيدا سنة 504 وكان الأسطول الفاطمي يدافع عن صور فلم يستطع إنجاد صيدا. أخذ الفرنج يحاصرون صور ثم يعودون عنها وكان حصار سنة 505 من أشد ما عانت صور، وذلك أن الفرنج جمعوا جموعهم من كل مكان وقصدوا إلى صور في حملة قوية.
ويقول ابن القلانسي في كتابه: ذيل تاريخ دمشق: «وأتت أهل صور رجالة كثيرة من صور ومن جبل عاملة رغبوا في ذلك مع رجالة دمشق وصلوا إليهم وحصلوا عندهم».
ونحن نرى أن القلانسي قد أكد على أن الحملة العاملية كانت كثيرة العدد بقوله: «رجالة كثيرة من صور وجبل عاملة» وجمعه بين صور وجبل عاملة يدل على أن الجبل كله قد ساهم في هذه المعركة إذ أن المقصود بكلمة صور هنا لا المدينة نفسها لأن سكانها فيها ولا يأتونها من الخارج، بل المقصود القرى المحيطة بصور، وللتأكيد على أن النجدات جاءت من كل القرى العاملية ميّز المؤرخ بين قرى صور الساحلية وقرى الجبل.
وبعد خطوب وأهوال وحصار دام أربعة أشهر ونصف الشهر اضطر الفرنج للرحيل عن صور.
وفي سنة 506 عاود الفرنج تحركهم حول صور، وزاد هذا التحرك سنة 507 فهيأ الفاطميون حملة لإنجاد صور حملها أسطولهم الكبير مع ما حمل من الغلات والأقوات والميرة ووصل في آخر صفر سنة 507 ويتحدث ابن القلانسي عن وصول هذا الأسطول قائلاً: «فرخصت الأسعار بها وحسنت حالها واستقام أمرها وزال طمع الفرنج بها».
وظلت صور والفرنج بين كرّ وفر حتى سنة 508 فشددوا الحصار عليها وساعدها على الدفاع وضعها الطبيعي، وحاول الفاطميون إمدادها براً فلم يستطيعوا ثم تنبه الفرنج إلى المدد الفاطمي البحري فأوكلوا إلى أسطول البندقية قطع الطريق البحري، كما كان البنادقة أنفسهم قد قطعوا الطريق البري فاضطرت المدينة إلى الاستسلام بشروط منها أن يخرج الأهلون حاملين ما يقدرون على حمله، فدخلها الفرنج وتفرق أهل صور في البلاد ولم يبق فيها إلا الضعيف عن الحركة.
شيعة صور والصليبيون
يقول ابن جبير في رحلته:
وكانت راحتنا مدة إقامتنا بصور بمسجد بقي بأيدي المسلمين، ولهم فيها مساجد أخر، فأعلمنا به أحد أشياخ أهل صور من المسلمين أنها أخذت منهم سنة ثماني عشرة وخمس مئة، وأخذت عكا قبلها باثنتي عشرة سنة بعد محاصرة طويلة وبعد استيلاء المسغبة عليهم، وذكر لنا أنهم انتهوا منها لحال نعوذ باللَّه منها، وأنهم حملتهم الأنفة على أن هموا بركوب خطة عصمهم اللَّه عنها، وذلك أنهم عزموا على أن يجمعوا أهاليهم وأبناءهم في المسجد الجامع ويحملوا السيف عليهم غيرة من تملك النصارى لهم، ثم يخرجوا إلى عدوهم بعزمة نافذة ويصدمونهم صدمة صادقة حتى يموتوا على دم واحد ويقضي اللَّه قضاءه فمنعهم من ذلك فقهاؤهم والمتورعون منهم وأجمعوا على دفع البلد والخروج منه بسلام، فكان ذلك وتفرقوا في بلاد المسلمين. ومنهم من استهواه حب الوطن فدعاه إلى الرجوع والسكن بينهم بعد أمان كتب لهم بشروط اشترطوها. (كان سكان صور في ذلك الوقت شيعة).
شيعة جزين والصليبيون
في تاريخ الأزمنة للدويهي ص104 عن سنة 613 سار خمسمائة نفس من الفرنج ليأخذوا جزّين وما حولها من القرى ونزلوا مرج العواميد وهو واد تحت جزين فأخلاها أهلها، ثم تجمع المسلمون من ذلك البلد فكبسوا الفرنج وقتلوا أكثرهم وأسروا مقدمهم ومزقوهم وأبادوهم عن آخرهم، فلما بلغ ذلك صاحب عكا غضب وشن الغارات على جزين وما حولها (كانت جزين شيعية) ويذكر ذلك الذهبي في كتابه (سير أعلام النبلاء) بهذا النص:
وأخذت خمس مئة من الفرنج (جزين) وفرّ رجالها في الجبل، ثم بيتوا الفرنج فاستحر بهم القتل حتى ما نجا من الفرنج سوى ثلاثة.
الدفاع عن طرابلس
دافع بنو عمار الشيعة عن طرابلس عشر سنين ظلوا فيها يقاتلون الصليبيين ويذودونهم ويتحملون ضيق الحصار.
من آثار بلاد الشام
بلغ عدد البعثات الأثرية في محافظة الحسكة خلال عام واحد 15 بعثة، توزعت في منطقة حوض الخابور التي كانت مهداً لحضارات كثيرة ومركزاً أساساً للاقتصاد والثقافة والتجارة. وفي «تل بويض» الذي يقع على الضفة اليمنى لنهر الخابور وحيث تابعت البعثة السورية أعمالها التي بدأت عام 1992م وتمكنت من اكتشاف قصرين يعودان إلى العصرين الآشوريين الوسيط والأخير، ظهرت في عمليات التنقيب جدران القصر الآشوري الأخير والبوابة الرئيسة وبرجان متناظران على جانبي البوابة، إضافة إلى سوية حضارية تعود إلى 5500ق.م احتوت على مجموعة أزرار فخارية وحجرية.
وفي «تل شاغر بازار» الذي يقع شمال مدينة الحسكة، تابعت البعثة السورية ـ الإنكليزية ـ البلجيكية المشتركة أعمال موسمها الثاني وعثرت على عمارة من اللّبن احتوت على مجموعة من المدافن والتنانير تفصل بينها طرقات وتتخلل بعضها قنوات لتصريف المياه تعود إلى 3000ق.م. إضافة إلى اكتشاف رقيم مسماري ومجموعة من طبقات الأختام الطينية والجرار الفخارية والأدوات البرونزية وخرز الكريستال العائدة إلى 2700ق.م. وفي «تل عربيد» الذي يقع إلى الشمال الشرقي من مدينة الحسكة على طريق القامشلي، اكتشفت البعثة السورية ـ البولونية مجموعة من الغرف وفي داخلها قبور وتنانير ومحال لبيع الصدف البحري، كما عثر على مجموعة من الجرار الفخارية والخرز وبعض القطع البرونزية والأساور تعود كلها إلى 2000ق.م.
أما البعثة السورية ـ الأوروبية المشتركة في «تل بيدر» فتابعت أعمالها في الأجزاء المكتشفة من المنشآت المعمارية المبنية من اللَّبن والعائدة إلى 2500ق.م وعثر خلال هذا الموسم على قصور تتخللها طرقات وأقنية وأدراج من الحجر البازلتي المؤدية إلى هذه القصور إضافة إلى مجموعة من اللقى الأثرية الطينية والفخارية والبرونزية. وعثرت البعثة السورية ـ الأميركية التي تعمل في «تل الحرية» على أجزاء من الغرف اللبنية احتوت على قبور تعود إلى العصر الآشوري الأخير وعلى جزء من منشأة معمارية احتوت على غرف ومجموعة من الجرار الفخارية والبرونزية. وفي «تل خزنة» تابعت البعثة الروسية أعمالها لهذا الموسم بالكشف عن أبنية تخزين المؤونة. ومن اللقى الأثرية ختم أسطواني الشكل إضافة إلى أجزاء من تماثيل حيوانية مصنوعة من الطين المشوي تعود إلى 3000ق.م. وفي «تل براك» كشفت البعثة الأثرية الإنكليزية عن مبنى بيضوي الشكل احتوى على غرفة من اللَّبن وعلى تنور دائري وجدران طولانية استخدمت كمواقد للطبخ وعلى ثلاثة محاريب صغيرة تبين أنها معبد مقدّس يعود إلى 3500ق.م. ورقيم مسماري يعود إلى العصر الأكادي. وفي «تل بري» تابعت البعثة الإيطالية أعمالها وكشف عن سويات حضارية تتواصل من العصر البابلي القديم وحتى الحضارة العربية الإسلامية. وضمن هذه السويات مستودع وتنور وقبور تعود إلى الفترة الفارسية إضافة إلى ورشات لحياكة الثياب والأقمشة تعود إلى الفترة البابلية الأخيرة. وعثر في «تل الحميدي» من جانب البعثة السويسرية على كأس فخاري عليه رسوم لأشكال إنسانية وحيوانية ونباتية وعلى جزء من ختم أسطواني وصحون وجرار فخارية إضافة إلى دمى حيوانية وكائنات أسطورية خرافية تعود إلى 2000ق.م. أما في «تل تينير» فعثرت البعثة الأميركية على مجموعة من القطع النقدية وأوان زجاجية مزخرفة ومصابيح وكؤوس ورماح تعود إلى الفترتين الأموية والعباسية.
… وتل موزان وتل بري
اكتشفت البعثة الأثرية الأميركية في تل موزان (سوريا) مجموعة أبنية من اللبن تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، وفيها رقيم مسماري وطبعات أختام وأسوارة مصنوعة من الفضة وحلق من ذهب. كما تمّ التعرف إلى مجموعة من الأسماء التي كانت تحكم هذه المنطقة في تلك الفترة، فتبيّن أن اسم الملك هو «توبكيش» والملكة «أكنيتوم» واسم طباخة الملك «تولي» إضافة إلى اسم أحد التجار وهو «وبوشام». ويقع هذا التل شمال ناحية عامودا على مسافة 8كلم على طريق القامشلي. وعلى الصعيد ذاته، وفي إطار البحث والتنقيب في تل بري، أكد السيد «باولو أميليو فيكوريلا» رئيس البعثة الأثرية الإيطالية أهمية هذا التل من الناحية التاريخية وغناه بالحضارات القديمة التي تعاقبت عليه وخصوصاً الحضارة البابلية القديمة. فبعد موسم من الحفريات استطاعت البعثة العثور على مكتشفات أثرية مهمة، منها ختم أسطواني الشكل عليه رسوم تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، كما عثرت على أجزاء من غرف من اللبن وعلى تنورين وقبرين من الفترة الفارسية إضافة إلى ورشات لحياكة الأقمشة تعود إلى الفترة البابلية الحديثة وبئر وقبور تعود إلى الفترة البابلية القديمة وجرار فخارية وأدوات برونزية وحجرية وخاتم ذهبي.
عبدالكريم درويش
طريق الحرير في بلاد الشام
تُدمر محطة على طريق الحرير
يعتبر الحرير من أهم مكتشفات الشعب الصيني قديماً، ومبتكراته الحضارية عبر العصور. تزايدت أهمية الحرير التاريخية والاقتصادية والفنية بمرور الزمن حتى غدا الحرير من أهم مواضع التبادل التجاري والتجارة الخارجية العالمية، ومع تزايد هذه الأهمية لتجارته سمي طريق القوافل التجارية التي تنقله من الصين إلى روما باسم «طريق الحرير».
إن أهمية هذا الطريق وأثره الكبير في التبادل التجاري والحوار الفكري والتفاعل الحضاري جعل منظمة اليونيسكو تطالب مجتمعات العالم لاستقصاء ومتابعة آثار طريق الحرير عبر أقطار عدة في قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا لفتح حوار حضاري يسهم في تقارب الشعوب والأمم.
لقد كان طريق الحرير في الماضي موضوع بحث علمي ورمزاً لإنجاز حضاري وعامل اتصال تاريخي وحضاري بين عالم الشرق والغرب، أما في العصر الحاضر فقد غدا موضوع بحث لحوار فكري وتفاعل حضاري بين أقدم الحضارات الإنسانية العالمية التي نشأت وازدهرت في كل من الصين وكوريا وتركستان وأفغانستان وشبه القارة الهندية وإيران وبلاد ما بين النهرين وبلاد الشام ومصر واليونان وإيطاليا.
إن لاكتشاف طريق الحرير أكثر من قصة أو أسطورة، وتوارثت الأجيال المتعاقبة تلك الأسطورة. وذكر في ما بعد المؤرخون والباحثون هذه القصة أو أسطورة هذا الاكتشاف الذي تمّ في نحو 2640ق.م. عندما لاحظت الامبراطورة أسي لينغ تشي زوجة الامبراطور هوانغ في، أن الشرانق تنحل إلى خيوط دقيقة وطويلة في الماء الساخن المغلي. فكانت هذه الملاحظة بداية قصة اكتشاف خيوط الحرير وحسن الإفادة منها.
ونسب لاحقاً إلى هذه الامبراطورة الفضل في تعليم الصينيين زراعة أشجار التوت وتربية دودة القز على أوراقها. وتشير النصوص القديمة أن الصين عرفت نسيج خيوط الحرير قبل حوالي خمسة آلاف سنة، فاشتهرت بهذه الصناعة ومنها انتقلت أسرار معرفة الحرير إلى مختلف الأقطار المهجورة.
انطلقت هذه القوافل التجارية من تسانفان عاصمة أسرة هان الملكية في طريق الحرير مجتازة الولايات الأربع، فكان هذا الطريق الرئيسي يتفرع إلى طريقين فرعيين جنوبي وشمالي وكانت هذه القوافل تنطلق من بلاد الصين من مدينة تسانفان في طريق الحرير البري عبر ممر اشتهر باسم ممر قانسو وبعد انهيار حلم أسرة تانغ (618 ـ 907) والملكيّة وضعف سيطرة الحكومة المركزية على شمال غربي الصين وظهور سلطات محلية انفصالية أثارت الفتن في المناطق القريبة وشمال ممر قانسو، ما أدى إلى تراجع فعاليات التبادل التجاري على طريق الحرير البري وازدادت أهمية طريق الحرير البحري في اتصال الصين بأقطار العالم، وهذا ما أسهم في مجيء أفواج الرحالة الملاحين والتجار والمسافرين ومن بين الرحلات المشهورة رحلة ماركو بولو (1254 ـ 1323) حين أسهمت مشاهداته في اطلاع الأوروبيين على حضارة الصين وأسرارها الغامضة.
كذلك ازدهرت المناطق التي مرّ بها طريق الحرير الدولي وحدث تفاعل حضاري وصلات إنسانية بين سكان الأقطار المتباعدة جغرافياً وتاريخياً وثقافياً واجتماعياً وسياسياً، من هذه المناطق كانت تدمر مدينة القوافل التجارية ومحطة طريق الحرير الرئيسية.
وكان طريق الحرير الدولي عبر تدمر قادراً على المنافسة الرابحة والمضمونة على طريق الحرير البحري، فكان بمثابة الشريان الأهم لفعاليات التجارة الدولية حينئذ وأسهم في جعل تدمر تسود التجارة الدولية وطريق الحرير البري وتسهم في تنظيم حركة نقل الحرير وعمليات تجارة الحرير الدولية، فبعدما كانت تدمر في الماضي شبه مقفرة، أصبحت محطة شبه إجبارية للقوافل التجارية المتجهة من الشرق إلى الغرب ومخزناً لبضائعها المختلفة وعاصمة لرجال القبائل العربية وزعماء القوافل.
إن شهرة السوريين القدامى في ميادين التجارة الداخلية والخارجية وخبراتهم ورحلاتهم توضح إسهام التجارة في ازدهار تدمر ودورهم المهم في تنشيط فعاليات التجارة العالمية في عصر كانت فيه القوافل التجارية تهتم بكل ما أبدعه الفنانون والصناع من نفائس وتحف وروائع فنية كان يتهافت على اقتنائها الملوك والأمراء وكبار الأغنياء. وجعل مدينتهم مركزاً تجارياً مهماً ومحطة للقوافل التجارية في طريق الحرير البري الدولي.
وقد حققت هذه القوافل التجارية لتدمر وللتدمريين مكاسب عدة وبخاصة في ما يتعلق بتوسع فعاليات التدمريين التجارية في الخليج، وخصوصاً في خرقيدونيا ومكاتبهم في خرقس في شمال الخليج وصلاتهم بمراكب الهند وبناء أسطول تدمري في الخليج ووصول فعاليات تدمر الاقتصادية إلى الصين. كذلك تمتع التدمريون بفضلها بنفوذ كبير في مناطق كانت تسيطر عليها الامبراطورية الساسانية في عصر بدت فيه تدمر كأنها سيدة التجارة الدولية وطريق الحرير الدولي كذلك فإن الازدهار الاقتصادي جعل تدمر عاصمة الترف والغنى والرفاه، وهذا ما أسهم في تقدمها العمراني والفني والثقافي والاجتماعي. وهذا ما أوضحته وأكدته الكتابات التدمرية الأثرية والمنحوتات، كذلك فإن بناء معبد بل الضخم عام 32م يعتبر بمثابة نقطة تحول مهمة في تاريخ العمارة التدمرية الدينية والمدنية وأن المباني الجميلة في تدمر تجسد ذلك الرفاه والازدهار والفعاليات التي تحدث عنها المؤرخون عندما أطلقوا عليها اسم «تتراديون».
أسهمت تدمر في حماية طريق الحرير والقوافل التجارية وأصحابها في مختلف البقاع والأقطار وقدمت خدماتها المختلفة في سبيل أمن طريق الحرير وسلامة القوافل التجارية في ذهابها وإيابها، كما أفادت من الرسوم المالية التي كانت تجنيها بموجب نصوص القانون المالي 137م، إلا أنها واجهت أيضاً خطر شابور الأول (241 ـ 272) الذي استولى على المنفذ البحري لفعاليات تدمر الاقتصادية في الخليج ما جعله يصطدم مع أمير تدمر أذينة. كما واجهت خطر أورليان (270 ـ 275) الذي قضى على مملكة تدمر في عهد زنوبيا (عام 273م).
وهكذا قضت الحروب العدوانية على مسيرة الازدهار الاقتصادي والتقدم الاجتماعي والثقافي في تدمر. والآن تبدو تدمر بأطلالها الخالدة وكأنها تتحدث عن ذلك الازدهار العريق والإشعاع الحضاري يوم كانت تدمر عاصمة لفعاليات اقتصادية وترف اجتماعي.
«راجع عن طريق الحرير: تركستان، وراجع: مشهد».
الانطلاق من شمال سوريا
في محاضرة ألقاها في دمشق المؤرخ الفرنسي جان بوتيرو بعنوان (نحن وسوريا القديمة) وهو عالم آشوريات وأستاذ في المدرسة التطبيقية العليا في باريس، ذكر رأياً نشره الأستاذ نزار سلوم مقدماً له بمقدمة منه، وهو ما يلي:
لا تحيل عبارة، «نحن وسورية القديمة» التي يعتمدها المؤرخ الفرنسي جان بوتيرو، إلى تلك الثنائية الشهيرة شرق ـ غرب المفضية إلى علاقة
يعتبر جان بوتيرو أن تراث سورية القديمة هو تراث مشترك «بيننا وبينكم» وذلك منذ التعرف إليه من حوالي قرنين، عندما أدت الأبحاث الأثرية إلى التعرف على وثائق وشواهد كبرى تتمثل في الأوابد، وبشكل أساسي في النصوص المكتوبة التي يقارب عددها نصف مليون نص تتناول 3000 سنة من التاريخ. وفي سبيل تأكيد نتائجه، فإن بوتيرو يستعيد القصة العامة للحضارة الأولى في بلاد الرافدين. ملاحقاً تأسيساتها وأحوالها السكانية واللغوية، مبتدئاً من العام 3200ق.م، تاريخ أقدم نص تمّ العثور عليه في أوروك (الوركاء).
كانت بلاد الرافدين منطقة أنهار كبرى تغمر الأراضي بفيضاناتها المتوالية، واستمرت هذه الحالة حتى الألف السادس قبل الميلاد، عندما بدأت الحقبة الجليدية بالانحسار، الأمر الذي سمح لأشكال الحياة بالظهور، فأقامت شعوب في هذه المنطقة ما تزال مجهولة، وكانت تعيش بمرتبة ثقافية أقل من المرتبة الحضارية الأولى. ومع بداية الألف الرابع ق.م. بدأت التغيرات الكبرى مترافقة مع بداية توطن مجموعات سكانية كبرى أخذت تتوالى على منطقة الرافدين.
موقع مدينة تدمر العريقة واحد من ألاف المواقع ألاثرية في سوريا.
المجموعة الأولى: السومرية ـ الأكادية. ويكتنف الغموض المجموعة السومرية من ناحية أصولها العرقية واللغوية، فقد جاءت من خارج بلاد الرافدين، ولم يتم التعرف إليها إلا بواسطة أحد الرهبان ويدعى بيروز، عاش في بابل في زمن الإسكندر. وقد نقل هذا الكاهن بشكل موضوعي معلوماته عن المجموعة السومرية، وذلك بتدوينه أسطورة الحكماء السبعة السومرية التي تشير إلى أنهم جاؤوا من الأطراف الغربية، أو ساروا بمحاذاة الأطراف الغربية للخليج العربي، حتى وصلوا بلاد الرافدين وقد حمل السومريون ثقافة عليا يمكن البرهان عليها من النصوص الأكادية التي حافظت على المفردات والصيغ اللغوية السومرية.
أما المجموعة الأكادية المعاصرة لها، فقد كانت بمستوى ثقافي أدنى، لكنها تعايشت مع المجموعة السومرية في نهاية الألف الرابع. وأدى هذا التعايش إلى «إنتاج» مجموعة واحدة خلال الألف الثالث ق.م.
خلال تلك الحقبة حصل تقدم نوعي تمثل في أحد جوانبه بإنشاء الأقنية التي وصلت ما بين النهرين، واستطاعت إرواء مساحات واسعة وتحكمت بحجم المياه وكان القيام بهذا العمل يتطلب وجود مؤشر على بداية ظهور العقلية العامة والسياسية، بل وتطورها قدماً مع هذا التقدم والإنجاز التي أهلّت الأرض للزراعة وتربية الحيوان. ومع تغير الشروط السياسية، ظهرت سلطة موحدة وقوية بدأت تمد نفوذها خارج منطقتها إلى كل الشرق الأدنى القديم وفي خلال ذلك اختفت المجموعة السومرية، وتم استيعابها من قبل المجموعة الأكادية المعاصرة لها. ويمكن تفسير ذلك بأن المجموعة السومرية القادمة من الخارج قطعت علاقاتها مع أصولها، أو بلاد المنشأ، فأصبحت معزولة ومنغلقة. بينما ظلت المجموعة الأكادية، القادمة من الشمال الغربي، على علاقة مع المنشأ أو الأقارب والأصول، أي مع المجموعة الأثنية ذاتها، الأمر الذي جعلها تتضخم وتقوى وتستوعب المجموعة السومرية فأصبحت الحضارة الرافدية المشكلة من هذا التمازج، من الآن فصاعداً، بين أيدي المجموعة الأكادية فقط، التي سيكون لها الدور الفاعل وعلى مدى 2000 سنة مقبلة، وخلال 1500 سنة سيتم دعمها بهجرات تنتمي إلى الأرومة الأثنية ذاتها.
المجموعة الثانية: بدأت هذه المجموعة بالتوافد إلى بلاد الرافدين مع نهاية الألف الثالث ق.م. وهي المعروفة بالآمورية. إلا أن المؤرخ بوتيرو يفضل تسميتها بالكنعانية، وهي تتكلم لغة سامية غير مطابقة تماماً للأكادية، ولكنها من الأرومة اللغوية ذاتها التي تنتمي إليها الفينيقية. وقد أسست هذه المجموعة عدداً من الممالك ـ المدن حول بابل، خصوصاً أثناء فترة الملك الشهير حمورابي، وتركت تحفاً فنية ونصوصاً كتابية على مستوى ثقافي عال، لعل أشهرها ملحمة جلجامش 1700ق.م. وكذلك ملحمة العاقل ـ الخارق. وهكذا كانت هذه المجموعة، بما هي «دم جديد» العامل الرئيسي في إعادة تحريك العملية الحضارية من الداخل.
المجموعة الثالثة: بدأت الآرامية، التي اختلفت في تموضعها عن المجموعة الكنعانية، ففي الوقت الذي كانت هذه الأخيرة تتموضع في المدن، فإن المجموعة الآرامية كانت تتجمع خارج المواقع المدنية، وتقوم بغزوات تجاهها، وهو ما أكسبها فكرة سلبية. غير أن المجموعة الآرامية، على رغم هذه السمعة، كان لها الفضل في إحضار الأبجدية التي لعبت دوراً حاسماً على صعيد تعميم الكتابة والتعليم. ذلك لأن الكتابة المسمارية كانت حكراً على عدد من الكتبة، بالنظر إلى تركيبها المعقد، فهي تضم 500 رمز، ولكل رمز منها عدد من المعاني ما جعلها محدودة الاستعمال عند عدد من العلماء. وعلى ذلك وبحكم عدم تعميمها، أو قدرتها على تعميم نفسها، فقدت أهميتها وضرورتها، وكان أن جاءت الأبجدية فأعادت الاعتبار للغة عندما جعلتها قابلة للتعميم علماً وكتابة. تولت هذه المجموعات المتوالية مسؤولية السياق الحضاري في بلاد الرافدين. ومع النظر إلى الخلاف الآشوري ـ البابلي، فإن هذه الحضارة بدأت تنحسر شيئاً فشيئاً، وفي الواقع بدأت تشيخ، إلى أن توقف مسارها نهائياً في القرن الأول بعد الميلاد. حيث يعود آخر نص ينتمي إليها إلى العام 74ب.م. وهو نص فلكي علمي.
انتشرت الكتابة المسمارية، وعممت المزايا الحضارية لبلاد الرافدين خلال ثلاثة آلاف سنة، وقد أخذت اليونان الأساطير عنها في فكرتها العامة وسياقها.
إن استعادتنا لسياق هذه الحضارة الرافدية تشير بوضوح تام إلى أنها «أقدم جد» لحضارتنا الإنسانية الراهنة. وفي هذا المجال تعتبر أصل الحضارة وأساسها. ولكن هذه الحضارة الناشئة من مزيج سومري ـ أكادي ـ كنعاني (آموري) ـ آرامي، ما هي ماهيتها؟
في ختام أطروحته، يعتمد المؤرخ الفرنسي بوتيرو على علم اللغة في تحصيل جواب عن هذا السؤال. فيقرر أن لغة المجموعات الثلاث سامية، وإذا صحّ التعبير فإن الحضارة الرافدية سامية أيضاً. ولكن من هي هذه المجموعة السامية؟ إنها تلك التي تنضوي ضمن إطار الثقافة السامية، ليس في مضمونها العرضي ـ بل في أساسها اللغوي، الذي انطلق من الآرامية المتفرعة إلى كنعانية ـ عبرية ـ عربية. وفي هذا المجال، فإن الآرامية تماثل اللاتينية المتفرعة إلى لغات متعددة. ويستكمل بوتيرو أطروحته قائلاً: من أين جاءت هذه المجموعات؟ ويجيب من دون تردد: جاءت من الأقسام الشمالية من سورية. ويضيف أن أغلب العلماء أصبحوا يقرون بهذه الحقيقة العلمية التي فسرت الكثير من الحلقات الغامضة التي كانت تكتنف مسار الحضارة الرافدية في أصولها السكانية واللغوية.
أحوال الطرق البرية بين مدن الشام
والمناطق الإسلامية الداخلية
الاتصال بين منطقة المحيط الهندي وبلاد الشام، عن طريق الخليج الفارسي وجنوب العراق والبادية، هو السبيل إلى دمشق وشمال العراق في رفقة دجلة والفرات وصولاً إلى الموصل فحلب، معروف أمره. وقد آن لنا أن نصل مدن الشام الداخلية بموانئها الساحلية، كي تتم لنا صورة الانتقال التجاري تجاراً وسلعاً بين منطقة الهند والصين من جهة ومنطقة البحر المتوسط من جهة ثانية.
وهذا يقتضينا النظر إلى الأمر في فترات ثلاث: الأولى تشمل الفترة من القرن الثالث إلى الخامس هـ/التاسع إلى الحادي عشر م. والثانية هي الفترة التي كانت فيها الأجزاء الساحلية من بلاد الشام تقع تحت نفوذ الدويلات الصليبية، بما في ذلك المملكة اللاتينية. أما الفترة الثالثة فتشمل، في سبيل استتمام الحديث، أيام الدولة الأيوبية والمملوكية في أولها.
الفترة الأولى: إن الفتوح العربية الإسلامية أدت إلى اضطراب في التنقل التجاري لبعض الوقت، لكن ذلك لم يطل أمده. ذلك أن الناس لا يمكن أن يستغنوا عن الحاجات الأساسية في الحياة، ولما اطمأن الناس إلى شيء من الأمن وامتلأت جيوبهم، أصبحت حتى السلع الاستهلاكية حاجة ضرورية. والتاجر سرعان ما يلبي طلب الناس ومطاليبهم. فضلاً عن ذلك فقد نشأت الآن حاجة ماسة جداً لطريق ممهد مأمون يصل بلاد الشام وغيرها بالحجاز تيسيراً للناس للقيام بفريضة الحج.
وكانت هذه الطرق يسلكها رجال الإدارة والبريد والجنود وكل من تحدثه نفسه بالرحلة والتنقل بقطع النظر عن السبب.
ونرى أن نفصّل هنا أخبار الطرق التي كانت تصل بلاد الشام بالحجاز، وما وراءها.
أولاً: كانت المناطق الممتدة بين دمشق وجنوب الأردن مأهولة، وقد استمرت إقامة الأهلين هناك من أيام الرومان إلى العصر الأموي، وكانت الأرضين مستغلة زراعياً استغلالاً جيداً، أما تجمعات السكان فقد تنوعت من القرية إلى القصر إلى الحصن إلى البلدة الكبيرة وهذا كله يعين التجار والتجارة.
ثانياً: التجمعات السكانية التي تعود إلى العصر الأموي، سواء منها القديمة أو الحديثة، كثيرة. وقد أخذ رفش رجال الآثار ومعولهم يكشفان اللثام عنها ومن هنا معرفتنا. ولنذكر على سبيل المثال: أم الجمال (ولعلها كانت البلدة الرئيسية في شمال الأردن) وجرش وأربد (أبيلا؟) وفحل (بلا) وعمان ومادبا ومعين وحسبان وأم الرصاص.
ثالثاً: كان قصر المُقوَر، على الراجح، نقطة التقاء طرق تتجه شرقاً وغرباً للوصل بين الطرق الشمالية الجنوبية.
رابعاً: كان الأزرق نقطة انطلاق لطريق وادي السرحان في اتجاه جنوبي شرق إلى تيماء والجوف (دومة الجندل). وهذا الطريق كان مهماً بالنسبة إلى تجارة الشام منذ أيام الكلدانيين فكان استعماله يقل أو يتوقف، لكنه كان يرجع، وقصر الحلابات يشاطر الأزرق بعض واجباته.
يتضح من هذا الذي بسطناه أننا نجد سوقاً تتطلب أنواعاً مختلفة من السلع، يتفق كل نوع منها مع حاجة الناس أو ذوقهم أو مستوى المجتمع الذي هم أعضاؤه، ونجد أماكن تنتج حاجات السوق، كما نرى أن الطرق كانت مأمونة بحيث يمكن نقل الحاجات والمتاجر والبضائع من المنطقة المنتجة إلى المنطقة المستهلكة ـ إلى السوق. وإذن فلن يكون غريباً أن تنقل الحنطة من بلاد الشام إلى الجزيرة العربية: في حجازها أو غيره. ويكون طبيعياً أن يحمل الزيتون والزيت والصابون من مصانعه في بلاد الشام ـ وقد أشرنا إليها ـ إلى حيث يُستعمل ولا يُصنع في الجزيرة. وإذن فالاتجار مع الجنوب كان قائماً باستمرار.
أما الفترة الثانية، وهي الفترة التي كانت السواحل الشامية تحت نفوذ الفرنجة فتقتضي منا ملاحظة بضعة أمور كي تتضح أساليب التبادل التجاري بين الداخل والساحل، ومن ثم بين المناطق الأبعد والأوسع.
1 ـ إن قيام الدويلات الصليبية على الساحل الشامي قطع الاتصال بين الشام ومصر عبر الطريق الساحلي (وهو الذي أسماه الرومان Via Maris)، وعبر تفرعاته الداخلية. ومن هنا فإن الاتصال الرئيسي بين دمشق والقاهرة كان يسير على سيف الصحراء السورية ـ الأردنية إلى الشرق من الكرك والشوبك اللتين كانتا مركزين للفرنجة.
2 ـ وهذا الطريق لم يكن طريق تجار فحسب، بل كان طريق الحج، إذ كان الحجاج المسلمون يجتمعون من شمال بلاد الشام وأنحاء العراق الشمالية في دمشق ويتجهون إلى الجنوب إلى الأراضي الحجازية. وكان التجار يستعملون هذا الطريق في موسم الحج أو في قوافل تجارية خاصة. هذا الطريق يكاد يكون مطابقاً لطريق سكة حديد الحجاز التي بنيت في مطلع هذا القرن والتي وصل أول قطار عليها من دمشق إلى المدينة المنورة في شهر أيلول (سبتمبر) 1908م.
3 ـ من المهم أن نتذكر أن القتال بين الدويلات الصليبية والأمراء المسلمين في المنطقة لم يكن أمراً مستمراً. ذلك أنه بعد مرور وقت كان القتال فيه مريراً، ألف الفريقان ـ عملياً لا نظرياً ـ هذا الوجود. فكان القتال يقع عندما يقوم في أي من الجبهتين زعيم ينوي التوسع (من فريق الفرنجة) أو يعتزم دفع الموجودين عن البلاد (في الجهة الوطنية). ونحن إذا استعرضنا تاريخ الدويلات في المواقع والهجمات والحصارات وسواها نجد أن الغالب عليها ـ بعد الفورة الغربية الأولى ـ محاولة الالتفات إلى شؤونهم الداخلية، والعناية بالتجارة البحرية التي كانت تعود على تلك الدويلات بأرباح كبيرة.
4 ـ يحدثنا ابن جبير عن شيء اسمه التمكيس يقع في حصن كبير من حصون الإفرنج هو تبنين (في جبل عامل) حيث كانت القبائل تمكس. وعبارة ابن جبير تستحق أن تنقل بكاملها لما فيها من الدلالة قال: «التمكيس: واجتزنا في طريقنا بين هونين وتبنين بواد ملتف الشجر، وأكثر شجره الرند. بعيد العمق كأنه الخندق السحيق المهوي تلتقي حافتاه ويتعلق بالسماء أعلاه يعرف بالإسطبل لو ولجته العساكر لغابت فيه، ولا منجى ولا مجال لسالكه عن الطالب فيه، المهبط إليه والمطلع عنه عقبتان كؤودان فعجبنا من أمر ذلك المكان. فأجزناه ومشينا عنه يسيراً وانتهينا إلى حصن كبير من حصون الإفرنج، يعرف بتبنين وهو موضع تمكيس القبائل، وصاحبته تعرف بالملكة وهي أم صاحب عكة. فكان مبيتنا أسفل ذلك الحصن ومكس الناس تمكيساً غير مستقص. والضريبة فيه دينار وقيراط من الدنانير الصورية على الرأس. ولا اعتراض على التجار لأنهم يقصدون موضع الملك وهو محل التعشير. والضريبة هي قيراط من الدينار، والدينار أربعة وعشرون قيراطاً. وأكثر المعترضين في هذا المكس المغاربة ولا اعتراض على غيرهم».
يبدو واضحاً من هذا الكلام أن نقل السلع كان أمراً مقبولاً، وأن ابن جبير كان ينتقل في قافلة، لعلها لم تكن كبيرة، لكنها كانت من الأمور التي ألفها الناس ونظموا انتقالها وتمكيسها.
5 ـ أشرنا من قبل إلى قول ابن جبير إن المصاف قد يقع بين أهل الداخل ومحتلي الساحل، ومع ذلك فإن تبادل التجارة يكون قائماً.
6 ـ ومن الملاحظ أنه عندما تعقد هدنة أو يوقع صلح بين أي من الجماعات المتقاتلة في الجهة الواحدة مع الجهة الأخرى، فإن الناس يتنقلون بإذن عام. ففي صلح الرملة الذي عقد بين صلاح الدين والصليبيين سنة 588هـ/ 1192م، نادى المنادي بالناس أن قد تم الصلح، وليتجه كل فريق إلى الجهة التي يريد، فذهب البعض إلى يافا والبعض الآخر إلى القدس وغيرهما.
الفترة الثالثة: إن تقلص المملكة اللاتينية بعد صلح الرملة (سنة 588هـ/ 1192م) وقيام الدولة الأيوبية في مصر (564هـ/ 1169م) ثم قيام دولة المماليك في مصر (648هـ/ 1250م) وامتدادها إلى بلاد الشام أدى إلى القضاء على الوجود الصليبي في تلك الديار نهائياً (691هـ/ 1291م). ومن ثم فقد عادت الطرق سيرتها الأولى، وعاد الاتصال المباشر بين دمشق وغيرها من المدن الداخلية بالموانىء الشامية والمدن المصرية.
وكانت الأسواق المصرية المهمة بالنسبة إلى التجارة الأوروبية، بدءًا من القرن الخامس هـ/ الحادي عشر ميلادي هي الإسكندرية ودمياط لكن المركز التجاري الرئيسي في مصر كان الفسطاط وقد خلف الرحالة والزوار الأخبار الكثيرة عن هذه الأسواق المصرية، وها نحن ننقل هنا ما ذكره ودوَّنه أولئك الذين زاروا مصر في الفترة التي نتحدث عنها، فإن في ذلك إيضاحاً لما كانت عليه الحالة. وهذا ناصري خسرو يتحدث عن الفسطاط «في مصر (الفسطاط) بيوت من أربعة عشر دوراً وبعضها من سبع طبقات. وقد سمعت عمن يوثق به، أن ثمة رجلاً أنشأ حديقة على سطح بيت ذي سبعة أدوار… وغرس فيها البرتقال الحلو والموز وغيرهما من لأشجار المثمرة والرياحين والزهور… وفي مصر دور كبيرة للتأجير تتسع الواحدة منها لثلاثمائة وخمسين شخصاً. وبعض أسواق مصر وشوارعها تضاء فيها المصابيح باستمرار وذلك لأنها مسقوفة فلا يصل إليها نور الشمس».
وكان بنيامين التطيلي ممن زار الإسكندرية في القرن السادس هـ/ الثاني عشر م، وهو معاصر لابن جبير، وقد قال عنها: «والمدينة التجارية وأسواقها تتسع لجميع الأمم. فيأتيها التجار من بلنسية وتسكانيا ولومبارديا وأبوليا وأمالفي وصقلية وقطالونيا وإسبانيا وألمانيا وسكسونيا والدنمارك وإنكلترا وفلندرة وفرنسة ونورمانديا وبرغنديا وجنوة وبيزا وغسقونيا ونافار. كذلك يأتيها تجار المسلمين من الأندلس وإفريقية وبلاد العرب. كما يصل إليها قوم من الهند والحبشة والنوبة واليمن والعراق وتستورد من الهند جميع أنواع التوابل التي يبتاعها التجار الأوروبيون. ولكل أمة في المدينة فندقها الخاص بها.
وكان ابن جبير دقيق الملاحظة، لذلك فإن ما رواه عن تجارة عيذاب والبحر الأحمر والجلاب (أي المراكب) المستعملة فيه حري باهتمامنا:
«ورمنا في هذا الطريق إحصاء القوافل الواردة والصادرة فما تمكن لنا، ولا سيّما القوافل العيذابية المتحملة سلع الهند الواصلة إلى اليمن ثم من اليمن إلى عيذاب وأكثر ما شاهدنا من ذلك أحمال الفلفل. فلقد خيل إلينا لكثرته أنه يوازي التراب قيمة. ومن عجيب ما شاهدناه بهذه الصحراء أنك تلتقي بقارعة الطريق أحمال الفلفل والقرفة وغيرها من السلع المطروحة لا حارس لها تترك بهذه السبيل إما لإعياء الإبل الحاملة لها أو غير ذلك من الأعذار. وتبقى بموضعها إلى أن ينقلها صاحبها مصونة من الآفات على كثرة المار عليها من أطوار الناس.
وفي آخر ما كُتب عن القاهرة، وهو كتاب أندريه ريموند واسمه «القاهرة» (باريس 1993)، ثمة فصل يلخص فيه مؤلفه دور الفسطاط الاقتصادي في أيام الفاطميين. وسنكتفي هنا بالإشارة إلى النقاط الأساسية التي يثيرها هذا المؤلف الذي شغلت القاهرة نفسه وملأت شغاف قلبه، فهو يكتب عنها بالعلم الموثق والحب المؤثل:
1 ـ إن الفسطاط كانت نقطة الارتكاز الاقتصادي في مصر في تلك الأزمنة، لا الإسكندرية فالسفن التي كانت تبحر من صور إلى دمياط كانت تدخل الفرع الشرقي من النيل إلى الفسطاط، وتخرج من الفرع الغربي نحو رشيد، ومن ثم تتابع إبحارها نحو الإسكندرية أو طرابلس أو المهدية.
2 ـ وعلى نحو ما نعرف من رسائل نهراي بن نسيم كانت مصر تصدر الصوف إلى صقلية وتونس، وتتلقى حرير إسبانيا وصقلية. ويتضح من مراجعة رسائل الغنيزة وسواها من مصادرنا أن الصنَّاع كانوا يتنقلون من مكان إلى آخر بسبب ما كان يتيسر لهم من ظروف مناسبة للعمل.
3 ـ ونقل أندريه ريمند أن الفسطاط كان فيها الكثير من مصانع للسكر والورق وللحصر المقصّبة (هذه كان عددها كبيراً حسب رواية عبداللطيف البغداد).
وزبائن الاتجار في السلع التي كانت أسواق سورية ومصر وتونس وصقلية تحتفظ بها كانوا من الروم (أي البيزنطيين والإيطاليين) وغيرهم. والمهم هو أن التجار الأوروبيين هم الذين كانوا يقصدون الموانىء العربية سعياً وراء سلعها وتجاراتها، ولم يعرف أن تجار العرب المشارقة، في هذه الفترة، كانوا ينقلون تجاراتهم إلى الموانىء الأوروبية.
ومن السلع التي كانت تنقل من أوروبا إلى مصر خصوصاً الأخشاب وهذه كانت من اختصاص تجار البندقية وجنوة وأمالفي. أما بيزنطية فكانت تصدر الأقمشة والمواد الطبية إلى موانىء شرق المتوسط وغيرها.
ويلاحظ غويتين أن هناك سلعاً لم يرد لها ذكر في المراسلات الغنزية مثل الحبوب (القمح والشعير والأرز) والإبل والخيل والحمير والأغنام والأبقار. ولكن الدجاج كثير وروده وتجارة الرقيق التي كانت من اختصاص التجار اليهود حتى القرن الثالث هـ/ التاسع م، لا يرد لها ذكر خاص. ومثل ذلك يقال عن تجارة الأسلحة. لكن ذلك لا يعني أن هذه لم تكن سلعاً للنقل والتجارة، بل لعلها انتقلت على أيد أخرى، فلم يرد لها ذكر، إلا نادراً، في أخبار رسائل الغنيزة.
نقولا زيادة
المبادلات التجارية بين بلاد الشام
والمشرق والمغرب
منذ العصور الغابرة اشتهرت مدن الساحل السوري بتجارتها المزدهرة نتيجة لموقعها المتوسط بين العالم المعروف آنذاك، واتصالها السهل بالقارات الثلاث، ووقوعها على طرق التبادل التجاري الكبرى. وكان لهذه الميزات الطبيعية دور فعال في دفع السكان لأن ينشطوا في ميدان تبادل السلع والبضائع، ونالوا شهرة واسعة في هذا المضمار. فقد عملوا منذ عهد الفينيقيين في تطوير سبل التجارة ووسائلها، وفتحوا بلادهم لمنتوجات العالم، وأجادوا العمل كوسطاء بين أجزائه المتباعدة. واستمرت البلاد قروناً طويلة محافظة على نشاطها التجاري المزدهر حتى مطلع القرن السادس عشر، حين توطدت الطرق التجارية الجديدة التي اكتشفها البرتغاليون عبر رأس الرجاء الصالح، فضعفت قيمتها التجارية بتحول الطرق الرئيسية لبضائع الهند عنها، وقد تمّ هذا التحول في الوقت نفسه الذي دخلها فيه العثمانيون فاتحين([173]).
وكان جانب من التجارة الداخلية يتم محلياً في المخازن الثابتة في القرى، حيث كان يجري تبادل المحاصيل الزراعية والحيوانية والمنتجات المعدنية الخام والمصنعة مباشرة من المنتج إلى المستهلك في الأسواق الأسبوعية التي كانت تقام في المدن والمراكز الزراعية، والتي كانت تعقد خلال أوقات زمنية معينة في مناطق التقاء القرى، وتتوزع هذه الأسواق وفقاً لمعطيات اقتصادية وجغرافية واجتماعية تتلاءم مع إمكانات وحاجات السكان.
وفي بعض المناطق لا يزال حتى اليوم كما في الماضي، تقام الأسواق في المكان والوقت نفسيهما، الاثنين في النبطية والثلاثاء في خان حاصبيا والخميس في الخيام والجمعة في مرجعيون وبالرغم من افتتاح مناطق مكشوفة في المدن الساحلية في القرن التاسع عشر، فلا تزال هذه الأسواق تشكل سلسلة تبادل ذات كثافة مرتفعة. ويقصدها سكان القرى المجاورة، وحتى تلك البعيدة عن السوق لمسافة يوم([174]). ففي سوق النبطية كان يتم حوالي الخمسين ألف عقد بيع وشراء، وكل ذلك بالقول ويتم بكلمتين، «بعت واشتريت»([175]).
كما كانت تتم التجارة الداخلية في الأسواق الرئيسية للمدن الكبرى، التي كانت مزودة بشكل ملائم ومستمر بمنتجات الصناعات المختلفة والزراعات العديدة في المدينة والأقاليم، وما يحمل إلى تلك المدن من البلاد الخارجية([176]). وامتلكت تلك المدن إقطاعات واسعة في الأرياف المجاورة، فلم تكن تدفع ثمن ما يصدر إليها، بل كانت تقتطعه كريع من الأرض التي تمتلكها، أو كفائدة عن الدين المعطى للفلاح، وتحقق أرباحاً طائلة على حساب الأخير. فالمستثمر هو الذي كان يحدد الأسعار، في حين كان الفلاح مضطراً بدافع الدين والحاجة إلى تصريف إنتاجه بسرعة، وإذا اضطر لشراء حاجياته فإنما يتم ذلك في نهاية الموسم الزراعي وبأسعار مرتفعة. وعلى مرّ السنين وإذا كانت المواسم وفيرة اختنق السوق المحلي، ولا ينال الفلاح سوى دخل ضئيل من محاصيله، وفي سنوات المحل كان مجبراً على شراء المؤن والبذار من المدينة وبأسعار مرتفعة قد تعرضه للجوع، وبذلك يضطر للاستدانة من جديد، ويسيطر سوق المدينة على الفلاح ويستعبده، بصورة دائمة([177]).
وبالرغم من ازدهار حركة التجارة الداخلية، والتجارة القائمة بين الأقاليم المجاورة، كانت تعوقهما عوامل عدة من بينها:
تأخر وسائل المواصلات والنقل. وعدم اطمئنان المسافرين باستمرار، بسبب تهديد قطاع الطرق واللصوص، مما جعل السفر لا يتم إلا بأوقات معينة وبمصاحبة القوافل([178]).
الضرائب المفروضة على الاستيراد والتصدير، كانت ـ بمثابة ـ حملاً ثقيلاً حين تكون في أيدي مندوبين لا ضمير لهم في أوقات القلاقل السياسية([179]).
المصاعب التي كانت تواجه التجار المسلمين لعدم توفر النشاط المصرفي المنظم، في حين كان منافسه الأوروبي يستفيد من نظام المصارف الأكثر مرونة([180]) مما أدى إلى حلول هذا الأخير ومن يحتمون به، محل التجار المسلمين ابتداء من أواخر القرن الثامن عشر([181]).
أما بالنسبة إلى تنظيم طوائف التجار، فإن (جب وبون) ([182]) يعتقدان بأنها في مصر وسوريا لم تكن جامدة مثل طوائف أرباب الحرف، فقد تجمع التجار وحدات تنظيمية على نفس نمط نقابات أو أصناف الصناع، ولكن تنظيمهم لم يخضع لنفس القيود التزمتية والتقاليد المحافظة. فهناك مثلاً بائعو الصابون والطباق والأقمشة وتجار البن والبهارات والغلال، قد كان تجار كل سلعة يتجمعون في أسواق خاصة بهم تسمى باسمهم ولكل سوق شيخه. ولكن لم يترك لنا المؤرخون معلومات عن إجراء احتفالات «الشد» عند قبول المرشحين في طوائف التجار، تماثل الاحتفالات التي كانت تجري في نقابات الحرف، وقد تكون هذه الطوائف مجرد تجمعات إدارية. وعادة يكون رئيس هيئة التجار من أغنى التجار ويعرف بالقاهرة باسم «الشهبندر»، في حين عرف بدمشق باسم «المتقدم بين التجار»، وكانت مهامه أن يباشر سلطانه على كل التجار وأرباب الحرف وتجار القطاعي، فيحل الخصومات بينهم وينظم أمورهم الداخلية.
وبرغم أن التجار لم ينجوا بأي حال من الابتزاز والمغارم من قبل السلطات الحاكمة بين فترة وأخرى، وبخاصة عندما تفتقر الخزينة إلى المال، فإنهم كانوا يكونون طبقة اجتماعية غنية ومحترمة ومتنفذة. فهم مع الكتبة وبعض العلماء يكونون الطبقة المتوسطة الحقيقية، التي يمكنها أن تؤثر في سير الحكم وتضغط على الحكومة في مناسبات معينة. وكان كبار التجار يعتبرون أنفسهم من بين «أعيان» مدينتهم وتمكنت كثير من الأسر التجارية أن تكوّن ثروات ضخمة وأن ترتبط مع الارستقراطية الحربية الحاكمة وأسر المشايخ بصلات التزاوج والمصاهرة. وقد ترك مؤسس أسرة الشرايبي في القاهرة ـ وهو محمد الدادة (المتوفى في عام 1734م) 1,480 كيساً ذهبياً وكمية من الأملاك الثابتة والمنقولة، بما في ذلك أسطول من ثلاث سفن في البحر الأحمر وأقامت أسرة السفرجلاني في دمشق عدة مساجد وأوقفت عليها الأموال. ولذا فقد كان من الطبيعي جداً أن تكون لتلك الأسر التجارية فروع أو وكالات في مدن أخرى، كما كان بعضهم يسيّر قوافل خاصة بتجارته، يزودها بحراس أشداء مسلحين لتجنب مخاطر الطريق. لم يكن غريباً بالنسبة إلى أسر المشايخ أن تمارس العمل التجاري، وأن تجني من وراء ذلك أرباحاً طائلة، إلى حدّ أن بعض تلك الأسر وبخاصة أتباع مذهب ابن حنبل، كانت تفضل أن تقوم بالتجارة «الشريفة»، على شغل وظائف ينفق عليها من مداخيل يتم الحصول عليها، بطرق يشكّ أنها لا تتمشى مع أحكام الشرع([183]).
وقد زودتنا الوثائق الدبلوماسية الفرنسية بلمحة عن حركة المبادلات التجارية، التي كانت تربط في الربع الأول من القرن التاسع عشر ما بين مصر وبلاد الشام والمغرب وبلاد العرب الجنوبية. فقد كان ميناء صور يستقبل سنوياً من قرى جبل([184]) عامل ما قيمته 800 ألف قرش، ويصدر بحراً إلى دمياط التبغ وأخشاب البناء والفحم على متن أربعمائة مركب وسفينة، تعود محملة بالأرز والجلود والأنسجة المغربية والسكر والبن وقلانس تونس والبلح والحمص والقطران والفضة. كما كانت تصدر صور إلى مدينة دمشق القطن وخيوطه والزبدة والزيت والشمع والعسل والعفصة والعرق سوس وحجر الطاحون، ينقلها براً بواسطة القوافل حوالي أربعة آلاف جمل وبغل وحمار([185]).
وأشارت الوثائق الفرنسية المعاصرة إلى النشاط التجاري، الذي ربط كسروان وصيدا من جانب ومصر من جانب آخر، وقدرت قيمته سنة 1814 بحوالي 25 مليون قرش([186]). وكانت صيدا تستورد من دمياط الأرز والجلود والقمح والتمر والسكر، وتصدر إلى هذه أحجار الطاحون والتبغ والعرق سوس والقمصان([187])، ويتم التبادل التجاري لصيدا مع دمشق عن طريق القوافل البرية، فقد كان هناك حوالي ألفي بغل، تنقل إلى هذه الأخيرة ما تنتجه صيدا وجبل([188]) الدروز من قطن وأعشاب وجذور للطبابة والصباغ([189])، وما يرد إلى ميناء هذه المدينة من سلع مستوردة من الخارج لصالح تجار دمشق، وتعود القوافل حاملة التنباك والسماق وجلود الماعز والقهوة ما قيمته 95036 قرشاً لسنة 1811([190]).
وتزود المرتفعات اللبنانية الجبلية مدينة بيروت وفقاً لحساب دقيق بـ 1800 قنطار حرير ثمن القنطار([191]) 800 قرش، ويتم تصديرها بمراكب غربية أو محلية يذهب معظمها إلى دمياط والإسكندرية وأربعة إلى المغرب وتونس والجزائر. وتعود محملة بالأرز والأنسجة والكتان وجلود الأبقار والجواميس من القاهرة، والعباءات من تونس، والحصر والحمص والقهوة من مخا، وبضائع أوروبية، ويقدر مجموع ما كانت تستورده سنوياً ما قيمته 200 ألف قرش تقريباً([192]).
وتقوم من بيروت قوافل برية منظمة إلى المرتفعات الجبلية اللبنانية وإلى دمشق وحلب والمناطق الداخلية من جبال نابلس والقدس، يقوم بنقلها حوالي 200 ألف دابة من جمال وحمير وبغال، تستعمل جميعها في نقل البضائع المصدرة والمستوردة والمؤلفة من الحرير والقطن والخل والزيت والنبيذ والقطران والتين المجفف والأخشاب والفحم والصوف وساتان دمشق وأحجار الطحن والحديد والمشمش المجفف وبقسماط([193]) دمشق والحامض والبرتقال والمربيات والزعفران وجميع أنواع الفاكهة. وكانت تشتري المغرب ما قيمته ثلاثة ملايين قرش من حرير بيروت، وتصدر بالمقابل إلى المدينة من العباءات وباقي السلع ما قيمته مليون قرش تقريباً وتستورد بيروت من أزمير بضائع بقيمة ثلاثة ملايين قرش، كما كانت تمتلك الحكومة وأهالي البلاد حوالي مئة وخمسين مركباً وسفينة([194]).
وكانت تستورد طرابلس من مصر نسيج الكتان والجلود والجواميس والأبقار والأرز والقهوة وملح الأمونياك والصمغ وباقي الأدوية، وتبادل عليها بتصدير الحرير وخيوطه والأعلاف، وغالباً ما تكون هذه السلعة الأخيرة مربحة للغاية، وتعطي أرباحاً تتراوح من 15 ـ 25%([195]). كما كانت تقوم من المدينة حركة تبادل تجاري بواسطة القوافل البرية مع بيروت وكسروان، وثلاث أو أربع قوافل سنوية مؤلفة من ثلاثين إلى أربعين دابة تقوم بالرحلة بين حلب وطرابلس، حاملة إلى حلب الحرير والصابون والزيت والبرتقال والأرز والليمون وكل سلع أوروبا والمستعمرات المطلوبة في المدينة، وتعود حاملة أقمشة حلب وبغداد وفارس والهند. وكان يصل إلى طرابلس ثلاث قوافل من دمشق تنقل أقمشة دمشق وبلاد فارس والهند من تنباك وثمار مجففة وبقسماط وتفاح وإجاص، وتعود حاملة من طرابلس كل السلع المصرية والأوروبية والمستعمرات المطلوبة في دمشق من حرير وليمون وأحياناً الصابون. وكان يقصد طرابلس من حمص حوالي اثنتي عشرة قافلة سنوياً مؤلفة من ما يقارب الألف جمل، وتعود حاملة القلي والأرز والصابون والزيت والبرتقال والليمون لـ حمص وحماه. وكان هناك حوالي ست قوافل صغيرة تنتقل بشكل مستمر بين طرابلس من جهة وحمص وحماه من جهة أخرى، حاملة إلى المدينة العدس والحمّص وأثواب القطن الناعمة والخشنة، وتعود من طرابلس حاملة سلع مصر وأوروبا والمستعمرات والصابون والزيت والملح([196]).
ومما ينبغي الإشارة إليه بأن القوافل البرية كانت تسافر بطمأنينة تامة من طرابلس إلى عكا ودمشق واللاذقية وحماه، في حين كانت تلك القوافل تخشى عرب الصحراء عند الانتقال من حماه إلى حمص. ولذا قد كانت كل قافلة تتوجه من طرابلس إلى حلب، تنتظر في حماه قافلة دمشق الكبيرة العدد، فتسافران معاً لكي تدخلا في الوقت نفسه إلى حلب، فغالباً ما كان الأعراب يتبعون هذه القوافل حتى أبواب المدينة([197]).
أما عن التبادل التجاري مع بلاد العرب الجنوبية فقد كان يتم عن طريق قافلة الحج الشامي، ففي كل سنة كان يتجمع في دمشق عشرات الألوف من الحجاج ليشكلوا القافلة الكبرى إلى مكة. وفي الأساس هذه الرحلة هدفها ديني فقط، ولكنها مع الوقت اتخذت طابعاً تجارياً وحضارياً، فهي سوق حقيقي مستمر يحمل كل مسافر منتجات بلاده الغذائية، التي يبادلها أما على الطريق أو في مكة مقابل الموسلين وأنسجة الهند وشالات كشمير، وأحياناً مقابل لؤلؤ سيلان وبهارات سومطرة وقهوة اليمن. وعدد كبير من هؤلاء الحجاج سماسرة قدماء للقوافل قطعوا ما يزيد عن عشرات المرات طريق الحج، وحققوا منها مكاسب ضخمة([198]).
وأشارت الوثائق الفرنسية المعاصرة بأنه كان يلتقي في دمشق كل سنة حوالي ثلاثين ألف مسلم، يقودهم والي دمشق إلى مكة ثم يعود بهم، وتقوم فرص للمتاجرة وإقامة علاقات نادراً ما تتمكن مدينة أخرى أن تقدمها بنفس الدرجة وقد جاء في إحصاء جمعه دبلوماسي فرنسي من الجمرك سنة 1815م، بأن المدينة استقبلت منتجات آسيوية بقيمة 18.528.000 فرنك فرنسي، ويساوي هذا المبلغ ضعف ما تستقبله كل سوريا من البضائع 5336 جملاً و2289 بغلاً([199]) وأدى هذا النشاط التجاري إلى جعل مدينة دمشق، أكبر مدينة استهلاكية في سوريا([200]).
وإذا كانت قافلة الحج الشامي تلعب دوراً فعّالاً. في تنشيط الحركة التجارية في دمشق ومدن سوريا الجنوبية، فإن قوافل الحج المسيحية القادمة من بلاد الامبراطورية العثمانية نفسها أو من بلاد أوروبا، لزيارة بيت المقدس أو الأماكن المقدسة الأخرى في فلسطين، كانت تلعب دوراً مماثلاً وإن لم يكن بالاتساع والقوة نفسيهما. فقد كانوا يحملون معهم أحياناً بضائع من البلاد القادمين منها، كما كانوا يشترون من البلاد منتجاتها، وبخاصة البضائع الدينية كالمسابح والصلبان وغيرها([201]).
وهكذا رغم اكتشاف البرتغالين لرأس الرجاء الصالح واستخدام الطريق التجارية الجديدة عقب الاكتشاف المذكور، ورغم جمود السلطات العثمانية الحاكمة لبلدان المشرق والمغرب العربي وابتعادها عن كل ما من شأنه تطوير الحياة الاقتصادية لم تفقد هذه البلدان أهميتها التجارية، وارتبطت فيما بينها بحركة واسعة للمبادلات التجارية. فحافظت على حياتها الاقتصادية كما كانت عليه في نهاية عهد المماليك، دون أن تتمكن من تحقيق ازدهار اقتصادي لامع كما كان ينتظر منها بعد دخولها في نطاق امبراطورية شاسعة مترامية الأطراف.
الدكتور حسين سلمان سليمان
الإسماعيليون النزاريون
في بلاد الشام([202]*)
ـ 1 ـ
خلال السنوات الأولى من القرن الثاني عشر الميلادي أو قبلها ببضع أعوام نقل الإسماعيليون النزاريون نشاطاتهم إلى سوريا وقد تم إيفاد مندوبين من ألموت إلى سوريا لجمع شمل النزاريين هناك والدعوة إلى الإسماعيلية النزارية التي لقيت تجاوباً بسبب ما كان من تفرق سياسي وعداوات مذهبية.
إن أول جماعات من التركمان وصلت إلى سوريا كان وصولها حوالي سنة 447هـ/ 1055م وبعد ذلك تعرضت سوريا لهجوم الجيش السلجوقي، وإلى سنة 471هـ/ 1078م كان السلاجقة قد سيطروا على جميع سوريا عدا الشريط الساحلي الذي بقي في يد الفاطميين. وأصبح تتشَ شقيق السلطان ملك شاه الحاكم السلجوقي الوحيد على سوريا.
إن سيطرة حكم السلاجقة في سوريا أثار ـ كما جرى في إيران ـ الكثير من المشاكل، كان من أثره حقد سكان سوريا عليهم. وبعد وفاة ملك شاه ونشوب المعارك والمجادلات بين السلاجقة أنفسهم انتهى عهد الاستقرار السياسي النسبي الذي كانت سوريا تتمتع به وبعد مدة قليلة وبعد اغتيال تتش في إيران سنة 488هـ/ 1095م، برزت الفوضى السياسية بصورة كاملة في سوريا وتقطعت أراضي تتش وانقسمت إلى مناطق صغيرة وأصبحت سوريا الآن مسرحاً للتنافس بين الأمراء وقادة الجيش السلاجقة حيث راح كل واحد منهم يطلب قسماً من البلاد. وفي نفس الوقت كانت الحكومات المحلية الصغيرة تحاول الحصول على استقلالها.
برزت التفرقة السياسية في سوريا بصورة واضحة بعد مجيء الصليبيين سنة 490هـ/ 1097م وقد بدأ الصليبيون زحفهم من إنطاكية وتقدموا بسرعة على امتداد ساحل سوريا وأقاموا في الأراضي التي احتلوها أربع حكومات في أربع مراكز وهي أودسا وأنطاكية وطرابلس والقدس، إن هذا العدوان على سوريا زاد بطبيعة الحال من خوف المجموعات المحلية وزاد من غموض النزاع والجدل بين السلاجقة. وفي هذا الوقت كان أهم الحكام السلاجقة في سوريا أبناء تتش، وهما رضوان (488 ـ 507هـ 1095 ـ 1114م) ودُقاق (488 ـ 497هـ 1095 ـ 1104م) اللذان كانا يحكمان حلب ودمشق.
وقد كان الموفدون من ألموت يستغلون الأوضاع السياسية المتدهورة في سوريا كما كانت الحال المذهبية في سوريا مساعدة للتبشير بالدعوة النزارية على أن سوريا كانت قد تعرفت على الإسماعيلية منذ قرنين وكانت السَلَميّة في القرن الثالث (التاسع) قاعدة زعماء النهضة الإسماعيلية، وبعد ذلك أي في النصف الثاني من القرن الرابع هـ (العاشر م) امتدت حكومة الفاطميين إلى سوريا وكان المذهب الإسماعيلي قد انتشر هناك على يد الدعاة الفاطميين. وبعد الانشقاق النزاري المستعلوي، كان الفرعان متواجدين في سوريا وكانت الحركة النزارية معتزة بما حققته من انتصارات سريعة في إيران وكانت تبدو القوة الوحيدة التي بإمكانها الوقوف بوجه المعتدين الأجانب في سوريا وكان الدعاة الإيرانيون الموفدون من ألموت لجمع شمل الدعوة النزارية في سوريا، بدؤوا نشاطاتهم على النهج الذي كان قد سار عليه النزاريون في إيران وأخذوا بالاستيلاء على القلاع للاستفادة منها كقواعد لنشر الدعوة. وبالرغم من بعض الانتصارات فإن النزاريين كانوا يعتبرون مهمتهم في سوريا أكثر صعوبة من مهمتهم في إيران وقد استغرقت نشاطات النزاريين وفعالياتهم حوالي نصف القرن حتى تمكنوا من الاستيلاء على بعض القلاع والتحصينات في سوريا أما الخلاف المبدئي بين القادة النزاريين في سوريا الذين يبدو أنهم كلهم كانوا إيرانيين موفدين من ألموت ويتلقون التعليمات من حسن الصباح فيمكن تقسيمه إلى ثلاث مراحل: المرحلتين الأولى والثانية، أي منذ السنوات الأولى حتى سنة 507هـ/ 1113م، ثم إلى سنة 524هـ/ 1130م حيث كان النزاريون يقومون بعملياتهم في المدينتين المتنافستين: مدينة حلب ومدينة دمشق، بدعم من الأمراء السلاجقة إلا أنهم فشلوا في الحصول على قواعد ثابتة دائمة لهم. وخلال المرحلة الثالثة أي من 524هـ/ 1130م إلى حوالي 545هـ/ 1151م تمكن النزاريون من الحصول على بعض القلاع في المنطقة الجبلية المعروفة بجبل البهراء التي تسمى اليوم جبال العلويين التي كان سكانها علويين.
وأول زعيم للنزاريين في سوريا هو الداعي الحكيم المنجم وكان طبيباً فلكياً ذكره ابن القلانسي ومصادر أخرى. وكان قد وصل إلى مدينة حلب قادماً من ألموت مع بعض الرجال. ومنذ ذلك الزمان أي منذ بداية القرن الثاني عشر الميلادي تمكن من الحصول على دعم الحاكم السلجوقي في المدينة رضوان. وكانت مدينة حلب الواقعة في شمال سوريا مكاناً مناسباً لبدء النشاطات النزارية. وكانت أغلبية سكانها من الشيعة وكان جبل السماق قريباً من المنطقة التي يسكنها الشيعة. وكان الإسماعيليون قد دخلوها من قبل. ولما كان رضوان عارفاً بعدم قدرته على الوقوف بوجه الأمراء المتخاصمين في سوريا فإنه كان يبحث عن متوافقين جدد، لذلك سمح للدعوة النزارية أن تزاول نشاطاتها بحرية كاملة في حلب ويقال إنه جعل الحكيم المنجم من حاشيته الخاصة ومن المحتمل أن يكون رضوان نفسه قد اعتنق المذهب الإسماعيلي النزاري بالرغم من أنه لم يكن يعتقد بالأصول الدينية، بل كان على الأكثر يهتم بمصالحه السياسية. وقبل سنوات قليلة من هذا التاريخ أي في سنة 490هـ/ 1097م قَبِل لمدة قصيرة أن يعمل لخدمة المستعلي وجعل الخطبة باسم الخلفاء الفاطميين. ولكنه الآن سمح للنزاريين بالتبشير بمذهبهم واستخدام مدينة حلب قاعدة للقيام بنشاطاتهم وفعالياتهم كما ساعدهم في بناء دار للدعوة في حلب. وكان دعم رضوان للنزاريين مثمراً ففي شهر رجب سنة 496هـ/ مايو 1103م اغتيل جناح الدولة حاكم مدينة حمص المستقل وأحد منافسي رضوان ـ اغتيل ـ على يد ثلاثة من الفدائيين الإيرانيين النزاريين في مدينة حمص، وأكثر المصادر تعتقد أن الاغتيال قد تمّ بأمر من الحكيم المنجم وبتحريض من رضوان. وقد قلق أهالي مدينة حمص من هذا الحادث. والطريف أن أغلبية الأتراك في المدينة هربوا إلى مدينة دمشق، وكان رد فعل دُقاق حاكم دمشق السريع منع وقوع مدينة حمص بيد الغرباء فأصبحت تحت إشراف دمشق.
توفي الحكيم المنجم سنة 496هـ/ 1103م، بعد أسابيع من مقتل جناح الدولة وخلفه داعٍ إيراني آخر يدعى أبو طاهر الصائغ رئيساً للدعوة النزارية في سوريا، وكسب أبو طاهر أيضاً موافقة رضوان وقرر أن يستولي على قلاع في المناطق التي يعيش فيها الإسماعيليون خاصة أطراف جبل السماق بجنوب حلب ويبدو أن الدعاة النزاريين كسبوا منذ البداية دعم سكان المنطقة وتأييدهم وعلى أي حال فإنّ النزاريين استهدفوا في هجومهم احتلال (أفاميه) وهي من التحصينات الواقعة على حدود حلب وكان حاكمها العربي يدعى خلف بن ملاعب وكان شيعياً، أو ربما كان من الإسماعيليين المستعلويين. وكان هذا قد احتل هذه القلعة في عهد رضوان في سنة 489هـ/ 1096م وكان يحكمها باسم الفاطميين. وحسب ما يظهر أنّ خلفاً لم يكن راغباً في التعاون مع النزاريين وكان قد جعل من أفاميه قاعدة لأعماله الناجحة.
خطط أبو طاهر لمحاولة اغتيال خلف والسيطرة على قلعة أفاميه وكان يعتمد في محاولته هذه على مساعدات النزاريين في المنطقة وكان رئيسهم آنذاك القاضي أبو الفتح وهو من أهالي سرمين. وقد اغتيل خلف في شهر جمادى الأولى سنة 499هـ/ 1106م على أيدي مجموعة من الفدائيين كانوا قد أوفدوا إلى مدينة حلب، وتمكن النزاريون من السيطرة على أفاميه بسهولة. وبعد فترة قصيرة وصل أبو طاهر إلى المنطقة وباشر إدارتها باسم رضوان. إلا أن محاولة النزاريين هذه لجعل أفاميه قاعدة لهم في سوريا لم تستمر طويلاً حيث قام القائد الصليبي (تانكرد) وكان حاكماً على أنطاكية بمحاصرة أفاميه بعد أن احتل المناطق المجاورة لها ووقع شقيق أبو الفتح أسيراً في يده، إلا أن تانكرد عدل عن محاصرة أفاميه بعد تعهد النزاريين بدفع جزية له ولكنه في شهر المحرم سنة 500هـ/ أيلول 1106م عاد مرة أخرى واستولى على أفاميه، وقُتل أبو الفتح تحت التعذيب، غير أن أبا طاهر وعدداً من النزاريين عادوا إلى مدينة حلب بعد أن دفعوا مبلغاً من المال ومن المحتمل جداً أن تكون هذه الواقعة أول مواجهة بين الإسماعيليين النزاريين والصليبيين في الشام وفي سنة 504هـ/ 1110م اضطر النزاريون للتخلي عن (كفر لاثا) ـ وهي منطقة صغيرة في جبل السماق كانوا قد سيطروا عليها فيما مضى ـ وتسليمها إلى تانكرد. واستمر أبو طاهر في نشاطاته بعد أن عاد إلى مدينة حلب كما ظل يبحث عن قلاع وتحصينات جديدة للاستيلاء عليها.
وكان التعاون بين رضوان والنزاريين لا يزال مستمراً لصالح الفريقن. وفي سنة 505هـ/ 1111م قرر رضوان غلق بوابات مدينة حلب بوجه مودود الحاكم السلجوقي على مدينة الموصل الذي كان قد جاء إلى سوريا على رأس جيش كبير. وكانت مجموعات مسلحة من الإسماعيليين النزاريين تقف إلى جانب رضوان. وكان رضوان والإسماعيليون النزاريون قلقين من حضور هذه القوات القادمة من الشرق إلى سوريا. وكان طغتكين (المتوفى 522هـ/ 1128م) وزير دُقاق الذي أصبح حاكماً على دمشق بعد وفاة دقاق وأسس سلسلة الأتابكة البوريين ـ كان هو أيضاً قلقاً خائفاً من هذه الأحوال.
أفل نجم الإسماعيليين النزاريين في المنطقة بعد زحف قوات السلطان محمد تبر خليفة بركيارق عليهم مما دفع برضوان في آخر أيام حياته إلى أن يتخلى عن تأييدهم. وفي سنة 505هـ/ 1111م فشلت محاولة النزاريين اغتيال تاجر ثري يدعى أبو حرب عيسى بن زيد كان من أهالي ما وراء النهر ومن أعداء الإسماعيليين النزاريين الألداء وقد كان في طريقه إلى حلب مما أدى إلى ثورة الأهالي على النزاريين، ولكن رضوان تجاهل هذه المحاولة. وبعد مرور عامين أي في سنة 507هـ/ 1113م اغتيل مودود في جامع مدينة دمشق. وكانت المصادر قد نسبت هذا الاغتيال إلى النزاريين ولكن هناك غموضاً يكتنف هذا الحادث وتعتقد بعض المصادر أن طغتگين قد يكون مدبراً لهذا الاغتيال.
وبعد وفاة رضوان. في شهر جمادى الثانية سنة 507هـ/ كانون الأول 1113م أفل نجم الإسماعيليين النزاريين في حلب بصورة عامة. وقد بقي ألب إرسلان ـ الشاب الذي خلف والده رضوان في الحكم ـ في البداية وفياً لسياسة والده بالنسبة للنزاريين كما أنه أعطاهم قلعة خارج مدينة بالس على طريق حلب ـ بغداد. إلا أنه لم يلبث بعد فترة قصيرة أن تظاهر بعدائهم. ويقول ابن العديم إن محمد تبر بعث برسالة إلى ألب إرسلان حذّره فيها من خطر الإسماعيليين النزاريين وأكد في رسالته على القضاء عليهم وفي الوقت نفسه أخذ صاعد بن بديع حاكم حلب وقائد القوات الشعبية بالضغط على ألب إرسلان لاتخاذ إجراءات عدائية في النزاريين. فكان أن وافق ألب إرسلان أخيراً على ذلك وترك الأمر إلى صاعد بن بديع. فتم اعتقال أبي طاهر وبقية قادة النزاريين ورؤسائهم وبينهم الداعي إسماعيل وأحد أشقاء الحكيم المنجم، وقتلوا جميعاً. كما تم قتل حوالي مائتين من الإسماعيليين النزاريين في حلب ومصادرة أموالهم. غير أن الكثير من النزاريين تمكنوا من الهرب إلى مناطق مختلفة وهرب حسام الدين بن دُملاج قائد القوات الإسماعيلية النزارية المسلحة في حلب، إلى الرقّة ومات فيها. كما لجأ إبراهيم العجمي الذي كان قد احتل قلعة بالس إلى قلعة (شيزر) حماه وكانت آنذاك في يد بني منقذ، حتى سنة 507هـ/ 1114م وكان قد ذهب إلى شيزر حوالي مئة من الإسماعيليين النزاريين قادمين من حلب وأفاميه وسرمين ومعرة النعمان ومعرة مصرين، وذلك عندما كان حكام قلعة شيزر قد ذهبوا لمشاهدة احتفالات عيد الفصح التي أقامها المسيحيون خارج القلعة، فاستغل الإسماعيليون النزاريون الفرصة وقاموا بمحاولة فاشلة للاستيلاء على القلعة. ولما عاد بنو منقذ إلى شيزر بعد انتهاء الاحتفالات طاردوا النزاريين بمساعدة أهالي القلعة وقتلوهم جميعاً. وكان النزاريون يأملون السيطرة على شيزر وجعلها قاعدة جديدة لعملياتهم بعد الذي جرى عليهم في حلب. وبهذه الأحداث انتهت المرحلة الأولى من نشاطات النزاريين في سوريا ولم يتمكن النزاريون آنذاك من الحصول على قاعدة أو قلعة لهم في سوريا ولكنهم تمكنوا من الاتصال بالسكان المحليين ودعوة الكثير منهم خاصة في ناحية جبل السُماق وجزر وأراضي بنو عُليم الواقعة على طريق شيزر إلى سرمين ودعوتهم إلى المذهب الإسماعيلي النزاري.
في هذه الأحوال تخلص النزاريون في سوريا من آثار البلية والمذبحة اللتين أصابتاهم سنة 507هـ/ 1113م وفي المرحلة الثانية من نشاطاتهم في سوريا اختار النزاريون مركزاً آخر في جنوب سوريا بدلاً من مدينة حلب كقاعدة لنشاطاتهم. ولكنهم بعد وفاة رضوان والمذبحة التي نزلت بهم ظلوا يحتفظون بمركز لهم في حلب كما أقاموا علاقات ودية مع إيلغازي حاكم ماردين وميافارقين الذي كان قد سيطر على مدينة حلب سنة 512هـ/ 1118م وفي سنة 512 هجرية قتل الفدائيون النزاريون عدوهم ابن بديع الذي كان على وشك الهروب مع ولديه من مدينة حلب. وفي سنة 614هـ/ 1120م ازدادت قوة النزاريين في حلب إلى درجة أنهم طلبوا من إيلغازي إعطاءهم قلعة تسمى قلعة الشريف. ولكن إيلغازي بدلاً من إعطائهم القلعة وبدلاً من رفض طلبهم، أمر بتدمير القلعة بسرعة مدعياً أنه كان قد أصدر هذا الأمر من قبل. وقد قتل النزاريون القاضي ابن خشاب الذي كان يشرف على تدمير القلعة والذي اشترك في إبادة النزاريين في حلب. كان ذلك في 519هـ/ 1125م. إلا أن سلطة النزاريين في حلب انتهت في سنة 517هـ/ 1124م، وكان ذلك عندما أصبح بلك ابن شقيق إيلغازي حاكماً جديداً على المدينة حيث أمر بطرد النزاريين من حلب بعد أن اعتقل بهرام داعي النزاريين الكبير في سوريا فقام النزاريون ببيع أموالهم وممتلكاتهم وغادروا المدينة. وبعد سنة قام سكان مدينة آمد بقتل عدد كبير من النزاريين ويبدو أن بهرام أصبح زعيماً على النزاريين في سوريا بعد مقتل أبي طاهر سنة 507 هجرية مباشرةً. وكان بهرام إيرانياً وابن شقيق الأسد آبادي أحد كبار رجال الدولة السلجوقية الذي كان قد قتل في سنة 494هـ/ 1101م بأمر من بركيارق بتهمة كونه نزارياً. وبعد هذا الحادث هرب بهرام من العراق إلى سوريا وبدأ نشاطه فيها وبعد فترة من مذبحة النزاريين في حلب، نقل بهرام الذي كان قد أصبح آنذاك داعياً كبيراً في سوريا، نقل مركز الدعوة النزارية إلى جنوب سوريا ويقول ابن القلانسي المؤرخ الدمشقي إن بهرام عاش مدة من الزمن متنكراً بزي رجال مختلفين وكان يقود الدعوة النزارية في مناطق متعددة بصورة سرية.
حتى سنة 520هـ/ 1126م كانت الحركة النزارية في جنوب سوريا قد أعادت حياتها وبدأ بهرام بالدعوة في دمشق والمناطق الأخرى بصورة علنية وفي نفس العام اشترك بهرام في اغتيال آق سنقر البُرسقي أمير الموصل وهو من أعداء الإسماعيليين، وقام عدد من الفدائيين الموفدين من سوريا باغتيال البرسقي في مدينة الموصل. وفي سنة 519 هجرية عندما هدد الصليبيون مدينة دمشق، أرسل النزاريون مجموعات مسلحة من حمص ومناطق أخرى، لمساعدة قوات طغتگين. ويقول ابن القلانسي إن هذه المجموعات التي اشتهرت بشجاعتها وبسالتها شاركت في الهجوم الفاشل الذي قام به طغتگين على الصليبيين. وعلى أي حال ففي سنة 520هـ/ 1126م بدأ بهرام نشاطاته في دمشق بصورة علنية بموجب رسالة كان يحملها من إيلغازي وكان بهرام خلال إقامته في مدينة حلب في علاقات طيبة مع إيلغازي ورحب أتابك دمشق التركي ببهرام في المدينة وجعله تحت حمايته وبذلك تعزز موقف النزاريين هناك. وفي نفس الوقت أدرك بهرام أن أبا علي طاهر ابن سعد المزدقاني وزير طغتگين شخصية يعتمد عليها رغم أنه لم يكن إسماعيلياً. طلب بهرام ـ استمراراً لسياسته في تعزيز موقع النزاريين، طلب إعطاءه قلعة لجعلها مركزاً لعملياته. وفي شهر ذي القعدة سنة 520 هجرية أعطى طغتگين للنزاريين حصن بانياس الحدودي وحصل بهرام ـ الذي كان يتمتع بدعم المزدقاني المستمر ـ حصل على عمارة في دمشق جعلها مركزاً للدعوة وقاعدة محلية له. منذ هذا التاريخ بدأ بهرام بالدعوة بصورة سافرة علنية وأرسل الدعاة إلى مناطق مختلفة وشجع الكثير من أبناء القرن والمدن على قبول المذهب الإسماعيلي. وفي هذه الأحوال عزز التحصينات في مقر عمله في بانياس وجمع العدد الكبير من أنصاره هناك. ومن بانياس قام النزاريون بنشاطات عسكرية وتبشيرية كثيرة، وسعوا إلى توسيع سلطتهم في المناطق المجاورة. وقاموا بهجمات كثيرة منظمة واحتلوا عدة أماكن. غير أن انتصاراتهم في جنوب سوريا كانت قصيرة الأمد.
كان وادي التيم الواقع في منطقة حاصبيا بشمال بانياس في الجانب الغربي من جبل حرمون مكاناً مناسباً لنشر الدعوة الإسماعيلية النزارية ولقد لفت هذا الوادي ـ الذي كان أغلب سكانه من الدروز والعلويين والقبائل البدوية ـ لفت انتباه بهرام وكان بهرام متهماً باغتيال برق ابن جندل أحد زعماء القبائل المحلية. وفي سنة 522هـ/ 1128م. خرج بهرام من بانياس على رأس قوات نزارية لاحتلال وادي التيم. إلاّ أن الضحاك بن جندل شقيق برق الذي كان قد أقسم على الانتقام لدم أخيه من بهرام، كان قد أعد نفسه من قبل للحرب مع النزاريين، وفي معركة طاحنة انهزم النزاريون وقُتل بهرام فقطعوا رأسه ويديه وأرسلوها إلى القاهرة. وبعد هذه الهزيمة وبعد وفاة طغتگين سنة 522 هجرية أفل نجم النزاريين في جنوب سوريا وبعد بهرام أصبح رجل إيراني آخر يدعى إسماعيل عجمي داعياً عاماً في سوريا وبقي في بانياس يتابع سياسة سلفه. واستمر المزدقاني الذي كان قد احتفظ بمنصب الوزارة في عهد تاج الملوك بوري (522 ـ 526هـ/ 1128 ـ 1132م) ابن طغتگين وخليفته، استمر في دعمه لإسماعيل والنزاريين. إلا أن بوري كان ينتهز الفرصة لإنقاذ نفسه من شرّ المزدقاني والنزاريين وكان يشجعه في هذا الأمر كل من مفرج بن حسن بن الصوفي حاكم دمشق ويوسف بن فيروز القائد العسكري في المدينة. وفي شهر رمضان سنة 523هـ/ سبتمبر 1129م قُتل المزدقاني وبدأت مذبحة النزاريين في دمشق كتلك التي حدثت لهم في حلب بعد وفاة رضوان وقد قام الناس في دمشق على النزاريين وقتلوا أكثر من 6000 منهم ونهبوا أموالهم. ودمرت دار الدعوة كما صلب عدد منهم على قلعة دمشق.
إن هذه التطورات كانت السبب مرة أخرى ـ موقتاً ـ في اضمحلال تنظيمات الدعوة النزارية في سوريا وبهذا انتهت المرحلة الثالثة من تاريخ النزاريين في سوريا وفي هذه الأحوال اتخذ بوري وكبار رجاله إجراءات احتياطية معقدة خوفاً من ثأر النزاريين. وفي شهر جمادى الثاني سنة 525هـ/ مايو 1131م قام اثنان من الفدائيين النزاريين موفدين من ألموت ومرتديان ملابس الجنود الأتراك بالهجوم على بوري فأصاباه بجروح بليغة مات بسببها بعد سنة غير أن النزاريين لم يستعيدوا موقفهم السابق في دمشق. وخلال هذه المرحلة اشتدت الخلافات والمنافسات بين النزاريين والمستعلويين في سوريا واتّهم النزاريون باغتيال عدوهم اللدود الأفضل بن بدر الجمالي سنة 515هـ/ 1121م. إن المنافسة والعداوة بين فرعي الحركة الإسماعيلية قد بلغت ذروتها بعد اغتيال الخليفة الفاطمي الآمر على أيدي الفدائيين النزاريين سنة 524هـ/ 1130م قبل محاوية اغتيال بوري. ومنذ هذا التاريخ أخذ نجم الإسماعيلية بالأفول في مصر بينما التحق أغلب الإسماعيليين في سوريا بأنصار الدعوة النزارية، وأصبح النزاريون أنشط فروع المذهب الإسماعيلي ويبدو أنه لم تحدث مجادلة أو اصطدام هام بين النزاريين الذين اتخذوا لأنفسهم أماكن آمنة في دور الهجرة إلى المناطق الجبلية المرتفعة في إيران وسوريا وبين المستعلويين الذين انقسموا إلى حافظيين وطيبيين، وعاشوا في مصر واليمن.
إن نزاريي سوريا وفي المرحلة الثالثة من تاريخهم تمكنوا من الحصول على عدد من القلاع بصورة ثابتة وخلال هذه الفترة التي دامت حوالي عشرين سنة بعد بليّة عام 523هـ/ 1129م في دمشق، وجهوا اهتمامهم نحو جبل البهراء ـ المنطقة الجبلية الواقعة بين حماه والشريط الساحلي جنوب غربي جبل السماق حيث كان يعيش العلويون ـ وهناك في بعض قلاعها اتخذوا دوراً للهجرة وليست هناك معلومات دقيقة في المرحلة الثالثة عن الجهود والنشاطات التي بذلها نزاريو سوريا ودعاتهم. ويبدو أن النزاريين بعد النكسة التي أصيبوا بها وبعد كارثة دمشق أعادوا تنظيماتهم بزعامة أبو الفتح خليفة إسماعيل العجمي وثبتوا أقدامهم في جبل البهراء بعد الهزيمة التي لحقت بالصليبيين. سنة 527هـ/ 1132 ـ 1133م واشتروا قدموس من رئيس الكهف سيف الملك بن عمرون وأصبحت لهم أول قلعة في جبل البهراء وصارت إحدى أهم قلاعهم ومقر زعمائهم، ووسعوا سيطرتهم على جميع المنطقة. وبعد فترة زمنية قصيرة أثر الخلاف الذي حصل بين موسى أحد أبناء بني عمرون وهو ابن سيف الملك وبين أبناء أعمامه حول الخلافة، باع إسماعيل الكهف بكامله إلى النزاريين. وفي سنة 531هـ/ 1136 ـ 1137م تمكنوا من طرد الأجانب من قلعة خريبة والسيطرة عليها من جديد بعد أن كانوا قد سلموها إلى ابن صلاح حاكم حماه بصورة مؤقتة. وفي سنة 535هـ/ 1140 ـ 1141م سيطروا على مصياف وهي إحدى القلاع الهامة في سوريا، وذلك بعد اغتيال سنقر، الذي كان يحكمها من قبل بني منقذ أصحاب شيزر. وأصبحت مصياف التي تبعد أربعين كيلو متراً غربي مدينة حماه، أصبحت مقراً دائماً لكبير الدعاة النزاريين في سوريا. وخلال تلك الأيام استولى النزاريون على بعض القلاع وهي الخوابي والرصافة ومنيقة وقليعة وسمّوها قلاع الدعوة. ويقول وليم الصوري في مؤلفه إن عدد القلاع بلغت عشراً وعدد النزاريين في المنطقة أصبح 60000 ألفاً.
والحقيقة هي أن نزاريي سوريا خلال أقل من عشرين عاماً بعد كارثة دمشق تمكنوا من تشكيل مجموعة من القلاع الجبلية وتعزيز مواقعهم رغم عداء الحكام المحليين السنيين ورغم التهديدات التي كانوا يتلقونها من الصليبيين. إذ كانت نشاطات الصليبيين آنذاك مستمرة في المناطق المجاورة التي كانت ضمن ممتلكات حكومتي إنطاكية وطرابلس. وعلى أي حال كان نزاريو سوريا مرتاحين كالنزاريين في إيران إلى أن أصبحت لهم سلطة محلية مستقلة في الأراضي التي كانوا يعيشون فيها. والمصادر المتاحة تعطينا معلومات قليلة عن العلاقات بين نزاريي سوريا وبين العالم الخارجي في هذه المرحلة التي كانت نشاطات النزاريين فيها منصرفة إلى تعزيز المواقع في جبل البهراء. وبعد أن استولى زنگي بن آق سنقر (521 ـ 541هـ/ 1127 ـ 1146م) حاكم الموصل السلجوقي على حلب اشتد تهديد السلاجقة لقطع الطريق الذي يربط نزاريي الشام بنزاريي إيران بعد أن احتل السلاجقة منطقة استراتيجية على ذاك الطريق وسجل المؤرخون اغتيالين سياسيين قام بهما الإسماعيليون النزاريون في سوريا. ففي سنة 543هـ/ 1149م قُتل الضحاك بن جندل رئيس وادي التيم الذي كان قد ألحق فيما مضى ضربة قاضية بالنزاريين وقتل بهرام ـ قُتل الضحاك هذا على أيدي اثنين من الفدائيين ـ وفي سنة 547هـ/ 1152م هجمت مجموعة من النزاريين على ريمون الثاني (Raymond II) حاكم مدينة طرابلس الذي كان متوجهاً نحو بوابة طرابلس برفقة رالف ميرل (Ralph of Merle) ورجل آخر وقتلوهم جميعاً، فقام صليبيو طرابلس بغارة على سكان جنوبي سوريا كما أغار جنود المعبد على النزاريين. وفي هذا التاريخ اضطر النزاريون في سوريا لدفع الضرائب السنوية إلى المنظمة العسكرية لجنود المعبد الصليبيين.
ـ 2 ـ
بعد التطور الذي طرأ على العقيدة النزارية في عهد الحسن الثاني ومن تلاه وما قام من أحداث، كان النزاريون في سوريا قد دخلوا المرحلة الثانية من تاريخهم. وكانوا على ما يبدو يتمتعون بنوع من الاستقلال عن ألموت. ومع ذلك فإن مثل الذي أعلن في عهد الحسن الثاني في ألموت عن (القيامة) أعلن في سوريا واحتفل النزاريون فيها ببدء العصر الجديد. وكان هذا الزمان يقارن فترة نشاط أكبر زعمائهم راشد الدين سنان.
كان سنان بن سلمان (أو سليمان) بن محمد أبو الحسن البصري، المعروف براشد الدين، أحد أبرز الشخصيات التاريخية النزارية، ولد في عائلة شيعية إمامية في قرية على طريق واسط بالقرب من مدينة البصرة وتربى في البصرة وأصبح مدرساً ثم دخل المذهب الإسماعيلي النزاري وسافر إلى ألموت وهناك ذهب مع حسن ولي عهد محمد بن بزرگ أميد إلى المدرسة. وخلال إقامته في ألموت قام بالتحقيق عن المذهب الإسماعيلي النزاري، وقام بدراسة عقائد الفلاسفة وقرأ رسائل إخوان الصفا وأصبح الصديق الحميم لحسن الشاب. وبعد أن تسلم حسن الثاني السلطة سنة 557هـ/ 1162م، بعث سنان إلى سوريا وقد توجه سنان تحت تدابير مشددة عن طريق الموصل والرقة وحلب التي كانت آنذاك تحت سلطة نور الدين محمود بن زنگي. وأخيراً وصل إلى الكهف أحد أهم قلاع النزاريين في جبل البهراء فأقام مدة من الزمن في الكهف حيث أحبه النزاريون هناك، إلى أن توفي الشيخ أبو محمد، رئيس الدعوة الإسماعيلية النزارية في سوريا، في الجبل. وقد أدت وفاة أبي محمد الذي كان داعياً مجهولاً أدت إلى خلاف على من سيخلفه. وأخيراً خلفه الخواجه علي بن مسعود الذي كان يحظى بدعم جانب من المجتمع النزاري، دون الحصول على موافقة ألموت وتأييدها. غير أن مجموعة أخرى من نزاريي سوريا بزعامة أبي منصور ابن شقيق أبي محمد والرئيس فهد اتفقت على علي بن مسعود وأدّى الأمر إلى قتله. وبعد فترة تزعم سنان بأمر من ألموت الدعوة في سوريا وبعد أن استقر في منصبه بدأ بتعزيز موقفه في المجتمع وفي الوقت نفسه اتخذ سياسة ملائمة للحكام السنيين وكذلك بالنسبة للصليبيين الذين كانوا قد أصبحوا خطراً دائماً على الإسماعيليين النزاريين في سوريا. وبدأ بتعمير قلعتي الرُصافة والخوابي وبنى قلاعاً وتحصينات جديدة. كما استولى على قلعة العليقة بالقرب من قلعة المرقب.
وفي تلك الأيام وبينما كان يتنقل بين القلاع النزارية لا سيّما مصياف والكهف وقدموس، أنهى بسرعة الصراعات الداخلية في المجتمع النزاري وأعاد تنظيم الإسماعيليين النزاريين من جديد كما بذل من الناحية السياسية اهتماماً خاصاً في تشكيل مجموعة مستقلة من الفدائيين. وكان سنان يهدف إلى صيانة دولته من شرّ الأعداء الكثيرين، ولهذا أولى اهتمامه بالحكام من أبناء السنة الذي كانوا يوسعون سلطتهم على سوريا من كل جانب وكان نور الدين وصلاح الدين في ذروة قوتهما آنذاك. ولما كان سنان كحسن الصباح ذكياً في تدبير السياسات الاستراتيجية، أدرك هذه الحقائق واتخذ سياسات مناسبة في تصرفاته ومعاملاته مع العالم الخارجي، تلك السياسات التي كان بإمكانه تعديلها أو تغييرها في أي وقت لتأمين استقلال دولته من كل جانب، ونتيجة لاتخاذ مثل هذه السياسة حاول سنان منذ البداية تهدئة الموقف مع الصليبيين الذين كانوا منذ عدة سنوات يقومون بين حين وآخر بمهاجمة الإسماعيليين النزاريين للاستيلاء على قلاعهم العديدة. غير أن النزاريين وجدوا عدواً جديداً بين الصليبيين الذين كانوا في سنة 537هـ/ 1142م تسلموا من حاكم طرابلس، قلعة حصن الأكراد الواقعة في أقصى الجنوب من جبل البهراء. وكانت بين النزاريين وهؤلاء الذين كانوا يتلقون أوامرهم من البابا ويعملون بصورة مستقلة، صراعات جزئية وكان الإسماعيليون النزاريون يدفعون الجزية والضرائب السنوية لهؤلاء. وحوالي سنة 569هـ/ 1173م بعث سنان وفداً إلى آمالريك الأول مطالباً بتطوير العلاقات الرسمية مع حكومة القدس آملاً أن ينهي دفع الجزية ويبدو أن المفاوضات كانت ناجحة وإيجابية بحيث إن ملك مملكة القدس وعد بإلغاء الجزية السنوية. ومن الطبيعي أن يرفض حكام المعبد الصليبيون تأييد الوفد النزاري. وخلال عودة هذا الوفد فوجىء رجاله بهجوم حكام المعبد الصليبيين عليهم بقيادة (والترفيلي) ما أدى إلى قتلهم جميعاً وبينما كان (آمالريك) يقوم باتخاذ تدابير مشددة بحق حكام المعبد توفي بعد مدة قصيرة، أي في 570هـ/ 1174م وفشلت المفاوضات بين سنان ـ الذي كان قد اشتهر بلقب شيخ الجبل ـ وبين حكام القدس. ولمّا نشب الصراع بين صلاح الدين وبين الزنگيين خلفاء نور الدين محمود، وجد الزنگيون والإسماعيليون النزاريون أن الخطر يهددهم معاً لذلك قام بينهما تعاون لدفع هذا الخطر.
وبينما كان صلاح الدين يهاجم أراضي الإسماعيليين النزاريين ويحاصر (مصياف) توسط خاله شهاب الدين محمود بن تكش ـ حاكم مدينة حماه المجاور للنزاريين والذي كانت تربطه بهم علاقات طيبة توسط بين صلاح الدين وبين سنان زعيم النزاريين فتم التعاهد بينهما وسحب صلاح الدين قواته من تلك المنطقة. على أن هناك تعليلات مختلفة لانسحاب صلاح الدين من جبل البهراء. وهناك من يرى أن صلاح الدين هو الذي حرض خاله على الوساطة ومن يرى أن سناناً هو الذي بدأ مفاوضات السلام ومن يرى أسباباً أخرى. ومهما يكن من أمر، فإن العداء بين الرجلين انتهى وتوصل الجانبان إلى نوعٍ من الاتفاق.
في هذه الأحوال قامت فرقة سنية محلية تسمى (النبوية) كان مركزها في العراق كانت مهمتها تهديد الشيعة في المنطقة، وامتد أمرها إلى تهديد نزاريي سوريا. ويقال إنه في سنة 570 هجرية قام 10000 من خيالة الفرقة النبوية بالهجوم على النزاريين في (الباب) وفي (بُزاغة) غير البعيدتين عن حلب والتابعتين لها. وقتلوا عدة آلاف وغنموا الكثير من الأموال. ويقول الرحالة الأندلسي ابن جُبير (المتوفى سنة 614هـ/ 1217م) الذي كان قد مرّ في سوريا سنة 580هـ/ 1184 ـ 1185م أن الحادث وقع حوالي سنة 572هـ/ 1176 ـ 1177م. وبعد انسحاب صلاح الدين من مصياف، لم يقم النزاريون بأي عمل عدائي على صلاح الدين، بل قام نوع من التواطؤ بين صلاح الدين وسنان. وعلى العكس من ذلك فإن العلاقات بين سنان وحكام مدينة حلب الزنگيين أخذت بالتدهور. وفي سنة 573هـ/ 1177م اغتال الفدائيون النزاريون شهاب الدين ابن العجمي وزير الملك الصالح في جامع حلب الكبير. وكان هذا الوزير منافساً قوياً لگمشتگن ـ الذي كان يحكم حلب وصاية على الملك الصالح ابن نور الدين زنگي الذي كان لا يزال صغير السن ـ وتقول بعض المصادر أن الاغتيال وقع بتحريض من گمشتگن. ويقال إن گمشتگن أرسل رسالة مزيفة إلى سنان طالباً منه إرسال الفدائيين وعلى أي تقدير سواء كانت هذه الإشاعة صحيحة أو كاذبة فإن أعداء گمشتگن انتهزوا الفرصة لتنحيته عن منصبه وقتله بعد تعذيبه. وفي سنة 575هـ/ 1179 ـ 1180م استعاد الملك الصالح (المتوفى سنة 577هـ/ 1181م) قلعة الهجيرة من النزاريين، ولم تسفر احتجاجات النزاريين عن نتيجة، فأرسل سنان بعض عملائه إلى مدينة حلب وأضرم هؤلاء النار في سوق المدينة.
لقد كان تسلم سنان السلطة في سوريا في نفس الوقت الذي تسلم حسن الثاني السلطة في ألموت، وكان هذان الرجلان صديقين حميمين في ألموت. ومن المحتمل أن يكون سنان قد انضم إلى مجموعة الشبان النزاريين الذين كانوا يؤيدون عقائد حسن الإسماعيلي النزاري الثاني الجديدة. وعندما أعلن حسن الثاني في 559هـ/ 1164م فكرة (القيامة) في ألموت وتحوير المذهب ثم أرسل مندوبين إلى مناطق النزاريين ليدعوهم إلى ذلك كان سنان هو الذي تقبّل مهمة افتتاح هذا العصر الجديد للمذهب النزاري في سوريا، فأعلن عصر القيامة في سوريا غير أنه يبدو أن هذه الفكرة لم تلق ترحاباً شاملاً بين الإسماعيليين النزاريين في سوريا كما يبدو أن المؤلفين النزاريين في سوريا لم يكونوا على معرفة بكتابات وتأليفات النزاريين الإيرانيين ولم يبدوا اهتماماً خاصاً بما أصبح يوصف به سيد ألموت مما هو أساسي في عقائد النزاريين الإيرانيين. ولهذا فإن نزاريي سوريا خلافاً لنزاريي إيران لم يسجلوا فكرة القيامة ولم يكن للعقيدة الجديدة وجود في أية متون ونصوص نزارية سورية. ومن جانب آخر فإن المؤرخين السنيين أشاروا بإيجاز إلى هذ الحادث دون الاطلاع على التفاصيل التي ذكرها المؤرخون الإيرانيون. أعلن سنان (القيامة) بعد فترة قليلة بعد سنة 559هـ/ 1164م وأقام احتفالات مثل الاحتفالات التي أقيمت في إيران، غير أن فكرة القيامة لم تحتل مكاناً خاصاً في عقائد نزاريي سوريا في الفترة التي كان سنان يحكم فيها في سوريا والذي أخذ بالاستقلال عن ألموت خلال حكومة محمد الثاني وبعض الروايات يشير إلى وقوع خلافات بين سنان ومحمد الثاني، وأن محمداً أرسل أكثر من مرة فدائيين من الموت إلى سوريا لاغتيال سنان. غير أن هؤلاء المتطوعين فشلوا في مهماتهم وأن سنان رفض قطع علاقاته بصورة نهائية مع ألموت. وعلى أي حال يبدو أن سنان كان يُعلّم فكرة القيامة حسب روايته.
إن مواصفات هذه الرواية السورية التي لم تحقق جذوراً عميقة في المجتمع الإسماعيلي النزاري هناك مجهولة منا لأن هذه المواصفات لم تُذكر في أية تأليفات إسماعيلية أو غير إسماعيلية توصلنا إليها. إن المؤلفات النزارية الأخرى مثل فصل أبو فراس أو المقالات التي تنسب إلى سنان. فيها إشارات غامضة عن تعاليم سنان ولا تؤكد بوضوح على منصب الإمام الحاضر وظهور الحقيقة المكشوفة فيه. حظي سنان بشعبية ومحبة منقطعة النظير في المجتمع النزاري، وهذا الأمر أعطاه القدرة على الابتعاد عن مركز الدعوة وقاعدتها في ألموت. ولكن لم يُعرف أي دور أو أي منصب كان قد منحه لنفسه. وتقول بعض المصادر إن بعض أنصاره كانوا يحترمونه ويقدرونه كما لو كان إماماً. وهؤلاء يسمونهم: السنانية ووصُف سنان ـ في الأدب الشعبي في العصور التالية للنزاريين السوريين ـ وصف كأولياء اللَّه ومنح منصباً ومقاماً علوياً يناسب منصب ومقام الإمام، المنصب الذي هو أعلى بكثير من منصب ممثل للإمام. وأبو فراس شهاب الدين ابن القاضي نصر الديلمي يعتبر انتصارات سنان وعظمته أمراً إلهياً كما لو كان يتلقى الدعم والإرشاد من الباري تعالى.
إن نزارية سوريا كانوا أكثر من نزارية رودبار وتهستان عرضة لمختلف أنواع التيارات الفكرية. ويحتمل أن سنان عرض رواية عن نفسه عن الفكرة الجديدة للقيامة كانت فيها صفة سورية بارزة وأنه كان يتلقى بسهولة التعديلات الشعبية التي كانت ملائمة للمذهب الإسماعيلي النزاري، وأخيراً فإن الإنسان يواجه في الأفكار النزارية السورية بعض التعاليم الشعبية التي لا توجد في فكرة (القيامة) على النمط الذي حصل في إيران، فمثلاً أن أبا ذر أحد أنصار علي (عليه السلام) الرئيسيين يحظى بمنزلة هامة رئيسية في الفكرة النزارية السورية ويوجد في المؤلفات السورية في العصور التالية نوع من العقائد العلوية والدرزية لا سيّما العلوية فإن نزاريي سوريا ظلوا طوال قرون متمادية عرضة لعقائد جيرانهم العلويين وأفكارهم. وإن هاتين الفرقتين تصارعتا في عهد سنان عدة مرات في جبل البهراء. وهناك إشارات ودلائل تؤكد أن جميع المجموعات في المجتمع النزاري السوري لم تستوعب جيداً فكرة (القيامة) وخاصة الرواية السورية منها. لا سيّما النزاريين الذين كانوا يعيشون في جزْر وجبل السماق، خارج قاعدة جبل البهراء الرئيسية وتحصيناتها. وعلى سبيل المثال يقول ابن العديم ما مضمونه: إنه في سنة 572هـ/ 1176 ـ 1177م وفي الوقت الذي لم يكن قد تحقق التوافق بين سنان وصلاح الدين، فإن جماعة من النزاريين في جبل السماق توصلوا إلى نوع من الحياة الحرة يسمون أنفسهم الصُفاة. ولقد تبرأ سنان من هؤلاء وتمكن من صدّ تدخل الزنگيين في حلب الذين كانت تربطه بهم علاقات طيبة. واهتم سنان بنفسه بأعمال الصفاة الذين كانوا قد تحصنوا في المناطق الجبلية وقتل الكثير منهم ووضع نهاية لنشاطاتهم ويذكر أن نزاريي إيران لم يتهموا بمثل هذه الأعمال والخصال وأن المجتمع النزاري في إيران لم يواجه أي انفصال داخلي يمكن قياسه بحادثة الصفاة.
في شهر ربيع الثاني سنة 588هـ/ نيسان 1192م قام نزاريو سوريا بأكبر اغتيال سياسي إذ قتلوا (ماركي كونراد). ملك مملكة القديس الصليبي وزوج إيزابيلا ابنة (آمالريك) الأول الذي كان قد توج ملكاً على الإفرنج، قتلوه في مدينة صور. إن هذا الحادث هزّ الصليبيين. وسبق أن قلنا إن جميع المؤرخين لأحداث الحرب الصليبية الثالثة وكثيراً من المؤرخين المسلمين نقلوا هذا الحادث. ويؤكد الكثير من المصادر أن الاغتيال قام به اثنان كانا في ملابس الرهبان المسيحيين وقد كانا تمكنا من كسب ثقة كونراد، ولكن هناك آراء ونظريات مختلفة عن المحرض لهذا الاغتيال. تعتقد بعض المصادر الإسلامية وبعض المصادر الغربية أن المحرض هو ريشارد الأول الملقب بقلب الأسد ملك إنكلترا (1189 ـ 1199م) الذي كان آنذاك في الأراضي المقدسة وكان في عداء مع كونراد. ومن جانب آخر هناك من يقول إن صلاح الدين حرض سنان على هذا الاغتيال ويقول أبو فراس إن سنان الذي كان على علاقات سيئة مع الصليبيين أراد أن يساعد صديقه صلاح الدين وبعد فترة قصيرة عندما صالح صلاح الدين الصليبيين وأنهى حالة الحرب معهم جعل معاهدة السلام شاملة لأراضي النزاريين.
توفي راشد الدين سنان في قلعة الكهف سنة 588هـ/ 1192 أو 589هـ/ 1193م بعدما وطد أركان الدولة النزارية السورية طوال ما يقارب الثلاثين عاماً ورفع أنصاره إلى أعلى درجة من القوة والشهرة. وكان بصفته أقوى وأجدر زعيم للنزارية السورية الوحيد بين الزعماء الذي حصل على الاستقلال الكامل عن ألموت. لقد أعطى النزارية السورية هوية مستقلة ومنفصلة، وأراضي خاصة بهم، وشبكة من القلاع والتحصينات، وسلسلة مناصب من الدعاة، ومجموعة قوية من الفدائيين. إن الدعاة الذين تزعموا الدعوة النزارية في سوريا بين سنة 620هـ/ 1223م و1224م و656هـ/ 1258م هم: كمال الدين حسن بن مسعود. ومجد الدين وسراج الدين مظفر بن حسين وتاج الدين أبو الفتوح بن محمد ورضي الدين أبو المعالي. وقد أشير إلى هؤلاء الدعاة بأنهم موفدون من ألموت. وقد جاءت أسماؤهم في النقوش السورية بعد اسم الإمام. وكان لنزاريي سوريا في هذه الفترة حرية العمل في علاقاتهم مع المسلمين والإفرنج كما كان الحال بالنسبة لنزاريي قهستان وحافظ نزاريو سوريا على علاقاتهم الودية مع أخلاف صلاح الدين الأيوبي في سوريا. وبعد تطبيع العلاقات بين جلال الدين حسن الثالث وبين غيره من المسلمين ازدادت هذه العلاقات في سوريا تلاحماً. وكان بإمكان النزاريين أن يعتمدوا منذ الآن على الأيوبيين بصفتهم شركاء معهم في الوحدة. وذكرت المصادر العربية أن حسن الثالث أعلن سياسته الجديدة سنة 608هـ/ 1211 ـ 1212م وكتبت هذه المصادر ان حسن الثالث بعث سفراء إلى سوريا وبقية البلدان النزارية وأكد عليهم باتباع الشريعة الإسلامية وأمرهم ببناء المساجد. هذا مضافاً إلى البعثات التي أرسلها إلى زعماء المسلمين معلناً الرجوع إلى التمسك بالشريعة الإسلامية. ويبدو أن حسن الثالث قد خص نزاريي سوريا بكتب مؤكدة كما يبدو أن نزاريي سوريا طبقوا أوامر الإمام بصفتهم رعايا ألموت. وبالأخذ بعين الاعتبار الاتحاد القائم بين حسن الثالث وبين الخليفة العباسي الناصر فإن علاقاتهم مع الأيوبيين وخاصة الملك الظاهر (582 ـ 613هـ/ 1186 ـ 1216م) ابن صلاح الدين حاكم مدينة حلب تحسنت بصورة ملحوظة وإضافة إلى ذلك فإن نزاريي سوريا لم يقوموا بأي اغتيال للشخصيات المحلية المسلمة غير أن صراعهم مع الصليبيين الذين كانوا ما زالوا يحتلون سواحل سوريا كان مستمراً.
في سنة 610هـ/ 1213م قتل فدائيو نزاريي سوريا رمون، الابن الشاب لبوهموند الرابع (1187 ـ 1232م) ملك أنطاكية وفي سنة 611هـ/ 1214 ـ 1215م حاصر بوهموند قلعة الخوابي انتقاماً لهذا الاغتيال، فطلب الإسماعيليون النزاريون العون والمساعدة من الملك الظاهر، فأرسل هذا جيشاً لإنقاذهم ولما هُزم جنود الملك الظاهر في جبل البهراء أرسل الملك العادل الأول الحاكم الأيوبي على دمشق جيشاً آخر لمساعدة النزاريين فأجبر هذا الجيش الصليبيين على الانسحاب من الخوابي. وفي هذه الأحوال دبّر نزاريو سوريا أسلوباً للحصول على الأموال والجزية من بعض الحكام المسلمين والمسيحيين. في سنة 624هـ/ 1227م أرسل فردريك الثاني Frederick II (1212ـ 1250م) امبراطور ألمانيا([203]) الذي كان قد قدم إلى الأرض المقدسة مشاركاً في الحروب الصليبية ـ أرسل بعثة إلى مجد الدين زعيم الإسماعيليين النزاريين في سوريا، تحمل معها هدايا تقدر قيمتها حوالي 80000 دينار كان المفروض إرسالها إلى ألموت. غير أن مجد الدين أخبرهم أن الطريق إلى ألموت غير آمن بسبب تصرفات الخوارزميين، فاحتفظ بالهدايا في سوريا ولكنه سرعان ما أخبر الملك العزيز (613 ـ 634هـ/ 1216 ـ 1237م حاكم مدينة حلب بنوايا الامبراطور الودية وطمأن الأيوبيين باستمرار التعاون معهم إذا اقتضت الضرورة ذلك. وقبلها بقليل أي في سنة 624 هجرية أرسل مجد الدين ممثلين عنه إلى الملك السلجوقي في الروم([204]) علاء الدين كيقباد الأول (616 ـ 634هـ/ 1219 ـ 1237م) وطلب منه أن يرسل إليه الجزية السنوية البالغة 2000 دينار التي كانت ترسل إلى ألموت واستشار الملك، زعيم ألموت فجاء جوابه إيجابياً، وبهذا فإن الجزية المذكورة كانت تدفع إلى المجتمع النزاري في سوريا.
وفي غضون تلك الأيام طلب فرسان الكنيسة الذين كانوا غير مرتاحين من العلاقات القائمة بين النزاريين وفردريك الثاني ـ طلبوا من النزاريين دفع الجزية لهم فرفض النزاريون ذلك وقالوا إنهم هم الذين يستلمون الهدايا والجزية من الأباطرة والملوك الإفرنج، فكان أن هاجم الفرسان جماعة النزاريين وغنموا الكثير من أموالهم، وحتى حوالي سنة 625هـ/ 1228م كان نزاريو سوريا يدفعون الجزية إلى الفرسان وهناك علامات تشير إلى أن النزاريين اتفقوا مع الفرسان فأرسل البابا غريغوريوس التاسع Gregory IX (1227ـ 1241م) في سنة 633هـ/ 1236م رسالة إلى ممثليه في الأرض المقدسة تدين مثل هذه العلاقات بشدة. وآخر حدث هام في تاريخ نزارية سوريا في هذه الفترة هو العلاقات القائمة بين الداعي النزاري في سوريا وبين لويس التاسع المعروف بالقديس لويس ملك فرنسا الذي كان يقود الحرب الصليبية السابعة. وتعود هذه العلاقات حسب ما يذكره جوئنويل، كاتب الملك، تعود إلى فترة قصيرة بعد وصول لويس إلى عكا في شهر صفر سنة 648هـ/ أيار 1250م. ومن المحتمل جداً أن يكون تاج الدين أبو الفتوح زعيماً على النزاريين آنذاك حسب ما جاء اسمه في نقوش قلعة مصياف التي تحمل تاريخ شهر ذي القعدة سنة 646هـ/ شباط ـ آذار 1249م. ومحور هذه العلاقات أن ممثلين عن النزاريين ذهبوا إلى ملك فرنسا وطلبوا منه إما أن يدفع الجزية وإما أن يطلب من الفرسان المعبديين إعفاء النزاريين من دفع الجزية. ومع تدخل رجينالد دو فيشيه وويليام دو شاتونف Reginald de Vichier, William de Chateauneuve كبير أساتذة المعبديين فإن مفاوضات شيخ الجبل ولويس لم تؤد إلى نتيجة وكان لويس أكثر رغبة في إقامة علاقات ودية مع المغول لذلك رفض دفع الجزية إلى الإسماعيليين النزاريين وظل النزاريون يدفعون جزيتهم إلى فرسان المعبد.
ـ 3 ـ
كان انهيار الدولة النزارية في إيران على أيدي المغول شاقاً على نزارية سوريا حيث كان يتعذر عليهم منذ الآن أن يبرزوا أنفسهم بعد أن انقطعت حماية الزعامة الألموتية عنهم وغاب إرشاد الإمام النزاري. فصارت النزارية في سوريا تنتخب قيادتها المحلية بنفسها وكان يصادف في بعض الأوقات أن ينتخب اثنان لمنصب الداعي الرئيسي. وبهذا فإن المجتمع النزاري السوري الذي كان قد فقد أجهزة القيادة المركزية وحرم منها كان في نفس الوقت هدفاً لمخططات ومؤامرات القوى المختلفة لا سيّما المغول والمماليك وتعرض لشقاق داخلي شديد كان يبرز على شكل منافسة بين الدعاة الكبار، فضلاً عن معاناة المعاملة العنيفة من مراقبي القلاع المختلفة ومحافظيها.
إن جميع هذه الأمور مهدت لاستسلام النزاريين السوريين إلى الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الأول (658 ـ 676هـ/ 1260 ـ 1277م) سلطان المماليك البحرية في مصر الذي مدّ سلطته بسرعة في سوريا. وفي هذه الأحوال وبعد أن فرغ هولاكو من القضاء على الإسماعيليين النزاريين في إيران زحف نحو هدفه الرئيس الثاني وهو القضاء على الخلافة العباسية، فاستولى المغول على بغداد في شهر صفر 656هـ/ شباط 1258م. والهدف الثالث للزحف المغولي بقيادة هولاكو كان الحكومات القائمة في سوريا. فاستولى المغول على مدينة حلب في 658هـ/ 1260م. وبعد مدة قصيرة استسلمت مدينتا حماه ودمشق لهولاكو. وفي شهر ربيع الأول 658هـ/ آذار 1260م دخل كيتبوقا مدينة دمشق منتصراً حيث كان يقود عمليات المغول في سوريا وكان معه هيثوم ملك أرمينيا الصغرى وصهره بوهموند السادس ملك مملكة أنطاكية حليفا المغول. وفي هذه السنة نفسها 658هـ/ 1260م سلّم محافظو أربع قلاع نزارية بينها مصياف للمغول. غير أن انتصارات المغول في سوريا كانت قصيرة الأمد. ففي صيف تلك السنة سمع هولاكو نبأ وفاة منكوقا آن الذي كان قد توفي قبل سنة أي في 657هـ/ 1259م فعاد إلى إيران وعين كيتبوقا قائداً للجيش المغولي في سوريا وفي 25 رمضان 658هـ/ 3 سبتمبر 1260م مُني المغول في عين جالوت في فلسطين بهزيمة نكراء أمام قوات مماليك مصر بقيادة السلطان المظفر قطز (657 ـ 658هـ/ 1259 ـ 1260م) فأسر كيتبوقا وقُتل. وعمل بيبرس على اغتيال قطز قبل الوصول إلى القاهرة وجلس على عرش المماليك بعد قطز. ولم تمض مدة طويلة حتى طُرد المغول من جميع المناطق السورية وأصبح بيبرس القوة المنتصرة. ويبدو أن الإسماعيليين النزاريين ساعدوا المماليك وبقية الحكام المسلمين في طرد المغول من سوريا، فاستعاد النزاريون بعد معركة عين جالوت القلاع الأربع التي كان قد احتلها المغول، وكان رضي الدين أبو المعالي يتزعم النزاريين في سوريا في زمن هجوم المغول عليها فعاقب المحافظين الذين سلّموا قلاعهم للمغول. يقول ابن ميسَر أن رضي الدين أصبح داعياً في النزاريين في سوريا سنة 656هـ/ 1258م وقبل تعيينه في هذا المنصب أوفد سفيراً نزارياً إلى بلاط مماليك مصر.
وكان نزاريو سوريا يسعون الآن لإقامة علاقات ودية مع بيبرس، ولهذا أرسلوا هدايا كثيرة مع مندوبين عنهم إلى بلاط بيبرس. وكان بيبرس آنذاك منشغلاً بالمغول والإفرنج فخول بعض الصلاحيات للمجتمع الإسماعيلي النزاري، ولكنه كان منذ البداية يقوم بإجراءات منظمة عدائية لهم، أسفرت في النهاية عن انهيار الاستقلال السياسي للمجتمع النزاري في سوريا. ويقول ابن عبدالظاهر (المتوفى سنة 692هـ/ 1293م) مؤرخ بلاط بيبرس، إن بيبرس فوض في سنة 659هـ/ 1261م حقوق بلدان الإسماعيليين النزاريين إلى الملك المنصور (642 ـ 683هـ/ 1244 ـ 1285م) الأمير الأيوبي على مدينة حماه. ولكن النزاريين أرسلوا مندوباً عنهم إلى بيبرس يطلب منه إعادة الصلاحيات التي كانت قد منحت لهم في عصر الأيوبيين، ونجحوا في هذا الأمر. ولكن بيبرس من أجل إيقاع الشقاق بين النزاريين، عيّن المندوب النزاري جمال الدين حسن بن ثابت زعيماً على المجتمع النزاري بدلاً من رضي الدين الذي كان يمارس مسؤوليته مع نجم الدين إسماعيل بن الشعراني. غير أن النزاريين رفضوا قبول جمال الدين زعيماً لهم وقتلوه. وفي حوالي تلك الأيام توفي رضي الدين أيضاً وأصبح نجم الدين الذي كان رجلاً عجوزاً رئيساً للدعوة النزارية في سوريا في 660هـ/ 1261 ـ 1262م. وقام في السنوات التالية كل من شمس الدين بن نجم الدين وصهره صارم الدين مبارك وهو ابن رضي الدين بمساعدة نجم الدين بإدارة الأمور. وكان المجتمع النزاري يملك بصورة ثابتة ثماني قلاع وهي: مصياف وقدموس والكهف والخوابي والرصافة ومنيقة (مَينقة) وعُليقة وقُليعة. ويبدو أن النزاريين كانوا قد فقدوا قلعة الخريبة قبل مدة.
وبينما كان بيبرس منهمكاً في تعزيز مواقع قدرته في سوريا، كان النزاريون يرون أن يجددوا بين حين وآخر مقترحاتهم الودية معه. ففي 661هـ/ 1263م عندما كان بيبرس يستعد لشن هجوم على الإفرنج، توجه وفد نزاري برئاسة اثنين من أبناء الرؤساء النزاريين إلى بيبرس حاملاً معه بعض الهدايا، فعومل أعضاء الوفد وبينهم شمس الدين وصارم الدين بعطف وإحسان ولكن في 664هـ/ 1265م كان بيبرس بدرجة من القوة بحيث أمر أن تؤخذ الضرائب من الهدايا والتحف التي كانت ترسل إلى النزاريين من ملوك الإفرنج، ومن حكام اليمن عبر الأراضي المصرية. ومنذ هذا التاريخ بدأت أهمية نزارية سوريا السياسية ـ الذين لم يكونوا على درجة تمكنهم من الدفاع عن حقوقهم إزاء تعديات بيبرس ـ بدأت هذه الأهمية بالانهيار والزوال. وبعد مدة وأثر معاهدة السلام التي أبرمت في 664هـ/ 1266م بين السلطان المملوكي وبين فرسان الكنيسة أصبح النزاريون أهم الذين يدفعون الجزية والضرائب إلى بيبرس. وبموجب هذه المعاهدة تخلى فرسان الكنيسة عن الجزية التي كانوا يتسلمونها من النزاريين ومن بقية الدويلات الإسلامية في أطراف مدينتي حمص وحماه. وإضافة إلى ذلك كان على النزاريين من 665هـ/ 1267م أن يدفعوا إلى بيبرس الجزية التي كانوا يدفعونها إلى فرسان الكنيسة. وهكذا أصبح النزاريون الآن تحت سلطة حكومة المماليك ولم تمض مدة حتى فقدوا استقلالهم الظاهري بعد الضغوط التي أنزلها بيبرس بمجتمعهم. والحقيقة أنه لم تمض فترة حتى كان بيبرس هو الذي يُعيّن ويعزل رؤساء المجتمع النزاري، الأمر الذي كان يفعله في السابق زعماء ألموت. في 668هـ/ 1270م عندما سافر بيبرس إلى حصن الأكراد داخل منطقة النزاريين لم يتوجّه نجم الدين إلى بيبرس لتقديم التحية كما فعل بقية حكام المنطقة، فغضب بيبرس وعزل نجم الدين من منصبه. وبعد مدة قصيرة عندما بعث نجم الدين صهره صارم الدين مبارك حاكم العليقة مندوباً عنه إلى بيبرس بأمل أن يقلل من كمية الجزية التي يدفعها النزاريون إلى المماليك، عيّن بيبرس صارم الدين زعيماً على المجتمع النزاري. وكان السلطان يطالب الآن بقلعة مصياف وكان يريد أن يعطي هذه القلعة إلى أحد قادته عز الدين العديمي.
توجّه صارم الدين في جمادى الثانية سنة 668هـ/ شباط 1270م مندوباً عن بيبرس لتسلّم أمور قلاع النزاريين، فبدأ نجم الدين في أول الأمر بالمعارضة ولكنه سرعان ما استسلم، ولكن صارم الدين قام ببادرة خلاف لأوامر السلطان باستلام قلعة مصياف. مما أثار غضب بيبرس وعندما دخل صارم الدين إلى قلعة مصياف قتل عدداً من أهالي القلعة الذين كانوا قد رفضوا تسليم القلعة إليه. وبأمر من بيبرس طرد الملك المنصور حاكم مدينة حماه، صارم الدين من مصياف وأرسله سجيناً إلى القاهرة حيث توفي صارم الدين هناك. ومرة أخرى عيّن بيبرس، نجم الدين رئيساً على المجتمع النزاري بعد أن اعتذر عن أعماله الماضية واحتفظ بولده شمس الدين في القاهرة.
في شهر رجب سنة 669هـ شباط 1271م عندما كان بيبرس يحاصر قلعة حصن الأكراد التي كانت في يد الإفرنج، تمّ القبض على رجلين نزاريين من أهالي عليقة واتهما بمحاولة اغتيال السلطان، فأنهى هذا الأمر إلى تفاهم بين بيبرس والقيادة النزارية في سوريا. فقرر بيبرس الآن وضع حدّ نهائي لأنصار الفرقة، فاعتقُل شمس الدين، فالتمس نجم الدين بيبرس لإنقاذ حياة ابنه، واضطر مقابل الاستجابة لطلبه هذا أن يتخلى عن منصب قيادة المجتمع النزاري وتسليم أمر القلاع النزارية إلى المماليك. وذهب نجم الدين ـ البالغ من العمر آنذاك تسعين عاماً ـ ذهب برفقة بيبرس إلى القاهرة وتوفي هناك في 672هـ/ 1274م. وسمح لشمس الدين ـ الذي كان فترة من الزمن مساعداً لوالده وكان من المحتمل جداً أن يشغل منصب الداعي مع والده ـ سمح له بالبقاء في سوريا بصورة مؤقتة للإشراف على شؤون الدعوة النزارية وشؤون القلاع هناك. فحاول عبثاً فترة من الزمن توحيد صفوف النزاريين على بيبرس وكانت القلاع النزارية تستسلم بسرعة واحدة تلو الأخرى إثر المحاصرات والتهديدات والوعود المغرية التي كان يعطيها بيبرس. فاستسلمت العليقة والرصافة في شهرشوال 669هـ/ أيار 1271م وحتى شهر ذي القعدة سنة 671هـ/ أيار 1273م كان قد استولى بيبرس على الخوابي وقليعة ومنيقة وقدموس. وفي غضون ذلك لما يئس شمس الدين من نجاح مساعيه للقيام بوثبة سلّم نفسه إلى المماليك فأُرسل إلى القاهرة واستمر المحافظون في قلعة الكهف في صمودهم فترة من الزمن ولكن بعد سقوط هذه القلعة في شهر ذي الحجة 671هـ/ 1273م وقعت آخر قاعدة مستقلة للنزاريين في سوريا بيد المماليك، أي بعد أقل من ثلاث سنوات من استسلام قلعة گردكوه للمغول.
ولما استولى بيبرس استيلاءً كاملاً على قلاع النزاريين جميعها، فعل خلافاً لما فعل المغول في إيران مع النزاريين إذ تسامح مع النزاريين وأجازهم بالبقاء في قلاعهم في جبل البهراء تحت إشراف المماليك وتدابيرهم المتشددة. وهناك روايات تقول بأن بيبرس والسلاطين بعده استفادوا من خدمات النزاريين في صراعهم مع أعدائهم. ويقال إن بيبرس قبل استسلام القلاع النزارية كان يستغل الفدائيين النزاريين في كفاح الأعداء. وقيل إن بيبرس كان قد هدد كونت طرابلس بالقتل في شهر شعبان 669هـ/ نيسان 1271م وفي الوقت نفسه دبر لاغتيال فيليب مونتفورت Philip of Montfort صاحب صور سنة 1270م كما دبر المحاولة ـ التي فشلت ـ لاغتيال الأمير ادوارد الإنكليزي في 1272م. ومن المصادر التي أشارت إلى استخدام السلاطين المماليك المتطوعين النزاريين، كتاب رحلة ابن بطوطة السائح المعروف، إذ يشير ابن بطوطة في كتابه إلى مروره في سوريا في 726هـ/ 1326م ويتحدث عن قلاع منيقة والعليقة وقدموس والكهف ومصياف، ويقول إنها ما زالت في يد (الفداوية). ثم يشرح بالتفصيل العلاقات القائمة بين الفدائيين والسلطان المملوكي ناصر الدين محمد الذي حكم البلاد عدة مرات في 693هـ/ 1294م و741هـ/ 1340م.
وعلى هذا الأساس سمح للنزاريين في سوريا أن يستمروا في حياتهم بصورة شبه مستقلة باعتبارهم رعايا مخلصين أوفياء للمماليك. وهذا ما أعطى الفرصة للمجتمع النزاري في سوريا لكي يحافظ على هويته وآدابه وعاداته، مما لم يسمح بمثله للنزاريين في إيران وبذلك لم يستعد النزاريون في إيران حياتهم بعد نكبتهم بالمغول ومهما كان الأمر فإن حياة الإسماعيلية النزارية بصفتها مذهباً ودولة وقوة سياسية كانت قد انتهت قبل أن ينزل المغول والمماليك ضرباتهم القاصمة على الفرعين الإيراني والسوري. والأهمية السياسية القليلة التي كان النزاريون قد حافظوا عليها في أواخر عصر ألموت قد زالت في 654/1256 بصورة لا تسترد، وبعد سقوط ألموت، تلك القلعة الجبلية العظيمة التي اختارها حسن الصباح قاعدة رئيسية للحركة النزارية، فإن الإسماعيلية النزارية دخلت مرحلة مختلفة جداً وغامضة وغير معلوم تاريخها، وبقيت قائمة حية بصفتها قرقة صغيرة دون أن تكون لها أهميتها السياسية السابقة.
كان للنزارية السورية في عصر ما بعد ألموت ـ كما كان الحال في الأزمنة القديمة ـ أدب مستقل منفصل عن النزارية الإيرانية. وقد حافظت النزارية في سوريا على الكثير من المؤلفات الإسماعيلية في العصر الفاطمي ونتيجة لذلك فإن بعض تعاليم الإسماعيلية الفاطمية استمرت بينهم ودخلت في نصوص النزارية السورية. غير أن النزارية في سوريا وفي العصر الذي نتحدث عنه رعت عدداً قليلاً من المؤلفين وكمية قليلة من المؤلفات الأصيلة([205]) وأشهر المؤلفين النزاريين الشاميين في هذا العصر هو الداعي أبو فراس الدين ابن القاضي نصر الديلمي المينقي المتوفى سنة 937هـ/ 1530 ـ 1531 أو في 947هـ/ 1540 ـ 1541م. وكان والد أبي فراس قد رحل من الديلم إلى الشام في 859هـ/ 1455م وأقام في قلعة مينقة وفيها وُلد أبو فراس في 872هـ/ 1467 ـ 1468م. وكانت نزارية سوريا تعيش في العصر العثماني، الذي جاء فيه ذكر أنصار الفرقة النزارية وذكر قلاعهم في غرب مدينة حماه، في سجلات تنظيماتهم حول سوريا ـ كانت تعيش حياة هادئة مستقرة. ولم تكسب نزارية سوريا اهتمام العالم الخارجي حتى السنوات الأولى من القرن الحادي عشر. ولكن منذ هذا التاريخ توجد تقارير عن صراعاتهم مع الحكام أو مع جيرانهم العلويين وفي غضون ذلك تصلنا أنباء من رجال السياسة والسائحين والمستشرقين الأوروبيين عن وجود مجتمع إسماعيلي نزاري في سوريا. بقي نزاريو سوريا مخلصين للمماليك ثم للعثمانيين من بعدهم وكانت بينهم وبين جيرانهم في سوريا وخاصة العلويين ـ الذين كانوا أكثر منهم عدداً ـ معارك وكانوا يحتلون قلاعهم دائماً. ووقعت الكثير من هذه المعارك في الفترة بين الأعوام الأخيرة من القرن الثامن عشر والأعوام الأولى من القرن التاسع عشر. وكانت المنافسة العنيفة بين أسرتين نزاريتين متحكمتين في مصياف وقدموس قد زادت في إضعاف المجتمع النزاري السوري. وفي عام 1808م تمكن العلويون من اغتيال الأمير النزاري مصطفى ملحم في مصياف واحتلال قلعته ونتيجة لذلك غادر الشيخ سليمان بن حيدر داعي مصياف الكبير مع عدد كبير من النزاريين مصياف وأقام في حمص وحماه والمناطق الأخرى. وبعد ذلك وبوساطة السلطات العثمانية استعاد النزاريون قلعة مصياف مرة أخرى. ولكن ظل النزاريون في سوريا منفصلين بعضهم عن بعض بسبب المنافسة بين أميري مصياف وقدموس. وفي سنة 1830م أصيب المجتمع النزاري عامة بكارثة كبيرة نتيجة هجوم إبراهيم باشا الذي كان السبب في تدمير الكثير من القلاع والقرى النزارية. وفي 1840م تمكن الأمير إسماعيل ابن الأمير محمد الأمير النزاري على قدموس ـ تمكن من أن يفرض سيطرته على قسم كبير من المجتمع في سوريا كما تمكن أن يعقد صداقة مع السلطات العثمانية في عهد السلطان عبدالمجيد الأول (1255 ـ 1277م/ 1839 ـ 1861م) وكان قد قرر أن يجمع جميع النزاريين في مدينة سَلميّة التي كانت في بداية النهضة الإسماعيلية قاعدتهم ومركز نشاطاتهم الرئيسي وفي 1843م طلب من السلطات العثمانية السماح للنزاريين في إعادة بناء مدينة سلمية التي كانت قد تحولت إلى أنقاض. ووافق العثمانيون على هذا الطلب وسمحوا للأمير الإسماعيلي أن يجمع النزاريين السوريين من مختلف المناطق ويسكنهم في سلمية والقرى الواقعة في ضواحي مدينة حماه. وكان ذلك فاتحة دورة جديدة في تاريخ النزارية السورية. وفي 1850م أعفى العثمانيون، نزاريي سلمية من أداء الخدمة العسكرية. في هذه الأحوال كانت، الاتصالات بين المحمد شاهية([206]) في سوريا مع إمامهم الأربعين الأمير محمد باقر قد انقطعت، وكانت أخبار هذا الإمام الذي كان يقيم كأسلافه في الهند انقطعت منذ 1210/1796م. فأرسل نزاريو المحمد شاهية السوريون وفداً إلى الهند في 1304/1887م ليحققوا عن أخلاف الإمام محمد باقر الذي كانوا يعتقدون أنه اختار الستر لنفسه. ولم ينجح الوفد في هذه المهمة. ومنذ ذلك التاريخ انحاز نزاريو المحمد شاهية في سوريا إلى سلالة القاسم شاهية وأعلنوا بيعتهم للإمام آغا خان الثالث. وكان آغا خان الثالث قد تولى الإمامة في بومبي حديثاً. وبقي عدد قليل من النزاريين السوريين أوفياء للسلالة المحمد شاهية المؤمنية رغم أن سلسلتهم كانت قد انقطعت على ما يبدو. ويعيش اليوم ألوف نزاريون محمد شاهيون في مصياف وقدموس وبعض القرى المجاورة، وهم بقايا النزارية المحمد شاهية.
الدكتور فرهاد دفتري
جُذورُ التفكير بالحملة الفرنسِيَّة
على مصر وَبلاد الشّام
منذ القرن الثامن عشر انتشرت في أوروبا مذكرات الرحالة الأوروبيين الذين زاروا المشرق. وكانت كلها تحث على ضرورة الاهتمام به. وتضمنت أبحاثاً عن أهمية الطرق بين البحر المتوسط والبحر الأحمر. وبين المرافىء اللبنانية والخليج العربي عبر سوريا والعراق. وعن إمكانية فتح قناة تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط.
وفي سنة 1704م تبنت ملكة فرنسا ماريا تيريزا([207])، دراسة احتلال مصر وحفر ترعة تصل البحر الأحمر بالمتوسط، وأرسلت معتمداً سياسياً إلى القاهرة لدراسة وسائل تنفيذ هذا المشروع.
فأثار ذلك قلق بريطانيا، لكن سفيرها في الأستانة تمكن من رشوة أرباب الأمر العثمانيين، بمبلغ ستمائة ليرة ذهبية، لطرد هذا القنصل من مصر. ولم تكتف بريطانيا بهذا التدبير بل تطلعت إلى احتلال مصر، لتعوض بها عن خسارة مستعمراتها الأميركية، كما أن نجاحها بذلك يساعدها أن تصل بين ممتلكاتها وتجارتها في الهند وبين أوروبا بسلسلة مترابطة الحلقات من المستعمرات. وسعت إلى إخراج هذه السياسة من حيز التفكير إلى ميدان التنفيذ، فأرسلت عدداً من المهندسين والجغرافيين لوصف سواحل مصر ووضع خرائط عنها وعن ضواحي مدنها.
ولم يكن الفكر الفرنسي بعيداً عن هذه التطلعات، فنتيجة للاضطراب الذي ساد بلاد الشام في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وما ترتب على ذلك من تدني حجم التجارة الفرنسية في تلك البلاد، ومن أجل الوصول إلى الأمان في الأساكل السورية.
اقترح القنصل الفرنسي في صيدا (توليز) في 28 حزيران (يونيه) سنة 1774م على وزير البحرية (الكونت ده برويير) بأن مصلحة فرنسا تقضي بأن تتعاون مع الباب العالي([208]) العثماني لإعادة مناطق الاضطراب إلى الحكم العثماني المباشر، وسوف يؤدي ذلك إلى مساعدة الفرنسيين على استعادة المكانة التي كانت لهم في المشرق، وسوف تحقق تجارتهم فوائد عظمى، وسوف يرى السكان وحكامهم بأن الطائفة الفرنسية سيداً مستعداً دائماً لحمايتها والانتقام لها([209]).
وفي سنة 1776م كلف الملك الفرنسي لويس الرابع عشر الجنرال (ده توت) تحت شعار مفتش قنصليات فرنسا في المشرق، لكي يقوم بدرس إمكانية حملة فرنسية، ووضع سطح للطرق السالكة خلال قناة السويس. ورافق الأخير في هذه الرحلة (باراديس)، الذي كان قد أمضى سنوات طويلة في القنصلية الفرنسية في صيدا، وكتب الأخير تقريراً جاء فيه: إن احتلال فرنسا للساحل السوري، سوف يلقى ترحيباً من الدروز والموارنة، الذين سينضمون مع أمير جبل الدروز([210]) إلى الفرنسيين([211]).
«سوف يمدنا هؤلاء بفرق فرسان كقوة مساعدة لغزو مصر، مما سوف يمكننا من استعمال ميناء بيروت..» ([212]).
ودعا فرنسا إذا قررت غزو مصر إلى محالفة الدروز، لأن الروم الأرثوذكس سوف يساندون روسيا، كما يكن الدروز والكاثوليك كراهية للأتراك([213]).
وأكد هذه النظرية (مور) القنصل الفرنسي في مصر، قائلاً بأن سيطرة جيش فرنسي على مصر يتطلب تأمين الساحل السوري، وأن بالإمكان جذب والي صيدا أحمد باشا الجزار (1776 ـ 1804م) لصالح الفرنسيين وقلبه على الأتراك([214]).
وتطلع قصر فرساي في السنوات التالية إلى الاستفادة من أهمية الطرق التجارية للخليج، فطلب من القنصل الفرنسي في بغداد أن يمده بمعلومات حول هذا الموضوع. فكان جواب الأخير بدعوة حكومته إلى احتلال بغداد والتعاون مع الشاه كريم خان الذي يسعى إلى استعادة بلاد الرافدين وديار بكر أولاً، ومن ثم سوريا وفلسطين، وبأن كريم خان لن يلبث أن يتخلى عن سوريا وفلسطين للفرنسيين، فيستثمرون أرضها الخصبة التي سوف تعطي أضعافاً مضاعفة، وباستعادة القدس سوف يجذب الملك الفرنسي نحوه ولاء كل المسيحيين، ويكون لذلك الصدى المسر في روما.
كما جاءت أفكار مشابهة في مذكرات تعالج مشروع احتلال مصر، ومن أية جهة يمكن للحملة أن تواجه خطراً، وجاء فيها:
«… من سنخشى في مصر؟ الجزار الذي يسعى إلى الاستقلال، لن يكون لديه لا الوسائل ولا النية لترك ولاياته سعياً وراء مصالح ضئيلة، والبحث عن عدو يخشاه للغاية، لن يحاربنا بل سوف يطلب مساعدتنا. وحتى إذا كان لديه نوايا عدوانية، نستطيع أن نجبره البقاء في ولاياته عن طريق احتلال المواقع التابعة له، ونقيم فيها حامية تفشل كل مخططاته، وتمد بالمساعدة الدروز والموارنة الذين يئنون من المظالم النازلة بهم، والتي لا يتحملونها إلا على مضـض، وهم مستعدون دائماً للثورة ومهاجمة الأتراك، ومستاؤون من الجزار الذي أساء معاملتهم في حرب الشيخ ظاهر العمر…» ([215]).
وفي 14 تموز (يوليو) سنة 1789م دك شعب باريس الباستيل، فحدّ من سلطات الملك وأعلن إلغاء نظام الإقطاع، وأعلن أن الملكية رسالة مستمدة من إرادة الأمة لا هبة من العناية الإلهية، مما أثار عليهم حكومات أوروبا الأوتوقراطية. وشهدت الفترة الممتدة منذ ذلك التاريخ انتفاضات داخلية، وحروباً خارجية مع ملوك أوروبا، وسعياً مستمراً لتوثيق العلاقة مع الباب العالي العثماني، لتأمين الوجود الفرنسي في المتوسط، والاعتراف العثماني بالثورة الفرنسية التي نجحت بالحصول عليه سنة 1794([216]).
وانعكس تأثير ذلك على بريطانيا، فكان ردّ الفعل بتعزيز قوتها البحرية، وتحريض بكوات مصر لمضايقة التجار الفرنسيين. ودفع هذا السلوك (ماجلان) قنصل فرنسا العام في مصر، إلى تحريض حكومته على إقامة مستعمرة في تلك البلاد، وإبعاد بريطانيا عن الهند بالقوة، بإلغاء تجارتها مع تلك البلاد، كما ورد في أحد التقارير معلومات عن مناخ وطوبوغرافية مصر وأفضل الأوقات لغزوها([217]). لكن رجال الثورة استمروا في سياسة التعاون والتحالف مع الباب العالي.
وبعد احتلال بونابرت لإيطاليا جمع من مكتباتها عددً كبيراً من المخطوطات البالغة الأهمية، تتضمن أبحاثاً عن المشرق لوحظ أن الهوامش كانت مزودة بملاحظات عن مصر بخط يده. وأشار الضابط (سارجي) بأنه أحضر له من باريس مذكرات مخطوطة على جانب كبير من الأهمية، ومن ضمنها تقرير (ماجلان) الذي يدعو فيه حكومته إلى غزو مصر وتدمير سلطة البكوات المماليك، وإعادة سلطة السلطان العثماني بالاسم، وبأن تنفيذ ذلك أمر في غاية الأهمية، لأنه يسهل بعدها التوجه من البحر الأحمر لضرب الإنجليز في الهند. وهذا فعلاً ما كان يدور في خلد بونابرت، ويبرز من خلال رسالة بعث بها إلى حكومة الإدارة في 16 آب (أغسطس) سنة 1798م وجاء بها:
«… الامبراطورية التركية تنهار يومياً، امتلاك الجزر (أي الأيونية) يؤمن لنا الاحتفاظ بها ما أمكن وننال نصيبنا، ولن يمضي وقت طويل لندرك أن تدمير بريطانيا الحقيقي يكون باحتلالنا لمصر. فالامبراطورية العثمانية تنهار يومياً، وهذا يجبرنا على التفكير لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بحفظ تجارتنا في المشرق…» ([218]).
وبفشل حكومة الإدارة الفرنسية([219]) في عقد معاهدة صلح مع بريطانيا، أنهت في 17 تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1797م([220]) حربها مع النمسا بمعاهدة (كمبو فورميو) التي أعادت حدود فرنسا وحققت لها انتصاراً لم يسبق لفرنسا أن حققته في ظل أي نظام، وحققت لبونابرت نفوذاً فعالاً أثار خشية حكومة الإدارة فسعت لإبعاده بحجة قيادة حملة لغزو بريطانيا.
وتظاهر بونابرت بتنفيذ أوامر رؤسائه رغم عدم اقتناعه بها، وتطلع إلى التشبه بالإسكندر واحتذاء حذوه بإقامة امبراطورية مشرقية، إذ لم تعد أوروبا تستهويه، ويبدو ذلك من خلال الحديث الذي أجراه مع سكرتيره (بوريين) في 29 كانون الثاني (يناير) سنة 1798م:
«… لم يعد عندي شيء أقوم به هنا، لم يعد عندي في أوروبا انتصارات يجب أن أذهب إلى المشرق، الأمجاد العظمى تأتي من هناك. سوف أقوم بنفسي بجولة على الشاطىء (أي المحيط الأطلسي) لاتأكد بنفسي ما يجب القيام به، إذا وجدت أي شكّ حول إنزال بريطاني، في هذه الحالة سوف يكون جيش بريطانيا جيش المشرق…» ([221]).
وبعد أن تجول بونابرت على شواطىء الأطلسي لمدة ثمانية أيام، أكد لمساعده (بوريين) ([222]) بأن الغزو مخاطرة وبأنه سوف يذهب إلى القاهرة. فعاد إلى باريس وعكف على دراسة التقارير العلمية والعسكرية عن الحملة على مصر، وحدد هدف الحملة أمام حكومة الإدارة:
1 ـ ضرب التجارة البريطانية في الهند عن طريق البحر الأحمر.
2 ـ تحويل البحر المتوسط إلى بحيرة فرنسية([223]).
ووقف (تاليران) وزير الخارجية الفرنسية إلى جانب آراء بونابرت، وبيَّن لأعضاء حكومة الإدارة بأن مصلحة فرنسا تقضي بأن يكون لها مستعمرات غنية وقريبة منها بعد أن فقدت مستعمراتها في أميركا الشمالية وكندا والهند، وبأن الخطر بفقدان جزر الهند الغربية بات وشيكاً، وبأن من الضروري تأمين مستعمرات تنتج المواد التي تستوردها فرنسا من تلك الجزر([224]). وبعد مناقشات مستفيضة وافق المجلس في الخامس من آذار (مارس) سنة 1798م على خطة بونابرت القاضية، بخداع الإنجليز بأن هدف الحملة القيام بإنزال فرنسي على السواحل البريطانية، فيكثف هؤلاء قواتهم لصدّ الهجوم المتوقع عليهم، وفي هذا الوقت يحتل الفرنسيون مصر، ويقيمون فيها مستعمرة فرنسية ثم يعود بونابرت لضرب الممتلكات البريطانية في أوروبا([225]). وأن تسعى الحكومة عند مسير الجيش بإرسال سفير إلى الأستانة، ليشرح للباب العالي أن احتلال مصر ليس عملاً عدائياً ضد تركيا، ولكن ضد المماليك المتمردين على السلطان والمنفذين لأوامر الإنجليز([226]). وتم الاتفاق على عدم إفشاء سر وجهة الحملة أثناء التحضير لها. وأن يختار بونابرت بنفسه الجنرالات والضباط والعلماء والمهندسين والجغرافيين الذين سيرافقونه. وعرفت هذه الحملة باسم «جيش بريطانيا» في حين كانت في الواقع «جيش مصر»([227]).
ولم تكن أوروبا غافلة عما يجري في فرنسا من تحضيرات، فقد كان في كل مكان ظنون، ولم يستطع جواسيس بريطانيا أن ينقلوا إليها سوى التوقعات، ولكنها بالمقابل تلقت تقارير عديدة تشير إلى إمكانية النزول الفرنسي إلى الإسكندرية فأصدرت أوامر إلى الأميرال (نلسن) بملاحقة الأسطول الفرنسي، وطلب وزير الحربية إعلام الباب العالي بذلك ومحالفة روسيا، ووضع قوات عند مدخل البحر الأحمر والخليج لعربي، لمنع أي اتصال بين القوات الفرنسية والقارة الهندية([228]).
وهكذا تحدد مصير شعوب مصر وبلاد الشام، وتمّ حشد جيش نتيجة الصراع على السلطة بين بونابرت وحكومة الإدارة. فقد قرر الأول تأجيل انقلابه السياسي، رغبة في تحقيق هدف عسكري يضعه خارج السلطة العليا. ولكن إذا انتصر فيه لا يعود لنفوذه من حدود، ولندن قريبة جداً من باريس، ولكي يهدد سواحلها يجب البقاء مدة تحت مراقبة حكومة قد تنتقم منه بالسر، كما أن الحملة تخدم مصالحه لأن انتصار الأبطال كان يرتبط بالشخصية. في حين كانت حكومة الإدارة تسعى للتخلص من نفوذ بونابرت المتصاعد، فهي لم تخدع بخيال القائد، فقد كانت الحملة بنظرهم نفقات جنود وأموال ترمى في البعيد، دون نتيجة محتملة وإنما تخلصاً من القيصر الجديد الذي سيلقى مصيره، وهزيمته سوف تؤدي إلى زوال ما له من تأثير على الرأي العام.
وهكذا برز التفكير في الحملة الفرنسية على مصر وبلاد الشام في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وارتبط مصير البلدين ببعض في نظر الغزاة. فإذا كانت مصر بالنسبة لبونابرت مسرحاً لتحقيق أمجاده، وضرب الوجود البريطاني في الهند وإنعاش التجارة الفرنسية عن طريق جعل ضفاف النيل مستودعاً للبضائع الفرنسية. فإن نجاحه في تحقيق هذه الأهداف ارتبط بضرورة تأمين حدود مصر الشمالية باحتلال بلاد الشام، وكان قناصلة فرنسا وسفراؤها في المشرق قد أشاعوا بأن تنفيذ ذلك لن يكون شاقاً، نظراً لكراهية العصبيات المحلية للحكم العثاني واستعدادها للتعاون مع الفرنسيين.
د.حسين سلمان سليمان
عوامل إقفار بلاد الشام
في العصر العثماني
اعتاد الكثير من مؤرخي العصور الحديثة أن يعزوا، أسباب التدهور الاقتصادي والفقر الزراعي الذي أصاب البلاد العربية عامة وسورية خاصة، إلى السياسة الفاسدة التي انتهجتها الدولة العثمانية في هذه البلاد، من فوضى في الإدارة وانعدام للمشاريع الاقتصادية البناءة. فالواقع أن الأتراك العثمانيين كانوا يرثون أثناء زحفهم وفتوحاتهم في غربي آسيا، القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية لامبراطوريات هرمت، وأقاموا عليها كيانهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وهكذا لم يكن للدولة العثمانية آنذاك من مثل أعلى في التنظيم أياً كان نوعه، سوى المحافظة والإبقاء على نظام قائم كانت تؤمن أنه كامل، لأنه منسجم مع الشريعة الإسلامية ومصالحها الخاصة. وأدى هذا الجمود إلى تضافر مجموعة من العوامل، أدت إلى إقفار بلاد الشام وجعل الجانب الأكبر من أراضيها غير مزروعة.
عيوب نظام جباية الميري والجزية
من أجل انتظام جباية الميري جعلت السلطات العثمانية لسوريا دفتراً خاصاً أو سجلاً، حددت فيه الميري الذي يجب أن تدفعه كل بلدة للخزينة السلطانية، وجعل هذا المبلغ ثابتاً لا يتغير ومنع أي كان من العبث به. لكن عيوب هذا النظام سهلت على الولاة التلاعب، وجعله مرهقاً للشعب، وبما أن الحكام لا يجرؤون على زيادة الميري، فقد استحدثوا ضرائب مباشرة تفعل فعل الضرائب وإن كانت لا تدعى ضرائب، وذلك لجمع الثروات التي تمكنهم من تعويض المبالغ التي دفعوها مقابل حصولهم على هذا المنصب.
ومن ذلك أنهم لا يتخلون لأحد من الفلاحين عن أي جزء من الأرض المقطعة لهم إلا بشروط باهظة، كالاشتراط على الفلاح بتأدية نصف الغلة، واحتكار البذور والحيوانات وبيعها له بأسعار تزيد عن قيمتها الحقيقية، وعند استلام الغلة يأخذون منه قسراً أكثر مما يستحق لهم من حصص متّهمينه بسرقة المواسم، وإذا جاءت السنة ماحلة لا يصطبرون بل يطالبونه بتأدية ما سلفوه إياه، ويصادرون مقابل ذلك جميع مقتنياته ليستوفوا دينهم منه.
وإلى جانب تلك التعديات التي تتعرض لها القرية بكاملها، لمجرد ذنب اقترفه بعض سكانها، أو فرض أنواع السخرة عليها مثل تقديم هدية للحاكم الجديد، وتقديم العلف إلى خيله وخيل فرسانه، ويجبرون السكان على إيواء الجند الذين يمرون بالقرية صدفة، أو يقصدونها لتبليغ أوامر الولاة.
ما اعتاد عليه أصحاب الإقطاعات في إطلاق الملتزم، رغبة منهم في زيادة مداخيلهم، ففرض هؤلاء المغارم والعوائد وأوجدوا رسوماً على الأحمال والغلال، وانتشرت أساليب السلب والنهب مما سبب في إقفار الفلاحين واندثار القرى والمزارع، بسبب عجز فلاحيها عن دفع الميري فهجروا الأرياف وانتقلوا إلى المدن مؤثرين العيش فقراء على أن يكونوا أغنياء وتعود عليهم ثرواتهم بالظلم والإهانة، وبما أن الميري ثابت لا يتغير فقد وجب على القرية وفاؤه بالتمام، فصار يتوجب على الفلاحين الآخرين دفعه كاملاً. فالعبء الذي كان خفيفاً في الأصل، صار على التوالي ثقيلاً، وإذا حصل محل على مدار سنتين، أقحلت قرى بكاملها وأقفرت من سكانها فتنتقل ضرائبهم إلى جيرانهم.
وفيما يختص بالجزية المفروضة على المسيحيين، فقد حددتها السلطات العثمانية بموجب إحصاء أجرته الدولة عنهم في البدء، فصار يجب أن لا ينقص مقدارها مهما نقص عدد الذين فرضت عليهم في البدء، فإذا هاجر من القرية عدد من سكانها المسيحيين فعلى الباقين أن يقوموا بدفع الجزية المفروضة على الجميع، فيصبح سهم الفرد خمسة وثلاثين أو أربعين قرشاً، مما يؤدي إلى إثقال كاهل ذلك الفرد أو إجباره على تفادي ذلك بهجرة دياره.
مظالم الوالي العثماني وجنوده:
كان الولاة العثمانيون لا يدفعون إلى جنودهم كامل رواتبهم المستحقة لهم، بل كانوا يخصّون أنفسهم بجانب منها. وقد وصف لنا أحد التقارير الدبلوماسية الفرنسية الصادرة عن قنصلية فرنسا في صيدا مشهداً حياً لجنود أحمد باشا الجزار والي صيدا من (1776 إلى 1804م).
«تتذمر القوات من تأخر دفع كامل رواتبها منذ عدة أشهر، فالباشا لا يدفع لقواته رواتبهم المستحقة، وكانوا بدون خبز وبدون دراهم وبدون علف…» ([229]).
ويعوض الباشا هذا النقص بالإكثار من الحملات والبعثات الحربية على البلاد التي يتمنع ملتزموها بسبب العجز عن دفع كامل الأموال المطلوبة منهم، ويتغاضى أثناء هذه الغزوات عما يرتكبه الجند من جرائم وآثام حيث يقومون بعد احتلال المدن والقرى بنهبها وإحراقها وقتل شيوخها ورجالها، والقبض على النساء والأطفال وبيعهم كالرقيق في أسواق المدن. وقد تركت لنا الوثائق الفرنسية وصفاً لحملة قام بها جند أحمد باشا الجزار في سنة 1777م على مدينة بيروت وأخرى على إقليم الخروب في منطقة الشوف جنوب جبل لبنان.
«… أخلى السكان المدينة عند اقتراب الدالاتية والحضارية وأصبحت مهجورة، لم يوفروا شيئاً نهبوا دير الكبوشيين، وكان فرح رجال الدين عظيماً كونهم استطاعوا النجاة بأنفسهم هرباً. وصل المغاربة وغيرهم من العصابات الذين لا يطيعون سوى الجزار، فوجدوا المدينة قد تركها سكانها، فهجموا على ثلاث قرى قريبة من بيروت جميع سكانها من النصارى، وتعرّض الجميع للموت حرقاً أو ذبحاً، واستعبدوا الرجال أو ذبحوهم، وبيعت النساء والأطفال بسعر قرشين للشخص الواحد([230]).
«ذبحوا جميع الرجال الذين صادفوهم ولم يتمكنوا من الهرب، ونهبوا وخربوا كل القرى التي مروا بها خلال هذين اليومين والأيام التي تلتها. عاد الجند إلى المدينة لكي يودعوا في مكان أمين الغنائم التي أتوا بها، وكانت خيولهم محملة بالأطفال الذين باعوهم، وجلبوا الفتيات الرضع عن عمر ستة أشهر… لا نعرف ولا يمكننا أن نقدر الثروات التي تقاسمها الجند، لم يوفروا شيئاً ونهبوا حتى الكنائس. وشاهدنا المغارية بوجوه أشبه بالدببة منهم إلى البشر، يختالون في المدينة وهم يحملون بأيديهم الأوعية المقدسة وأقمشة تلمع بالفضة والذهب… شاهدت اليوم خيولاً تحمل شجرة مقلوعة من جذورها وهددوا بالثورة وأعلنوا بصوت عال بأن نهب المدن يجب أن يكون دخلهم. وصرّح الباشا لمترجمي بأن لولا الذي حصل، لكان هؤلاء التعساء في حالة لا تطاق، وفي النهاية من دائرة بقطر سبعة وعشرين ميلاً، كانت تضم منذ عدة أيام عدداً كبيراً من القرى، أصبحت اليوم قفراً واسعاً لا تشاهد فيه إلاّ جثث منتشرة ولا تجد فيه مخلوقات حية، وقد عمّ فيها الخراب والدمار…» ([231]).
وكانت مثل تلك الحملات خير تعويض للجنود عن رواتبهم المستحقة، حتى أن جنود الجزار أعلنوا له بعد هذه الحملات التي ذكرناها أنهم اكتفوا بالنهب الذي قاموا به، «وبأنهم تخلوا عن رواتبهم القديمة المستحقة لهم، وبأنهم لن يطالبوه بشيء إلى وقت طويل وهددوا بالتمرد عليه إذا لم يحصل نهب المدن بمثابة رواتب لهم»([232]).
لا شكّ بأن مثل هذه المظالم قد سببت في خراب الولايات وتدميرها، وقضت على كل رغبة لدى السكان في البقاء، وأشاعت المحل في البلاد وانتقل من استطاع من سكان الريف إلى عاصمة الولاية، حيث تغفل عنهم عين الوالي. فمن أصل 400 قرية مسجلة في الميري بولاية حلب، لم يبق فيها سوى 200 قرية.
كان الاتصال الأمين يقتصر على طول الساحل، من بيروت لغاية أقدام مرتفعات لبنان الشمالية، ومن صيدا لغاية دمشق وبعض أجزاء من سوريا، من صور إلى عكا بعض الأراضي البعيدة عنها قليلاً مثل السامرية وباتولية. وأشارت إلى ذلك الوثائق الفرنسية عن عكا بقولها:
«… لا يمكننا الذهاب من يافا إلى الرملة التي تبعد أكثر من أربع ساعات، دون أن ندفع الخفر وغالباً ما نحتاج إلى قوة عسكرية…» ([233]).
ولم يكن السفر يتم إلا بمواعيد معينة وبمصاحبة القوافل، لأنه لا يمكن لأحد السفر بمفرده خشية أن يتعرض للسلب والنهب من قطاع الطرق واللصوص. فمن يرغب الانتقال من مكان لآخر عليه أن ينتظر ذهاب مجموعة من المسافرين إلى المكان نفسه، أو يتحين ذهاب أحد أصحاب النفوذ الذي يجعل من نفسه حامياً للقافلة، وكان من الضروري التحسب لهذه الأخطار وعلى الأخص في المناطق المعرضة لاعتداءات البدو في فلسطين وأطراف البادية. وقد انعكس هذا الوضع على الأجواء اللبنانية الشعبية، ومنها هذه الأغنية القديمة:
ارقصي يا مليحة
ارقصي ولا تبالي
زرف المخشخش
بثقل الجمال
زوجك يا مليحة
راح على الشام وحده
زوجك يا مليحة
بو زيد الهلالي
وإلى جانب أخطار الطريق لم تعرف سوريا في ذلك الوقت الراكب والمركبات، وكان يخشى السكان اقتناءها خشية مصادرة الحكام لها، وكانت تنقل الأحمال الثقيلة على ظهر الحمير والبغال في المناطق الجبلية، لأنها تتمكن من تسلق الصخور والانحدار عليها، في حين كان يغلب استعمال الجمال في السهول. وإلى جانب ذلك كله كان يعمل الأهالي إلى مضاعفة وعورة المناطق الجبلية، للحيلولة دون وصول فرسان الحكام إليهم.
تعذر الملاحة البحرية
ولم تكن الملاحة البحرية بأفضل من النقل البري، رغم أنها كانت العامل الرئيسي في نقل الإنتاج الزراعي، الذي كان يقوم التجار الأوروبيون بتصديره إلى بلادهم. فعلى طول الساحل السوري لم يكن هناك ميناء صالح لرسو السفن واستيعاب سفينة تزن أربعمائة طن، ولا توجد حصون وأبراج مجهزة بالحاميات والعتاد اللازم لرد غارات الأعداء. والقرصان المالطي الذي كان يجوب الموانىء السورية، بمراكب حسنة التسليح على متن بعضها عشرون مدفعاً، كانت تقطع الطريق على السفن والقوافل التي تنقل البضائع ما بين هذه الموانىء، فتأسر بعضها وتدمر البعض الآخر وتستولي على ما تحويه من بضائع. وأحياناً كانوا يغيرون على الموانىء نفسها، فأما يأسرون بعض المراكب الراسية فيها، أو ينزلون إلى البر وينهبون ما استطاعوا حمله من المؤن التي ينقلونها إلى مراكبهم، مما كان يؤدي في كثير من الأحيان إلى توقف النقل البحري وشل النشاط التجاري. وأشارت إلى ذلك الوثائق الفرنسية الصادرة عن صيدا بقولها:
«… الزوارق التي تنقل بالات خيوط القطن من يافا إلى عكا وإلى صيدا لتحمل على مراكبنا لم يعد بإمكانها الإبحار، وهذا سوف يؤدي إلى توقف تجارتنا والقوافل…» ([234]).
وبالرغم من أن الخسائر التي كان يحدثها نزول القرصان إلى البر، كانت تصيب سكان البلاد والتجار الأوروبيون على السواء، فإن الأهالي كانوا يحملون هؤلاء الأخيرين مسؤولية هذه الغارات، فيقتحمون أماكن تجمعهم ويلحقون بهم الإهانات وينهبون ممتلكاتهم. وفي بعض الأحيان يكون التحريض بإيعاز من الباشا نفسه، لكن الأضرار التي كانت تلحق بهم إنما كانت في السواحل التي لا يوجد بها باشاوات لضبط العامة.
«… يحملوننا بصورة دائمة مسؤولية السرقات التي يقوم بها القرصان أمام أعيننا سواء في الموانىء أو الجوار…» ([235]).
وقد نتج عن ذلك أن أخذ التجار الأوروبيون يحجمون عن الإقامة في المدن الساحلية بسبب هذه التعديات، إلى جانب الحدّ من كمية المبالغ المستثمرة في المبادلات التجارية، وبعد أن استفحلت هذه التعديات وكادت تهدد تجارة فرنسا، نشط المسؤولون في قنصليات فرنسا في المشرق، في الكتابة إلى حكوماتهم للسعي في إيجاد حل لنشاط القرصان.
«… يسبب لنا القراصنة المالطيون يومياً مضايقات جديدة، التمس من سيادتكم هذا الخطر خشية أن لا تكون الطائفة (أي الجالية الفرنسية) ضحيتهم…» ([236]).
استتباب الأمن ووفرة القوات
في مراكز الولايات
تميز سكان المدن السورية بأنهم كانوا أقل بؤساً وفقراً من فلاحيها، وذلك نظراً لأن ما يملكه أرباب الحرف والتجار فيها، كان يتألف من أشياء يمكن نقلها وإخفاؤها بسهولة، فيتمكنون بذلك من الهرب من جشع الحكام. وأدى ذلك إلى هجرة فلاحي البلدان الأخرى ممن لا تحتاج الأرض إلى خدماتهم إلى المدن، وهجرة فلاحي القرى السورية تاركين أراضيهم التي لا تحتاج إليهم، ومفضلين عليهم الأمن والطمأنينة في المدن. وذلك لأن حكام الولايات كانوا يبذلون قصارى جهدهم إلى تأمين الأقوات في المدن الكثيرة السكان، وعلى الأخص تلك التي يقيمون فيها. وإذا حدثت مجاعة ينقلون إليها الحبوب من غيرها، ويجبرون أصحاب المتاجر على بيعها بالأسعار التي يعينونها تحت طائلة العقوبات.
إحجام سكان بلاد الشام
عن ممارسة التجارة
كان يمارس التجارة في المدن السورية التجار الإفرنج، وكان يعرض عنها المسلمون لا بسبب الكسل أو مراعاة لعقائد دينية، وإنما للمصاعب التي كانت تضعها السلطات العثمانية في وجه رعاياها، وتفضيل الباب العالي للأجانب طمعاً في الربح. وقد تمكنت بعض الدول الأوروبية من عقد معاهدات مع السلطان، يتعهد بموجبها بفرض ضريبة مقدارها 3% على البضائع التي كانت ترسلها إلى بلاد السلطنة، في حين كان يفرض على رعاياه ضرائب مقدارها 17% على البضائع التي كانت تنقل من مناطق الإنتاج إلى مراكز الاستهلاك.
وبالإضافة إلى ذلك المكسب الذي حظي به الأوروبيون، فقد كان من حقهم أن يتخذوا وكلاء لهم من الوطنيين أصحاب الطقس اللاتيني، وإشراكهم في امتيازاتهم بحيث لم تكن للحاكم وموظفيه أية سلطة عليهم. ولا يستطيع أحد أن يعزلهم، والقضايا التي كانت ترفع إليهم ينظر في أمرها في ديوان القنصل. وكان يعرف هؤلاء الوكلاء في بلاد الشام باسم «تراجمة أصحاب البراءة»، فقد كان السلطان يمنح البراءات للسفراء المقيمين في الأستانة، ويقوم هؤلاء بدورهم بإهدائها إلى الوكلاء الوطنيين.
ونظراً لأن أقصى ما يتمناه العربي هو أن يكون قنصلاً، فليس غريباً أن يبذل المال الوفير للحصول على هذا المنصب، الذي يحميه بصفة وكيل قنصل من ظلم السلطات العثمانية، فالبراءة تحميه من العقوبات. ولذا لم يكن غريباً أن يتهافت نصارى بلاد الشام الأثرياء، على بذل المبلغ الباهظة من أجل الحصول على تلك البراءة، واستفاد من ذلك السفراء فعمدوا إلى بيعها، وجنوا من جراء ذلك أرباحاً طائلة.
تلك هي مجموعة عوامل كان لها دور في سرعة تدهور الحياة الاقتصادية لبلاد الشام خلال أربعة قرون من الحكم العثماني، فأقفرت قرى بكاملها من السكان وشاع المحل في البلاد.
الدكتور حسين سلمان سليمان
هندسة المساجد العثمانية
في بلاد الشام
كانت سوريا مركز اهتمام جميع السلاطين العثمانيين خلال فترة حكمهم لها التي امتدت من سنة 1516م (بدخول السلطان سليم الأول سوريا بعد معركة مرج دابق)، ولغاية 1918م.
أنشأ السلاطين المساجد والمدارس والتكايا وغيرها من المباني المهمة ذات الطراز العثماني فظهرت القبب الكبيرة مغطّية مساحات واسعة على شكل (جزء من كرة)، ولتستند القبة إلى رقبة دائرية من الداخل. أما من الخارج فلها بروزات يصل عددها إلى 16 بروزاً تتوزع بينها النوافذ للإنارة، وفي كل زاوية دعامتان. هذا بالإضافة إلى خلو القبلية من الأعمدة والدعامات التي كانت تقطع صفوف المصلين وتحجب الرؤية عن الخطيب.
أما المآذن فتميزت في شكلها شبه الدائري لأنها مؤلفة من 16 ضلعاً وبشرفة، ونهاية مخروطية لتصبح أشبه بأقلام الرصاص المدببة. ولكي نزداد تعرفاً على شكل العمارة العثمانية للمساجد في سوريا علينا أن ندرس بعض النماذج العثمانية التي بنيت في تلك الفترة علماً أن عدد المساجد العثمانية ذات الطراز العثماني ظل محدوداً في سوريا. غير أنها ما زالت محافظة على جمالها وفنها المعماري إلى يومنا هذا بفضل متانتها وما رافقها من عمليات ترميم دائمة للمحافظة عليها.
جامع العادلية
أنشىء هذا الجامع عام 1555م في مدينة حلب، ليكون ثاني أثر عثماني مهم بعدما قام المعمار سنان بإنشاء أول جامع له في سوريا الخسروية عام 1537م. لكنه تميّز عن الجوامع الأخرى بالرواقين الموجودين أمام القبلية، مع ممر في الفتحة الوسطى إلى القبلية، وعلى كل من جانبي الرواق الداخلي مصطبة مرتفعة وسطها محراب.
ترتكز القبة الرئيسية على أقواس حاملة، وانتشرت المقرنصات في زوايا القبلية ومطليّة باللون الأخضر. وانتشرت معها الأقواس فوق النوافذ، وفي الإيوانات ظهر القوس المدبب وعلى نطاق واسع في الرواق الخارجي أمام القبلية. وفي المساحة بين نجفة كل نافذة والقوس ذي المراكز الأربعة فوقها نجد القاشاني الملون من الداخل والخارج. وجعلت حجارة بعض أقواس الأروقة ملونة. وزيّنت القبة من الداخل برسومات وألوان مختلفة. أما طاسة المحراب فهي مملوءة بالمقرنصات وأحيطت بالزخارف الحجرية والمزررات من الرخام الملون.
جامع العادلية من الداخل
ونلاحظ بساطة الواجهات الخارجية شبه الخالية من الزخارف والتركيز نحو الواجهة الداخلية للقبلة والمشرفة على الرواق. وللجامع سدة فوق الباب مباشرة للمؤذن وسدة ذات أعمدة خشب كان يؤدي فيها الوالي أو السلطان صلواته بمعزل عن سائر المصلين وذلك لأسباب أمنية.
التكية السليمانية في دمشق
أنشئت التكية السليمانية في مدينة دمشق عام 1557م على أنقاض القصر الأبلق المملوكي. وذلك بأمر من السلطان سليمان القانوني الذي اهتم بالعمران. قام بتشييدها المعمار سنان، وفي العام نفسه أنهى إنشاء أحد أضخم أعماله وهو جامع
هذه الغرف تفتح على الباحة السماوية وأمامها أروقة مسقوفة بسلسلة من القباب، وذلك على جانبي الباحة من الجهتين الشرقية والغربية. ويتوسط الباحة بركة مستطيلة، مع توزع الحدائق في أرجاء التكية.
للمسجد قبة مركزية ضخمة متربعة على جدرانه، ويبلغ طول ضلعه 16 متراً. تتوزع النوافذ على رقبة القبة كما في جميع المساجد العثمانية وذلك للإنارة، ولحماية القبة وضعت من الخارج عناصر حجرية داعمة لرقبتها. وهذا النظام منتشر في العمارة العثمانية إلى يومنا هذا في تركيا. على ركني المسجد مئذنتان أسطوانيتان تتقدمان القسم المركزي للقبلية. أما جدران القبلية في الداخل فهي خالية من الكتابات القرآنية أو المقرنصات. كما أن المنبر والمحراب مصنوعان من الرخام ويوجد سدة ذات أعمدة خشب للمؤذِّن فوق باب المدخل مبشرة وسدة ثانية ذات أعمدة رخامية لصلاة الوالي.
للواجهات الخارجية مداميك من الحجر الأبيض والأسود وعلى شكل متناوب (الأبلق). وربما اعتمد المعمار سنان هذه الطريقة بتناوب الألوان نسبة للقصر المملوكي الذي بنيت على أنقاضه والمشيد بالطريقة ذاتها للتكية عبر ثلاثة مداخل محورية ومتعامدة مع الساحة المركزية الوسطى، وللتكية قسم آخر يضم مدرسة وفي شماليها سوق.
تستغل التكية حالياً كمتحف حربي، وكمتحف للتقاليد الشعبية حيث تعرض المنتجات السورية مع الورش الصغيرة للتعريف بهذه المنتجات. كصناعة الزجاج والفضيات والجلديات والسجاد والتحف وغيرها من الصناعات اليدوية.
واجهة التكية السليمانية في دمشق
المدرسة العثمانية في حلب
أنشئت هذه المدرسة عام 1730 في مدينة حلب. وسميت بالعثمانية نسبة لبانيها عثمان بن عبدالرحمن باشا. كانت مركزاً مهماً لتدريس الطلبة على أيدي العلماء ورجال الدين ولإقامتهم أيضاً (أشبه بالمدرسة الداخلية). فللمدرسة أربعون حجرة صغيرة مسقوفة في شكل معقود أو مقبب، لإقامة الأساتذة والطلبة.. ولكل غرفة موقد جداري مستقل ونافذة مطلة على صحن المدرسة. في يومنا هذا يقيم في هذه الغرف طلاب الشريعة والمحتاجون، إضافة إلى الإمام والمؤذن.
تحيط بصحن المدرسة ثلاثة أروقة، فمن الجنوب إلى الشمال هناك 13 قبة محمولة على 13 عموداً. وقبة محمولة على 11 عموداً في الرواق الغربي. أما الرواق الشرقي فله 17 قبة محمولة على 15 عموداً. عملية الربط بين أعمدة الأروقة والجدران الداخلية جرت بواسطة أسطوانات حديد لتزيد في متانة المدرسة.
في المدرسة قاعة للتدريس وإيوانان كبيران على جانبي القبلية، يشغلان مساحة كبيرة خارج الرواق، وأغلقت الواجهة المطلة على صحن المدرسة حديثاً بباب خشبي ذي وجه زجاجي، وذلك لحماية المصلين من برودة فصل الشتاء. علماً أن لكل إيوان محراباً صغيراً.
أمام القبلية رواق مسقوف بثلاث قباب كروية تستند إلى أقواس مدببة. وتستند هذ الأقواس إلى أعمدة حجرية دائرية، ندخل للقبلية من منتصف الرواق. والقبلية أو الجامع عنصر أساسي في جميع المباني العثمانية.
لقطة لجامع العثمانية من قلعة حلب
تستند الرقبة إلى جدران سميكة، وفي كل جدار ثلاث نوافذ عدا الجدار القبلي ففيه نافذتان على جانبي المحراب.
يحيط بالقبلية من الداخل شرفة مستندة إلى جدران القبلية السميكة للقيام بأعمال التنظيف والصيانة. من الناحية الإنشائية استعمل القوس فوق النوافذ فقط لغاية تزيينية. أما القوس المدبب فاستعمل في الإيوانات والمحراب والرواق. كما استعمل القوس الموتور والقوس المستقيم للنوافذ والأبواب. وبنيت عقود الرواق بمداميك متناوبة اللون بالأسود والأصفر. وعقدت جدران القبلية بكلاليب من الحديد والرصاص لتجعل منها قطعة واحدة متكاملة ومتماسكة.
فوق باب القبلية مباشرة هناك سدة خشبية مرتكزة على أعمدة رخامية يصلي فيها المؤذن، مردداً خلف الإمام في صلاة الجماعة. ويصل إليها عبر درج حجري داخلي. وفوق المحراب هناك سدة أخرى وعلى الجانبين أيضاً، لتتصل جميعاً في ما بينها من الداخل. ما نلاحظه داخل القبلية هو البساطة التامة، فالجدران (والقبة) خالية تماماً من التزيينات. وبني المنبر والمحراب من الحجر الأصفر الخالي من الزخارف أو المقرنصات. للمدرسة مئذنة برأس مخروطي يصل طولها حتى شرفة المؤذن إلى 30 متراً، ومحيطها 7 أمتار.
وقد استعاض عن الشاذروان المزخرف بميضأة متواضعة، مع انتشار الحدائق والأشجار. وهناك الحمامات ومقبرة خاصة على جانب المدرسة، وسبيل ماء لسقاية المارة منفتح على الحي.
هناك ثلاثة مداخل للمدرسة من الشرق والغرب والشمال، جميعها تفضي إلى صحن المدرسة ويُنزل بدرج حجري إلى صحن المدرسة عبر أحد هذه المداخل لاختلاف في العلو بين الحي (الحارة) والمدرسة.
غطيت جميع القبب بصفائح رصاصية للحماية من هطول الأمطار، وهذه سمة أساسية في العمارة العثمانية منذ نشأتها ظلت مستمرة في تركيا إلى يومنا هذا.
مميزات العمارة
ونوجز المميزات العامة للعمارة العثمانية في سوريا بالآتي:
1 ـ ظهور المسقط الأفقي المربع للقبلية بمساحة أفقية واسعة وخالية من الأعمدة.
2 ـ ظهور الإيوانات ذات المحاريب الصغيرة، وبناء الرواق والمسطبتين أمام القبلية. مع انتشار الأروقة ذات القبب والمحيطة بصحن الجامع لتستند هذه القبب إلى الأقواس المجاورة مباشرة.
3 ـ استعمال القبة الكبيرة (جزء من كرة نصف كروية) لتغطية مساحات واسعة. ولهذه القبة رقبة دائرية من الداخل ذات البروزات والدعامات من الخارج. علماً أن القباب مغطاة بصفائح من الرصاص.
4 ـ انتشار القوس بالمراكز الأربعة، لنقل الحمل إلى الجدران السميكة. مع تعدد الأقواس الحاملة للقبة. واستعمال الحنيات الركنية التي تحوي بداخلها المقرنصات نوع من الزخرفة الجزئية، وبديل عن الزوايا المثلثية الكروية، مكونة من حنايا صغيرة مقوسة تشبه المحاريب، ويتدلى بعضها فوق بعض في طبقات وصفوف في شكل فني لتنحصر بينها أشكال منشورية مقعرة.
5 ـ ظهور القوس حدوة الفرس المدبب، وهو عقد يرتفع مركزه عن رجلي العقد، ويتألف من قطاع دائري أكبر من نصف الدائرة.
6 ـ العناية بالقبلية، وذلك بتزيين المحراب والمنبر بشتى أنواع الرخام والموازييك (في بعض الجوامع)، والقاشاني فوق النوافذ. أو الزجاج الملون للنوافذ مع الكتابات القرآنية المذهّبة أو الملونة. واستخدام الزخارف الحجرية بألوان متناوبة في الواجهات الداخلية.
7 ـ البساطة في الواجهات الخارجية، وانعدام التزيينات أو الزخارف. مع استخدام نطاق التلوين باستخدام الحجارة أو الرخام ذي الألوان المختلفة أو المتناوبة ويسمى هذا النظام بالأبلق.
8 ـ تنميزت المآذن العثمانية بكونها تتألف من 16 ضلعاً وشرفة من دون مظلة من 16 ضلعاً تستند إلى مقرنصين. ثم هناك جزء رفيع من 16 ضلعاً فنهاية مخروطية مصفحة بالرصاص. وترتفع المئذنة على زاوية الإيوان الخارجي الأيمن.
9 ـ إحاطة القبلية بالحدائق والساحات، مع انفتاحها عبر نوافذ سفلية وعلوية ثابتة نحو الخارج مما يؤكد مبدأ استقلالية القبلية بأروقتها وإيواناتها الخارجية ومئذنتها عن المنشآت المحيطة بها وعن السور الخارجي لها.
10 ـ ظهور السدة المرتكزة على الأعمدة الرخامية وبقاعدة خشب مزخرفة أو رخامية لتأخذ حيزاً من القبلة وهي على يمين المدخل. ويصعد إليها على درج حجري داخلي. مع سيادة السدة التقليدية فوق المدخل.
محمود زين العابدين
انبعاث الحكم العربي في بلاد الشام
يوم الثلاثاء الأول من تشرين الأول/ أكتوبر من السنة 1918م شهدت الدنيا حدثاً لم تشهد نظيراً له منذ أكثر من أربعمائة سنة.
هذا الحدث هو أن جيشاً عربياً يقوده قائد عربي وترفرف فوقه راية عربية قد دخل مدينة عربية باسطاً سلطانه فيها باسم العرب.
كان يقود هذا الجيش قائد حجازي ينوب في قيادته هذه عن قائده العام الذي هو أيضاً حجازي.
كان القائد الداخل هو الشريف ناصر([237]) والقائد العام هو الشريف فيصل بن الحسين.
وقد كان ذلك إثر تمزق الجيش التركي بقيادته الألمانية التركية المشتركة([238]).
لقد استطاع الشريف ناصر أن يسبق بجيشه الصغير، القائد الإنكليزي بجيشه الكبير في الدخول إلى دمشق، فقد كان التسابق بين الجيشين إلى احتلال المدن السورية قائماً، فالعرب حريصون على أن يسجلوا أنهم الذين حرروا مدنهم، والإنكليز حريصون على أن يمنوا على العرب بأنهم هم الذين حرروا لهم مدنهم.
ويوهم (دافيد فرومكين) في كتابه (سلام ما بعده سلام) بأنه يعتقد بصدق الإنكليز في دعواهم أنهم هم الذين سبقوا إلى احتلال دمشق، وأنهم في مؤتمر الصلح استطاعوا صرف نظر الرئيس الأميركي ويلسون عن أهداف بريطانيا في البلاد العربية في الحكم العثماني وحولوه إلى أهداف فرنسا وذلك عندما شدّوا انتباهه إلى التهديد الفرنسي لاستقلال سوريا، وهو تهديد يتنافى ونقاط ويلسون ومبادئه.
ويقول فرومكين: لم يصل الوفد البريطاني في تماديه إلى حدّ التظاهر أمام الرئيس الأميركي وغيره من ممثلي الدول بأن فيصل حرر دمشق. فقد كان الجنرال اللنبي دقيقاً في قوله لأعضاء المؤتمر أنه «بُعيد الاستيلاء على دمشق سمح لفيصل باحتلال دمشق وبإدارتها» (انتهى).
ونقول نحن: إن رستم حيدر كان أحد أبرز القادة غير العسكريين للجيش العربي الزاحف بقيادة فيصل إلى دمشق وقد رأيناه يؤكد دخول الجيش العربي دمشق بقيادة الشريف ناصر قبل دخول الجيش الإنكليزي إليها.
وكما أننا نعلم يقيناً بأن رستم حيدر قد أثبت صدقه في كل ما دوّن، كذلك فإننا لا نتهم اللنبي بالكذب، فما هي الحقيقة إذن في هذين القولين المتناقضين، وهما في الوقت نفسه صادقان؟!
الحقيقة ـ في رأينا ـ هي أن فيصلاً خشي أنه في ظروفه التي هو فيها، وما يترتب على جيشه مما يقوم به من إنجازات في طريقه إلى دمشق قبل الوصول إليها خشي أن يسبقه الإنكليز إلى دخول دمشق، فعمد إلى إرسال رسول إلى سلطان الأطرش ليجمع رجاله ومن ينضم إليهم من المتطوعين السوريين غير المرتبطين بالجيش وأن يسرع الجميع بقيادة الرجل الثاني في الجيش العربي بعد فيصل: الشريف ناصر الذي يكسب وجوده على رأس هؤلاء المقاتلين وقيادته لهم، شرعية عسكرية تجعلهم جزءًا من الجيش العربي وممثلين له.
وهكذا سبق الشريف ناصر بمتطوعيه إلى الدخول إلى دمشق قبل الإنكليز وأعلن فيها الحكم العربي، ودخل الإنكليز بعده، وبعيد دخولهم دخل الجيش العربي ودخل فيصل.
واستعمال اللنبي كلمة (سمح) لفيصل باحتلال دمشق تدل دلالة واضحة على أن اللنبي كان يعرقل تقدم فيصل بجيشه إلى دمشق باعتباره هو القائد العام واعتبار فيصل من القادة التابعين لقيادته، فهو الذي يسمح بالتقدم والتأخر، فهو لم (يسمح) لفيصل بالتقدم إلاّ بُعيد تيقنه من دخول الجيش الإنكليزي إلى دمشق.
ولم يكن يعلم أن فيصلاً قد دبّر ما دبّر. ويسمي يوسف الحكيم([239]) قوة الشريف ناصر طليعة الجيش العربي فيقول: فما بزغت شمس أول تشرين الأول حتى ظهرت تحت سماء دمشق (طليعة الجيش العربي) بقيادة الشريف ناصر فاستقبلت استقبالاً شعبياً رائعاً، وأعقبتها فرقة أسترالية حلّت دمشق وضواحيها، ويقول صبحي العمري في الجزء الثاني من كتابه (أوراق الثورة العربية) ([240]): دخل الشريف ناصر دمشق ومعه جموع كبيرة: معه هجانة عقيل ونوري الشعلان وعودة أبو تايه وجموعهما وجموع الدروز وفي مقدمتهم سلطان وحسين الأطرش، وغيرهم «انتهى».
ومن هذا يتبين واضحاً أن الداخلين لم يكن فيهم أحد من عسكريي الجيش، ويذكر العمري في مكان آخر من كتابه أن القوة العسكرية النظامية دخلت بعد ذلك، وكان العمري نفسه من ضباطها.
ويكذب العمري لورنس في دعواه أن الجنرال اللنبي دخل دمشق قبل فيصل، فيقول: إن فيصل دخل دمشق قبل اللنبي بعدة ساعات، فاللنبي وصل راكباً سيارة، وفيصل دخلها خيّالاً من طريق الميدان تحف به الألوف من الخيالة والهجانة بموكب لم يشاهد مثله من قبل «انتهى».
وكذلك يقول العمري إن الجيش الإنكليزي وصل إلى المزة من ضواحي دمشق بعد دخول الجيش العربي النظامي إليها بعدة ساعات، وإن الجيش الإنكليزي لم يدخل أحد منه المدينة. وهنا لا بدّ من القول إن الثورة العربية عندما أعلنت في الحجاز كان مقاتلوها من بدو الحجاز وحدهم، وكانوا مجرد ثوار لا تنظيم عسكرياً لهم، وقد تألف منهم ثلاثة جيوش بقيادة أبناء الحسين الثلاثة، لم يكن في إمرتهم جهاز من الضباط متسلسلي الرتب، أو أي تنظيم قيادي عسكري.
وقد كان لا بدّ في استمرار الثورة من تشكيل جيش نظامي أرتُئِيَ أن تكون نواته من الضباط العرب في الجيش العثماني الذين وقعوا في أسر الإنكليز.
وفي 2 آب/ أغسطس 1916م وصلت إلى ميناء جدة أول قافلة من هؤلاء وكان معظمها من العراقيين، وتتابع بعد ذلك وصول قوافل الضباط وضباط الصف والجنود، فكانوا يوزعون على الجيوش الثلاثة.
ولما تقرر أن يتجه فيصل بجيشه نحو الشمال واحتل (الوجه)، تقرر ضم معظم الضباط والجنود النظاميين إلى جيشه، وأن يرسل إليه كل من يصل من أمثالهم بعد ذلك. وكان ممن وصل جعفر العسكري فعين قائداً عسكرياً عاماً لجيش فيصل النظامي. وقد جرى تنظيم هذا الجيش وفق الأساليب الحديثة ووزع رجاله ألوية وأفواجاً وسرايا وفصائل وحظائر، كما صنفوا مشاة ومدفعية وخيّالة ومخابرة وهندسة.
وكان هؤلاء إما ممن قدموا من معتقلات الأسر أو فرّوا من الجيش العثماني والتحقوا بجيش الثورة أو أسروا خلال المعارك مع الجيش العثماني.
وعند وصول الجيش العربي النظامي إلى العقبة جرى تنظيم فرقتين، كل فرقة من لواءين وكل لواء من فوجين أو ثلاثة وكل فوج من ثلاث سرايا مشاة وسرية رشاش وفصيل نقلية، كما جرى تشكيل لواء خيالة، وتشكلت المدفعية بلواء صحراء من بطاريتين كل منهما من مدفعين أو أربعة، ومن لواء مدافع جبلية عيار 7.5 ببطاريتين كل بطارية من مدفعين أو أربعة مدافع. ونظمت الإعاشة والمهمات والنقليات برئاسة ضباط.
وتشكل المقر العام من ضباط ركن يترأس كل واحد منهم شعبة: العمليات، الإدارة، الاستخبارات، اللوازم، الصحة، المحاسبة.
وجميع هؤلاء الضباط ممن نشؤوا في مدارس الجيش العثماني ومنهم من تخرج من مدرسة الأركان ومنهم من أكمل تحصيله العالي في ألمانيا، وكذلك ضباط الصف والجنود، جميعهم ممن خدموا وتدربوا في الجيش العثماني. وكان الضباط ما بين عراقي وشامي ما عدا يمانياً واحداً اسمه (سري) كان ضابطاً في الجيش العثماني. ولم يكن فيهم أي ضابط أو جندي حجازي لأن الحجازيين كانوا معفيين من الخدمة العسكرية.
وكما سبق الجيش العربي الجيش الإنكليزي في الدخول إلى دمشق فقد كان سبقه من قبل في الدخول إلى مدينة درعا ما أثار غيظ الإنكليز، كما يذكر ذلك رستم حيدر الذي كان من أبرز القادة غير العسكريين في الجيش العربي([241]).
فهو يقول في مذكراته التي كان يدوّنها يومياً، يقول عن يوم الأحد 29/9/1918م: سباق بين العرب والإنكليز على دمشق، ثم يقول عن يوم الاثنين 30/9/1918م: صباحاً مع الفجر مشينا إلى درعا… ثم يقول: السباق بين جيوشنا والإنكليز… ثم يقول: تألم الإنكليز من العرب لأنهم دخلوا درعا قبلهم…
وكما كان دخول دمشق بقيادة الشريف ناصر، فكذلك كان دخول درعا قبل ذلك بقيادته فبادر في الحال إلى تأليف حكومة عربية فيها قبل وصول الجيش الإنكليزي الذي كان يسير في أثر الجيش التركي المنهزم.
يقول لورنس:
«ولما سألت عن أخبار الجنرال باور قيل لي بأن رجاله ينتشرون الآن للإحاطة بدرعا، فسارعت إلى قمة البويب ومنها إلى حيث يتخذ باور استعداداته لمهاجمة درعا كي أبلغه نبأ سقوطها وأوفر عليه عناء المعركة.
وبعد التحية والسلام أخبرت باور بواقع الحال فدهش للخبر وقال: على كل حال سأذهب إلى درعا كما تشير التعليمات المعطاة لي لأشكل قوة حرس للمحافظة على الأمن. فأجبته بأن العرب قد سبقوه إلى ذلك ونظموا حكومة عسكرية في المدينة».
ونقل الأمير فيصل مقر قيادته إلى درعا، وتولاه القلق الشديد خشية أن يسبقه الإنكليز إلى احتلال دمشق، فبادر بإرسال نسيب البكري إلى صديقه سلطان باشا الأطرش([242]) ليستحثه على الاشتراك بالمعركة. ولبى سلطان الأطرش نداء الأمير فالتحق بالجيش العربي مع عدد من رجاله، كما انضم عدد من المتطوعين السوريين وزحف الجميع بقيادة الشريف ناصر إلى دمشق فقضوا على مقاومة الجيش التركي نهائياً واستطاعوا الوصول إلى دمشق قبل الجيش الإنكليزي([243]).
دخول فيصل إلى دمشق
في اليوم الثالث من تشرين الأول/ أكتوبر كان الأمير فيصل يقف عند أبواب دمشق في (القدم) ([244]). وكان يُنظر إليه في تلك الساعة على أنه البطل العربي الأول الذي انبعث من بين القرون بعد خمود البطولات العربية طيلة أكثر من أربعمائة سنة…
فلأول مرة بعد تلك السنين الطويلة تشهد الدنيا العربية قائداً عربياً على رأس جيش عربي يقبل على عاصمة عربية محرراً لها…
ومضى فيصل وإلى جانبه الشريف ناصر في موكب فروسي يحف به ما لا يقل عن خمسمائة وألف فارس شاهرين سيوفهم وبنادقهم، يخترق بهم شوارع دمشق المزدحمة بالناس المهللين الهازجين المصفقين، وتتناثر عليه من الشرفات والأسطحة الورود والزهور والعطور.
ويقول رستم حيدر عن أحداث الخميس 3/10/1918م واصفاً وصول فيصل إلى دار الحكومة:
فكان الدوي والهتاف والتصفيق فوق ما يتصوره كاتب. الكل يترامون على يده فرحين مبتهجين حتى دخل بهو الحكومة الكبير وهناك جمع عظيم من العلماء والأعيان فأحاطوا به والناس تداكت من الباب والخفر يمنعهم ولكن نصحت عليهم فتركوهم. في أثناء ذلك تقدم المفتي وبايعه باسم والده، وكان قبل أعطى فتوى بقتله. وبعده قام الأمير فخطب… فقام (الشيخ) عبدالقادر الخطيب وبلّغ الأمر بصوت عالٍ ونوه عن الإسلام ولزوم أتباع القرآن والسنّة ومحافظة حقوق العنصر… فسبحان اللَّه كيف تدور الألسن من محور إلى آخر، وكيف يحول الإنسان لسانه من الذم إلى المدح.
يشير رستم حيدر بهذا القول إلى موقف الشيخ عبدالقادر الخطيب وكيف أنه يبلغ عن لسان الأمير فيصل ويمدحه، في حين أنه عند إعلان الثورة العربية في الحجاز تملّق جمال باشا فخطب في الجامع الأموي لاعناً الملك حسين وقال إنه خارجي عاصٍ، عصى اللَّه وشق عصا الطاعة وخرج على خليفة المسلمين.
وعندما جاء فيصل إلى دمشق منتصراً كان أول من دعا باسم والده وأول من لقّبه بأمير المؤمنين.
تأليف أول حكومة عربية
في الخامس من تشرين الأول/ أكتوبر 1918م عهد الأمير فيصل إلى رضا الركابي بتأليف حكومة تدير البلاد ومنحه صلاحيات الحاكم العسكري([245]).
فتألفت حكومة عربية مستقلة استقلالاً تاماً توزعت المناصب فيها على عرب من الأقطار التي وجد منها رجال يومذاك في دمشق. فلم يكن هناك مكان للإقليمية، بل كان الموضوع موضوع أمة عربية ثائرة لطلب استقلالها ووحدتها وحريتها.
فتولى قيادة الجيش نوري السعيد (عراقي). وتولى إدارة الأمن العام جميل المدفعي (عراقي). وتولى إدارة الشرطة محمد علي، التميمي (فلسطيني). وتولى قيادة موقع دمشق زكي العظمة (سوري).
فضلاً عن المناصب الكبيرة الأخرى التي كان بين من تولوها لبنانيون مسيحيون مثل إدارة العدلية التي تولاها إسكندر عمون (لبناني ماروني من دير القمر) ما سيأتي تفصيله.
في الطريق إلى بيروت
في الوقت نفسه الذي عُين فيه رضا الركابي حاكماً عسكرياً في دمشق عُيّن شكري الأيوبي حاكماً عسكرياً لبيروت، وأُمر بالتوجه إليها في الحال لإعلان الحكومة العربية فيها ورفع العلم العربي. فاتجه إليها على رأس قوة صغيرة يصحبه رستم حيدر الذي حفظ لنا في يومياته حقائق وطرائف عن هذه الرحلة الشاقة التي اتجهوا فيها إلى بيروت على ظهور الخيل عن طريق راشيا فحاصبيا فجديدة مرجعيون فالنبطية فصيدا، وعدا رستم حيدر فقد كان مع شكري الأيوبي معاونه رفيق التميمي ورئيس أركان حربه جميل الألشي. وكان خروجهم من دمشق في منتصف ليل الجمعة 4/10/1918م فباتوا في خان ميسلون. ويروي رستم حيدر عن أحداث يوم الجمعة بأنهم جاؤوا عين الحلوة ومنها إلى ينطا فباتوا فيها في تفاصيل يذكرها، وفي يوم السبت يذكر وصولهم إلى قرية كفرقوق حيث بدأت فيها الاستقبالات الشعبية فيقول:
لاقتنا الخيول فدخلنا في مهرجان عظيم.
ومنها إلى راشيا حيث استقبلتهم الخيل وهتافات: ليحي العرب.
وكان في راشيا والد عارف الشهابي([246]) الذي أعدمه السفاح جمال باشا فيمن أعدم من أحرار العرب. ويقول رستم حيدر أنه قال لهم:
الآن أخذت بثأري:
ومضوا إلى دار الحكومة في ازدحام وأهازيج حيث تلي بيان الأمير فيصل. ثم خرجوا من راشيا في احتفال قاصدين حاصبيا، فدخلوها مستقبلين بموكب حافل من رجال ونساء وخيول ورصاص وهتاف: ليحي العرب.
وباتوا ليلتهم في حاصبيا، وهنا غاب الأخذ بالثأر وانطوت فرحة الاستقلال، وتحركت النوازع القبلية… الشهابيون لا يريدون القائمقام إلاّ منهم.
على أن الوافدين لم ينسوا أن يزوروا زوجة الشهيد عارف الشهابي. وهناك خطب رستم حيدر معدداً مناقب الشهيد فأبكى الناس.
ومضوا من حاصبيا يوم الأحد فوصلوا إلى جديدة مرجعيون قبل الظهر. وهنا برز الوجه اللبناني في مختلف تلفتاته، ما عبر عنه رستم حيدر بقوله:
وبقوله:
ميل إنكليزي.
وخطب شاب بعد الطعام مشيراً إلى الإنكليز، فعارضه الباشا (شكري الأيوبي) بلزوم الاتحاد وأن الحكومة عربية مع شكرنا لحلفائنا.
وتركوا جديدة مرجعيون متجهين إلى النبطية، ويذكر رستم حيدر مرورهم على جسر [تاركاً في مكان اسمه فراغاً مملوءاً بأربع نقط] فيعلق محقق الكتاب على ذلك بأن الاسم غير مذكور في الأصل. ويبدو أن رستم لم يجد من يسأله عن اسم الجسر فترك مكان اسمه فارغاً.
الجسر هو جسر الخردلة على نهر الليطاني.
وقبيل النبطية مع المساء خرج إليهم كامل الأسعد مع بعض بني عمه على حدّ تعبير رستم. وأحسب أن الذين كانوا مع كامل الأسعد ليسوا بعض بني عمه كما توهم رستم، بل هم آل الفضل (بكوات النبطية) محمود الفضل وأخوه فضل الفضل ومن إليهما.
والنبطية ليست بلدة كامل الأسعد، بل إن بلدته هي الطيبة وهي ليست على طريقهم، لذلك جاء النبطية ليستقبلهم فيها.
ونزلوا في النبطية في بيت محمود الفضل الذي يقتصر رستم في تعريفه على ذكر اسمه مقروناً بنعت (بك) دون ذكر لقبه.
ويبدو جلياً أن رستم حيدر كان في ما يكتب إنما يسجل رؤوس أقلام ليعود بعد ذلك فيفصلها، ولكن المشاغل صرفته عن ذلك، فلم يبق مما كتبه إلاّ رؤوس الأقلام هذه.
فهو يقول:
الأسعد والصلح ورياض الصلح. توحيد الكلمة، وعد.
والذين يعرفون خفايا الأمور هناك يدركون ما تعني هذه الكلمات. إن القبلية الكامنة موقتاً بدأ قرنها يذر، وإن فرحة التحرر وبهجة الاستقلال لم تستطيعا لها مواراة دائمة. فإن تباغضاً بعيد الجذور بين الأسعد والصلح، وتزاحماً على النفوذ المحلي بينهما بدأت طلائعهما وستبدو أكثر في السيطرة على صيدا التي حاول رياض الصلح أن يعلن فيها الحكم العربي برئاسته فدهمته خيالة كامل الأسعد، وبينما الفريقان على وشك المعارك دهمتهما خيالة الإنكليز فتواريا من الميدان.
ويبدو أن رستم كان مطلعاً على ما في النفوس فحضّ كامل الأسعد على توحيد الكلمة وأن كاملاً وعده بذلك. ولا يبرز الأمر واضحاً في مرورهم على صيدا. إذ كل ما دونه رستم هو هذه الكلمات:
في التاسعة مشينا، في الخان استرحنا([247]) ثم سرنا حتى صيدا، مجيء الإنكليز إلى صيدا، الذهاب لاستقبالهم. لزوم الإسراع. المرور شرق صيدا. الإنكليز على الجسر([248]) الوثيقة.
وفي هذا الكلام كلمة واحدة تفهم منها شيئاً كثيراً، هي كلمة: (لزوم الإسراع). فإن وصول الإنكليز إلى صيدا وتوقع وصولهم إلى بيروت يقضيان بوجوب الإسراع في الوصول إلى بيروت ودخولها قبل الإنكليز.
لذلك لم يعرج الركب على صيدا ولم يقابل أحداً، ولا توقف حتى الوصول إلى بيروت. وفي أحداث يوم الاثنين 7/10/1918م يقول:
في بيروت
وصلت إلى بيروت في خمس ساعات، لبس مكي حجازي، استلفات النظر، عمر الداعوق، إحضار عربيات، أبو علي سلام، سرنا، مختار بيهم، موسيقى لقاء باهر، تصفيق على الأطراف. قبلاً في الطريق، استحضارات الإنكليز، كل ينتظر ويسأل. دخولنا مهيج حتى ساحة البرج، ركّز العلم في موقع الشهداء، الازدحام، ثم في الحكومة الخلق، قبل وصولنا، ثلاثة أطومبيلات إنكليزية، الروحانيون، العلماء، الأعيان، خطب، والقائد الإنكليزي، ثم تلوت بيان الأمير وكتبت بيان الباشا على بعض كلمات فكان لتلاوته تأثير: سوريا هي جبل لبنان، بيروت ـ شام ـ حلب ـ حتى جبال طوروس. هتاف. أصدقاء، زي بدوي، لحيتي، الحكومة في لبنان، أعمال البيروتيين، الدعوة عند علي سلام المسيحيون. هلاك من التعب، 26 ساعة على الخيل.
وإلى هذا الحدّ ينتهي ما سجله عن يوم الاثنين. ويبقى علينا حلّ هذه الرموز:
يبدو أن أول المستقبلين في بيروت كان عمر الداعوق. ويبدو أن استقباله هذا كان بصفته رئيس الحكومة العربية الموقتة التي تشكلت بناء على برقية تلقاها عمر الداعوق من دمشق بصفته رئيس بلدية بيروت، بهذا النص:
«بناء على انسحاب الحكومة التركية فقد أسست الحكومة العربية الهاشمية على دعائم الشرف. طمئنوا الجميع وأعلنوا الحكومة باسم الحكومة العربية».
واجتمع وجهاء بيروت وألفوا حكومة عربية موقتة برئاسة عمر الداعوق، وأسندت إدارة الأمن العام إلى أحمد مختار بيهم يعاونه كل من سليم الطيارة وجان فريج.
وكان إسماعيل حقي والي بيروت أذاع قبل أن ينسحب منها بياناً على الموظفين هذا نصه:
إلى عموم المأمورين.
بناء على إعلان الحكومة العربية أصبحت المدينة تجاه أمر واقع، فلقد عهد بإدارة الحكومة لرئيس البلدية عمر بك الداعوق. فتجاه هذه الوضعية أصبحت وظيفتكم منتهية لذلك أطلعكم على هذه التبديلات وأودعكم إياها.
وقد أذاع عمر الداعوق بياناً على الأهلين هذا نصه:
1 ـ على الأهلين والمأمورين ورجال الجندرمة والبوليس متابعة أشغالهم ووظائفهم بتمام السكينة والهدوء وبكل نشاط واستقامة. ويتحتم على الأهلين أن لا يتداخلوا بما لا يعنيهم ولا يتعدّى بعضهم على بعض.
2 ـ ممنوع قطعياً حمل السلاح والخروج على الطرق ليلاً بعد الساعة الثامنة مساءً.
3 ـ إذا حدث تعدٍ على أحد فعليه حالاً أن يخبر أقرب مخفر للبوليس.
4 ـ إذا وقعت أقل مغدورية أو مخالفة أو تماهل بالوظيفة على الأهالي من قبل أي كان فعليه أن يعلمنا حالاً.
5 ـ كل من يتجرأ على مخالفة هذه الأوامر يجازى أشد الجزاء. ومن يتجاسر على الإخلال بالأمن العام يحاكم ويعدم حالاً.
6 ـ المظاهرات والتجمع وإلقاء الخطب ممنوعة بتاتاً من طرف الأهلين.
7 ـ بما أن الأتراك وعيالهم وسائر الغرباء هم ودائع عندنا فيجب على العموم العناية براحتهم ورفاهيتهم كما تقتضيه الشهامة العربية.
بيروت الثلاثاء في 24 ذي الحجة 1336م
و2 تشرين الأول/ أكتوبر 1918م
رئيس الحكومة العربية في بيروت
عمر الداعوق
ويبدو أن القادة استبدلوا الخيول التي قدموا عليها بالعربات التي أعدها لهم عمر الداعوق، وأنه كان في استقبالهم مع عمر الداعوق كل من أبو علي سلام ومختار بيهم مع جمهور قابلهم بالتصفيق متواصلاً على جوانب الشوارع بحيث صح أن يصفه رستم حيدر بأنه لقاء باهر جرى على نغمات الموسيقى، وأن دخولهم كان دخولاً مهيجاً وأنهم مشوا رأساً إلى ساحة البرج حيث ركزوا العلم العربي في المكان الذي شنق فيه الشهداء، وكان الازدحام شديداً. وقبل أن يتابع الحديث عما جرى يتذكر شيئاً قبل وصولهم فيقول:
قبلاً في الطريق استحضارات الإنكليز، كل ينتظر ويسأل.
ونحن لا نستطيع تفسير ما يعنيه باستحضارات الإنكليز. ومن الطبيعي أن يكون الإنكليز معنيين بما يجري، ولكن ما هي استحضاراتهم الراهنة؟
وبمثل قوله:
كل ينتظر ويسأل: تلهف الناس على معرفة تفاصيل ما يجري، فهم يشاهدون قوى إنكليزية، ويشاهدون ركباً عربياً، وشهدوا انهيار حكم دام أربعمائة سنة، فلا يدع أن ينتظروا ويسألوا.
ثم يعود رستم حيدر إلى متابعة سرد الأحداث سرداً لا يعدو رؤوس الأقلام فيقول:
ثم في الحكومة. وهو يعني هنا دار الحكومة (السرايا). ورأيناه يستعمل الكلمة بهذا المعنى أثناء سرده لأحداث دمشق.
ثم يتابع:
الخلق، إلى آخر ما ذكرناه فيما تقدم.
فهو يذكر هنا انتقالهم من ساحة البرج إلى دار الحكومة في ازدحام للناس شديد، هذا الازدحام الذي عبر عنه بكلمة (الخلق).
ولا شكّ أنه استنتج شيئاً مهماً من لقياهم ثلاثة أطومبيلات إنكليزية على الطريق ولولا ذلك لما أشار إلى هذا اللقاء، أما ما هو هذا الاستنتاج فهو ما غاب عنا لأن رستم حيدر لم يعد بعد ذلك إلى تفصيل رؤوس الأقلام التي سجلها.
ومن بين الخلق الذين ذكرهم أوضح أصنافاً معينة كانت بين المزدحمين حولهم، بدأها بالروحانيين فالعلماء. ونحن نفهم من كلمة: (الروحانيون) أنها تعني رجال الدين المسيحيين، وحرص على أن يخصهم بالذكر لأهمية مشاركتهم في مهرجان يقام احتفالاً بإعلان الحكم العربي في بيروت. وهذا شيء هام جداً يدلنا على أن المواطنين على اختلاف عقائدهم الدينية كانوا مع هذا الحكم ولا اعتراض لهم عليه، لأنهم كانوا حتى تلك الساعة لا يزالون على فطرتهم الوطنية لم تدخل بينهم الدسائس الأجنبية لتفسد هذه الفطرة وتبلبل الآراء وتشتت الأفكار. على أن اللافت للنظر هو أن الاستقبال الأول لم يكن فيه بعد عمر الداعوق غير اثنين من وجهاء المسلمين دون مشاركة أي وجيه مسيحي. على أننا سنلحظ أنه بعد حديثه عن وقائع ما جرى على طريقة رؤوس الأقلام أنهى هذا الحديث بكلمة (المسيحيون) ما سنتحدث عنه عند الوصول إليه.
بعدما ذكر (الروحانيون) بين الحاضرين ذكر (العلماء)، وبذلك نعرف أنه التقى هناك رجال الدين المسيحيين ورجال الدين المسلمين، ومن الطبيعي حضور (الأعيان). وكلمة (خطب) تدل على أن خطباً ترحيبية حماسية ألقيت.
ويعترضنا هنا لغز يعسر علينا حله هو مثل لغز (الأطومبيلات الثلاثة) المتقدم. قال بعد كلمة (خطب): «والقائد الإنكليزي».
فماذا كان شأن القائد الإنكليزي هنا؟
ثم يذكر رستم حيدر أنه تلا هناك بيان الأمير فيصل، دون أن نعرف نص هذا البيان، وكان في معرفته توضيح لمنهج الأمير في الحكم الجديد، وهذا التوضيح كبير الأهمية في تاريخ تلك الحقبة.
وبعد تلاوة بيان الأمير يقول إنه كتب بيان شكري الأيوبي على بعض كلمات، ثم يقول: كان لتلاوته تأثير. والضمير في تلاوته يعود يقيناً إلى بيان الأمير، على أن الشيء غير المفهوم هو قوله إنه كتب بيان شكري الأيوبي على بعض كلمات، فماذا يعني ذلك؟ أما الشيء الخطير فهو هذا التعداد الذي تتابعت فيه كلمات: (سوريا هي جبل لبنان، بيروت ـ شام ـ حلب ـ حتى جبال طوروس) والذي ذكر بعدها أن البيان قوبل بهتاف. إن هذه الكلمات تشير إلى ما تضمنه بيان الأمير الذي ألقاه رستم حيدر والذي قوبل بهتاف، فماذا تعني هذه الكلمات التي لم يصل إلينا غيرها من بيان الأمير؟
ماذا كان يعني البيان من قوله: سوريا هي جبل لبنان؟
من الطبيعي أن بيان الأمير كان يتضمن منهجه في الحكم العربي الذي يعلن الآن قيامه، وأن مصير لبنان هو من صميم هذا المنهج، وأن علاقة لبنان بسوريا هي من هذا الصميم، وجاء تحديد هذه العلاقة في (رؤوس أقلام) مذكرات رستم حيدر بأن سوريا هي جبل لبنان، وفي هذا التعبير كل الوضوح، وفيه في الوقت نفسه كل الغموض.
الوضوح في ذهن من يهوى أمتن علاقة بين البلدين، والغموض في نفس من يريبه تداني البلدين!
والفريقان كانا موجودين يستمعان إلى تلاوة البيان.
فهل يمكننا أن نستتنج أن قول رستم حيدر: أنه (كتب بيان شكري الأيوبي على بعض كلمات) يعني أن شكري الأيوبي ومن معه أرادوا أن يزيلوا ريب المستريبين، فكلف شكري الأيوبي، رستم حيدر أن يكتب تعليقاً على بعض الكلمات الباعثة على الريب، وأن لبّ تلك الكلمات هو: (سوريا هي جبل لبنان).
وينتقل رستم حيدر بعد هذا الرأس من رؤوس أقلام مذكراته إلى رأس آخر هو قوله: «الحكومة في لبنان».
وهذا يعني أنهم كانوا مسلّمين بأن للبنان شأناً خاصاً لا يرتبط بشأن بيروت، ولا هو تبع له، وأن له حكومة أخرى غير حكومة بيروت ومنفصلة عنها، وأن عليهم التهيؤ لإقامة هذه الحكومة.
فهم لم يفكروا مثل هذا التفكير في صيدا مثلاً، ولم يشغلهم أمر حكومتها، لأن أقامة الحكومة في بيروت مؤداه إقامة الحكومة في صيدا.
وليس الأمر كذلك ـ عندهم ـ في لبنان، فلبنان يرث حكماً لا بدّ من مراعاة شأنه في العهد العربي الجديد.
ثم ينتقل بنا رستم حيدر إلى موضوع جديد، يجعلنا نتميز غيظاً لأنه لم يزد على أن سطره كما سطر غيره في رؤوس أقلامه، وهو قوله: «أعمال البيروتيين».
فماذا كان وراء هذا القول؟ أكان وراءه أن أعمالاً بيروتية ضايقته، أم ماذا؟
ثم يقول: «الدعوة عند علي سلام». وكما ذكرنا من قبل فهو يقصد: أبو علي سلام، لا علي سلام. وبعد ذلك نصل إلى موضوع من أخطر مواضيع مذكرات رستم حيدر وهو قوله: «المسيحيون». وهنا يتركنا ـ كما تركنا من قبل ـ في جهل مطبق بهذا الموضوع الخطير. ومن أجل أن يخصهم بالذكر في مذكراته لا بدّ أن يكون لهم موقف متميز في هذا الحدث الكبير، وهذا طبيعي، ولكن ما هو هذا الموقف وما هي أبعاده؟
هذا ما كان رستم حيدر ينوي أن يفصله حين يعود إلى تفصيل ما أوجزه في ما دوّن من رؤوس أقلام. ولكن الأحداث المصيرية الخطيرة التي ظلت تتوالى، وكان رستم حيدر في قلبها ومن المصطلين بنارها والمحاولين الأخذ بزمامها، صرفته عن الكتابة، فخسرنا بذلك تسجيل تاريخ لهذا البلد كان في تسجيله كل الخير وأعظم النفع.
ورستم حيدر وهو يكتب ما يكتب لم ينس كتابة أشياء خاصة به، فهو يقول: (زي بدوي) إشارة إلى الزي الذي كان يرتديه، ولا نحسب أن بداوة زيه كانت تتعدى لباس الرأس.
ثم هو يقول: (لحيتي) إشارة إلى أنه كان في تلك الأيام يطلق لحيته. ثم هو يشير إلى ما كان وصل إليه من تعب بعد تلك الرحلة الطويلة على ظهور الخيل فيختصر ذلك بقوله: هلاك من التعب، 26 ساعة على الخيل.
ومن قبل كان كتب كلمة «أصدقاء» وهي تدل على أنه التقى بأصدقائه القدامى الذين فارقهم (تلميذاً)، ثم عاد إليهم بعد رحلة طويلة بدأها طالباً في باريس ثم معلماً في دمشق والقدس وغيرهما، ثم ثائراً في مشارف بلاد الشام وفي الأردن وحوران، ثم فاتحاً مع الفاتحين لدمشق، وها هو الآن رسول من رسل المملكة العربية إلى أقطار العرب.
ها هو الآن يعود إلى أصدقائه في بيروت بدوي اللباس، كث اللحية، خشن اليدين، مجهد الجسم، بعد أن فارقهم غضّ الإهاب في ريق الشباب ونضارة الوجه ونعومة الأنامل وراحة الجسد… فارقهم وهو يحلم وهم يحلمون باستقلال عربي وملك قحطاني عدناني، وراية مستمدة ألوانها من تاريخهم.
وها هو يعود إليهم بإعلان الاستقلال، وتحقيق الملك، ورفع الراية. تحقق الحلم ولكن إلى حين، وما كان أقصره من حين!
وفي رؤوس أقلام يوم الثلاثاء 8/10/1918م يفتتح بهذه الجمل الثلاث «بعض الإخوان لزوم التشكيلات»، «إلى الحكومة»، «رفعنا اللحية».
هذه الرموز توصلنا إلى استنتاجات نرجح سلامتها: فنرى أنهم لم يكونوا حملوا معهم خطة مفصلة لأن قصر الوقت بين إعلان الحكم العربي في دمشق وقرار إيفادهم إلى بيروت لم يكن يسمح بدراسات يتقرر معها منهج معين وقرار مركزي عليهم تنفيذه في ما يمرون به من بلاد، ثم في بيروت وهي الهدف المقصود في الرحلة، وإنما كان الأمر متروكاً لهم يتصرفون بما يقتضيه الحال ويرتجلون ما يجب فيه الارتجال.
قلنا متروكاً لهم، والحقيقة أن ذلك كان متروكاً لرستم حيدر وحده، وأن مهمة شكري باشا الأيوبي كانت مهمة تنفيذية بحتة اقتضتها سنه وماضيه ورتبته العسكرية، والدليل على ذلك ما ورد في الكتاب المكلف رستم القيام بمهمته هذه. والكتاب بخط رضا الركابي باعتباره حاكم سوريا العسكري العام وموقّع منه، وعلى ورقة عادية لا تحمل أي رمز حكومي أو ترقيم أو أي شيء يدل على أنها صادرة عن مرجع حكومي أو الأحرى عن أعلى مرجع حكومي.
وهذا يدلنا على أن الحكم العربي في دمشق لم يكن تيسر له في هذه الفترة القصيرة حتى أبسط ما يجب أن يتيسر لأي حكم من أدوات، وأنه لم يكن أعد حتى الأوراق الرسمية.
يقول كتاب التكليف الذي احتفظ به رستم حيدر بين أوراق مذكراته، ثم نشره ناشرو المذكرات مصوراً فكان من الوثائق المهمة في تاريخ تلك الحقبة.
يقول الكتاب:
«لحضرة محمد بك رستم.
حيث وجدت من الضروري تبليغ أهالي ولاية بيروت ولواء جبل لبنان تأسيس الحكومة العربية فقد انتخبناكم لهذه المهمة فالرجاء من همتكم السفر برفاقة حضرة شكري باشا الأيوبي والي بيروت وحاكمها العسكري إلى بيروت وتبليغ الأهلين تأسيس الحكومة العربية باسم مولانا السلطان أمير المؤمنين الشريف حسين وركز علمها المنصور على دائرة الحكومة وبعد الفراغ من هذه المهمة تسافرون إلى جبل لبنان وتقوموا لنا بالوظيفة نفسها بما عهد بكم من الدراية والحكمة وحسن السياسة وبعد ذلك تعاودون إلى بيروت وتبقون برفاقة شكري باشا إلى إشعار آخر. ويجب عليكم أيضاً أن تقوموا بمثل هذا الواجب في كل بلد حلّ ركابكم بها أثناء الطريق راجياً لكم النجاح والسلام عليكم.
… سنة 1336هـ حاكم سوريا العسكري العام
علي رضا الركابي
وهكذا نرى أن المهمة المحددة هي إعلان الحكم العربي ورفع علمه على الدوائر الحكومية، وإعلان شكري الأيوبي والياً على ولاية بيروت وفي الوقت نفسه حاكماً عسكرياً.
أما التفصيلات فهي متروكة لحكمة رستم حيدر. وقد رأينا أنه على طول الطريق الذي اجتازه الركب العربي لم يسم أحداً لحكم المناطق التي لا بدّ من وجود حاكم إداري فيها (قائمقام) ابتداءً من راشيا حتى صيدا وفي ذلك حاصبيا وجديدة مرجعيون، فيما عدا ما ذكر من أن الشهابيين طلبوا أن يكون قائمقام حاصبيا منهم.
أما صيدا فإن رياض الصلح استبق الأحدث وأعلن فيها الحكم العربي مسمياً نفسه حاكم لها، مما أغاظ كامل الأسعد الذي أرسل رجاله إلى صيدا ليحولوا بين رياض وبين هذا الحكم ولم يكد يبدأ الاحتكاك بين الفريقين حتى دهمهم الاحتلال الإنكليزي فانهارت آمال الجميع، ما مرّت الإشارة إليه في ما تقدم من القول.
ومن هذا يتبين لنا أن الحكم العربي الجديد أقر لجبل لبنان بوضعه الخاص وبعدم تابعيته للولاية وارتباطه رأساً بالعاصمة على ما كان عليه في العهد العثماني قبل الحرب العالمية.
أما تفاصيل هذا الوضع ومقدار انطباقه على (بروتوكول) لبنان فذلك مما لم يكن الوقت سمح بتحديده، وهو متروك للأيام التالية. هذه الأيام التي تبين بعد قليل من الوقت أنها لن تأتي، وأن الأمور ستتطور سريعاً فيجعل ذلك كل ما يجري نوعاً من أحلام اليقظة.
من هنا كتب رستم حيدر: «بعض الأخوان لزوم التشكيلات» ومعنى ذلك أن هناك من رأى عدم الاكتفاء بإعلان الحكم العربي وإعلان تعيين شكري باشا الأيوبي والياً لولاية بيروت، بل يجب البدء حالاً بتنظيم دوائر الدولة وإقامة هيكلية الحكم وتعيين الموظفين في هذه الهيكلية. ثم يتبع هذا القول بهذه الجملة: (إلى الحكومة) وذلك يعني أنهم انتقلوا إلى مقر الحكومة (السرايا).
وهنا يعود إلى أحواله الخاصة فيقول: (رفعنا اللحية). لا شكّ أن تلك اللحية كانت تضايقه، وإذا صحّ أنه كان لا بدّ منها في الجو البدوي الذي عاش فيه منذ التحاقه بفيصل حتى دخوله دمشق، فإنه لم يعد يصحّ له أن يتمسك بها مذ عاد إلى جوّه الحضري. ويدلنا تخصيصه لها بالذكر مرتين على أن وجودها كان يشغله، وأن الانعتاق منها أراحه.
فيا لطرافة رستم رجل الدولة الحازم الصارم حين يخصّ لحيته بالذكر وهو يتحدث عن دور من أخطر أدوار الأمة العربية.
ثم يواصل رستم الكلام: في الحكومة، لبنان كان تقرر الذهاب إليه. في الحكومة اجتماع مع حبيب باشا، قبلاً خوفونا، قبل الرجل، حمية أظهرها لبنان من جهة الضرائب، هونّا عليه الخطب، تقرر ذهابنا في الساعة الثالثة بعد الظهر. ذهبنا، جمع غفير، إعلان الحكومة، يمين الإخلاص خطب أمام العموم. الاجتما العام، ثم رجعنا إلى بيروت. كتابة الصورة في الجرائد. بعد الأكل خرج الباشا إلى التجوال في بيروت على الخيل.
إلى بعبدا
كانت نتيجة المداولات في دار الحكومة في بيروت وجوب الذهاب إلى بعبدا لإعلان الحكم العربي وإعلان اسم الرجل الذي سيعهد إليه في إدارة الحكم في متصرفية جبل لبنان في العهد العربي الجديد.
فاستدعي حبيب باشا السعد إلى دار الحكومة لمفاوضته في تولي أمر الحكومة الجديدة، ويظهر أنه كانت لديهم بعض المخاوف في هذا الشأن، ويبدو ذلك في قول رستم: «قبلاً خوفونا». وإذا كان رستم لم يحدد تلك المخاوف، فإن في قوله بعد ذلك: (قبل الرجل) ما يدل على أن هذه المخاوف كانت توقع عدم قبول حبيب السعد بهذه المهمة، ولكن تبين أن هذه المخاوف لا محل لها إذ بادر الرجل بالقبول.
ولا ندري ما يقصد رستم بقوله بعد ذلك:
حمية أظهرها لبنان من جهة الضرائب، ثم يتابع كلامه قائلاً: هونّا عليه الخطب.
فهل يقصد أن حبيب السعد ورهطه أظهروا اسعداداً للتساوي في الضرائب مع مناطق الحكم العربي الأخرى التي لم يكن لبنان متساوياً معها، بل كانت الضرائب المفروضة عليه أقل من الضرائب المفروضة على بقية أجزاء الدولة العثمانية، وأن رستم حيدر هون على حبيب السعد ورهطه الخطب في هذا الأمر، ما لا يكون عبئاً على المكلف اللبناني.
كان الجميع يخططون للبعيد البعيد، ولكن الزمن كان يردد: «وتقدرون فتضحك الأقدار…».
لم يكونوا يدرون أن قراراتهم لن ينقضي عنها الليل ويطلع عليها الصباح حتى يمحوها سيف القوة المعد للظهور في اليوم التالي.
وبعد أن انتهت المشكلة مع حبيب السعد بقبوله إدارة الحكم العربي في جبل لبنان، والتفاهم المبدئي على أمور الضرائب، يقول رستم حيدر: تقرر ذهابنا في الساعة الثالثة بعد الظهر.
وإذا كان لم يحدد مكان الذهاب، فنحن نعرف أنه:
بعبدا عاصمة جبل لبنان، فهي المكان الذي سيرفع فيه العلم العربي ويعلن تشكيل الحكومة العربية بإدارة حبيب السعد.
ثم يقول:
ذهبنا، جمع غفير. إعلان الحكومة. يمين الإخلاص. خطب أمام العموم. الاجتماع العام. ثم رجعنا إلى بيروت. كتابة الصورة في الجرائد. بعد الأكل خرج الباشا إلى التجوال في بيروت على الخيل.
من هذه الكلمات الموجزة ندرك أن جمعاً غفيراً تجمع في بعبدا ارتقاباً لهذا الحدث الخطير.
ولكن رستم حيدر لم يبين لنا شيئاً عن موقف هذا الجمع الغفير من الحدث، فهل كان مبعث هذا التجمع هو الفضول، أو كان الترحيب بما سيحدث؟!
إلا أن مجرد عدم إشارة رستم إلى رأي هؤلاء المجتمعين، وعدم الإشارة كذلك إلى مقابلتهم الوفد بالترحيب والهتاف والتصفيق، وعدم ذكر أي كلمة تشير إلى ابتهاج أو هتاف أو استحسان، ذلك يدل على أن الناس اجتمعوا مرتابين بما يجري، لذلك لم يقابلوا الوافدين لا بتأهيل ولا باستنكار في انتظار ما ستنجلي عنه الأيام من حقائق يتطلعون إليها.
ثم يشير رستم إلى إعلان الحكومة العربية الجديدة، وإلى أن الحاكم المعين حلف يمين الإخلاص لها.
وكما أن رستم لم يشر بشيء إلى ما يدل على حقيقة عواطف الجمع الغفير عند وصول الوفد، كذلك لم يشر بشيء إلى هذه الحقيقة عند إعلان الحكومة وعند حلف اليمين.
على أن عدم الإشارة إلى شيء من هذا هو في الواقع إشارة واضحة، فلو كان هناك ترحيب واغتباط لأشار إليهما.
ثم يقول رستم حيدر.
خطب أمام العموم. الاجتماع العام.
ولم يبيّن لنا من هو أو من هم الذين خطبوا، ولنا أن نقول: إن رستم كان هو الخطيب، وأنه أوضح وشرح ووعد.
ولكن ماذا كان صدى تلك الخطبة أو الخطب؟ ويكفي أن لا يرد في كلام رستم ما يدل على حقيقة هذا الصدى لنعلم أنه لم يكن صدى حماسة وابتهاج.
والشيء الغامض كل الغموض وهو قوله: الاجتماع العام.
فما دام الإعلان تمّ، وحلف يمين الإخلاص كذلك تمّ، والخطب تمّت، ما دام ذلك كله تمّ أمام (الجمع الغفير).
وهذا كله اجتماع عام، فما المقصود بالاجتماع العام، وأين تمّ هذا الاجتماع، وماذا جرى فيه؟ ذلك كله قد ظلّ مكتوماً في صدر رستم حيدر، ولم يظهر على قلمه.
وبعد الاجتماع العام عادوا إلى بيروت، ونشروا خبر ما جرى في الجرائد ولكن أي جرائد كانت تصدر في ذلك الحين في بيروت؟ وكيف كان يمكن أن تصدر جرائد في بيروت في تلك الفترة القصيرة المنقضية بين جلاء الأتراك وقدوم العرب؟
ويبدو أن شكري باشا الأيوبي كان منتشياً بتحقيق ما تحقق، فها هو اليوم: الحاكم العسكري العربي على ولاية بيروت، وها هو يقوم بتنصيب الحكام مبتدئاً بأكبر منطقة وأخطرها، تلك هي منطقة جبل لبنان.
لذلك عمد أولاً إلى تناول الطعام، ولا شكّ أنه تناوله بأعظم شهية، مبعثها هذا الظفر الذي حققه، ولم يلبث بعد الطعام أن قام بجولة في بيروت على ظهور الخيل.
يقول رستم حيدر:
بعد الأكل خرج الباشا إلى التجوال في بيروت على الخيل.
خرج ـ ولا شكّ ـ مزهواً بما تحقق، مستمتعاً بالتجوال في الدروب التي بات حكمه نافذاً فيها، وبين الناس الذين صاروا من رعاياه، غير متفطن لقول الشاعر الذي سيقول:
قد أردنا من الغنائم حظاً
فوردنا الوغى فكنا الغنائم
في بيروت بهجة الاستقلال ونشوة الحرية، وارتفاع العلم العربي، ورؤية الحاكم المتمثل فيه كل ذلك.
تحقيق الحلم المنشود الذي طال انتظار تحقيقه، زوال أربعمائة سنة من الحكم غير العربي، وانبعاث أول يوم من السنين العربية التالية.
صور هذه الحقائق المتماوجة في سماء بيروت، متماوجة تماوجاً ملموساً باليد ومرئياً بالعين ومسموعاً بالأذن، بعد أن كانت خيالاً يلوح في الذهن وحلماً يتراءى في الفكر.
هذا كله نُسي، هذا كله لن يخمد جشع النفوس والتكالب على المناصب.
بعد أن أنهى رستم حيدر تسجيل ما سجل من أحداث يوم الثلاثاء 8/10/1918م عاد إلى التسجيل من جديد كاتباً:
ملاحظات: أهل بيروت يريدون الحاكم منهم لكل الظروف… وإذا كان ما سجله رستم حيدر من قبل، لم يعد أن يكون رؤوس أقلام تحتاج إلى ذكر تفاصيل وشروح، فإن هذه الجملة إذا دخلت في هذا الوصف من حيث إيجازها، فإنها لا تدخل فيه من حيث دلالتها، فهي غنية عن كل شرح وتفصيل.
وتجيء فيها كلمة (لكل الظروف) واضحة كل الوضوح، فحتى هذا الظرف الاستثنائي الذي اقتضى إرسال رجل عسكري لا ليكون والياً مدنياً فقط، بل ليكون حاكماً عسكرياً أيضاً، لأن الدنيا كلها هي الآن في حكم العسكريين، حتى هذا الظرف الاستثنائي، كان الاعتراض عليه صريحاً بيناً وذلك من قول رستم حيدر: لكل الظروف.
ونحن نظلم أهل بيروت إذا أعتبرنا أنهم هم المقصودون بهذا الكلام، فأهل بيروت شعب بيروت، جماهير بيروت، أوضح رستم حيدر حقيقة شعورها في ما سطره من كلام قبل هذا الكلام حين يصف الوصول إلى بيروت:
(لقاء باهر، تصفيق على الأطراف، قبلاً في الطريق، دخولنا مهيج حتى ساحة البرج، الازدحام، ثم في الحكومة، الخلق…).
هكذا كان أهل بيروت وهم يرون الوفد العربي، حاملاً العلم العربي، منبئاً بالاستقلال العربي.
كانوا كما وصفهم رستم حيدر بكلماته القليلة المنبئة بالكثير ولم يجل في خاطرهم أي مطمع خاص، ولا فكروا إلاّ فيما وراء هذا اليوم من الاستقلال وحرية وأمجاد عربية.
لم يكن لهم وصول إلى رستم حيدر ولا إلى شكري الأيوبي ولا إلى أحد من رفاقهما، لينبئوهم بأنهم (يريدون الحاكم منهم لكل الظروف).
كان هناك من تسابق إلى دعوتهم والتفرد بهم فأبلغهم فيما أبلغهم: أن حاكم بيروت يجب أن يكون بيروتياً.
ولا شكّ أن هؤلاء يريدون أن يعوضوا ـ مثلاً ـ عن مقعد نيابي كان لهم في استنبول، وعن كرسي في مجلس الأعيان، وعن غير ذلك من المغانم.
إن رستم حيدر حين كتب جملة: أهل بيروت يريدون الحاكم منهم، أعقبها بنقط…
وأحسب أن هذه النقط التي تبدو في مظهرها صامتة، هي في واقعها معبرة أوضح تعبير، ولم يستطع رستم ـ وهو يدون ما يدون موجزاً ـ كما لم يجد أروع بلاغة منها تنطق بما صدم نفسه وشعوره وتطلعاته وابتهاجه.
ثم يتابع رستم حيدر كلامه:
أهل لبنان ارتاحوا للصلاحية المعطاة لهم. يحبون الأبهة.
وإذا كان لم يبد لنا من قبل في كلامه ما يدل على حقيقة موقف اللبنانيين من هذا الحكم الجديد، فكان هنا واضحاً كل الوضوح حين يقول إن اللبنانيين كانوا مرتاحين، وأن سبب ارتياحهم هو الصلاحيات المعطاة لهم، وإذا كان لم يبين لنا ما هي تلك الصلاحيات، فإننا نعلم أنها كانت مستمدة من وضع لبنان الاستثنائي الذي كان عليه قبل الحرب.
ومن الطبيعي أن هذه السياسة ليست سياسة رستم حيدر الشخصية وأن هذا القرار ليس قراره الانفرادي، بل إن رستم حيدر كان مأموراً من المصدر الأول في الحكم (فيصل) بأن يعلن ما أعلن.
وفيصل نفسه لم يتخذ قراره إلاّ بعد مذاكرة إخوانه وبينهم رستم. فالسياسة هي سياسة الحكم العربي الناشئ، والقرار هو قراره.
وإذا قلنا إن الصلاحيات المعطاة للبنان هي صلاحيات مستمدة من وضعه الاستثنائي، فيجب أن نعترف بأن هذه الصلاحيات خالية من السيئة الكبرى التي كانت للوضع القديم، وهي أن يكون رأس الحكم في لبنان أجنبياً.
وبرغم أن الحكم العربي الجديد لم يكن يميز بين العرب تمييزاً إقليمياً ولا طائفياً، بل كان يرى أن الحق في بلاد العرب لكل العرب، والدليل على ذلك أن الذين ولاّهم السلطة في عاصمة دمشق كانوا من أقطار عربية مختلفة وبينها لبنان الذي كان له بينهم النصيب الأوفى.
برغم ذلك لم يختر هذا الحكم للبنان حاكماً من غير لبنان، ومن غير الموارنة.
وأحسب أن هذا كان كافياً لأن يرحب لبنان بالحكم العربي، وأن يرى فيه الخير كل الخير له، وأن ينكر على الفرنسيين بعد ذلك حكمه حكماً مباشراً، وأن لا يكون للبنانيين في هذا الحكم إلاّ تنفيذ ما يأمر به الحكّام الفرنسيون، وأن يكون مع القائمقام ضابط فرنسي هو الحاكم الفعلي، وهكذا صعوداً إلى كل الوظائف الإدارية حتى أعلى درجة فيها.
وهذا هو الذي حمل بعد ذلك أعضاء مجلس الإدارة على أن يقفوا موقفهم البطولي فيقدموا على ما أقدموا عليه من تحدي الفرنسيين ومحاولة الوصول إلى دمشق والانتقال منها إلى أوروبا فنالهم ما نالهم ما سنفصله في الآتي من القول.
كان هؤلاء هم أبطال الاستقلال وكان على النقيض منهم من أوفدهم الفرنسيون ـ وإن ادعوا أنهم أوفدوا أنفسهم ـ إلى باريس ليعرقلوا المسعى الاستقلالي العربي، متظاهرين بالغيرة على لبنان، في حين أن هذا المسعى الاستقلالي أنصف بلدهم وحمى مطلبهم منذ أول خطوة خطاها إليهم.
ويتابع رستم حيدر (رؤوس الأقلام) قائلاً:
باشتنا متواضع كثيراً يقوم لكل وارد… ذلك الرجل. الوظائف حب الأهالي نحونا. كلما مرّ أحدنا التفات، سلام، تصفيق.
والمقصود بباشتنا هو شكري باشا الأيوبي وكلمة (باشتنا) هي التي كان متعارفاً علها في بلاد الشام أيام الحكم التركي حينما كان الناس يريدون نسبة الباشا إليهم.
ولا أحسب أن رستم حيدر كان يقصد بهذه الجملة وبالنقاط التي ألحقها بها، مجرد الإخبار عن تواضع الباشا، بل كان يعني ما هو أبعد من هذا، وأنه ترك لصف النقاط أن يدل على ما كان يعنيه.
يلوح لي أن رستم كان يريد أن يقول هنا إن المهمة التي عهد فيها إلى شكري باشا كانت أكبر من مواهبه، وإنه منصرف إلى التواضع ومنشغل بالقيام للواردين عليه، مهما كان شأن هؤلاء الواردين، في حين أن الحال التي هم فيها تقتضي حزماً وعزماً، ونظراً إلى البعيد… وهذا ما كان باشتنا مشغولاً عنه بالقيام والقعود ولين الجانب.
جاء في وصف لورنس لشكري الأيوبي في «أعمدة الحكمة السبعة» بأنه لم يكن رجل دولة، ولكنه محبوب جداً، وهذا القول هو عين ما قاله عنه رستم حيدر دون أن يقوله.
كما جاء في وصفه في التقرير السري للاستخبارات البريطانية لسنة 1919م: غير ذكي، لطيف المعشر ولكن عديم الفائدة.
إن تهذيب رستم حيدر، التهذيب الموروث والمكتسب، ودقة الظرف الذي هم فيه، ثم ما كان يتمتع به شكري باشا من وطنية وإخلاص، وما عاناه في سجن جمال باشا السفاح.. إن كل ذلك جعل رستم حيدر يعبر عن ضيقه؛ يعبر عنه بذلك التعبير الرمزي اللطيف الذي لا يجرح شعور الرجل المعهود إليه أداء مهمة من أسمى المهمات، وهي في الوقت نفسه من أدق المهمات.
من بعض ما قيل في رستم حيدر وهو وزير في وزارة نوري السعيد في العراق: قول نوري السعيد لأحد أصدقائه محمود صبحي الدفتري:
«إن رستم حيدر هو وزير برئاستي، يتصرف معي تصرف رئيس وزراء مع أحد وزرائه، بلباقته ومهارته وعلمه وشخصيته المؤثرة».
هذا الوصف الذي وصفه به نوري السعيد ينطبق عليه كل دور من أدوار حياته منذ جاء إلى بيروت برئاسة شكري الأيوبي حتى صار في بغداد برئاسة السعيد.
يفاجئنا رستم حيدر بعد ذلك بهذه الجملة المؤلفة من كلمتين، وهي قوله:
ذلك الرجل.
ولا شكّ أن وراء هاتين الكلمتين، كلاماً كبيراً لم يقله رستم، فمن هو ذلك الرجل؟
لا شكّ أنه ليس ممن يذكرون بخير، ولا ممن يوصفون بصفات المحامد، ولذلك اكتفى الكاتب في التعريف به بتينك الكلمتين، وليت الظرف كان يسمح لرستم حيدر بأن يقول كل ما يريد قوله، إذن لعرفنا الرجل وعرفنا مراميه، وهي على كل حال ليست مرامي خير، ولنا أن نستنتج أنه من أولئك الانتهازيين الوصوليين الموجودين في كل مكان وزمان.
ثم يتابع الكلام بكلمة واحدة: الوظائف.
وفي هذه الكلمة الوحيدة التي (أوردها أكبر دلالة على أن فريقاً من الناس لا همّ لهم إلاّ اقتناص الوظائف، وجني ما فيها من مغانم، لا يلهيهم عن ذلك حتى بهجة الاستقلال.
ويمكننا أن نعطف كلمة (الوظائف) هذه على الجملة التي مرّت، وهي أن أهل بيروت يريدون الحاكم منهم.
وتتوالى الرموز في مذكرات رستم حيدر، فنفهم منها الشيء الكثير، ونفهم اشتباك المصالح وتباين الأهواء واختلاف المرامي.
بل نفهم الهوة القائمة بين أماني الشعب يومذاك وبين من يرون أنهم رؤوس الشعب، هذه الهوة التي ستظل قائمة، وإذا كنا سمعناها وقرأناها في رموز رستم حيدر، فقد لمسناها ولا نزال نلمسها لا في غموض الرموز، بل في وضوح الحقائق.
يقول رستم حيدر:
حب الأهالي نحونا. كلما مرّ أحدنا التفات، سلام، تصفيق.
هذا هو الشعب، ها هو في هذا الجانب.
أما في الجانب الآخر فيقول عنهم: كل منهم يريد التقدم، البعض غير ممنونين.
الصاعقة
كان كل من هناك يتصرفون تصرف من سيعيش في تصرفه أبداً، ولم يدر في خلد أحد منهم أن الأماني كالناس يمكن أن تموت غداً.
فرستم حيدر يمهد لقيام حكم استقلالي عربي قوي الدعائم، والشعب يفرح فرح من سيطول فرحه، والحائمون حول الغنائم يقتطعون منها في نفوسهم القطائع الطويلة المدى البعيدة المرمى. و(باشتنا) المتجول على الخيل في الليل زهواً بالأمرة التي صار إليها، والقائم لكل وارد عليه استصلاحاً للرعية التي ستطول عشرته لها. رستم حيدر الذي يسجل في يوميات الأربعاء 9/10/1918م كلمات قليلة فيها الصورة الضخمة لما تعتمل به نفوس أولئك جميعاً، حين يقول:
ذهبنا إلى الحكومة (والمقصود بالحكومة هنا: السرايا)، كثرة الزائرين، الجداول لأجل الترتيب في الدوائر، جمع الأسماء، تنقيح، تعيين.
رستم كان قال في آخر يوميات الثلاثاء 8/10/1918م ما يلي:
بقي جميل بك (الألشي رئيس أركان حرب شكري الأيوبي) لأجل استقبال الجنرال الإنكليزي، لم يأتِ، ثم ذهب مساء فوعده للصبح.
الجنرال العربي رئيس أركان حرب الحاكم العسكري العربي، كان ينتظر أن يزوره الجنرال الإنكليزي ـ الذي وصل هو الآخر إلى بيروت ـ أن يزوره، ربما لتلقي التعليمات منه، أو على الأقل للتفاهم معه على مجرى الأمور، ولكن طال انتظار الجنرال العربي دون أن يزوره الجنرال الإنكليزي.
ربما تذكر الجنرال العربي شمائله العربية التي تقول: القادم يزار، فالجنرال الإنكليزي قدم بعده إلى بيروت، فلا بأس أن يتخلى عن الشمائل البروتوكولية القاضية بأن يبدأ القادم بزيرة ولي الأمر، ويعود إلى الشمائل العربية فيذهب مساء هو إلى زيارة القادم، ولكن القادم كانت له شمائله فرفض استقبال جميل الألشي مساء، وطلب إليه أن يعود صباحاً.
وسلم جميل الألشي بالأمر الواقع فذهب في العاشرة صباحاً، ولكن الجنرال الإنكليزي لم يستقبله.
وكل ما استطاع رستم حيدر أن يعلق على هذا الموقف، هو قوله: يظهر أن في الأمر دسيسة.
ولكن الأمر كان أكبر من دسيسة، إذ جاء في الساعة الثالثة بعد الظهر مندوب إنكليزي سياسي فقابل شكري الأيوبي وجميل الألشي معاً.
وقبل أن يعلم رستم حيدر بما دار بين المندوب الإنكليزي وبين الأيوبي والألشي وصلت إليه إشاعات يعبر عنها ـ على طريقته في كتابة رؤوس أقلام ـ بما يلي:
وكانت الإشاعات دارت: حاكم فرنسوي، ستأتي حملة فرنسية، دو بارتمان فرنسوي، مندوب، استلام الحكومة.
ثم يقول:
كانت نتيجة الاجتماع، تنزيل العلم، تسليم الحكومة.
هذه كانت طلبات المندوب الإنكليزي: إنزال العلم العربي، وتسليم الحكومة. تسليمها لمن؟
لم تكن القوى الفرنسية وصلت، ولا الحاكم الفرنسي تسلم الحكم، إذن فالتسليم للجنرال الإنكليزي أولاً، ثم للحاكم الفرنسي القادم على الطريق… المهم تسليم الحكم والانسحاب، والأمر بعد ذلك لمن له الأمر، وليس العرب هنا ممن لهم الأمر…
قوبلت طلبات الإنكليز في أول الأمر بالرفض الجازم، وقابل الإنكليز هذا الرفض الجازم بالإصرار الجازم.
أما الجزم العربي فليس له قوة تحميه فإذا سكت تكلمت هي، وأما الجزم الإنكليزي فتتكلم عنه فوهات المدافع.
وتجلت الحقيقة لشكري الأيوبي، فكأنه لان، ولكن جميل الألشي ثبته. وأمام هذا الإصرار ذهب المندوب الإنكليزي، ثم رجع ثانية وثالثة، على حدّ تعبير رستم حيدر الذي قال إن هذا المندوب كان يهدد باسم الجنرال اللنبي الذي هو القائد العام للقوى المتحالفة بما فيها القوى العربية وقائدها الأمير فيصل.
وظل الفريق العربي صلباً معلناً أنه لا يتلقى الأوامر إلاّ من الأمير فيصل.
ورستم حيدر الزعيم العربي الباسل المحنك، أدرك أن البسالة والحنكة لا تستطيعان الوقوف في وجه القوة الغاشمة.
لذلك رأيناه يختم يومياته ختاماً قلقاً يقول فيه:
إن المندوب الإنكليزي ردّ على عقبه إذا لم يأتِ من سموه (فيصل). لا فائدة. وذلك وهو لين الجانب. في تلك الليلة لم يظهر، وكانوا قالوا إن القائد سيأتي إلى دار الحكومة في اليوم الثاني في العاشرة.
ثم يصمت رستم حيدر.
ومعنى كلامه الأخير أن الجنرال الإنكليزي حين رأى الإصرار العربي قرر المجيء بنفسه إلى دار الحكومة التي أبى الفريق العربي التنازل عنها.
قرر المجيء اليوم، بعد أن رفض هذا المجيء بالأمس، لأن مجيئه بالأمس كان يحمل معنى المساواة بين الجنرالين العربي والإنكليزي، وأن الجنرال العربي ندّ للجنرال الإنكليزي.
أما مجيئه اليوم فمجيء الآمر المهدد، الذي إذا أمر فيجب أن يطاع.
يصمت رستم حيدر لأن المحنة كانت أروع من أن يستطيع قلمه تحمل وصفها. إنه وهو الذي حمل في صدره وعلى لسانه جذوة الأمل العربي طوال السير من دمشق إلى بيروت، فأذكى بهذه الجذوة الأمل في النفوس التي أيأستها أربعمائة سنة من الانخذال.
إن الجذوة التي انطفأت تركته في ظلام دامس لا يستطيع معه الكلام. وإذا كان الركب العربي سلك في مجيئه من دمشق إلى بيروت تلك الطريق الطويلة الشاقة، فلأنها الطريق التي تقوم فيها الدساكر والقرى والأرياف والمدن المتعاقب بعضها وراء بعض في تكاثف سكاني متلهف على سماع الأنباء التي يحملها هذا الركب.
ولا شكّ أن الركب لم يعد إلى دمشق على الطريق عينها.
وقلم رستم حيدر الملسان في الحديث عن رحلة الذهاب كان عياً في الحديث عن رحلة الإياب، فلم ينطق بكلمة.
وفي الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر كانت العساكر الفرنسية تصل بيروت، وكان الجنرال الإنكليزي (اللنبي) القائد العام للقوى المتحالفة الإنكليزية والعربية والفرنسية، والذي كانت الأرض المحتلة كلها تحت إدارته، كان الجنرال (اللنبي) في التاسع من تشرين الأول/ أكتوبر يصدر قراراً بتعيين الكولونيل الفرنسي (دباياب Depiape) حاكماً عسكرياً على المنطقة الغربية المحتلة، بالنيابة عن الحلفاء.
ويشير بأن هذه التصرفات عسكرية موقتة حتى يبت في مصير البلاد.
التقدم العربي إلى الشمال
والجيش العربي الذي كان يتسابق مع الجيش الإنكليزي لاحتلال المدن العربية قبله، واصل هذا التسابق في شمال سوريا، ففي 14 تشرين الأول/ أكتوبر دخل الشريف ناصر حمص وفي 16 منه دخل حماه. وقبل ذلك في يوم 12 تشرين الأول/ أكتوبر سنة 1918م كانت تدخل مدينة حلب قوة عربية مؤلفة من أقل من مائة رجل ما بين فارس وهجّان بقيادة الشريف مطر الذي كان بقوته هذه مقدمة لقوة الشريف ناصر الزاحف وراءها إلى حلب.
وفي هذا الوقت كان الوالي التركي مصطفى عبدالخالق والقائد العسكري مصطفى كمال باشا يتواريان في بعض زوايا محطة بغداد انتظاراً لوصول قطار يقلّهما مع غيرهما من الموظفين. وفي الليل كانا يركبان القطار مع بقايا الجنود الألمان والأتراك.
أما الشريف مطر فقد حطّ رحاله في دار الحكومة وجلس جلسة بدوية على بساط بسط له على أرض البهو الذي يؤدي إليه الدرج الكبير، ونزل جنوده في صحن دار الحكومة وحفروا في الأرض نقراً أشعلوا فيها النار لطبخ القهوة يسقون بها الواردين على الشريف للسلام عليه([249]).
وكان لا يزال في حلب قليل من الجنود الأتراك فتجمع منهم نحو خمسين جندياً وتوجهوا إلى دار الحكومة للفتك بالقوة العربية النازلة فيها، ولكن القوة تصدت لهم فولوا منهزمين.
ويقارن مؤرخ حلب الشيخ كامل الغزي في كتابه (نهر الذهب في تاريخ حلب) فيقول:
«ومن الصدف الغريبة أن استيلاء الدولة العثمانية على حلب شبيه باستيلاء الدولة العربية عليها من جهة أن كلتا الدولتين أخذتها صفواً عفواً دون حرب ولا ضرب. كما أن الناس في جميع هذه البلاد اغتبطوا بهذه الدولة وفرحوا بتخلصهم من بغي قادة الجنود العثمانية وظلمهم، كذلك اغتبطوا بقدوم السلطان سليم لتخلصهم من ظلم قادة جنود الغوري سلطان الدولة الجركسية».
ويقول الغزي:
«إن الناس في صباح اليوم المذكور هرعوا للسلام على الشريف مطر، وكان الروع ذهب من القلوب وظهرت المارة في الشوارع وتلاحقت عساكر الشريف ببعضها وانضم إليهم العدد الكبير من عشائر البادية المخيمة في صحارى ولاية حلب وكانوا يدخلون إليها زمرة بعد زمرة ولا يرون فيها أدنى مقاومة ولا حدث بدخولهم أقل خوف، وكان النهب من الدعّار قد وقف وسكتت الأمور وانتشر لواء الأمان ورفعت الرايات والأعلام العربية على أبواب الأماكن الأميرية، ولم يقتل من بقايا الجنود التركية وغيرهم سوى بضعة أشخاص اشتبه بهم الأعراب فقتلوهم».
سجل العرب وصولهم إلى حلب قبل وصول الإنكليز، فقد وصل الإنكليز إلى حلب بعد وصول العرب إليها بيوم.
وإذا كان العرب قد وصلوا على الخيل والجمال، فإن الإنكليز كذلك وصلوا مشاة وفرساناً وهجّانة، هكذا يصف الغزي وصولهم، ولكنه يضيف إلى ذلك: بأن معهم السيارات والعجلات المشحونة بالمهمات الحربية. ثم يقول: وهم إنكليزيون ومصريون وهنود، والمصريون مسلمون، والهنود مسلمون وبراهمة وسيخ، وكان عددهم جميعاً لا يزيد على ألف جندي.
لم يكن الشريف مطر ـ كما قلنا ـ سوى مقدمة للشريف ناصر فاتح دمشق، فبعد يومين من وصول الشريف مطر، وصل الشريف ناصر. فنزل أولاً ضيفاً على أحد الوجوه ثم انتقل إلى منزل خاص أعد له في محلة العزيزية.
ويصف الشيخ كامل الغزي صاحب كتاب (نهر الذهب في تاريخ حلب) وصول الشريف ناصر إلى حلب في كتابه بالآتي:
وقد تحدث أولاً عن بدء الاحتلال العربي لحلب يوم الجمعة 12 تشرين الأول/ أكتوبر 1918م قائلاً([250]):
في ذلك الوقت سار الوالي مصطفى عبدالخالق والقائد العسكري مصطفى كمال باشا إلى جهة محطة بغداد واختبآ في بعض جهاتها، وعلى أثر مسيرهما إلى المحطة وقت الغروب أقبل على حلب من جهة قارلق عرب الشريف حسين ملك العرب وهم دون مائة عربي ما بين فارس وهجّان يرأسهم الشريف مطر نائب الشريف ناصر وكيل حضرة الأمير الملكي الشريف فيصل نجل الشريف حسين. وفي ذلك الوقت تحقق الناس أن الشريف قد استولى على حلب.
إلى أن يقول:
ولما وصل الشريف مطر وعربه إلى حلب نزل في دار الحكومة فجلس على بساط فتح له على أرض البهو الذي يؤدي إليه الدرج الكبير ونزل عربه في صحن دار الحكومة وحفروا في الأرض نقراً أشعلوا فيها النار لطبخ قهوة البن يسقون منها الواردين على الشريف للسلام وعرض الاحترام.
ثم يصف ما جرى بعد ذلك إلى أن يصل إلى أحداث يوم الأحد فيتحدث عنها ثم عن أحداث يومي الاثنين والثلاثاء إلى أن يؤدي به الكلام إلى وصول الشريف ناصر فيقول:
الأمير ناصر من الأشراف الحسينية القاطنين في العوالي المجاورة للمدينة المنورة وحين قيام الشريف حسين على الأتراك كان الشريف ناصر وأسرته في جانب الشريف حسين فوكله حضرة الأمير الشريف فيصل في التأمر مكانه على حلب فوصل إليها يوم الأحد ثاني وعشرين من محرم الجاري ونزل ضيفاً كريماً في منزل أحد وجهاء حلب في محلة الجميلية وبعد أيام انتقل إلى دار خصوصية هيئت له في محلة العزيزية.
ثم يقول:
وبعد وصول الأمير ناصر بيومين أصدر أمره قبل كل شيء بأن يؤلف مجلس شورى ينتخب الدرك والشرطة أولاً ثم ينتخب موظفين لدوائر الحكومة. فتألف هذا المجلس من اثني عشر عضواً من وجهاء حلب في أيام الدولة التركية وقد انتخبوا واحداً منهم رئيساً عليهم وهو حضرة كامل باشا القدسي ثم شرعوا بانتخاب الموظفين فأحسنوا بتعيين بعضهم وأساؤوا في آخررين شبّوا ونشؤوا على ظلم الناس…
ثم يقول وهو يتحدث عن أحداث يوم الجمعة 27 المحرم:
حضر الأمير ناصر إلى الجامع الكبير بموكب حافل وصلى فيه صلاة الجمعة ودعا الخطيب لملك العرب الشريف حسين بالنصر والظفر. وبعد الفراغ من الصلاة أمر حضرة الشريف ناصر لخدمة الجامع بأربعين ذهباً إنكليزياً.
ويختفي بعد ذلك اسم الشريف ناصر من صفحات الكتاب وتتوالى فيها أسماء من تولوا الأمر في حلب من ولاة وحكام عسكريين. كما يبرز اسم الأمير فيصل في زيارته لحلب مرتين، إلى أن نصل إلى يوم الأربعاء 25 شوال فإذا باسم الشريف ناصر يبرز فجأة فيقول الغزي عن هذا اليوم: وصل الشريف ناصر إلى حلب قادماً عليها من دمشق فاستقبل بحفاوة ونزل في دار الإمارة وبعد أيام عاد إلى دمشق.
وبعد يومين من وصول الشريف ناصر إلى حلب في المرة الأولى بدأ بتشكيل حكومة حلب، فارتأى إنشاء مجلس شورى من وجهاء حلب يعهد إليه بالتعيينات الحكومية التي تبدأ أول ما تبدأ بتعيين قوى الأمن الداخلي من درك وشرطة. فأنشىء المجلس من اثني عشر عضواً انتخبوا رئيساً لهم كامل باشا القدسي.
وبدأت التعيينات، وتبدل الدول لم يبدل الذهنية، فلم يجر اختيار الموظفين على أساس اختيار الأصلح، فلا بدّ من الوساطات والتدخلات والأغراض الشخصية، فيقول الغزي: «فأحسنوا بتعيين بعضهم وأساؤوا في آخرين». ومن طريف ما يذكر الغزي: «بدأ الناس يتذمرون من الموظفين ومن قولهم: رح وتعال غداً وبعد غد، نظير ما كانوا يفعلون مع أصحاب الدولة الزائلة إذ كانوا يقولون لهم بالتركية بدل هذه الكلمات: «كت كل يارن أوبر كون».
فقال أحد المراجعين: «بدّلنا القلبق بالعقال وكيت وكال بروح وتعال»، والقلبق هو لباس الرأس المعمول من فرو الغنم وهو الذي كان يعتمره الأتراك.
وفي أول جمعة أتت والشريف ناصر في حلب، خرج بموكب حافل إلى الجامع الكبير فأدى الصلاة فيه، ودعا الخطيب لملك العرب الملك حسين بالنصر والظفر.
فكانت أول جمعة بعد قرون وقرون وقرون يدعى فيها على المنبر لملك عربي…
وبعد ذاك الكبت الطويل انطلقت النفوس بالأماني العربية، فاستولت مجموعة من شبان حلب على نادي جمعية الاتحاد والترقي بما فيه من أثاث وكتب، وسموه نادي العرب وأصدروا جريدة يومية سموها: العرب.
وبعد أيام وصل إلى حلب شكري باشا الأيوبي حاكم بيروت العسكري السابق، حاكماً عسكرياً لحلب. ثم وصل الأمير فيصل، وكانت حلب قد أرسلت وفداً لاستقباله في حماه، ثم أعدت له استقبالاً حافلاً على مقربة من حلب، فنزل في دار أعدت له في محلة العزيزية وأقبل الناس للسلام عليه.
وبعد يومين مضى في موكب مهيب إلى نادي العرب الذي كان غاصاً بالناس، فأعدت له فيه غرفة خاصة كان يتقبل فيها البيعة نيابة عن أبيه ملك العرب.
حتى هذا الوقت كان الأمل لا يزال قائماً بإقامة الدولة العربية الواحدة، ولم تكن هناك فكرة ملك سوري مستقل، وبالرغم من أن شيوعيي روسيا كانوا قد كشفوا معاهدة سايكس ـ بيكو قبل انتهاء الحرب، فإن نشوة النصر كانت تصرف النظر عن التفكير بما أعد للعرب من تمزيق لبلادهم واستعمارها.
فالأمير فيصل هنا يتلقى البيعة لملك العرب، لأنه لم يكن قد واجه بعد الحقائق المرة في مؤتمر فرساي، ولم تكن آماله قد تزعزعت فصار لا يطلب إلا استقلال سوريا، فلا يناله..
وبعد انتهاء المبايعة انتقل إلى صدر النادي فأخذ الشعراء والخطباء يتتابعون على المنبر، فلما انتهوا بدأ ـ وهو جالس ـ بارتجال خطب، فوقف الحاضرون إجلالاً وتعظيماً، فطلب إليهم الجلوس لأن كلامه سيطول. وتهيأ فريق من الكتّاب لتدوين ما يتكلم به، فحفظوا لنا بذلك صفحة من صفحات التاريخ العربي كان يجب حفظها.
وقد نشر الشيخ كامل الغزي في كتابه الخطاب كاملاً، ومن يقرأه يرَ فيه إعلان تخطيط لمسار الدولة العربية العتيدة، كان فيه فيصل موفقاً في التخطيط والعرض.
ومن أهم ما فيه هو اليقين بقيام دولة العرب الكبرى. فهو يقول فيما يقول في الخطاب:
«العرب أمم وشعوب مختلفة باختلاف الأقاليم، فالحلبي ليس كالحجازي والشامي ليس كاليماني، ولذا قرر والدي أن يجعل البلاد مناطق يطبق عليها قوانين خاصة بنسبة أطوار وأحوال أهلها».
ولا أحسب أنه كان بين مستمعي الخطاب من خطر له في تلك الساعة أن يردد قول الشاعر:
منى إن تكن حقاً تكن أحسن المنى
وإلاّ فقد عشنا بها زمناً رغدا
لأنه لم يكن هناك من لا يعتقد أنها منى حقاً!
ووصلت إلى حلب من دمشق وحمص وحماه وفود لتحية الأمير، وتوكيد الروابط بين أهل البلاد، فأقامت بلدية حلب لهذه الوفود مأدبة حاشدة خطب فيها الخطباء وأنشد الشعراء.
وبينما الأمير في هذا الجو المتألق بالآمال الكبار، وبينما هو في قمة الاطمئنان إذ تلقى برقية من والده يطلب إليه الإسراع في السفر إلى باريس ليمثل العرب في مؤتمر المنتصرين في الحرب…
ولم يكن يدور في خلد الأمير وهو يقرأ البرقية أنها في حقيقتها فاصلة بين ماضٍ مشع بالحبور والأمل ومستقبل قاتم بالغم واليأس!
ولم يكن يخطر له أنها تقتلعه من بين جمهور يندفع به إلى الذروات الطامحة في الوصول إلى المجد العربي المتجدد، لترمي به في أيدي جمهور يتكالب عليه ليرمي به وبأمته في قيعان الهوان!
لا شكّ أن فيصلاً ـ وقد قرأ البرقية ـ قد استشعر منتهى الغبطة، فها هو وقد قاد العرب إلى النصر في ميادين القتال، سيقودهم إلى التحول من أسوأ حال إلى أحسن حال، من حال التفرقة والإذلال إلى حال الوحدة والاستقلال!
هناك على المنبر الأممي سيعلي صوت العرب بين الأمم، ومن المجلس الدولي سيعود بقرار فتح باب المسيرة العربية الاستقلالية الكبرى! وتقدرون فتضحك الأقدار!
ومن حلب تقدمت قوة عربية إلى أنطاكية فاحتلتها.
الجنرال اللنبي في حلب
الجنرال اللنبي كان هو القائد العام للجيوش الإنكليزية والعربية والفرنسية، وكانت هذه الجيوش التي دخلت بيروت ودمشق وحلب وما إليها بإمرته، وهو صاحب السلطة الإدارية المطلقة في جميع الأراضي المحتلة وقد جاء حلب زائراً متفقداً مستطلعاً، فكان في استقباله في محطة القطار الشريف ناصر قائد جيش الشمال، وشكري باشا الأيوبي الحاكم العسكري وبعض الرجال العسكريين.
وفي اليوم الثاني مضى إلى دار الحكومة ماشياً بين صفين من العساكر الهنود ممتدين من الدار التي نزل بها في محلة العزيزية إلى دار الحكومة، في طريق مفروش كله بالرمل. وعند قوس النصر المنصوب له في العزيزية توقف قليلاً فتقدم منه رئيس البلدية وقدم له مفتاح المدينة ورغيفاً من الخبز وشيئاً من الملح، فلمس المفتاح واقتطع قطعة من الرغيف أكلها مع قليل من الملح، ورفع يده بالتحية متوجهاً إلى دار الحكومة، ولما وصلها أدت له التحية ثلة من الجنود العربية وعزفت الموسيقى. وجلس في المكان المعد له، فدخل عليه العلماء ورجال الدين والأعيان والوجهاء والموظفون يحيونه. ثم خرج إلى رأس درج السراي وخطب هناك خطاب مجاملة مع إشارات سياسية.
ثم نزل مشيعاً من الشريف ناصر وشكري باشا وجال على الأماكن الأثرية والأسواق الشعبية. وفي المساء استقل القطار عائداً من حيث أتى([251]).
كما زار حلب الحاكم العسكري العام رضا باشا الركابي للإشراف على سير الأمور وتنظيم الدوائر. ثم قدمها رضا الصلح المعين والياً عليها مع بقاء شكري الأيوبي حاكماً عسكرياً.
شاهد للأحداث
رؤوف البحراني من الشبان العراقيين الذين جنّدوا عند إعلان الحرب العالمية في الجيش العثماني ضباطاً. بعد انتهاء الحرب وقيام الحكم الوطني في العراق صار وزيراً للمالية.
وقد دوّن خلال وجوده ضابطاً مذكرات عن سير القتال الذي ساهم فيه، فقد أُلحق أول الأمر بالجيش المسؤول عن حماية العراق من الهجمات المتوقعة عليه من القوات الروسية من الشرق، والقوات الإنكليزية من الجنوب.
وكان هذا الجيش بقيادة القائد الألماني: الفيلد مرشال «فون دركولتز، قوليج باشا([252])، وقد أضيف إلى اسمه الألماني لقب باشا إشعاراً بأنه قائد جيش عثماني، واشتهر في العراق باسم قوليج باشا وقد رأينا أن نأخذ بعض ما دوّنه باعتباره شاهداً للأحداث التي انتهت بانهيار الجيش العثماني ودخول الجيش العربي دمشق، شاهداً لها في الجيش العثماني، ما يوضح جوانب من تلك الأحداث.
يقول رؤوف البحراني بأنه أُلحق بالقطعات المقيمة على حدود إيران من جهة خانقين وقصر شيرين وانتمى إلى الفرقة المرابطة داخل إيران في سفح جبال كرند على طريق بغداد ـ كرمنشاه للوقوف بوجه الجيش الروسي المتوغل في إيران إذا حاول الزحف عن هذا الطريق إلى العراق.
وقد وقفت القوى الروسية والقوى العثمانية متقابلتين عند هذا الخط في جبهة هادئة حتى 17 نيسان/ أبريل سنة 1916م حيث بدأت الاشتباكات فتراجعت القوات العثمانية منهوكة إلى قصر شيرين، واستمر التراجع إلى خانقين وفي 1 أيار/ مايو 1916م كان الروس يحاصرون خانقين، ثم جاء مدد من بغداد وفك حصار خانقين، ثم توغل العثمانيون في إيران وفي 23 حزيران/ يونيو كانوا على مشارف كرمنشاه ثم أصبحت بتصرفهم. ثم تقدموا في 22 تموز/ يوليو إلى همذان وفي 10 آب/ أغسطس كانوا يحتلونها، واستقر الروس المنهزمون في قزوين.
وفي الحين الذي كان العثمانيون يتقدمون في إيران مواجهين الروس المنهزمين أمامهم، كانوا غافلين عن جبهة دجلة التي يواجههم فيها الإنكليز، ولم يتنبه خليل باشا لذلك إلاّ بعد فوات الأوان وانهدام هذه الجبهة فأبرق في 23 شباط/ فبراير طالباً سحب بعض القوى من إيران إلى العراق، ثم في 26 منه أبرق آمراً بالانسحاب نهائياً من إيران بأقصى السرعة، واصفاً البرقية بأنها مهمة مستعجلة للغاية وأن تأخيرها دقيقة واحدة يقضي بإعدام المتسبب. وكان نص البرقية الموجهة إلى علي إحسان باشا قائد جبهة إيران: «اقطعوا التماس مع الروس فوراً وتحركوا بجميع قواتكم بالسرعة التامة إلى خانقين. امحوا جميع المواد غير الضرورية ولا تضيعوا وقتاً في نقلها».
فأجابه علي إحسان: «طريق أسد آباد مقطوع بالثلوج. سأبذل جهدي في فتحه والمسير نحو بغداد» ولكن الوقت كان قد فات.
بدأت القوات العثمانية بالانسحاب من إيران مساء 26 شباط/ فبراير 1917م بعد إقامة ستة أشهر فيها، على أمل الاشتراك في الدفاع عن بغداد.
وكان الروس يلاحقون العثمانيين فيشتبك القتال بينهما أحياناً وبوصول العثمانيين إلى خانقين في 13 آذار/ مارس علموا بسقوط بغداد في أيدي الإنكليز. فتوجهوا إلى شمال العراق مصطدمين بالإنكليز في معارك دامية، وما زالوا في سيرهم حتى وصلوا مدينة السليمانية محاولين حمايتها من تقدم الروس إليها فوصلوها في 26 أيار/ مايو 1917م ثم تركوها إلى الجبهة التي تبعد عنها مسيرة أربعة أيام.
ولما لم يكن من غرضنا في هذا الكتاب تسجيل أخبار الحرب في تلك النواحي، وإنما السير مع رؤوف البحراني حتى دمشق لارتباط ذلك فيما نحن فيه من تسجيل تاريخ بلاد الشام في تلك الفترة..
لذلك فإننا نترك أخبار الجيش العثماني عند جبهته وراء السليمانية ونتبع رؤوف البحراني الذي يقول إنه نقل إلى مكان آخر فوصل الموصل في 16 حزيران/ يونيو سنة 1918م ثم غادر في 18 حزيران/ يونيو إلى حلب ثم غادر حلب في 30 منه إلى منطقة أزمير وفي الطريق إليها بلغهم في 4 تموز/ يوليو خبر وفاة السلطان محمد رشاد، وفي 12 تموز/ يوليو وصل إلى مدينة (منمن) حيث مقر الفرقة المنقول إليها وفي 24 آب/ أغسطس عرف أن الفرقة التي ينتمي إليها قد أُمرت بالسفر إلى جبهة القتال في فلسطين.
وهنا نصبح في صميم تاريخ بلاد الشام (1918 ـ 1920م) الذي هو موضوع كتابنا، يقصه علينا ضابط عربي شهد أحداثه بنفسه فسجلها بقلمه، وهذا من أنفس المصادر في تاريخ تلك الحقبة.
في 26 آب/ أغسطس 1918م تحرك القطار بالجيش المنقول إلى جبهة فلسطين فوصل إلى حلب مساء الخامس من أيلول/ سبتمبر وبعد ظهر السادس منه اتجه إلى دمشق وتوقف في رياق فنزلت القطعات العسكرية فيها لتوزع حسب حاجة الجبهات، وأقامت معسكراً ظلت فيه أياماً. وفي مساء 11 أيلول/ سبتمبر تحركت في القطار نحو دمشق فلم تلبث فيها أكثر من ساعتين حيث تابعت السير إلى درعا حيث أمضت فيها ليلة، وفي ضحى 13 منه وصلت إلى عمان حيث عليها أن تعد جبهة لحماية الخط الحديدي من عمان إلى درعا فتوزعت على المحطات الصغرى المهددة من الجيش العربي والجيش الإنكليزي، وأقام من أقام في عمان حيث كانت تغاديهم الطائرات البريطانية بمقذوفاتها وتراوحهم.
وفي 16 أيلول/ سبتمبر 1918م كانت مهمة البحراني ومفرزته حماية جسر (نصيب) الذي وجدوه مدمراً تدميراً كاملاً مما جعل خط تموينهم وإمدادهم مقطوعاً وأدى إلى انهيار معنويات الجيش لا سيّما القادة الذين صاروا يشعرون أن بقاءهم في هذه البلاد على وشك الانتهاء.
ويقول: وبقينا عدة أيام مرابطين حول الجسور للحفاظ عليها مع توقعنا التام انهيار جبهتنا الحربية في فلسطين بين حين وآخر للانتصارات التي أحرزها الحلفاء في أوروبا وفي العراق… وفي 20 أيلول/ سبتمبر بلغنا أن الجيش الرابع الذي ننتسب إليه قد انسحب من الجبهة وأن قوافل أثقاله ومعداته ومؤنه اتجهت في انسحابها إلى (المفرق) لتسفيرها إلى دمشق وأن قطعاتنا المرابطة في جبهة فلسطين غدت في انسحابها كالهاربة وفي أسوأ حالة وأن القائد التركي في (معان) نظيف بك ومعه قواته قد وقعوا أسرى في كمين عربي أعد لهم.
وتابعت الطائرات البريطانية شنّ حملاتها المتلاحقة على تجمعات جيشنا وأثقاله ومؤنه في المفرق فأمطرتها بوابل من قنابلها ومزقتها شرّ ممزق، بحيث توارى العديد من أفراد الجيش للنجاة بأنفسهم. ومع ذلك لم يعطنا آمر فوجنا أمراً بالانسحاب إلى درعا إلاّ في اليوم التالي 21 أيلول/ سبتمبر بعد تأكده من انسحاب كافة القطعات وتلقية أمراً من قائد الفيلق الثامن بالانسحاب، بحيث نبقى مؤخرة حامية للجيش ولمشاغلة تقدم العدو.
أما القطعات التي سبقتنا في الانسحاب إلى درعا باتجاه دمشق فقد عاثت في المناطق التي مرّت بها وهي في أسوأ حالة هستيرية وبدرجة من التفكك وانهيار المعنوية والتبعثر في السير وعدم الانتظام في الانسحاب. بينما أمرنا قائد فيلقنا بالالتزام بمنتهى الحزم وضبط النفس. وحسب أمره تمّ انسحابنا إلى درعا بكل انتظام.
عند وصولنا إلى درعا مساء 21 أيلول/ سبتمبر وجدناها تموج بالأفواج المنسحبة وكلها في حالة تعب وانهيار ملحوظين والجنود قد هدهم الإعياء من فرط الإرهاق والسهر والسير المستمر. وحتى القادة كانوا في منتهى الاضطراب والانهيار، ولم يكن لديهم منهاج مبين لخط القتال القادم ليمكن الانسحاب إليه ولا أمل بتشكيل جبهة جديدة للقتال. وقد تردت بنا الأحوال وانفرط عقد الجيش التركي وأخذ الضباط العرب لا سيّما أبناء المنطقة كل يفرّ إلى بلدته أو يختبىء في أحد المنازل أو يستبدل ألبسته العسكرية بألبسة بدوية مهلهلة وفي زي مزارع أو راعٍ ويسرع هائماً للنجاة بنفسه في تلك البقاع وبقيتُ الضباط العربي الوحيد في فوجي بعد أن كنا مجموعة مؤتلفة متعاضدة، واستحال الناس من أبناء القرى وأهالي المنطقة إلى ضياع، كل يريد الانتقام من أي تركي يلقاه أو يراه، حتى لو كان عربياً في زي تركي لشدة غيظهم مما تحملوه من ظلمهم وقسوتهم، ويريدون الآن الثأر منا نحن صغار الضباط والجنود، فكانت نيرانهم تطلق علينا اعتباطاً من كل حدب وصوب…
إلى أن يقول: والمسلحون من الأهالي على رؤوس الجبال ومرتفعات القرى والأرياف يترصدون فصائل الأتراك المنسحبة للانقضاض عليها وسلبها لكل ما يملكون، وكل منهم يمني نفسه بالحصول على مبتغاه من بندقية أو مسدس أو ألبسة بما فيها من نقود. وحتى الضباط والجنود العرب العاملون لدى الأتراك غدوا عرضة لمثل هذه الهجمات من أبناء جلدتهم…
إلى أن يقول:
وعند وصولنا إلى (أزرع) علمنا أن الفوضى والاضطرابات قد عمّت أطراف مدينة دمشق، وكان فوجنا يسير نحوها على غير هدى في تلك الليلة العكرة، وأمضينا الليل بين أودية (الكسوة) الوعرة وكل منا قد أنهكه التعب والأرق، وكل يبحث مع نفسه عن سبيل للفرار من هذا المأزق، حيث لا نعلم إلى أين نسير، وكيف سينتهي بنا المصير، فقد كانت من أسوأ ليالي العمر.
وفي 25 أيلول/ سبتمبر 1918م تحركنا من الكسوة صباحاً ونحن لا نزيد عن مائة وخمسين بين ضابط وجندي بقيادة أكبر الضباط رتبة عن طريق الغوطة. لاحظنا أهالي الأرياف في غاية الابتهاج والسرور، فطلبت من بعض إخواننا من أهالي حلب ممن بقي في معيتي الذهاب إليهم واستطلاع الأخبار عما هناك وعن سرّ فرحتهم هذه، وعن حالة من تقدم من جيشنا المنسحب، فاتضح أن خيالة الجيش العربي قد دخلت دمشق من جهة، وأن خيالة الجيش البريطاني قد دخلت بعدها من جهة ثانية، وأن الجيش العثماني قد انسحب من دمشق إلى بعلبك وكان وراءه معظم أسلحته الثقيلة ولوازمه العسكرية، وأن حكومة عربية قد تشكلت في دمشق وأن العلم العربي ارتفع على دار الحكومة، ولذلك يفرحون.
وبعد أن يصف وضع من معه من الجنود والضباط وموقف الأهلين منهم وكيف أصبح هو وسيطهم عند الأهلين، المحاول دفع الأذى عنهم لأنه كان الضابط العربي الوحيد بينهم، يقول إنه طلب إليهم أن يتخلوا عن أسلحتهم بانتظار المصير الغامض فامتثلوا للطلب.
ثم بلغه أن نوري الشعلان شيخ قبيلة (الرْوَلة) أصبح قريباً من موقعهم الذين هم فيه فذهب إليه وقصّ عليه قصة من معه وسأله الرفق بهم. فأرسل نوري معه من تسلم الأسلحة، وقال له أن يعود ليدخل دمشق معه راكباً حصانه.
وهكذا فقد مضى البحراني مع نوري فارساً في موكب نوري ووراءهما الأسرى ضباطاً وجنوداً يسيرون مشاة محفوفين برجال الشعلان. وبوصولهم إلى دمشق سلموا الأسرى إلى حيث كان يُجمع جميع الأسرى.
وهكذا شاءت تصاريف القدر أن تنقل البحراني في ساعات من ضابط في جيش مكسور إلى فارس يدخل دمشق فاتحاً.
يقول البحراني: كان اليوم الثالث من تشرين الأول/ أكتوبر سنة 1918م آخر يوم لي مع الجيش التركي، فقد انفصلت عنهم نهائياً وعن مراجعة الأسرى في مقرهم لأن القائد العام البريطاني أمر بنقلهم في الحال إلى فلسطين ومنها إلى مصر أو إلى ثكنهم في سيناء.
ويتطرق البحراني إلى جانب من الحياة الاجتماعية في دمشق يومذاك قائلاً:
وبدأنا نتجول بحرية تامة في منتزهات دمشق ومغانيها ونتمتع بمرابعها الجميلة ما وسعنا المجال، بحيث استوفينا منها خلال أسبوع من إقامتنا فيها أوفر نصيب ممكن ترتاح إليه النفس، بالإضافة إلى الدعوات العامرة التي تتابعت علينا والموائد اللذيذة الفاخرة التي دعينا إليها من أشراف دمشق وسراتها، وغيرها من موارد التكريم ومباعث الترفيه خلال لياليها الحلوة مما أعادت إلينا ما فقدناه من صحتنا خلال سنوات الحرب وما تجرعناه من تعب ومشاق وحرمان وإرهاق. فقد ذقنا في هذا البلدة الطيبة لذة الأكل المريء والنوم الهنيء والحياة الحرة الكريمة والارتياح البالغ لتحقيق أحلامنا القديمة وغاياتنا المنشودة التي تحققت في هذه الربوع.
لقد شاهدنا الصحف العربية الحرة طافحة بالمقالات الرائعة عن انبثاق الفجر الجديد وتحقيق أملنا السعيد بتشكيل الحكومة العربية المبشرة بقرب استعادة العرب لأمجادهم السابقة، وقرأنا على صفحاتها عناوين: (التاريخ يعيد نفسه) و(العرب يسترجعون دمشق) إلى غيرها من المقالات..
إلى أن يقول: قرأت صباح يوم 10 تشرين الأول/ أكتوبر سنة 1918م إعلاناً في الصحف من إدارة الميرة في الجيش العربي يطلب من جميع الضباط العرب المقيمين في دمشق ممن يرغبون الالتحاق بالجيش العربي أن يسجلوا أسماءهم وعناوينهم في القسم الذاتي من إدارة هذا الجيش.
وقد تألف ديوان (مجلس الشورى الحر بي) وعهد برئاسته إلى ياسين الهاشمي. ويقول البحراني: بعد قراءتي للإعلان المنوّه عنه أسرعت وبعض الإخوة إلى تسجيل أسمائنا في القسم المذكور.
ونواصل أخذ ما سجله البحراني لنرى كيف تصرف الحكم العربي في أول انبعاث له بعد تلك القرون الطويلة. يقول:
وخلال يومي السبت والأحد 12 و13 تشرين الأول/ أكتوبر تمّ تسجيل معظم الضباط العرب في الدائرة المذكورة للجيش العربي، وتمّ فعلاً تشكيل اللواء الثاني بدمشق.
وفي 15 تشرين الأول/ أكتوبر 1918م باشرت عملي فيما أنيط إليَّ. وفي 3 كانون الأول/ ديسمبر تلقيت أمراً بنقلي مع ضباط الفوجين الثاني والثالث من لوائنا إلى عمان وفي اليوم التالي 4 كانون الأول/ ديسمبر بارحت الشام متوجهاً إلى قضاء عمان في قطار عسكري يحمل ضباط هذين الفوجين المنقولين إليها.
وصلنا درعا صباح يوم 7 كانون الأول/ ديسمبر بعد أن أمضينا ثلاثة أيام ونحن في هذا القطار المتثاقل في سيره بسبب تعطب خطوط السكك إلى عمان واشتغالهم بتعمير الجسور المنسوفة خلال الحرب فاضطررنا إلى البقاء أسبوعاً كاملاً فيها طويناه بمنتهى الجزع إلى ما نحتاج إليه من الضروريات المفقودة هنا، إلى جانب شدة البرد وحدة الرياح العاتية من كل جانب دون أن نستعد لها بما يلزم.
وصلنا عمان في 15 كانون الأول/ ديسمبر…
إلى آخر ما تحدث به… ولم يلبث طويلاً في عمان، بل استجاز في السفر إلى العراق لرؤية أهله، فسافر وظل في العراق.
تقسيم البلاد
انتهى الأمر في بلاد الشام إلى تقسيمها بين فرنسا وإنكلترا، فاستولت إنكلترا على فلسطين، واستولت فرنسا على الساحل من صور إلى ما وراء الإسكندرونة.
وبقي الداخل وهو: دمشق وحلب وحمص وحماه وبعلبك والكرك والصلت وعمان وحوران وما إليها، مستقلاً بإدارة الأمير فيصل، عملاً بمعاهدة سايكس ـ بيكو التي عقدت في 9 أيار/ مايو سنة 1916م.
معاهدة سايكس ـ بيكو
ونضع أمام القارىء هنا بحثاً كتبه إبراهيم عبدالكريم عن هذه المعاهدة وتطوراتها وآثارها:
جرى اعتماد «الحدود الدولية» في الاتفاقيات السياسية التي توصلت إليها إسرائيل مع كل من مصر (1979م) ولبنان (1983م وألغيت 1984م) والأردن (1994م)، بيد أن «الحالة السورية» تشكل استثناء للتكرار الذي تحاول إسرائيل أن تجعل منه قاعدة، بقبولها الانسحاب من الجولان إلى «الحدود الدولية» حيث تتمسك سوريا بمطلب انسحاب إسرائيل الكامل من الجولان إلى حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967م.
لدى خبراء تخطيط الحدود، ثمة تقسيمات ومفاهيم للحدود وهويتها ووظيفتها استناداً إلى اعتبارات متعددة (طبيعية ـ عرقية ـ اقتصادية ـ استراتيجية ـ تاريخية ـ دينية ـ براغماتية… إلخ). وفي المشكلة المطروحة بين سوريا وإسرائيل، ثمة حضور لمعظم هذه الاعتبارات، إلى جانب المعطيات السياسية في الماضي والحاضر.
ما هي الفوارق بين «الحدود الدولية» وحدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967م؟! وقبل ذلك، ماذا عن الحدود بين فلسطين وسوريا، تاريخياً، وحسب التصورات الصهيونية؟! وكيف تبدو طبيعة وأبعاد مشكلة الحدود (مشكلة الانسحاب) القائمة حالياً بين سوريا وإسرائيل؟!
ففي العهد العثماني، وكمثال، إبان إمارة فخر الدين المعني الثاني (1585 ـ 1635م)، كانت منطقة الجليل الفلسطينية وبحيرتا طبريا والحولة وبانياس تقع جميعها ضمن هذه الإمارة التي امتدت جنوباً شاملة حيفا وبيسان. أما في عهد ظاهر العمر الزيداني (ت1775م) فحافظت الإمارة على حدودها الجنوبية والجنوبية الشرقية، لكن حدودها الشمالية امتدت من شمال الحولة وصولاً إلى منطقة صور على البحر المتوسط.
وفي التقسيمات الإدارية العثمانية حتى الحرب العالمية الأولى، كانت منطقة الجولان تقع ضمن ولاية دمشق. وقد سارت حدود الولاية هناك مع الضفة الغربية لنهر الأردن، وشملت داخلها منابع هذا النهر وبحيرة الحولة، وبعد ذلك تدخل الحدود بحيرة طبريا لتسير في وسطها ثم تخرج منها وتسير مع الضفة الغربية لنهر الأردن تاركة إياه ضمن ولاية سوريا. بينما كانت منطقة الجليل ضمن ولاية بيروت. ومرة أخرى ظلت صفة «الإدارية» تنطبق على الحدود بين هاتين الولايتين.
على جانبي الحدود الإدارية بين سوريا وفلسطين، استمرت حالة التجانس في مختلف المجالات. وكانت غالبية التفاعلات الاجتماعية تتم في إطار موحد من التاريخ والجغرافيا. ولم تظهر مسألة الحدود السياسية إلاّ مع بدء الاستعمارين الفرنسي والبريطاني لسوريا وفلسطين في التاريخ الحديث. فكيف حدث هذا؟!
خلال الحرب العالمية الأولى، عملت بريطانيا وفرنسا على اقتسام أقطار المشرق العربي التي اعتبرت «تركة الرجل المريض». وتضمنت اتفاقية سايكس ـ بيكو (1916م) أسس هذا الاقتسام الذي أملته عوامل متنوعة (جغرافية ـ اقتصادية ـ عسكرية ـ سياسية… إلخ) وترك تطبيقه إلى مرحلة ما بعد هزيمة تركيا في الحرب.
اعتبرت بريطانيا أن مصلحتها تقتضي أن تكون فلسطين والجولان ضمن المناطق الخاضعة لسيطرتها. لكن المفاوضات أسفرت عن تقاسم المنطقة مع فرنسا، بحيث مرت خطوط سايكس ـ بيكو بين الجولان والجليل على النحو التالي:
1 ـ منطقة الجولان بكاملها، على امتداد نهر بانياس والأردن وكامل بحيرتي الحولة وطبريا ضمن رقعة الدولة العربية (المنطقة أ) التي ستخضع للحماية الفرنسية.
2 ـ منطقة الجليل الأعلى، من ناقورة عكا باتجاه الشاطىء الشمالي الغربي لبحيرة طبريا ضمن المنطقة الفرنسية (الزرقاء) التي تشمل أيضاً لبنان.
3 ـ جيب عند منطقة عكا وخليج حيفا ومحيطه تحت السيطرة البريطانية.
4 ـ الجليل الأسفل ومنطقة بيسان والضفة الغربية حتى الخط الواصل من غزة إلى منتصف الشاطىء الغربي للبحر الميت، تقريباً، شكلت المنطقة الدولية (السمراء) التي تتم إدارتها بإشراف بريطاني ـ فرنسي روسي مشترك.
كانت خارطة سايكس ـ بيكو بمقياس رسم صغير، ورسمت خطوط الاقتسام بطريقة تقريبية، الأمر الذي جعل مساحات واسعة نسبياً على الأرض دون حسم لمسألة تبعيتها. وكان ذلك نابعاً من أن اتفاقية سايكس ـ بيكو عُنيت بتحديد أسس ومبادىء للمستقبل. ويمكن القول إن أجزاء كبيرة من الحدود السورية ـ الفلسطينية آنذاك كانت ضمن تلك المساحات التي ظلت تبعيتها غير معروفة تماماً.
بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، ووقوع معظم فلسطين تحت الاحتلال البريطاني، بدأ البريطانيون بإحداث تغييرات على إتفاقية سايكس ـ بيكو، فأصبحت حدود المنطقة المحتلة من الجليل تمتد من نقطة إلى الشمال من عكا حتى الساحل الجنوبي لبحيرة الحولة، بشكل يشذّ عن الاتفاقية. وفي خريف 1918م انتزع الجيش البريطاني منطقة الجولان من أيدي الأتراك، وشكّل فيها إدارة عسكرية مؤقتة تطابقت بعض حدودها مع حدود اتفاقية سايكس ـ بيكو. وبعد انسحاب القوات البريطانية من سوريا إلى فلسطين (بموجب اتفاقية لويد ـ كليمنصو 15/9/1919م) أصبح خط الحدود الشمالي لفلسطين يمتد من رأس الناقورة إلى شمال بحيرة طبريا التي تمّ إدخالها بكاملها ضمن فلسطين. وهكذا أعطت الاتفاقية منطقة الجولان للفرنسيين، واستمر التنفيذ العملي لنقل الأراضي إلى الجيش الفرنسي، وانتهى هذا التنفيذ في نهاية العام ذاته.
في كانون الأول/ ديسمبر 1919م بدأت محادثات رسمية بين بريطانيا وفرنسا حول مستقبل المنطقة. وطرح المندوب الفرنسي فيليب برتلو (المدير العام لوزارة الخارجية الفرنسية) اقتراحاً وسطاً لخط حدود بين مطلب بريطانيا (الليطاني ـ حرمون ـ سكة حديد الحجاز) وبين اتفاقية سايكس ـ بيكو. وكان الخط المقترح يشطر الجولان طولانياً من الشمال إلى الجنوب بشكل مستقيم من قمة حرمون حتى نهر اليرموك على بعد 6 ـ 10كلم من نهر الأردن وبحيرة طبريا. وقد رأى المندوب البريطاني هاردينغ أوف بنشورات خط برتلو خطاً معتدلاً، وبدا وكأن هذا الخط سينال الموافقة. لكن البريطانيين ما لبثوا أن رفضوا الخط المقترح لأنهم يريدون كل الجولان وكل شمالي فلسطين. وفي حزيران/ يونيو 1920م، بعد تغيير الحكومة في فرنسا، تراجع الفرنسيون بدورهم عن العرض الذي قدموه، واقترحوا خطاً إلى الغرب من سابقه، وهو خط مستقيم من بانياس إلى الشاطىء الشمالي الشرقي لبحيرة طبريا. وأصروا على هذا الخط الجديد الذي أبقى فقط 5كلم من الجولان ضمن حدود فلسطين، لكنه ضمّ إلى المنطقة الفرنسية جزءًا من بحيرة طبريا.
وبعد معاهدة سان ريمو (24/4/1920م) التي نصت إحدى موادها على تخطيط الحدود بين منطقتي السيطرة البريطانية والفرنسية، ابتدأت المفاوضات بين الحكومتين (في أوائل تموز/ يوليو 1920م، أي قبل معركة ميسلون في 24/7/1920م ودخول الفرنسيين دمشق). واتفق الطرفان على أن لا تتعدى الحدود الشرقية لفلسطين نهر الأردن، وتمّ التوصل في الأسبوع الأخير من تشرين الأول/ أكتوبر 1920م إلى وضع حدود مؤقتة ريثما توضع الاتفاقية النهائية. وقد ابتدأ خط الحدود الجديد من الناقورة غرباً متجهاً باستقامة شرقاً حتى نقطة على مقربة من بحيرة الحولة التي تدخل ضمن فلسطين، ثم يتجه شمالاً حتى نهر الحاصباني، ثم شرقاً حتى بانياس وبركة رام، ثم ينزل جنوباً بخط مستقيم ليقسم بحيرة طبريا حتى سمخ، وبذلك يكون سهل البطيحة لسوريا. وإما مصب نهر الأردن في بحيرة طبريا ومخرجه منها ومدينة سمخ فهي لفلسطين.
بعد أن تمكنت بريطانيا من القضاء على ثورة العراق في تشرين الثاني/ نوفمبر 1920م، فتحت باب المفاوضات مجدداً مع فرنسا لتعيين خط الحدود بين منطقتي انتدابهما وفق مقررات سان ريمو. فعينت الحكومة البريطانية اللورد هاردينغ أوف بنشورات، وعينت الحكومة الفرنسية المسيو ليغس ليحلا جميع الأمور التي لها علاقة بالانتداب الذي منح لبريطانيا على فلسطين والعراق ولفرنسا على سوريا ولبنان. واجتمع المندوبان في باريس عدة مرات، ثم وقّعا نيابة عن حكومتيهما معاهدة الحدود في 23/12/1920م.
أبقت هذه المعاهدة جزءًا كبيراً من أراضي الجولان (بدون القنيطرة) في يد بريطانيا، وكان إلحاق هذه الأراضي بفلسطين الأول من نوعه ضمن مساعي تطبيق التوجهات البريطانية. وقد اعتمد خط الإلحاق هذا على معرفة كبيرة بطبيعة المنطقة وطبوغرافيتها، فكان مسار الحدود طبيعياً وليس هندسياً. وحسب المادة الأولى من الاتفاقية، يبدأ الحد السياسي الفاصل بين المناطق البريطانية والفرنسية على الحدود الفلسطينية ـ السورية من بلدة سمخ الواقعة على بحيرة طبريا، بحيث يكون الحد السياسي واقعاً إلى جنوب خط سكة الحديد المتجهة صوب البحيرة وموازياً له. وسوف يعين الحد الثابت عند سمخ بطريقة تسمح للطرفين المتعاقدين بأن يقيما مرفأ ومحطة سكة حديد تسهل الوصول الحر إلى بحيرة طبريا. ومن سمخ يمر الحد في وسط بحيرة طبريا متجهاً إلى مصب وادي المسعدية، ومن هناك يتبع الحد مجرى هذا النهر نحو مجراه الأعلى، وبعد ذلك في وادي جرابا (وادي حوا) حتى منبعه. ومن هذه النقطة سيصل الحد إلى منطقة تعرف باسم سكيك وتقع على الطريق المتجه من القنيطرة إلى بانياس (ويبقى هذا الطريق ضمن المنطقة الفرنسية). ثم يتجه الحد غرباً حتى المطلة التي ستبقى ضمن نطاق فلسطين. وسوف يُعين هذا الحد بالتفصيل بطريقة تضمن للمنطقة الواقعة تحت الانتداب الفرنسي سهولة الاتصال بين مراكزها الداخلية وإقليم صور وصيدا، استمراراً لحركة الطريق إلى الغرب وإلى الشرق من بانياس.
كما هو واضح، فضلاً عن ضم قسم كبير نسبياً من الجولان، نجحت بريطانيا في جعل نحو ثلثي بحيرة طبريا ضمن حدود فلسطين. وخلافاً لما جرى بشأن بحيرة طبريا، فقد أدخلت بحيرة الحولة بكاملها ضمن فلسطين، على الرغم من وقوعها في منطقة حدودية طبيعية بين سوريا وفلسطين. كما أدخلت المعاهدة جزء نهر الأردن بين البحيرتين بكامله ضمن فلسطين. وحسب مناقشة وتحليل د.. محمود الديب (المتخصص في الجغرافيا السياسية) فإن ثمة ثلاثة أوضاع محتملة للحد السياسي الموازي للنهر، هي:
ـ إما أن يسير الحد مع إحدى ضفتي النهر ليجعله كله ضمن دولة واحدة، وبهذا يلحق إجحاف بحق الدولة الأخرى التي تُستبعد من المشاركة بالنهر وحرمانها من الاستفادة بمياهه. وهذا ما جرى لدى جعل نهر الأردن ضمن فلسطين.
ـ وأما أن يتفق الحد السياسي مع الخط الأوسط للنهر، أي الخط الذي يصل كل النقاط التي تقع على مسافات متساوية من كلا الشاطئين.
ـ أو يتفق الحد السياسي مع وسط المجرى الملاحي للنهر، وهذا أفضل أنواع الحدود النهرية، لأنه يتيح الفرصة للدولتين الاستفادة من النهر في الملاحة وتوليد الكهرباء والصيد والري والشرب… ومعروف أن الخط الملاحي يشتمل على أعمق الأجزاء فيه، وفي كثير من الأحيان لا يتفق مع الخط الأوسط للنهر. ومما يذكر أن نهر الأردن بين بحيرتي طبريا والحولة صالح للملاحة، الأمر الذي يعني أن الحد السياسي بين سوريا وفلسطين كان يجب أن يسير في هذا القطاع مع وسط المجرى الملاحي، عملاً بتوصيات الاتفاقيات الدولية. ولكن لم يؤخذ بهذه التوصيات في حالة نهر الأردن وسار الحد مع ضفته الشرقية.
ويشار هنا إلى أن الحدود السياسية بين سوريا وفلسطين في معاهدة باريس بين بريطانيا وفرنسا (1920م) اختلفت عما كان عليه الحال في اتفاقية سايكس ـ بيكو (1916م) حيث تمّ توسيع حدود فلسطين على حساب منطقة الجولان. ونقدر أن السبب الرئيسي في هذا الزحف البريطاني نحو الشرق، يكمن في الاستجابة البريطانية لمطلب الصهيونيين، الذين كانوا يشددون على جعل نهر الأردن ومصادره ضمن فلسطين التي كانت النية البريطانية ـ الصهيونية لتحويلها إلى دولة يهودية، منذ مرحلة وعد بلفور (1917م).
بموجب المادة الثانية من معاهدة باريس (1920م) بين بريطانيا وفرنسا بشأن الحدود بين سوريا وفلسطين، تألفت لجنة فنية مهمتها الرئيسية تعيين الحدود السياسية الواردة في المعاهدة على الطبيعة، ووصف مسار أجزائها بالتفصيل ورسم الخرائط اللازمة. وأعطيت اللجنة صلاحيات كبيرة تخولها إجراء تعديلات حدودية حيث يلزم الأمر، وبطريقة تلبي مصالح الطرفين. وقد ترأس الجانب البريطاني في هذه اللجنة لفتنانت كولونيل س.نيوكمب وترأس الجانب الفرنسي ليوتنان كولونيل ن.بوليه.
درست لجنة نيو كمب ـ بوليه موضوع الحدود المرسومة في معادة 1920م، وقامت بجولات ميدانية، وأحاطت بتفاصيل كثيرة، وتوقفت عند كل جزء من أجزاء خط الحدود، وتحرت مسائل السكان والمياه والمواصلات والاحتياجات الأمنية وملكية الأراضي وغير ذلك. ووضعت اللجنة لنفسها عدة مبادىء أولية ناظمة لعملها، أبرزها: ربط الحدود قدر المستطاع بالمواقع الطبيعية التي تظهر على الأرض بوضوح، وعدم فصل القرى عن أراضيها، وعدم فصل القرى عن الطرق الهامة. وكان نيو كمب يركز على أن حقوق الطرق للفرنسيين (في سوريا ولبنان) وحقوق المياه للبريطانيين (في فلسطين).
لاحظت اللجنة أن خط الحدود المرسوم على الخارطة يخلق مشكلات متعددة، منها مثلاً وقوع قرى على هذا الخط، بحيث تصبح القرية في طرف بينما تكون أراضيها في الطرف الآخر، الأمر الذي يلحق الضرر بالسكان وممتلكاتهم وبالأنشطة الحيوية التي يمارسونها. وتطبيقاً لمبدأ عدم فصل أي قرية عن أراضيها قامت اللجنة بإجراء استطلاعات ميدانية ومداولات مع زعماء القرى القريبة من الحدود، وطلبت إليهم تعيين حدود أراضيهم، وخاصة في الحالات التي كانت فيها هذه الأراضي مبعثرة.
استغرق عمل لجنة نيو كمب ـ بوليه عام 1921م بكامله، وتقدم الجانب البريطاني بالعديد من المطالب لإجراء تعديلات على الحدود، بشكل يفهم منه أنه يستجيب للمصالح الصهيونية. وصاغت اللجنة تقريراً مفصلاً تقدمت به إلى الحكومتين البريطانية والفرنسية (3/2/1922م) تضمن المسار الدقيق للحدود حسبما تراه اللجنة. بيد أن البريطانيين شرعوا مجدداً في عملية مساومة حول إمكانية إجراء تعديلات أخرى، ولم يصادقوا على هذا التقرير إلاّ بعد أكثر من سنة من تقديمه، وتحديداً في 7/3/1923م. ومضت سنة ثانية بعد ذلك حتى أصبح الخط الذي تمّ تحديده، من قبل اللجنة بمثابة الحدود الشمالية والشمالية الشرقية لفلسطين.
أطلق على الخط/الحدود الذي رسمته لجنة نيو كمب ـ بوليه ووقّع عام 1923م اسم «الحدود الدولية لفلسطين مع لبنان وسوريا» وقد تمّ ترسيم هذه الحدود على الأرض ابتداءً من رأس الناقورة حتى منطقة الحمة، بواسطة 71 نقطة حدودية في كل منها كومة حجرية ترتقع 1.5م فوق سطح الأرض، وكان البعد بين كل اثنتين منها نحو 2كلم (إلاّ في بعض المناطق التي كانت هناك ضرورة لجعل المسافة أقل) وقد وضعت في أماكن بارزة بحيث يمكن للناظر من إحداها رؤية الكومتين السابقة واللاحقة.
أصبح خط الحدود بين فلسطين وسوريا على النحو التالي:
يسير الحد في خط موازٍ للطريق بين المطلة وبانياس وعلى بعد 100م إلى الجنوب، ماراً بالجسر الروماني القديم على نهر الحاصباني حتى يصل إلى تل القاضي الذي يبقى في فلسطين. ثم يتبع الحد الطريق بين المطلة وبانياس حتى يصل إلى نقطة الحدود رقم 39 التي تقع إلى الجنوب من الطريق عند التقائه بقناة ري على بعد 100م غرب قرية بانياس، وكل الطريق من كتف عديسة إلى بانياس يبقى داخل الأراضي السورية، ثم يسير الحد من قناة الري إلى النقطة 40 الواقعة على المنحدرات الجنوبية لتل اللَّه. ثم يسير بشكل مباشر نحو النقطة 41 الواقعة على الضفة اليسرى (الشرقية) لنهر بانياس على بعد 900م جنوب غرب بانياس. ثم على طول الطرف الأعلى للضفة الشرقية للنهر نحو النقطة 42 الواقعة على بعد 700م شمال شرق العزيزيات على طول طريق الضفة الشرقية لنهر بانياس. ثم بشكل مباشر نحو النقطة 43 الواقعة على رأس تل العزيزيات، ثم إلى النقطة 44 الواقعة في مكان التقاء الطريق الواصلة بين بانياس وموحد مع مجرى الوادي المنحدر من عين فيت إلى ابن يعقوب. ثم يسير الحد في خطوط مستقيمة من نقطة إلى أخرى كالآتي: النقطة 45 الواقعة على بعد 1400م شرقي تل الساخنة على ظهر إحدى السلاسل الجبلية شمال مجرى وادي الزعتر ـ النقطة 46 الواقعة غربي بيت بوديد المسمى البرجيات ـ النقطة 47 عند تغير الانحدار على بعد 1800م شرق عين الشيخ محمود شمال مجرى وادي حمر الولا ـ النقطة 48 عند شجرة تدعى خربة دهيتين ـ النقطة 49 على بعد قليل غرب مطحنة الصيادة ـ النقطة 50 على بعد 600م شرق الشجرة القريبة من مصب وادي الفاجر ـ النقطة 51 إلى الغرب مباشرة من طاحونة الجليبينة ـ النقطة 52 إلى الغرب مباشرة من المنزل الواقع على بعد 1200م شمال جسر بنات يعقوب ـ النقطة 53 على بعد 20م إلى الغرب من مركز الحدود السورية عند جسر بنات يعقوب ـ النقطة 54 الواقعة على بعد 380م شرق مطحنة مدمرة تقع على بعد 900م من جسر بنات يعقوب ـ النقطة 55 على بعد 20م من علمين ـ النقطة 56 إلى شرقي وادي الشيخ ـ النقطة 57 على بعد 400م إلى الشمال الشرقي من الرفيد ـ النقطة 58 على بعد 20م غرب الرفيد ـ النقطة 59 على بعد 2300م جنوب الرفيد فوق مرتفع صغير يبعد 400م شرق نهر الأردن ـ النقطة 60 على بعد 20م غرب قلعة القصاب، وحتى مصب نهر الأردن في بحيرة طبريا يسير خط الحدود بمحاذاة الجانب الشرقي لنهر الأردن وعلى بعد 500م إلى الشرق منه حتى مصبه في بحيرة طبريا، ثم إلى العيون الكبريتية في مسفير حيث نقطة الحدود 61. ويسير الحد من هنا على بعد 10م من شطّ البحيرة في خط موازٍ لساحلها، ويتبع الحد أي تغير في مستوى الماء في البحيرة بسبب إنشاء السدود على نهر الأردن جنوب البحيرة ـ النقطة 62 الواقعة على منحدرات جبل شرق النقطة 61 بنحو 1200م ـ النقطة 63 الواقعة على قمة جبل قرين جراده جنوب غرب بيرشكوم ـ النقطة 64 الواقعة على رأس تل قلعة الحصن ـ النقطة 65 الواقعة على رأس تل خالص ـ النقطة 66 الواقعة على بعد 200م تحت وغرب عين الرجال غرب كفرحارب، ثم يتبع الحد خطاً حددته المنحدرات البيضاء على الجرف الغربي من هضبة الجولان ـ النقطة 67 الواقعة على بعد 250م جنوب شرق عين شريرة ـ النقطة 68 على بعد 750م جنوب غرب عين شريرة ـ النقطة 69 شرق خربة التوافيق ـ النقطة 70 على كتف جبل على بعد 500م شمال غرب النقطة 91.750كلم على خط سكة الحديد درعا حيفا ـ النقطة 71 على بعد 50م شمال نقطة سكة الحديد المذكورة. وبعد ذلك يسير خط الحدود بموازاة سكة الحديد وعلى بعد 50م إلى الشمال منها حتى يصل الطريق الواصلة بين سمخ والحمة. ثم يتبع الخط الطريق حتى تقطع الطريق المنحدرات الواقعة على بعد 100م شمال غرب مركز شرطة الحمة ثم يسير على طول أقصى الطرف الأعلى من المنحدرات شمالي سكة الحديد حتى الجسر الواقع على بعد 500م شرق محطة الحمة.
هذه هي بالتفصيل «الحدود الدولية» بين فلسطين وسوريا كما عينتها اتفاقية نيو كمب ـ بوليه الموقعة عام 1923م. وقبل التعليق على هذه الحدود، نشير إلى أن الاتفاقية حفظت بعض المصالح السورية في المنطقة الحدودية الفلسطينية، بحيث تصان أي حقوق يكتسبها السكان في الجانب السوري فيما يتعلق باستخدام مياه الأردن، كما حددت الاتفاقية أن سكة الحديد عند سمخ تخضع للاستخدام المشترك للدولتين وأن للحكومة السورية الحق في إنشاء رصيف جديد في محطة سمخ، وللسوريين وبضائعهم الحق في الوصول إلى المرسى والميناء على بحيرة طبريا. وسيكون لسكان سوريا ولبنان الحقوق نفسها في الملاحة والصيد في بحيرتي طبريا والحولة وكذلك نهر الأردن بين البحيرتين، بشكل متساوٍ مع سكان فلسطين… إلخ.
لدى دراسة خط الحدود الجديد الذي رسمته اتفاقية نيو كمب ـ بوليه (1923م) يتبين أن بريطانيا أعادت جزءاً كبيراً من أراضي الجولان التي ضمت إلى فلسطين في معاهدة 1920م. وقد تأثرت هذه الإعادة ـ على ما يبدو ـ بحصول بريطانيا على منطقة الموصل وسلخها من شمال شرقي سوريا وضمها إلى منطقة العراق بعد أن اشتمت رائحة النفط في تلك المنطقة.
حول موقف فرنسا، ثمة احتمال بأن تكون التنازلات التي تمّ تقديمها إلى بريطانيا جاءت، من جهة أولى، على خلفية عدم الرغبة في تأزيم العلاقات معها، ومن جهة أخرى، رغبتها في تعويض هذه التنازلات في المشرق بنجاحات في أماكن أخرى من العالم ولا سيّما على الساحة الأوروبية.
ليس هذا فقط، وإنما يتعلق الأمر ـ باعتقادنا ـ بما جرى في تقاسم الأراضي والمصالح في المنطقة الحدودية شمالاً وشرقاً. فقد جرى نقل منطقة تبلغ مساحتها نحو 190كلم بقراها وأراضيها وسكانها من لبنان إلى فلسطين، وقد شملت هذه المساحة التي يملكها سكانها وعائلات عربية أخرى قرى أصبع الجليل وتل القاضي الذي تمّ الإصرار على إدراجه ضمن حدود فلسطين. وبالمثل وضع خط الحدود الجديد في فلسطين منابع نهر الدان (أحد روافد نهر الأردن) وبحيرة الحولة ونحو 200م من الأراضي إلى الشرق من سهل الحولة، ومجرى نهر الأردن بين بحيرتي الحولة وطبريا وشريطاً من الأراضي شرق المجرى. وبذلك شملت حدود فلسطين أقدام الجرف الصخري من منطقة الجولان بموازاة نهر الأردن. وتمّ أيضاً جعل بحيرة طبريا داخل حدود فلسطين. ولهذه الغاية مرت الحدود على بعد 10 أمتار عن خط المياه في الشمال الشرقي للبحيرة حتى منطقة قرية النقيب ومن هناك تتجه الحدود وبصورة عميقة شرقاً حتى 2كلم. كما ضمت بريطانيا إلى فلسطين قطاعاً شرقياً من وادي اليرموك في منطقة الحمة إلى الجنوب الشرقي من بحيرة طبريا.
لقد وجد توازن المصالح البريطانية والفرنسية تعبيراً عنه في مسائل متعددة. وبالإضافة إلى ما تقدم ثمة أمر يخص منطقة بانياس. فبعد أن وافقت فرنسا في البداية على التنازل عن منابع النهر حتى عشرات الأمتار شمالها، فقد عادت إلى جعل هذه المنابع في المنطقة السورية بعدما أدخلت في المنطقة الفلسطينية منابع نهر الدان. وبذلك جعل الطريق من الجولان إلى الأراضي اللبنانية فالبحر المتوسط خارج أراضي فلسطين. وعلى الرغم من أن منطقة بانياس كانت بموجب الاتفاقية خاضعة للنقاش، لبحث مطالب بريطانيا بضمها إلى فلسطين، إلاّ أن ذلك لم يحدث طيلة فترة الانتداب البريطاني في فلسطين لأسباب نجهلها.
استمرت المداولات البريطانية ـ الفرنسية بشأن الحدود ـ كما ذكرنا ـ إلى ما بعد التوقيع على الاتفاقية في 7/3/1923م. ففي تشرين الأول/ أكتوبر من العام ذاته، اتفق أن يجبي الفرنسيون كل الضرائب من سكان بانياس على أراضيها الموجودة داخل تخوم الانتداب البريطاني، وسلموا دفعة واحدة بقيمة 40% منها إلى البريطانيين. وفي نيسان/ أبريل 1924م انتهت أخيراً عملية رسم الحدود على كل طولها، ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ الفعلي.
ومرة أخرى ترتب على ترسيم خط الحدود بين فلسطين وسوريا ظهور مشكلات جديدة، منها ـ مثلاً ـ أن هذا الخط كان يفصل السكان في بعض القرى عن أراضيهم ولم يستطع حل مسألة تشابك ملكيات الأرض، وذلك خلافاً للمبدأ الذي اعتمدته لجنة نيو كمب ـ بوليه حول عدم الفصل بين أي قرية وبين الأراضي التابعة لها.
من الأمثلة البارزة على ذلك، أن قبيلة الفضل (بزعامة الأمير محمود الفاعور والتي كانت تقيم في الجولان) كانت تملك أراضي واسعة في منطقة الحولة، وحتى ثلث الأراضي في بعض القرى هناك. وكانت في المنطقة قرى بكاملها تحت سيطرة القبيلة (مثل: خيام الوليد ـ مداحل ـ دوارة). والأراضي التي تقوم عليها الآن مستوطنات هجشوريم وشعاريشون وشمير كانت من الأملاك الخاصة لزعيم القبيلة الفاعور وعمه. وهناك أراضٍ أخرى في منطقة الحولة كانت تعود ملكيتها للشهابيين وفايز الدبج من حاصبيا والشيخ فرحان بن شعلان من عين قنية وسكان من بانياس وعائلة بدين من لبنان… إلخ.
وكأمثلة أخرى، في المنحى ذاته، مرّ خط حدود اتفاقية 1923م ضمن 22 قرية حدودية، ظهرت في منشور إداري لحكومة الانتداب حول قضاء صفد (1924 و1933م) وكانت القرى المشطورة بخط الحدود، هي: المزيرعة ـ بانياس ـ برقيات لوطيان ـ جرابة ـ دريجات ـ الدربشية ـ عين التينة ـ عين فيت ـ عين ميمون ـ قَدَس ـ الرفيد ـ جليبينة ـ خربة البادية ـ المنارة ـ خربة السمان ـ ميس الجبل ـ مغر شبعا ـ صلحة ـ سعسع ـ شوكة ـ تل العزيزيات ـ يارون.
في ظل هذا الوضع، ظهرت الحاجة إلى معالجة المسائل الجديدة الناجمة عن تخطيط الحدود. لذا تمّ تشكيل لجنة لدراستها ترأسها من الجانب البريطاني الكولونيل سميز ومن الجانب الفرنسي المسيو فيرشير. ودأبت اللجنة طيلة عام 1925م على أداء مهمتها، وتوصلت إلى اتفاقية دعيت باسم «اتفاقية حسن الجوار» بين فلسطين وكل من سوريا ولبنان، وقعها في القدس المندوب السامي البريطاني في فلسطين (بلومر) والمندوب السامي الفرنسي في سوريا (دي جوفنيل) في 2/2/1926م. وقد نظمت الاتفاقية مسائل العلاقات القائمة بين المناطق والسكان، مثل مسألة الاستخدام المدني والعسكري للطرق وحركة الأشخاص وعبور الحدود والجنسية والضرائب والمحاكمات وسبل حلّ الخلافات وغير ذلك. نالت اتفاقية 1923م موافقة عصبة الأمم (سلف الأمم المتحدة) عام 1934م التي اعترفت بالحدود المرسومة فيها على أنها حدود معترف بها بين الانتداب البريطاني والانتداب الفرنسي. ومن الناحية العملية لم تكن هذه الحدود تفصل بالكامل بين الجانبين، ولم تتمكن السلطات من تطبيق رقابة كافية على هذه الحدود.
استمر العمل باتفاقية 1923م خلال عهد الانتداب الفرنسي على سوريا (حتى العام 1946م). وبعد نحو سبعة أشهر من الاستقلال، توجهت وزارة الخارجية السورية إلى المفوضية البريطانية بدمشق (في 12/11/1946م) للتباحث معها حول مسألتين كان الهدف منهما تحريك الحدود إلى جهة الغرب، الأولى هي تخلي السلطة الانتدابية الفرنسية عن أراضٍ سورية نيابة عن سوريا، والثانية تتمثل بضم أراضٍ سورية أخرى إلى فلسطين (والمقصود حسب رئيس الحكومة السورية آنذاك أراض كانت على مقربة من بحيرة الحولة وبحيرة طبريا). بيد أن جواب المفوضية كان (في 29/7/1947م) أن الحدود بين سوريا وفلسطين تمّ إقرارها من قبل عصبة الأمم عام 1934م، ولذلك لا مجال لبحث هذا الموضوع.
وبالنسبة للجانب البريطاني، استمر العمل بالاتفاقية ذاتها حتى نهاية انتدابه على فلسطين وقيام إسرائيل (عام 1948م). لكن هذه النهاية لم تشكل للصهيونية وإسرائيل حداً لانتهاء العمل بالاتفاقية. وهنا تنتقل مسألة الحدود مع سوريا إلى طور آخر.
فيصل في أوروبا
عندما أعلن انتهاء الحرب بعقد الهدنة العامة بين ألمانيا والحلفاء وتنادى القوم إلى التهيؤ لعقد مؤتمر الصلح في باريس، كان لا بدّ من التفكير بالعرب الذين خاضوا الحرب مع الحلفاء، وانتهت الحرب وقد صار لهم ملك، إذا كان الحلفاء رفضوا الاعتراف به باسم (ملك العرب)، فإنهم على كل حال اعترفوا به ملكاً على الحجاز يرأس دولة مهما كان شأنها فهي دولة منتصرة مع المنتصرين.
وكان الجنرال اللنبي هو المسؤول عما كان لا يزال اسمه في ذلك الوقت (الأراضي المحتلة)، فأرسلت وزارة الخارجية البريطانية تستفسر منه ومن (ووينغيت) في القاهرة عن رأيهما في توجيه الدعوة إلى الملك حسين ملك الحجاز للمشاركة في مؤتمر الصلح على أن يمثله ابنه الأمير فيصل، فحبذ الرجلان هذه الفكرة، وتلقى الملك حسين الدعوة فكان أن أبرق إلى فيصل يطلب إليه التوجه إلى باريس مندوباً عن العرب في مؤتمر الصلح.
وقد تلقى البرقية وهو في حلب فعاد إلى دمشق فبيروت راكباً البحر على ظهر الطرّاد (غلوستر) في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1918م على رأس وفد فيه رستم حيدر ونوري السعيد والدكتور أحمد قدري وفائز الغصين.
ووصل إلى مرسيليا في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر فكان في استقباله عن الحكومة البريطانية (لورنس) وعن الحكومة الفرنسية المسيو (برتران). وقد عامله الفرنسيون كما لو أنه جنرال ورجل بارز ولكن ليس له صفة دبلوماسية.
وفي الطريق إلى باريس وبوصولهم إلى مدينة (ليون) أبلغه الكولونيل بريمون ـ المندوب الفرنسي الثاني ـ أنه ليست لدى فرنسا أية معلومات عن المهمة الرسمية التي نيطت به في فرساي «ولذلك فليس من المرغوب فيه أن تواصل سفرك إلى باريس». وأخبره أن الذين نصحوه بالمجيء إلى هنا أساؤوا النصح له، إذ كان عليه قبل مجيئه مقابلة جورج بيكو([253]).
لقد كان الفرنسيون يطمعون بسوريا، ويعلمون أن العرب يسعون إلى استقلالهم، وأن مهمة فيصل في فرساي هي تمثيل العرب في هذا السعي، وشتان بين ما يطمح إليه كل فريق([254]).
خين يسعى العرب إلى استقلالهم فإنما يستهدفون أول ما يستهدفون في ذلك: سوريا التي دخل جيشهم قسماً كبيراً منها محرراً. أما فرنسا فهي بالمرصاد لهذا الاستقلال العربي السوري، وستكون فرساي ميدان التصارع بين الفريقين، لذلك حاول الفرنسيون عدم الاعتراف أصلاً بفيصل مندوباً في مؤتمر فرساي ومتكلماً باسم العرب لا سيّما السوريين منهم، ففاجأه الكولونيل الفرنسي بريمون بما فاجأه به. فصدم فيصل بهذا المنطق…
ثم عمد الفرنسيون من أجل إبعاده عن فرساي إلى تنظيم رحلات له إلى ميادين الحرب وإلى بعض المدن الفرنسية. وطال الأمر، وفيصل ضجر من ذلك، واستمر الأمر عشرة أيام اضطر بعدها الفرنسيون إلى توجيه الدعوة له لزيارة باريس بعد ضغط شديد من الإنكليز. فسافر إليها واستقبله فيها رئيس الجمهورية المسيو بوانكاريه، وكان ذلك مجرد أمر (بروتوكولي) ليس إلاّ.
وفي يوم 9 كانون الأول/ ديسمبر 1918م سافر فيصل وحاشيته إلى إنكلترا فوصل لندن في اليوم التالي. وفي 28 كانون الأول/ ديسمبر التقى الأمير فيصل، وزير خارجية إنكلترا اللورد كارزن، وأراد أن يعرف منه موقف الإنكليز من القضية العربية التي سيطرح أمرها على مؤتمر الصلح، فطلب إليه كارزن أن يدوّن المطالب العربية ليدرسها مع لويد جورج رئيس الوزراء، ثم يرسل إليه كارزن كتابة ما يتقرر بينهم.
فقال الأمير: لو أردتم مساعدتنا لنجحنا في مطالبنا، ونحن لم نقاوم الفرنسيين في احتلالهم ما احتلوه من سوريا إلاّ اعتماداً على الجنرال اللنبي. وإذا تُركنا وحدنا فسندافع عن كياننا.
فسأل كارزن: ألا يمكن أن تتركوا جزءًا من سوريا لفرنسا؟
فقال فيصل: إن فرنسا تطمع بسوريا كلها لا بجزء منها.
وبعد أيام عاد الأمير إلى فرنسا، وكان أول لقاء له مع رئيس الوزراء الفرنسي كليمنصو في 11 كانون الثاني/ يناير سنة 1919م فوعده كليمنصو خيراً.
وفي 13 منه قدم الأمير مذكرتين بنص واحد إلى كل من وزير خارجية إنكلترا ووزير خارجية فرنسا، هذا نصها العربي:
الأمير فيصل يقدم احترامه إلى المسيو بوشون ويحب أن يذكره بأنه في باريس مفوض من قبل والده الملك حسين بموجب البرقية المرسلة من جلالته إلى الحكومة الفرنسية، ومندوب عن الجنود والقبائل العربية المنضمة إلى جيشه والمعترف بها أنها محاربة من طرف الحكومتين الفرنسوية والبريطانية في شهر أيلول/ سبتمبر 1918م.
هؤلاء الجنود والقبائل جاؤوا من البلاد الواقعة بين عرض إسكندرونة واليمن. والأمير فيصل يريد أن يمثل هؤلاء في مؤتمر الصلح بذاته مع ترجمان ينتخبه عند الاحتياج، ويمثلهم أيضاً في كل مباحثة تنتج عن المؤتمر فيما يتعلق ببلادهم ومصالحهم.
ويسره أن يعمل بموجب هذه التمنيات جهد الاستطاعة أثناء تنظيم أعمال المؤتمر وتنسيقه.
وحتى ذلك الوقت لم يكن قد تقرر عدد من يمثلون العرب في مؤتمر الصلح. وفي اليوم السابع عشر من الشهر تبلغ فيصل بأنه سيكون للعرب مندوبان، فضم إليه رستم حيدر ليكون المندوب الثاني. وتألف الوفد على هذا الشكل:
1 ـ المندوبون المفوضون: الأمير فيصل ورستم حيدر.
2 ـ المندوبون والمستشارون الفنيون: نوري السعيد والدكتور أحمد قدري وفارس الخوري وأمين إرسلان([255]) وتحسين قدري.
3 ـ السكرتارية العامة للوفد: عوني عبدالهادي (السكرتير العام) وأمين الكسباني (السكرتير).
وفي 18 من الشهر افتتح المؤتمر في الساعة الثالثة ودامت مراسم الافتتاح حتى الساعة الخامسة.
وبينما الأمير مشغول بما هو مشغول به إذ جاءه وفد إسلامي يرجوه بأن يتقبل رئاسة لجنة إسلامية تنوي إنشاء جامع في منطقة الأنفاليد بباريس، ويطلب منه تراباً من أرض الحجاز المقدسة ليحس المسلم وهو يدخل المسجد أنه يدوس على تراب إسلامي.
فقال لهم الأمير ما أسهل هذا عليَّ.
وقالوا إنه مضى عليهم أربع سنوات وهم يعملون في هذا السبيل وأن المال موجود، وقد جمعوه كله من المسلمين لئلا يكون لأحد تدخل في شؤونه.
ويبدو أن فكرة هذا المسجد لم تتم، وربما كان ذلك لأن الحكومة الفرنسية لم ترض باستقلال المسجد فعملت بعد ذلك على إنشاء مسجد غيره بإشراف عميلها ابن غبريط.
فيصل ممثل العرب
في اليوم السادس من شهر شباط/ فبراير سنة 1919م دعي الوفد العربي ليلقي كلمته في مؤتمر الصلح. ويصف رستم حيدر الذي كان العضو الثاني في الوفد ـ يصف في مذكراته ما جرى على الوجه التالي:
دخلنا البهو الكبير وهناك التقينا بلويد جورج ثم جاء كليمانصو وبيشون وويلسون… فدخلوا القاعة الخاصة بالمندوبين العشرة، ومكثنا قليلاً ثم استدعونا إلى الداخل. فدخلنا وجلس الأمير على كرسي في منتصف المحل ونحن على مقاعد وراءه. ثم في البهو (غو) السكرتير العام المساعد لشؤون آسيا في وزارة الخارجية الفرنسية وابن غبريط وبعض الأميركان.
وكان كليمانصو على يمين الداخل منفرداً في صدر القاعة وعلى رأسها ويلسون، ووزير الخارجية الأميركية (لانسينغ)، ولويد جورج، ووزير الخارجية الإنكليزية بلفور، ومندوبو اليابان، وعلى ميسرة القاعة الطليان: أورلاندو وسالاندرا… وكان على ميمنة كليمانصو وزير الخارجية الفرنسية (بيشون).
فدخل الأمير وقدمه رئيس المؤتمر كليمانصو للجمع فسلم عليهم مصافحة، ثم جلس وتحفز للقول فاستمهله كليمانصو حتى تمّ الاجتماع وعمّ السكون، فقال: الكلام للأمير فيصل.
فانتصب الأمير وقال: إني سعيد بوجودي في المجتمع الذي يضم إليه أكابر رجال الأمم المعظمة وإني أعتقد أن هذه المحكمة العليا ستنصف الأمة العربية أثناء دفاعها عن حقوقها الطبيعية…
ثم أخذ في الدفاع وبدأ يقرأ عليهم بالعربية بعد أن اعتذر لهم عن عدم التكلم بلغة يفهمونها. فكان كلما قرأ قسماً، قام لورنس وترجمه للإنكليزية، وكانت الترجمة جاهزة في يده. وكان على يمين كليمانصو ضابط في مقتبل العمر ذو لحية شقراء يترجمها من الإنكليزية إلى الفرنسية بدقة وسهولة عظيمتين.
وبعد أن أتمّ النصف استأذنهم الأمير بقراءتها مرة واحدة، فوافقوا على ذلك، فاستمر على قراءته حتى تمت.
وكانوا ينظرون بتعجب ويرمقونه بنظر الاستغراب لأنهم لم يسمعوا دفاعاً أو قراءة كتاب طويل باللغة العربية. ولست أدري كيف كانت الأحرف العربية الحلقية تؤثر على آذانهم من حيث الموسيقى، وإنما أقول: إن الاستغراب كان بادياً على وجوههم. وكانت قراءة الأمير متناسقة تتراوح بين انخفاض وارتفاع حتى انتهت. وإني على يقين أنهم لم يفهموا كلمة واحدة عدا كلمتين مرتا في عرض القراءة وهما: كونفدراسيون، وفدراسيون.
ثم تلا لورنس الترجمة، ولما انتهى أخذ الضابط الورقة وقرأها بالفرنسية بعين السهولة.
وكان الجميع يعجب من النقاط الأساسية الموجودة دفاعاً عن حقوق العرب واستقلالهم. وكان ويلسون يصادق برأسه، ولويد جورج يبتسم، وأورلاندو يهز رأسه علامة الاستحسان.
وهكذا كان الجمع موافقاً على تلك المطالب الحقة إلاّ كليمانصو (رئيس الوزارة الفرنسية) و(بيشون) وزير الخارجية الفرنسية، فإنهما كانا عابسين يسمعان المرافعة بجدية خارقة. وأما بيشون فكان يسمعها ووجهه يتقطب كلما ازداد سماعاً.
وبعد الانتهاء سأل كليمانصو إذا كان هناك من يحب أن يوجه للأمير سؤالاً. فسكت الجميع. ثم وجّه لويد جورج (رئيس الوزارة البريطانية) هذا السؤال: ما هي أعمال العرب وحركاتهم في العراق؟
فأجاب الأمير:
نحن لا نعلم ما للعرب في العراق لأنه ليس لهم رئيس وأعمالهم لم تصلنا بالتفصيل. ولكن الجيش العربي الذي كان بقيادتي كان مؤلفاً معظمه من العراقيين وأكثر ضباطه من العراقيين، وهم إنما حاربوا في هذا الجيش وقاتلوا مع الحلفاء ضد الأتراك لأجل بلادهم واستقلال العرب.
فصادق لويد جورج على ذلك.
ثم سأل ويلسون عن الوصاية وتعددها.
فأجابه الأمير: إني أخشى أن أبيّن رأيي في هذه المسألة لأن مسؤوليتها عظيمة وهي تتعلق برأي الأهالي الذين لهم الحق أن يعينوا مستقبلهم.
فقال ويلسون: ولكن أسألك رأيك.
فقال الأمير: إني لا أرضى بتجزئة البلاد وأطلب الاستقلال.
ثم كرر كليمانصو على المندوبين إذا كان أحد منهم يريد أن يسأل. فانبرى لويد جورج ثانية وقال:
ما هي الأعمال التي قام بها العرب في هذه الحرب؟
فقام الأمير وأوضح لهم كيف حصل القيام في مكة بالرغم من قلة الزاد والوسائل، وكيف تمّ التغلب بمعونة اللَّه. وكيف طردوا الأتراك من الحجاز. وأشار إلى أن الإنكليز عاونوا بالمدافع والرشاشات والبنادق والذخائر.
ثم حركات الجيش العربي في معان.
ولما وصل الأمير إلى ذكر معان، تساءلوا عن موقعها، فأخذ الأمير الخريطة بيده، وكان أحد المعاونين الإنكليز قد وضع خريطة أمام لويد جورج فذهب الأمير إليه وأراه المكان.
ومن طرائف رستم حيدر تعليقه على ذلك بقوله: عربي يعلم الجغرافيا لرئيس الوزارة الإنكليزية.
ثم رجع الأمير إلى مكانه وتكلم عن وقائع الجيش العربي في حوران ودخوله دمشق وحلب.
واختتم كلامه قائلاً: وكان يرفع صوته تارة وقد ثارت عواطفه حتى استمال الأنظار نحوه:
إن أمتي لها مدنية عظيمة، ولما كانت متمدنة كانت الأمم التي تمثلونها في حالة البربرية والهمجية، فأطلب إليكم أن لا تبخسوا هذه الأمة التي خدمت التمدن حقها.
فكان لهذه الكلمات وقع حسن في نفوس المندوبين الذين بدأت إشارات تدل على الاعتراف بحقيقة هذا القول الجارح، حتى إن جريدة (ديلي ميل) الإنكليزية كتبت في اليوم الثاني: إن الأمير لم يخش أن يذكر المندوبين أن أمته لما كانت متمدنة كانت أممهم بعد متوحشة.
وعلى أثر سؤال كليمانصو، قال بيشون للأمير: ألم تعمل فرنسا شيئاً في الشرق؟
فأجابه الأمير: نعم أرسلت لنا أربعة مدافع عيار 60 ومدفعين قديمين عيار 80 ومع ذلك فإننا نشكر فرنسا ما دمنا أحياء لأنها أعانتنا وهي أعظم من أن تمدح.
وقد انتقدت الصحف الفرنسية التي صدرت في اليوم التالي بيشون على هذا السؤال الذي نبَّه الأذهان إلى تفاهة المساعدة الفرنسية ووجهت إليه اللوم على إضعافه حجة فرنسا بدلاً من تدعيمها.
كان كليمانصو يبحر بنظره من وقت لآخر في لورنس. وكان (أورلاندو) رئيس وزراء إيطاليا وأحد الأربعة الكبار، يستحسن الدفاع وكأنه موافق لسياسة أمته.
ويقول رستم حيدر: صباحاً بلغنا أن الرئيس ويلسون استحسن المدافعة (انتهى).
لما كان من المعلوم أن جهد الوفد العربي سينصب على سوريا، فقد أعدّ الفرنسيون وفداً مضاداً له برئاسة شكري غانم، جعلوا أعضاءه خليطاً من عدة طوائف، هم: جميل مردم (مسلم) وجميل مكرزل (ماروني) وأنيس شحادة (أرثوذكسي) والدكتور جورج سمنه (كاثوليكي) والدكتور توفيق فارحي (يهودي).
وشكري غانم هذا لبناني، غادر لبنان إلى الجزائر وهو في السابعة من عمره وعاش في الجزائر حتى بلغ سن الشباب وتزوج هناك فرنسية، ثم انتقل إلى باريس حيث قضى حياته كلها فيها حاملاً الجنسية الفرنسية. وقد تولى أثناء الحرب تحرير جريدة المستقبل التي أصدرتها الحكومة الفرنسية في باريس باللغة العربية، وألف جمعية دعاها اللجنة المركزية (السورية).
وكان شكري غانم يهاجم فيصلاً بأنه حجازي، وأن الحجاز لا يمكن أن يحكم سوريا التي هي أكثر تقدماً منه. فرد عليه فيصل بأنه غادر سوريا منذ أكثر من ثلاثين سنة ولذلك لا يحق له أن يتكلم باسم السوريين.
وكان الفرنسيون قد مهدوا لشكري غانم ووفده للحضور أمام مؤتمر الصلح والكلام فيه مناهضة للوفد العربي، بالرغم من أنه ليس لشكري هذا أية صفة تخوله حق الكلام في المؤتمر.
ولما عرف الوفد العربي بذلك أرسل الاحتجاج التالي:
يا صاحب السعادة
إن الأمير فيصل مندوب الحجاز في مؤتمر الصلح بصفته قائداً للجيش السوري العربي الذي يحتل القسم الأعظم من سوريا فعلياً في الوقت الحاضر، وبصفته رئيساً أعلى للجمعيات والإدارات الوطنية في سوريا يحتج لدى «مجلس العشرة» على قرار الاستماع إلى السيد شكري غانم كممثل لجمعيات معينة في أوروبا:
أ ـ إن السيد شكري غانم وأغلبية الأعضاء العاملين في اللجنة السورية المركزية([256]) لا يحق لهم التكلم باسم السوريين لأنهم يحملون جنسيات غير سورية.
ب ـ إن الجمعيات التي يزعم شكري غانم تمثيلها أمامكم ليست إلاّ بضع جمعيات لبنانية وهمية لا تمثل إلاّ عدداً تافهاً من الناس. إن الجمعيات التي تمثل بصورة فعلية الرأي العام للسوريين في الخارج، وخاصة اللبنانيين، مثل الموجودة في مصر ونيويورك ومانشستر وبونس آيرس ولندن والمكسيك… وغيرها تطالب بالاستقلال التام للبلاد.
يرجى من سعادتكم بكل إخلاص إعارة هذه القضية ما تستحقه من اهتمام وإبداء المساعدة لتأييد قضية الحق والعدالة.
ولكن هذا الاحتجاج لم يجد شيئاً وتقرر الاستماع إلى شكري غانم، على أن الجلسة التي تكلم فيها شكري غانم سبقه إلى الكلام فيها الدكتور هاوارد بليس الذي كان رئيساً للكلية السورية البروتستانتية التي حملت بعد ذلك اسم الجامعة الأميركية وهو مولود في بيروت وناشىء فيها ومحب لسوريا وأهلها، وقد أنصف العرب وأيد مطالبهم، وقال إن السوريين يريدون الوحدة والاستقلال.
ولما خرج سأله داود عمون رئيس الوفد اللبناني: هل تكلمت عن لبنان؟ فقال: نعم، لأنني تكلمت عن سوريا، ولبنان هو قطعة من سوريا.
فقال داود عمون: نحن هنا ممثلو الجبل، وهذا حق من حقوقنا ونحن نمثل الأهالي.
فأجابه بليس: نعم أنتم تقولون هذا، وأنا أقول إن لي الحق إذا سئلت أن أبين رأيي وقد بيّنته.
ثم دخل شكري غانم فبدأ كلامه متحدثاً عن تاريخ سوريا وعن أحوالها مريداً أن يثبت أن سوريا كيان مستقل، وقال إنه يتكلم باسم ستمائة ألف في المهجر، وأنه يمثل مثل هذا العدد في سوريا… ثم طالب بالوصاية الفرنسية على سوريا.
أما عن أثر هذا الكلام فقد قال (شوتويل) الذي حضر تلك الجلسة في كتاب له عن مؤتمر باريس([257]) ما يلي:
إن تقرير شكري غانم استغرقت قراءته وترجمته ساعتين ونصف، وقد مرر (وسترمان) ورقة إلى ويلسن ذكر فيها أن شكري غانم كان غائباً عن سوريا مدة 35 سنة قضى معظمها في فرنسا، وهذا ما أفقد ويلسن الاهتمام بسماع بقية الكلمة، وما لبث أن قام عن كرسيه وتمشى إلى الجانب الآخر من القاعة وأخذ يجول ببصره من النافذة ويداه في جيوب سترته، مما أدى إلى إحراج الفرنسيين وإزعاجهم. وانحنى كليمانصو ليهمس في أذن وزير خارجيته (بيشون) شيئاً، ولما كنت جالساً وراءهما مباشرة فقد سمعت كليمانصو يقول بخشونة: لماذا جئت بهذا الرجل إلى هنا؟ ورأيت بيشون يمد يده في شكل احتجاج يائس ويقول: لم أكن ألم أنه سيعالج الموضوع بهذه الطريقة. وكان الأمر كله فضيحة مكشوفة.
الانتداب
في تلك الفترة برزت لأول مرة كلمة (الانتداب) التي أريد لها أن تحل محل كلمات: الاستعمار، والحماية، والوصاية. وكانت هذه الكلمة ذات مفهوم غامض، ولم يكن معروفاً حقيقة ما يراد منها. وفي 14 شباط/ فبراير 1919م تلقى الوفد العربي دعوة لحضور اجتماع خصص للمذاكرة بمواد جمعية الأمم، وبدأت الجلسة بتلاوة المواد، وتكلم كثيرون. وكان من المتكلمين المندوب العربي الثاني رستم حيدر الذي قال:
في هذا النص كلمة شديدة الغموض هي كلمة (الانتداب) فماذا يقصد بها؟ ليس معلوماً بالضبط، مع أن على تفسيرها يتوقف مصير الأمم التي كانت حتى اليوم مضطهدة تحت نير الظالمين.
إننا نحتقظ بكل حريتنا في المناقشة إزاء هذا النص إلى أن تأتي ساعة درسه مادة مادة. أما الآن فأصرح بأن الأمم التي أتكلم باسمها مستعدة لأن تنتخب بحرية الدول التي تريد الاسترشاد بها. وهذه الأمم معترف لها مبدئياً بأن تحكم نفسها بنفسها في المستقبل وبحق تقرير مصيرها. حسناً جداً، ولكن اسمحوا لي بأن ألاحظ بأنه أُعدَّ لاتفاق سري لتقسيم هذه الأمم دون الاكتراث باستشارتها.
في لبنان
في الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر 1918م نزلت القوات الفرنسية في بيروت وعممت انتشارها على طول الساحل الممتد من صور حتى كيليكيا. وأطلق على هذه المنطقة اسم: المنطقة الغربية، كما أطلق على المنطقة المحتلة من الجيش العربي اسم: المنطقة الشرقية.
وصارت بيروت عاصمة المنطقة الغربية، ودمشق عاصمة المنطقة الشرقية. وكانت الإدارة في كلا المنطقتين تحت إشراف الجنرال اللنبي العسكرية باعتباره القائد العام لجيوش الحلفاء. وعيّن حاكماً لجبل لبنان الكومندان الفرنسي (سيشه) ومنح صلاحيات التصرف، وبقي حبيب السعد رئيساً لمجلس الإدارة فقط وأعفي من رئاسة الحكومة التي كان عيّنه فيها الحاكم العسكري العربي: شكري الأيوبي.
وعيّن حاكماً إدارياً للمنطقة الغربية (الساحلية) كلها الكولونيل الفرنسي نياجر، ومرجع الجميع: المفوض السامي جورج بيكو يعاونه معاونان أحدهما مدني هو روبر كولندر، وآخر عسكري هو الكابتن (دام).
وهكذا نرى أن اللبنانيين قد خسروا بزوال الحكم العربي وحلول الحكم الفرنسي محله ـ خسروا خسراناً أي خسران، فبينما جعل الحكم العربي حاكمهم منهم، إذا بالحكم الفرنسي يجعل حاكم لبنان فرنسياً.
هذا فضلاً عن أصحاب السلطات الأعلى من حاكم جبل لبنان التي صارت كلها فرنسية، في حين أن مرجع جبل لبنان لو تم الحكم العربي هو دمشق التي كان يحكمها فيمن يحكمها ويشارك في سلطاتها العليا، جمهرة من اللبنانيين المسيحيين. ولأجل تثبيت الحكم الفرنسي في المنطقة الغربية لا سيّما منها لبنان، ألّف الفرنسيون وفداً برئاسة فؤاد عمون ومن أعضائه إميل إده ليذهب إلى باريس ويطالب بذلك أمام مؤتمر الصلح.
ومن المضحكات أن يقول الوفد إنه ذاهب للمطالبة باستقلال لبنان، في حين أنه ذاهب للمطالبة بالانتداب الفرنسي على لبنان، وكلمة الانتداب هي التمويه الذي موّه به المستعمرون كلمة: الاستعمار([258]).
فيصل يعود
في الواحد والعشرين من نيسان/ أبريل 1919م غادر الأمير فيصل باريس عائداً إلى دمشق تاركاً أمر متابعة القضية العربية السورية إلى رستم حيدر وفق هذا المخطط الذي دوّنه الأمير:
1 ـ الاعتراف بإسقاط حكم المعاهدات القديمة.
2 ـ الاعتراف باستقلال سوريا التام.
3 ـ سحب القوات العسكرية الاحتلالية في الوقت الذي يعينه السوريون.
4 ـ احترام استقلال لبنان.
5 ـ الاستقلال بضمانة الدول.
6 ـ الخيار للحكومة السورية في إبقاء قسم من جند الاحتلال أو عدمه.
7 ـ مقابل هذا، بعد ضم المواد الثانوية عليه أثناء المذاكرات فالحكومة السورية ترجح أخذ المعونة من فرنسا (انتهى). والذي يهمنا نحن من هذا هو أن نقول: إن وفد داود عمون ثم وفد البطريرك الماروني لم يكن لهما أي داع، فالحكم العربي السوري لم يكن في نيته التعرض للبنان وضمه إلى سوريا، وقد رأينا كيف أن الحاكم العسكري شكري الأيوبي حين ذهب إلى بيروت لإعلان الحكم العربي فيها، اعتبر لبنان ذا وضع خاص فاختار له حاكماً من أهله مستقلاً فيه عن غيره.
وها نحن نرى هنا أن الأمير فيصل رائد الاستقلال العربي السوري ينص في مذكرته التي تركها لمن يمثله ويمثل سوريا في باريس على احترام استقلال لبنان.
لذلك قلنا إن ذهاب الوفدين اللبنانيين إلى باريس كان أمراً لا داعي له، هذا إذا كان المقصود من ذهابهما الاحتفاظ باستقلال لبنان عن سوريا.
ولكن الحقيقة أن الفرنسيين الحاكمين في بيروت هم الذين أرسلوا هذين الوفدين لا لتثبيت استقلال لبنان عن سوريا، بل لتثبيت الاستعمار الفرنسي للبنان، في مقابل جهود الوفد العربي السوري في محاربة هذا الاستعمار في سوريا ولبنان معاً.
وبشارة الخوري نفسه في مذكراته التي سماها (حقائق لبنانية) يعترف بأن الفرنسيين هم الذين أرسلوا الوفد. فقد قال في الصفحة 94 من الجزء الأول:
«وكان أول عمل سياسي حركته تلك السلطة (الفرنسية) في مجلس إدارة الجبل تشكيل وفد يشخص إلى باريس للمطالبة باستقلال لبنان…»، إلى آخر ما قال:
ثم يقول في الصفحة 96:
«وبال الفرنسيين ظل مشغولاً قلقاً. لم يكونوا أمينين على نتائج مساعيهم المحلية فرجوا أن يذهب البطريرك إلياس الحويك إلى باريس على رأس وفد من الأحبار والكهنة للمطالبة باستقلال لبنان برعاية الدولة الفرنسية، أيضاً وأيضاً، فنزل البطريرك على رغبتهم وأبحر من جونيه في أواخر صيف 1919م على مدرعة حربية…».
ثم يقول عن عودة البطريرك في الصفحة 99:
«فخففنا إلى الميناء ودخلت الباخرة ونزل منها غبطة الحويك وحاشيته بقارب رسمي، والمدافع تطلق والعساكر الفرنسيون يؤدون التحية، وواكب الخيالة السباهيون سيارة البطريرك…».
ولم يكتف الفرنسيون بهذين الوفدين بل عادوا فأرسلوا وفداً ثالثاً برئاسة المطران عبدللَّه الخوري، فيه: إميل إده والأمير توفيق إرسلان والشيخ يوسف الجميل فسافروا في أوائل آذار/ مارس سنة 1920م.
وإذا كانت هذه الوفود قد نجحت فإنها نجحت في شيء واحد هو أن أصبح حاكم لبنان فرنسياً، كما يقول بشارة الخوري نفسه:
«أفادت (فرنسا) موظفيها ومستشاريها وشركاتها وصاحبة الامتياز منها إفادات مادية لا يستهان بها، وأفرطت في تعيين الفرنسيين في شتى الدوائر، ووضعت يدها على الجمارك وهو أعظم الموارد وحجبته عن الخزانة الوطنية فغلّت يدها عن العمران وتحسين حالة البلاد».
ثم يقول:
«أما التقصير الفادح الذي ارتكبته فهو استئثارها بالسلطة والإدارة».
هذا هو الاستقلال الذي طالبت به الوفود اللبنانية!
أما ما يعتبرونه نجاحاً، وهو تكبير لبنان بأن ضُم إليه ما ضم، فالحقيقة فيه هي أن هذه الفكرة كانت موضع ترحيب وتشجيع الاستقلاليين السوريين. بل إن مندوب العرب في مؤتمر الصلح رستم حيدر يسجل في مذكراته، وهو يتحدث عن وصول البطريرك الماروني إلى باريس قائلاً عن يوم السبت 21/6/1919م. يظهر أن بطريرك الموارنة سيحضر إلى باريس لأجل المطالبة بلبنان الكبير مع معاونة فرنسا… ثم يقول:
«أرى أنه من الواجب توسيع لبنان بقدر الإمكان والاتفاق إذا أمكن ضمن هذه الشروط مع البطريرك في طلب الاستقلال التام بدون قيد ولا شرط. لبنان المتوسط لا الكبير مفيد إذا كان مستقلاً تمام الاستقلال وإضمام بيروت وصيدا وصور مع جبل عامل له يقوي حزب الإسلام والدروز وبقية العناصر المسيحية غير الموارنة ويربط الجبل بصفته العربية لأنه على هذه الحالة يخشى من أن يعتنق الفرنسوية ويلوذ بها حفظاً لكيانه فنضيع بذلك قسماً من البلاد يكون دوماً خطراً عليها في المستقبل. أما إذا استقل لبنان وفازت فيه السياسة العربية فيكون ملجأ للأحرار ومركزاً تنشر منه الأفكار الحرة والاستقلالية. وأما لبنان فيستفيد استفادة عظمى لأن كل البلاد العربية تصبح مستعمرة له إذا قام بما قام به من النشاط حتى الآن».
هذا كلام قاله استقلالي عربي مسؤول يمثل العرب في مؤتمر الصلح. قاله سنة 1919م. والذي يقبل بلبنان متوسط يقبل ـ بعد الأخذ والرد ـ بلبنان كبير.
التهديد بالبولشفيك([259])
كان صراع فيصل في مؤتمر الصلح صراعاً مريراً، وقد وجد نفسه هناك فرداً ضعيفاً بين مجموعة أقوياء متكالبين على اقتسام تركة من كانوا يسمونه (الرجل المريض)، وقد مات ـ بنظرهم ـ هذا المريض، ويريد الآن كل واحد أن يستأثر بما يستطيع الاستئثار به مما خلفه هذا الميت، وكان أهم ما خلفه: البلاد العربية.
ومن سوء حظ سوريا أنها كانت البلد الوحيد الذي يمكن إرضاء الفرنسيين به بعد أن كان الإنكليز قد سيطروا على العراق وفلسطين.
فهل من المعقول أن تخرج فرنسا ـ كما يقول المثل المصري ـ من المولد بدون حمص، بعد أن تحملت العبء الأكبر من الحرب. وبذلك واجه فيصل أمراً واقعاً رهيباً، وتلفت حوله فرأى أن الإنكليز لا يمكن أن يغضبوا الفرنسيين من أجل السوريين، وقد كان يعلم أنه لا يستطيع التهديد بالقوة، إذ لا قوة لديه تقاتل القوة الفرنسية، فعمد إلى الحجة، وما تصنع الحجة أمام القوة؟!
وإننا لنورد هنا أمثلة مما كان يقارع به بلسانه وحجته، فمن ذلك لقاؤه المسيو (غو) السكرتير المساعد لشؤون آسيا في وزارة الخارجية الفرنسية، فقد زاره (غو) في 18/1/1919م فدار بينهما الحوار التالي، وكان المترجم بينهما قدور بن غبريط من رجالات الجزائر:
فيصل: إن المنافع الفرنسوية في سوريا معلومة نحن نضمنها ولكن يجب عليكم أن تضمنوا لنا استقلالنا ووحدتنا.
غو: إن فرنسا لا تريد أن تستملك سوريا ولا أن تكون حامية لها بل تريد تنظيمها.
فيصل: ما قصدكم من التنظيم وإلى متى يدوم هذا؟ كانت إنكلترا تقول القول نفسه في مصر وها هي أصبحت…
غو: تعيين المدة لا يمكن ولكن نحن نرغب أن لا تكون سوريا في يد غيرنا، هذه مصر أمامنا.
فيصل: إذا شئتم أن لا تكون سوريا في يد غيركم امنحوها حريتها واطلبوا ذلك من الإنكليز أيضاً. إذا لم يكن لكم مطامع اظهروا نواياكم. نحن ثلاث قوى في سوريا([260]) يجب أن نتخلى عن مطامعنا، وها أنا في الرأس مع أنني عربي أسحب جيشي فاسحبوا جيوشكم وعندئذٍ تنسحب إنكلترا ولنطلب تخلية بقية الأمكنة تبعاً للمبدأ العام.
غو: لكن نخشى على الأقلية وأن تضيع حقوق المسيحيين.
فيصل: لماذا قبلت الدول مبدئياً بإلحاق الرومانيين إلى رومانيا، ألا يوجد هناك أقلية من عنصر آخر؟ أما نحن فلا يوجد بيننا هذا لأننا كلنا عرب.
غو: إن الدول أخطأت بسياستها هذه وعندي أنه يجب عليها أن تتجنبها، ولكن لا أضمن الرأي العام وربما أجبرها نظراً للمذابح التي ارتكبها الأتراك في تلك الأراضي وعندكم أقلية لا تريد ما تطلبون وهي طالبة فرنسا.
فيصل: إن الأمة السورية والعرب ليسوا بأقل استعداداً من غيرهم من الأمم لإدارة أنفسهم. اليونان والرومان عندما استقلوا لم يكونوا أرقى منا بل بالعكس. وأما الأقلية فإذا أردتم لبنان فنحن لا حق لنا أن نتكلم عن هذا القطر لأنه تحت ضمانة الدول وله استقلال معلوم، فإذا أراد أن يحتفظ باستقلاله له وأظن أن المسألة تعود للدول التي كفلت استقلاله. وأما بقية السوريين فلماذا نريد أن نفصل في أمرهم دون أن نشاورهم، أليس لهم الحق في تعيين مقدراتهم وقد حاربوا وتحملوا من أثقال هذه الحرب ما هو معلوم لدى الجميع، فلنسأل رأيهم وهم ينتخبون فرنسا بالنظر لمحبتهم لها.
غو: ما دام أنهم ينتخبون فرنسا فلنكن نحن من الآن هناك وما الفرق بين أن تكون…
فيصل: الفرق أنكم تذهبون إلى سوريا بطلب منها لا بغير إرادتها وهذا يكون أوفق لكم ولها، وبهذه الصورة تكون البلاد مستقلة في انتخابها إذ يجب أن تعلن أن ليس لها مطامع فيها مبدئياً ثم نبحث عن مسألة التنظيم.
غو: هل تظنون أن الانتخاب يكون حراً ومن غير شائبة وهناك 40 ألف إنكليزي ودراهم…
فيصل: هذه غلطتكم، أنا أقول لكم إنني أنسحب هيا انسحبوا أنتم ولنطالب الإنكليز بالانسحاب لربما اتفقت الكلمة، والإنكليز يعلنون أن ليس لهم مطامع فأعلنوا أنتم ثم نباشر بالعمل. أنتم تخافون من الإنكليز، والإنكليز يخافون منكم ولا أحد يجرؤ أن يسحب يده من هذه المائدة النفيسة. فأنا بصفتي شريككم أتعهد بالانسحاب، هيا اتفقوا أنتم والإنكليز وانسحبوا. تبقى المآكل على حالها.
غو: أخاف أن تعفن إذا لم يأكلها أحد منا.
فيصل: إن لها من يأكلها وهم أهلوها أحق الناس بها.
وقام بينه وبين بيشون وزير الخارجية الفرنسية حوار جاء فيه:
بيشون: أنتم تعلمون أن فرنسا لها منافع عظيمة في سوريا وقد كانت بياناتكم في المؤتمر مخالفة من وجوه عديدة لتلك المنافع.
فيصل: أنا لم أبدِ غير ما تطلبه منفعة البلاد. نعم، إن لفرنسا بعض المنافع، ولكن منافع أهل البلاد أعظم من كل المنافع وقد كنت ولا أزال ترجماناً لرغائب الشعب السوري.
ومما دار بينه وبين رئيس الوزراء كليمانصو:
كليمانصو: إن الإنكليز سينسحبون من دمشق وحلب وإني أود أن تقوم عساكرنا مقام العساكر الإنكليزية هناك.
فيصل: أنا لا أستطيع الموافقة على هذه الفكرة فسوريا لا تحتاج إلى عساكر أجنبية، وإذا احتاجت إلى جنود أجنبية فيما بعد فإنها لا تتأخر أن تطلب منكم يد المعونة.
ودار بينه وبين روبير دوكيه حوار ختمه فيصل بقوله:
أنا أعرف واجبي وكيف أدافع عن حقوق أمتي، أما أن نموت فلا بأس أن نموت أعزاء أو أننا نعتنق البولشفيك.
هذا القول الذي قاله فيصل سنة 1919م مهدداً به الفرنسيين كان أول اتجاه عربي نحو الشرق السوفياتي، إذا كان ظل يومذاك مجرد تلويح نظري، فقد ظل يعتمل في نفوس العرب من تلك الأيام حتى اليوم الذي كسر فيه العرب احتكار السلاح الغربي وعقدوا صفقتهم الأولى مع الشرق البولشفيكي، ثم التحموا معه مستنصرين به فنصرهم وظل حليفاً لهم على عدوهم اللدود اليهود، وحاميتهم أميركا.
لماذا فكر فيصل بالبولشفيك وهدد بهم، ثم لم ينفذ تهديده؟!
في ذلك الوقت كان مصطفى كمال قد ثار على معاهدة (سيفر) التي مزقت تركيا ووزعت مزقها على الطامعين فيها.
وفي الوقت الذي كان يعقد فيه مؤتمر الصلح في باريس كان مصطفى كمال قد بلغ من القوة ما جعله يهدد ويتوعد ويحسب له ألف حساب.
وكان مصدر قوته هم من اصطلح على تسميتهم يومذاك بالبولشفيك. إذ كان هؤلاء البولشفيك الذي نجحت ثورتهم وقامت دولتهم يفتشون عمن ينتقمون به من الحلفاء المنتصرين، هؤلاء الحلفاء الذين ناصبوا الحكم البولشفيكي العداء وجيّشوا الجيوش لإجهاضه والقضاء عليه. فجاءته الفرصة بقيام مصطفى كمال وتمرده على قرار الحلفاء بتمزيق تركيا والاستيلاء على أشلائها فاتصل البولشفيك به وعرضوا عليه الرجال والسلاح والمال، فقال إن لديه من الرجال ما يكفيه ولكن يريد السلاح والمال فأمدوه بهما، واستجاش قومه الأتراك فهبوا إليه ملبين لإنقاذ شرفهم وبلادهم، ووصلت أصداء معاركه إلى باريس، وعُرف فيها ما عرف من إمداد البولشفيك لمصطفى كمال بما أمدوه به.
فمن هنا رأينا فيصلاً يلوح أمام روبير دوكه بالبولشفيك…
لقد ان من شروط الهدنة مع تركيا أن تسرِّح تركيا قواتها المسلحة وأن لا تبقى إلاّ ما يقتضيه حفظ الأمن الداخلي، وقد عمد الأتراك إلى إخفاء سلاحهم في حُفَر حفروها في الحقول والسهول احتفاظاً به إلى يوم يحتاجونه فيه.
وقضت معاهدة «سيفر» بتقسيم تركيا، ولم يبق للعاصمة استنبول إلاّ القسم الداخلي من الأناضول الذي انهار في الأمن ودبت الفوضى وقامت الصراعات بين الناس، كما هوجمت القرى اليونانية وراء ميناء صمسون من الأتراك. فطلب الحلفاء من رئيس الوزارة التركية أن تعالج حكومته الأمر هناك. وبعد التشاور مع وزير الداخلية تقرر إرسال ضابط كبير ليشرف على الأمور ويصلح الحال، ووقع الاختيار على مصطفى كمال وفوّضت إليه سلطات استثنائية مدنية وعسكرية واسعة واعتبر مفتشاً عاماً للجيش التاسع الذي كان يرابط هناك.
وفي اليوم السادس من أيار/ مايو توجه إلى صمسون وكان هدفه تجميع ما يستطيع تجميعه من القوات التركية المنتشرة في الأراضي غير المحتلة وسط تركيا وشرقها لتكون بقيادته معتمداً على ما مُنحه من صلاحيات، وراح الأتراك ينبشون عما دفنوه من سلاح في الأرض، ويجمعون ما كدَّسوه منه ويتقلدونه.
وكان اليونانيون قد أنزلوا جنودهم في مدينة أزمير التي كانت من نصيبهم في أشلاء تركيا، وهنا صدر الأمر من استنبول إلى مصطفى كمال ليعود.
ولكن مصطفى كمال كان قد صار هو صاحب الأمر فتمرد على أمر استنبول وحضر مؤتمراً شعبياً في أرضروم، ثم دعا إلى مؤتمر وطني عام في سيواس.
ولأول مرة يسمع الحلفاء وهم منهمكون في مؤتمر لهم في لندن بتقرير مصير تركيا في 28 شباط/ فبراير 1920م، أن جيشاً تركياً مؤلفاً من ثلاثين ألف جندي يتغلب على قوة فرنسية في جنوب الأناضول. لقد أذهلهم النبأ…
كانت حكومة أستنبول قد دعت في نهاية عام 1919م إلى انتخابات نيابية عامة تشمل تركيا كلها، وقبل انعقاد المجلس النيابي توجه النواب إلى أنقرة التي كان اتخذها مصطفى كمال مقراً لثورته فوقّعوا الميثاق الوطني الذي كان وضعه مصطفى كمال والداعي إلى قيام دولة تركية مستقلة. ولما انعقد المجلس النيابي في أستنبول في 28 كانون الثاني/ يناير 1920م قرر المجلس في جلسة سرية الموافقة على الميثاق الوطني، ثم أعلنوا هذه الموافقة في 18 شباط/ فبراير.
ورأى الإنكليز أن يشتدوا في الأمر فاحتلت القوات الحليفة أستنبول وأعلنت الحكم العسكري واعتقلوا العشرات من المدنيين والعسكريين بينهم عدد كبير من النواب ونفوهم إلى مالطا. واستطاع حوالي مئة نائب الوصول إلى أنقرة حيث انضموا إلى مئة وتسعين عضواً آخرين وألفوا مجلساً نيابياً جديداً قرر إنشاء حكومة الجمعية الوطنية الكبيرة التي انتخبت مصطفى كمال رئيساً لها.
وكان أول قرار اتخذته حكومة مصطفى كمال إرسال بعثة إلى روسيا وصلت في أيار/ مايو سنة 1920م. وكان من نتائج وصول هذه البعثة أن تدفق المال والسلاح الشيوعيان إلى حكومة مصطفى كمال.
ولكن شتان بين موقع مصطفى كمال وبين موقع فيصل، فبلاد مصطفى كمال متصلة الحدود مع بلاد البولشفيك مجاورة لها الجوار اللصيق مما لا يحول بين تدفق السلاح من الثانية إلى الأولى، في حين أن بين سوريا وبين روسيا من البعد ما يحول دون أي اتصال بينهما، فضلاً عن أن ما بيد فيصل من البلاد السورية هو موقع بري لا منفذ له على البحر، فالبحر من صور حتى إسكندرون هو بيد الفرنسيين.
فمن هنا كان يعلم روبير دوكه ومن وراءه من الكبار أن تلويح فيصل بالبولشفيك هو تلويح يمضي في الهواء لا يخيفهم ولا يردعهم…
وكان فيصل يعلم ذلك، ولهذا لم يعد إلى هذا الموضوع، وكان ما ظهر على لسانه مجرد نفثة مصدور وزفرة مكروب!
على أن لتطلع إلى (البولشفيك) لم يرد على لسان فيصل وحده. فهذا رستم حيدر المندوب العربي الثاني في مؤتمر الصلح يتطلع هو الآخر إليهم ويرى أنهم المنقذون.
إنه وهو يسرد الأحداث في مذكراته يشير إلى انتشار (البولشفيك) في ألمانيا قائلاً عن أحداث يوم 10/4/1919م:
إن (البولشفيك) تأسس في بافاريا منذ أربعة أو خمسة أيام، وقد تأسس هذه المرة بصورة قوية، فأصبح والحالة هذه في قلب أوروبا. وهذه الحركة تنتشر يوماً فيوماً وقريباً لا بدّ لألمانيا أن تعتنق هذا المبدأ عندما تقف على مطاليب الدول المتحالفة المجحفة والمخالفة لمبادىء الرئيس ويلسون. حبذا لو انتشرت هذه الفكرة في أوروبا لأن انتشارها سيكون من أكبر العوامل المؤيدة ليس فقط لحرية البلاد العربية بل لحرية واستقلال الشرق. إذا أصبحت ألمانيا بولشفيكية فهل يمكن لفرنسا بعد ذلك أن ترسل جنوداً لقتال العرب الذين يطلبون حريتهم واستقلالهم؟
وأكثر من ذلك فإن الملك حسين ملك الحجاز نفسه قد اندفع الاندفاع نفسه نحو (البولشفيك)، فبعد القضاء على الحكومة الاستقلالية العربية في دمشق وذهاب الملك فيصل إلى أوروبا، وبينما كان لا يزال ينتظر في إيطاليا، تلقى من والده الملك حسين رسالة بأن لا يرجع إلى الحجاز، ويصبح بولشفيكياً إذا اقتضى الأمر!
على أنه إذا كان من المتعذر على الحكومة العربية الاستقلالية في دمشق الاتصال بالبولشفيك فقد جرت محاولة للاتصال بالكماليين الذين كانوا يحاربون الفرنسيين في كيليكيا للتعاون معهم على الفرنسيين، ومع أنه لم يذكر أحد أنه كان هناك تفكير للاتصال بالبولشفيك بتوسط الكماليين، فليس من المستبعد أن يكون هذا التفكير قد جال في ذهن من في دمشق.
وقد كانت حكومة دمشق الاستقلالية قد وقفت بصلابة في وجه الفرنسيين المحاولين إرسال إمداداتهم إلى مقاتليهم في كيليكيا بطريق القطار الواصل إلى حلب عبر الأراضي السورية، ورفضت السماح لهم بذلك لئلا تعين الفرنسيين على الأتراك المدافعين عن بلادهم.
وقد كان هذا الموقف قبل التفكير بالتعاون مع الكماليين.
على أن الفرنسيين الخارجين من الحرب منهوكي القوى والذين أخذوا يتنافسون مع الإنكليز، رأوا أن استمرار القتال مع الكماليين الذين أصبح لهم جيش قوي يحسب له كل حساب مما لا تتحمله نفوس الشعب الفرنسي الذي كان قد أعيى من سفك دمائه وبذل أمواله خلال الحرب الكبرى، فلم يكن من الممكن حمله على أن يرسل أبناءه من جديد إلى ساحات القتال ولا أن يبذل أمواله.
مضافاً إلى ذلك أن الصراع الأساسي هو بين الأتراك واليونان، اليونان الذين احتلوا إزمير وراحوا يمتدون فيما وراءها، وكان الإنكليز نصراء اليونان. فرأى الفرنسيون أن يكونوا نصراء الأتراك، فأعلنوا تخيلهم عن كيليكيا وانسحابهم منها. والمعروف أنهم تركوا فيها للأتراك أسلحة مهمة.
وبذلك تفرغوا لقتال السوريين الضعفاء الذين لا مدد لهم، ولا حليف يؤازرهم، فعظمت المصيبة على السوريين الذين كان عدد جيشهم لا يزيد عن سبعة آلاف جندي موزعين في مختلف المناطق السورية، مع خمسة عشر ألف بندقية وعدد من المدافع. ثم تبين أن عدد الرصاصات لكل بندقية لا يبلغ المئات، وعدد القنابل لكل مدفع لا يبلغ العشرات.
وبعد أن وضعت الحرب أوزارها بين الأتراك والفرنسيين لم يعد الأتراك بحاجة للتحالف مع السوريين. ومع ذلك ظل هذا الهاجس يراود ذهن فيصل وأعوانه، فبعد خروجه من دمشق وانهيار الحكم العر بي الاستقلالي فيها، وبينما هو في البحر بطريقه إلى إيطاليا قرر إرسال ساطع الحصري إلى أستانبول للاتصال بالكماليين ـ كما يذكر ذلك ساطع الحصري في كتابه: يوم ميسلون ص158 ـ 168 ـ واستطلاع إمكان الإفادة من التعاون معهم. ولدى وقوف الباخرة في نابولي نزل منها ساطع وأخذ أول باخرة مسافرة إلى أستانبول فوصلها في أول أيلول/ سبتمبر 1920م، أي بعد ما ينوف على شهر من موقعة ميسلون.
وكان للكماليين ممثلون في أستانبول فاستطاع الوصول إليهم، محاولاً الوصول إلى أنقرة للتفاهم مع مصطفى كمال نفسه، وحتى ذلك الوقت لم يكن ما جرى من تصالح تركى فرنسي واضحاً تماماً، ثم تبين له أن ليس من المستطاع الوصول إلى أنقرة لانقطاع الاتصال بينها وبين أستانبول، ووضحت له وهو في أستانبول حقيقة العلاقات الجديدة بين الأتراك والفرنسيين، وكون الفريقين مجمعين على التناصر في مقاومة الإنكليز المناصرين لليونان.
ولما تبين هذا للحصري عاد إلى إيطاليا فوصل البندقية في 25 أيلول/ سبتمبر ومن البندقية سافر إلى ميلانو فإلى كومو التي كان فيصل وحاشيته مقيمين في إحدى ضواحيها.
وإذا كنا قد قلنا ما قلنا فيما تقدم، فإننا نتساءل هنا أصحيح أن باب التواصل العملي بين البولشفيك وبين سوريا كان موصداً، وأن لا سبيل لمد البولشفيك للسوريين بما أمدوا به الأتراك؟
الذي أراه في الجواب الصحيح هو أن إمداد البولشفيك للأتراك كان سهلاً لاتصال حدود البلدين ببعضهما، وإمداد البولشفيك للسوريين ليس مستحيلاً بل صعباً، وأن هذه الصعوبة كان يمكن تذليلها، لو كان هناك تخطيط عربي بعيد النظر، تخطيط مقرون بالعزم الصامد والحزم الصارم. لم يكن هناك تخطيط عربي، بل كانت الأمور ترتجل ارتجالاً، وكانت الحماسة والعاطفة تتحكمان دون درس لما يجب أن تقترن به الحماسة والعاطفة من وسائل التنفيذ العملي للمستقبل.
فالنوايا الفرنسية كانت واضحة في الاستيلاء على سوريا، والإنكليز بدوا متخلين عن العرب إرضاءً للفرنسيين، فاكتفي في هذا الموقف الخطير لتحدي الفرنسيين بإعلان قيام المملكة العربية السورية مستقلة استقلالاً تاماً، ولم يفكر أحد باحتمال الاصطدام بالفرنسيين اصطداماً عسكرياً، مع أن هذا الاصطدام لم يكن محتملاً، بل متيقناً، ولم يفكر أحد بإمكانات الجيش السوري في مقاتلة الجيش الفرنسي المنتصر قبل شهور على الجيش الألماني.
بل لقد جرى التفكير في ذلك، ولكن قبل ساعات من ساعة الفصل، فإذا بياسين الهاشمي العسكري العربي الأول يومذاك يكشف على مستودعات السلاح، فإذا بالحقيقة المرة تبعث اليأس المرير!
لقد أعلن ياسين أن ما لدى الجيش الشوري من ذخائر السلاح لا يكفي للصمود أكثر من ساعتين!
إذ لكل بندقية 270 رصاصة، ولكل مدفع 80 قنبلة!
هذا الكشف كان يجب أن يكون سنة 1918م، لا سنة 1920م، كان يجب أن يكون في الساعة التي طرد فيها الفرنسيون والإنكليز الحاكم العسكري العربي شكري الأيوبي من بيروت وأنزلوا العلم العربي من عليائه ذليلاً!
وعندما تتبين حقيقة الضعف في الجيش السوري يصار في الحال إلى التفتيش عن الحلفاء الذين يقوون هذا الضعف، وكان الحلفاء جاهزين، كانوا محصورين في البولشفيك.
كان كل ما فعله الحكم العربي في دمشق عندما لاحت ملامح الاصطدام أن أستقدم بضعة مدافع من الحجاز من مخلفات الجيش العثماني ولم يكن العتاد متوفراً لها.
ونحن لا ندري كيف وصلت هذه المدافع إلى دمشق، الأرجح أنها وصلت على طريق العقبة.
ولا يهمنا أن نعرف كيف وصلت، فالمهم أنها وصلت…
وبالطريق نفسه الذي وصلت عليه مدافع الحجاز كان يمكن أن تصل إمدادات السلاح البولشفيكي، لو كان هناك مخططون ذوو نظر بعيد!
الفرنسيون تخلوا عن كيليكيا للأتراك لأنهم عرفوا أن الاحتفاظ بها سيكلفهم خوض حرب لا يوافقهم شعبهم على خوضها بعد ما عاناه من الحرب التي خرج منها، ولا يوافقهم برلمانهم على إقرار ما يقتضي إقراره من أموال للاستمرار فيها، فأذعنوا للأمر الواقع وسلموا كيليكيا للأتراك وانسحبوا منها.
ولو عرفوا أن دخول سوريا سيكلفهم حرباً طويلة الأمد لسلموا في سوريا بمثل ما سلموا به في كيليكيا، ولكنهم كانوا يعرفون أنهم سيقاتلون جيشاً لا يملك لكل بندقية من بنادقه المحدودة العدد مئات الرصاصات، ولا لكل مدفع من مدافعه عشر ات القنابل، فاشتط (غورو) في مطالبه ودخل دمشق فاتحاً… ماذا كان يمكن أن يحدث لو وجد في العرب يومذاك مخططون بعيدو النظر نفّاذو الفكر منظمو العقل واستطاعوا النفاذ إلى (البولشفيك) فاستمدوا السلاح وواجهوا به المخططات الاستعمارية؟
يصف رستم حيدر في مواضع مختلفة مما دوّنه وهو عضو في الوفد العربي، يصف الموقف مرة بهذا القول: هذه السياسة الأوروبية كذب ونفاق. فلتحيَ القوة.
ومرة يقول: دائماً عجلة… دائماً المقررات تعطى في آخر ساعة فلا يترك للتفكير وقت مناسب. إن النوطات (المذكرات) التي تحرر عند الأمم المجربة يمضي مدة حتى ترسل وتعدل مراراً أما نحن فإننا نعيش يوماً فيوماً بل ساعة فساعة، وهكذا حالة الأمم المبتدئة والضعيفة ليس لها وقت تفكر فيه (انتهى).
والواقع أن هذا الوصف ينطبق على الموقف العربي كله.
ويبدو أن الاستعانة بالبولشفيك ظلت تراود فيصلاً وصحبه بعد رحيله عن دمشق وتوقفه في إيطاليا بانتظار دعوة الإنكليز له إلى لندن، فإن رستم حيدر يذكر في الصفحة 740 من مذكراته عن أحداث يوم الخميس 4/11/1920م ما يفهم منه أن إحسان الجابري أحد مرافقي فيصل قد ذهب إلى سويسرا للاتصال بالبولشفيك الذين كان لهم رجال منتشرون في كل مكان فوجد أحدهم في زوريخ وجرى الاتصال به. وفي ذلك الوقت كان الصراع العسكري محتدماً في بولونيا وكانت موازين الحرب في غير صالح البولشفيك.
وعلى حدّ تعبير رستم حيدر: «ثم تثبطت الهمم بتوالي انكسار البولشفيك أمام بولونيا».
ويبدو أن هاجس البولشفيك ظل ملازماً لفيصل حتى وهو في طريقه إلى لندن لمقابلة الملك جورج والتمهيد لملكية العراق، فرستم حيدر يذكر في الصفحة 747 عن أحداث يوم الأحد 28/10/1920م ما يلي:
«ركبنا في الباخرة إلى إنكلترا ولما وصلنا إلى (دوفر) ركبنا وسرنا إلى لندن…
على الطريق حديث مع كورنواليس: إيمان سيدنا (فيصل) برجوع البولشفيك. حقوق العرب».
ومن المعلوم أن ما كان يدوِّنه رستم لا يعدو كونه رؤوس أقلام كان ينوي أن يفصلها بعد ذلك، ولكن حالت الأيام دون هذا التفصيل. فذكره هنا إيمان فيصل (برجوع البولشفيك)، مقروناً بذكره (حقوق العرب) ذو دلالة واضحة.
وفيما دوّنه عن أحداث يوم الأحد 5/12/1920 بعد مقابلة فيصل للملك جورج، وما رواه فيصل بعد ذلك بأن الملك جورج أكد له أنه ليس ثم ما يستوجب القلق وأنهم وراءه بقوة.
وقول رستم حيدر:
«إن الرأي العام حسن للغاية وكل من اجتمع مع جلالته (فيصل) يوافق على معونة العرب. سياسة بريطانيا تحورت ولكن لم يحن وقت تظاهرها. أكبر عامل البولشفية».
ثم يشير رستم حيدر إلى الانتصارات التي عادت فحققتها البولشفية وتزايد قوة الأتراك الكماليين، وسقوط فنزيلوس رئيس الوزارة اليونانية([261]) وما سماه تحوّر فرنسا. ثم يقول:
«الاستناد على العرب خير من غيرهم، لا يمكن ذلك إلاّ بمعاونتهم. ولكن إنكلترا لا تريد ذلك إلاّ في الأماكن التي لها عليها سيطرة. وأما مسألة سوريا فيريدون أن يتركوها الآن».
«… وهكذا السياسة مصالح. رأى الفرنسيس الاتفاق مع الأتراك ليحكموا العرب، وأما الإنكليز الذين أفلست سياستهم بمعاضدتهم اليونان فإنهم يميلون إلى الروس والعرب على الأتراك».
ثم يقول في موضع آخر:
«والموقف مساعد لأن سياسة فرنسا ضد سياسة الإنكليز، الأولى ترمي لمسالمة الأتراك علناً وضرب العرب وإخراج حتى اليونان. والثانية ترمي لقمع الترك وتأييد العرب واليونان. وهذا ظاهر من خطب ليغ ولويد جورج».
ثم يقول في الصفحة 765 إن (فيليب كار) أرسل يقول:
«إن الوزارة قررت السير على سياسة عربية، ولويد جورج (رئيس الوزراء) يرتشي أن تعمل إنكلترا في العراق وشرق الأردن ضمن عهودها مع العرب وتترك فرنسا الآن في سوريا لأن مراجعة فرنسا على رأيه لا تأتي بفائدة. وأما كرزن (وزير الخارجية) فإنه يرتئي أن تراجع فرنسا أيضاً بمسألة سوريا بكل صراحة لأن إنكلترا متعهدة بالمدن الداخلية للعرب ولعلها تقبل بتأليف حكومة تضم الطرفين: العراق وسوريا، وإذا لم تقبل فتكون إنكلترا حرة عندئذٍ في أعمالها».
هذه النصوص التي قلنا إنها (رؤوس أقلام)، مجرد رؤوس أقلام، تخفي وراءها النص على تحولات كبرى في السياسة الإنكليزية، فبعد أن كان الإنكليز يتهربون من فيصل تاركينه فريسة المطامع الفرنسية، وبعد أن كان وزير خارجيتهم يقنعه بالذهاب إلى باريس حالاً، ثم يوعز إلى سفيرهم في باريس بأن يثنيه عن العودة إلى لندن إذا حاول ذلك. وبعد أن تركوا فيصل ينتظر طويلاً في إيطاليا إلى حدّ اليأس حتى قال لرستم حيدر: إن بقائي هنا مشين، ماذا أفعل؟ وأظن أن الإنكليز لا يودون أن يفعلوا شيئاً في الظروف الحاضرة.. وكان يريد الذهاب إلى لندن، ولكنه لا يمكنه ذلك إذا لم توافق إنكلترا، وإنكلترا حتى الآن لم تبدِ موافقتها. ثم يتبدل الأمر فجأة وإذا بالإنكليز يدعونه لمقابلة الملك وصار الملك يعده ويمنيه، وصاروا يتحدثون عن إنصاف العرب في العراق وشرق الأردن.
هذا التحول كان لأن الدنيا بدأت تتحول لغير صالحهم، فالبولشفيك عادوا ينتصرون واليونانيون عادوا ينهزمون والفرنسيون يتقربون من الأتراك، فكان لا بدّ لهم من تبديل مخططاتهم وهذا ما كان.
لقد انهار اقتصاد بريطانيا في العامين 1920م و1921م فتدهورت الأسعار وهبطت الصادرات وتوقفت أعمال الشركات واجتاحت البلاد بطالة واسعة النطاق على نحو لم تشهده من قبل، وأخذ السياسيون يتساءلون هل تستطيع بريطانيا أن تتحمل أعباء مغامرات السياسة الخارجية في أمكنة مثل فلسطين وبلاد الرافدين.
لقد أعلن لويد جورج أنه يستحيل على بلاده أن تبقي ـ إلى ما لا نهاية ـ على جيشها المؤلف من 1.084.000 رجل والذي يحتل الامبراطورية العثمانية. ومع حلول صيف 1919م انخفض عدد الجيش إلى 320.000 رجل.
ليلة 14 ـ 15 حزيران/ يونيو هاجمت قوات مصطفى كمال فوجاً من القوات البريطانية قرب أستنبول مهددة بذلك القوات التي تحتل العاصمة العثمانية.
لقد أثار هذا الهجوم التركي الفزع لا سيّما أنه وقع بعد شهر واحد على إرسال مصطفى كمال بعثته إلى روسيا وبعد الهزائم التي ألحقها الكماليون بالفرنسيين في كيليكيا. فأبرق القائد البريطاني طالباً النجدات. فأقر رئيس هيئة أركان قوات الامبراطورية في لندن بأن القوات الوحيدة المتوافرة للنجدة هي القوات اليونانية، وأنه يقترح على مجلس الوزراء الطلب إلى فرقة يونانية أن تساعده في الدفاع عن أستنبول. وكان فنزيلوس مستعداً لتقديم الفرقة بشرط أن يسمح الحلفاء لليونان بأن تتقدم من إزمير، وهذا من شأنه أن يتيح للجيش اليوناني الاستيلاء على الجيب الهام الذي يعتزم فنزيلوس ضمه إلى اليونان.
أما لويد جورج فكان أكثر من مستعد، وفي 20 حزيران/ يونيو اتفق رئيس الوزراء الفرنسي مع لويد جورج على السماح بتقدم يوناني محدود من إزمير. وهكذا شنّ اليونانيون في الثاني والعشرين من حزيران/ يونيو هجوماً على ثلاثة محاور فاستولوا في أوائل تموز/ يوليو على سائر آسيا الصغرى حتى هضبة الأناضول. وفي أثناء ذلك شقت القوات اليونانية على الجانب الآخر للدردنيل طريقها عبر شرق تراقيا. قال لويد جورج المنتشي بالظفر: لم يعد لتركيا من وجود. وفي 10 آب/ أغسطس 1920م وقَّع ممثلو السلطان التركي وممثلو حكومته التي لا حول لها على معاهدة «سيفر». وقد قلَّصت هذه المعاهدة الدولة العثمانية إلى ما يقرب من عدم الوجود وأعادت إلى اليونان أراضي آسيا الصغرى الساحلية التي كان اليونانيون قد أستوطنوها قبل نحو ثلاثة آلاف سنة.
ولكن من يحمي معاهدة «سيفر» فالقوات البريطانية قد سرّحت، فتقرر بين لويد جورج وفنزيلوس أن يتقدم الجيش اليوناني إلى داخل الأناضول للقضاء على الكماليين.
وفي موعد الانتخابات النيابية اليونانية، هزم فنزيلوس وعاد إلى السلطة الزعماء الموالون لألمانيا المعادون للحلفاء الذين كان فنزيلوس والفرنسيون قد أطاحوا بهم ونفوهم خلال الحرب.
ويصف رستم حيدر وضع الإنكليز يومذاك في حديثه عن وزير خارجيتهم كرزن كما يلي:
1 ـ أخفقت سياسته: في العجم بطل اتفاقه وانسحبت جيوشه منها.
2 ـ في روسيا كذب وبدّل وحوّل إلى أن سافر كراسين([262]) وكأنه أراد أن يقيد أعمال البولشفيك في بلادهم ويمنعهم من البربغندا، وهي حياتهم.
3 ـ في أرمينيا وآذربيجان وحتى في جورجيا، استولى البولشفيك على الأوليين، والثالثة تحت التهديد. وكان يريد أن يجعل من هذه الدول الصغيرة سداً يصد به البولشفية فتداعى على بانيه وانسحبت جيوش بريطانيا من باطوم.
4 ـ في بولونيا مع البولشفيكية.
5 ـ مع الأتراك واليونان وكأنه الآن يريد رتق الفتق الذي أحدثه في إزمير وهنا وهناك.
6 ـ في العراق أحدث ثورة هائلة.
7 ـ في مصر لم يجد لها حلاً نظراً لتعصبه.
8 ـ الهند في ثورة مستمرة.
9 ـ الأحوال مع الأفغان غير مرضية.
10 ـ العرب في سوريا وفلسطين يتهمون الإنكليز بالتخلي عنهم وبيع أملاكهم للصهيونيين.
11 ـ في اليمن قامت قيامة الإمام عليها.
12 ـ الحجاز لم يوفِ بعهود بريطانيا معه والعرب غاضبون.
13 ـ كل هذا لأجل فرنسا وفرنسا ناقمة…
ثم يعقب على ذلك قائلاً:
وأما المسائل الأوروبية فزملاؤه (يقصد وزراء خارجية الدول الأخرى) لا يحسبون له حساباً فيها…
ثم يقول:
يتكلم كارزن جيداً وينظر إلى نفسه كإله فمن الصعب أن يدور ومن المستحيل أن يفهم إلاّ بالقوة، والحمد للَّه أن القوة في العراق أفهمته الوضعية ولولاها ـ كما يقول لورنس ـ لذهبت أقوالنا ومساعينا نحن محبي العرب أدراج الرياح.
ثم يقول:
ذكر لنا سيدنا (فيصل) أن ثورة العراق كان لها تأثير عظيم وأنه صرف في سبيلها 40 ألف ليرة (ذهبية).
نقول تعليقاً على ما ذكره رستم عن صرف فيصل 40 ألف ليرة في سبيل الثورة العراقية ـ نقول:
إن الملك فيصل بعد مجيئة للعراق روى لأحد زعماء الثورة السيد علوان الياسري، كما روى من قبل للسيد محسن أبو طبيخ أنه دفع إلى بعض العسكريين العراقيين الموجودين يومذاك في دمشق والمتصلين به مبالغ كبيرة من المال لإرسالها إلى الثوار. وبعد مجيئه إلى العراق أراد أن يتحقق عن مصير تلك الأموال فتأكد له أنها قسمت بين الأصحاب في دمشق ولم يصل منها شيء للثوار.
وما كتبه رستم حيدر: كتبه ـ كما لا يخفى ـ قبل مجيء فيصل إلى العراق.
على أن الاستعانة بالبولشفيك إذا كانت قد ظلت يومذاك مجرد فكرة لم تخرج إلى حيز التنفيذ، فقد جرت بعد خمس سنين من هذه الأحداث عند قيام الثورة السورية سنة 1925م محاولة للاستعانة بالبولشفيك قطعت شوطاً عملياً ثم توقفت، وهي على ما يروي عجاج نويهض في مذكراته في الصفحة 66 جرت على الشكل التالي:
يقول عجاج نويهض وهو يتحدث عن صلته برشيد طليع والتقائه به في القدس حيث كان يعمل عجاج:
الحادثة الأولى تتلخص في محاولة رشيد طليع الحصول على السلاح من البولشفيك. ولم يكن الاسم الشائع عن روسيا إلاّ الشيوعية أو البولشفيك، لا الاتحاد السوفياتي. ولا أدري كيف استطاع رشيد الاتصال بـ(الشيوعيين) في فلسطين، ولا أنا سألته على ما بيننا من صلة واشجة، وعلى الرغم من وجودنا معاً طوال إقامته بالقدس، ولم يكن يخفي عني شيئاً من الأسرار كبيرها وصغيرها، لكنني فعلاً لم أسأله.
قال لي ذات صباح: سيأتي رجل من تل أبيب يهودي يحسن العربية ليراني، وقد دللته على عنوان (البنسيون)، وهناك موعد بيني وبينه اليوم، فأنا باقٍ هنا اليوم للقائه. لم أسأله السبب في مجيء هذا الرجل، وإنما نبهت صاحبة البنسيون إلى أنه إذا جاء أحد يريد مقابلة رشيد بك، فلتدعه يدخل. وكان وقت رجوعي من عملي لا يكون قبل الثانية بعد الظهر. فلما أتيت، قال لي: إن إبراهيم أتى، وعقد اجتماعاً معه، وسيأتي مرات أخرى. وهنا لم أر نفسي إلاّ وقد دفعني الفضول لأسأله: «ما قصد هذا اليهودي؟». فقال لي: هذا يهودي في الظاهر، وإنما هو شيوعي عميق في الروح الشيوعية، لا تهمه اليهودية، ويتظاهر بها كي لا تشكّ به الحكومة فتعتقله، وأتى إليَّ اليوم لأول مرة في البنسيون، ولكن سبق لي الاجتماع به في القدس مراراً. وإني ـ لا أخفي عليك ـ أبتغي من وراء مخابرة البولشفيك الحصول على مساعدة الثورة في السلاح، واصلاً إلى إحدى موانىء الحجاز، ونحن علينا نقله من هناك إلى جبل الدروز. وإبراهيم هذا صلاحياته محدودة في المفاوضة، ولكنه اتصل بمرجعه الأعلى في روما. وبعدئذٍ اتفقنا على أن يحضر من روما مفوض شيوعي له الصلاحية المطلقة في الاتفاق. وسيعود إبراهيم في الأسبوع المقبل.
جاء الأسبوع المقبل، وجاء إبراهيم وأخبر طليعاً أن المفوض قد حضر. فطلب طليع أن يأتي هذا المفوض إلى القدس فيجتمع إليه في البنسيون. فجاء وعقد الاجتماع في البنسيون بين رشيد والمفوض وإبراهيم، ودام عدة ساعات. قال لي رشيد فيما بعد:
إن المفوض وافق تمام الموافقة على المساعدة بتقديم السلاح على الطريقة لتي عاملوا بها مصطفى كمال في حرب الأناضول، والسلاح يوصلونه إلى إحدى موانىء الحجاز. لكن المفوض الشيوعي وضع شرطاً لم يتزحزح عنه شعرة، وهو أن تطبق في الثورة مبادىء الشيوعية.
فقلت له ـ يقول رشيد:
إنكم لم تشترطوا على مصطفى كمال هذا الشرط، ونحن ليس في وسعنا، بل ليس في مصلحتنا القومية المناداة بالشيوعية في جبل الدروز، أو في مكان آخر في سوريا. ووقف الاتفاق بين رشيد طليع والبلاشفة عند هذا الحدّ. أما إبراهيم فلم يقطع أمله، وظل يتردد نحو شهر لكن بلا جدوى (انتهى).
عودة فيصل
عاد فيصل بعد غياب في باريس دام خمسة أشهر فوصل بيروت في 30 نيسان/ أبريل سنة 1919م، فاستقبل فيها استقبالاً باهراً ساهمت فيه وفود من جميع المناطق السورية واللبنانية فخطب في مستقبليه خطاباً قال فيه: الاستقلال يؤخذ ولا يعطى.
ثم أذاع بياناً في اجتماع صحفي أعلن فيه النية في إقامة المؤتمر السوري الذي سيتمثل فيه الشعب السوري، والإصرار على الاستقلال الكامل وحرض على وحدة الصف.
ثم مضى إلى دمشق حيث وافته إليها وفود من كل مكان، فدعا إلى اجتماع عام في دار الحكومة برر فيه قيام الثورة العربية وشرح ما قام به في باريس من توضيح القضية العربية والدفاع عن سوريا بحدودها الطبيعية، ثم استفتى الحاضرين فيما إذا كانوا مؤيدين لما قام به، وإذا كانوا يوافقون على أن يدير الحكومة بسياستها الداخلية والخارجية. فأجابوا جميعاً بالإيجاب.
وكان العزم منصباً على انتخاب مجلس نيابي، ولكن صرف النظر عن ذلك لأن الانتخاب لا يمكن أن يكون عاماً مع وجود الاحتلال الإنكليزي في فلسطين والفرنسي في الساحل. لذلك أرتئي أن تجري الانتخابات من قبل الناخبين الثانويين الذين انتخبوا نواب مجلس المبعوثان العثماني. فاجتمع نواب بيروت ومناطق جبل عامل وطرابلس واللاذقية وجميع مدن فلسطين مع نواب المنطقة السورية المستقلة.
وافتتح المجلس الذي سمي: المؤتمر السوري العام في السابع من حزيران/ يونيو سنة 1919م في دمشق، وقال الأمير فيصل في خطابه بافتتاح المؤتمر إن إحدى مهمات المؤتمر سن دستور للبلاد.
ثم تلقى الأمير فيصل برقية من رئيس الوزارة البريطانية لويد جورج يدعوه فيها إلى أوروبا. فاستجاب الأمير للدعوة وتوجه مع مرافقيه في القطار إلى حيفا وأبحر منها على نسافة بريطانية قاصداً مرسيليا، وكان من المفروض أن يصل باريس في 16 أيلول/ سبتمبر 1919م ولكن المفاوضات بين الحكومتين الفرنسية والإنكليزية لم تكن قد انتهت، وكانت فرنسا غير موافقة على اشتراك فيصل في هذه المفاوضات، فأُوعز للنسافة وهي في عرض البحر أن تتباطأ في السير، وعرّجت لهذا الغرض على مالطة بدعوى احتياجها لبعض الإصلاح وللوقود، فلم تصل مرسيليا إلاّ في 18 أيلول/ سبتمبر بعد أن تمّ الاتفاق بين الفرنسيين والبريطانيين على الأمور المختلف عليها بينهم. وصدر بلاغ في 7 أيلول/ سبتمبر يعلن الاتفاق بأن تحل القوات الفرنسية محل القوات الإنكليزية في سوريا وكيليكيا باستثناء المدن الأربع: دمشق وحمص وحماه وحلب التي تظل فيها القوات العربية، وتضم الأقضية الأربعة: البقاع (المعلقة) وبعلبك وحاصبيا وراشيا التابعة للمنطقة الشرقية منطقة القوات العربية ـ تضم إلى المنطقة الغربية منطقة الاحتلال الفرنسي.
ويذكر رستم حيدر في مذكراته عن يوم 16/9/1919م أنهم ذهبوا صباحاً إلى محطة ليون لاستقبال الأمير فلم يجدوا أحداً، ويتساءل رستم عن سبب مجيء الأمير، ثم يستنتج استنتاجاً سليماً قائلاً: إني أعتقد أن القصد كان أن يحضر مذاكرة لويد جورج وكليمانصو.
ثم يبدي استغرابه من عدم وصول الأمير في الوقت المعين قائلاً: أظن هذا التأخير ناشىء عن أمر خصوصي ستكشفه لنا الأيام.
ولم يكن يعلم أن إصرار الفرنسيين على عدم مشاركة الأمير في المفاوضات هو هذا الأمر، ولم يكن أمراً خصوصياً، بل أمراً مدبراً لا بليل بل بنهار.
ثم يذكر سفر لويد جورج، ويتساءل كيف هذا السفر قبل وصول الأمير؟
ثم يعود إلى استنتاج سليم قائلاً: أظن تأخر الأمير مبنياً على أمر خصوصي بعد أن تقرر ما تقرر، وكأن الحكومة الفرنسوية لا تريد حسب جرائدها أن تفاوضه بل طلبت أن تنحصر المذاكرات بينها وبين إنكلترا إذ لا علاقة لها بالأمير.
ويبدو أن سفر لويد جورج إلى لندن قد بلغ الأمير، فلم ير فائدة في التعريج على باريس، لذلك اتخذ طريقه في القطار إلى (بولوني)، والانتقال منها إلى لندن.
وفي لندن التقى الأمير فيصل كلاً من رئيس الوزراء لويد جورج ووزير الخارجية (كرزن) والجنرال اللنبي مجتمعين فأطلعوه على ما اتفقوا عليه مع الفرنسيين وأن الجنرال اللنبي سيوضح له خطة انسحاب الجيوش الإنكليزية وانتشار الجيوش الفرنسية.
فاحتج الأمير فيصل على ذلك وقال إن هذا تطبيق عملي لمعاهدة سايكس ـ بيكو المناقضة لما اتفق عليه والده باسم العرب ومكماهون باسم الإنكليز شرطاً لقيام الثورة العربية، وهو استقلال البلاد العربية من شمالي إسكندرون حتى المحيط الهندي ما عدا معاملة خاصة للبصرة وعدن.
وأبرز لهم صورة عن المعاهدة المتضمنة لذلك، فلما اطلع عليها لويد جورج أبدى حيرته وشكك في وجود مثل هذه المعاهدة في وزارة الخارجية، وبهذا النص بالذات، وقال إن مكماهون نفسه لا يتذكر أنه وقّع على معاهدة بهذه الصورة.
وهكذا بدأ الإنكليز يتنصلون من وعودهم. فأرسل الأمير فيصل برقية إلى والده ليزوده بالوثائق والنصوص، وبعد وصولها أرسل مذكرة مفصلة إلى لويد جورج ضمنها ما وصله من والده، محتجاً على اتفاق 15 أيلول/ سبتمبر بين إنكلترا وفرنسا، قائلاً إن اتفاق سايكس ـ بيكو يدخل ضمن المعاهدات السرية التي قرر الحلفاء إلغاءها، وإن العرب يرفضون الاعتراف بأي اتفاقية تعقد دون اطلاعهم.
ثم قابل الأمير الثلاثة: لويد جورج وكرزن واللنبي مجتمعين، فقال لويد جورج إن هذه اللائحة موقتة، وإن إنكلترا مضطرة لسحب جيوشها من القفقاس ومن سوريا خفضاً للنفقات.
وراح كرزن يمن على العرب بأن الإنكليز أرسلوا مليوناً من الجنود ولولا الحلفاء لبقي العرب محكومين من الأتراك، وأنه بينما كانت إنكلترا تحارب في الشرق كانت فرنسا تحارب في الغرب فليس من العدل أن لا يراعى جانبها وتحفظ منافعها.
فردّ عليه الأمير فيصل قائلاً: إن فرنسا كانت تقاتل دفاعاً عن بلادها وصد الهجوم الألماني عليها، والعرب كانوا يقاتلون لاستقلال بلادهم، فكيف يسمح لفرنسا أن تحتل بلادهم، وهي التي دفعت الألمان عن بلادها، والعرب لا يطلبون إلاّ حقوقهم وقد كانوا حلفاء الحلفاء، والإنكليز يعرفون ما فعل العرب في الحرب وأثرهم في تحقيق النصر، وإذا كانوا قد خرجوا من حكم الأتراك فهل كان ذلك ليدخلوا في حكم أجنبي آخر؟!
وذكّر فيصل اللنبي بأنه هو الذي أجبر القوة العربية التي ذهبت إلى بيروت بقيادة شكري الأيوبي ـ أجبرها على الانسحاب من بيروت، وأنه إذا كان لا بدّ من تغيير فيجب أن تعود القوة العربية إلى ما كانت قد احتلته في الساحل.
فانفرد الثلاثة عن فيصل والتقوا مجتمعين ليتذاكروا في جواب المذكرة، ثم عادوا قائلين إنهم سيردون على مذكرة الأمير بمذكرة خطية.
كان ذلك في 23 أيلول/ سبتمبر وطال انتظار فيصل وصول جواب مذكرته، فأرسل في 7 تشرين الأول/ أكتوبر مذكرة جديدة تأكيداً لمذكرته الأولى وتذكيراً بها.
وفي 11 تشرين الأول/ أكتوبر جاء جواب المذكرة من كرزن، وفي هذا الجواب يقول إنه لا بدّ من انسحاب الجيش الإنكليزي ليحل الجيش الفرنسي محله، وينصح العرب بالتفاهم مع فرنسا لأن عواقب الحرب معها عواقب وخيمة. كما أرسل لويد جورج إلى فيصل جواباً على مذكرته متنصلاً من الاتفاقات السابقة مصراً على انسحاب الجيش الإنكليزي وتأليف لجنة من فيصل ومن مندوب إنكليزي وآخر إفرنسي برئاسة أميركي للنظر فيما يترتب على هذا الانسحاب.
ولكي يؤكد الفرنسيون تصميمهم العسكري الحاسم اختاروا مفوضاً سامياً عسكرياً شرساً هو الجنرال غورو ليحكم البلاد ويكون قائداً للجيش الفرنسي فيما بيد فرنسا في الشرق من مناطق.
وبعد مقابلة بين فيصل ولويد جورج وكرزن قبل فيصل بتأليف لجنة منه ومن المرشال اللنبي والجنرال غورو والجنرال الأميركي ويلسون لدراسة الوضع بعد الانسحاب الإنكليزي على أن يترك أمر الحل إلى مؤتمر الصلح.
ويرى رستم حيدر في مذكراته أن عدم القبول بذلك كان مؤداه إعلان الحرب على فرنسا.
ومما يذكر من أحداث تلك الفترة أنه جرى تداول بين بعض الأطراف على توحيد العراق وسوريا على أن تكون العاصمة دير الزور ويبقى لبنان خارج هذه الوحدة.
وراح الإنكليز يحاولون التملص من إحراجات فيصل لهم في لندن، فاستدعاه وزير الخارجية كرزن إلى وزارة الخارجية وأقنعه بقبول الدعوة الموجهة إليه للذهاب إلى باريس حالاً، دون أن يصحبه أي إنكليزي، ودون أي شيء يدل على إيحاء أو تأييد بريطاني، لمقابلة رئيس الوزارة الفرنسية كليمانصو.
وخوفاً من أن يعود فيصل إلى لندن بادر كرزن بالكتابة إلى السفير الإنكليزي في باريس طالباً منه أن يثني فيصل عن العودة إلى لندن إذا حاول ذلك.
وبهذا نفض الإنكليز أيديهم من الأمر العربي نهائياً، وتنكروا لعهودهم وغدروا بمن وثقوا بهم، وتركوا فيصل يواجه المطامع الفرنسية وحده([263])!
والفرنسيون الذين كانوا يعرفون ذلك لوّحوا لفيصل بالقوة حين اختاروا عسكرياً متعصباً جباراً مثل غورو ليقابلوا به فيصل في سوريا…
وبهذا كان فيصل في أحرج موقف وأشأم موقع، ما يهدّ عزائم الرجال!
ففي الوطن أمة ترى أنها خارجة من الحرب منتصرة مع حلفاها المنتصرين بعد أن قاتلت ما وسعها القتال، لا ترى ثمرة لهذا النصر إلاّ استقلالها غير المنقوص، وهي أودعت إلى فيصل متابعة جني هذه الثمرة، فهو مؤتمن على ذلك لا يستطيع التفريط بهذه الأمانة.
لا سيّما وقد كان هو نفسه قائد تلك الأمة في نضالها العسكري ومعاركها الحربية، وهو اليوم قائدها في النضال السلمي.
وهو هنا يرى نفسه بين وحوش مفترسة، تخلى عنه من كان يوقن بتعضيده، وكشر عن أنيابه من يريد افتراس وطنه!
ولا يملك ما يدفع به عن هذا الوطن إذا جدّ الجد، إنه أعزل بلا سلاح يذكر في مواجهة من هزم سلاحهم أعتى سلاح: سلاح الألمان!
وصل إلى باريس في العشرين من تشرين الأول/ أكتوبر 1919م فكان في استقباله الجزائري المتفرنس ابن غبريط ومندوب باسم وزير الخارجية هو (برجرون) معاون (غو) السكرتير المساعد لشؤون آسيا في وزارة الخارجية، والملحق العسكري في السفارة الإنكليزية. وفي 22 من الشهر نفسه التقى كليمانصو، ودام اللقاء من الساعة العاشرة إلى الحادية عشرة والنصف.
وهذا أهم ما دار فيه:
بدأ الأمير معاتباً بأنه لم يسمح له بأن يقابل كليمانصو أثناء مروره من باريس إلى لندن. فرد كليمانصو بأنه لم يطلب أن يتوقف الأمير في باريس لعلمه بأنه كان يلبى دعوة لويد جورج إلى لندن.
فقال فيصل بأنه حين توجه من دمشق كان مصمماً على أن يمر بباريس، ورد كليمانصو بأن لويد جورج لم يستشره حين استدعى الأمير من سوريا ثم طلب إليه أن يذهب تواً إلى لندن من غير توقف في الطريق. واسترسل قائلاً: بأنه رفض طلب الإنكليز إرسال الجنرال غورو إلى لندن، لأن غورو عسكري وليس له أن يشارك في المفاوضات السياسية.
وهنا تساءل فيصل عما إذا كان هو بنظر كليمانصو عدواً أم صديقاً؟ فقال كليمانصو إنه عندما فارقه في المرة الأولى عائداً إلى سوريا لم يكن في نفسه عنه إلاّ كل شيء حسن لا أحسن منه، ولكنه تعجب كل التعجب عندما بلغه أن الأمير فضّل الإنكليز وقدّم لهم الوصاية على سوريا([264]).
فرد فيصل: إنني عندما فارقتك وعدتني بأنك ستعلن استقلال سوريا باسم فرنسا، وأكدت أنا بأنني سأسعى جهدي لتأييد منافع فرنسا وتوطيد علائق سوريا بها، وهذا الكولونيل (وأشار إلى الكولونيل تولا) ([265]) يشهد على ذلك. بعد انتظار ثلاثة أشهر جاءني المسيو (بيكو) وقال إن الرئيس كليمانصو لا يمكنه أن يؤيد استقلال سوريا باسم فرنسا ولا أن يؤلف حكومات محلية وطنية في الساحل. وكنت قد صرفت جهدي في استمالة الأفكار نحو فرنسا وأستطيع القول إن الأفكار العامة كانت متجهة هذا الاتجاه لولا أن تبدل الأمر فأضعفت قواي وتمّ ما تم.
فقال كليمانصو: أنا لم أنتدب المسيو بيكو لهذه المهمة، ثم اتجه نحو المسيو برتلو([266]) وخاطبه قائلاً: هل هذا صحيح؟ هل ذهب إليه بهذا الخصوص؟
فأنكر برتلو ذلك، ولكنه أقر بأن ذلك مستنتج من المعلومات العامة المرسلة إليه إذ ليس في إمكاننا أن نؤلف حكومات وطنية على خلاف رغبة الأهلين.
فأدرك الأمير فيصل أن برتلو يقصد بهذا القول لبنان، فرد على برتلو قائلاً: أنا لم أقصد في كلامي هذا لبنان لأن، لبنان مستقل وسيبقى مستقلاً دائماً، وإنما قصدت البلاد الساحلية الخارجة عن حدود لبنان الحالية مثل بيروت وطرابلس واللاذقية.
فرد برتلو بأن بيروت ضمن لبنان.
فقال الأمير: إن بيروت ليست ضمن لبنان في حدوده الحالية، وأما في المستقبل فينظر في ذلك.
فطلب كليمانصو من الأمير أن يسترسل في تبيان أفكاره.
فمضى الأمير قائلاً: إن أعمال الموظفين في الساحل كانت سيئة جداً، فكيف يمكن لعامة المسلمين أن لا تستاء من تلك المظاهر التي كانت تجري على مشهد من الجميع([267]).
فقال كليمانصو: ولكن ما هي مسؤولية الحكومة الفرنسية في هذه التظاهرات وهل يمكنها منعها؟
فرد الأمير كيف لا يمكن ذلك والإدارة فرنسية في الساحل؟!
فقال كليمانصو بأن لا علم له بحقيقة هذه الأمور.
فقال فيصل: لذلك لا أريد أن يحكم عليَّ غيابياً.
فرد كليمانصو: ومن هو الذي يحكم عليكم إني لم أقل بذلك أبداً.
فقال الأمير: إن الناس يتقولون بأني عدو لفرنسا.
فرد كليمانصو قائلاً: أريبد أن أفهم من الأمير ما هي وضعيتنا المتقابلة.
فقال الأمير: أقسم بشرفي أن إحساساتي لم تتغير نحو شخصكم.
فرد كليمانصو: أريدها غير متغيرة نحو فرنسا أيضاً.
فقال الأمير: ونحو فرنسا أيضاً.
فطلب كليمانصو تقريراً مكتوباً يوضح المطالب، وبناء عليه يقرر ما يجب تقريره. إنه يساند رغائب العرب، ومع أن الإنكليز حلفاء فهو لا يريد أن ينشغل معهم بها، فعلى الأمير أن يتفاهم معهم بشأنها، ويتفاهم مع فرنسا بما يخصها.
فرد الأمير بأنه يعني بالأمر العربي كله، وهو لا يدري ما هو مطلوب منه تجاه فرنسا، لذلك يطلب إيضاح ذلك.
فأشاد كليمانصو بالعرب وتاريخهم ومدنيتهم، وقال إنه بعيد عن كل ما يرمي إلى الفتح والاستعمار، وإنه يريد أن يكون مع الأمة العربية التي يحترمها، وأنه أمضى سبعين سنة وهو يكتب وينتقد، فهل يستطيع أحد أن يأخذ عليه أنه أساء مرة إلى الإسلام؟ فقال الأمير إن هذه السياسة إذا طبقت لا يمكن أن تحدد منافعها في الشرق.
فرد كليمانصو بأن ذلك لا يتم إلاّ إذا كانت الثقة متبادلة. وعلينا أن لا نبدل سياستنا لأن (اللنبي) لعنه أفراد في الأزقة.
فقال فيصل إن ذلك جرى يوم 14 تموز/ يوليو في عيد الحرية وفي مظاهرات عظيمة على مشهد من الجماهير. ثم إن أئمة المساجد منعوا من الدعاء لوالدي مع أن هذا من حقوق المسلمين التي ليس لأحد أن يتدخل فيها. فرد كليمانصو بأن هذه نتيجة الفوضى.
فقال فيصل: إن تبعة هذه الحوادث ليست عليَّ.
فرد كليمانصو بأنه يتعهد باحترام المسلمين في كل مكان.
فقال فيصل: إن برنامج الانسحاب الإنكليزي هو تطبيق لمعاهدة سايكس ـ بيكو وهو تجزئة للبلاد.
ثم قال فيصل وهو يهم بالخروج مودعاً كليمانصو: إذا لم يتم الاتفاق فلا يبقى سبب لبقائي في باريس ويكون عليَّ أن أغادرها حالاً. (انتهى).
بين فيصل وغورو
كنا قد ذكرنا فيما تقدم من القول إن الحكومة الفرنسية اختارت عسكرياً شرساً متعصباً ليكون مفوضاً سامياً لها فيما تحتله وتطمع باحتلاله وليكون في الوقت نفسه قائداً لجيوشها. ولما عزم غورو على السفر إلى بيروت جمعه المسيو برتلو في 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 1919م، على مائدة غداء مع الأمير فيصل، فالتقى الرجلان اللذان سيكونان عما قريب العدوين المتقابلين، الأول يمثل الأماني العربية في استقلال سوريا ووحدتها، والثاني المهدد لهذا الاستقلال ولهذه الوحدة، فدار بينهما حوار طويل بدا فيه الجنرال غورو على حقيقته، وأظهر في عبارات منمقة ما ينويه وما هو عازم عليه من استعمال السلاح وتحكيم القوة.
لقد بدأ الجنرال غورو حديثه بإظهار الود للأمير وللمسلمين والقول بأن فرنسا ليست مستعمرة وأنها تود أن تكون أختاً كبيرة لسوريا التي هي أختها الصغيرة.
فشكره فيصل على عواطفه نحوه ونحو المسلمين، ثم شرح له الحال وأن ما يجري هو مقدمة لتجزئة البلاد وتطبيق معاهدة سايكس ـ بيكو.
فقال غورو: إنه عسكري وإن عليه أن يقوم بوظيفته وإنه يجهل ما يجري، وقد أرسل برقية إلى الضباط الفرنسيين ذكّرهم فيها أن الجيش العربي هو حليفهم وحارب معهم، وطلب إلى الأمير أن يفعل ما فعل هو.
فرد فيصل ملوحاً بالمقاومة بعد تلويح غورو بعسكريته قائلاً: إن هذا الجيش الذي حارب بالأمس معكم ولأجل المبدأ نفسه الذي حاربتم أنتم من أجله لا يحل لكم أن تهرقوا دماءه. ربما توصلتم إلى سحقه، ولكنني أسألكم ألا يتوجع قلبكم بسحقكم جنداً يدافعون عن بلادهم وأنتم تعلمون قيمة الدفاع عن الوطن، وقد كان هذا الجند يقاتل معكم بالأمس.
فقال غورو إن هذا يؤلمه لذلك هو يطلب إلى الأمير أن يحول دون وقوع سوء التفاهم. والمسألة هي عسكرية بحتة، ومؤتمر الصلح سينظر في هذا الأمر مع غيره من المسائل الشرقية.
فرد فيصل: نعم، إن المسألة عسكرية، وقد بينت لكم ما ينتج عنها من المسائل التي لا يمكن أن يقبلها الشعب. وأما المؤتمر فقد قيلت فيه أقوال لا ريب فيها ثم أولت هذه الأقوال. والشعب عندما يرى بلاده تجزأت سيثور.
وجرى جدال ختمه غورو بقوله: لا بدّ من القيام بوظيفتي العسكرية، وما أطلبه أن لا يحدث ما يعكر الصفو وإني أعتقد أن الاحتفاظ بالسكينة يزيد في ثقة المؤتمر، ويكون سبباً لتأييد مطالبكم ونجاح سياستكم في المستقبل. أما إذا لُعب بالنار فلا مجال عندئذٍ لتلافي الأمر.
فكان جواب الأمير: إني لم أر هنا أذناً مصغية، وجل قصدي أن أحول دون ما يوقع قتالاً في الشرق لأني أعرف عواقب ذلك، ولكن لم يقع قولي موقع الاعتبار،وأنا لا أتكلم بلساني، بل أترجم عاطفة الشعب، فقال غورو إنه شخصياً لا يمكن أن يدحض بيانات الأمير، ولكن صفته لا تسمح له بأن يبدي رأيه كاملاً، فهو يرجو أن لا يحدث ما يثير النار لأنه يصعب عند ذلك توقيف الحالة.
فرد فيصل بأنه بذل كل ما لديه من الوسائل ليطمئن فرنسا على منافعها ويؤمن لأمته حريتها واستقلالها فلم يجد الثقة التي كان ينتظرها، وها أنا ألقي المسؤولية عن عاتقي وأضعها على عاتق المؤتمر وعلى ذوي الصلاحية السياسية من رجالكم. وعلى كل أشكركم على عواطفكم السياسية وأتمنى لكم سفراً طيباً.
وقد تدخل برتلو في الحديث فقال: بدون تضحية من الطرفين لا يكون اتفاق، وهذه سنة الكائنات، فقال الأمير: نعم، ولكن يجب أن تكون التضحية متناسبة مع اقتدار كل شخص، فمن الناس من إذا ضحى بقرش واحد يقع في البؤس، ومنهم من إذا ضحّى بالألوف لا يؤثر ذلك عليه.
وهكذا افترق الرجلان عدوين لدودين ليتوعد كل منهما الآخر. فيصل يتوعد بالإصرار على طلب الوحدة والاستقلال والدفاع عنهما في وجه من يغتصبهما، وغورو يتوعد بعسكريته التي لا تفهم إلاّ قطعة السلاح!
وفيصل يقر بقدرة عدوه على سحق جيشه، وغورو يقر بأنه لا يتردد في سحق هذا الجيش ويهدد اللعب بالنار!
وإذا كان العدوّان قد التقيا في باريس وجهاً لوجه، على لذائذ الطعام المريء فتصاولا بلاغة وفصاحة، متكافئي السلاح، فقد عادا والتقيا مرة أخرى على روابي ميسلون وجهاً إلى وجه أيضاً، يمثل وجه كل منهما جيشه، فتصاولا حديداً وناراً ولكن غير متكافئي السلاح.
وحقق غورو وعيده فسحق بجيشه الكبير الجيش الصغير.
غورو في بيروت
في العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر كان الجنرال غورو يسافر إلى بيروت يجر وراءه ما يجر من عديد وعدة، ولم يلبث بعد ذلك فيصل أن سافر هو الآخر لا يجر وراءه ولا يقدم أمامه سوى الخيبة!
في لقاء آخر بين فيصل وكليمانصو في 20 كانون الأول/ ديسمبر 1919م قال كليمانصو لفيصل: إن ورائي جيشاً من الصليبيين على أنني لست صليبياً ولكن لا يمكننا مناهضتهم فوراً.
ولا شكّ أن غورو كان من أعرق أولئك الصليبيين صليبية، وقد فرضه الصليبيون الذين عناهم كليمانصو.
وعندما وصل غورو إلى بيروت وأمسك بزمام الأمر لم يتوانَ عن الجهر بصليبيته وتطبيق تلك الصليبية. فقد نشرت جريدة «البرق» في عددها المؤرخ في 27 أيلول/ سبتمبر 1921م خطاباً للجنرال غورو خلال زيارته أرز لبنان، ألقاها في دير البلمند قال فيه:
«دعوني في البدء أن أستعيد وإياكم تلك الذكريات العظيمة التي ترف فوق هذا الدير القديم دير البلمند، أما هو عمل آبائي الصليبيين الذي قاوم الدهر واخترق الأجيال وصنعهم المجيد الذي كوّنه ولا يزال حياً هتاف هذا الشعب وأناشيده المطربة».
ومن الصليبيين الذين استعان بهم غورو في بيروت وكان لهم أثرهم في توجيه سياسته الفكرية والثقافية، بل كانوا من أركان حكمه: الأب «لامنس» اليسوعي الذي وصفه الأب فردينان توتل اليسوعي في مقال له في جريدة «النهار» البيروتية في عددها الصادر في 20 أيار/ مايو سنة 1987م بما يلي:
«كتب الأب هنري لامنس (1862 ـ 1937م) عن رجال الحملات الصليبية فذكر (الفَلمند) أجداده من شدّوا الرحال إلى الأراضي المقدسة جنوداً وأمراء، وخرجوا من سهول الشمال البلجيكي فهجروا الآل وتركوا المال وتغربوا ووجههم الجهاد في سبيل اللَّه واليوم الآخر.
إن تلك العاطفة النبيلة التي دفعت السواد الأعظم من رجال الغرب إلى قبر المسيح إنما هي التي دبّت في قلب الفتى وأوحت له التضحية بحياته وبما فيها من مواهب منّ بها الرحمن عليه ليسير جندياً لا بالسيف والرمح شأن الصليبيين ولكن بالقلب فيفتح فتوح العلم في الخامسة عشرة من عمره».
وهكذا ـ كما يقول الأب فردينان توتل اليسوعي عن زميله في اليسوعية لامنس ـ إذا كان قد فات لامنس أن يحمل السيف والرمح كما حملهما أجداده الفلمند البلجيكيون حين تجندوا في الحروب الصليبية، فقد حمل القلم في حرب القرن العشرين الصليبية التي قادها الجنرال غورو على سوريا والعرب والسوريين([268]).
الحال في لبنان
في الوقت الذي كان يجري في باريس ما يجري من صراع سوري استقلالي واستعمار فرنسي كان مجلس إدارة لبنان يصدر القرار التالي:
لما كان جبل لبنان مستقلاً منذ القديم بحدوده التاريخية والجغرافية، والقطع التي فصلت عنه قد سلخت عنوة واغتصاباً من الدولة التركية.
ولما كانت الدولة الغاصبة قد تقلص ظلها واضمحلت سيطرتها على هذه البلاد، ولما كان لبنان لا يتسع له العيش والرقي ما لم تعد إليه القطع المفصولة عنه.
ولما كانت دول الحلفاء أعلنت أنها تساعد على تحرير الشعوب المظلومة وإعادة الأراضي المغصوبة لبلادها الأصلية وكانت القطع المغتصبة من لبنان تعد قسماً منه ومعظم سكانها هم من اللبنانيين، فبناء على ذلك كله وعلى طلبات وإلحاح اللبنانيين المتواصلة والمعلنة في عموم أنحاء الجبل قد اجتمع هذا المجلس بصفته ممثلاً للشعب اللبناني وأصدر القرار التالي:
أولاً: المناداة باستقلال لبنان الإداري والسياسي بحدوده الجغرافية والتاريخية واعتبار البلاد المغصوبة منه بلاداً لبنانية كما كانت قبل سلخها عنه.
ثانياً: جعل حكومة لبنان هذه ديموقراطية مؤسسة على الحرية والمساواة والإخاء مع حفظ حقوق الأقلية وحرية الأديان.
ثالثاً: إن الحكومة اللبنانية والحكومة الفرنسوية المساعدة تتفقان على تقرير العلائق الاقتصادية بين لبنان والحكومات المجاورة.
رابعاً: مباشرة درس وتنظيم للقانون الأساسي بطريقه الأصولية.
خامساً: تقديم هذا القرار لمؤتمر الصلح العام.
سادساً: إعلان هذا القرار في الجريدة الرسمية وفي غيرها من الجرائد الوطنية تطميناً لأفكار اللبنانيين وبياناً للمحافظة على حقوقهم 20 أيار/ مايو 1919م.
مناقشة القرار
هذا هو القرار الذي أوحى به المفوض السامي الفرنسي الجنرال غورو إلى مجلس الإدارة اللبناني. ونحن هنا بعد أن أقررنا بما يعبرون عنه بالكيان اللبناني ـ أقررناه بعد طول إنكار، إنكار كان منا له لأنه كان تركيباً فرنسياً يراد به سلخه عن أصوله العربية ونوازعنا الاستقلالية وأهدافنا القومية. وإقرار بعد أن اندمج بالجامعة العربية وهفا لنوازع الاستقلال والقومية…
إننا ونحن الآن لبنانيون أصلاء نريد أن نناقش هذا القرار نقاشاً لبنانياً بحتاً، ونسأل اللبنانيين الذين تعاقبوا على السياسة طيلة أيام الانتداب الفرنسي مرتكزين إلى مضمون هذا القرار ـ نسألهم ونسأل سفاح الاستقلالين السوري واللبناني الجنرال غورو، نسأله هو أولاً: هل ما عامل به لبنان واللبنانيين كان ينطبق على ما تضمنه هذا القرار؟
هل تعيين حاكم فرنسي يحكم لبنان هو الاستقلال؟
هل توزيع حكام فرنسيين على جميع الوحدات الإدارية في جميع المناطق الللبنانية باسم مستشارين بينما هم الحاكمون الحقيقيون هو الاستقلال؟
هل وضع مستشار فرنسي على رأس كل مديرية عامة هو الآمر الناهي، هو الاستقلال؟
وما شأن المباشرة بدرس وتنظيم القانون الأساسي (الدستور)؟! أين صارت؟ وأين هو القانون الأساسي؟ وأين هي الديموقراطية؟
إن الوحيدين الذين صدقوا مع أنفسهم ومع وطنهم هم أعضاء مجلس الإدارة الذين تبين لهم بعد ذلك أنهم خدعوا، فتمردوا على الجنرال غورو وعلى الاستقلال المزيف وعلى الانتداب، فكان جزاؤهم السجن والنفي، كما سيأتي.
أما الوفود التي ذهبت إلى باريس تطالب بما أسمته الاستقلال، وأما الذين توالوا على التعاون في الحكم مع الفرنسيين مباهين بما صار إليه لبنان من استقلال. وأما الجنرال غورو الذي أوحى بقرار مجلس الإدارة وأوحى بإرسال الوفود إلى باريس للمطالبة بالاستقلال. أما هؤلاء جميعاً فقد كان للاستقلال عندهم معنى غير المعنى الذي اصطلحت عليه أمم العالم كلها، كان معنى طلب الاستقلال عندهم، هو طلب الانفصال عن سوريا مقروناً بطلب الاستعمار الفرنسي!
ولم يكن قرار مجلس الإدارة هو كل ما أوحى به الجنرال غورو، بل أوحى بتوقيع عرائض من أكبر عدد ممكن من الناس ترفع نسخة إليه ونسخة إلى مؤتمر الصلح. وكانت العرائض بهذا النص:
… نحن الموقعين أدناه أهالي… في قضاء… اللبناني أنه بناء على ما قررناه سابقاً في عرائضنا المؤيدة لمطالب اللبنانيين التي قررها مجلس إدارة لبنان وعرضت بواسطة الموفد المعلوم لدى مؤتمر الصلح العالي فقد وكلنا… لكي يطالبوا عنا أمام المؤتمر المشار إليه وأمام جمعية الأمم واللجنة الدولية الموفدة إلى هذه البلاد لاستقصاء الحقائق وأمام سائر المراجع الرسمية صاحبة الاختصاص على اختلاف مراتبها ودرجاتها باستقلال جبل لبنان الإداري والسياسي معاً استقلالاً تاماً بحدوده التاريخية والجغرافية وإعادة القطع المغصوبة منه إلى إدارته المستقلة مشترطين في طلب عقد الوكالة هذه دوام التشبث باستقلال لبنان التام شأن كل البلدان المستقلة إدارة وسياسة وقد فوضنا الوكلاء المومى إليهم حق المطالبة بذلك باسمنا مباشرة وخولناهم حق التوكيل وإجراء جميع المخابرات على اختلاف أنواعها مع كافة المراجع صاحبة الاختصاص وإننا نعتبر كل ما يقرره وكلاؤنا المذكورون أو من يقوم مقامهم وكالة بشأن مطالبنا الآنف بيانها نافذاً علينا وفي الوقت نفسه فإننا نكذب تكذيباً باتاً كل من انتحل وينتحل الوكالة عنا أو يستعير اسمنا لطلب اندماج جبل لبنان بمقاطعة سوريا سياسياً وغير ذلك من الطلبات التي تخالف مطاليبنا الحقيقية المبينة في توكيلنا المحرر أعلاه ولأجله حرر هذا البيان نسختين. (انتهى).
ولقد كان للجنرال غورو من تحريك الوفود إلى باريس ومن قرار مجلس الإدارة ومن توقيع هذه العرائض ـ كان له هدفان: الهدف الأول هو بالفعل تكبير لبنان، والهدف الثاني هو اقتطاع أكبر ما يمكن اقتطاعه من سوريا وضمه إلى لبنان، لا تحقيقاً لرغبة لبنانية في ذلك، بل لأن سوريا كانت تطالب باستقلال حقيقي، وأنه كان مقرراً أن يكون لها وضع استقلالي خاص وهو ما كان يجري التفاوض عليه بين فيصل وكليمانصو. فأراد الجنرال غورو أن يأخذ ما يستطيع أخذه من الجسم السوري الموعود بالاستقلال ويلحقه بلبنان الذي سيظل محكوماً حكماً استعمارياً فرنسياً مباشراً.
رجوع فيصل إلى دمشق
بعد أن يئس فيصل من إقناع فرنسا بوجهة نظره طلب وساطة بريطانيا فكتب إلى لويد جورج بأن جهوده فشلت وقال:
«إن هدفي هو منع المشاكل التي ستنفجر حينما تنسحب القوات البريطانية حسب خطوط سايكس ـ بيكو التي لم يعترف بها السوريون».
وقد رد كليمانصو في رسالة إلى لويد جورج في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر قائلاً:
«إن الصعوبة ليست في أطماع فرنسا، ولكن الآن الأمير لا يبدو أنه قد تفهم حقاً ضرورة قبول العرب للانتدابين الفرنسي والبريطاني على أنهما تطوير وتنظيم للبلاد العربية».
وعلى أثر ذلك قرر فيصل توجيه مذكرة أخرى إلى المجلس الأعلى لمؤتمر السلم تضمنت احتجاجاً على إحداث تغيير في الوضع القائم في سوريا على أساس خطوط سايكس ـ بيكو، لأن ذلك تجزئة للشعب السوري الذي يتطلع إلى الوحدة.
وظل فيصل يصارع بلا نصير دولي، وقد رفع الأميركيون يدهم من الأمر كله وعادوا إلى عزلتهم، كما تخلى عنه الإنكليز الذين لم يشاؤوا أن يغضبوا الفرنسيين، حتى قال عنه رفيقه في باريس رستم حيدر:
إني أرثي لحاله، مسؤولية عظيمة وتحمل عظيم…
وأخيراً قرر ترك باريس والعودة إلى سوريا بعد أن أخذ من كليمانصو أقصى ما يستطيع أخذه وهو استقلال منقوص لم يقره فيصل بل حمل الأمر إلى الشعب ليقول له: هذا كل ما تعطيه فرنسا والرأي أصبح لكم.
ووصل بيروت في 14 كانون الثاني/ يناير 1920م ثم انتقل منها إلى دمشق، ومنها ألقى خطاباً هاماً في النادي العربي قال فيه: إنني أتيت من الغرب لأقف على رغائب الأمة بعد انسحاب الأميركيين من المعترك السياسي.
وأعلن أنه سيعود إلى الغرب في وقت قريب.
ويقول يوسف الحكيم في كتابه «سوريا والعهد الفيصلي»([269]).
«اختلى الأمير فيصل بالوجهاء والزعماء الوطنيين حسب ميولهم للوقوف على آرائهم حول نتيجة ما لاقاه في أوروبا، كما أنه لم يهمل اتصاله بمعتمدي الحلفاء».
وأنهى في 26 كانون الثاني/ يناير 1920م حكومة الحاكم العسكري وأسس حكومة مجلس مديرين لإفساح المجال في مهمة الحكومة المركزية وإعطائها مظهراً استقلالياً. كما عمد إلى تشكيلات إدارية وعسكرية في المدن الكبرى.
واجتمع سراً في 6 شباط/ فبرايرمع الهيئة العامة لحزب الاستقلال ليعرض مشروع الاتفاق مع كليمانصو قائلاً إن هذا أقصى ما توصل إليه، ورفضه يعني إعلان الحرب على فرنسا.
فردّ الحاضرون بأنه عزّ للبلاد أنم تواجه أي عدوان فرنسي أو بريطاني بما لديها من الإمكانيات من أن تقبل بشروط الاتفاق([270]).
ولما لم يحصل الاقتناع بصلاح الاتفاق طوي أمر طرحه على الشعب.
كان معنى رفض الاتفاق إعلان الحرب وإن لم تعلن، وهذا الموقف كان يقتضيه الإعداد لتلك الحرب، وكل ما أعد لها عملياً: الاهتمام بالخدمة العسكرية الإجبارية([271]).
وما دامت القطيعة قد وقعت فقد ارتئي السير بها إلى أقصى غاياتها، وهذا الأقصى هو مواجهة الرأي العام العالمي عامة، والإنكليز والفرنسيين منه خاصة بإعلان استقلال سوريا استقلالاً تاماً بملكية الملك فيصل.
وفي السادس من آذار/مارس 1920م عقد المؤتمر السوري جلسة افتتحها الأمير فيصل بخطاب تفصيلي حول القضية العربية وحق العرب بالاستقلال، مؤكداً بذلك استناده إلى وعود الحلفاء ومبادىء ويلسون، وطلب إلى أعضاء المؤتمر تقرير الشكل الذي ستحكم البلاد به.
فتألفت لجنة من أعضاء المؤتمر وضعت قراراً هو مثبة ردّ على خطاب الأمير تبناه المؤتمر، وفيه بعد مقدمات إعلان استقلال سوريا التام بحدودها الطبيعية ومنهلا فلسطين استقلالاً تاماً لا شائبة فيه على الأساس المدني النيابي وحفظ حقوق الأقلية ورفض الادعاء الصهيوني بالوطن القومي وتطبيق مبدأ اللامركزية الإدارية مع إعطاء ضمانات لنظام خاص في لبنان، وإنشاء حكومة مسؤولة أمام المؤتمر الذي هو مجلس نيابي تأسيسي في وقت واحد، والمطالبة بحق استقلال العراق وإيجاد اتحاد سياسي واقتصادي بين القطرين نظراً للروابط بينهما. وتقرر بالإجماع المناداة بإعلان فيصل بن الحسين ملكاً على سوريا المتحدة. وختم القرار بتأكيده على استمرار صداقة الحلفاء آملاً اعترافهم وسائر الدول الأخرى باستقلال سوريا.
وفي 8 آذار/ مارس قدم القرار لفيصل موقعاً من كافة أعضاء المؤتمر، وتلي من شرفة البلدية بدمشق وسط حفلة رسمية وشعبية أُعلن فيها فيصل ملكاً على سوريا الطبيعية ورفع العلم الجديد وأطلقت المدافع.
وشكلت بعد ذلك لجنة لوضع الدستور برئاسة هاشم الأتاسي فأتمت وضعه خلال عشرة أسابيع فكان أول دستور عربي لأول حكومة عربية في العصور الحديثة. وأنهت اللجنة تدقيق المواد في المرة الأولى في 3 تموز/ يوليو 1920م.
ونوقشت مواده السبع الأولى فصدقها المؤتمر في 13 تموز/ يوليو وظهرت خلال المناقشات أفكار حديثة لأول مرة مثل موضوع مشاركة المرأة بالانتخابات. وبدأت الاستعدادات لإجراء الانتخابات النيابية، ولكن كل شيء توقف بوصول إنذار الجنرال غورو.
إقرار الانتداب
إذا كان السوريون قد قرروا مواجهة أوروبا بالأمر الواقع بإعلان استقلالهم، فإن أوروبا قررت مواجهتهم بدورها بالأمر الواقع. وإذا كان الاستقلال السوري قد أعلن في 8 آذار/ مارس سنة 1920م، وإذا كان مقرر هذا الاستقلال هو المؤتمر الشوري، فإن مؤتمراً آخر كان يعقد بعد مضي شعر وبعض الشهر على قرار المؤتمر الشوري هو مؤتمر (سان ريمو)، ويقرر ما ينقض قرار المؤتمر الأول.
والفرق بين قرار المؤتمرين أن ليس وراء قرار المؤتمر السورى سوى شعب أعزل لا يملك سوى بضعة عشر ألف بندقية مع ذخيرة محدودة لها، وبضعة مدافع مع ذخيرة هي الأخرى محدودة!
أما قرار مؤتمر سان ريمو فقد كان وراءه جيشان لجيان خرجا بالأمس منتصرين على أقوى قوة يمكن أن تناوئهما هي قوة ألمانيا.
اجتمع المؤتمر السوري في دمشق وأعلن الاستقلال في 8 آذار/ مارس. واجتمع مؤتمر سان ريمو في 19 نيسان/ أبريل، وكان موضوع هذا المؤتمر هو تقرير مصير البلاد العربية التي كانت تابعة لتركيا، وتقرير مصير تركيا المنهزمة في الحرب…
وأما تركيا فقد وضعوا لها ما أسموه معاهدة سيفر (Sivre) التي قضت بتمزيقها بين الدول والقضاء على استقلالها.
وأما البلاد العربية فقد قرر المؤتمر في 25 نيسان/ أبريل وضعها تحت الانتداب: سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، والعراق وفلسطين وشرق الأردن تحت الانتداب الإنكليزي، مع فرض تطبيق وعد بلفور.
وحمل الجنرال اللنبي باسم حكومته قرارات سان ريمو إلى فيصل في 27 نيسان/ أبريل طالباً إليه السفر إلى المؤتمر ليعرض عليه قضيته من جديد.
كما أرسل مليران رئيس الوزارة الفرنسية برقية مماثلة عن قرارات سان ريمو معلناً قبول فرنسا للانتداب. وقد ردّ فيصل على اللنبي رافضاً الانتداب ورافضاً وعد بلفور، كما رد على مليران بأن إعلان الانتداب أحدث اضطرابات في البلاد.
الحال في جبل عامل
خلال الأحداث التي مرّ الحديث عنها كان لجبل عامل موقف استقلالي بارز نكبه الفرنسيون من أجله نكبة فادحة.
الزحف على جبل عامل
رر الفرنسيون الزحف على جبل عامل بعد الاضطرابات التي حدثت فيه فأعدوا حملة مؤلفة من 4000 جندي فرنسي بقيادة الكولونيل (نيجر) منضماً إليهم مئات من المتطوعين المرتزقة وكانت الحملة تتهيأ في 18 أيار/ مايو سنة 1920م للتقدم إلى جبل عامل بعد أن وصل قائدها نيجر إلى صور في التاريخ المتقدم، وكانت الخطة أن تنطلق الحملة في فصيلتين إحداهما من النبطية والثانية من صور، وفي العشرين من أيار/ مايو زحف نيجر من صور إلى البازورية التي كان قد هجرها سكانها ثم تقدم إلى جويا حيث أصبح على اتصال بالفصيلة الزاحفة من النبطية بقيادة (أورلابوس) لتي كانت قد عسكرت في صريفا وتوحد عمل الفصيلتين، وفي مساء 21 أيار/ مايو انطلق لواء إلى طيرزبنة ليحتل الفجوة الشرقية الكبرى تسهيلاً لنفاذ الجيش إلى مضيق تبنين عند انبثاق الفجر ـ كما يقول مراسل فرنسي ـ وهنا قابله رصاص المقاومين، يقول المراسل الفرنسي: فقابلته العيارات النارية واضطر إلى الاشتباك بمعركة للاستيلاء على طيرزبنة (التي بدل اسمها بعد ذلك إلى الشهابية)، ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فقد قام المقاومون بغارة مقابلة في الساعة الحادية والعشرين، وكان في حوزتهم رشاشات مكنتهم تحت ستار الليل من الاقتراب إلى المعسكر وأصاب منا ثلاثة قتلى وثلاثة جرحى بينهم ضابط صرعه الرصاص عن كثب.
وفي الثاني والعشرين من أيار/ مايو زحفت فصيلة نيجر عند الساعة الرابعة صباحاً وكانت جميع الأكمات الشرقية والجنوبية أمامها آهلة بشرذمات صغيرة صممت على حماية المضيق والحؤول دون مرور الجيش وفتحت النار من مسافة بعيدة، ولكن الجيش استمر في تقدمه فاحتل مضيق كفردونين فدير أنطار.
وفي الساعة السابعة وصلت إلى قرية (اليهودية) ـ التي صارت تسمى السلطانية ـ فصيلة أورلابوس المنطلقة من مجدل سلم واستدبرت المقاومين، فرأوا أن لا طاقة لهم بتلك القوات المنتشرة فانسحبوا.
ولم يتعرض الجيش في زحفه على بنت جبيل بأمر ذي بال وخلت الديار أمامه لأن الثوار اجتازوا الحدود الفلسطينية وتوقف الجيش في بنت جبيل ثلاثة أيام، وفي السادس والعشرين من أيار/ مايو غادر الجيش بنت جبيل وقام بطواف في وادي الحجير حيث كانت الديار تخلو أمامه باستمرار، على أن فصيلة أورلابوس التي سلكت الطريق إلى مارون قد وقعت في ذلك النهار على جماعات منهزمة بالقرب من سلعا وتعقبتهم فلاذوا بالمنطقة البريطانية.
وبعد أن يصف المراسل هجوم فصيلة أورلابوس على بلدة الخالصة في الحولة يقول: وفي التاسع والعشرين من أيار/ مايو عسكرت فصيلة أورلابوس في تبنين ولبثت هناك حتى رجع النصارى إلى قراهم وارتد سائر الجيش إلى صور حينما رجع السكان إلى الحقول على مألوف عادتهم وفي الثاني من حزيران/ يونيو تفككت حلقات التجريدة بعد أن أنهت مهمتها([272]).
هذا ما ذكره المراسل. أما ما لم يذكره فهو ما ارتكبته الحملة من فظائع قتلاً وحرقاً ونهباً وترويعاً وهدماً. وقد ذهب العشرات من الأبرياء ضحية الوشايات الكاذبة، كما نهب الجنود بيوت القرى التي مروا بها وأحرقوا ودمروا القسم الكبير منها لا سيّما في فرون وأرزون وتولين وعيناثا ومارون هذا فضلاً عما أصاب بلدة بنت جبيل من الإحراق شبه التام لها.
وكان المتطوعون الذين رافقوا الحملة يجمعون أثاث البيوت ويضرمون فيها النار بعد أن ينهبوا الأواني والأشياء التي يستطيعون حملها، ثم كان بعد هذا كله الإذلال العام لعلماء ووجهاء جبل عامل.
ففي الخامس من حزيران/ يونيو سنة 1920م أعلن الكولونيل نيجر انتهاء مهمة الحملة، ثم جمع علماء جبل عامل وأعيانه في صيدا بصورة مذلة وحشرهم في دار الأسقفية الكاثوليكية وقد بلغ عددهم المئة والخمسين وخطب فيهم قائلاً:
إن جميع قرى العصاة التي ذهبنا إليها أحرقنا بيوت مجرميها ما عدا قرية بنت جبيل التي كانت مقر العصابة فقد ضربنا القسم الأكبر من بيوتها والآن ألقينا تبعة الحوادث على الطائفة الشيعية بجملتها، وذلك سواء بالاشتراك أو تدبير المذابح أو الذين كتموا أمرها عن الحكومة، حتى إن شيعيي صيدا مسؤولون عن الفظائع لذلك على وجوه وأعيان الشيعة التوقيع على شروط الجنرال غورو وإلاّ استأنفت الحملة أعمالها، على أن يتحمل الأهالي كل ما تحتاجه الحملة من ميرة وعلف ومأكل.
ولقد حظر عليهم الخروج من مكان الاجتماع وأمهلهم إلى الساعة الثالثة بعد الظهر ليتداولوا ويعطوا الجواب على الشروط التالية:
1) دفع غرامة قدرها مئة ألف ليرة ذهبية.
2) إرجاع المسلوبات التي لم تتلف.
3) إعطاء تعهد خطي بالمحافظة على المسيحيين الذين يفضلون البقاء في بلادهم.
4) جمع الأسلحة من أقضية صيدا وصور ومرجعيون.
5) تسليم المجرمين أينما وجدوا.
6) إلقاء المسؤولية عليهم عن كل أمر يجد وكل قتيل يقتل في الأقضية الثلاثة.
وفي الوقت المحدد كان المجتمعون قد قدموا تعهداً خطياً وقعوا عليه بأسمائهم، متعهدين فيه بدفع الغرامة وبمساعدة السلطة على جمع الأسلحة وتسليم المجرمين.
المئة ألف ليرة ذهبية التي فرضت على أهل جبل عامل، استطاع جامعوها أن يزيدوها بما تفننوا فيه من أساليب الجباية إلى ما شاءت لهم مطامعهم وجشعهم.
ويقدر الشيخ سليمان ظاهر مقدار ما جمع بنصف مليون ليرة ذهبية، كما يقدر خسارة جبل عامل بالسلب والتخريب والنهب بمليوني ليرة ذهبية. كملا يقدر سكان جبل عامل في ذلك الوقت بثمانين ألف نسمة. وقد اعتُمد في تقسيم المبلغ على القرى عدد نفوس كل قرية، وكان جبل عامل حديث عهد بانتهاء الحرب العالمية التي خرج منها جائعاً فقيراً فضلاً عن تشتت رجاله الذي جنّدتهم الدولة في ميادين القتال، وبمضي سنتين على انتهاء الحرب (1918 ـ 1920م) كان الجبل قد بدأ بالانتعاش انتعاشاً بطيئاً، فجاءته الآن هذه الضربة القاصمة التي حولته إلى فقر موجع استمر يعيش فيه حتى أواسط الحرب العالمية الثانية.
كان ما فرض على كل قرية أن تؤديه فوق طاقة تلك القرى، وكان يرافق الجباة من يرافقهم من الجند الذين كان على القرية أن تأويهم وتطعم عجماواتهم، فاضطر الناس إلى بيع كل ما يملكون من أبقار وأغنام وماعز، والتخلي عن كل ما له ثمن في البيع وانقطعت الموارد وضاقت الحياة.
الموقف في لبنان
كما كان الفرنسيون محركين لذهاب الوفود إلى باريس لتثبيت حكمهم، كذلك حركوا من حرّكوا للاحتجاج على قرار المؤتمر السوري بإعلان الاستقلال التام وملكية فيصل، فاحتج البطريرك الماروني منكراً أن يكون اللبنانيون المشتركون في المؤتمر يمثلون الشعب اللبناني.
كما احتج مجلس الإدارة على ما ورد في قرار المؤتمر فيما يتعلق بلبنان. إلاّ أنه لم تمض ثلاثة أشهر حتى اجتمع مجلس الإدارة نفسه واتخذ القرار التالي:
إن مجلس إدارة جبل لبنان المؤلف نظاماً من 13 نائباً وفي الوقت الحاضر من 12 نائباً عاملاً بسبب خلو مركز أحد نائبي كسروان المستقيل قد وضع نهار السبت الموافق 10 تموز سنة 1920م بأكثريته الكبرى القرار الآتي:
إنه لما كان اللبنانيون منذ أعلنت الدول العظمى حق إنشاء الحكومة الوطنية لشعوب هذه البلاد قد طالبوا وما زالوا يطالبون تأييد حقوقهم بتأسيس حكومة وطنية مستقلة.
ولما كان استقلال جبل لبنان ثابتاً تاريخياً ومعروفاً منذ أجيال طويلة وموقعه وطبيعة أهله المؤالفة للحرية والاستقلال منذ القدم مما يستلزم استقلاله وحياده السياسي أيضاً لوقايته من المطامع والطوارىء. وكان مع ذلك من أهم مصالحه وراحته شعور الوفاق وصفاء العلاقات مع مجاوريه، وقد دلّ على ذلك ما أحدثه التقاطع من ثوران الجهلاء لارتكاب الحوادث المؤلمة المقلقة المتسلسلة من السنة الماضية إلى هذه الآونة.
فبناء على ما تقدم قد بذل هذا المجلس مزيد الاهتمام توصلاً لوفاق يضمن حقوق البلدين المتجاورين سورية ولبنان ومصالحهما ودوام حسن العلاقات بينهما في المستقبل. وبعد البحث في هذا الشأن وجد أنه من الممكن الوصول إلى ذلك بمقتضى البنود الآتية:
1 ـ استقلال لبنان التام المطلق.
2 ـ حياده السياسي بحيث لا يحارِب ولا يحارَب ويكون بمعزل عن كل تدخل حربي.
3 ـ إعادة المسلوخ منه سابقاً بموجب اتفاق يتم بينه وبين حكومة سوريا.
4 ـ المسائل الاقتصادية يجري درسها وتقرر بواسطة لجنة مؤلفة من الطرفين وتنفذ قراراتها بعد موافقة مجلسي لبنان وسوريا.
5 ـ يتعاون الفريقان في السعي لدى الدول للتصديق على هذه البنود الأربعة وضمانة أحكامها.
ولأجل التمكن من العمل بحرية وبمعزل عن ضغط وتأثير خارجي ولأجل السعي الناجح لدى المراجع الإيجابية لتقرير البنود الأربعة المتقدم بيانها والتي هي مطالب الأمة اللبنانية، ومصلحة لبنان الحقيقية المنزهة عن المآرب والأغراض الخصوصية، وبالنظر لنيابة هذا المجلس عن الشعب اللبناني القانونية والمؤيدة مؤخراً أيضاً بأكثرية أصوات الشعب الكبرى، قد قررت أكثرية المجلس موقعة هذه المضبطة الانتقال والتوجه بالذات لملاقة ومتابعة تقرير مضمون البنود الآنف بيانها، في أعمال القضية والمراجع الإيجابية وإبلاغ هذا القرار بكامله إلى المقامات الرسمية والسعي بالطرق الممكنة.
سعد اللَّه الحويك (نائب الرئيس)، خليل عقل، سليمان كنعان، محمود جنبلاط، فؤاد عبدالملك، محمد الحاج محسن، إلياس الشويري.
وتخلف العضو الثامن وهو إلياس البريدي مع أنه متضامن مع الأعضاء الموقعين بسبب مرضه، وأرسل نسيبه ميشيل قاصوف فاشترك في اجتماعهم ووعد باللحاق بهم.
وكان قد سبق هذا القرار اتصالات مع دمشق قام بها (الأمير ألاي) سعيد البستاني، وكان يتردد على دمشق بغية إيجاد نوع من التفاهم بين لبنان وسوريا بحسنات الاتحاد الوطني بين البلدين الشقيقين ومهد للمعتمد العربي في بيروت أن يجتمع بأعضاء مجلس الإدارة وقد اتفقوا مع الحكومة العربية في دمشق بواسطة معتمدها في بيروت على استقلال لبنان التام وتوسيع حدوده وقرروا أن يرفعوا عريضة إلى عصبة الأمم وأن يوقعوها بهذا المعنى وأن يسافروا بأنفسهم إلى دمشق فحيفا فباريس لملاحقة قضية الاستقلال اللبناني التام بالاتفاق مع سوريا.
ولم يفاتح أعضاء مجلس إدارة لبنان زميليهما داود عمون وحبيب السعد بهذه القرارات اعتقاداً منهم أن هذين العضوين هما لفرنسا قلباً وقالباً.
وكان لا بدّ للمسافرين من نفقات لم يكن يمكنهم تحملها فتطوع لدفع هذه النفقات عارف النعماني أحد كبار رجال الأعمال البيروتيين.
يقول عارف النعماني في مذكراته:
وبرزت مشكلة المال فاقترح بعضهم جمع المبلغ من بعض الإخوان فأجبته: بل أنا أدفع كل شيء، وقد دفعت عشرة آلاف وخمسمائة ليرة ذهبية وزعت على الأعضاء بنسبة 900 ليرة لكل عضو.
وهنا قال أحد الإخوان إن المبلغ ضخم ويجب أن يحرر لك صك به، وبذلك نضمن سفرهم جميعاً بحيث إذا هم عدلوا عن السفر أعادوا المبلغ.
وهنا قال لي سليمان كنعان تعقيباً على هذا الاقتراح أنه موافق عليه ومستعد أن يوقع السند وحده، وقال إذا شئتم فإن صديقي الأمير أمين إرسلان يكفلني.
ووضع السند ووقعه سليمان كنعان بكفالة الأمير أمين لمدة خمسة عشر يوماً.
وفي العاشر من تموز/ يوليو كان أعضاء مجلس الإدارة يتجهون إلى دمشق فرادى، وكان كلما وصل واحد منهم إلى المديرج يقبض عليه حتى قبض عليهم جميعاً.
أما كيف انكشف أمرهم فذلك أنهم كانوا يجتمعون في منزل نجيب الأصفر واثقين به في حين أنه كان جاسوساً عليهم، فكان يرفع إلى الجنرال غورو نفسه أخبارهم خبراً وراء خبر.
فأشاع الفرنسيون جواً إرهابياً محاولين كتم الأنفاس وضعضعة النفوس، وفي هذا الجو الإرهابي الرهيب أحيلوا جميعاً إلى مجلس حربي فرنسي رأسه الكولونيل (ديفو كريسون) وبُدىء بمحاكمتهم محاكمة أريد بها قبل كل شيء إهانتهم وتحقيرهم فتولى ذلك بكل إتقان رئيس المحكمة والنائب العام العسكري فوجها إليهم كل ما يستطيعان توجيهه من العبارات المهينة المهددة المتوعدة([273]).
ولما تقدم شهود الدفاع لأداء شهاداتهم كان الرئيس يعنفهم ويروعهم، وعكس الأمر مع شهود الحق العام فراح يثني عليهم ويتملقهم ويهنئهم على حبهم لفرنسا.
وعندما تقدم محامو الدفاع باعتراضهم على صلاحية المجلس العسكري وعلى خرقه البروتوكول الذي هو بمثابة الدستور اللبناني ومبادىء الحقوق الدولية، كان الكولونيل ديفو كريسون لا يأبه لذلك ويرد الاعتراضات غير مبال بما فيها من صواب ومنطق.
وبعد محاكمة استمرت يومين كاملين حكم عليهم بالنفي وبتغريمهم غرامات مالية باهظة وبإسقاطهم من الحقوق المدنية.
وظلوا يعاملون بتعذيب وتحقير، ثم أرسلوا إلى جزيرة كورسكا.
وبلغت أصداء ما جرى إلى المهاجر اللبنانية، فقامت جمعيات المهاجرين تحتج على ذلك. وتولت الجمعية اللبنانية التي كان قد ألفها خير اللَّه خير اللَّه في باريس إذاعة ما جرى على الرأي العام الفرنسي، وإبلاغه إلى البرلمان وإلى أعضاء الحكومة، فقامت ضجة في البرلمان تولى إثارتها النائب اندرن برتون، وعضو مجلس الشيوخ ورئيس لجنة الشؤون الخارجية فيه: فيكتور بيرار، فاستنكرا الأساليب التي أتبعت في المحاكمة وأظهرا براءة المحكوم عليهم ظلماً، وبيّنا عدم قانونية المحاكمة.
وانتقد المسيو برتون في جلسة 20 تشرين الأول/ أكتوبر سنة 1921م السلوك الذي أتبع في المحاكمة مما يتنافى مع العدل.
فرد رئيس الوزراء المسيو بريان قائلاً: إن احترام الطرق القانونية أمر سهل في بلاد حرة في وقت السلم، كما هي الحال في فرنسا. ولكن إذا وجد قائد في بلاد مضطربة وكان في حدودها مضطراً إلى مواصلة أعمال حربية دامية، وهو في كل حين عرضة للقتل كما جرى مؤخراً، فهل تريد والحالة هذه أن نحفظ المعاملات القانونية كلها حفظاً تاماً كما لو كانت المسألة في فرنسا؟ هل هذا عدل؟
فأجابه المسيو برتون: إذاً يا حضرة الرئيس فليعدموا الناس، لكن لا يقولوا إنهم يحاكمونهم.
أما الأحكام فكانت كما يلي:
1 ـ ينفى سعد اللَّه الحويك شقيق البطريرك الحويك 8 سنوات ويعيد من المبلغ الذي تناوله مصروفاً لسفره 1400 ليرة ويغرم 2800 ليرة.
2 ـ ينفى فؤاد عبدالملك 10 سنوات ويعيد 800 ليرة من أصل المبلغ الذي تناوله مصروفاً لسفره ويغرم 1600 ليرة.
3 ـ ينفى خليل عقل 10 سنوات ويعيد 1400 ليرة من أصل المبلغ الذي تناوله مصروفاً لسفره ويغرم 2000 ليرة.
4 ـ ينفى سليمان كنعان 10 سنوات ويعيد 1400 ليرة من أصل المبلغ الذي تناوله مصروفاً لسفره ويغرم 2800 ليرة.
5 ـ ينفى محمد محسن 8 سنوات ويعيد 1400 ليرة من أصل المبلغ الذي تناوله لسفره ويغرم 2800 ليرة.
6 ـ ينفى محمود جنبلاط 7 سنوات ويعيد 1350 ليرة من أصل المبلغ الذي تناوله لسفره ويغرم 2700 ليرة.
7 ـ ينفى إلياس الشويري 10 سنوات ويعيد 1500 ليرة من أصل المبلغ الذي تناوله لسفره ويغرم 3000 ليرة.
8 ـ ينفى الأمير ألاي سعيد البستاني 10 سنوات.
9 ـ ينفى الأمير أمين إرسلان 6 سنوات.
10 ـ وحكم على عارف النعماني ورشيد عقل من أقرباء خليل عقل وإلياس الحويك ابن شقيق البطريرك الحويك بغرامات مختلفة وسجن تتراوح مدته بين 4 سنوات و9 سنوات.
يقول عارف النعماني في مذكراته:
وخصتني المحكمة دون الآخرين بمادة إضافية إذ حكمت علي بغرامة مالية قدرها اثنا عشر ألف وخمسمائة ليرة سورية وهذه خلاصة الحكم:
«إن المحكمة العسكرية الدائمة المنعقدة في بيروت تحكم على عارف النعماني بالحبس مدة سنتين وبغرامة مالية قدرها 12500 ليرة سورية بتهمة تحريض ضد سلامة الاحتلال وبتموين ابن وزير الداخلية السورية بالمال».
وعلى أثر صدور الحكم قام الصديقان أحمد فخري بك وبترو طراد بمسعى لدى الجنرال غورو بإبدال حكم السجن بالإقامة الجبرية فنزل عند طلبهما.
وقد نقل المحكوم عليهم إلى جزيرة أرواد أولاً ثم إلى جزيرة كورسكا.
ويصف عارف النعماني في مذكراته كيفية نقلهم إلى جزيرة أرواد ثم إلى جزيرة كورسكا بما يلي:
بعد أيام من صدور الحكم كنا في جزيرة أرواد بصورة مزرية، ولم يطل الوقت أكثر من بضعة أسابيع حتى كنا ننقل إلى بيروت فوصلنا مرفأها في أول أيلول/ سبتمبر وهو اليوم الذي كان الجنرال غورو يحتفل فيه بإعلان لبنان الكبير.
وفي اليوم نفسه نقلنا إلى باخرة فرنسية لتحملنا إلى مرسيليا ومنها إلى كورسكا. وبعد خمسة أيام كنا في مرسيليا، فأمرونا بأن يحمل كل منا أمتعته فامتثلنا وسرنا وراء بعض الجنود الفرنسيين في طريق صعودي استمر أكثر من ساعتين، فوصلنا إلى بناء قديم يقف على بابه جندي بيده ورقة تحمل أسماءنا، فأخذ يقرأ الأسماء ويدخلنا إلى البناء. كانت ليلة مزرية تلك التي قطعناها، وان أحدنا مصاباً بمرض السكري، ولم يكن موجوداً في الغرفة القذرة التي حشرونا فيها منافع عامة، ما اضطرنا أن نستجدي من الجندي الموكل بنا برميلاً كبيراً بأجر محترم.
وبعد بضعة أيام نقلونا إلى جزيرة كورسكا، ولما وصلناها طلبت إلى أحد أبنائها أن يرشدنا إلى بيت نستأجره فأرشدنا إلى قصر منيف وسط غابة كثيفة تنساب حولها الأمواه فاستأجرته بثمن باهظ وأنزلت إخواني الأحد عشر فيه.
وما هي إلاّ أسابيع معدودات حتى توثقت العلاقات بيننا وبين بعض أبناء كورسكا. وذات يوم حملوا إلينا سيفاً صغيراً جميلاً قالوا إنه أول سيف حمله نابليون وقاتل به وقدموه لي هدية فكافأتهم على هديتهم بمبلغ كبير من المال ساعدهم على إتمام بناء معبد في ضاحيتهم. ولم يزل ذلك السيف عندي.
وفي 10 شباط/ فبراير سنة 1920م التمست من الحكومة الفرنسية إذناً بالسماح لي بالسفر مدة شهر إلى منشستر لأتفقد تجارتي فيها. وفي 20 آذار/ مارس سنة 1921م تلقيت الجواب بالموافقة على أن يرافقني رقيب فرنسي دائم، فسافرت إلى منشستر وقضيت أشغالي، وفي طريق العودة إلى باريس قابلت وزير الخارجية السيد بريان وأقنعته بضرورة الموافقة على نقل المعتقلين من كورسكا إلى باريس ورجعت إلى الجزيرة.
وبعد أيام تلقينا خبراً من باريس بالموافقة على نقلنا، فشخصنا إلى باريس محروسين من الجند، وقابلنا وزير الخارجية وفي نهاية المقابلة سمح لنا بالإقامة في باريس بشرط أن نبقى قيد المراقبة وأن نسجل أسماءنا في سجل الشرطة كل يوم.
وبعد ثلاثة أشهر بعث إلينا الجنرال غورو بمشروع عريضة حمله شكري غانم وقال إذا وقّعنا على هذه العريضة فإن فرنسا توافق على إعادة حريتنا إلينا. وهذا نص العريصة:
إنني آسف جداً لما صدر عني نحو الحكومة الفرنسية التي لم نضمر لها إلاّ الخير والولاء، وما كان قصدنا فيما رمينا إليه الإساءة إليها، وحبنا التقليدي لها مشهور لدى العموم.
وبعد أخذ ورد بين المعتقلين وقّعها بعضهم ورفض البعض الآخر التوقيع. كان من الرافضين سليمان كنعان والأمير أمين إرسلان وعارف النعماني.
وفي نهاية العام 1922م سمح لي بمغادرة فرنسا على أن لا أدخل الأراضي المشمولة بالانتداب الفرنسي أي سوريا ولبنان.
وفي 14 تشرين الأول/ أكتوبر 1923م تلقيت عفواً ـ لم ألتمسه ـ من رئيس الجمهورية الفرنسية عن المدة الباقية. فعدت إلى بيروت (انتهى ما رأينا أخذه من مذكرات عارف النعماني لتعلقه فيما نحن بصدد تدوينه من تاريخ تلك الحقبة).
إن عارف النعماني الذي عاد من المنفى في أواسط تشرين الأول/ أكتوبر سنة 1923م لم يعد ليقر ويهدأ بعد أن لاقى ما لاقى من الترويع والنفي. ففي الشهر الذي عاد فيه من المنفى كانت البلاد أمام حدث اقتصادي خطير، فالفرنسيون قد عزموا على تأسيس بنك الإصدار لسوريا ولبنان تأسيساً فرنسياً تتولاه أيدٍ فرنسية على رأسها (بيرار) مع جماعة ما أسموه بنك سوريا ولبنان.
فصمم عارف النعماني على مجابهة ذلك وأن يكون بنك الإصدار هذا لبنانياً بأيدٍ لبنانية ومال لبناني على أساس الذهب، فوضع بذلك تقريراً مفصلاً قدمه إلى الحكومة اللبنانية والمجلس النيابي. وكان بيرار وجماعة بنك سوريا ولبنان قد قدموا طلباً بتأسيس بنك الإصدار، وكان قيد الدرس في المجلس النيابي.
فاستدعي النعماني حكومياً للاجتماع باللجنة النيابية المكلفة بدرس طلب البنك وإبداء رأيه أمامها.
فلما تلقى الدعوة عمد إلى دعوة أصحاب المصارف العامة في بيروت ودمشق للاجتماع في مكتبه ودراسة الأمر معهم، فاستجاب للدعوة أصحاب بنك (مرقدة) في سوريا، وميشال شيحا، وحبيب طراد، ومصطفى عزالدين، ونجيب يوسف سرسق، وألفرد سرسق.
فاتفق الجميع على وجوب تأليف بنك إصدار وطني وقدموا طلباً بذلك للحكومة وللمجلس النيابي مع دفتر الشروط التي قررها وكان أهمها تغطية النقد المصدر جميعه بالذهب.
يقول عارف النعماني في مذكراته:
«قدمت الطلب بنفسي مع الشروط مذيلاً بإمضائي بعد التفويض من لجنة البنك، وتضمن الطلب تعهد أعضاء اللجنة بتغطية رأس المال الأساسي، واكتتب كل منا بالمبلغ اللازم حسب الأصول، على أن تعرض أسهم البنك بعد ذلك على جميع المواطنين للاكتتاب.
ما كاد يصل الطلب إلى المراجع حتّى قامت قيامة جماعة البنك ومناصريهم ودارت المساعي والمناورات لإحباط مشروعنا».
جرى هذا لا في عهد الجنرال غورو، إذ كان هذا قد استدعي إلى فرنسا وحلّ محله الجنرال (ويغان). فاستدعى ويغان النعماني لمقابلته وحاول ثنيه عن متابعة الأمر، ولكن النعماني لم ينثنِ.
فتُرك أمر إقناعه بالتهديد والوعيد إلى (اوبوار) الحاكم الفرنسي للبنان فاستدعاه إليه، وبعد جدال بينهما وإصرار النعماني على متابعة العمل في المشروع قال له أوبوار:
وماذا تفعل إذا ما تفرق من حولك الباقون؟
فقال النعماني: إنّي لا أعتقد ذلك أبداً…
ثمّ قال له أوبوار وهو يودعه: يجب أن تعرف يا مسيو نعماني أنّ (مدغسكر) ليست مثل كورسكا وأنّ الفرق بينهما بعيد جداً.
فأدرك النعماني أنّ الفرنسيين يهددونه بالنفي إلى جزيرة مدغسكر إذا بقي مصرّا.
يقول النعماني: فذهبت وأنا أفكر بقول أوبوار إنّ الباقين قد ينصرفون من حولي. فذهبت باكراً إلى بيت بترو طراد ـ الذي كنّا جعلنا منه مستشاراً قانونياً ـ وقصصت عليه ما حدث بيني وبين أوبوار، وطلبت إليه أن يرافقني إلى بيت نجيب سرسق ففعل، ولما سألنا عنه قيل لنا: لقد تلقى ليلاً برقية من الإسكندرية وسافر في الحال عن طريق فلسطين، فساورني القلق… ثمّ مضينا إلى ألفرد سرسق فألفيناه واقفاً أمام داره، وما كاد يرانا حتّى اندفع مهرولاً نحونا وبادرني بقوله: كنت ذاهباً لزيارتك لأقول لك إنّ المسألة (تفشكلت)، ولكن تأكد أنّي باقٍ معك إلى النهاية، لقد غاب ابن عمي نجيب، وأمّا مصطفى عز الدين فلا أحسبك تجده إذا قصدته.
وتابعت طريقي إلى بيت مصطفى عز الدين فلم أجده وقيل لي إنّه سافر إلى طرابلس وهو يعتزم السفر منها إلى رومانيا بشأن قضية (الكاز)…
وتوقع عارف النعماني أن ينفيه الفرنسيون إلى مدغسكر كما توعده أوبوار، لذلك ارتأى أن ينفي نفسه إلى مكان يختاره هو. فخرج في منتصف ليل النهار نفسه متجهاً إلى فلسطين عن طريق الناقورة…
ويقول عارف النعماني:
أما لماذا تشبثنا بتأسيس بنك الإصدار يومئذٍ فللأسباب الآتية:
1ـ كان الذهب الموجود في سوريا ولبنان حسب الإحصاءات الموثوق بها والرسمية ستة عشر مليون ليرة ذهبية.
2ـ كان تأسيس بنك الإصدار يومئذٍ من السهولة بمكان من الناحية المادية ووفرة وجود الذهب في البلاد مع ما كان يجب أن يتبع ذلك من سياسة اقتصادية سليمة.
3ـ كان تأمين إدارة البنك برجال لبنان وسوريا ممكناً بما هو معروف عنهم من المقدرة الاقتصادية والتجارية.
4ـ لو تمّ تأسيس هذا البنك لحافظنا على ثروتنا الذهبية التي كانت في البلاد بقدر الإمكان ومنع تسربها إلى الخارج.
وبعملية بسيطة يستطيع أي إنسان أن يلمس الأرباح الفاحشة التي تسربت للخارج بواسطة البنك، وقد كان من حق البلاد أن تستفيد منها.
لقد كانت الليرة الذهبية عند صدور النقد السوري اللبناني بليرتين لبنانيتين، وها هي اليوم (يوم كتب النعماني مذكراته سنة 1953) بأربعين ليرة لبنانية. أما الستة عشر مليون ليرة لبنانية فقد انتهت في عام 1948 إلى نصف مليون وأظنها لا تزيد اليوم عن ربع مليون.
وزارة جديدة
أوّل وزارة بعد الاستقلال هي الوزارة التي ألفت برئاسة رضا الركابي. وبعد قرار مؤتمر سان ريمو استقالت الوزارة وألفت وزارة جديدة برئاسة هاشم الأتاسي كانت في كل مظاهرها وزارة دفاع تُعدّ للصدام العسكري.
وقد تلا وزير الخارجية عبد الرحمن شهبندر بيان الوزارة فكان في حقيقته ردّاً على مقررات مؤتمر سان ريمو، من الإصرار على الاستقلال التام والمطالبة بوحدة سوريا الطبيعية ورفض وعد بلفور ورفض أي تدخل أجنبي يمسّ السيادة القومية.
ثمّ باشرت الوزارة باتخاذ إجراءات دفاعية كتعديل قانون التجنيد الإجباري بزيارة الخدمة من ستة أشهر إلى سنة.
ثمّ تقرر إرسال وفد إلى أوروبا برئاسة فيصل، وطلب فيصل برسالة إلى رئيس الوزارة البريطانية لويد جورج ضماناً، بعدم حدوث تغيير في الوضع العسكري على الحدود عند غيابه، ولكن الإنكليز لم يقدموا له أي ضمان، ولم يتعهدوا باتخاذ أي إجراء يتعلق برحلته إلى أوروبا.
وأرسل فيصل نوري السعيد إلى الجنرال غورو في بيروت ليخبره بعزمه على السفر إلى أوروبا على أن يعدّ له وسائل السفر البحري.
فأبلغ غورو نوري السعيد بأنّ دعوة فيصل إلى أوروبا ألغيت وأنّ إنذاراً سيصل فيصل من غورو بأمر من الحكومة الفرنسية خلال أيام وأنّ على فيصل وحكومته قبول شروط الإنذار الذي اطلع غورو نوري السعيد على محتواها.
وذاعت في دمشق أبناء الإنذار الشفهي ومحتواه فعقد المؤتمر السوري جلسة في 13 تموز/ يوليو وطلب من وزارة الأتاسي التصريح بما عندها، فألقى وزير حربيتها يوسف العظمة البيان التالي:
«أيّها السادة
إنّنا نعتبر أنّ من واجبنا أن نطلعكم على الحالة في هذه الساعة الحرجة. أنتم تعلمون أنّ سياسة الوزارة كانت وما زالت أساساً لعملنا كما أنكم تعلمون أنّ هذه السياسة التي وافقتم عليها تتضمن الإبقاء على علاقات الصداقة مع الحلفاء وخاصة مع فرنسا وبريطانيا. وأنّ عملنا الدائم كان تحقيقاً لتلك الرغبات التي أيدتها البلاد بواسطتكم.
«لقد بوشرت المفاوضة واستمرّت على أحسن الشروط، وكما تعلمون تلقينا قرار مؤتمر (سان ريمو) الذي يعترف بأنّ سوريا تؤلف دولة مستقلة. كما أعلمتنا بريطانيا من جهة أخرى بطريقة شبه رسمية أنّها زيادة على ذلك تعترف بصاحب الجلالة فيصل ملكاً على سوريا.
لقد قررنا في هذه الأوقات أن نرسل بعثة إلى أوروبا لإتمام المفاوضات والحصول على حل نهائي طبقاً لرغباتنا الوطنية، كما أنّ رغبتنا أيضا|ً أن نثبت للعالم وللدول أنّنا لا نعادي أحداً، ولا نعارض قرارات مؤتمر الصلح، بعد أن تعهد المحافظة على شرفنا واستقلالنا.
لقد أبدى صاحب الجلالة رغبته أن يتوجه بنفسه إلى أوروبا ليحصل على حل سريع للقضية، وبفضل الاحترام الذي يتمتع به لدى رجالات الدول المتحدة، فإّننا على ثقة تامة وأمل مكين بأن نزف قريباً إلى الشعب أخباراً سارة.
ولكن فجأة برزت الحالة الخطرة الحاضرة التي نبسطها لكم: أراد الجنرال غورو لأسباب نجهلها أن يغتنم مناسبة حشد جيوشه لكي يعارض أو يمنع سفر صاحب الجلالة. فأبلغ مندوبنا بعض الشروط التي قال إنّه يريد أن يطلبها منّا والتي لم نتسلم نصّها الرسمي حتّى الآن، ولذلك لم نتمكن من أن نبلغكم إياها ولا أن نعتبرها رسمية ما لم نتبلغ نصها المكتوب رسمياً.
إنّ بعض هذه الشروط هي على كل حال مخالفة ليس فقط لرغبات البلاد وتصميمها الثابت على الاستقلال، ولكنّها مخالفة أيضاً لروح القرارات المتخذة في سان ريمو وللتعهدات الموقعة من فرنسا لأنّ في قبول هذه الشروط تقويضاً لسيادة البلاد واستقلالها من أساسه كما اعترفت بهما الدول في سان ريمو.
حشد الجنرال غورو جيوشاً على حدود المنطقة الشرقية جهتي الشمال والغرب ومن المحتمل أن يكون هذا الإجراء دعماً للطلبات التي تقدم بها والتي لم يصلنا نصها الرسمي كما سبق وقلنا. هذا عدا أنّه أرسل جيوشاً فرنسية إلى رياق. ولقد أبلغ حاكم زحلة العسكري قائد قواتنا في رياق: بأنّه احتلّ عسكرياً هذا المركز، كما أنّ الجنرال غورو أعاد إقامة القوّة الفرنسية التي احتلت معلقة زحلة في السنة السابقة، ومن جهة أخرى أبلغنا الكولونيل كوس باسم الجنرال غورو بأنّه احتلّ المركزين المذكورين لوجود قواتنا في مجدل عنجر.
ولكن من المعلوم أنّ مركز مجدل عنجر كان أقيم للمحافظة على الأمن العام في الجوار منذ بدء الاحتلال وأنّه عزز أخيراً بعد حشد الجيوش الفرنسية على حدودنا، وعليه:
أولاً: اعترضت حكومتنا على هذه التدابير التي اتخذها الجنرال غورو، والتي لا تتفق مع التحالف وطالبت بعرض المسألة على الدول، كما أنّنا نعلم الأمة والعالم أجمع من على هذا المنبر بأنّنا لا نريد إلاّ السلم والمحافظة على شرفنا واستقلالنا، وأنّنا لا نقبل بأيّة شروط مقيدة.
ثانياً: إنّنا نرفض كل شكوى يظن معها أو يكون منها مجال للظن بأننا نرغب في تعكير علاقات الصداقة التي تربطنا بحليفتنا أو بحلفائنا.
ثالثاً: إنّنا لا نرفض التفاوض وإنّنا على استعداد للمباشرة به، وإنّ بعثتنا التي يرأسها الملك فيصل هي على أتّم الاستعداد للسفر إلى أوروبا لمواصلة المفاوضة، وإنّنا نقبل بكلّ حل لا يسيء إلى شرفنا ولا إلى حريتنا وعلى أن يكون قائماً على الحق.
رابعاً: وأخيراً إنّنا على أتمّ الاستعداد والتصميم للدفاع عن شرفنا وحقوقنا بجميع القوى التي أنعم الله علينا بها (انتهى).
ووقت كانت حكومة الاستقلال تلقي هذا البيان، كانت البلاد غارقة في فوضى لا مثيل لها، ولم يكن أحد يفكر في إعداد خطة المواجهة، ولم يكن أحد يفكر أن فرنسا خرجت من الحرب هازمة لألمانيا، وأنّها لا تقاوم بالبيانات، بل لا بد من الإعداد والتفتيش عن السلاح لا في ساعة وقوع المعركة.
نص الإنذار
ننشر فيما يلي نص الإنذار الذي وجّهه الجنرال غورو باسم فرنسا إلى الملك فيصل لا باعتباره ملكاً لسوريا، بل باعتباره أميراً حجازياً يقود جيشاً من جيوش الحرب ويحتل جزءاً من البلاد المفتوحة، ونلاحظ أنّ الجنرال يسمّي الجيش العربي السوري بالجيش الشريفي نسبة إلى اللقب الأوّل الذي كان يطلق على الملك حسين وابنه الملك فيصل، كما يسمّي الحكومة بالحكومة الشريفية بهذا الاعتبار نفسه، أي أنّ فيصلاً هو الشريف فيصل ابن الشريف حسين وليس له إلاّ هذه الصفة.
وقد أرفق الجنرال إنذاره برسالة، يستهل بها الإنذار:
يا صاحب السمو أتشرّف بأن أرسل مذكرتي المؤرخة 14 تموز/ يوليو، أقدّمها إلى سموكم الملكي وأناشد أخلاقكم السامية ووطنيتكم الصحيحة وشعوركم الودّي نحو فرنسا أن تقبلوها.
لقد برهنت فرنسا من جهتها على إخلاصها لسوريا بقبولها لمهمة إرشاد الدولة الجديدة وقيادتها بنزاهة. ولذلك أريد أن أظن أنّ سموّكم الملكي سيصغي إلى صوت الحكمة في معالجة هذه القضية الخطيرة فلا يتضامن مع حكومة لا تمثل سوى الأحزاب المتطرفة من الشعب.
ولا أفكر أنّني قادر على أن أعول في تنفيذ الضمانات التي تشرفت بطلبها على سموكم إذا تولّت ذلك الحكومة فبقاؤها في مناصبها ينطوي على معنى العداء لفرنسا وقد بذلت جهودها لجر بلادكم إلى الحرب وإلقائها في أتون بلاياها ولن يعصمها سوى تصرف سموكم الملكي وحده.
وهذا نص الإنذار:
«باسم الحكومة الفرنسية، لي الشرف بأن أعرض على سموكم الملكي لآخر مرة، موقف هذه الحكومة إزاء السلوك الذي سلكته حكومة دمشق منذ مطلع هذا العام.
سادت السكينة سوريا إبان الاحتلال الإنكليزي ولم يتعكر صفو الأمن ويبدأ الاضطراب فيها إلاّ لما حلّ جنودنا محل الجنود البريطانية وقد أخذت هذه الاضطرابات تزداد من ذلك الحين.
ولقد أثرت هذه الاضطرابات في رقي سوريا ونظامها السياسي والإداري والاقتصادي أكثر من تأثيرها في سلامة جنودنا وفي الاحتلال الفرنسي في المنطقة الغربية. فحكومة دمشق تحمل كل التبعة إزاء سكان سوريا الذين عهد مؤتمر الصلح إلى فرنسا بأن تمتعهم بحسنات إدارة مؤسسة على الاستقلال والنظام والتساهل والثروة، وإنّ أماني الولاء والتعاون التي أظهرتها فرنسا لسموكم بتأييدها حقوق السكان الذين يتكلمون العربية على اختلاف مذاهبهم ويقطنون القطر السوري بحكم أنفسهم كأمة مستقلة قد أجاب عليها سموكم معترفاً بأنّ لسكان سوريا مصلحة كبيرة في طلب المشورة والمساعدة من دولة كبيرة لتحقيق وحدتهم وتنظيم شؤون الأمة نظراً للتضعضع الذي أصاب البلاد من الإرهاق التركي والأضرار التي نتجت عن الحرب، وتلك المشورة والمساعدة ستسجلها عصبة الأمم عندما تتحقق بالفعل. وقد دعا سموكم الملكي فرنسا إلى القيام بهذه المهمة باسم الأمة السورية. ولما كنتم تفاوضون الحكومة الفرنسية في شهر كانون الثاني/ يناير الماضي وكانت العصابات الخارجة من دمشق تجتاح المنطقة الغربية أرسل إليّ مسيو كليمانصو البرقية الآتية:
«عندما بلغني خبر هجوم البدو في جنوب سوريا وشمالها قلت للأمير فيصل إنّني اتفقت معه مؤقتاً على المبادئ وإنّني أحافظ أتمّ المحافظة على كلامي ولكن يجب أن يقابل خطتي هذه بمثل ما فيها من الإخلاص وأن يجعل سلطته محترمة على أنصاره فإذا لم ينفذ هذان الشرطان تنفيذاً دقيقاً فالحكومة الفرنسية تستأنف العمل بحرية وتستعمل القوة لتأييد النظام واحترام الحقوق التي لها من المؤتمر».
والبيان الآتي يوضح جلياً كيف أنّ حكومة دمشق لم تنقطع عن انتهاج خطة معادية ومخالفة تمام المخالفة لسياسة التعاون التي رمى إليها رئيس الوزراء وتعهدتهم بتطبيقها:
1ـ اعتداء جلي على قواتنا:
إنّ إصرار حكومة دمشق على رفض السماح للسلطة الفرنسية باستعمال سكة رياق ـ حلب الحديدية هو عمل عدائي بحت. فالحكومة لا تجهل أنّ تلك السكة لا بد منها لإعاشة إحدى فرقنا الفرنسية في الشمال وتمكينها من القتال وهذه الفرقة تقاتل قوات معادية تابعة لتركيا التي انتزع الحلفاء الظافرون سوريا من ربقتها ودفاعاً عن حدود حكومة سوريا الجديدة التي يجب أن تربطنا بها روابط المصلحة وعرفان الجميل.
إنّ حكومة دمشق هي التي وضعت مبدأ تنظيم العصابات واستخدامها ضد جنودنا المحتلة. وهذا المبدأ أعلنه قائد الفرقة الثالثة في حلب صراحة يوم 13 نيسان/أبريل بالقول الآتي:
«لمّا كنّا لا نستطيع أن نعلن الحرب رسمياً على الفرنسيين يجب علينا أن نملأ البلاد بالعصابات التي تجهز عليهم تدريجياً وسيقود ضباطنا هذه العصابات فإذا استشهد أحدهم تعيل الحكومة عائلته».
وإليك الأدلة الآتية على دقة تنفيذ هذه الخطة:
في 13 كانون الأوّل/ ديسمبر سنة 1919 هوجم موقعنا في تل كلخ بتحريض السلطة الشريفية في حمص وفي أواخر ذاك الشهر ذبح بدو محمود الفاعور الذي قلتم لي يا صاحب السمو الملكي إنّه صديقكم الشخصي مسيحيي مرجعيون وهجم على جنودنا في 14 كانون الثاني/ يناير رافعاً العلم الشريفي.
وفي 25 منه سنة 1920 تحقق وجود الجنود الشريفية بين الذين هاجموا جنودنا تحت قيادة ثريا بك (بركات) في قريق خان ثمّ في الحمام. وفي حزيران/ يونيو ثبت وجود أميرالاي ويوزباشي وستة ملازمين و317 رجلاً من الجيش الشريفي بين العصابات التي كانت تعمل في ساحة مرجعيون وثبت استعمال معدات مأخوذة من الجيش نفسه وهي أربعة رشاشات ثقيلة وثلاثة خفيفة وخمسون صندوق ذخيرة وظهر أيضاً اشتراك محرضي المنطقة الشرقية في الاضطرابات التي امتازت بمذابح (عين إبل) وفتنة الشيعة في شهر حزيران/ يونيو.
ثمّ إنّ منظمي العصابات محترمون كل الاحترام في دمشق.
وعندما لم تكن العصابات ترسل من المنطقة الشرقية كانت الفتنة تثار في المنطقة الفرنسية ذاتها.
وبهذه الأعمال وقعت اعتداءات عديدة على المسيحيين لا سيما في جسر القرعون في 29 كانون الأوّل/ ديسمبر حيث تقع التبعة على الضابطين الشريفيين واجد بك وتحسين بك…
وقد سوعد الشيخ صالح (العلي) بطل الفوضى والبغضاء لنا مساعدة مؤثرة مستمرة في جبال النصيرية.
ومن الممكن تعداد كثير من هذه الأمثلة وقد عرضناها على سموكم الملكي في حينها.
2ـ سياسة حكومة دمشق العدائية:
رأى سموكم الملكي إدخال أشخاص مشهورين بعدائهم لفرنسا في حكومة دمشق وكان تأثير المحيط شديداً عليكم حتّى إنّكم لم تتمكنوا من السفر في الوقت المناسب تلبية لدعوة مؤتمر الصلح، وقد تألفت الوزارة من أناس من تلك الفئة التي لا تقتصر خطتها على إهانة فرنسا ورفض مساعدتها بل تتناول المجلس الأعلى الذي منح فرنسا الانتداب لسوريا.
إنّ رفض انتداب فرنسا رفضاً باتاً في 18 أيار/ مايو الماضي هو خطة عمياء تجر نتائجها المصائب على سوريا.
3ـ التدابير الإدارية ضد فرنسا:
إنّ التمتع الاقتصادي الظاهر في رفض ورق النقد السوري الجديد الذي أصدره البنك السوري لحساب فرنسا ومنع جميع المعاملات الشرقية هو دليل جديد على عداء مضر بمصلحة البلاد.
وكذلك منع نقل الحبوب إلى المنطقة الفرنسية مبتدئاً من حماه فدمشق فحلب، ثمّ إنّ السلطة الشريفية اجتازت حدود المنطقة الشرقية وتقدّمت تدريجياً داخل المنطقة لتظهر أنّها توسّعت توسعاً يقصد به إخراجنا.
ففي شهر آذار/ مارس وضع مخفر شريفي في الخالصة ثمّ رفع العلم الشريفي على القدموس بعد ذلك بقليل، وفي نيسان/ أبريل جعلت حكومة حلب القصير قضاء شريفياً. ثمّ نصب قائمقام شريفي في جسر الشغور.
4ـ أعمال عدائية موجهة رأساً إلى فرنسا:
إنّ من كان صديقاً لفرنسا أو موالياً لها في المنطقة الشرقية يكون مشتبهاً به من السلطة ويعامل معاملة سيئة في أغلب الأحيان.
(وبعد أن يذكر الإنذار بعض الأمثلة يعود فيقول):
وعدد سكان المنطقة الشرقية الذين أكسبهم عداؤهم لنا عطف الحكومة عظيم جداً.
إنّ بثّ الدعوة ضد فرنسا في المنطقة الغربية قد ألبسته حكومة دمشق أشكالاً خبيثة أرادت السلطة الفرنسية أن تغمض عينها عنها لأنّها قرّرت اتباع سياسة التساهل إلى النهاية.
وآخر هذه الأعمال وأظهرها شراء القسم الأعظم من أعضاء مجلس الإدارة باثنين وأربعين ألف جنيه مصري.
ولقد ألقت مخافرنا القبض على هؤلاء الأعضاء في 10 تموز/ يوليو بينما كانوا ذاهبين إلى دمشق لبيع بلادهم منكرين الأماني التي أعرب عنها مواطنوهم بالإجماع تقريباً منذ عهد بعيد.
إنّ صحافة دمشق التي تفرط الحكومة في شدّ أزرها تواصل دائماً حملاتها على كل ما هو فرنسي وتقبح السلطة المحتلة في المنطقة الغربية وترد كل مساعدة تعرضها فرنسا على سوريا وتهينني أقبح إهانة.
5ـ الاعتداء على الحقوق الدولية:
بمقتضى هذه الحقوق يجب على قائد جيش الحجاز المحتل قطراً سورياً لا بد أن يظل عثمانياً إلى أن يقتضي تنفيذ المعاهدة بتغييره أن لا يعمل بغير هذه الصفة وأن يحافظ على الحالة الراهنة وهو حارسها. ولكنّه تصرّف عكس ذلك متخذاً صفة السيادة العليا وقد تقرر التجنيد الإجباري ونفذ منذ كانون الأوّل/ ديسمبر سنة 1919 مع أنّ البلاد لا تزال بلاداً أجنبية وهذا العبء الثقيل الذي لا يجدي نفعاً قد أكره عليه الشعب حتّى في المناطق التي لها شكل خاص كالبقاع. ونفذ في أناس مستثنين منه كاللبنانيين والمغاربة المقيمين في المنطقة الشرقية. ولاقى هذا التجنيد الباطل مقاومة نزيهة أدّت في بعض الأحيان إلى إراقة الدماء.
ثمّ إنّ المجلس الملقب بالمؤتمر السوري الذي تألف واجتمع بصورة غير قانونية يسن القوانين بل يحكم باسم حكومة ودولة لم يُعترف بوجودها. وفضلاً عن ذلك فقد قدم اللقب الملكي لسموكم الملكي بدون حق ولا وكالة ممّا وضعكم كما عبرتم عن ذلك في موقف التمرد على مؤتمر الصلح.
ولم تحترم الامتيازات الأجنبية فإنّ أحد رعايانا الأمير مختار الذي يمثل أسرة كبيرة اشتهرت منذ القدم باتصالها بفرنسا قد أوقف إيقافاً معيباً.
وليست الاتفاقاات السياسية محترمة أيضاً. فإنّ لواء من الجيش الشريفي أرسل إلى مجدل عنجر رغم الاتفاق الذي تمّ في كانون الأوّل/ ديسمبر الماضي مع المسيو كليمنصو والذي يقتضي أن لا تحتل في البقاع قوّة شريفية أو فرنسية.
6 ـ الأضرار التي أصابت فرنسا وسوريا من ذلك:
لم تستطع السلطة الفرنسية حتّى الآن أن تنظم البلاد التنظيم الذي ننتظره منها لأنّها اضطرت إلى صرف قواها وجهودها لقمع الفتن المتوالية ومواصلة المفاوضات السياسية الجدية العقيمة مع حكومة دمشق، فهي والحالة هذه غير مسؤولة عن هذا التأخير بل تتحمل العبء العسكري والمالي الذي تقضي به الحالة التي أوجدتها حكومة دمشق ولا يمكن إلاّ أن تؤثر على التكاليف في الميزانية السورية سواء بفقد الدخل الذي ينشأ عن استمرار الفوضى أو الاشتراك في نفقات السيادة التي تلحق بها في المستقبل.
ولقد بلغت حالة الفوضى التي أوجدها مثيرو الفتن في البلاد حدّاً دعا إلى استجلاب قوات كبيرة أعظم عدداً ممّا يدعو إليه استبدال جنود إنكليزية وأنّ هذه الأسباب تدل دلالة كافية على أنّه لا يمكن بعد الآن أن نعتمد على حكومة جاهرت فرنسا إبان السكينة بالعداء كل المجاهرة وأخطأت نحو بلادها خطأً عظيماً بظهورها عاجزة عن تنظيمها وإدارتها.
لذلك ترى فرنسا أنّها مضطرة لأخذ الضمانات التي تكفل سلامة جنودها وسلامة السكان التي نالت من مؤتمر السلم مهمة الوكالة عليهم فأتشرف بأنّ أبلغ سموكم الملكي أن هذه الضمانات هي كما يأتي:
1ـ التصرف بسكة رياق ـ حلب الحديدية لإجراء النقليات التي تأمر بها السلطة الفرنسية ويؤمن هذا التصرف بأن يراقب مفوضون عسكريون فرنسيون جميع ما ينقل في محطات رياق وبعلبك وحمص وحماه وحلب وتعضدهم قوّة مسلحة مخصصة للمحافظة على المحطة واحتلال مدينة حلب التي هي نقطة مواصلات هامة لا يسعنا أن نتركها تسقط في يد الترك([274]).
2ـ قبول الانتداب الفرنسي: إنّ هذا الانتداب يحترم استقلال أهالي سوريا ولا يناقض مبدأ الحكم بسلطة سورية التي تستمد قوتها من إرادة الشعب ولا يتضمن سوى معاونة بشكل مساعدة وتعاون مع الدولة المنتدبة دون أن يتخذ مطلقاً شكل استعمار أو إلحاق أو إدارة تنفذ رأساً.
3 ـ قبول الورق السوري: تصبح هذه العملة وطنية في المنطقة الشرقية فتلغى جميع الأحكام المتعلقة بالبنك السوري في المنطقة الشرقية.
4ـ تأديب المجرمين الذين كانوا أشد عداء لفرنسا. (ويعدّد الإنذار بعضهم).
وهذه الشروط تقدّم جملة ويجب قبولها جملة أيضاً بلا أدنى فرق خلال أربعة أيام تبتدئ من نصف ليل 10 تموز/ يوليو (أي 14 منه الساعة 12 ليلاً) وتنتهي في 17 منه الساعة 24 (أي الساعة 12 ليلاً).
فإذا جاءني علم من سموكم قبل هذا الموعد بقبول هذه الشروط فيجب أن تكون قد صدرت أوامركم في الوقت نفسه إلى المراجع اللازمة لكي لا تعارض جنودي الزاحفة لاحتلال المواقع المعينة، ثمّ إنّ قبول الشروط الثاني والثالث والرابع يجب أن يؤيد رسمياً قبل 18 منه، أمّا تنفيذها بالتمام فيكون قبل 31 منه الساعة 24 (نصف الليل).
وإذا كان سموكم الملكي لا يشعرني في الوقت اللازم بقبول هذه الشروط أتشرف بأن أبلغه أنّ الحكومة الفرنسية تكون مطلقة اليد في العمل. وفي هذه الحالة لا أستطيع أن أؤكد أنّ الحكومة الفرنسية تكتفي بهذه الضمانات المعتدلة. ولا تقع على فرنسا تبعة المصائب التي تحل بالبلاد فهي قد برهنت على تساهلها من زمن طويل وفي الآونة الأخيرة. فحكومة دمشق هي التي تتحمل جميع أعباء مسؤولية فصل الخطاب الذي لا أنظر إليه إلاّ آسفاً ولكنّي مستعد له بمتانة لا تتزعزع (انتهى).
لم يكن وصول الإنذار مفاجئاً بعد أن كان قد نقل نوري السعيد مضمونه شفهياً، ولكن كان المفاجئ هو حقيقة قوة الجيش السوري ومقدار ما يملك من أسلحة وذخائر.
بوصول الإنذار دعا الملك فيصل الوزراء للاجتماع في القصر الملكي في 16 تموز/ يوليو 1920 وقد كان الوزراء ـ ما عدا رئيسهم هاشم الأتاسي ووزير الحربية يوسف العظمة ـ قد تلقوا دعوة من زميلهم وزير المعارف ساطع الحصري للحضور إلى منزله لبحث أمر هام وقف عليه مؤخراً، فعرّج الوزراء قبل ذهابهم إلى القصر على منزل الحصري، فقال لهم هذا نقلاً عن لسان ياسين الهاشمي رئيس ميرة الجيش سابقاً، إنّ الذخيرة والأعتدة الحربية الموجودة لدى الجيش لا تساعد على الدخول في حرب مع الفرنسيين مهما قصرت مدّتها.
فدهش الوزراء لهذا البيان ثمّ واصلوا سيرهم إلى القصر الملكي حيث التقوا بالرئيس الأتاسي ووزير الحربية يوسف العظمة وعقدت الجلسة برئاسة الملك. فطرح عليهم الملك إنذار الجنرال غورو لبحث ما جاء فيه وإعداد الجواب. فوجّه معظم الوزراء سؤالاً عن مقدار الأسلحة والأعتدة والذخيرة المتوفرة لدى الجيش ليبنى على الأمر مقتضاه. فأجابهم وزير الحربية يوسف العظمة: لدى الجيش من العتاد ما يكفي لمقاومة الفرنسيين مدّة من الزمن، وربّما لدحرهم على أعقابهم إذا أداروا ظهورهم في أوّل ملحمة.
ولمّا طلب الوزراء من زميلهم وزير الحربية تقديم بيان خطي بوجود العتاد موقّع بتواقيع أركان الجيش أجابهم غاضباً: ألا تثقون بكلامي وأنا زميلكم المسؤول عن أمور الجيش؟
ولما قالوا له: ولكنّنا لا نرتبط بمصير الأمة وقبول الحرب أو رفضها إلاّ بعد الوقوف على إمكانات الجيش للدفاع ولو لبرهة من الزمن يحول فيها دون تقدّم العدو إلى العاصمة قبل وصول الخبر إلى الحلفاء. فاستمهلهم مدّة ساعتين دعا خلالها أركان الجيش فاختلوا في غرفة نحو ساعة من الزمن، ثمّ حضروا معاً الاجتماع الوزاري المنعقد برئاسة الملك وهم: مصطفى نعمة وأحمد اللحام وشريف الحجار ومصطفى وصفي وعارف التوام وحسن الصبان. فتلا وزير الحربية البيان الذي قدموه والمتضمن أنّ وجود العتاد الحربي لدى الجيش لا يزيد على مئتين وسبعين رصاصة لكل بندقية وثمانين قنبلة لكل مدفع من المدافع السبعين.
وبعد مبادلة الآراء في هذا الاجتماع أظهر هؤلاء الأركان استعدادهم للقيام بواجبهم العسكري وفي مقدمته الدفاع عن الوطن من كل اعتداء، دون أن يزيدوا شيئاً على بيانهم. ولما سئلوا: هل يحتمل نفاد هذا العتاد في أوّل معركة دون أن تنتهي الحرب؟ وكيف العمل حينئذٍ؟ أجابوا على الشق الأوّل بقولهم: نعم يحتمل. وعلى الشق الثاني: إنّ مهمتنا هي تنفيذ الأمر العسكري ولو أدّى بنا إلى تضحية نفوسنا في سبيل الدفاع عن الوطن.
حينئذٍ وبناء على طلب وزير الحربية أمر الملك بتعليق الجلسة للاستراحة والتفكير بهدوء.
وبالرغم من فقدان الملك ثقته بالإنكليز فقد أراد الاستئناس برأي الجنرال اللنبي الذي كان يومذاك موجوداً في حيفا فأرسل إليه من يسأله رأيه، فعاد المرسلون بنصيحة اللنبي بقبول إنذار غورو تفادياً لدخوله دمشق فاتحاً.
وفي اليوم التالي دعا الملك المؤتمر السوري إلى اجتماع يعقد في القصر الملكي فلبّى الدعوة جميع النواب فأوضح لهم الملك الموقف على حقيقته وسألهم رأيهم فرد أحد النواب بلهجة شديدة مطالباً بتحقيق الوعود باستقلال سوريا، وساند بعض النواب زميلهم. أمّا الأكثرية الساحقة من النواب فلزمت الصمت.
هذا الذي ذكرناه مأخوذ ممّا كتبه يوسف الحكيم الذي كان وزيراً في وزارة هاشم الأتاسي وكان شاهداً حاضراً في تلك الأحداث.
ويروي يوسف الحكيم ما جرى يوم 23 تموز بما يلي:
اجتمعت الوزارة برئاسة الملك في قصره حيث كرر وزير المعارف ما قاله ليلاً لجلالة الملك عن رحلته ومقابلته للجنرال غورو، وعلى هذا فإنّ الهدنة تنتهي في منتصف الليل فإذا لم تقبل شروط غورو الجديدة حتّى منتصف الليل استعملت جيوشه حريتها في الزحف على دمشق.
حينئذٍ رأى الوزراء أنّ حراجة الموقف تستدعي تأليف وزارة عسكرية أو مدنية برئاسة عسكري، واقترح اسم رضا الركابي، ولكن الركابي اعتذر وقال إنّ الحالة الحاضرة أصبحت وخيمة العاقبة نتيجة للتهور الذي سلكه الشبان المهووسون، فعليهم أن يتولوا هم الحكم ويتحملوا تبعة ما بدؤوه.
وأضاف قائلاً:
ولكنّي بصفتي العسكرية أ|ضع نفسي تحت تصرف جلالتكم للذود عن الجبهة التي تأمرني بحمايتها والدفاع عنها ما دمت حياً.
ساد الوجوم على المجتمعين زمناً يسيراً بعد كلام الركابي، ثمّ أمر الملك بدعوة ياسين الهاشمي، فحضر على الفور، ولمّا كلّفه الملك بتأليف الوزارة اعتذر أيضاً مقدماً نفسه للدفاع عن النقطة التي تعين له عسكرياً. حيئنذٍ استشاط وزير الحربية يوسف العظمة غيظاً ووجّه إلى ياسين باشا قاسي الكلام وممّا قاله:
أنت يا باشا بلبلت الأفكار وفضحت أسرار الجيش بما نقلته إلى بعض الوزراء عن عتاده مع أنّك المسؤول عن تموينه، فلا يليق بك التهرب من الحكم بعد أن أوصلتنا ببياناتك إلى الأزمة الحاضرة.
فردّ عليه ياسين باشا قائلاً:
إنّي أوقفت الوزارة على حقيقة حالة ميرة الجيش لكي لا تنخدع بأقوالكم وتسوق البلاد إلى حرب لا أمل لها في كسبها. أمّا مسؤولية التقصير فتقع على عاتق الذين خلفوني في رئاسة الميرة وتولوا شؤون الدفاع (ويقصد بذلك يوسف العظمة).
فأجابه الملك:
ولكنّك يا ياسين كنت رئيساً للميرة مدّة عشرة أشهر، فلماذا لم تعمل على تدارك الأسلحة اللازمة؟
حينئذٍ تقدّم يوسف العظمة بحماسته المعروفة رافعاً التحية العسكرية للملك وقال:
إنّي مستعد يا صاحب الجلالة للدفاع عن الوطن بكل قواي حتّى النفس الأخير إذا أوليتموني ثقتكم.
فشكره الملك على وطنيته وأخلاصه ودعا له بالتوفيق. ثمّ عيّنه نائباً للقائد العام للقوات السورية، باعتبار منصب القيادة العامة يتقلده عادة الملك نفسه. (انتهى).
أمّا فارس الخوري الذي كان وزيراً في وزارة الأتاسي فقد روى عنه محمد الفرحان في كتابه (فارس الخوري) ([275]) أنّه بعد أن تجلّت حقيقة العجز في الجيش وأخذ الفرنسيون يتقدمون، سأل يوسف العظمة ما أنت صانع الآن وكيف نحارب الفرنسيين بلا سلاح؟ فأجابه يوسف العظمة: إنّ خطتي هي أن أهاجم الفرنسيين بغتة وأستولي على أسلحتهم وذخائرهم وأحاربهم بها، فأجابه فارس الخوري: إنّ هذه مغامرة قد تصيب وقد تفشل فهل يجوز لنا أن نعرض سلامة البلاد للخطر في مغامرة يائسة من هذا النوع؟! إلى ماذا كنت مستنداً في أقوالك أنك قادر على رمي الفرنسيين في البحر؟! فأجابه يوسف العظمة: كنت أريد بهذه الأقوال الإبقاء على معنويات جنودي قوية وإرهاب الفرنسيين كي لا يقوموا بعمل ضدنا.
ويكمل فارس الخوري حديثه قائلاً: ولكن يوسف العظمة لم يبق على اندفاعه هذا وحماسته تلك، فإنّه ما لبث أن شعر بفداحة الخطر وعظم المسؤولية فوافق هو ووزير الخارجية على مطلب الجنرال غورو بإلغاء الجيش النظامي، كما ذهب بنفسه بمعية الرئيس هاشم الأتاسي لإبلاغ المؤتمر السوري قرار تعطيله. (انتهى).
ويقول أسعد داغر في (مذكراتي على هامش القضية العربية([276])):
«وقد وجّه كثيرون من الوطنيين انتقادات شديدة إلى ياسين الهاشمي وسلقوه بألسنة حداد واتهموه بأنّه توخّى بما قاله التنديد بسياسة يوسف العظمة وضربه ضربة قاضية».
وقد حدّثني الشيخ محمد رضا الشبيبي في منزله ببغداد عن أحداث تلك الأيام التي شهدها بنفسه إذ كان يزور دمشق وعلى صلة دائمة مع الهاشمي الذي كان يسكن بيتاً مجاوراً للبيت الذي كان يسكنه الشبيبي ـ حدّثني أحادث سجلتها بعد وفاته عندما نشرت دراسة عنه في مجلة (العربي) قلت فيها: إنّ سلطات دمشق كانت ـ كما يقول الشبيبي ـ قد عرضت قيادة الجيش العامة في ساعة المحنة على بعض الضباط العراقيين المعروفين فاعتذروا بعد قيامهم بالكشف على وحدات ذلك الجيش وتفتيش الثكنات قائلين إنّ جيش دمشق أو ما يسمّى كذلك في ذلك الحين لا يعول عليه ولا يعتد به كماً وكيفاً، كما تحدث للشبيبي بذلك ياسين الهاشمي، عندما عرضت عليه قيادة الجيش فاعتذر بعد جولة قام بها على المعسكرات والثكنات، واجتمع على أثرها بالشبيبي وأعرب له عن رأيه بكفاءة ذلك الجيش، ومن ثمّ ركن إلى العزلة، وكانت عزلة هذا العسكري المعروف سبباً في مجاملة الفرنسيين المحتلين له. (انتهى).
أمام هذه الحقيقة اقتنع الملك واقتنع الوزراء بأنّ رفض الإنذار سيؤدي إلى الحرب وأنّ الحرب ستؤدي إلى الهزيمة السريعة وبذلك تدخل البلاد في الحكم الفرنسي المباشر، فالأفضل قبول الإنذار ثمّ العمل بعد ذلك على تخفيف شروطه بالمفاوضات.
وكان من شروط الإنذار تسريح الجيش، فلم تُستعمل الحكمة في تسريحه، وما حدث أنّه جاء من قال للجنود الموجودين في الثكنة الكبرى (الحميدية): إنّهم باعونا لفرنسا ولذلك سرحونا ليسلموا البلاد إليها، فثارت النخوة في نفوس الجنود وخرجوا من الثكنة بأسلحتهم هائجين يصيحون بسقوط الحكومة، ولم يبالوا بأن يعتدوا على الضباط.
وكان في قيادة المركز في شارع النصر عدد كبير من المجندين معدّين للإرسال إلى القطعات، فعندما وصل أمر التسريح إلى قائد المركز جاء إلى الباب الذي كان مغلقاً ففتحه وقال للجنود: ليذهب كل منكم لحال سبيله فقد باعونا للفرنسيين وقبضوا ثمنكم وثمن البلاد. فخرج الجنود ثائرين ينادون بسقوط الحكومة واختلطوا بالجنود القادمين من ثكنة (الحميدية) وانضمت للجميع جماعات من الغوغاء، واندسّ فيهم من دعاهم إلى الهجوم على القلعة لأخذ السلاح الذي فيها، فاتجهوا إلى القلعة واقتحموا بابها ودخلوها بلا مقاومة، وبدأ النهب، وأصبح كل شيء يوحي أنّ حرباً أهلية ستقع لأنّ المدينة كانت مليئة بالسلاح.
وهنا ظهر الأمير زيد متجهاً بسيارته نحو القلعة يرافقه أحد الضباط حاملاً رشاشاً وفاجأ المتجمهرين بإطلاق النار عليهم فأخذوا يفرّون حاملين ما أخذوه من أسلحة وغير أسلحة، وأسفرت الواقعة عمّا لا يقل عن مئتي قتيل.
ويقول صبحي العمري في كتابه([277]). وهو الذي كان يشهد ما يجري بأنّه:
«لولا هذه الحركة الجريئة التي قام بها الأمير زيد ومغامرته بنفسه لكانت الفوضى قد توسعت حتّى شملت دمشق بأسرها».
أمّا أمر التسريح في الجبهة فيرويه المقدم حسن الهندي قائد اللواء الأوّل من الفرقة الأولى الذي كان مرابطاً عند (المصنع) لصدّ التقدم الفرنسي من سهل البقاع: تبلغ يوم 20 تموز/ يوليو 1920 أمراً تلفونياً من قيادة الفرقة هذا نصه:
«المسألة حلّت صلحاً مع الفرنسيين، غداً صباحاً تحرّكوا إلى دمشق».
وبينما كان اللواء متهيئاً للحركة على جانبي الطريق جاء قائد الفرقة تحسين الفقير ووقف أمام الجنود والمتطوعين وأبلغهم بوقوع الصلح وأنّ الجنود حين يصلون إلى دمشق ويسلمون أسلحتهم سوف يسرحون وتابع سيره إلى دمشق. وتحرّك اللواء نحو دمشق ولكن النظام والضبط أخذا يضيعان وصار الجنود يسيرون دون نظام وبعضهم يطلق الرصاص والبعض يتمرد على ضباطه.
وحين خرجوا من وادي القرن وجد قائد اللواء قائد نقطة ميسلون ينتظره في مخرج الوادي ليبلغه أنّ الفرنسيين حنثوا باتفاقهم وأنّهم يزحفون خلفه ويبلغه أمر وزارة الحربية بالوقوف والدفاع في ميسلون. وكان من جراء أمر التسريح على تلك الصورة واختلال النظام أن فقد هذا الإلغاء تأثيره فبدأ الجنود وبعض الضباط يتركون قطعاتهم متوجهين إلى دمشق.
وعلى هذه الصورة جرت عمليات التسريح في سائر قطعات الجيش.
وهنا لا بد لنا من تبيان ما كان يتشكل منه الجيش العربي السوري: كان هذا الجيش يتكوّن من ثلاث فرق في كل فرقة لواء خيالة يضم ثلاث سرايا فرسان وسرية رشاش، ومن ثلاثة ألوية مشاة ولواء مدفعية وسرية هندسة وسرية مخابرة وسرية نقل وسرية مقر. ولواء المشاة يضم ثلاثة أفواج ويضم الفواج ثلاث سرايا مشاة وسرية رشاش وفصيل مخابرة وفصيل نقل. وتتشكل كل سرية من ثلاثة فصائل مشاة ومقر، ويتشكل الفصيل من ثلاث جماعات كل جماعة من ثمانية جنود وضابط صف يقودهم ضابط برتبة ملازم. أمّا لواء المدفعية فيضم كتيبتين كل كتيبة تتألف من بطاريتين ما عدا كتيبتي الفرقة الأولى اللتين كانت تتألف الواحدة منهما من ثلاث بطاريات. والبطارية تتألف من مدفعين من عيار 7,5 أو 10,5مم. وكانت القيادة العامة للجيش قبل إعلان الاستقلال وتأليف الوزارة ـ ممثلة برئيس ديوان الشورى الحربي، وبعد ذلك أصبح القائد العام هو وزير الحربية تعاونه هيئة أركان، كان يرأسها العقيد أحمد اللحام وتتألف من شعب: الحركات، والاستخبارات، والتسليح، والتموين والإدارة.
وكان الجيش موزعاً على ثلاث مناطق:
الفرقة الأولى: مقرها دمشق تتبعها من الشمال حمص وتنتشر جنوباً حتّى (شيخ مسكين) في حوران، وكان يقودها العقيد تحسين الفقير.
الفرقة الثانية: مقرها درعا، وتشمل ما بين (شيخ مسكين) شمالاً حتّى معان جنوباً، وفلسطين غرباً، وكان يقودها العقيد إسماعيل الصفار، وهو عراقي.
الفرقة الثالثة: مقرها حلب، وتشمل ما بين شرقاً العراق، وشمالاً طرابلس، وغرباً المنطقة الساحلية المحتلة من الفرنسيين، وجنوباً حماه، وكان يقودها العقيد محمد إسماعيل الطباخ.
ومن المفترض ـ بحسب ما ذكرنا ـ أن لا يقل عدد هذه الفرق الثلاث عن 25 ألف جندي، في حين أنّ مجموع الجيش لم يبلغ تعداده أكثر من 800 ضابط و689 ضابط صف و4734 جندياً، موزعاً في منطقة واسعة لا يتناسب اتساعها مع عدده، ممتدة من دير الزور حتّى معان.
ولما بدا أنّه لا بد من وقوع الحرب جعلت وزارة الحربية من حمص وحماه قيادة ولّتها إلى المقدم يحيى حياتي. وأتت من الفرقة الثانية بما بقي من لواء الخيالة وهو ستون خيّالاً وبطارية من أربعة مدافع، ووضعت ذلك بإمرة قائد الفرقة الأولى.
وأنشأت مراكز دفاعية كما يلي:
يحفوفة: للدفاع عن وادي بردى إذا حاول الفرنسيون اجتيازه، والتعاون إذا اقتضى الأمر مع قوة مجدل عنجر.
حاصبيا: فوج من اللواء الثالث من مدفعين لستر الجناح الأيسر للقوة المدافعة عن مجدل عنجر وتأمين قطناً.
القنيطرة: فوج من اللواء الثالث مع مدفعين لتنسيق قوة المتطوعين في هذه المنطقة وإعدادها للنجدة.
ويرى صبحي العمري([278]) وكان ضابطاً في الجيش العربي أنه: بهذه الترتيبات مزقت قوات الفرقة الأولى التي كان منوطاً بها أمر الدفاع عن العاصمة. وأن في ذلك مخالفة لأهم قاعدتين من قواعد الحرب في كل خطة حربية، وهما: التجمع والاقتصاد بالقوة.
ولسنا نحن عسكريين لنحكم بين الرأي الذي ارتآه صبحي العمري، وما نفذته القيادة…
القوة التي واجهت الجيش الفرنسي
بعد التوزيع الذي أشرنا إليه للقوات العربية والتي ذكرنا أن عددها لم يكن يتجاوز (6223) ضابطاً وجندياً، وأنها منتشرة في المدى الواسع الممتد من دير الزور حتى معان، نرى أنه لم يبق لصدّ الجيش الفرنسي الزاحف سوى فوجين من اللواء الأول. هذا قبل قرار التسريح، أما بعد القرار فلم يبق سوى 53 جندياً.
وبعد قرار العودة إلى الحرب كان في ميسلون هذا المقدار من القوات:
150 من فوج الدرك الاحتياطي، حوالي مئة خيال، 300 هجان حجازي كانوا الحرس الخاص للملك فيصل، 60 جندياً من الحرس الملكي النظامي، 16 ضابطاً و137 جندياً من بقايا اللواء الأول و239 متطوعاً منهم 15 بدون سلاح، 16 ضابطاً و160 جندياً و260 متطوعاً منهم 150 بدون سلاح وهؤلاء كلهم بقاي اللواء الثاني، سرية الهندسة، مدفعية الفرقة، بطارية صحراء 4 مدافع، بطارية ونصف مدافع جبلية عيار 7.5سم 6 مدافع، بطارية 4 مدافع، نصف بطارية أوبوس، مدفعين.
ويقول صبحي العمري إنه كان من الصعب معرفة حقيقة ما وجد من القطعات بعد صدور أوامر التسريح وبعد أن ترك عدد كبير من الضباط والجنود قطعاتهم وتوجهوا إلى دمشق مخالفين الأمر اللاحق الذي صدر بالدفاع في ميسلون.
يقول صبحي العمري: لولا جدولان وجدناهما في مذكرات قائد اللواء الأول حسن الهندي يذكر فيهما موجود لوائه والفوج الأول من اللواء الثاني الذي ألحق به مع من التحق بهم من المتطوعين، لولا ذلك لما أمكن الحصول على مصدر يطمأن إليه في معرفة عدد المحاربين يوم 24 تموز.
ويقول إنه تأكد من بقية الأعداد الأخرى من كل من النقيب عزت الساطي ومن الملازم عبداللَّه عطفة، فضلاً عما كان يقوده هو نفسه.
ويبقى مجهولاً عدد الخيالة المتطوعين من أبناء دمشق ودوما وما حولهما الذين ألحقوا قبل المعركة بالقرب من خان ميسلون، ويقدر العمري عددهم بمئة خيال يركب بعضهم الخيل الأصائل، وبعضهم: الكدش، وبعضهم: البغال.
أما القوة الفرنسية الزاحفة فكانت:
فرقة مشاة مؤلفة من ستة أفواج تتجه من قطمة للاستيلاء على حلب، فرقة مشاة مؤلفة من سبعة أفواج تتجه من طرابلس وتل كلخ للاستيلاء على حمص، وفرقة مشاة مؤلفة من اثني عشر فوجاً وست كواكب خيالة وسبع بطاريات مدفعية تؤلف 42 مدفعاً وسرية دبابات وأربعة أسراب طائرات ثلاثة منها أسراب قصف وسرب واحد للاستطلاع ومجموعها 18 طائرة.
ولا يقل عدد أفراد هذه الفرقة عن خمسة عشر ألف مقاتل، وهي الفرقة التي زحفت بقيدة الجنرال غوابيه إلى دمشق واصطدمت بالقوة العربية في ميسلون.
الموقف على حقيقته
المفاجأة المذهلة بحقيقة قدرة الجيش العربي على القتال ومقدار ما يملكه من سلاح وذخائر أذهلت الملك فيصل وحكومته، فكان لا بدّ من مخرج للموقف الخطر الذي أصبحت تواجهه البلاد، فارتُئي التسليم بشروط الجنرال غورو وقبول إنذاره لأن ذلك يحمي دمشق من الاحتلال الفرنسي، ثم يمكن بعد ذلك الحصول على شروط أفضل بمفاوضات يكون لها متسع من الوقت في الأيام القادمة. فأرسلت الحكومة برقية للجنرال غورو بقبول إنذاره وبدأت بتطبيق هذا القبول فسرحت الجيش. ولكنها فوجئت بأن جيش الجنرال يواصل زحفه باتجاه دمشق مدعياً بأن برقية القبول وصلت متأخرة عن الموعد المحدد نصف ساعة، فلو كانت النيات سليمة لما كان لهذا التأخر البسيط من أثر، ولكن الجنرال غورو كان يطمح بأن يكون فاتح دمشق، فاتخذ من تأخير نصف ساعة وسيلة لمواصلة الزحف.
ففي صباح يوم 21 تموز/ يوليو 1920م تلقى الجيش الفرنسي أمر الجنرال غورو بالتقدم، وكان هذا الجيش قد احتل في 12 تموز/ يوليو (المعلقة) و(محطة رياق) التابعتين للحكم العربي، في حين أن القسم الأكبر من قواته كان محتشداً في (المريجات) ومقدمته في (شتورة) واحتياطه في صوفر، وفي 14 تموز/ يوليو أرسل الجنرال غورو إنذاره إلى الملك فيصل. وفي الساعة الأولى من يوم 21 تموز/ يوليو أخذ الجيش باجتياز سهل البقاع واحتل موقع (مجدل عنجر).
جرى ذلك دون إطلاق رصاصة واحدة لأن الحكومة العربية كانت قد قررت قبول شروط الإنذار وسرّحت الجيش وأمرت القطعات بالانسحاب إلى دمشق.
ووصلت مقدمة الجيش الزاحفة إلى عين (جديدة يبوس) مجتازة وادي الحرير، كما وصلت الخيالة إلى منطقة (ينطة) المشرفة على ميسلون من الغرب، وفي الساعة الخامسة من بعد ظهر 21 تموز/ يوليو 1920م وصل الجيش كله إلى المرتفعات التي تحد سهل جديدة يبوس من الشرق وتسيطر على وادي القرن ووادي الزرزور فعسكر القسم الأكبر منه في عين الجديدة بعد أن اجتازت مقدمته وادي القرن واحتلت المرتفعات المطلة على وادي الزرزور وعقبة الطين، واحتلت ميمنتها مرتفعات ينطة المطلة على عقبة الطين ووادي ميسلون.
وفي الساعة السادسة مساء حاولت الدبابات الخروج من وادي القرن والدخول في وادي الزرزور فتصدت لها المدافع العربية وردتها بعد أن أصيب بعضها.
أمام هذا الزحف المتواصل بعد قبول شروط الإنذار أرسلت حكومة دمشق موفداً إلى الجنرال غورو هو وزير معارفها ساطع الحصري مصحوباً بمعاون المعتمد الفرنسي في دمشق الكولونيل تولا فوصل في طريقه إلى مقر الجيش وتمكن من إقناع الجنرال غوابيه بإيقاف زحفه 24 ساعة انتظاراً لنتيجة لقاء الجنرال غورو.
والتقى الحصري غورو في عاليه في 21 تموز/ يوليو فإذا بغورو يقدم شروطاً جديدة قاسية فاستمهل الحصري لعرض هذه الشروط على حكومته وعاد إلى دمشق وعرض على الملك ووزارته شروط غورو الجديدة قائلاً إن انطباعاته من خلال حواره مع غورو هي أن غورو مصمم على دخول دمشق وأنه يحاول إيجاد الذرائع لتحقيق ذلك، وأن قبول شروطه الجديدة لن يمنعه عن خلق حجج أخرى.
وبالفعل وصلت برقية من غورو إلى مندوبه في دمشق الكولونيل كوس بأن يبلغ الملك فيصل أن وضع الجيش الفرنسي يتطلب منهم تعديل الشروط بالسماح للجيش الفرنسي بالانتقال من معسكره في الجديدة إلى خان ميسلون نفسه لإمكان تأمين حاجاته من المياه التي هناك ومن الأرزاق على طريق ميسلون ـ التكية.
وقد وضعت هذه البرقية حداً للتردد فتقرر بالإجماع عدم قبول الشروط الجديدة، وكان ذلك قراراً بالحرب، وعمّم الأمر على قطعات الجيش وعلى الشعب.
ولما جاء المعتمد الفرنسي الكولونيل كوس يطلب الجواب سلم إليه هذا الجواب:
«إننا نأبى الحرب، ولكن قبول الشروط الواردة في مذكرتكم الأخيرة يعرضنا لا محالة إلى حرب أهلية. إننا مستعدون لتنفيذ الإنذار المؤرخ في 14 تموز/ يوليو بحذافيره. وقد نفذنا إلى الآن أربعة من شروطه، إننا نتعهد بشرفنا بتنفيذه بإخلاص، على أن ينسحب الجيش الفرنسي من الأماكن التي احتلها مؤخراً» (انتهى).
أقول: كنت يومذاك في الثانية عشرة من عمري وكنت في دمشق أعي كل ما يجري وأعيشه متأثراً به، ولا أزال أتذكر ـ عندما أذيع نبأ قرار الحرب بعد أن نكث غورو بعهوده وانطلق المنطلقون يحمّسون الشعب ويدعونه للذود عن حياضه ـ لا أزال أتذكر مناظر (السناجق) مرفوعة أمام الجماهير، هذه (السناجق) التي كانت موجودة في كل حي وتوضع في أكبر مساجد الحي أو عند قبر ولي مدفون في الحي. ويتكون (السنجق) من قطعة قماش كبيرة جداً ذات بطانة، يحمل الواحد منها الرجل القوي في الحي من وسطها بعمود ويعينه في الحمل آخرون من اليمين واليسار بحبال ربطوها وسط العمود وأطراف (السنجق) لينتشر السنجق انتشاراً كاملاً فيقرأ الناس ما عليه من آيات وأدعية واستغفارات.
وهذه السناجق قديمة العهد، وقد سرق الكثير منها ونقلت إلى بلاد الغرب.
وأتذكر دقات الطبول التي اندفعت في الأزقة والشوارع تؤلب الناس ليجتمعوا للقتال، كما أتذكر جماهير المتطوعين ذاهبة (بعراضاتها) إلى محطة البرامكة لتركب القطار إلى أقرب محطة للجبهة الجديدة في (ميسلون) حيث يواصلون السير إلى ميسلون على أقدامهم.
وكان يطيب لي مرافقة الذاهبين إلى المحطة بأهازيجهم الحماسية وهتافاتهم المدوية. وقد ظلت صور بعض الوجوه منطبعة في ذهني فكنت أشاهدها بعد مرّ السنين في دمشق فأتذكر الزحف إلى محطة البرامكة.
والذي أتذكره تمام التذكر أن هذه الجماهير كانت بغير سلاح يذكر، ولم أكن يومذاك منشغلاً بفقدانها السلاح، وإنما كنت منفعلاً بحماستها العارمة. ولما وعيت بعد ذلك مسترجعاً في ذهني أحداث ذلك الزمن، صرت أتساءل ماذا يمكن أن تفعل تلك الجماهير في ساحة الحرب، وهي عزلاء بغير سلاح إلاّ ببعض البنادق؟!
ويصف صبحي العمري الذي ساهم في معركة ميسلون ضابطاً في الجيش العربي ـ يصف هؤلاء المتطوعين في كتابه([279]):
«وبعد ظهر يوم الجمعة 22/7 تحركت بالقطار من محطة البرامكة ومعي آمر إحدى السرايا الملازم الأول سعيد عمون وكان القطار يعج بالمتطوعين الذاهبين إلى ميسلون وكانوا طيلة الطريق ينشدون الأناشيد الدينية والوطنية وكانوا من مختلف الأعمار فيهم الغلام والشاب والشيخ. وكانوا دون نظام لا رئيس ولا مرؤوس ولا قائد. لا يعرف الواحد منهم إلى أي جهة هو ذاهب أو ماذا سيعمل، وكل ما في علمه أنه ذاهب للجهاد في سبيل اللَّه وأنه سيقاتل للدفاع عن بلاده. وكان منظرهم يوحي الخشوع والاحترام الممزوج بالإكبار، وكلما وصل القطار إلى إحدى المحطات كانوا ينتشرون بجانبيه ليأكلوا ويشربوا ويدخنوا وينشدوا الأناشيد، وعندما يصلون إلى محطة الحسينية أو التكية كانوا يتركون القطار مستأنفين السير نحو ميسلون على الأقدام، وكانوا يسيرون جماعات وأفراداً، كل أفراد حي أو أقرباء أو أصدقاء مع بعضهم منتشرين من المحطة حتى ميسلون».
وعندما يتحدث صبحي العمري بعد ذلك عن المعركة يقول:
«ولما اشتد قصف للمدفعية والطائرات انسحب أكثر المتطوعة الذين لم يكن لهم سابق معرفة لا بالحرب ولا بالطائرات».
وإكمالاً لسرد وقائع تلك الأيام نأخذ هنا ما رواه أسعد داغر الذي كان شاهداً للأحداث:
قابل أسعد داغر يوسف العظمة في البلاط الملكي فسأله عن رأيه في الموقف وهل يستمر الجيش الفرنسي في زحفه وما هي التدابير التي اتخذت لمقاومته وصدّه بعد تسريح الجيش؟ فقال إنه لم يبلغه حتى تلك الساعة نبأ عن توقف الجيش الفرنسي الذي دخل الأرض السورية بحجة المرابطة على ينابيع المياه في أول الأمر، ثم استولى على مجدل عنجر بعد جلاء الجنود السورية عنها. وقال عن التدابير التي اتخذت لمقاومته: إن القوات التي كان قد صدر الأمر بتسريحها وقفلت راجعة إلى دمشق تلقت أمراً جديداً بالعودة إلى ميادين القتال من وسط الطريق.
ثم يقول أسعد داغر عن يوسف العظمة:
ثم اغرورقت عيناه بالدموع ونهض عن كرسيه وخرج إلى الشرفة فتبعته محاولاً تخفيف ما اعتراه من شدة التأثر والانفعال.
كيف استشهد يوسف العظمة؟
في حوالي الساعة الثامنة والنصف وكانت المعركة على أشدها ووضع الجيش العربي لا يزال سليماً ومعنويات الباقين منه جيدة، كان يوسف العظمة في نقطة الترصد يراقب جريان المعركة وبالقرب منه حسن الهندي ومرافقه ياسين الجابي، ظهرت دبابات العدو وهي تتقدم صعداً على الطريق حتى اجتازت نصف المسافة التي بين أسفل الوادي ومركز الترصد، ولما أصبحت في زاوية غير مرئية للمدفعية العربية توقفت قليلاً ثم تقدمت الدبابة الأمامية وبدأت تصعد الطريق نحو مركز الترصد، وكان العظمة قد وضع مدفعاً في أعلى منعطف الطريق من خط الدفاع العربي يسيطر على جميع المنعطفات من أول الطريق حتى أسفل الوادي، فلما شاهد العظمة تقدم الدبابة والمدفع صامت التفت إلى حسن الهندي الذي كان بقربه وسأله غاضباً ما بال المدفع صامتاً لا يرمي الدبابة؟ أنا ذاهب إليه وأنت اذهب إلى اليمين وثبّت الجنود. ولما عاد الهندي إلى محل الترصد وكان ينتظر أن يكون العظمة قد عاد قبله من موضع المدفع لم يجده. وفي هذه اللحظة سمع الهندي من خلفه صوتاً ينادي: يوسف بك قتل، فالتفت ليرى ضابطاً برتبة وكيل من سرية الرشاشات مكشوف الرأس يركب حصاناً وهو لا يزال يصيح: يوسف بك قتل، فأمره بالسكوت مهدداً إياه بالمسدس ثم أمر بحجزه في الخلف.
ثم وصل ياسين الجابي مرافق العظمة وهو بحالة ارتباك وقص على الهندي ما جرى: عندما شاهد العظمة تقدم الفرنسيين داخل الوادي ورفعهم الحواجز وعدم انفجار الألغام وعدم رمي المدفع على الدبابات المتقدمة وسقوط حصن عقبة الطين وانسحاب حاميته واستمرار تقدم الدبابات على الطريق بحيث قاربت مقر القيادة أخذه الغضب وذهب ـ كما ذكرنا ـ إلى موضع المدفع وطلب إلى الرامي أن يرمي الدبابة المتقدمة، وفي هذه اللحظة رمته تلك الدبابة بطلقة من مدفعها فأردته شهيداً «مرويات حسن الهندي وجميل البرهاني وصبحي العمري، وهم ممن شهد يوم ميسلون».
كان انتهاء الحكم الاستقلالي العربي انتهاءً سريعاً على تلك الصورة الدامية، مفجعاً للعرب إفجاعاً لا حدّ له، وكان الشعراء أولى الناس بأن يكونوا مظهر تلك الفاجعة، الناطقين بلسان أمتهم، المعبرين عن خيبتها وضياع أحلامها وتمزق أمانيها.
وكان شاعر جبل عامل الشيخ سليمان ظاهر أول شاعر عربي تثير فاجعة ميسلون شاعريته فتكون قصيدته فاتحة شعر النضال العربي بعد الفاجعة. وننشر هنا مقاطع من تلك القصيدة:
أمل بصدر العرب والإسلام
هل ذاهب فيه سقوط الشام
يا يوم وقعة ميسلون كم جوى
لك في الحشا لا تنطفي وضرام
أخمدت من عزمات يوسف جذوة
مرهوبة الإيراء والإضرام
ألويته عن سرجه من بعدما
ألوت عزائمه بكل لجام
ما كان فيك الفيلقان لبأسه
إلاّ كسرب جآذر ونعام
وبنقع خيليه غدوت وبيضه
متشابه الإصباح والإظلام
ويخاطب يوسف العظمة قائلاً:
ما كان ذاك بموهن لك عزمة
مشتقة من نبعة الإقدام
لهفي على الخلق الجميل تزينه
بطلاقة من ثغرك البسام
للعرب بعدك كم لواعج زفرة
ومدامع تجري عليك سجام
فلتبكينّك أمة ناصحتها
وبنصحها استعذبت كأس حمام
وقذفت نفسك في المهالك راغباً
عن عيشة ذلاً بموت كرام
لا يوحشنك بالفلا رمس طووا
لك فقي محانيه عظام عظام
فلك الأنيس به ضمير صنته
عن هاجسات الوزر والآثام
وبه تطوف مدى الزمان مواكب
الإجلال والإكبار والإعظام
لا يذهبن دمك الحرام مضيعاً
فالعرب بعدك عنه غير نيام
هل أنصف (الحلفاء) قائد أمة
أرعى الأنام لموثق وذمام
أين البوارق وهي برق والقنا
شهب طوالع في سماء قتام
أين الصواهل إن جرت في حلبة
لم تدر أيديها من الأقدام
تختال تحت فوارس عربية
معروفة الأخوال والأعمام
صوت بعالية الحجاز مشى إلى
أرض العراق إلى ربوع الشام
تعليق على كتاب
«سلام ما بعده سلام»
لدافيد فرومكين
يقول:
بتاريخ 27 أيار/ مايو 1920م أمرت باريس قائد قواتها في بيروت الجنرال غورو بالاستعداد للنزول إلى ميدان المعركة ضد فيصل. وفي يوم الباستيل 1920م أرسل الجنرال غورو مدفوعاً إلى ذلك من باريس إنذاراً نهائياً إلى فيصل يحدد شروطاً لم يتوقع من هذا الزعيم العربي أن يقبلها، ومن ضمنها حلّ الجيش العربي. ولكن فيصل الذي كان واضحاً أنه فقد رباطة جأشه وافق على الشروط الفرنسية، وعلى أثر ذلك قامت غوغاء دمشق بأعمال شغب ضده. وبناءً على أوامر من باريس قال الجنرال غورو إن الرد الذي أرسله فيصل ـ بالرغم من كونه رداً متخاذلاً ـ لم يكن مرضياً. وسارع فيصل لإرسال ردّ جديد، يعرض فيه الاستسلام بلا قيد أو شرط، ولكن غورو تلقى من دوكي توجيهاً بأن يرد قائلاً: لقد فات الأوان. وأن يأمر قواته بالزحف على دمشق. (انتهى).
إن الأحداث تنفي كل حرف من هذا الذي سطّره (دافيد فرومكين) في كتابه، ومن شهدوا تلك الأحداث رووها كما شهدوها وما رووه يناقض كل المناقضة هذا الذي جاء في (سلام ما بعده سلام)!
إن فيصلاً لم يفقد رباطة جأشه حين تلقى الإنذار، والدليل على ذلك أن نوري السعيد كان ـ قبل وصول الإنذار الكتابي ـ قد حمل الإنذار نفسه شفهياً إلى الملك فيصل حين عاد من مقابلة الجنرال غورو في بيروت، قائلاً للملك فيصل إن الإنذار الكتابي سيصل عما قريب…
فلم يفقد فيصل رباطة جأشه، بل تلقى ذلك بصلابة المناضل الشجاع الذي يتوقع في نضاله كل شيء، فمضى وزير حربيته إلى المؤتمر السوري (البرلمان) الذي التأم ليستمع رأي فيصل وحكومته في الطارىء الخطير المفاجىء، فوقف الوزير على المنبر يقول فيما يقول لا بلسانه، بل بلسان من أوفده، بلسان فيصل وحكومته:
«إننا نعلن للأمة والعالم أجمع من على هذا المنبر بأننا لا نريد إلاّ السلم والمحافظة على شرفنا واستقلالنا، وإنا لا نقبل بأية شروط مقيدة… وإننا نقبل بكل حلّ لا يسيء إلى شرفنا ولا إلى حريتنا وعلى أن يكون قائماً على الحق…
وأخيراً إننا على أتمّ الاستعداد والتصميم للدفاع عن شرفنا وحقوقنا بجميع القوى التي أنعم اللَّه علينا بها».
إن هذا القول لا يصدر عمن فقد رباطة جأشه، بل عمن قابل الشدة بالشدة والعزم بالعزم، ومن صمد للهول المتوقع قدومه.
إن فيصلاً لم يفقد رباطة جأشه فوافق على الشروط الفرنسية، كما يزعم (دافيد فرومكين)، بل دعا الوزراء للاجتماع في القصر الملكي للرد على الإنذار.
ولكن الوزراء كانوا قبل الذهاب إلى القصر قد استجابوا لدعوة زميلهم وزير المعارف إلى بيته فإذا به يبلغهم بأن ياسين الهاشمي قد أخبره أن الذخيرة والأعتدة الحربية الموجودة لدى الجيش لا تساعد على الدخول في حرب مع الفرنسيين مهما قصرت مدتها. وذهبوا إلى القصر الملكي وأنبؤوا الملك بما عرفوا. ومع أن هذا يهد عزائم الرجال ويفقدهم رباطة جأشهم… فإن فيصلاً ظل عامر العزيمة رابط الجأش وأخذ يحاور ويناقش حتى كان ما كان مما ذكرناه مفصلاً فيما مرّ من القول…
والموافقة على الشروط الفرنسية لم تحصل لفقدان رباطة الجأش عند تلقيها، بل حصلت بعد أن كان ما كان.
وكذلك ما ذكره المؤلف من العبارات الأخرى مثل قوله:
«قال الجنرال غورو إن الردّ الذي أرسله فيصل ـ بالرغم من كونه رداً متخاذلاً ـ لم يكن مرضياً».
فرد فيصل لم يكن متخاذلاً، بل كان نابعاً من صميم الواقع المرير، الذي لم يكن باستطاعة أي كان من الرجال إلاّ أن يجيب بمثله… وكذلك قوله:
«وسارع فيصل لإرسال ردّ جديد يعرض فيه الاستسلام بلا قيد أو شرط».
إن ردّ فيصل الجديد لم يكن عرضاً للاستسلام بلا قيد أو شرط، بل كان إعلان الحرب…
وكل ذلك فصلناه فيما تقدم فلا نعيد تفصيله هنا.
ويقول فيما يقول عن المعركة:
«وقد تقدم جيش الشرق الفرنسي ومعظم جنوده سنغاليون عبر الأودية المتعرجة التي كان يستطيع خصم كفؤ أن ينصب له كميناً فيها، ولكن لسبب غير واضح انتظر مناصرو فيصل حتى خرج السنغاليون من هذه الأودية ثم هاجموهم، عند ذلك حلق سرب من سلاح الجو الفرنسي فذعر المدافعون عن دمشق وولوا الأدبار دون أية مقاومة».
والمؤلف يعتمد في هذه الأقوال على هوارد م.ساشار في (انبثاق الشرق الأوسط) وهو حين يأخذها دون تعليق يكون متبنياً لها، ومن المؤسف أن يكون (ساشار) و(فرومكين) الباحثان المتعمقان الواسعا الاطلاع ـ أن يكونا على مثل هذه السطحية وقلة التتبع حين يعرضان شؤون البلاد العربية وشجونها!..
يتساءلان لماذا انتظر مناصرو فيصل الجيش الفرنسي حتى يخرج من الأودية المتعرجة ثم هاجموه، ويعجبان من هذا ولا يريان سبباً واضحاً يبرر ذلك، ويجزمان بأن خصماً كفؤاً كان يستطيع أن ينصب هناك كميناً للجيش الفرنسي.
وينسيان أو هما لا يعلمان ـ ومع ذلك يؤرخان ـ أن من سمياهم مناصري فيصل قد أعدوا الكمائن عند مداخل الأودية المتعرجة وفي تعريجاتها ومضائقها، ولكن الأوامر صدرت إليهم بأن ينسحبوا منها حين اعتمد مصدرو الأوامر على شرف كلمة الجنرال غورو فنزلوا على حكم إنذاره وأصدروا أوامرهم بالانسحاب، وعندما تبين لهم أن لا شرف لكلمة الجنرال عادوا فأوقفوا الانسحاب بعد الخروج من الأودية المتعرجة.
لقد كانوا أخصاماً أكفاء على عكس ما يصفهم المؤرخان، ولكن القدر كان أشد كفاءة وأعتى خصومة، فلا تثريب عليهم إذا غلبتهم كفاءته في خصومتهم!..
ونقول رداً على كلمتهما الأخيرة الزارية: لم يذعر المدافعون عن دمشق حين حلّق سرب من سلاح الجو الفرنسي، ولم يولوا الأدبار دون أية مقاومة… بل صمدوا وثبتوا يقاتلون بمئاتهم القليلة ألوف الجنرال غورو الكثيرة، وبأسلحتهم الخفيفة أسلحته الثقيلة ما دبّ منها على الأرض وما سبح في الجو.
وظلوا ثابتين حتى استشهد قائدهم ونفدت ذخيرتهم…
تقسيم البلاد
إن ما يمكن أن نسميه سوريا الطبيعية التي تحدّ من الشمال بجبال طوروس ومن الجنوب بصحراء سيناء وقنال السويس ومن الشرق بالحجاز والعراق ومن الغرب بالبحر المتوسط، كانت عندما جلا عنها الأتراك بانتهاء الحرب، مقسمة إلى ثلاث ولايات: ولاية حلب وولاية دمشق وولاية بيروت، وإلى متصرفيتين ملحقتين بوزارة الداخلية مباشرة هما: متصرفية القدس التي تشمل معظم فلسطين، ومتصرفية دير الزور المتصلة حدودها بحدود العراق، وإلى متصرفية ممتازة مرتبطة مباشرة بمقام الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) هي متصرفية جبل لبنان ذات النظام الخاص المستقل.
وبعد الانسحاب التركي الكامل أصدر الجنرال اللنبي القائد العام للقوات الثلاث: الإنكليزية والعربية والفرنسية أمراً بتقسيم سوريا إلى ثلاث مناطق:
المنطقة الشرقية: تشمل ولايتي دمشق وحلب ومتصرفيات حماه وحوران والكرك بما فيه المنطقة التي سميت بعد ذلك (شرق الأردن) وتعرف اليوم بالأردن. وتحولت حمص التي كانت مركز قضاء تابع لمتصرفية حماه إلى متصرفية. كما تحول جبل العرب الذي كان يسمى جبل الدروز والمؤلف من عدة أقضية تابعة لمتصرفية حوران، إلى متصرفية قاعدتها بلدة السويداء.
أما ولاية حلب فقد جلا الأتراك عن قسمها الجنوبي، وهو القسم العربي منها الممتد من حدود متصرفية دير الزور شرقاً حتى ساحل إسكندرون غرباً. أما القسم الشمالي منها ذو الأكثرية التركية مع مجموعات كردية وأرمنية وأقلية عربية فبقي ضمن تركيا.
وهكذا فإن المنطقة الشرقية تألفت من ولاية دمشق (التي كانت تعرف باسم ولاية سوريا) كلها ومن القسم الجنوبي من ولاية حلب، ومن متصرفية دير الزور.
المنطقة الغربية: اشتملت على متصرفية جبل لبنان والقسم الغربي الساحلي الممتد من رأس الناقورة جنوبي مدينة صور حتى ما بعد مرفأ إسكندرونة شمالاً، بما في ذلك مدينة بيروت قاعدة الولاية، ومتصرفّيتي طرابلس واللاذقية، وأقضية جسر الشغور وإنطاكية وإسكندرونة وكل ما أطلق عليه بعد ذلك اسم لواء إسكندرونة وقد كان سابقاً من توابع ولاية حلب، وقضاء العمرانية (مصياف) الذي كان تابعاً لمتصرفية حماه.
منطقة فلسطين: وقد شملت متصرفية القدس ومتصرفية عكا ومتصرفية نابلس وأقضيتهما، وكانت هاتان المتصرفيتان تابعتين لولاية بيروت.
وقد عيّن الجنرال اللنبي الذي كان مقره في القاهرة ومعه مستشاره الفرنسي جورج بيكو ـ عين رضا الركابي حاكماً عسكرياً على المنطقة الشرقية، ثم عين بعد ذلك الكولونيل الفرنسي (دوبياباب) حاكماً على المنطقة الغربية التي كانت قاعدتها بيروت، وفصل عن ولايتها السابقة متصرفية عكا ومتصرفية نابلس وألحقهما بمنطقة فلسطين التي هي تحت الإدارة البريطانية منذ احتلالها.
وقد كان هذا تطبيقاً عملياً لمعاهدة سايكس ـ بيكو. وبعد دخول فيصل إلى دمشق وإقراره حاكمية رضا الركابي تصرفت الحكومة العربية على أساس رفض هذه المعاهدة بأن شكلت حكومة من رجال ينتمون إلى عدة أقطار عربية، فكان عادل إرسلان (لبنان) معاوناً للحاكم العسكري ونوري السعيد (العراق) مستشاراً سياسياً، وجعفر العسكري (العراق) مستشاراً عسكرياً، وياسين الهاشمي (العراق) رئيساً لميرة الجيش، ورشيد طليع (لبنان) مديراً للداخلية، وسليم موصلي (دمشق) مديراً للشؤون الصحية، وسعيد شقير (لبنان) مديراً للمالية، وإسكندر عمون (لبنان) مديراً للعدلية، وساطع الحصري (حلب) مديراً للمعارف.
وبنفس المنهج تألف ديوان الأمير فيصل، ومحكمة التمييز، ومحكمة الاستئناف، وجميع الوظائف الكبرى، وبعد أن احتل الجيش الفرنسي المنطقة الغربية بكاملها، عمد الفرنسيون إلى تقسيمها إلى ثلاث حكومات:
1 ـ لبنان الكبير وقاعدته بيروت، وسمي كبيراً تمييزاً له عن متصرفية جبل لبنان القديم، إذ ضمّ إليها مدينة بيروت وأقضيتها الثلاثة صيدا وصور ومرجعيون، وهي المنطقة المسماة جبل عامل، كما ضمّ إليها مدينة طرابلس والنواحي التابعة لها وهي: المينا والمنية والقلمون والضنية وقضاء عكار، بعد أن فصلت عنها الأقضية الأخرى وألحقت باللاذقية.
ثم بعد أحداث وأحداث فصلت عن دمشق ما عرف باسم الأقضية الأربعة وهي: البقاع وبعلبك وحاصبيا وراشيا وألحقت بلبنان الكبير.
2 ـ بلاد العلويين وقاعدتها اللاذقية، وتألفت من أقضية اللاذقية الثلاثة: جبلة، والمرقب، وصهيون وما يتبعها من نواحٍ وقرى. وما فصل عن متصرفية طرابلس وهو: الحصن (تل كلخ)، وصافيتا، وطرطوس، وجزيرة أرواد، وما فصل عن متصرفية حماه وهو: قضاء مصياف الذي كان اسمه في العهد التركي: (العمرانية)، وما فصل عن ولاية حلب وهو قضاء جسر الشغور.
3 ـ إسكندرونة وهي التي كانت قاعدة قضاء تابع لولاية حلب مع عدة أقضية أخرى فصلت عن حلب وألّف منها ما عرف باسم لواء إسكندرونة، وجعل مرتبطاً رأساً بالمفوض السامي الفرنسي.
وبعد سقوط الحكم الاستقلالي قسّم الجنرال غورو البلاد على هذا الشكل:
دولة حلب:
بقرار أعلنه الجنرال غورو في 8 أيلول/ سبتمبر سنة 1920م وجعل منها دولة مستقلة بهذا الاسم رغم ضآلة حدودها وقلة موازنتها.
ودولة العلويين:
التي أصدر المفوض السامي قراراً بتأليفها في 23 أيلول/ سبتمبر سنة 1920م من لواء اللاذقية القديم بما فيه أقضية صهيون وجبلة وبانياس وقضاء حصن الأكراد وصافيتا من لواء طرابلس الشام القديم وناحية طرطوس وقضاء مصياف من أعمال حماه.
دولة دمشق:
التي أصدر المفوض نفسه في 3 كانون الأول/ ديسمبر سنة 1920م قراره بجعلها دولة مستقلة وبإبدال الوزارات بمديريات عامة وجعل حاكم لهذه الدولة بدلاً من رئيس وزراء ففقدت ما تمتاز به هذه المدينة من المميزات الطبيعية وأصبحت كغيرها من العواصم التي أحدثت والتي هي أقل شأناً منها بكثير.
دولة جبل الدروز:
التي أعلنت السلطة الفرنسية بتاريخ 20 نيسان/ أبريل سنة 1921م بلسان الجنرال غورو إنشاء الحكومة الجديدة فيه. وقد سبق ذلك أن أعلن استقلال لبنان في أول أيلول/ سبتمبر سنة 1920م بعد أن ضمّ إليه بيروت وصيدا وصور ومرجعيون (جبل عامل). وضمّ معها طرابلس والأقضية الأربعة التي فصلها عن سوريا وألحقها بلبنان وهي: حاصبيا وراشيا وبعلبك ومعلقة زحلة كما فصل معها قسماً من قضاء عكار وقضاء حصن الأكراد. وسمى ذلك: لبنان الكبير وعيّن له حاكماً فرنسياً.
وبيروت وصيدا وصور ومرجعيون التي ألحقت بلبنان كانت جزءاً من ولاية بيروت التي كانت تضم فيما تضم القسم الشمالي من فلسطين، محتوية على نابلس وجنين وطبريا وصفد وعكا وحيفا. كما كانت منها مدينة اللاذقية السورية وأصدر في اليوم نفسه القرار رقم 336 الذي أعطى حاكم لبنان الفرنسي السلطة التنفيذية وجعله مسؤولاً عن السلامة العامة أمام المفوض السامي الفرنسي. وكانت صلاحياته تشمل وضع مشروع الموازنة ومشاريع الضرائب والقرارات وتعيين موظفي الدولة شرط عرض هذه الأمور على المفوض السامي الفرنسي للموافقة عليها.
هذا هو الاستقلال الذي ذهبت الوفود اللبنانية إلى باريس للمطالبة به، هذا هو الاستقلال الذي طالب به البطريرك الحويك وإميل إده وداود عمون وأشباههم.
الشام سبع دول:
وهكذا أصبحت بلاد الشام سبع دول.
الإسكندرونة:
وظل لواء الإسكندرونة حتى صيف 1924م جزءاً من دولة حلب فأصدر المفوض السامي قراراً قال فيه:
«يتمتع لواء إسكندرونة مع بقائه تابعاً للدولة السورية بنظام إداري ومالي خاص وتعتبر اللغة التركية لغة رسمية كالعربية والفرنسية ويعين متصرف لواء إسكندرون من قبل رئيس الدولة السورية بناء على اقتراح مندوب المفوض ويكون له كل السلطة المخولة لمتصرفي الألوية وله علاوة على ذلك النظر في شؤون المعارف والأشغال العامة».
على أن الانتخابات التي جرت على قاعدة اللواء في عهد المفوض السامي المسيو دي جوفنيل جعلت هذا اللواء منفصلاً بصورة إدارية عن سوريا ومربوطاً بالمفوضية العليا رأساً مع توسيع سلطة مندوب المفوض السامي فيه. ثم إنهم ما عتموا أن رجعوا عن ذلك بتاريخ 12 حزيران/ يونيو سنة 1926م فقرروا إلغاء استقلاله وأدخلوه على قاعدة اللامركزية للبلاد السورية على أن يكون التعيين راجعاً إلى المرجع المختص على شريطة التفاهم مع المفوض السامي.
ويتألف هذا اللواء من مدن إسكندرونة وإنطاكية وبيلان وقرقخان وهو متاخم لتركيا.
ولم يلبث الفرنسيون أن سلموه إلى تركيا بعد معاهدة سنة 1937م.
ذكريات
قلت فيما تقدم من القول إنني كنت سنة 1920م ـ وهي السنة التي وقعت فيها هذه الأحداث ـ كنت في الثانية عشرة من عمري. وقد كان والدي عند إعلان الحرب العامة فضّل الانتقال خلال الحرب العامة من دمشق إلى شقرا في جبل عامل. وانتهت الحرب ونحن هناك. ولما احتل الفرنسيون الساحل واحتل الإنكليز فلسطين، وبقي للعرب القسم الداخلي من سوريا، وبدأ التجاذب بين الفرنسيين وأنصارهم وعملائهم وبين الاستقلاليين، وانبث دعاة الفرنسيين في جبل عامل الذي كان ضمن المنطقة الغربية المحتلة من الفرنسيين، قرر والدي أن يحسم الأمر العاملي ويحدد موقف جبل عامل الاستقلالي تحديداً لا لبس فيه ولا غموض، فدعا إلى تجمع عاملي كبير تتمثل فيه جميع الشرائح العاملية من فقهاء ووجهاء وشيوخ وشبان، ليذهب هذا التجمع بكل فئاته إلى دمشق معلناً ولاءه للحكم الاستقلالي العربي، وأرسل رسله إلى كل القرى العاملية حاملين رسائله الخطية والشفهية في إيضاح الفكرة، والدعوة إلى اللقاء في قرية هونين لينطلق منها التجمع العاملي باتجاه دمشق، وقد كانت الوسيلة الوحيدة للوصول إلى دمشق يومذاك هي ظهور الخيل. وفي الموعد المحدد كان يلتقي في هونين مئات الفرسان العامليين في موكب من أروع ما تقع عليه العين، موكب فيه العمائم الفقهائية التي اعتمرها أصحابها منذ كانوا في النجف دارسين ثم عادوا إلى جبل عامل منعقدة على رؤوس زاخرة بالعلم والشعر والنثر. وفيه العمائم التي لم يدرس أصحابها في النجف واكتفوا بالدراسة المحدودة في جبل عامل فالتفت عمائمهم البيضاء والخضراء على الطرابيش الحمراء. وفيه الوجهاء الذين تعلو رؤوسهم الطرابيش بحمرتها القانية. وفيه الذين غطّت رؤوسهم كوفياتهم البيضاء تحت العُقل السوداء، تقل الجميع خيول سباقة وتضطرم في نفوسهم شمائل عربية ورثوها عن أجدادهم اليمانيين العرب الأقحاح الذين حلّوا في هذا الجبل المنيع مهاجرين من اليمن فيمن هاجر مثلهم منها من قبائل العرب…
غورو في دمشق
ثم تفجر الموقف وهبت العاصفة وقامت الحرب في ميسلون وسقط الاستقلال ودخل الجنرال غورو دمشق فاتحاً بزهوه وخيلائه بعد أسبوع من معركة ميسلون، بعدما كان قد سبقه في دخولها الجنرال غوابييه على جواده ووراءه الجيش المنتصر…
وإذا كان الجنرال غوابييه قد سبق الجنرال غورو في الدخول إلى دمشق فاتحاً ممتطياً جواداً، وجال بجيشه في شوارع دمشق جولان القاهر الظافر، فإنه كان يجول في شوارع خالية انكفأ ناسها إلى بيوتهم يدارون ما هم فيه من نكد وأسى، وما يحسونه من إذلال وقهر…
أما الجنرال غورو فقد كان يعرف أنه الفاتح الحقيقي لدمشق وأن غوابييه لم يكن إلاّ أداة من أدواته في ذلك الفتح لذلك أراد أن يدخلها بأبهة الفاتحين… الفاتحين القاهرين!..
وكان له ما أراد، فبعد أسبوع من معركة ميسلون، كنت أنا ابن الثانية عشرة الذي شهدت بعيني جموع المتطوعين الزاحفين في شوارع دمشق إلى محطة القطار المسماة محطة البرامكة، ليقلهم القطار إلى ميسلون لقتال جيش الجنرال غورو، شهدتهم بأهازيجهم الحماسية وصرخاتهم المدويّة، فراقت لي مرافقتهم فكنت أمشي مع الموكب حتى أصل معه إلى محطة البرامكة، ثم أعود لألتقي بموكب آخر فأنضم إليه حتى الوصول إلى المحطة وهكذا مع سائر المواكب…
ويعلم اللَّه أنني كنت أتأجج حماسة مما أرى وأسمع، وأود لو كان في مقدوري أن أرافق هذه الجموع في القطار من المحطة إلى حيث تقصد، كما رافقتها من الشارع إلى المحطة!..
لا أدعي أن مفهوم الاستقلال كان واضحاً في ذهني، وأنني كنت مدركاً تمام الإدراك حقيقة ما يجري. بل أن الذي كنت أحسه في أعماقي أن الفرنسيين الغرباء الأعداء يريدون أن يدخلوا دمشق رغماً عنا نحن أهلها ويتحكموا بها وبنا، وأن هؤلاء المحتشدين الزاحفين يريدون صدهم عن ذلك.
بعد أسبوع كنت أنا نفسي ابن الثانية عشرة أخرج من سوق الحميدية إلى شارع النصر فتقع عيناي على مثل ما وقعت عليه قبل أسبوع!
جموع حاشدة و(عراضات) هازجة، الوجوه نفسها التي انطبعت صورها في ذهني قبل أسبوع، أراها اليوم بباصرتي المنفتحتين، أراها في هذه الحشود اليوم، كما رأيتها قبل سبعة أيام في تلك الحشود!
وكما كانت تلك الحشود تمشي باتجاه الغرب، كانت هذه الحشود تمشي هي الأخرى باتجاه الغرب!..
فأُصبت بذهول وضياع… ولا أزال حتى هذا اليوم الذي أخط فيه هذه الكلمات من أيام سنة 1996م أي بعد ست وسبعين سنة أتخيل ذاك الذهول وذاك الضياع كأني لا أزال فيهما!..
إلى أين تمشي هذه الجموع؟ وماذا تقول في أهازيجها؟
وإذا كانت الحشود التي كنت ألقاها قبل أسبوع فأمشي معها إلى محطة البرامكة ـ إذا كانت تثير حماستي وتزدهيني، فلا أشعر بالتعب ذهاباً إلى المحطة وإياباً منها ثم مواصلة هذا الذهاب وهذا الإياب مرات ومرات…
إذا كان الأمر كذلك فإنه لم يبن لي الشعور الذي أحسه برؤيتي هذه الجموع، ولم يتضح لي ما يعتادني وأنا أماشيها وأسمع صياحها!..
لقد كنت أماشيها فعلاً، وأسير في أطراف حواشيها ولكن لا متعمداً، كما كنت أفعل وأنا أرافق جموع قبل أسبوع… لقد كنت أماشي هذه الجموع لأن طريق الغاية التي أقصدها كان نفس طريقها، لقد كان ذلك حتى مفترق شارع رامي الذي كان عليَّ أن أهبط فيه وصولاً إلى ساحة المرجة، ولما وصلت المفترق توقفت لأن الجموع ظلت في سيرها المستقيم في اتجاه الغرب، فتسمرت عند المفترق ولم أنطلق إلى يميني في شارع رامي، وبقيت هكذا دقائق أوازن بين انطلاقي إلى غايتي وبين مصاحبة الجموع… وتغلب عليَّ الفضول واستكشاف المجهول، فمشيت مع الجموع…
إلى أين تمشي هذه الجموع؟ وماذا تقول؟
لقد خطر لي خاطر لا يخطر إلاّ لمن كان في مثل سني، السن التي لم تتجاوز الطفولة إلاّ قليلاً… أيمكن أن تكون هذه الجموع ذاهبة للانتقام ممن اقتحموا دمشق وأذلوها؟ ولكن لا سلاح معها… ولكن ألم تذهب إلى ميسلون أيضاً بلا سلاح؟!
وبينما أنا أمشي مع الماشين إذ لمحني شاب من شباب حينا الذي نسكن فيه، كان وافقاً على الرصيف ينظر بانذهال إلى الجموع الهازجة الهاتفة، فأسرع إليَّ وقال لي أين أنت ذاهب؟ فقلت له: أريد أن أعرف إلى أين يذهب هؤلاء الناس…
فقال لي ارجع، إنهم ذاهبون لاستقبال الجنرال غورو على أبواب دمشق!
فانضممت إليه وعدنا معاً إلى الحي وسرت والخجل من نفسي يكاد يقتلني… لقد مشيت مع الماشين لاستقبال غورو من أول شارع النصر إلى ما يقرب من محطة الحجاز، أي من أول شارع النصر إلى منتهاه…
وعلمنا بعد ذلك أن العملاء قد استطاعوا أن يخرجوا جماهير دمشق الكثيفة إلى موقع (المنشية) عند مدخل دمشق وأن تحتشد تلك الجماهير أشد الاحتشاد. وأن الجنرال غورو وصل بسيارته إلى المنشية فحيّته الجماهير واستقل من هناك مركبة من المركبات التي تجرها الخيول، وأن (أبو شكري الطباع) وبعض أهله، فكوا جوادي المركبة وربطوا أنفسهم مكانها ليجروا بأجسادهم مركبة الجنرال.
وبعد يومين كان أديب التقي أحد تلاميذ والدي يزوره وينشد أمامه هذه الأبيات ووالدي يسمعها مطرقاً:
أأهل دمشق كيف سالمتم العدى
وكيف رضيتم بالمذلة والأسر
ونمتم على شوك الهوان وتلكم
ضحاياكم في ميسلون قرى النسر
بلادكم اجتيحت وتلكم رجالكم
موزعة الأشلاء في مهمه قفر
أتغفون والأقذاء ملء جفونكم
ولم تثأروا بالهالكين بلا وزر
أهَلْ دريتم أنكم إذ خرجتم
تلاقون (غورو) قد صبأتم إلى الكفر
ومن عجب أن تخرجوا للقائه
وتلك دماكم في الربى لم تزل تجري
فاستأذنت أديب التقي بأن يمليها عليَّ فأملاها واستظهرتها ولا أزال، وأنا الآن أكتبها من ذاكرتي.
أما الجنرال غورو فقد أعدَّ نفسه لدخول دمشق لا إعداد القواد الفاتحين، بل إعداد الملوك القاهرين، فقد امتطى المركبة وأحاطها بكوكبات من الفرسان على خيولهم المطهمة…
لم يكن الفرسان فرنسيين، ولا كانت خيولهم هُجْناً، بل كان الفرسان عرباً وكانت خيولهم أصائل، كان الفرسان من عرب (الرولة) عشيرة نوري الشعلان أرسلهم أميرهم ليكونوا في موكب فاتح دمشق عاصمة العرب، فيزيدوا الموكب أبهة على أبهة، والعرب ذلاً على ذل!.. ولم يكونوا وحدهم بل كان يخالطهم فرسان ينتمون إلى الجانب الآخر من بلاد العرب… إلى الجانب الغربي… إلى بلاد طارق بن زياد… ومن الحق أن نقول إن هؤلاء كانوا مقهورين مغصوبين… في حين أن أولئك كانوا مختارين متطوعين!
دخل الجنرال غورو دمشق مستقبلاً بأهازيج رجّالة العرب، وحداء فرسان العرب…
إن الجنرال غورو الذي دخل دمشق هذا الدخول الملوكي الإذلالي كان ينام ليله قرير العين… وليس بمقدور أحد أن يعرف ما إذا كان قد نام فعلاً، أم قضى ليله ساهراً؟
فكما أن الحزن يبكي العيون، فكذلك الفرح يريق دموعها، وكما يرهق الأسى القلب فلا تنام العين كمداً كذلك الفرح يبهج الفؤاد فلا يغمض الطرف ابتهاجاً، وأي فرح يمكن أن يضاهي فرح غورو وقد هدم في بضع ساعات مملكة وأنزل ملكاً عن عرشه وأخرجه من العاصمة التي توجته قبل شهور ـ أخرجه مكسور الخاطر دامي الجوانح، ثم دخل عاصمته فخرج شعب العاصمة يتلقاه بالأهازيج وبالطبول والزمور، ثم يتطوع دمشقيون ليجروا مركبته التي لم تعتد أن يجرها إلاّ الخيل!!..
فمن حقه أن لا ينام فرحاً، بل أن يطير من الفرح ـ كما يقول المثل الشعبي ـ لو استطاع أن يطير!..
ولكن لو وعى الجنرال غورو حقيقة التاريخ، ولو كان إنساناً سوياً لأدرك أن من يرى نفسه بطلاً من أبطال الحرب الكبرى، ومن فقد ذراعه في مواجهة الجيش الألماني الجبار، ومن عاد إلى باريس منتصراً على ذلك الجيش.
إن من كان كذلك سيكون صغيراً جداً حين يحاسب شعباً صغيراً ومملكة عزلاء على نصف ساعة تأخرت فيها البرقية المرسلة إليه فيأمر جيوشه المدججة بكل سلاح، ما دب منه وما طار وما استطال وما استدار ـ يأمر جيوشه باستباحة ذاك الشعب واقتحام تلك المملكة، ثم يظل يخادع عند كل مرحلة فيتقدم مرحلة بعد مرحلة بحجة ليست في حقيقتها حجة وسبب ليس في واقعه سبباً!..
ثم يتلقى ألوفه المؤلفة المنتصرة من قبل على الجيش الألماني، والبالغ عددها خمسة عشر ألف جندي ـ يتلقاها ما يقل عن بضع مئات من الجنود فيوقفونها ساعات ولا يبرحون حتى تنفذ ذخائرهم ويستشهد قائدهم…
إن من كان كذلك لا يستحق إلاّ لعنة التاريخ، وإن من كان كذلك يكون انتصاره هزيمة شنعاء. إن من يرى أن له البسالة في معارك الدردنيل والبطولة في وقعات الجيش الألماني عليه أن يخجل من نفسه ومن التاريخ كونه صاحب معركة ميسلون وفاتح دمشق…
ليست معارك الدردنيل ولا وقعات الجيش الألماني هي التي سيخلد فيها اسم الجنرال غورو، بل سيخلده أنه صاحب حرب ميسلون وهادم استقلال سوريا، ولكنه خلود مخز… خلود لا يفارقه الكره له والحقد عليه…
ولن يكون في تاريخ سوريا اسم مبغوض كاسم (غورو) وحسبه في ذلك سبة وعاراً…
انتفاضات
اكتساح ميسلون في 24 تموز/ يوليو، واستقبال دمشق بعد أسبوع أوهما (غورو) أن الدنيا صفت له، وأن سوريا عنت فاستسلم للطغيان وراح يعيش في بيروت عيش الأباطرة، لا يخرج إلاّ وقد أحاطت سيارته فوارس شاهري السيوف ترقل خيولهم حوله في سيارته المكشوفة متطلعاً حوله بخيلاء، متلفتاً ذات اليمين وذات الشمال بانتفاخ وازدهاء!
إنه فاتح دمشق وطارد الملوك ومقسِّم الشعوب ومنشىء الدول من دولة واحدة!.. أليس في ذلك ما يزدهيه ويبعث خيلاءه ويجعله لا يتنقل إلاّ تنقل الامبراطور في مواكب الخيالة تحفة من الأمام والوراء واليمين والشمال!..
كم دولة كانت في امبراطورية غليوم الألماني المقهور الذي كان غورو بين قاهريه وكم دولة كانت في سلطان امبراطور إنكلترا القاهر الذي كان غورو من شركائه في الإقهار؟ أليس ما في قبضة يد غورو من الدول ما يزيد عدداً على ما في يد كل واحد من الإمبراطورين؟
أليس في سلطته سبع دول أقامها هو بنفسه دولاً لكل دولة علمها الخاص بها؟
إذاً فمن حقه أن يعيش عيش الأباطرة وأن يخرج بمواكب الفرسان، وأن يستقبله الجند على الصفين أينما قصد، وأن تصدح له الموسيقى حيث يحل ركابه!..
ومن أين للملوك ما له من السلطان؟ ومن أين للأباطرة ما له من الشأن؟
إنهم يملكون ولا يحكمون. إن لهم مظاهر الملك دون حقائقه… أما هو فإنه المالك الحاكم: كلمته قانون، وإشارته تنفيذ، ورضاه نعيم، وغضبه جحيم!..
ولكن غورو السابح في أحلام الغطرسة، الموقن أن الناس همدوا، وأن لا راد لأمره ولا معترض على قراره، فوجىء بعد أقل من شهر من توطيد سلطانه بأن الرصاص في حوران يطلق على أعوانه. وأن من أقرّهم حكاماً في دمشق قد قتلوا في (خربة الغزالة) في حوران!
ففي 21 آب/ أغسطس 1920م ذهب من دمشق بالقطار رئيس الوزراء علاء الدين الدروبي وعبدالرحمن اليوسف رئيس مجلس الشورى، المعتبر وزيراً بين الوزراء وعطا الأيوبي وزير الداخلية، ومعهم شيخان من المنتمين في مظاهرهما إلى رجال الدين وهما الشيخ عبدالقادر الخطيب والشيخ عبدالجليل الدرة، قاصدين حوران للتمهيد فيها للحكم الفرنسي بعد أن بدت بوادر تحرك وطني في حوران.
والشيخ عبدالقادر الخطيب من أشهر مشاهير المتزلفين إلى كل سلطة، السائرين في ركاب كل حاكم، فعندما أعلن الشريف حسين الثورة على الأتراك خطب يوم الجمعة في الجامع الأموي معلناً أن الشريف حسين خارجي خرج على خليفة المسلمين يجب قتاله، ثم شتمه بكل ما قدر عليه من شتم.
وفي اليوم الأول لوصول الأمير فيصل إلى دمشق وتوجهه إلى دار الحكومة فيها وازدحام الناس عليه كان الشيخ عبدالقادر يشق طريقه بين تلك الجماهير ويصل إلى فيصل ويرفع صوته بخطاب حار يبايع فيه الملك حسين بإمارة المؤمنين، ويشيد به وبنجله البطل العظيم فيصل. ولم يكن قد مضى شهر على إخراج الفرنسيين لفيصل من دمشق حتى كان الشيخ عبدالقادر الخطيب ضمن وفد أرسله الفرنسيون لتوطيد حكمهم في حوران.
وإذا لم يكن للشيخ عبدالجليل الدرة شهرة الشيخ عبدالقادر الخطيب فإنه من النوع نفسه الذي ينتمي إليه زميله الخطيب!
إنهما شيخان يعتمران العمامة الدينية ويسلكان نفسيهما في سلك رجال الدين!
ووصل الوفد الرفيع المستوى إلى محطة (خربة الغزالة) وكان الحورانيون قد علموا بتوجهه إليهم والغاية من هذا التوجه، فأعدوا له استقبالاً حاراً، وهل هناك ما هو أشد حرارة من نار الرصاص؟! فما أن وقف القطار حتى رأى الموفدون تحشد الناس في المحطة وسمعوا دوي أهازيجهم فحسبوا أن ذلك ترحيب بهم، ولم يلبثوا أن أدركوا الحقيقة فقتل رئيس الوزراء علاء الدين الدروبي وقتل عبدالرحمن اليوسف واستطاع الثلاثة الآخرون الإفلات هاربين على وجوههم…
وكان هذا أول تمرد يواجهه الجنرال غورو، فقابله بأشد أنواع العنف فأرسل الطائرات تهدم القرى على أهلها وتحرق البيادر بما فيها من غلال وحبوب.
وقاتل الحورانيون ما استطاعوا القتال، ثم فرضت عليهم الغرامات الباهظة بألوف الليرات الذهبية…
وأصدرت السلطات الفرنسية البلاغات واصفة ـ بكل تفاخر ما جرى ـ فكان من صدى ذلك أن أرسل حزب الاتحاد السوري الذي كان يتخذ من القاهرة مقراً، برقيات إلى رؤساء حكومات الحلفاء ومجالسها النيابية ورئيس الولايات المتحدة الأميركية وإلى كبريات الصحف العالمية البرقية الاحتجاجية التالية:
ذهل السوريون لقراءة البلاغات الفرنسية الصادرة بتاريخ 23 آب/ أغسطس وأول أيلول/ سبتمبر سنة 1920م المنبئة بتدمير الجيش الفرنسي تدميراً منظماً لمقاطعة حوران الزراعية التي هي أهراء سوريا. الطيارات تخرب القرى بأكملها قاتلة للنساء والأولاد بلا رحمة. نحن نستصرخ الأمم المتحدة ومنها الأمة الفرنسية ضد هذه الأعمال الوحشية التي يقصّر عنها الوصف وتورث الأحقاد بإطالة زمن القتال. (انتهى).
استندت هذه البرقية إلى البلاغات الفرنسية نفسها التي تباهت معترفة بما فعلت.
ولم يكتف الفرنسيون بذلك، بل وقع اختيارهم على إربعة رجال اعتبروهم مسؤولين عن قتل من قتل فأعدموهم في العشرين من أيلول/ سبتمبر سنة 1922م.
وكما قامت الثورة في حوران فقد ظلت ثورة الشيخ صالح العلي في المنطقة العلوية مشتعلة، كما قامت في الشمال ثورة إبراهيم هنانو. ولما كانت هاتان الثورتان ظلتا ممتدتين حتى سنة 1921م وحديثنا في هذا الجزء من الكتاب يقف عند أحداث سنة 1920م فإننا نؤخر الحديث عنهما إلى جزء مقبل.
على أننا نستثني من أحداث سنة 1921م حدثاً واحداً لارتباطه بشخص الجنرال غورو واعتبارنا له امتداداً لما هو مرتبط بشخصه.
ففي 23 حزيران/ يونيو سنة 1921م كان الجنرال غورو وبصحبته الرجل الذي نصبه حاكماً لدولة دمشق حقي العظم يتجهان بالسيارة إلى القنيطرة للوصول إلى مقر محمود الفاعور أمير عرب الفضل في الجولان الذي كان قد أعدّ للجنرال استقبالاً حافلاً. وقبل الوصول إلى القنيطرة انهال الرصاص على السيارة ومن فيها فقتل مرافق الجنرال وأصيب حقي العظم برصاصات في فخذه وذراعه وشفته لم تكن قاتلة.
أما الجنرال نفسه ـ وهو المقصود ـ فقد أصيب كمّ يده المقطوعة فقط.
ولن نطيل في الحديث عما حدث بل نكتفي باعتراف الجنرال نفسه في البلاغ الرسمي الذي نشر عن الحادث وهذا نصه:
«في يوم 23 حزيران/ يونيو ظهرت على طريق القنيطرة عصابة قادمة من شرق الأردن وبعد أن قضت مأربها عادت في اليوم نفسه إلى عجلون وهذه نتائج التحقيق والعقوبات: زحفت حملة بقيادة الكولونيل دوكرو من دمشق يوم 23 حزيران/ يونيو فوصلت إلى القنيطرة يوم 26 منه فدمرت بأمر المندوب السامي قرى: جباثا الخشب، والمنشية، وعوفاني، وطرنجة، والأحمر، وتل الشيخة لأنها آوت مجرمي القنيطرة فأصبحت شريكة لهم في الخيانة.
وقد حجزت أموال أهاليها وحكم فوق ذلك على كل قرية بغرامة من خمسين جنيهاً إلى مئة جنيه ذهباً. ودمرت الحملة نفسها 17 مزرعة في جباثا الخشب وارصانيا وترانك. وفي 29 منه زحفت على مجدل شمس وجباثا الزيت وفي 30 منه عادت إلى القنيطرة حيث باعت الأموال المحجوزة».
ونلاحظ في البلاغ عدة أمور منها أنه لم يتطرق إلى إطلاق الرصاص على سيارة الجنرال غورو، ويقصد بهذا عدم إذاعة ذلك بين الناس لما فيه من كسر هيبته والتجرؤ عليه. ومنها أن تدمير القرى والمزارع كان بأمر شخصي من المندوب السامي الجنرال غورو. ومنها الاعتراف العلني الصريح بنهب أموال القرى بما فيها من أغنام وماعز وبقر وخيل وغير ذلك.
بعد واحد وعشرين شهراً
لقد حقق الجنرال غورو حلمه فدخل دمشق فاتحاً وقضى على الاستقلال فيها وتشرد الوطنيون في كل مكان، وحكم الفرنسيون سوريا بالحديد والنار وقسّموها إلى دويلات، وخفت الصوت الوطني عند تشتت قادته وهمدت الحركة!
على أن دمشق الحقيقية لم تكن هي التي مشت تلك المشية لاستقبال غورو، ولا كان أبو شكري الطباع ورفاقه هم الذين يمثلونها، بل أن دمشق الحقيقية كانت مكبوتة وراء جدران منازلها الضاوية، وفي حنايا أزقتها الخاوية!..
ثم بدأ فريق من القياديين النازحين يتسللون إلى دمشق، ولكن ظلوا فيها مشتتين متفردين، قد يلتقون ولكن بتحفظ، وقد يتكلمون ولكن بتهامس، حتى كان شهر نيسان/ أبريل من السنة 1922م فإذا بالدكتور عبدالرحمن شهبندر يتلقى ـ لاعتباره من خريجي الجامعة الأميركية في بيروت ـ رسالة من رئيس الجامعة وفيها عزم المستر كراين على زيارة دمشق. والمستر كراين هو الذي كان سنة 1919م رئيساً للجنة الاستفتاء التي قدمت سوريا ولبنان لاستفتاء أهلهما حول ما يريدون في شأن الاستقلال والانتداب وما إلى ذلك، وبدا المستر كراين يومذاك بمظهر الصديق للاستقلاليين العرب وترك في نفوسهم أثراً طيباً.
ووصل كراين إلى دمشق، وفي 22 نيسان/ أبريل سنة 1922م أي بعد 21 شهراً من معركة ميسلون وزوال الاستقلال العربي السوري، وفي جو من الاستسلام الوطني الكامل ـ التقى الشهبندر المستر كراين في فندقه في دمشق، فطلب إليه كراين أن يجمعه بأرباب الرأي في البلاد، فلبى رغبته، وعقدت اجتماعات في المنازل الدمشقية وفي البساتين، كان رجالها يشكون من الاستعمار مرّ الشكوى، ويخطب الخطباء متحمسين حتى كان يوم سفر المستر كراين، فاحتشد لوداعه جمهور يهتف للاستقلال، وخطب الشهبندر وغيره، وما إن انطلقت السيارة بالمستر كراين ومضت حتى انقلب الأمر إلى تظاهرة حاشدة كانت الأولى من نوعها بعد ذلك الكبت الطويل، ومشت الجموع في الشوارع هاتفة هازجة متحمسة تنادي بالاستقلال وإسقاط الاستعمار.
وانتهى الأمر عند هذا الحد…
كانت المظاهرة مفتاح النضال الوطني الذي انفتح بابه على الفرنسيين في بلاد الشام كلها فأقضّ مضاجعهم طيلة احتلالهم لهذه البلاد.
ومؤرخ الأحداث العربية المعاصرة يجب أن يقف طويلاً أمام هذا اليوم الدمشقي الأصيل، وأن يتحدث كثيراً عن رجاله الثلاثة عبدالرحمن شهبندر وسعيد حيدر وحسن الحكيم الذين كان هذا اليوم ومقدماته يومهم الخالد. إنه يوم كان له ما بعده، كما كان يقول الأقدمون.
لقد سمى الصحفي الخالد نجيب الريس هؤلاء الثلاثة ـ وقد كان رفيقهم في السجن كما سنرى ـ سماهم في مقال افتتاحي بجريدته «القبس» عند عودتهم من المنفى بعد إشعالهم ما أشعلوا في الثورة السورية الكبرى التي اندلعت سنة 1925م ـ سماهم: (أصحاب الصيحة الأولى)، فكان أصدق اسم يطلق عليهم، وكان الصائح الأول من بينهم: الشهبندر، ثم تصايح معه رفيقاه، وتتابع التصايح بعد ذلك في بلاد الشام كلها..
إذا كان أمر المظاهرة الحماسية قد انتهى عند حدّ تفرق جمهورها وانصرافه إلى المنازل والدور، وإذا كان لم يبق له في يومه ذاك من مفعول إلاّ الذكرى الجميلة العذبة في أذهان المتظاهرين، فإنه لم يكن كذلك عند الجنرال غورو، فقد محت هذه الانتفاضة اللاهبة من ذاكرته ذلك الاستقبال المصطنع عند باب دمشق، ولم يعد في ذاكرته إلاّ اللهيب المتوهج من يوم دمشق الحماسي، وأيقن أن دمشق ليست هي التي بدت له حول (المنشية)، ولا رجالها هم الذين جرّوا عربته بأجسادهم، بل أن دمشق هي التي بدت له عند روابي ميسلون، وأن رجالها هم الذين تساقطوا برصاص جنوده على قمم تلك الروابي، وفي أجزاعها وسفوحها، وأن بقايا السيوف إن كانوا قد قبعوا إلى حين، فإنهم قد وثبوا في هذا الحين.
لذلك حزم أمره وتذكر أنه القائد العسكري الصارم الذي لا يقعقع له بالشنان ـ كا كان يعبر الأسلاف ـ ففي السابع من نيسان/ أبريل ألقت السلطات الفرنسية تنفيذاً لأوامره القبض على كل من الدكتور عبدالرحمن شهبندر وسعيد حيدر وحسن الحكيم، وزجتهم في سجن القلعة مع المجرمين اللصوص والقتلة!
كان هؤلاء الثلاثة في الواقع ـ كما قلنا ـ هم قادة الموقف من أوله إلى آخره…
وسرى نبأ القبض عليهم في دمشق مسرى النار في الهشيم فتحفزت النفوس. وفي يوم الجمعة خطب الخطباء في المسجد الأموي شباناً وشيوخاً محرضين مثيرين، فخرجت التظاهرات الصاخبة متحدية طالبة الإفراج عنهم هاتفة للاستقلال ولسقوط الاستعمار، فقبضت السلطة على مجموعة من الشبان والكهول، فلم تتوقف التظاهرات وأطلق عليها الرصاص، ثم أعلن ما يشبه الأحكام العرفية واحتل الجند مواقع في المدينة.
سيق المعتقلون جميعاً، إلى محكمة عسكرية فرنسية. فحكمت المحكمة على الشهبندر بالسجن عشرين سنة، وعلى سعيد بالسجن خمس عشرة سنة، وعلى حسن الحكيم بالسجن عشر سنوات.
وقد كان التفاوت في سني كل من المحكومين متناسباً مع ما كان له من نشاط وجهد…
كما حكم على المعتقلين الآخرين بأحكام مختلفة أقلها خمس سنوات، وسيق الجميع إلى جزيرة أرواد ليقضوا مدة السجن في أقبيتها المظلمة!
وفي 25 تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1922م سافر الجنرال غورو إلى باريس ثم لم يعد، وفي 19 أيار/ مايو سنة 1923م جاء مفوض سام جديد هو الجنرال ويغان، وفي 18 تشرين الأول/ أكتوبر سنة 1923م أطلق سجناء أرواد.
ولا نريد الاسترسال في ما بعد أحداث سنة 1920م.
على أننا لا يمكن إلاّ أن نشير إشارات سريعة إلى ومضات إن لم نقل جذوات كانت تذكو بين الحين والحين فتذكو معها روح النضال، حتى كانت الهبة الكبرى هبة سنة 1925م سنة الثورة المسلحة العارمة.
وفي أواخر سنة 1924م يهبط دمشق (بلفور) الشهير، يهبطها قادماً من فلسطين التي حلّها استجابة لدعوة الصهاينة الذين دعوه ليحضر افتتاح الجامعة العبرية، أول جامعة يقيمها اليهود…
بلفور في دمشق!… يا للصرخة المدوية! أتبلغ الاستهانة بالعرب في نفس بلفور أن يحسب أنه يهبط عاصمتهم الخالدة رضي النفس ناعم البال، وأن يتنشق عبير الغوطة رغداً، ويرنو إلى قاسيون هنيئاً، ويشرب ماء (الفيجة) متلذذاً؟!
يا للهول! وهبت دمشق في وجه بلفور تكدر صفاءه وترنق ماءه وتخمد رجاءه، إن دمشق لم تدعه أن يقر فيها، بل أسرعت السلطات إلى تهريبه من باب جانبي للفندق موصلة إياه إلى طريق بيروت ناجياً بنفسه من غضب دمشق…
محاولة اغتيال الجنرال غورو
كان بين رجالات سوريا النازحين عنها بعد معركة ميسلون، (أحمد مُرَيْود) أحد كبار منطقة الجولان المناضلين في سبيل الاستقلال([280]) وقد استقر في شرق الأردن مقيماً في مدينة إربد. وكان وهو هناك يتلقى أخبار سوريا وما يجري فيها على يد الفرنسيين المحتلين. فبلغه يوماً أن الأمير محمود الفاعور أمير عشيرة الفضل في الجولان سيقيم للجنرال غورو وليمة في بلدته (واسط) في 23 حزيران سنة 1921م فقرر اغتنام هذه الفرصة لاغتيال الجنرال غورو.
ويقول محمود عبيدات في كتابه (أحمد مريود) طبعة 1997م في الصفحة 248 عن التفاصيل ما يلي:
بدأ مريود يرسم خطة الهجوم على موكب غورو فجاءت على الشكل التالي:
أولاد: تشكل المجموعة من المجاهدين: محمد ضاهر من شبعا، ومحمود حسن من جباثا الخشب، وأبو دياب البرازي من دمشق، وشريف شاهين من جباثا الزيت، وخليل مريود من جباثا الخشب.
ثانياً: يكون خط سير المجموعة على الطريق والمناطق التالية: كفرسوم ـ عقربا ـ نهر اليرموك ـ الزوية ـ جباثا الخشب ـ طرنجة ـ مفرق ماعص، وهو موقع الكمين على الطريق المؤدية إلى القنيطرة على بعد 12 كيلو متراً تقريباً.
ثالثاً: يرتدي أفراد المجموعة اللباس العسكري المشابه تماماً للباس الذي يرتديه رجال الدرك السوريون ويمتطون صهوات الخيل.
وكانت التعليمات تقضي بالانسحاب الفوري إلى شرقي الأردن بعد تنفيذ العملية مباشرة، وعدم اللجوء إلى منازل الأهلين خوفاً من ممارسة الإرهاب والتنكيل بهم وأن يتم سحب جثث من يستشهد أو يصاب بجرح بليغ، وفي هذه الحالة يستعان بالأهلين.
تحركت المجموعة في الوقت المحدد لها من قرية (كفرسوم) وكان في وداعها أحمد مريود وتركي العبيدات([281]). ثم انتقل أحمد مريود إلى إربد مباشرة. (انتهى).
والجنرال كاترو الذي كان يومئذٍ لا يزال (كلونيلاً) يروي في مذكراته التي نشرها بعنوان: (مهمتان في الشرق الأوسط) ـ يروي الحادث كما يلي:
كان غورو يحب كثيراً المجيء إلى دمشق. كان يحب جوها التاريخي، وكانت الإيحاءات الطالعة من حجارتها العتيقة توقظ فيه الرجل الرومانطيقي والعسكري معاً… كان غورو يتذوق عطر الشباب الخالد وعطر المخيلة الكبرى… إن الرجل الذي دمّر ميسلون هو أيضاً ذلك الرجل الذي كان يقوم بدور الدليل السياحي لأقربائه وأصدقائه كلما جاؤوا إلى دمشق، ومن بين هؤلاء شقيقته ماري تيريز غورو. غير أن إحدى هذه الجولات السياحية تحولت إلى مأساة يوم حلت في دمشق شقيقة غورو وإحدى بنات عمه… وسألني غورو إلى أين يذهبون، فاقترحت عليه زيارة القنيطرة القريبة من دمشق.
كان من المستحيل الإبقاء على الزيارة سرية كما كنت آمل وذلك لأسباب تتعلق بأمن المفوض السامي نفسه. فقد كانت حياته مهددة دون شكّ من قبل أولئك الذين لجؤوا إلى مناطق الانتداب البريطاني، وأقصد بذلك شرق الأردن. وقد كان الوطنيون السوريون بزعامة متطرف يدعى أحمد مريود يلاحقون تحركات غورو منتظرين المناسبة لاغتياله. والمعروف أن الطريق بين دمشق والقنيطرة لم تكن بعيدة من مدينة إربد الأردنية، حيث كان يقطن مريود، أكثر من 60 كيلومتراً. وفي ضوء ذلك يجب الحؤول دون مثل هذه المحاولة بإقامة حراسة مشددة على تلك الطريق.
وهكذا أصدرت الأمر بأن يتولى الحراسة على طول الطريق رجال درك سوريون على أحصنتهم، يكون كل واحد منهم على مرأى من الآخر.
ويقول كاترو إن غورو أراد أن يصطحب شقيقته وابنة عمه في سيارته، فنصحه كاترو بأن لا يفعل قائلاً له:
إنك يا سيدي الجنرال تقوم برحلة رسمية في بلد مسلم حيث لا تعطي التقاليد للنساء أكثر من دور بعيد. ومطلوب منك أكثر من غيرك ألا تتحدى مشاعر المواطنين. ولذا من الأفضل أن تستقل السيدات سيارة أخرى من سيارات الموكب.
قبل غورو الاقتراح متردداً. وهكذا استقل سيارته المكشوفة ومعه فيها إلى جانب السائق مترجمه عن العربية الكولونيل (بارنيت) وخلف السائق على كرسي صغير (كاترو). وفي المقعد الخلفي جلس حقي العظم حاكم دولة دمشق وإلى يمينه جلس غورو.
وخلف سيارة غورو كانت سيارة القائد العام للقوات العسكرية في دمشق ومساعد الأمين العام للمفوضية العليا. وفي نهاية الموكب كانت سيارة الآنسة غورو وقريبتها المدام لونغمار.
يقول كاترو:
انطلق الموكب في سرعة تتقدمه سيارة الجنرال القوية. وكانت السماء مشعة، وفي الأفق بدا جبل الشيخ طاغياً، وكان رجال الدرك كل في مكانه… وما إن تخطى الموكب الطريق السهلة وابتدأ يتخذ طريق الجبل حتى بدا أربعة من رجال الدرك بثياب مهلهلة وهم يحملون بنادق الموزر وقد هرعوا إلى المكان الذي يفترض أنهم يحتلونه… وفكرت بمعاقبتهم فيما بعد على نوعية ملابسهم. لكن ما إن تخطى الموكب المنعطف الجبلي حتى فتح الفرسان الأربعة النار يدعمهم شريك خامس كان مختبئاً وراء الصخور. وفي الطلقات لأولى أصيب الكولونيل بارنيت الذي هب واقفاً إصابة قاتلة وسقط على الطريق. وأصيب حقي العظم إصابة خفيفة غير مميتة. أما غورو فكانت حصته ثلاث رصاصات. وحين سمع الرصاص قال لي غورو بكل هدوء. إنهم يطلقون النار علينا من فوق فهل معنا رشاش؟ وكنت بردة فعل عفوية قد التقطت رشاشاً لكنني وجدته فارغاً. وكانت جيوبه في مكان ما من هذه السيارة التي لم آلفها كثيراً. وشعرت أن السرعة وحدها يمكن أن تنقذنا فصرخت في أذن السائق: أسرع يا بني أعطني الذخيرة، فدلنا عليها بإشارة منه. لكننا كنا ابتعدنا عن مرمى الاغتياليين ووصلنا إلى مركز درك حقيقيين. وهنا غيرنا عجلة السيارة وتفقدناها فوجدنا فيها آثار 14 رصاصة، فقال لي غورو: إني مدين لك لأنك أنقذت حياة شقيقتي التي كان لا بدّ أن تجلس هنا. فأجبت: سيدي الجنرال لقد أنقذت الآنسة غورو لكننا لا نعرف مصير بقية الموكب، وبارنيت قتيل، وأنت نفسك نجوت بأعجوبة. إنني أتحمل المسؤولية لأنني مسؤول عن كل شيء على أراضي الانتداب ولذا أرجو أن تقبل استقالتي.
لكن غورو رفض استقالة كاترو، وأعفاه من المسؤولية، وجدد ثقته به..
يقول كاترو: ليس هناك شكّ بأن الذي دبر الاعتداء هو أحمد مريود، هذا الوطني السوري المتطرف الذي لجأ إلى إربد، وأقام على الحدود نفسها. وقد عرف من عملائه موعد زيارة غورو للقنيطرة وقرر المحاولة. وكان يعتقد أن الاغتيال سوف يعطي نتائج ممتازة بالنسبة إلى أهل الاستقلال في المشرق وفي العالم. ومن أجل هذا العمل جنّد أحمد مريود خمسة، من الذين حصلوا على ثياب الدرك المستعملة وحلوا محل أحد مراكز الحراسة ثم أطلقوا النار.
يذكر الجنرال كاترو في مذكراته أن سيارة شقيقة غورو انقطعت عن الموكب وأعيدت إلى دمشق خوفاً على حياتها وحياة ابنة عمها. أما موكب غورو فتابع طريقه إلى القنيطرة. ولم يعد إلا في المساء بعد إقامة الحواجز ونقاط التفتيش على الطرقات من القنيطرة حتى دمشق.
أما الثوار فبعد أن استطاعت سيارة غورو الفرار نزلوا إلى جثة الكولونيل بارنيت الملقاة على الطريق ظناً أو أملاً منهم بأن تكون جثة غورو. وأخذوا معهم قبعة بارنيت كدليل على أنهم أدوا مهمتهم. (انتهى).
رأينا فيما تقدم أن مؤلف كتاب (أحمد مريود) ذكر أن عدد المنتدبين للاغتيال كان خمسة وأنه ذكر أسماءهم واحداً واحداً. كما رأينا أن الجنرال كاترو قال إنهم كانوا خمسة.
ولكن المؤلف نفسه يقول: بعد أن مضى أقل من شهر وردت إلى حكومة شرق لأردن مذكرة من المعتمد البريطاني في عمان يقول فيها: «إن السلطة الإفرنسية في سوريا كتبت إلى المندوب السامي في فلسطين تطلب تسليم المتهمين بإطلاق الرصاص على الجنرال غورو ورفاقه. وفي ذيل المذكرة قائمة بأسماء الأشخاص الذين يتهمهم الفرنسيون وهم: أحمد مريود، أحمد الخطيب، الملازم محمد الخطيب، صادق حمزة، أدهم خنجر، محمود حسن، شريف شاهين، محمد ظاهر، أبو دياب البرازي، خليل مريود.
وقد أجاب رئيس حكومة شرقي الأردن على هذا الطلب بما يلي:
1 ـ إن الجرم سياسي ولا يحق لحكومة أن تطلب فاعليه من حكومة أخرى.
2 ـ إن بين الأشخاص المطلوبين أفراداً ثبت وجودهم يوم الحادث في بلدة إربد.
3 ـ إن أغلب الأشخاص الوارد أسماؤهم مجهولون لا يعرف مقرهم.
ويروي الأستاذ منيف الخطيب في كتابه (شبعا) هذا الحدث في الصفحة 105 وما بعدها من طبعة 1995م ومنيف الخطيب هو ابن أحمد الخطيب خال أحمد مريود وعنه أخذ منيف، وعن كتابه نأخذ نحن ما يلي:
«كانت تعقد اجتماعات برئاسة أحمد مريود في الأردن يحضرها العديد من الرجالات الذين غادروا سوريا بعد سيطرة الفرنسيين عليها لإعداد العدة ورسم الخطة لمحاربة الفرنسيين. وقد وصلتهم أنباء عن نية الجنرال غورو زيارة القنيطرة تلبية لدعوة الأمير محمود الفاعور. فوجد أحمد مريود أن الفرصة مناسبة لتنفيذ هذا الأمر الخطير والمهم والقضاء على الجنرال غورو حاكم سوريا ولبنان. ووقع اختياره على ستة من الرجال الشجعان الذين يثق بهم وبشجاعتهم وكفايتهم. وقد انطلقوا سراً من (عجلون) في الأردن في 18 حزيران 1921م وكمنوا لموكب الجنرال غورو عندما كان في طريقه من دمشق إلى الجولان في موقع بين (خان أرنبة) و(الشوكتلية) في 21 حزيران 1921م وأطلقوا الرصاص على سيارة غورو الذي أصيب في يده الاصطناعية بعد أن انبطح في أرض السيارة وأصيب حقي العظم رئيس حكومة دمشق في فخذه ويده وشفتيه وقتل الضابط المرافق (برانيه) فاعتقد الثوار الأبطال أن القتيل هو الجنرال غورو نفسه فعادوا إلى حيث انطلقوا ومعهم (برنيطة) القتيل. وسرت إشاعات أول الأمر مفادها أن الجنرال غورو قتل، فقال أحمد مريود كلمته المشهورة: الآن ليعلم العالم من هم العرب. «وأما الأبطال الستة الذين نفذوا هذه المهمة الجليلة فهم كل من المناضلين الأبطال: محمد ضاهر من شبعا، وخليل علي مريود من جباثا الخشب، ومحمود حسن من جباثا الخشب، وشريف علي شاهين من جباثا الزيت، وأبو ذياب أحمد البرازي من حي الصالحية في دمشق، وعبدالهادي الحماد من تسيل في حوران». ويعزو الأستاذ منيف الخطيب في الحاشية هذه الرواية إلى مخطوطة لوالده أحمد الخطيب ص55 ـ 56 الذي هو خال أحمد مريود.
ثم يقول منيف الخطيب إن أحمد مريود هو الذي أعد الخطة وطلب من خاله أحمد الخطيب أن يشرف عليها (انتهى).
وقد أصدر الفرنسيون البلاغ التالي عن الحادث:
في يوم 21 يونيو ظهرت على طريق القنيطرة عصابة قادمة من شرقي الأردن وبعد أن قضت مأربها عادت في اليوم نفسه إلى عجلون. وهذه نتائج التحقيق والعقوبات: حملة بقيادة الكولونيل (روكور) من دمشق يوم 22 يونيو فوصلت القنيطرة في 23 منه فدمرت بأمر المندوب السامي قرى جباثا الخشب، المنشية، أوفاني، طرنجة، تل الأحمر، تل الشيخة، لأنها آوت مجرمي القنيطرة فأصبحت شريكة لهم في الجناية. وقد حجزت أموال أهاليها، فوق كل ذلك على كل قرية غرامة 50 جنيهاً إلى مئة جنيه ذهبي. ودمرت الحملة 17 مزرعة من جباث الخشب والحمرا وأوفاني وطرنجة وفي 26 منه زحفت على مجدل شمس وجباثا الزيت ومغر شبعا، وفي 30 منه عادت إلى القنيطرة حيث باعت الأشياء المحجوزة (انتهى البلاغ).
وهكذا نرى أن البلاغ تجاهل الهدف الذي قصد إليه هؤلاء الأبطال وهو اغتيال الجنرال غورو خوفاً مما يحدثه من أثر في نفوس الناس. ولكنهم لم يستطيعوا بهذا التجاهل إخفاء الأمر، فانتشر الخبر في كل مكان.
أما ما اعترف به البلاغ من تدمير للقرى ونهب لأموالها، بأمر من المندوب السامي (غورو)، فهو ما نترك الحكم عليه للتاريخ.
وفي محاولة اغتيال غورو قال خير الدين الزركلي وقد شاع أن غورو قتل:
نَطقَ الرصاصُ فأسكتَ القلما
ودعا الصريخُ فرنَّح العلَما
ظمئتْ دِيارُكَ من دم فسقى
أهلُ الحِفاظِ ثرى الديار دَما
يَومٌ «لغورو» في قنيطرة
كان العقابُ به لما اجترما
نَهضتْ بأبناءِ الحِمى هُممٌ
فَتدرعوا الإقدامَ والهمَما
ما بالُ «حقي» غيرَ مُعتبر
بمصير صاحبهِ الذي ظَلَما([282])
سَيَرون أياماً محجَّلةً
بيضاً لنا نَجْلو بها الظُّلَما
إن النفوسَ إذا غلى دَمُها
ألَماً شفت بزنادها الألَما
في بلاد الشام الجنوبية
فلسطين: سنخص فلسطين بحديث لم نذكر مثله في بقية الأقطار الشامية، لأنه أريد لفلسطين ما لم يُرد لغيرها من تغيير المعالم وطمس الأثر وإحلال الطارئين عليها محل النازلين بها، وتحويلها من أرض عربية إلى أخرى هجينة…
لهذا سنفصل من أمورها تفصيلات تظل منقوشة في الذاكرة العربية جيلاً بعد جيل، حتى يعيدها جيل يوفقه اللَّه إلى إعادتها إلى أصالتها ويزيل عنها محنتها فنقول:
معاهدة سايكس ـ بيكو قطّعت بلاد الشام قطعتين، جعلت قطعة منهما وهي الشمال من نصيب الفرنسيين، وجعلت القطعة الأخرى وهي الجنوب من نصيب الإنكليز. ثم استمر الإنكليز والفرنسيون في التقطيع، فقطّع الفرنسيون الشمال إلى قطع ذكرناها فيما تقدم وقطّع الإنكليز الجنوب إلى قطعتين، هما شرق الأردن وفلسطين. أما شرق الأردن فيمتد من جنوبي درعا حتى خليج العقبة إلى الشرق من نهر الأردن.
وحدود فلسطين هي: غرباً البحر المتوسط على ساحل طوله نحو 224كلم. وشرقاً سوريا، ويبلغ طول الحدود بينها وبين فلسطين نحو 70كلم، والأردن على حدود طولها نحو 360كلم. وشمالاً لبنان على حدود طولها 79كلم. وجنوباً سيناء وخليج العقبة، ويبلغ طول الحدود المصرية ـ الفلسطينية بين رأس طابا على خليج العقبة ورفح على البحر المتوسط 240كلم. وطول الساحل الفلسطيني الواقع على خليج العقبة عشرة كلم ونصف كلم.
وهذه الحدود هي صنيعة معاهدة سايكس ـ بيكو أولاً، ثم الاتفاقات الفرنسية ـ الإنكليزية ثانياً، وقد تحددت بين فلسطين من جهة ولبنان وسوريا من جهة أخرى بمقتضى الاتفاق الفرنسي ـ البريطاني المنعقد في 23/12/1920م.
ولكن المطامع الصهيونية التي كانت ترمي أول الأمر إلى إدخال قسم من جبل عامل المحتوي على نهر الليطاني ـ إدخاله ضمن فلسطين لتستولي في النهاية على مياه الليطاني وفشلت في ذلك، عادت تسعى إلى تعديل الحدود المقررة، وذلك بسلخ منطقة (الحولة) بسهولها الخصبة ومياهها الغزيرة ـ بسلخها عن لبنان وإلحاقها بفلسطين، ولما كانت هذه المنطقة السهلية تظل مهددة من القمم العاملية المشرفة عليها من علٍ، كان السعي الصهيوني جاهداً لا في إلحاق الحولة وحدها بفلسطين بل في إلحاق قسم من جبل عامل المشرف بقممه العالية على سهل الحولة.
وتمّ ذلك للصهاينة. ففي العام 1922 ـ 1923م عدلت الحدود اللبنانية ـ الفلسطينية، فأدخلت ضمن حدود فلسطين بعض الأراضي السورية القريبة من نهري بانياس والحاصباني، وكذلك بعض المواقع اللبنانية، وكان أهم ما أخذ من لبنان هو منطقة (الحولة) وقمم جبل عامل المطلة عليها بما فيها من قرى.
وتمّ للصهاينة ما كانوا يطمحون إليه من الاستيلاء على الحولة ومروجها الخضراء ومياهها الدافقة، فإن آل سلام في بيروت وكبيرهم سليم سلام (أبو علي) باعوا في تشرين الأول/ أكتوبر سنة 1934م ذلك كله للصهاينة بمبلغ ضخم، وتبلغ مساحة الأرض نحو خمسة وخمسين ألف دونم هي من أجود الأراضي وأخصبها.
ويقول عزة دروزة في مذكراته:
تمّ الاتفاق بين سليم سلام وبين شركة تحسين الأراضي اليهودية في فلسطين، (وهي مؤسسة الأراضي اليهودية القومية) على الصفقة بمبلغ جسيم قيل إنه مئتا ألف جنيه فلسطيني.
ثم يقول عزة دروزة:
ولقد كان للتنازل والبيع ردّ فعل مرير في نفوس الوطنيين…
ويتابع عزة دروزة قوله:
وقد حملت جريدة فلسطين حملة شهيرة على سليم سلام، كان فيها في الحق ترديد لمرارة النفوس… إلى آخر ما قال…
وكان من نتائج استيلاء اليهود على الحولة ما صرّح به الجنرال اليهودي (متيتاهوبيلد) بأن ذلك جعل سوريا بلا حدود آمنة.
كما كان من نتائجه مصادرة أراضي المزارعين العرب سواء في الحولة أو جبل عامل وطردهم من ديارهم.
وقد كان لبيع الحولة لليهود وقع أليم في نفوسنا نحن في جبل عامل. وأدرك بعيدو النظر أن اليهود لن يقفوا عند الحولة، بل سيقفزون منها إلى أطراف جبل عامل المتصلة بها ومنها بلدة (هونين) وأنهم يتطلعون إلى القمم العالية، ولا بدّ لهم من أن يصلوا إليها بعد أن اكتسحوا الحولة… وقد جرى كل ذلك…
وفضلاً عن هذا فقد كانت لنا رابطة عاطفية تشدنا إلى الحولة وهي المتصلة أرضها بجبل عامل، فقد طالما كنا ـ نحن في شقرا ـ نركب الخيل إلى بلدة (حولا) ومنها إلى قمة (المنارة) فنطل من هناك على بحيرة الحولة وسهولها، وكثيراً ما كنا نعبر الطريق من بلدة (عديسة) إلى (جديدة مرجعيون) مارين في مشارف الحولة وهي تحت أبصارنا بنضرتها وزرقة مائها وانتشار قراها.
الفاجعة الوطنية والفاجعة العاطفية أوحتا إليَّ بقصيدة قدمت لها عند نشرها بما يلي:
«اشترى اليهود الحولة فأخذت الأرض تبدو غير الأرض والوجوه غير الوجوه. وللحولة في القلب أعذب الذكريات وأحلاها فهي تتصل بجبل عامل وتشرف عليها قممه وهضابه، والذين قضوا الغدوات على ذروة المنارة وظلال شجرات العبابيد وما إلى هاتيك الأصواح والسفوح من مسالك وملاعب يعرفون أي أسى يملك النفوس ويطغى على القلوب بعد أن استعجم السهل وتنكر الجبل»:
ودعي فوق روابيك الخياما
والعراب الجرد والعرب الكراما
قد أضعناك ولم نرع الذماما
فاغفري للعرب آثاما جساما
* * *
يا ربى الحولة والدنيا تحول
ودعي الأهل فقد حان الرحيل
لا ظبى البيض ولا تلك الخيول
بعدنا فيك تلالا وتجول
* * *
فإذا ما أقفرت منا السهول
وإلى الأعلاج ألقيت الزماما
اذرفي الدمع لذكرانا سجاما
* * *
«أتعودين كأيام الوصال»
والصبا تحمل أعراف الدوالي
والصبايا الهيف أمثل اللآلي
يتهادين نشاوى بالجمال
والمذاكي القب تنزو في المجال
عاديات تملأ الجو قتاما
فوقها الأبطال كالشهب ترامى
ونعود إلى الاتفاق الفرنسي ـ البريطاني فنقول:
بموجب هذا الاتفاق يسير خط الحدود من (رأس الناقورة) الواقع على البحر المتوسط باتجاه الشرق إلى قرية (يارون) في لبنان، ومن ثم يسير باتجاه الشمال الشرقي إلى (قَدَس) و(المطلة) في فلسطين، وعبر وادي الأردن إلى (تل القاضي) في فلسطين، وإلى بانياس في سوريا.
وبعد ذلك يسير خط الحدود باتجاه الجنوب الغربي إلى جسر (بنات يعقوب) ومن ثم يسير باتجاه الجنوب على طول نهر الأردن حتى بحيرة طبريا وساحلها الشرقي إلى نقطة تكاد تكون إلى الشرق من مدينة طبريا حيث ينحرف خط الحدود باتجاه الجنوب الشرقي إلى أن يصل محطة (الحمة) الواقعة على سكة حديد (درعا ـ سمخ).
وحسب هذا التحديد تقع بحيرة الحولة وحوضها، وبحيرة طبريا بأكملها في فلسطين.
ويتألف القسم الفلسطيني الواقع شرقي البحيرتين من قطاع ضيق يمتد على طول ساحل بحيرة الحولة الشرقي، وقطعة ضيقة تقع شرقي بحيرة طبريا يتراوح عرضها بين 10 ـ 2000 متر على أكثر تعديل.
وأما الحدود مع شرقي الأردن فقد حددها المندوب السامي البريطاني لفلسطين وشرقي الأردن في أيلول/ سبتمبر 1922م. وهي تبدأ من نقطة اتصال اليرموك بالأردن فتسير جنوباً من منتصف مجرى نهر الأردن والبحر الميت ووادي العربة حيث تنتهي في ساحل خليج العقبة على بعد ميلين غربي مدينة العقبة.
وكانت الحدود بين فلسطين ومصر حددت بموجب الاتفاقية المعقودة في 12 شعبان 1324هـ/ أول تشرين الأول/ أكتوبر 1906م بين خديوية مصر والحكومة العثمانية على الشكل التالي:
يتعين الحد بين مصر والشام من رأس طابا على الساحل الغربي لخليج العقبة ممتداً إلى قمة جبل فورت ماراً على رؤوس جبال طابا الشرقية المطلة على وادي طابا، ثم من قمة جبل فورت يتجه إلى الخط الفاصل إلى نقطة المفرق على قمة جبل فتحي ملتقى طريق غزة إلى العقبة بطريق نخل إلى العقبة. ومن هذه النقطة إلى التل الذي إلى الشرق من مكان ماء يعرف بثميلة الردادي والمطلة على الثميلة بحيث تبقى الثميلة غربي الخط. ومن هناك إلى قمة رأس الردادي ثم إلى رأس جبل الصفرة ومنه إلى رأس القمة الشرقية بجبل قم قف ثم إلى سويلة شمالي الثميلة، ومنها إلى غرب الشمال الغربي من سماوة، ومنها إلى قمة التل الواقع إلى غرب الشمال الغربي من بئر المغارة في الفرع الشمالي من وادي ماميين، ومنها إلى غربي جبل المقراة فإلى رأس العين إلى نقطة على جبل أم حواويط إلى منتصف المسافة بين عمودين قائمين في الجنوب الغربي من بئر رفح، ومنها إلى نقطة على التلال الرملية في اتجاه 28 درجة أي 80 درجة إلى الغرب وعلى مسافة 420 متراً في خط مستقيم من هذه النقطة باتجاه 33.45 درجة من الشمال المغناطيسي أعني 26 درجة إلى الغرب إلى شاطىء البحر المتوسط ماراً بتل خرائب على ساحل البحر الأحمر.
وكان العثمانيون يعتبرون هذه الحدود حدوداً إدارية تفصل بين (خديوية مصر) التي كانت لهم سيادة اسمية عليها وبين ولاية سوريا (دمشق) ومتصرفية القدس.
مساحتها
تبلغ مساحة فلسطين حوالي 27.009كلم مربعة: 10429 ميلاً مربعاً، من هذه المساحة 704كلم مربعة: 262 ميلاً مربعاً، مساحة بحيرة الحولة وبحيرة طبريا ونصف مساحة البحر الميت.
ولا يمكن اعتبار أرقام مساحة فلسطين صحيحة ونهائية، وذلك لعدم تعيين الحدود في وادي عربة بين فلسطين وشرقي الأردن. فقد جعل الحدّ في وسط الوادي ولكنه لم يعين حتى نهاية الحكم البريطاني، فضلاً عن أن مجرى نهر الأردن الذي يفصل بين البلدين عرضة للتغيرات الكثيرة، الأمر الذي يؤثر في خط الحدود، وبالتالي في مساحة البلاد.
ذكرت الوكالة اليهودية في الصفحة 435 من إحصاءاتها المطبوعة في العام 1947م بأن ما يملكه اليهود من أراضٍ في فلسطين في نهاية شهر أيلول/ سبتمبر من العام 1946م يبلغ 180700 دونم، أي ما يعادل 6.8% من جميع أراضي البلاد. وفي آخر إحصاء لليهود أنهم كانوا يملكون في نهاية الانتداب البريطاني من فلسطين 7.15% من مجموع مساحة البلاد.
طلائع الاعتداء
كان أول تدخل عملي إنكليزي لنصرة اليهود إقامة قنصلية إنكليزية في القدس سنة 1839م هي أول قنصلية غربية تقام فيها، وكان الغرض الأول منها حماية الجالية اليهودية في فلسطين التي لم يكن يتجاوز عدد أفرادها 9700 نسمة.
ثم راحت بريطانيا بشخص رئيس وزرائها الفايكونت بالمرستون تعمل على تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وقد تبنى فكرة بالمرستون رجال السياسة الاستعمارية البريطانية الذين توالوا على الحكم في بريطانيا في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وكان في أذهانهم إقامة سدّ يحجز بين الشرق العربي وبين الغرب العربي لئلا تتكرر وثبة محمد علي حين زحف جيشه بقيادة ولده إبراهيم إلى بلاد الشام فاجتاحها مكوناً دولة عربية ناهضة كان يمكن أن يكون لها من الشأن ـ لولا إجهاضها من الإنكليز ـ ما يحول دون إنفاذ المخططات الاستعمارية المعدة للعرب وبلادهم.
وجاء شقّ قنا السويس واحتلال الإنكليز لمصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مقوياً عزم الإنكليز في السيطرة على فلسطين بإقامة كيان يهودي فيها تحت حمايتهم.
وإذا كان تبني بالمرستون ومن جاء بعده من السياسيين الإنكليز للفكرة الصهيونية([283]) هو البارز في تلك الفترة، فإن الدعوة الصهيونية لم تتبلور سياسياً في الفكر اليهودي إلاّ بعدما تبين أن ما انبثق عن الثورة الفرنسية من مبادىء في الإخاء والمساواة قد فشل في صهر اليهود بالشعوب التي يعيشون بينها. وذلك إما لعدم قابليتهم هم للانصهار، أو لأن تلك الشعوب تأبى هذا الانصهار، أو للسببين معاً…
وأول دعوة يهودية صهيونية صريحة كانت هي التي أطلقها اليهودي (هيرش كاليشر) سنة 1861م في كتابه (البحث عن صهيون). وفي العام التالي أصدر (هس) كتابه (روما والقدس) الذي دعا فيه إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين.
وتلاهما معاصرهما (دافيد غوردن) بالدعوة إلى ما سماه (دين العمل) الذي شدّد فيه على أهمية تملك اليهود لفلسطين والعمل على تكوين أمة يهودية شأنها شأن غيرها من الأمم. وفي العام 1882م أصدر (ليون بينكر) كتابه (التحرير الذاتي) حلّل فيه الوضع اليهودي العام وانتهى إلى المناداة بوطن قومي يهودي فكان كتابه هذا أقوى الكتابات الصهيونية وأبعدها أثراً.
وأول دفعة من اليهود هاجرت إلى فلسطين بقصد الاستيطان كانت مؤلفة من عشرين يهودياً هاجروا سنة 1882م فحولوا عدة قرى عربية نائية إلى مستعمرات صهيونية كانت المراكز الرئيسية للاستعمار الزراعي الصهيوني.
وفي 27 آب/ أغسطس 1897م استطاع يهودي نمساوي اسمه (ثيودور هرتزل) أن يعقد مؤتمراً صهيونياً في مدينة (بازل) بسويسرا مؤلفاً من 204 مندوبين يمثلون جمعيات صهيونية متناثرة في أرجاء مختلفة فكان هذا أول عمل تنظيمي مبرمج للحركة الصهيونية بعد أن كانت قبله آراء ومساعي متباعدة مبعثرة يعوزها التخطيط والتنظيم والمنهج الواضح والأداة البشرية القادرة على تنفيذها.
وانجلى المؤتمر عن وضع ما عرف ببرنامج بازل ما حدد الأهداف وأنشأ الأداة، فقامت المنظمة الصهيونية العالمية التي حددت أغراضها بالعمل على استعمار فلسطين بواسطة العمال الزراعيين والصناعيين وإذكاء الشعور القومي اليهودي وتنظيم اليهودية العالمية. وكان سبيلها إلى ذلك غزو فلسطين بالتسلل والهجرة التدريجية، فأقامت مؤسسات التهجير وشراء الأراضي وتمويل الاستيطان.
وما بين العامين 1905 ـ 1907م بدأ ما عرف في تاريخ الصهيونية بالهجرة الثانية وكان من أبرز وجوهها دافيد بن غريون الذي صار عند إعلان قيام ما سمي إسرائيل أول رئيس وزراء لها.
وأول صدام مسلح وقع بين العرب والصهاينة كان سة 1886م وذلك عندما تملك الصهاينة الخضيرة وملبس (بتاح تيكفا) وطردوا الفلاحين العرب الذين هاجموهم واشتبكوا معهم بقتال. أما في المدن فقد بدت مخاوف المهنيين والتجار من تدفق اليهود إليها، فأرسلت العرائض إلى الصدر الأعظم مطالبة بمنع هجرة اليهود إلى فلسطين ومنعهم من تملك الأرض فيها وذلك في العقد الأخير من القرن التاسع عشر.
وبحلول سنة 1909م كان الناس قد وعوا حقيقة الخطر الصهيوني وأصبح الحديث عن الهجرة اليهودية وشرها شغل الناس ومدار أحاديثهم. ولم يكن يومذاك في فلسطين من الصحف سوى (الأصمعي) و(الكرمل) فكانت الصحيفتان صدى لما يعتمل في نفوس الفلسطينيين من مخاوف. وشاركت صحف بيروت وصحف دمشق في التنبيه إلى الخطر الداهم، كما قام نواب فلسطين في البرلمان العثماني (مجلس المبعوثان) بالتنديد بالهجرة اليهودية والدعوة للصهيونية.
وبعد مرور ستة أشهر على الاجتماع الأول للحركة الصهيونية، بعث سكرتيرها أ.س. جودا بسؤال إلى مجلة «المقتطف» القاهرية مستعلماً حول إمكان تحقيق حلم هذه الحركة. واستبعد الدكتور يعقوب صروف، رئيس تحرير «المقتطف». في العدد الصادر بتاريخ شهر نيسان/ أبريل 1898م، نجاح دعوة الصهيونيين مقترحاً «بأن السعي لدى حكومات روسيا ورومانيا والبلغار في إصلاح شأن اليهود فيها أقرب منالاً، لا سيّما أن طلب كفالة الدول الأوروبية وحمايتها لليهود الذين يراد نقلهم إلى فلسطين عقبة كبيرة في سبيل هذا الغرض لأن الدولة العثمانية لا ترضى به».
وفي سنة 1905م نشرت الموسوعة اليهودية مقالة مسهبة حول الصهيونية وغاياتها، فما كان من الصحافي الفلسطيني نجيب نصار، الذي يعتبر من الرواد الأوائل الذين نبهوا العالم العربي إلى أخطار الصهيونية، إلاّ أن ترجم هذه المقالة إلى العربية وأخذ يفند مزاعم الصهيونية في مجلته «الكرمل».
وفي العام 1910م قامت حركة تدعو إلى مقاطعة البضائع اليهودية لأن الصهاينة يقاطعون البضائع العربية والأيدي العاملة العربية. في آب/ أغسطس سنة 1913م أعلنت صحيفة «فلسطين» أنها ستزيد عدد صفحاتها لتتمكن من استيعاب العدد المتزايد من العرائض والاحتجاجات المهاجمة للصهيونية. وفي الشهر نفسه نشرت صحيفة «الكرمل» نبأ قيام تظاهرة كبيرة في نابلس احتجاجاً على اعتزام الحكومة بيع أراضي بيسان التي هي من أملاك الدولة لليهود. ثم نشرت خبر إنشاء (جمعية مكافحة للصهيونية) في نابلس وإنشاء فروع لها في مدن فلسطينية أخرى. وفي 7 تموز/ يوليو 1913م نشرت (نداء إلى الفلسطينيين) تلقته من القدس جاء فيه:
«… هل تقبلون أن تصبحوا عبيداً للصهيونيين الذين جاؤوا لطردكم من بلادكم مدعين أنها بلادهم؟ أيرضيكم ذلك أيها المسلمون والسوريون والعرب؟ إننا نؤثر الموت على أن نسمح بأن يحدث ذلك».
وفي انتخابات سنة 1914م حرص المرشحون في بياناتهم على الجهر بمقاومتهم للصهيونية…
ثم قامت الحرب العالمية الأولى فكانت فلسطين ضمن الدولة العربية الموعودة، وفي الوقت نفسه كان الواعدون قد عقدوا معاهدة سايكس ـ بيكو المقسمة للبلاد العربية بين المنتصرين، وانجلت الحرب عن وعد لليهود بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين أعطاه بلفور وزير الخارجية البريطانية باسم حكومته في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1917م.
وبانتهاء الحرب اعتبر الفلسطينيون وطنهم جزءاً من بلاد الشام وأنه (سوريا الجنوبية) وكان لهم مندوبوهم فيما سمي (المؤتمر السوري) في دمشق الذي اعتبر (برلماناً) لبلاد الشام والذي أعلن قيام المملكة العربية السورية المستقلة وملكية فيصل، ولما تألفت الوزارة الأولى لهذه المملكة كان وزير خارجيتها (سعيد الحسيني) فلسطينياً.
ومنذ سنة 1918م سنة انتهاء الحرب عمد الفلسطينيون إلى إقامة النوادي والجمعيات بما فيها أول نادٍ نسائي فلسطيني، وشعاراتها مقاومة الصهيونية. وفي شهر حزيران/ يونيو أقيمت في القدس (الجمعية الإسلامية المسيحية) التي عمت فروعها بعد ذلك المدن الفلسطينية وكان شعارها مقاومة السيطرة اليهودية والنفوذ الصهيوني وشراء اليهود للأرض.
وفي مطلع العام 1919م عقد مؤتمر عربي للبحث في أمر عرض المطالب العربية ـ الفلسطينية على مؤتمر السلام في باريس بشأن تقرير المصير ورفض الوطن القومي اليهودي.
وفي شهر شباط/ فبراير سنة 1920م قامت تظاهرة عربية كبيرة، تلتها في شهر آذار/ مارس تظاهرة أخرى تأييداً لإعلان ملكية فيصل على المملكة العربية السورية المعتبرة فلسطين جزءاً منها.
وشنت مجموعتان فلسطينيتان مسلحتان هجوماً على مستوطنتين يهوديتين قرب الحدود السورية قتل فيهما الكابتن جوزيف ترامبلدور وستة يهود آخرين. وفي شهر نيسان/ أبريل احتشدت جموع المسلمين في القدس للاحتفال بموسم النبي موسى فكان ذلك مثاراً لانتفاضة عارمة امتدت من الرابع من نيسان/ أبريل إلى العاشر منه أعلنت خلالها الأحكام العرفية وبلغ عدد الإصابات فيها 251 إصابة، معظم المصابين بها من اليهود وجرح سبعة جنود بريطانيين بأيدي المتظاهرين العرب، وبلغت الإصابات العربية 28 إصابة بينها أربعة قتلى بالرصاص. وصدرت أحكام مختلفة بالسجن على 23 شخصاً وأُقيل موسى كاظم الحسيني من رئاسة بلدية القدس بسبب اشتراكه في التظاهرات.
وبالرغم من عنف المعارضة العربية ودمويتها فإن بريطانيا مضت في تطبيق سياسة الوطن القومي اليهودي فعينت يهودياً صهيونياً إنكليزياً هو هربرت صموئيل أول مندوب سامٍ لها في فلسطين، وكان قد أجمع الصهاينة على ترشيحه وعين وفقاً لرغبتهم، ووصل فلسطين بطريق البحر في أول تموز/ يوليو سنة 1920م وانتقل بخفارة عسكرية شديدة بالقطار من يافا إلى القدس.
فكانت هذه أول خطوة في تسليم الصهاينة الحكم في فلسطين. والشهر الذي وصل هربرت صموئيل في أوله إلى فلسطين مثبتاً الانتصار، كان هو الشهر نفسه الذي خرج في أواخره فيصل من دمشق ماراً بفلسطين، متمثلة في خروجه الهزيمة، ثم توالت الانتصارات وتوالت الهزائم…
وقد أمضى هربرت صموئيل في فلسطين خمسة أعوام أي إلى تموز/ يوليو سنة 1925م وضع خلالها القوانين في مصلحة اليهود وفاتحاً فلسطين أمام الهجرة اليهودية المنظمة، وكان اليهودي حين يصل إلى فلسطين ويمضي فيها ثلاثة أشهر يصبح له الحق في اكتساب الجنسية الفلسطينية، وجعلت اللغة العبرية لغة رسمية إلى جانب اللغتين العربية والإنكليزية، واختص اليهود بمدارسهم ليربوا نشأهم التربية الصهيونية الكاملة، وصارت لهم صحفهم باللغة العبرية.
وكان هربرت صموئيل يراعي التقاليد اليهودية في بيته كأنه حاخام. وبكل ذلك استحق اللقب الذي أطلقه عليه اليهود، وهو: (أمير إسرائيل الأول). وقد أطلقت النار عليه مرتين في فلسطين ونجا في كلتا المرتين، مرة في بيسان في الشمال ومرة في غزة في الجنوب.
أما مؤتمر السلام في باريس فلم يخف تحيّزه لليهود. فقد حدّد واجبات بريطانيا بصفتها دولة منتدبة من خلال تكرار نص وعد بلفور في صكّ الانتداب.
وأخذ صموئيل يعمل على التنفيذ التدريجي لخطة تهويد فلسطين عن طريق الهجرة والاستيطان.
وفي كانون الأول/ ديسمبر سنة 1920م انعقد المؤتمر الفلسطيني الثالث ووضع سياسة وطنية عامة التزمت بها المؤتمرات التي تلته وانطلقت من رفض وعد بلفور وعدم شرعية الانتداب البريطاني ورفض الهجرة اليهودية والمطالبة بحكومة وطنية.
وقد كان أخطر ما يواجه فلسطين والعرب فيها هو إباحة هجرة اليهود إليها من كل مكان.
لن نتحدث هنا أكثر من ذلك عن جنوبي بلاد الشام (فلسطين) لأننا سنتحدث عنها مفصلاً في بحث فلسطين.
شاهرود
هي إحدى مدن إيران، تحدّها من الشمال مدينتا جرجان وكنبد كاوس، ومن الشرق بجنورد وسبزوار، ومن الجنوب صحارى نائين، ومن الغرب دامغان. وهي على ارتفاع 1360 متراً عن مستوى سطح البحر. وتقع على خط العرض 36 درجة و25 دقيقة، وخط الطول 54 درجة و58 دقيقة. ومساحتها 1629 هكتاراً.
وتبعد شاهرود عن مركز المحافظة (سمنان) بمائة وتسعة وسبعين كيلومتراً. وتقع على الطريق بين طهران ومشهد.
وتنقسم هذه المدينة إلى منطقتين: الجبال الشمالية، وتضم سلسلة جبال ألبرز التي تمتدّ من الغرب باتجاه الشرق، ومنها شاه كوه (الجبل الأعظم) والتي تكون قممها مكسوّةٌ بالثلوج طيلة الشتاء وأول الربيع ومن قمم سلسلة جبال ألبرز الأخرى؛ أبر على ارتفاع 2630 متراً، وموشى بيلاق على ارتفاع 2802 متراً، وماشك على ارتفاع 2670 متراً. أما المنطقة الثانية، فسلسلة جبال قليلة الارتفاع نسبياً وأهم قممها هي: شاه كوه، وعلي آباد على ارتفاع 2008 متراً، وجيلين بيلين على ارتفاع 2281 متراً، وجمينو على ارتفاع 2758 متراً، وجال جيان، وقلزق على ارتفاع 262 متراً.
وتستمد أنهار شاهرود وقنواتها المياه من جبال ألبرز الواقعة في شمال المدينة.
وتندرج شاهرود تحت قائمة المدن الإيرانية اللطيفة الماء والهواء، وفي الصيف يكون مناخها معتدلاً فيقصدها المسافرون، ولذلك فإنها تعرف بجنة شمال شرق إيران، حيث إن الحدّ الأعلى الذي تبلغه درجات الحرارة فيها في فصل الصيف يتراوح ما بين 29 إلى 34 درجة مئوية، وأما في الشتاء فما بين ثماني إلى عشر درجات تحت الصفر. وفي كل عام تهطل الثلوج في شاهرود حوالي ثمانية وسبعين يوماً.
إن أهم أنهار شاهرود هو نهر «تاش» الذي ينبع هو ونهر «مجن» من العيون المتفجرة في الوديان الجنوبية لجبل كوه شاه بجرجان ويتفرع من هذين النهرين عند جريانهما عدد من الأنهر الأخرى في القسم الشرقي من مدينة شاهرود باتجاه الصحراء.
وقد حفرت عند القسم الأعلى من نهر تاش قناة مهمة وسدّ لخزن المياه تأميناً لاحتياجات شاهرود.
وتستمدّ أنهر أخرى مياهها من عيون وينابيع في سلسلة جبال ألبرز، وعندما تفيض المياه تجري إلى نهاية الصحراء، وفي القسم الأوسط، يجري نهر «كال شور» الذي يمرّ تحت جسر أبريشم.
أما أراضي شاهرود فهي صخرية متصلبة، وأخرى آجرية، وأخرى صالحة للزراعة، ويبلغ عمق المياه في جوفها بين 60 إلى 130 متراً.
إن شاهرود مدينة حديثة، وأقدم حصونها قلعة «ولي آباد» بنيت أيام الدولة الصفوية على يد الأمير علي خان كرد، وبعده عمّرها محمد زمان خان بن قادر خان بأمر فتح علي شاه قاجار. ولذلك فلا تلفت الأنظار فيها آثار تاريخية مهمة، إلاّ أن أغلب قراها وقصباتها تشتمل على آثار تاريخية كثيرة، أهمها:
أ ـ آثار بسطام:
* محراب (غازان خان)، بناه غازان خان الملك في فترة إيلغان المغولية (670 ـ 703هـ) على شكل هرم بالآجر والكاشي، وإلى جانبه إيوان كبير مرتفع، كان قد شوهد منذ أيام السلطان محمد خدابنده.
* مقبرة «أبو زيد طيفور بن عيسى بن آدم» وهو مبني من المرمر. وفي سنة 216 للهجرة توفي أبو يزيد البسطامي، ودفن بجوار ضريح الولي إمام زاده محمد.
* صومعة أبو يزيد: وتتكون من غرفتين صغيرتين؛ أولاهما متر ونصف المتر في مترين، والثانية اثنين في اثنين. وقد كتب على جدرانهما عبارات عربية بالخط الكوفي، كما كتب على أحدها آية الكرسي.
* حرم ومزار الولي إمام زاده محمد: وهو بناء تعلوه قبة مرتفعة هرمية الشكل مزينة بالألوان من داخلها، ومنقوش عليها نقوش جميلة. وهي على مقربة من محراب غازان خان، بمسافة 15 متراً، وقد بناها غازان خان بنفس تاريخ إنشاء المحراب.
* مسجد مجاور لمزار إمام زاده محمد: ولا يعلم تاريخ بنائه، غير أنه قد جرت عليه تعميرات على عهد فتح علي شاه قاجار. وعلى تمام محيطه كتبت آيات من القرآن الكريم بالآجر. ودهليزه الشرقي بناه السلطان محمد خدابنده في الفترة ما بين 680 ـ 716 للهجرة. وقد زين بابه الرئيسي بالكاشي المزيّن، وكذلك باب الدهليز المواجه للقبر، وقد نقشت عليه كلمة (علي) بشكل خاص.
* مسجد أبو يزيد: ويحتوي على محراب مشيد بالآجر، بني على عهد محمد خدابنده، وعلى بابه كتبت بالخط الكوفي عبارة «لا إله إلا اللَّه محمّد رسول اللَّه» وعلى تمام محيطه توجد آيات من القرآن الكريم.
* منارة مسجد أبو يزيد: طبقاً لما ذكره في (مرآة البلدان) و(گنج دانش) ـ كنز المعرفة ـ فإن ارتفاع هذه المنارة يبلغ 25 ذراعاً، غير أن الباقي منها الآن أربعة عشر متراً، ومن المحتمل أن يكون حساب الخمسة والعشرين ذراعاً يبدأ من أرضية المسجد. ويعود تاريخ بناء المنارة إلى سنة 514 هجرية على عهد السلاجقة. وقد كتبت عليها آية الكرسي.
* مسجد (بسطام) الجامع: بني في زمان السلطان محمد خدابنده (عام 706 هجري)، وهو على قسمين؛ الأول يمثل صحن المسجد وفي وسطه محراب يحتوي على مستطيلين كتب على كل منهما عبارة «لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه»، أما القسم الآخر فعبارة عن سقف يبلغ عرضه اثني عشر متراً، وطوله 20 متراً، وفيه قبة إلى جنبها محراب مشيّد بالآجر، قد تخرّب قسم منه.
* برج كاشانة: ويقع إلى جوار المسجد الجامع، وارتفاعه من الداخل يبلغ أربعة وعشرين متراً، ومن الخارج عشرين متراً، وهو مصمّم على شكل هندسي متعدّد الأضلاع، إذ يبلغ عدد أضلاعه ثلاثين. ويعتقد البعض أنه برج للرصد والمراقبة، ويذهب آخرون إلى أنه كان بيتاً للنار (من معابد الزرادشت). وقد ذكره المستشرق الفرنسي المسيو كدار باسم «غازان» لدى مروره بكاشانة.
ب ـ قرية قلعة نوخرقان:
* ضريح العارف الشهير الشيخ أبي الحسن الخرقاني: ويقع على مسافة 24 كيلومتراً من «قرية قلعة» الجديدة، وكانت بنايات قد شيّدت قبلاً عنده منها مسجد ذي محراب مشيّد بالآجر، ولم يبق من تلك البنايات سوى هذا المحراب، ويعتقد أن تاريخ إنشاء المسجد يعود إلى حدود عام 460 هجري.
* مسجد (فرومد) الجامع: يعتقد أنه بني في أواخر القرن الثامن الهجري، وهو مزيّن بالآجر والكاشي النفيس، ولكنه أصبح بمرور الأيام أطلالاً وخرائب.
* ضريح ابن يحيى فرومدي: يقع على مسافة 150 متراً عن المسجد الجامع في القسم الشمالي من القرية. ولم يبق من آثاره سوى البرج الذي يدلّ على نسبته إلى العهد السلجوقي.
* ثغور مرابطة تعرف بـ«شاه عباس»: يوجد إضافة إلى الآثار المذكورة عدد من الثغور التي كانت تعد للمرابطة، وهي توجد في عباس آباد، وميامي، ومياندشت، وبدشت، بعضها أصبحت بمرور الزمان خرائب فيما ينتفع الأهالي من بعضها، كما أن أحدها كانت تستغلّه قوة من الدرك.
يتكلم غالبية الشاهروديين اللغة الفارسية بلهجة محلية خاصة بهم، وهم مسلمون من الشيعة ويقطن في شاهرود إلى جانب أهلها الأصليين مهاجرون قادمون من آذربيجان، وسمنان، وأنارك، ودامغان، ويزد. وفيها قريتان يتحدث أهلها باللغة التركية، ولا يعلم سبب تغيّر لغتهم الفارسية، هاتان القريتان هما: أبة، ونردين.
وتوجد في شاهرود وأطرافها معادن النحاس، والجعب، والآجر، والملح، والرصاص، والكروم. وتشتهر بمحاصيل الفاكهة كالمشمش، والعنب، وكذلك تزرع فيها البطاطا، والتنباك، والشمندر، والقطن، وفاكهة الكرز، وأنواع الحبوب، والخضروات. وهي تصدّر ما يفيض عن حاجتها من هذه المحصولات إلى بقية بلاد إيران، وأنحاء العالم.
شاه مردي (جبال)
شاه مردي، سلسلة جبال في آذربيجان تختلف عن بقية السلاسل الجبلية في آذربيجان حيث تمتد من الشمال إلى الجنوب وتتصل من الشمال بكتلة سهند، يبلغ ارتفاع أعلى قممها 3285م. وتفصل خطوط تقسيم المياه فيها مياه حوض أرمية (منابع جغتو) عن منابع قزل أوزون أو حوض الخزر.
الشاهنامه
وأما العرب فقد أجمل الكتاب في أنبائهم ما كان من حوادث في العصور المتطاولة، فجعل الضحاك عربياً، وقص وقائع كيكاوس وملك هاماوران وحمير ووقائع أخرى بين الساسانيين والقبائل العربية. ثم ذكر طرفاً مما كان بين الأمتين من مودة وتعاون فيما كان من معاهدة بينهما إذ تزوج بنو أفريدون الثلاثة سلم وتور وإيرج ثلاث بنات لملك اليمن. وتزوج كيكاوس سوذابة بنت ملك حمير، وتزوج زال بن سام رودابة بنت مهراب ملك كابل وهي عربية من نسل الضحاك، فولد رستم بطل الأبطال من أب إيراني وأم عربية. وأوضح من هذا ما كان بين الأمتين من مودة في العهد الساساني أعظم مظاهرها علاقة ملوك الحيرة بملوك الفرس، وما كان للفرس من سلطان ومحبة بين العرب في البحرين واليمن.
والهند ذكروا في حوادث منها وقائع كابلستان وحوادث بهرام كور وتزوجه بنت ملك الهند. والصين تذكر في وقائع التورانيين وفي التجارة.
فهذه المنظومة العجيبة التي تتناول حوادث قرون وأمم كثيرة لا ينبغي أن تشبّه بالألياذة الضيقة الحدود، وينبغي أن تكون عناية الشرقيين بها أعظم من عناية الغربيين بالألياذة.
ولا ريب أن في الشاهنامه أساطير كثيرة، ولكن الأساطير في الأدب أروع من الحقائق. ثم لا ينكر دلالة الأساطير على تطور الأمم وعلى كثير من عاداتها وأخلاقها. فإن الأساطير وليدة خيال الأمة وأمانيها، لا يحدها الواقع ولا تضيقها الحقيقة وكم في أساطير الشاهنامه في العهدين الأول والثاني عهدي البيشدايين والكيانيين من حقائق دينية واجتماعية وتاريخية ألبست ثوب الخيال، وحرفت فيها الوقائع والأسماء.
وللشاهنامه ميزة أخرى على الإلياذة، وملاحم أخرى كالمهابهاراتا والرمايانا، بأنها كلها لشاعر واحد، إذا استثنينا الألف بيت التي نظمها الدقيقي. والفرودسي ناظمها شاعر تاريخي معروف لا يشكّ أحد في وجوده، وأنه ناظم هذه الملحمة الرائعة، على حين يكثر خلاف المؤرخين في الإلياذة وناظمها، وعلى حين أن المهابهاراتا والرمايانا نظم شعراء عديدين بعضهم مجهول. فالشاهنامه سجل تاريخ أمة وأساطيرها منذ أقدم عصورها. وهذا لا يعرف في منظومة أخرى.
لم يكن الفردوسي مخترع هذه الحادثات بل كان مصورها. فقد نظم الرجل ما ادخرته الروايات، ولم يكن حراً في الذهاب مع خياله كيف يشاء. ودليل هذا في الكتب الأخرى ولا سيّما كتاب الثعالبي «غرر أخبار ملوك الفرس وسيرهم» وهو أقرب الكتب إلى الشاهنامه، وقد عاصر الثعالبي الفردوسي وقدم كتابه للأمير نصر أخي السلطان محمود الغزنوي الذي قدمت إليه الشاهنامه وهذا يزيد في قيمة الكتاب، لا صورة من خيال الشاعر وأوهامه. وهذا أيضاً يزيد في قدر الفردوسي، فعسير جداً أن يذلل الشاعر هذه الأكداس من الحوادث للنظم السلس المتين، ويكلف نفسه السير في حزنها وسهلها، لا يتخير الأيسر والأسهل من موضوعات النظم.
لو كانت الشاهنامه قصصاً منثورة خالية من روعة الشعر وموسيقى النظم. لكانت مع هذا جديرة بعناية الإيرانيين والأمم الشرقية، ثم عناية المؤرخين والباحثين في الأمم كلها. فكيف وقد أفرغت هذه القصص في صور شعرية رائعة، ونظم متين منسجم، يزيد المعنى جلالاً وروعة؟ كيف وهي جهد شاعر نابغة في أكثر من ثلاثين عاماً؟ لا تقتصر الشاهنامه على قصص الحادثات، ولكنها تصور الوقائع حتى يكاد القارىء يرى الفرسان في حومة الوغى، ويبصر النقع معقوداً في الآفاق، ويسمع صليل السيوف ووقع الأسنة. وصياح الأبطال وصهيل الخيل.
وهذا الفردوسي وصاف الحروب لا يقصر في تصوير عواطف الإنسان والإبانة عنها على لسان أبطال قصته وهو ليس عاجزاً في قصص الحب كما ترى في قصة زال وروذابة، وقصة بثيرن ومنيثرة. وقصة كشتاسب وكتايون. وناهيك به رجل أخلاق في الدعاء إلى الخير والنهي عن الشر. وهو يصير بأحداث الزمان يستخرج المواعظ من وقائع الكتاب، فلا يكاد يفتتح فصلاً أو يختمه إلا واعظاً بليغاً محذراً من غير الزمان وإني أستشهد هنا أستاذاً من كبار المستشرقين درس الشاهنامه درساً بليغاً، هو الأستاذ نلدك الألماني قال: إن الفردوسي شاعر مطبوع، يستولي على فكر القارىء، ويحيي القصة التافهة بإنطاق الممثلين أمامنا، بل كثيراً ما يضع الحركات في جلال الأقوال. وهو يفصل الحادثات فيبين أحسن إبانة عن حادثة لم يكتب عنها في الأصل الذي نظم عند أكثر من أنها وقعت، ويبيح لنفسه أن يخلق حادثات صغيرة ليتم الوصف. وهو يعرف كيف يحيي أبطاله، بل يخرج أحياناً البطل في صورة جديدة غير التي عرفته بها الروايات، وما أقدره على تبيان ما وراء أعمال الأبطال من أسباب وأفكار. والوصف النفساني رائع جداً، ونغمة البطولة تسمع في الكتاب كله، وعظمة الزمان القديم وأبهته، وفرحه وترحه وجلاده، مصورة في أسلوب معجب، حتى ليسمع الإنسان صليل السيوف وجلبة المآدب. هو لا يبلغ في التفصيل مبلغ هومير، ولا يستطيع مثله أن يحمل حادثة في كلمات قليلة ولكنه مع هذا يمضي قدماً إلى غايته حين يصف الوقائع، وإن يكن في الخطب والرسائل مكثاراً. مشاهد الحرب تستقبل القارىء في كل مكان ولكن هناك ميادين للحب والعواطف الرقيقة، فهناك قصص للحب عظيمة كقصة زال وروذابة، وبثيرن، ومنيثرة. وهي أجمل أقسام الكتاب، والشاعر في هذا، بل في كتابه كله، يملك القارىء ببساطة الوصف. وعاطفة الأمومة والأبوة والقرابة واضحة في الكتاب كذلك، ولكن يصحبها التعطش للدماء ثأراً للأقارب، فقصة الانتقام لسياوخسن مثلاً تملأ صفحات من الكتاب كثيرة جداً، وهذا الولع بالثأر يتمكن حتى نجد الرجل العاقل كودرذ يشرب دم أطيب الأعداء ببران.
ويتجلى في الكتاب كذلك ندب حظوظ الإنسان في هذا العالم الحائل والاعتبار بغير الزمان، اهـ. هذه الميزات الأدبية والتاريخية جعلت للشاهنامه مكانة عليّة في الأدب الفارسي منذ نظمت، فحاكاها كثير من الشعراء بقصص متصلة بموضوعها، فنظمت ست قصص أبطالها من أسرة رستم وهي: كرشاسب نامه، وبطلها كرشاسب جد أسرة سام بن نريمان. وسال نامه، وبطلها سام بن نريمان جد رستم وجهانكير نامه، وبطلها جهانكير بن رستم. وفرامرز نامه، وبطلها فرامرز بن رستم. وبانوكشاسب نامه، وبطلها بانوكشاسب بنت رستم وامرأة كيو بن كودرز. وبروزنامه، وبطلها بروز بن سهراب بن رستم. ونظمت بهمن نامه، وبطلها بهمن بن اسفنديار ثم نظمت بعد قصص أخرى كيموز نامه التي نظمها الهاتفي، وشاهنامه القاسمي، وشاهية مجد الدين البابوي النسائي. ولا تزال محاكاة الشاهنامه مستمرة حتى العصر الحاضر.
وقد حاكاها الترك إن صح ما يروى أن شاعراً في القرن العاشر الهجري من بروسة اسمه الفرودسي الطويل نظم شاهنامه طويلة جداً في 380 جزءاً، وأهداها للسلطان بايزيد الثاني، فأمر بانتخاب 80 جزءاً منها وإحراق الباقي، فغضب الشاعر وهجا السلطان وهجر بلاد الروم إلى خراسان حيث مات غماً. وأولع الناس بترجمة الشاهنامه إلى لغاتهم، فترجمت إلى عشر لغات. وكانت اللغة العربية أولى اللغات بترجمة الشاهنامه، لما بين الأدبين العربي والفارسي من التقارب. ولذلك كانت العربية أسبق اللغات إلى إحراز هذه الترجمة. فقد أمر الملك المعظم ابن الملك العادل الأيوبي الفتح بن علي البنداري الأصفهاني أن يترجم الشاهنامه إلى اللغة العربية، فشرع يترجمها في جمادى الأولى سنة 620، وأتمها في شوال سنة 621. استطاع أن يترجم هذا الكتاب العظيم في ثمانية عشر شهراً، وهي همة عالية ومقدرة عظيمة من هذا الأديب الكبير. ترجم البنداري الكتاب بلغة سهلة غير متكلفة، ونقل الحوادث مجردة من التفصيل والتصوير الشعري، فجاء الكتاب في 18500 سطر، في كل سطر نحو عشر كلمات. وذلك نحو نصف الشاهنامه.
ومعظم تصرف المترجم يرجع إلى ما يأتي: حذف الفصول الصغيرة كفصل تجريب أفريدون وأولاده في قصة أفريدون، وقتل رستم الفيل الأبيض وذهابه إلى الجبل الأخضر في قصه منوجهر، ومقاتلة رستم وجنكس في قصة كامدس الكاشاني، ونصح زال ابنه رستماً في قصة اسفنديار وغير ذلك.
2 ـ وحذف بعض الحوادث كما حذف ما وقع بين رستم والتركمان حينما ذهب لإحضار كيقباد من جبل البرز، وحذف ذهاب امرأة كيو إلى أبيها رستم حينما ذهب زوجها إلى توران باحثاً عن كيخسرو.
3 ـ وحذف أكثر مقدمات الفصول التي يتكلم فيها الفردوسي عن نفسه أو يعظ، كما حذف مقدمة قصة سهراب ورستم التي تكلم فيها الشاعر عن موت الشبان وحكمته، ومقدمة قصة سياوخسن التي يتكلم فيها الفردوسي عن الشعر والكلام البليغ.
4 ـ اختصار الرسائل والخطب والوصايا المطولة، واختصار الوصف في الحروب وآلات الحرب، ووصف الخيل والوحوش، ووصف المآدب وغير ذلك.
5 ـ وحذف مدائح السلطان محمود، وإثبات مدح الملك المعظم في بعض مواضعها.
6 ـ ويزيد روايات من كتب التاريخ كالطبري والمسعودي، كما روى قصة ملك الحضر في عهد سابور بن أردشير، ونقل ما كان بين هرمز بن نرسي ورعيته.
وقد أصلحت بعض هذه العيوب على قدر الطاقة حينما نشرت الترجمة العربية.
لم ينقل المترجم إلى العربية جمال شعر الفردوسي، ولكن نقل حوادث الشاهنامه مختصرة فيسر لقارىء العربية الإحاطة بموضوع الكتاب في وقت قصير، ولا بدّ أن يكمل نقص هذه الترجمة بترجمة منظومة للكتاب كله أو لفصول منه. ولهذه الترجمة العربية قيمة أخرى، فقد ترجمت في أوائل القرن السابع الهجري قبل أن يكثر الاختلاف بين نسخ الشاهنامه وليس عندنا نسخة من الكتاب ترجع إلى ذلك القرن. فيمكن أن يستعان بهذه الترجمة في المقارنة بين نسخ الشاهنامه المختلفة وترجيح بعضها على بعض.
اهتمت الأمم الشرقية الإسلامية من بعد بترجمة الشاهنامه، فترجمت إلى التركية العثمانية، وإلى التركية الشرقية، وطبعت الترجمة الأخيرة في طشقند سنة 1326. وترجمت إلى اللغة الكجراتية وطبعت في بمباي (1897 ـ 1904م)، وترجمت إلى اللغة الأُردوية كذلك.
وفي القرن التاسع عشر الميلادي عرف الأوروبيون الشاهنامه واهتموا بها، فترجمها مول إلى الفرنسية وطبعت على نفقة الدولة في نصف قرن بين سنة 1830م إلى سنة 1877م وطبع معها الأصل الفارسي في ثمانية مجلدات ضخمة، وهي أعظم طبعة للشاهنامه، عرفت في العالم كله.
وترجم نكنسون إلى الإنكليزية رستم وسهراب، ثم الكتاب كله ترجمة مختصرة وطبعت في لندن سنة 1830م، وترجم أرنولد سهراب ورستم أيضاً. ثم ترجم ورنر وأخوه الكتاب كله نظماً وطبع سنة 1905م فما بعدها. وكذلك ترجم رجوس معظم الكتاب وطبع في لندن سنة 1907م. وترجم الكتاب إلى الألمانية نظماً مرتين: ترجمه فون شاك وطبع في برلين سنة 1851م إلى سنة 1865م، ثم ترجمه ركرت، وطبع في برلين من سنة 1890م إلى سنة 1895م ومن قبلهما ترجم جرس خلاصة الكتاب إلى موت رستم، وطبعه في برلين سنة 1830م. وأوفى ترجمة للشاهنامه الترجمة الإيطالية، ترجمها بزي نظماً، وطبعها في تورينو 1886 ـ 1888م في ثمانية مجلدات. وطبع الأوروبيون الشاهنامه الفارسية نفسها مراراً، طبع الجزء الأول منها لمدن في كلكتا سنة 1811م وطبعها كلها تزنر مكز في كلكتا سنة 1829م وهذه الطبعة أصل لطبعات أخرى. وطبعها مول في باريس كما تقدم. وطبع ثلاثة أجزاء منها فون فولر في ليدن بين سنة 1877م وسنة 1884م.
الدكتور عبدالوهاب عزام
أبو القاسم الفردوسي
صاحب الشاهنامه
في النصف الأول من القرن الرابع الهجري وجه أهل خراسان وأمراؤها همتهم إلى جمع أخبار ملوك إيران وتاريخهم فاجتمعت لهم أسفار عرفت فيما بعد باسم «شاهنامه» أو كتاب الملوك، وكان أكثر هذه الكتب ذيوعاً وشهرة شاهنامة أبي المؤيد الشاعر البلخي وشاهنامة أبي منصور والي طوس. ويبدو أن ثانيتهما كانت أجمع وأوفى من أولاهما، وأقبل الناس على هذه الكتب إيما إقبال وصارت مادة للسمر والشعراء على السواء. وفي حدود عام تسعة عشر وثلاثمائة من الهجرة في قرية «باز» من قرى طبران إحدى مدينتي طوس، أهلّ وليد في بيت أحد فلاحيها لم يبلغ أشده حتى ظهرت عليه مخايل الشاعرية، وداعب خياله قصص الملوك والأبطال فراض طبعه على نظمه، ولما ناهز الخامسة والثلاثين عام أربعة وخمسين وثلاثمائة هجرية إذا به شاعر ناضج طموح سول له شيطان شعره أن ينظم ملحمة كبرى للملوك والأبطال فاندفع بحماسة في هذا الطريق وعمد إلى نظم شاهنامة أبي المؤيد البلخي، وأكبر الظن أنه لم يكن بادىء الأمر يقدر حق التقدير الجهد والعمر اللازمين للنهوض بمثل هذا العمل الجسيم، فما شرع في نظم هذا الكتاب وقطع فيه شوطاً حتى وجد نفسه أمام سيل جارف من قصص الأبطال والملوك يجري على ألسنة الناس ويطمئن بعضه في ثنايا الكتب فكان يغترف من هذا وذاك ما يكمل به نقص المصدر الذي بين يديه، وكان أبو منصور محمد بن أحمد الدقيقي شاعر بلاط السامانيين أيام منصور (الأول) بن نوح (350 ـ 366هـ) مشغولاً كذلك بنظم شاهنامة أبي منصور، ولكنه قتل بعد قليل على يد غلام تركي مخلفاً وراءه قصة «گشتاسب وأرجاسب» في ألف بيت.
فلما علم بذلك شدّ رحاله إلى بخارى عاصمة بني سامان ليحصل على الكتاب الذي كان ينظمه الدقيقي فلم يوفق، وجدّ في البحث عن نسخة منه في كل مكان إلى أن تحققت أمنيته على يد صديق حميم من أهل بلده، فسر بذلك غاية السرور، ولكن موت الدقيقي وبعد الشقة ـ وقد وضحت لعينيه ـ وتقدم الأيام به، كل ذلك جعله تحت تأثير خوف دائم من أن تنقضي مدته دون أداء الرسالة التي وقف حياته عليها، فمضى في طريقه قدماً لا يلوي على شيء وصرف انصرافه الكلي إلى نظم باب الملوك عن تدبير أمر معاشه فاحتاج إلى راع يكفيه عوز الفاقة وييسر له الفراغ لما كرس وجوده له، فكان أول رعاته أمير لم يصرح الشاعر باسمه وإن تغنى بمدحه وذكر مآثره عليه، ولكن سرعان ما ذهبت به الحوادث فلم يوقف له على أثر حياً كان أو ميتاً، فرثاه الشاعر وبكاه في لوعة وحسرة هصرتا قلبه وأجرتا دمعه مزيجاً بدمه. ويؤخذ من عنوان أبيات الشاعر هذه في بعض نسخ الشاهنامه أن هذا الأمير هو منصور بن محمد. هيض جناح شاعرنا بموت راعيه وكان كتابه بلغ من الشهرة حداً جعل عظماء بلده وعلماءها يهرعون إلى نقل واستنساخ ما نظم ولا ينال منهم غير كلمة «أحسنت» التي انشقت منها مرارته ولم تغن عنه من المسغبة والخصاصة شيئاً، ولكن العناية هيأت له راعيين آخرين، أحدهما أبو دلف علي الديلمي من كبراء المدينة وحيي بن قتيبة والي طوس، فحسن حاله وعاش في خفض من العيش مكن له من المضي إلى غايته ولكن الخوف من الموت دون بلوغ الغاية كان يساوره من وقت إلى آخر، فنراه كلما فرغ من نظم شطر من الكتاب يقف محصياً ما فات من عمره فيقول: مضت ثمان وخمسون سنة، ستون، ثلاث وستون، خمس وستون.
وفي الخامسة والستين فرغ من نظم ملحمة الملوك وأحس الحاجة إلى جني ثمرة جهد ثلاثين عاماً آخرها عام أربعة وثمانين وثلاثمائة هجرية.
وصادف ذلك تولي محمود الغزنوي إمرة نيسابور وجيش خراسان من قبل السامانيين، وكان وزيره آنذاك أبو العباس الفضل بن أحمد الأسفرائيني، وقد جعل هذا الوزير الفارسية لغة البلاط، فابتغى الشاعر إليه الوسيلة ومدحه أملاً في إبلاغه باب محمود، ونثر درّ مديحه للأمير في غضون كتاب الملوك وحواشيه حتى ليخيل لقارئه أن الكتاب نظم بادىء بدء من أجله. ولكن خصوم الوزير من رجال الحاشية كانوا يفسدون عليه عمله بالوشاية، فأثرت فيه الوشية ولم يأبه بكتاب الملوك وقال: في جيشي ألف كرستم، وأمر له بصلة لقاء مدحه، فقبل الشاعر الأرض بين يديه وقال: أطال اللَّه بقاء الأمير، لم أكن أعرف أن في جيشه ألفاً كرستم، وإني لأعلم أن اللَّه لم يخلق مثل رستم بعد، قال هذا وانصرف، فأحفظ الأمير هذا الجواب وخرج الشاعر من لديه حانقاً ناقماً ولم يصله من صلة محمود غير عشرين ألف درهم. أظهر شاعرنا عدم اكتراثه بها كما استخف الأمير بثمرة الثلاثين عاماً من عمره، فقسمها هزواً بين حمامي وفقاعي، فزاد ذلك في حفيظة محمود وأشير عليه بقتله ولكن الشاعر كان قد غادر المدينة على جناح ليل أسحم فلم يدركه الطلب.
وانحدر إلى الجنوب ميمماً بغداد وكان الموفق عاملاً لبهاء الدولة البويهي عليها، فمدحه ومدح أمير العراق البويهي، ويبدو أن العراق لم تكن بيئته صالحة لكتاب ملوك الفرس أو لم يكن بنو بويه في حاجة إلى عصبية فارسية بعد وقد أصبح الأمر والخليفة على السواء في قبضتهم، فأشار عليه الموفق بنظم قصة يوسف وزليخا في ثوب جديد وكان قد نظمها قبله أبو المؤيد والبختياري، وجدّ الشاعر في نظم القصة آملاً في أن يقدمه الموفق إلى بهاء الدولة بعد نظمها فيظفر بصلة تعوضه ما فاته في نظم الشاهنامه، وأبدى في مقدمة هذه القصة أسفه على العمر المضيع في نظم تلك الملحمة وسأمه من نظم سير الأبطال والملوك، ولكن أوضاع العراق لم تكن مستقرة، فما فرغ من نظمها أو كاد حتى كان الخلاف قد دبّ بين الموفق وبهاء الدولة، فهرب الموفق من بغداد إلى البطيحة بما غلّ من أموال في حدود عام 386هـ 996م.
وضاقت بغداد والعراق بالشاعر الشريد واتجه بأنظاره كل صوب واتجاه يبحث عن منجى ومعتصم له من هذه الفتن، فيمم رحاب أحمد بن محمد بن أبي بكر أمير خان لنجان، قرب أصفهان، وقد بلغها في حالة رثة تنبىء عن خروجه من بغداد محروماً كما خرج من قبل من نيسابور.
وقد أفسح له هذا الأمير في جنابه وغمره ببره وألطافه ودفع عنه كيد شانئيه وحساده كما أحبه ابن الأمير وبالغ في حدبه عليه، فحبب إليه كل ذلك الإقامة بخان لنجان وأطال بها المقام فارغ البال ولكنه لم يفرغ من أمر كتابه بعد، فعاد إليه يجود ويقدم ويؤخر فيه وينمق منه نسخة يقدمها لأميره وفاء بشكر ما أنعمه عليه وختمها بمديح يفيض عرفاناً بأياديه وثناء على ولده الذي أنجاه من الموت غرقاً في نهر «زاينده رود» حين خرج مع القوم ذات يوم يشاركهم البهجة بمقدم الربيع. وأرخها بعام تسع وثمانين وثلاثمائة هجرية بالغاً من العمر زهاء سبعين عاماً.
وشطّ النوى بالشاعر وطال اغترابه عن دياره وزاد حنينه إلى موطنه وأول أرض مسّ جلده أديمها، وهاج شوقه إلى ابنته التي لم يبق له سواها بعد فقد ولده بالغاً السبعة والثلاثين مودعاً دنياه في ربيع الحياة تاركاً أباه الشيخ يعاني لوعة الحزن في خريف عمره.
ولكن كيف السبيل إلى طوس والعيش في ظل سلطان يطلب دمه ويهدده بسحقه تحت أقدام الفيلة؟ فكر ودبر وأطال الفكر والتدبير، فانتهى به الرأي إلى مغالبة هوى طوس، وشد الرحال إلى ساحة قابوس بن وشمكير بطبرستان وقد حفل ناديه بأهل الفضل والأدب وازدحم ببابه الشعراء وأعد نسخة من كتاب الملوك فرغ من تدبيجها قرابة سنة أربعمائة هجرية وقد تقدمت به خطى العمر نحو الثمانين وعزم على تقديمها لأمير مازندران الذي يرقى بنسبه إلى بني ساسان عله يظفر بصلة مجزية لقاء ما بذل من الجهد وقاسى من الاغتراب والحرمان، وزاد على ذلك هجاء مقذعاً لمحمود الذي حرمه وشرده، وزيادة في التقرب من قابوس عرض عليه نقل الكتاب من اسم محمود إلى اسمه.
ولكن قابوس كان فوق فضله وأدبه وبرّه بالشعراء والعلماء عاقلاً أريباً تربطه بمحمود روابط التبعية والولاء، فنصح الشاعر بإبقاء الكتاب على حاله والعدول عن هذا الهجاء، واشتراه منه بمائة ألف درهم والتمس المعاذير لسلطانه ومنى الشاعر برضاه عنه والشفاعة له عنده وتمهيد أسباب عودته إلى أهله وعشيرته، وكان وزير السلطان آنذاك أحمد بن حسن الميمندي الذي أعان قابوس على إنجاح أمر الشاعر لدى السلطان، فعاد بين سنتي 401 ـ 403هـ 1010 ـ 1012م، إلى الأرض التي كانت مهبطه من جنة الغيب ليتم على ظهرها رحلته إلى نهاية كل حي.
وصرح شاعرنا بأن ملحمته بلغت ستين ألف بيت ضمنها ما نظمه الدقيقي ولكن النسخ التي بين أيدينا تتراوح أبياتها بين 39851 و61266 بيتاً ولدي نسختان منها تبلغ أبيات إحداهما 56750 بيتاً والأخرى 60654 بيتاً.
ويبدو أن مساعي الوزير لدى السلطان لم تقف عند الشفاعة للشاعر بل كان يذكره من وقت لآخر بما بذل من جهد وضيّع من عمر ولقي من حرمان حتى لانت عريكة محمود آخر الأمر ودرت سحائب كرمه، فأمر له بصلة كبيرة لم تصل إلى طوس من باب، حتى كان نعشه يغادرها من باب آخر في طريقه إلى مقره الأخير حيث ووري جثمانه في بستان له عام 411 أو 416هـ: 1020، 1025م، بعد أن رفض واعظ طبران دفنه في مقابر المسلمين، فدفن طريداً كما عاش شريداً، وترك لأمته مجداً أدبياً خالداً، تباهي به الأمم، وهي مع هذا تجهل أو تنسى حقيقة اسم مورثها هذا المجد واسم أبيه، ويدعي المتأخرون في كتبهم أن اسمه حسن أو أحمد أو منصور كما يسمون أباه علياً وإسحاق بن شرفشاه وأحمد بن فرخ. ولكن الاسم الذي كلفه حياته الفانية وخطه بيده على صفحة الخلود ولم تقو يد الزمان على محو حرف واحد منه هو: أبو القاسم الفردوسي.
د.أمين عبدالمجيد
الأخلاق الإسلامية في الشاهنامه
وهذا بحث عن (الأخلاق الإسلامية) في ملحمته الكبرى (الشاهنامه) مكتوب بقلم الدكتور حميد فرزام:
ينظر إلى الشاعر الكبير (أبو القاسم الفردوسي) الذي عاش خلال الفترة (329 ـ 411، أو 416هـ) كأبرز شعراء الفارسية في نظم الملاحم الشعرية الحماسية… بل إنه يعتبر من ألمع شعراء الملاحم البطولية والأساطير التراثية والتاريخية على المستوى العالمي.
تميز الفردوسي بنبوغ وكفاءة وموهبة إلهية في نظم الشعر ونسج الخيال الشعري… بل يشار إليه كآية كبرى في فنه، وسيبقى اسمه لامعاً متألقاً في تاريخ الأدب والثقافة في إيران.
حيث إن ملحمته الشعرية (الشاهنامه)، التي لا نظير لها، تتضمن القصص والأساطير الوطنية وتسجيلاً للأحداث التاريخية التي عصفت بإيران منذ بداية الحضارة الإيرانية القديمة، وحتى اضمحلال السلالة الساسانية.
إن ملحمة الفردوسي الشعرية (الشاهنامه) تضم كما هو معروف روائع الأبيات الشعرية التي تسجل الملاحم التاريخية والأدبية العريقة والتقاليد والسنن والعقائد الإيرانية القديمة، أي أنها تتضمن الثقافة القديمة الخالدة للشعب الإيراني خلال قرون متمادية وعهود طويلة… وكذلك فهي تتضمن العديد من الموضوعات والجوانب الأخلاقية والدينية والاجتماعية المليئة بالعبر والدروس التربوية لبني الإنسان. وهذا مما يضاعف من قيمتها المعنوية ويجعلها مورد رضا الناس، ويمكننا اعتبار أقسام لا بأس بها من الملحمة مشبعة بالدروس والحكم الأخلاقية المربية والمفيدة لتهذيب الأخلاق وتنقية الأذهان وتوعية العقول ويقظة الأفكار، ولا سيّما بالنسبة للشباب الذين يجهلون أحداث التاريخ ووقائع الدهر والأيام.
تتميز الموضوعات الأخلاقية الموجودة في (الشاهنامه) بأنها على نوعين:
النوع الأول: تشمل المواعظ والحكم العديدة التي يوردها الفردوسي في بداية ونهاية كل مقطوعة شعرية تسجل الحوادث والوقائع التي تؤول إلى هزيمة السلاطين والفرسان وانقراضهم: وهو بذلك يطبق ما تمليه عليه ميوله الفطرية، ويهدف من ذلك إلى الدعوة إلى الاتعاظ والاعتبار والنصيحة.
النوع الثاني: تشمل المواعظ والحكم والوصايا والنصائح التي يوردها الفردوسي في أشعاره بلسان السلاطين والوزراء والفرسان أبطال الملحمة: مثل مواعظ وإرشادات الأردشير إلى شاهبور، ومواعظ هرمز إلى نجله بهرام، والحديث المشبع بالحكم الذي تبودل بين بوزرجمهر وأنوشيروان، فضلاً عن مواعظ بوزرجمهر نفسه وغيرها.. وهي تعبر عما يكنه الفردوسي في قلبه وأحاسيسه، رغم أنه ينسبها لأبطال ملحمته.
وهكذا فإن الشاعر الفردوسي، عندما يؤكد على مثل هذه الحكم والمواعظ بنوعيها في ملاحمه الشعرية، فإنه يثبت في الواقع تعلقه القلبي بالمبادىء والأسس الأخلاقية… وهي تذكرنا بما قاله الفيلسوف الألماني الشهير (عمانوئيل كانط المتوفى عام 1804م): إن هناك شيئين يأخذان بالروح إلى درجة الإعجاب، وكلما يفكر المرء بهما ويتأمل أكثر فإن إعجابه واحترامه لهما يزداد تبعاً لذلك، الأول: في السماء المليئة بالنجوم التي نراها فوق رؤوسنا ليلاً، والثاني: القانون الأخلاقي الكامن في قلوبنا.
أجل، إن هذا القانون الأخلاقي كان مترسخاً في قلب الفردوسي وممتزجاً مع روحه وفكره إلى حدّ بحيث نراه جلياً وواضحاً في أغلب أشعار الشاهنامه.
قبل الغوص في أعماق هذا الموضوع المهم (الأخلاق الإسلامية في ملحمة الفردوسي الشعرية) لا بدّ أن نلفت الأنظار إلى ملاحظة وهي: أن المواعظ والحكم الواردة في فصول (الشاهنامه)، والتي يعتبرها أرباب البصيرة منبعثة من عقل ومعرفة قائلها، قد تطغى أحياناً على الموضوع الرئيسي للأشعار بحيث يؤدي ذلك بالقارىء أو المستمع إلى الشكّ في الهدف الأصلي للشاعر، هل هو التأكيد على المبادىء الأخلاقية، أم تسجيل الحوادث التاريخية والأساطير القديمة؟!.
إن استشهاد الفردوسي المتكرر في أشعاره بمثل هذه المفاهيم الأخلاقية والإنسانية السامية قد أكسب الشاهنامه) امتيازاً فريداً، قلما نجد مثيله في الملاحم الشعرية لشعراء آخرين، وهي بحد ذاتها: «… فن معرفة العالم»، الذي يقول عنه تولستوي: «بأنه ذو ملاك ثابت ومعتبر، وإن هذا الملاك المتمثل بالمعرفة الدينية والروحانية هو الذي يملي الأفكار والعقائد… وهو من النقاط المشتركة بين كافة أمم الدنيا في جميع الأعصار والأزمان».
إن هذه المعرفة الدينية والروحانية تعتبر في الواقع أساس المكارم الأخلاقية وقاعدتها… ومن الشخصيات التاريخية التي تميزت بمثل هذه الفضائل السامية والأخلاق العالية في القرون المنصرمة والقرن الحالي نذكر: كانط وتولستوي وعدد من علماء التعليم والتربية في أوروبا وأميركا مثل: الدكتور كارل، وأناتول فرانس، واشبينجر، وكيزلينك وجان ديوي.
بالطبع إن مثل هذه الإشارات إلى الفضائل والمكارم الأخلاقية والتأكيد عليها، نراها جلية في الأحاديث والروايات المنقولة عن رسول الإسلام الأكرم محمد(ص)، وكذلك في الآيات القرآنية المباركة… كما جاء في الحديث الشريف: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»… وكذلك في الآية الشريفة… {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} [الجمعة، الآية: 2].
إن القرآن الكريم يؤكد على تزكية النفوس قبل التعليم… حيث إن الهدف الأساسي من بعثة الأنبياء والرسل لا سيّما نبي الإسلام الأكرم(ص)، هو تتميم مكارم الأخلاق وتهذيب النفوس الإنسانية.
ولأن الشاعر الفردوسي كان من الأتباع الحقيقيين للنبي الأكرم(ص) ومن المؤمنين بالإسلام والعارفين بالقرآن والأحاديث الشريفة وبمبادىء الأخلاق الإسلامية، التي يقول عنها علماء الأخلاق إنها ذات منشأ عقلاني، وتستند إلى الإيمان بالمبدأ والمعاد، لذا فإنه اتخذ من الأخلاق الإسلامية والمكارم والفضائل الأخلاقية منطلقاً لعمله، ومطلعاً لأكثر مقطوعاته الشعرية، كما يبدو ذلك في هذه الأبيات الرائعة التي افتتح بها ملحمته الشعرية (الشاهنامه):
بنام خداوند جان وخرد
كزين برتر أنديشه برنكذرد
خداوند نام وخداوند جاي
خداوند روزي ده رهنماي
خداوند كيهان وكردان سپهر
فروزنده ماه وناهيد ومهر
زنام ونشان وكمان برتراست
نكارنده برشده كوهراست
سخن هرجه زين كوهران بكذرد
نيابد بدو راه جان وخرد
شنودن نداندكس أوراچوهست
ميان بندكي ببايدت بست
وهي تعني:
[باسم اتللَّه خالق الحياة والعقل، اللَّه الذي يرزق ويهدي، اللَّه رب الكون، والنور الأعلى، وأعلى من التصور في الخيال، ولا بدّ للإنسان أن يعبد اللَّه لأنه أهل للعبادة].
وفي مكان آخر من الملحمة، وفي إثباته للتوحيد وعبادة الواحد الأحد، ورفضه لاحتجاجات الماديين من أدعياء الحكمة والفلسفة، وبأسلوب بسيط وجريء نراه يقول:
أيا فلسفة دان بسيار كوى
نپويم به راهى كه كويي بپوى
سخن هيچ بهتر زتوحيد نسيت
به ناكفتن وكفتن إيزد يكيست
ترا هرچه برجشم بربكذرد
بكنجد همى در دلت باخرد
چنان دان كه يزدان نيكي دهش
جانست وزين برمكردان منش
توكر سخته أي راه سنجيده پوى
نيابد به بن هركز اين كفتكوى
وهي تعني:
[أيها المتفلسف الثرثار، لن أسلك طريقك الذي توصيني به، لأنه لا عقيدة أفضل من التوحيد، حيث إن اللَّه واحد شئت أم أبيت، إنك تقبل الشيء الذي تراه، وأعلم أن اللَّه هو غير الذي تفكر به أنت، حيث اللَّه الأحد، وأن عقيدة التوحيد هي الأصالة دون غيرها].
يبدو أن الفردوسي كان قد اقتبس تلك المعاني في وصف هذه الزمرة من الناس من القرآن الكريم، حيث جاء في الآية السابعة من سورة الروم: {يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون}.
الشاعر الفردوسي في مطلع ملحمته (الشاهنامه) وبعد حمده للَّه جلّ وعلا، هكذا يقول إن مكانة العقل:
خرد أفسر شهر ياران بود
خرد زبور نامداران بود
خرد زنده جاوداني شناس
خرد مايه زندكاني شناس
أزويى به هردو سرا أرجمند
كسته خرد پاي دارد به بند
هميشه خردرا تو دستور دار
بدو جانت أز ناسزا دور دار
وهي تعني:
[لا بدّ أن يراقب العقل أعمال الملوك والسلاطين، حيث إن العقل زينة الأبرار. أعلم أيها الإنسان أن العقل يعني الخلود في الحياة والعقل هو أصل الحياة، حيث إن منزلة الإنسان في الدارين ترتبط بالعقل فاتخذ من العقل مرشداً في طريقك، لأنه يصونك من الضلال].
بعد ذلك يؤكد الفردوسي على لزوم الانتهاج بنهج النبي(ص) ووصيه علي (عليه السلام) كما يبدو ذلك في هذه الأبيات:
جو خواهي كه بابي زهر بدرها
سراندر نيارى به دام بلا
به كفتار بيغمبرت راه جوى
دل أزتيركيها بدين أب شوى
أكرچشم دارى به ديكر سراى
به ترد نبي ووصي كيرجاى
وهي تعني:
[لو أردت أن تنجو من أي انحراف ولا تقع في البلايا، فاتخذ من كلام الرسول دليلاً لك في الحياة، ولو أردت السعادة في الآخرة فتمسك بالنبي ووصيه المرتضى].
وبهذا المعنى قال الفردوسي، وهو يهجو السلطان محمود الغزنوي:
مرا غمز كردند كان پرسخن
به مهر نبي وعلي شدكهن
أكر مهرشان من حكايت كنم
چو محمود راصد حمايت كنم
وهي تعني:
[أساؤوا القول بشأني، لأني أحب النبي(ص) وعلي (عليه السلام) ولهما مكانة كبيرة في قلبي، وليعلموا أن حبي للنبي(ص) وعلي (عليه السلام) أكثر بمائة مرة من حبي لمحمود].
وفي مكان آخر من الملحمة يؤكد الفردوسي على إيمانه بما جاء في القرآن الكريم حول تكريم الإنسان كخليفة اللَّه في الأرض، كما جاء في الآية المباركة: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة}… [البقرة، الآية: 30].
والآية الأخرى: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً} [الإسراء، الآية: 70].
حيث إن الشاعر الفردوسي جمع هذه المضامين الرائعة في بيتين مليئين بالحكمة والموعظة، وهو يخاطب الإنسان بالقول:
ترااز دوكيتي بر أورده أند
به چندين ميانجي بپرورده أند
نخستين فطرت پسين شمار
تويى خويشتن را ببازي مدار
وهي تعني:
[أنت أيها الإنسان خليط من المادة والروح، وقد سخرت كل إمكانات الدنيا من أجلك، فلا تحط من قيمتك، واعرف قدر نفسك].
ومن هذه النظرة الحكيمة يدعو الشاعر الفردوسي الإنسان إلى تزكية نفسه، وبحثه على التعليم والتفكير، حذره من ادعاء الكمال الذي يعتبره سبباً للخسران حيث يقول:
مياساى أز أمو ختن يكى زمان
زدانش ميفكن دل أندر كمان
چوكويى كه وام خردتو ختم
همه هرچه بايستم أمو ختم
يكى نغز بازى كند روزكار
كه بنشاندت پيش أموزكار
نداني جوكويى كه دانا شدم
چنان دان كه نادان ترين كس ويى
چو كفتار دانتدكان نشنوى…
وهي تعني:
[لا تترك التعلم أبداً حتى للحظة، متى ما ظننت أنك أمسيت عالماً وتعرف كل شيء فهذا هو الجهل بعينه. أعلم أنك لو تركت التعليم والتعلم، ولم تصغ لكلام العلماء والحكماء فإنك أجهل بني الإنسان].
وقد اقتبس الشاعر الفردوسي هذه المعاني مما ورد مراراً في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة فيما يخص الحث على التعلم… وللاختصار فإننا نكتفي بالآية 9 من سورة (الزمر).
{قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب}.
والحديث النبوي الشريف، «اطلبوا العلم ولو بالصين، فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم. وإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يطلب».
ومن الأمراض الخطيرة التي تصيب طالب العلم الغرور والعجب، فإن أصيب طالب العلم بمثل هذه الآفة فسينطبق عليه حديث الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (إعجاب الرجل بنفسه برهان نفسه وعنوان ضعف عقله).
ولأن الفردوسي كان ينظر للإنسان كمظهر للكمال والجمال المطلق، من الناحية المعنوية ومرآة لانعكاس الأنوار الإلهية ولكي لا يتأخر عن نيل السعادة الأبدية، فإن الشاعر يحثه على كسب العلم والمعرفة ويحذره دوماً من الصفات السيئة مثل:
حب الهوى والحرص والطمع والكذب والنفاق والكسل والأسوأ من كل ذلك الظلم…
وعن طريق أشعاره المليئة بالحكم والمواعظ، كان شاعرنا يدعو الإنسان إلى الخوف من العقاب الإلهي وإلى الصبر والعمل الصالح والحسن والاعتدال في الحياة ومجالسة العلماء والعارفين، والابتعاد عن الجهلة، وأخذ العبر والدروس من وقائع الحياة، فضلاً عن الكثير من الصفات الإنسانية الأصيلة…
وهكذا فإن ملحمة (الشاهنامه)، فضلاً عن احتوائها على الأشعار الحماسية والقتالية وسرد الملاحم البطولية والأسطورية وتسجيلها للوقائع التاريخية، فإنها كما قلنا آنفاً تعتبر خزاناً نفيساً من الدرر والمجوهرات الثمينة والحكم والمواعظ المشبعة بالأخلاق والخصال الحسنة… وسنشير أدناه إلى نماذج من الأبيات الشعرية التي جاءت في الشاهنامه بشأن الخصال الأخلاقية التي ذكرناها آنفاً وهي:
الهوى:
يقول الفردوسي:
أكر چيره كردد هو برخرد
خرد مندت أزمردمان نشمرد
أكر برخورد چيره كردد هوا
نيابد زجنكه هواكس رها
خردمند كاردهوا رابزير
بود داستانش چوشير دلبر…
وهي تعني:
[لو تغلب الهوى عليك، فإن العقلاء لن يعاملوك كإنسان. ولا يمكن لأي أحد أن يفر من وساوس الأهواء… ومن يتغلب على هواه فهو كالأسد المغوار].
وكما يقول الرسول الأكرم(ص):
«أشجع الناس من غلب هواه». ويقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «لا يجتمع العقل والهوى».
وقبل كل هذا، جاء في القرآن الكريم:
{ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} [القصص، الآية: 50].
{ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} [ص، الآية: 26].
{وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى} {فإن الجنة هي المأوى} [النازعات، الآيتان: 40 و41].
الحرص والطمع:
يقول الفردوسي:
پرستنده أزوجوياى كبن
به كيتي زكس نشنود أفرين
چو داني كه برتو نماند چهان
چه رانجاني أز أزجان وروان؟
بخور أنچه دارى وبيستى مجوى
كه أز أزكاهد همى أبروى…
وهي تعني:
[لا يحترم أي شخص في الدنيا الحريص والطماع. ما دمت تعرف أن الدنيا غير باقية، إذن لم تعذب بدنك وروحك بالطمع والحرص عليها. اكتف بما عندك ولا تحاول الاستزادة منها، لأن الحرص والطمع يقضيان على سمعة الإنسان].
ويقول الرسول الأكرم(ص):
«يهرم ابن آدم ويشب منه اثنان: الحرص على المال والحرص على العمر» كما جاء الحديث نفسه بصورة أخرى:
«يشيب ابن آدم وتشب فيه خصلتان: الحرص وطول الأمل».
ويقول الإمام علي (عليه السلام):
(الحرص لا يزيد في الرزق ولكن يذل القدر).
الكذب والنفاق:
يقول الشاعر الفردوسي:
زبان چرب كوبا ودل بر دروغ
برمرد دانا نكيرد فروغ
كسى كوتبابد سر أز راستى
كزى كيردش كاروهم كاستى
رخ مرد راتيره دارد دروغ
بلنديش هركز نكيرد فروغ
وهي تعني:
[الكلام المعسول والمزين والنفاق والكذب لا شأن له أمام أنظار العقلاء. ومن يتخل عن عمل الخير فإنه سينحرف ويضل عن السواء. الكذب يسود وجه الإنسان ويحول دون سموه].
وبهذا الشأن يقول الرسول محمد(ص):
«أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان».
ويقول الإمام علي (عليه السلام) أيضاً:
(إياك والنفاق فإن ذا الوجهين لا يكون وجيهاً عند اللَّه).
(أقبح الخلائق الكذب).
وفي بيت شعري رائع آخر يقول الفردوسي:
چو كاهل بود مرد برنابكار.
أزوسير كردد دل روزكار…
وهي تعني:
[لو تقاعس الإنسان في عمله، فإن الدنيا ستشبع من وجوده].
الكسل:
يقول الشاعر الفردوسي:
لن أساني أزكاهلي دوركن
بكوش وزرنج تنت سوركن
كه أندرجهان سود بى رنج نيست
كسى راكه كاهل بودكنج نيست
به رنج أندراست أي خرد مند كنج
نبايد كسى كنج نابرده رنج
وهي تعني:
[تخل عن الكسل، واسع وأبذل جهدك حتى تقطف ثمار عملك. ففي هذه الدنيا لا ثمار بلا تعب. فالكنز يكمن في السعي وبذل الجهد، وبدونه لا ينال الإنسان ذلك الكنز].
الآيتان المباركتان 40 و41 من سورة النجم تتضمنان المعنى ذاته: {وأن سعيه سوف يرى} {ثم يجزاه الجزاء الأوفى}.
كما ورد عن الرسول القائد(ص):
«اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل…».
الظلم والجور:
يقول الشاعر الفردوسي عن لسان أنو شيروان:
چنين كفت نو شيروان قباد
كه چون شاه راسر به بيچد زداد
كند چرخ منشور أو راسياه
ستاره نخواند أورا نيزشاه
ستم، نامه عزل شاهان بود
چو دود دل بيكناهان بود…
وهي تعني:
[هكذا قال أنو شيروان، لو أن الملك ظلم الناس وهجر العدل فإنه سيخسر في الدنيا. فإن الظلم يعني بداية زوال الجبابرة والملوك].
وقد أشارت الآيات المباركة إلى الظلم في مواضع كثيرة:
{إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً} {إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً وكان ذلك على الله يسيراً} [النساء، الآيتان: 168 و169].
كما جاء في الحديث النبوي الشريف:
«الظلم ظلمات يوم القيامة».
وروي عن الإمام علي (عليه السلام):
(لا تظلم كما لا تحب أن تظلم).
ويقول الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) في وصية لابنه الإمام محمد الباقر (عليه السلام):
«إياك والظلم لمن لا ناصر له عليك إلا اللَّه».
عدم إلحاق الأذى بالغير.
يقول الفردوسي بهذا الشأن:
ميازار مورى كه دانه كش است
كه جان دادوجان شيرين خوش است
سياه اندرون باشد وسنكدل
كه خواهدكه مورى شود تنكدل
نبزد كهان ونبزد مهان
به أزار مورى نيرزد جهان…
وهي تعني:
[لا تؤذ النملة التي تحمل حياتها، لأنها حية وتحب حياتها. من يؤذي نملة، فإنه أسود القلب وشديد القسوة. الكبار والصغار يعتقدون أن الدنيا لا تستحق أن نؤذي الآخرين فيها].
وفي هذا العصر الذي أطلقوا عليه عصر الذرة والسيطرة على الفضاء، نشهد أن المجتمعات قد تخلت عن الكمالات المعنوية والصفات الإنسانية الأصيلة، مما أدى إلى نشوب الحروب وسفك الدماء وظلم الناس وإلحاق الأذى بالضعفاء منهم، بل إن الظلم، والإرهاب، والقتل ساد في عالم اليوم. وبهذا المعنى جاء في الآية 58 من سورة الأحزاب:
{والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً}.
ويقول الرسول الأكرم(ص):
«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».
الجزاء والثواب:
يقول الشاعر الفردوسي:
توزين كرده فرجام كيفر برى
زتخمى كجاكشته يى برخورى
كنون روز بادافره ايزديست
مكافات بدرا زايزد بديست
مكن بدكه بينى بفرجام بد
زبد كردد اندرجهان نام بد…
هرانكه كه أمد به بد دسترس
زيزدان بترس ومكن بدبه كس…
چو نيكي كنى نيكى أيد برت
بدى رابدى باشد اندرخورت
وهي تعني:
[لو قمت بعمل سيىء في الدنيا، فإن حسابك يكون في الآخرة. وستجني هناك ثمار ما زرعته في الدنيا.
تذكر اللَّه وأخشَ منه متى عزمت على عمل السوء أو حدثت نفسك بذلك.
إن أحسنت فإنك ستلقى الثواب.
وإن أسأت فإنك ستلقى العقاب].
وقد جاء في القرآن الكريم:
{يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم} {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره} {ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} [الزلزلة، الآيتان: 6 ـ 7].
العدل:
يقول الشاعر الفردوسي:
أكر داد ده باشى أى نامجوى
شوى برهمه أرزو كامجوى
زخود داد داد دادن بهرنيك وبد
به از هرچه كويى بنزد خرد
وهي تعني:
[لو كنت عادلاً أيها الباحث عن الشهرة، ستحقق ما تصبو إليه من آمال، التزم العدالة في العمل سواء خيراً أم شراً].
وقد جاء في الآية 8 من سورة المائدة:
{ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون}.
كما يقول الإمام علي (عليه السلام):
«أنصف الناس من نفسك وأهلك وخاصتك، ومن لك فيه هوى، واعدل في العدو والصديق».
البر والإحسان:
يقول الشاعر الفردوسي:
ءتوتا زنده يى سوى نكى كراى
مكر كام يابى به ديكر سراى
درازست دست فلك بر بدى
همه نيكو يى كن اكر يخر دى
كه نيكيست اندرجهان يا دكار
نماز بكسى جاودان روزكار
وهي تعني:
[ما دمت حياً، فإن عليك أن تعمل الخير، حتى تفوز في الآخرة. اعمل الخير في الدنيا لأن عقاب الأعمال السيئة تلقاه سريعاً في الدنيا. الخير والإحسان هما اللذان يبقيان في الدنيا].
وقد جاء في القرآن الكريم إشارات عديدة إلى عمل الخير والبر والإحسان منها الآية 90 من سورة النحل: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى}… وكذلك في الآية السابعة من سورة الإسراء: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها}.
يقول الإمام علي (عليه السلام):
(لا فضيلة أجلّ من الإحسان).
الحلم والصبر:
يقول الشاعر الفردوسي:
سرد برد باران نيايد به خشم
زنا بودنيها بتابند جشم
وكر برد بارى زخد بكذرد
دولار كمانى به سستى برد
وهي تعني:
[الصابرون لا يغضبون أبداً، ويبتعدون عن الأعمال المحطمة، ويحذرون من الوقوع في التهلكة.. ولكن الصبر لو زاد عن حدّه فإنه سيؤدي إلى الكسل والضعف].
وكما يلاحظ فإن الشاعر الفردوسي لا يقبل بالحلم والصبر الذي يزيد عن حدّه، ويضمر فيه الضعف والانحلال.
وهناك حديث نبوي شريف بهذا المعنى: «خير الأمور أوسطها».
وكذلك: «أوتيت جوامع الكلم»… وهذا الحديث يتميز بالعمومية والإطلاق، وهو يدل على الاعتدال في جميع الصفات الإنسانية.
وكذلك يقول الرسول(ص):
«اللهم أغنني بالعلم وزيّني بالحلم».
«الحلم سيد في الدنيا وسيد في الآخرة».
كما يقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام):
«الحلم يطفىء نار الغضب».
الاعتدال في الإنفاق:
يقول الشاعر الفردوسي:
هزين مكن سيمت ازبهرلاف
به بيهوده مپراكن اندر كزاف
ميانه كزينى بمانى بجاى
خردمند خواند ترا ياك راى
وهي تعني:
[لا تسرف في إنفاق الأموال عبثاً أو للتظاهر: إذا التزمت الاعتدال في الإنفاق فإنك ستستمر في حياتك سعيداً، والعقلاء يؤيدون مثل هذا العمل].
كما قال الرسول الأكرم(ص) بهذا الشأن:
«الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة».
والآية المباركة 29 من سورة الإسراء فيها تعليمات خالدة إلى كافة بني البشر للالتزام بالاعتدال في الإنفاق على مرّ العصور والأزمان:
{ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً}.
الابتعاد عن الجاهلين ومجالسة العقلاء:
يقول الفردوسي:
زنادان نيابي جزاز بدترى
نكر سوى بى دانشان ننكرى
زنادان بنالد دل سنكد كوه
ازيرا ندارد بركس شكوه
نداند از اغاز انجام را
نه از ننكد داند همى نام را…
وهي تعني:
[إن جالست الجاهل فيسبب لك المتاعب، وعليك أن تحذر من مجالسة الجاهلين، فإن الصخور تئن من الجهلة، لأن الجاهل لا يعير أهمية لعاقبة أعماله، ولا يفرق بين العز والذل].
حيث إن الجاهل يغفل العزّ والذلّ ويجهل الفضائل، وكما يقول الإمام علي (عليه السلام): «الجهل بالفضائل من أقبح الرذائل»، وهو سلام اللَّه عليه حذر الإنسان مراراً من مجالسة الجاهل: (احذر مجالسة الجاهل كما تأمن مصاحبة العاقل)… ويقول الرسول الأكرم(ص): «إياك ومصاحبة الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك».
وحول لزوم مجالسة العقلاء يقول الشاعر الفردوسي:
دكر باخردمند مردم تشبن
كه نادان نباشد برائين ودين
كه دانا تورا دشمن جان بود
به از دوست مردى كه نادان بود
وهي تعني:
[التزم مجالسة العقلاء، لأن الجاهل لا إيمان له… حيث إن العدو العاقل أفضل من الصديق الجاهل].
الاتعاظ وأخذ العبرة:
يقول الفردوسي:
زمين كركشاده كند راز خويش
نمايد سرانجام واغاز خويش
كنارش پراز تاجداران بود
برش پرز سواران بود
پراز مرد دانا بود دامنش
پراز ماهرخ جيب پيرا هنش
چه افسر نهى برسرت برچه تركه
بروبكذرد چنكه ودندان مركه
وهي تعني:
[لو فصحت الأرض عن أسرارها ومكامنها، فإنها ستخرج من جوفها السلاطين ودماء الفرسان والعلماء وذوي الوجوه المنعمة… إذن مهما يكن فإن العاقبة هي الموت].
ويقول في مكان آخر:
كجا ان سروتاج شاهنشاهان
كجا ان دلاور كرامى مهان؟
كجا أن حكيمان ودانندكان
همان رنج بردار خونندكان؟…
كجا انكه دركوه بودشن كنام
بريده زارام وزنام وكام؟
كجا انكه سودى سرش رابه ابر
كجا انكه بودى شكارس هزبر؟
همه فاك دارند بالين وخشت
ضنك انكه جز تخم نيكى نكشت
زخاكيم بأيدشدن سوى خاك
همه جاى ترسى است وتيمار وباك
جهان سربسر حكمت وعبرت است
جرا بهره ما همه غفلت است؟
وهي تعني:
[أين التيجان والملوك، أين الأبطال والفرسان، أين العلماء والحكماء، أين المتكبرين والشجعان؟… لقد ماتوا جميعاً وتوسدوا التراب، لم يفز بها سوى المحسنين… نحن من التراب، ولا بدّ أن نعود إلى التراب… فالعالم مليء بالحكم والعبر، لماذا إذن نغط في الغفلة؟].
وقد جاء في القرآن الكريم بهذا الشأن:
{فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر، الآية: 2].
{أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} [النساء، الآية: 78].
{قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل} [الروم، الآية: 42].
وهناك قول مأثور عن الإمام علي (عليه السلام):
(ما أكثر العبر وأقل الاعتبار).
الفردوسي في مكان آخر من الملحمة يذكر بيتاً رائعاً مليئاً بالعبر والدروس:
چنينست كيهان ناپايدار
تو دروى بجز تخم نيكى مكار
وهو يعني:
[ما دام الكون لا ولن يبقى إلى الأبد، فلا تزرع سوى بذور الخير في هذا الدنيا].
يبدو أننا أسهبنا في الحديث نوعاً ما، لأننا لو أردنا الإشارة إلى جميع المواعظ والحكم والأبيات الشعرية الأخلاقية والمشبعة بالعبر والدروس التي نظمها حكيم طوس، والتي يتجاوز عددها مئات الأبيات وعلقنا عليها بالأسلوب الذي اتبعناه آنفاً، فإننا سنكون بحاجة إلى صفحات أكثر من صفحات (الشاهنامه) نفسها!!.
لكن وتطبيقاً لقاعدة: ما لا يدرك كله لا يترك جلّه… فقد اكتفينا بهذه المعاني السامية. وبدورنا ندعو المحققين والأدباء إلى مطالعة (الشاهنامه)، أو ملخصها الذي أعدّ قبل عدة سنوات والغور في أعماقها… وحقاً إن من لا يقرأ (الشاهنامه) بدقة لا يمكنه أن يقدر عظمة ومكانة الشاعر الكبير الفردوسي في الأدب الفارسي، بالأخص الجانب الأخلاقي في الملحمة الذي أشرنا إليه آنفاً.
وفي مثل عالمنا المضطرب الذي تغلب عليه (الحضارة المادية) على حساب الجوانب المعنوية، واتكاء المجتمعات الإنسانية على الأنانية وحب النفس والاستسلام للأهواء الحيوانية والميول النفسية المنحرفة فضلاً عن شيوع الكذب والظلم ومفاسد الحروب وسفك الدماء… وفي المقابل خفوت بريق الصفات الحسنة الهادفة إلى تهذيب النفوس وإشاعة الفضائل الأخلاقية. نقول في مثل هذه الظروف، فإن وجود هذه الأبيات الشعرية المليئة بالقيم والفضائل الأخلاقية والإنسانية السامية يمثل بارقة أمل وهداية تضيء الدروب أمام البشرية… وكما يقول عالم التربية الأميركي المعاصر (جان ديوي): «يتميز كل فرد من أفراد البشر بامتلاكه لقوى ذاتية وكفاءات خاصة، بحيث إنه متى ما ربى هذه الكفاءات والقوى ونماها بشكل سليم فإنها ستعينه في هذا العالم المضطرب والشاق. لذا فإن المهمة الرئيسية التي ينبغي أن يلتزم بها علماء التربية والتعليم هي تربية هذه القوى والكفاءات وتنميتها وتبديلها إلى عادات إخلاقية ثابتة».
في ختام هذه الدراسة، يلزمنا أن نشير إلى أن الفردوسي كان رجلاً وطنياً غيوراً محباً لوطنه إلى أبعد حدّ، وأميناً في النقل…
وتبدو هذه الخصال جلية في عدد من الأبيات الشعرية الواردة في الشاهنامه، مثل البيت الآتي الذي اقتبس معناه من الحديث الشريف:
(حب الوطن من الإيمان):
دريغ است إيران كه ويران شود
كنام پلنكام وشيران شود
وهو يعني:
[أسفاً أن تدمر إيران، وأن تكون وطناً للوحوش الكاسرة].
والبيت الآخر الذي يدل على ما بلغه الشاعر الفردوسي من عزة النفس والرجولة، وهو مقتبس أيضاً من قول مأثور عن سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام): (إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برماً)، حيث يقول:
مرا مركه بهترازاين زندكى
كه سالار باشم كنم بندكى…
وهو يعني:
[الموت لي أفضل من الحياة التي أكون فيها عبداً رغم كوني زعيماً].
والنقطة الأخرى التي وددت إثارتها هنا هي أنه أثناء مطالعتي للشاهنامه لفت نظري ملاحظات مهمة عدة لا بأس من لإشارة إليها وهي:
الملاحظة الأولى:
إن الفردوسي عندما يريد أن يذكر النساء أو يشير إليهن في أشعاره فإنه يعبر عنهن بشكل مناسب محترم جداً، مستلهماً ذلك من غيرته ورجولته ومن القيم والتعاليم الإسلامية الأصيلة التي يؤمن بها، والتي تعلمها من الآيات القرآنية العديدة الواردة في هذا المجال مثل هذه الآية المباركة:
{وإذا سألتموهن متاعاً فسْألوهن من وراء حجاب} [الأحزاب، الآية: 53].
ويتضح ذلك في العديد من الأبيات الشعرية، ومنها هذان البيتان التي يصف فيها إحدى شخصيات قصص الملحمة وتدعى (منيزة) حيث يقول:
به پرده درون رفت بوشيده روى
بجوشيد مهرش بيوشيد موى
وهو يعني:
[دخلت إلى المحفل وهي محجبة، تغطي شعرها ووجهها].
ويقول بلسان حالها:
منيزة منم دخلت افراسياب
برهنه نديدي مرا آفتاب…
وهو يعني:
[أنا منيزة بنت افراسياب، حتى الشمس لم ترني بغير حجاب].
الملاحظة الثانية:
إن الفردوسي مع ما كان يكنه للمرأة من احترام وتكريم ويصفها بالالتزام والحجاب ويدعوها إلى ذلك، إلا أنه كغيره من البشر كان محباً للمرأة وداعياً إلى لزوم الاقتران الشرعي بها والتمتع بلذائذ الحياة وطيباتها، وهو بذلك يجسد معاني الآيتين المباركتين:
…{كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 57].
{قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} [الأعراف، الآية: 32].
وكذلك الحديث النبوي الشريف:
«خيركم من لم يترك آخرته لدنياه، ولا دنياه لآخرته، ولم يكن كلا على الناس»… حيث يقول الشاعر الفردوسي:
اكرشاه ديدم وكرزير دست
وكرياك دل مرد يزدان پرست
چنان دان كه چاره نباشد زجفت
زيوشيدن وخورد وجاي نهفت
بويزه كه باشد به بالا بلند
فروهشته تاباى مشكين كمند
خردمند وبادانش وراى وشرم
سخن كفتن خوب وا واى نرم
چوزن خوبرو باشد وپارسا
مدا ورا جهان كسى شناسد بها
وهي تعني:
[مهما تملك من منصب اجتماعي في الحياة، وسواء كنت سلطاناً أو عبداً… فلا خيار أمامك سوى الزواج، وتناول الطعام والتزام النوم وارتداء الملابس…
لو اخترت زوجة مؤمنة وجميلة، فهل تعرف مثيلاً لها في العالم؟…].
وفي بيت آخر يضمنه ما جاء في الحديث الشريف: (من تزوج فقد استكمل نصف الإيمان، فليتق اللَّه في النصف الباقي) يقول:
چه كهتر چه مهتر چو شد جفت جوى
سوى دين وآيين نهاده است روى
وهو يعني:
[من يعزم على الزواج، فإنه في الواقع يريد العمل بدينه وإكمال إيمانه].
ويدعو في مكان آخر إلى عدم حمل هموم الدنيا وغمومها حيث يقول:
نبينى كه كيتى پراز خواسته است
جهانى نجوبى بياراسته است
كمى نيست در بختش دادكر
همى شادى آراى وانده نخور
از وتو بجز شادماني مجوى
بباغ جهان بركه انده مبوى
بپوش وبپاش ونبوش وبخور
ترا بهره اينست ازاين رهكذر…
وهي تعني:
[انظر كيف خلق اللَّه الدنيا جميلة وكاملة، وعطاء اللَّه ليس محدوداً أو ناقصاً… إذن اخرج إلى الدنيا ولا تحمل الغم… لا تطلب من اللَّه سوى الخير والبر، ولا تحزن ولا تكن مغموماً من أجل الدنيا… إذن كل واشرب والبس، لأن لا ثمار غيرها في هذه الدنيا].
والملاحظة الثالثة:
إن الفردوسي في عنفوان شبابه لم يكن بحاجة إلى أحد، وكان مكتفياً ذاتياً… إلا أنه أنفق كل ما كان يملك من مال في نظم ملحمته الرائعة (الشاهنامه)، ونتيجة لوشاية الحساد والمغرضين، فقد أساء إليه السلطان محمود الغزنوي، مما أدى به آخر أيامه إلى أن يعاني من العوز والفقر المادي الشديد، وقد أشار إلى ذلك مراراً في أبيات شعرية، نظمها بهذا الشأن، وفيها يشكو من الدهر وتقلب الأيام ونوائب الزمان التي لا ترحم أبداً… إلا أنه رغم ما عاناه وتحمله من صعاب، فقد كان يسلم أمره إلى اللَّه، مستلهماً معاني التوكل على اللَّه والتسليم له من الآية المباركة:
{إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} [يس، الآية: 82].
وبهذا الشأن نورد الأبيات الآتية المتضمنة للمعاني الآنفة الذكر:
إلا أى بر أورده چرخ بلند
چه دارى به پيرى مرا مستمند
چون بودم جوان برترم داشتى
به پيردى مرا خوار بكذا شتى
چنين داد پاسخ سپهر بلند
كه اي مرد كونيده بي كزند
چرابينى ازمن همى نيك وبد
چنين ناله از دانشت كى سزد؟!
توازمن به هر باره يى برترى
روان را به دانش همى يرورى…
از أن جوى راهت كه راه افريد
شب وروز وخورشيد وماه افريد
چو كويد بياش انجه كويد بدست
كسى كوجز اين داند اوبيهدست
به يزدان كراى وبه يزدان پناه
براندازه زو هرچه خواهى بخواه
وهذه الأبيات تعني:
[يا دنيا… لِمَ كنت سعيداً في حياتي حينما كنت شاباً، وخارت قواي في كهولتي…
أجابته الدنيا، لِمَ تنسب الجيد والسيىء لي، وهذا بعيد عن عقلك وحكمتك… لا بدّ أن تأخذ معالم الطريق من خالق الكون والشمس والقمر والليل والنهار… لأن اللَّه إن أراد شيئاً فإنه يقول له كن فيكون..
ولو أعتقد الإنسان بغير ذلك، فإنه يفكر عبثاً، فاستعن باللَّه وتوسل به، ولا تطلب أدنى شيء من سواه].
وهكذا نرى أن هذا الإنسان المؤمن باللَّه وبمشيئته، والمتوكل عليه والمستعين به، قد اقتدى في حياته بمولاه علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي يقول في «دعاء كميل»: «اللهم اجعلني بقسمك راضياً قانعاً، وفي جميع الأحوال متواضعاً». ونختم جولتنا بهذه الأبيات الشعرية الرائعة المليئة بالحكم والمواعظ والعبر التي اقتبسناها من ملحمة الفردوسي الشعرية (الشاهنامه)…
بياتا جهان رأبه بد نسپريم
به كوشنس همه دست نيكى بريم
نباشد همى نيك وبد بايدار
همان به كه نيكى بود يادكار
همان كنج دنيار وكاخ بلند
نخواهد بدن مرترا سودمند
به نيكى كراي وميازار كسى
ره رستكاري هيمن است وبس
وهذه الأبيات تعني:
تعال لكي لا نودع الدنيا بالسيئات من الأعمال،
ولنسع معاً لتأدية الأعمال الصالحة،
لأن العمل الصالح والسيىء لا يدومان،
إذن لنترك من بعدنا الصالح من الأعمال،
فالكنوز والقصور لا نجني منها أي ربح،
إذن فلا بدّ أن تعمل صالحاً ولا تؤذي أحداً
وهذا هو طريق الفلاح الأوحد…
ملاحم أخرى
ومن الملاحم الحماسية التي حذت حذو الشاهنامه:
«گرشاسب نامه»: للشاعر أبي نصر علي بن أحمد الأسدي الطوسي (465هـ: 1072م)، أكبر شعراء الملاحم الحماسية بعد الفردوسي. وموضوع هذه الشاهنامه هو سيرة گشتاسب البطل المعروف في الأفستا. ويتراوح عدد أبياتها في نسخها المختلفة ما بين سبعة آلاف بيت وأحد عشر ألف بيت منظومة في البحر المتقارب المثمن المقصور. ويبدو أن الأسدي بدأها سنة 456هـ: 1063م، وأتمها سنة 458هـ: 1065م.
«بهمن نامه»: تنتمي هذه المنظومة إلى أواخر القرن الخامس الهجري وأوائل القرن السادس. وقد نظمها الشاعر إيرانشاه بن أبي الخير في وصف حروب «بهمن» مع أبطال سيستان وبخاصة «آذر برزين بن فرامرز». ويصل عدد أبيات هذه المنظومة إلى عشرة آلاف بيت.
«كوش نامه»: منظومة في سيرة «كوش پيل دندن» من أحفاد الضحاك. ومن المعتقد أن ناظمها هو إيرانشاه ناظم بهمن نامه.
«بانوگشسب نامه»: تنتمي هذه المنظومة إلى القرن الخامس الهجري، وهي في وصف بطولات بانوگشسب ابنة البطل رستم، وناظمها غير معروف وهذه المنظومة عبرة عن مثنوية صغيرة بدون مقدمة، وتقع في تسعمائة بيت، وتشتمل على أربع حكايات. وتوجد منها نسخة خطية في مكتبة باريس، ونسخة أخرى في المتحف البريطاني.
«بروز نامه»: قصة طويلة بروز بن سهراب بن رستم. وتنسب إلى الشاعر «عطائي بن يعقوب» المعروف بالعطائي الرازي المتوفى سنة 471هـ. وتوجد منها نسختان ناقصتان بالمكتبة الأهلية بباريس، مسجلتان في فهرست «بلوشيه» تحت رقم 1189، 1190. وتقع النسخة تحت رقم 1198 في حدود ثمانية وثلاثين ألف بيت.
«شهريار نامه»: منظومة في سيرة شهريار بن بروز بن سهراب بن رستم للشاعر سراج الدين عثمان بن محمد المختاري الغزنوي «م544 أو 554هـ». وكان من الشعراء الكبار في أواخر القرن الخامس الهجري وأوائل القرن السادس. ومن معاصري السلطان إبراهيم بن مسعود الغزنوي (451 ـ 492هـ/ 1059 ـ 1098م)، ومسعود بن إبراهيم (492 ـ 608هـ/ 1099 ـ 1114م) وقد نظم هذه القصة امتثالاً لرغبة مسعود.
«جهانگير نامه»: منظومة في قصة جهانگير بن رستم، لشاعر غير معروف، اسمه «قاسم» ويتخلص بلقب «مادح». وتوجد من هذه المنظومة نسخة في المكتبة الأهلية بباريس عدد أبياتها يبلغ ستة آلاف وثلاثمائة بيت.
«سام نامه»: تنتمي هذه المنظومة إلى أواخر القرن السابع الهجري وأوائل القرن الثامن، وهي للشاعر «خاجوي كرماني» (763هـ 1361م)، وكان معاصراً للسلطان أبي سعيد بهادر خان (716 ـ 736هـ/ 1316 ـ 1335م). وتوجد من هذه المنظومة نسخ متعددة في مكتبات إيران ولندن وباريس، ونسخة مطبوعة في بمباي في مجلدين، مجموع أبياتها أربعة عشر ألف بيت وخمسمائة.
أما الملاحم التاريخية التي تنتمي إلى المرحلة الثانية، والتي أخذت في الظهور منذ أواخر القرن السادس الهجري، فمنها مجموعة تحمل اسم الإسكندر، ومجموعة أخرى من الملاحم التاريخية.
وكان الفردوسي قد تعرض لقصة الإسكندر في الشاهنامه، فاقتفى أثره الشاعر النظامي الگنجوي المتوفى في أوائل القرن السابع الهجري، ونظم منظومته:
«إسكندر نامه»: وهي مثنوية تشتمل على عشرة آلاف وخمسمائة بيت في بحر المتقارب المثمن المقصور، وتقع في مجلدين:
الأول: ويسمى «شرفنامه» وقد تحدث فيه النظامي عن الإسكندر كبطل فاتح.
والثاني: ويسمى «إقبالنامه»، كما يسمى «خردنامه» وتحدث فيه عن الإسكندر كحكيم ونبي.
وقد ظهرت بعد النظامي عدة منظومات في سيرة الإسكندر، لعل من أهمها:
«أبينه سكندري»: للشاعر خسرو الدهلوي المتوفى في دهلي حوالي سنة 725هـ: 1324م. وقد نظم هذه المنظومة باسم علاء الدين محمد شاه من سلاطين الهند.
«خردامه اسكندري»: للشاعر نور الدين عبدالرحمن الجامي (هـ = 898هـ = 1492م).
«اسكندر نامه»: للشاعر بدر الدين الكشميري، من شعراء القرن العاشر في الهند.
وجميع هذه المنظومات مثنويات في بحر المتقارب، أي أنها في نفس وزن الشاهنامه.
أما الملاحم التاريخية التي تنتمي إلى هذه المرحلة، فمنها:
«شاهنشاه نامه»: للشاعر پاييزي، وموضوعها شرح فتوحات السلطان علاء الدين محمد خوارزمشاه (596 ـ 617هـ/ 1199 ـ 1220م).
«ظفر نامه»: لحمد اللَّه المستوفي القزويني المتوفى سنة 750هـ 1349م، وموضوعها تاريخ إيران منذ الإسلام حتى أواسط القرن الثامن الهجري، وتقع في خمسة وسبعين ألف بيت في بحر المتقارب. وتعتبر هذه المنظومة تتمة لشاهنامة الفردوسي.
«شاهنشاه نامه»: للشاعر أحمد التبريزي من شعراء القرن الثامن الهجري، ومن معاصري السلطان أبي سعيد بهادر خان المغولي. وهذه المنظومة في تاريخ جنگيز خان وخلفائه حتى سنة 738هـ: 1337م.
ثم يتتابع بعد ذلك ظهور عدد من المنظومات التاريخية، من أهمها:
منظومات شاعر القرن العاشر الهجري «قاسمي گنابادي» الثلاث، وهي: «شاهرخ نامه»، «شهنامه ماضي»، و«شهنامه نواب عالي».
«فتحنامه عباس نامدار»: لشاعر العصر الصفوي: «صادق أفشار المتخلص بصادقي، وتشتمل على أحداث إيران منذ جلوس الشاه إسماعيل الثاني حتى أواخر عهد الشاه عباس الكبير.
«شاهنامه نادري»: للشاعر نظام الدين عشرت السيالكوتي، وموضوعها حملة نادرشاه في بلاد الهند وفتحها سنة 1151 ـ 1152هـ.
«شهنشاه نامه»: لفتح علي خان الكاشاني (م1238هـ: 1822م) من كبار شعراء العصر القاجاري، وتشتمل على أربعين ألف بيت، وقد طبعت في بمباي.
والنوع الأخير من الملاحم هو مجموعة الملاحم المذهبية الشيعية التي ظهرت في المرحلة الثالثة. وتستند قصص بعض هذه المنظومات إلى حقائق تاريخية، والبعض الآخر خرافي محِض، بعيد عن الحقائق التاريخية تماماً. ومن هذا النوع:
«خاوران نامه»: لمولانا محمد بن حسام الدين المشهور بابن حسام، من شعراء القرن التاسع الهجري (م875هـ: 1471م). وموضوع هذه المنظومة هو بطولة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وحملاته برفقة مالك الأشتر وأبي محجن على أرض خاوران، وحروبهم ضد ملكها قباد وغيره من الأمراء والجن والسحرة.
«صاحبقران نامه»: عن قصة سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب. وناظم هذه الملحمة غير معروف، وإن كان تاريخ نظمها يرجع إلى سنة 1073هـ: 1662م.
«حملة حيدري»: للشاعر ميرزا محمد رفيع باذل المتوفى في الهند سنة 1124هـ: 1712م وموضوعها يتعلق بحياة محمد بن عبداللَّه(ص)، وعلي بن أبي طالب (عليه السلام).
«كتاب حمله»: للشاعر راجي من شعراء القرن الثالث عشر الهجري. وموضوعها هو نفس موضوع حملة حيدري. وقد طبعت هذه المنظومة في إيران مرتين: الأولى سنة 1264هـ ش، والثانية سنة 1270هـ ش. وعدد أبياتها حوالي ثلاثة آلاف بيت.
«خداوند نامه»: لفتح علي خان صبا ملك الشعراء.
«أرديبهشت نامه»: للشاعر سروش الأصفهاني المتوفى سنة 1285هـ: 1868م.
الشجرة الإلهية
لرفيع الدين الطباطبائي المشهور بالميرزا رفيعا النائيني المولود سنة 998هـ في زواره (إيران) والمتوفى في الخامسة والثمانين من عمره والمدفون في أصفهان.
رسالة باللغة الفارسية تحتوي على بحوث عميقة كتبت بأسلوب عميق وصعب نسبياً في المسائل العقيدية الشيعية، ومن وجهة النظر الكلامية والفلسفية. ويلاحظ خلال البحوث الفلسفية والكلامية لهذا الكتاب بحوث في التفسير. ومن الميزات المهمة لهذه الرسالة اشتمالها على أسئلة وشبهات يمكن أن يطرحها العدو والصديق تليها أجوبة دقيقة وعميقة لهذه التساؤلات. كتبت هذه الرسالة باسم الشاه صفي (شاه سليمان الصفوي) وكان الفراغ منها في التاسع من ربيع الأول عام 1047هـ وقد جاء في مقدمتها: «بسم اللَّه الرحمن الرحيم، الحمد للَّه رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله أجمعين». وجاء في سبب تأليفها بقلم المؤلف: «… أما بعد، لما كان أعظم نعمة يختص بها الإنسان هي العلوم الدينية والمعارف اليقينية التي هي السبيل إلى نيل النجاة والفلاح في النشأتين وذلك بتعلمها وتعليمها، وتكون السبيل إلى الخسران العظيم والعقاب الأليم بتضييعها وكتمانها، من هنا كتب في ذلك العبد القليل البضاعة الكثير المعاصي محمد حيدر الملقب برفيع الدين الحسيني الطباطبائي، بأسلوب ينتفع به المبتدىء والمتقدم في الدراسة. وقد أسميت هذه الرسالة بالشجرة الإلهية، وجعلتها مشتملة على مقدمة وثمانية مواضيع».
تشتمل هذه الرسالة على مقدمة في فصلين، يليها بحث في إثبات واجب الوجود في بضعة أسطر، ثم بحث في سبعة فصول حول الصفات الثبوتية للَّه. الفصل الأول في علم الباري سبحانه والفصل الثاني في قدرته جلّ شأنه، والفصل الثالث في كونه تعالى حياً، والفصل الرابع في عظمته، والفصل الخامس في كونه ـ سبحانه ـ سميعاً وبصيراً، والفصل السادس في كونه متكلماً، والفصل السابع في كون واجب الوجود أزلياً أبدياً. ثم يأتي بعد ذلك البحث الثالث في سبعة فصول أيضاً، تدور حول الصفات السلبية للَّه. أما البحث الرابع فهو في عشرة فصول تبحث الأفعال وتوحيد الأفعال.
رأى أبو القاسم رفيعي المهرآبادي، وهو من الفضلاء المعاصرين، نسختين خطيتين لهذه الرسالة، حُرِّرت إحداهما في عام 1067هـ والأخرى في عام 1073هـ. وثمة ثلاث نسخ لهذه الرسالة في مكتبة كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية في مشهد بالمواصفات التالية:
1 ـ الشجرة الإلهية: تاريخ الانتهاء من التأليف ربيع الآخر عام 1047هـ وتلحق بها رسالة ثمرة الشجرة وكذلك رسالة باسم حدائق الصالحين تأليف الشيخ البهائي. الرسالة الأولى والثانية بخط النستعليق في يوم الجمعة من ذي الحجة عام 1092هـ بقلم محمد معصوم بن علي رضا الحسيني.
2 ـ النسخة الثانية: محفوظة تحت رقم 59 في مجمع/ موجودة في المكتبة أولها رسالة الشجرة الإلهية للميرزا رفيعا.
3 ـ النسخة الثالثة: تشتمل على الشجرة الإلهية وثمرة الشجرة، وهي محفوظة في المكتبة تحت رقم 1337هـ.
وكذلك ثمة نسخة منها في المكتبة المركزية في جامعة طهران محفوظة تحت رقم 159 وهي وقف علي أصغر حكمت.
وقد انبرى السيد عبداللَّه النوراني وهو أحد الفضلاء المعاصرين لتصحيح النسخة المذكورة، وطبعت في نشرة (جاويدان خرد) وهي نشرة جمعية الفلسفة في إيران.
4 ـ ثمرة الشجرة الإلهية: وهي ملخص للشجرة الإلهية، وفي الواقع هي مكملة لبحوثها. وتبدأ بالعبارة التالية: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هو المستعان، الحمد للَّه الذي بالإلهية لجميع ما سواه، المتفرد بالربوبية لقاطبة ما عداه…» وتنتهي بالعبارة التالية: «والسلام على خير البشر وخاتم النبيين وآله الطيبين الطاهرين. تحريراً في شهر ذي الحجة الحرام سنة سبعين وألف هجرية».
تبدأ الرسالة بتوضيحات الكاتب، ثم تليها المقدمة في بابين، ويأتي البحث الأول في ثمانية فصول، تدور حول التوحيد والصفحات الجمالية للَّه، ثم يأتي البحث الثاني في أربعة فصول حول صفات الجلال الإلهية. والبحث الثالث في خمسة فصول حول الأفعال، ثم البحث الرابع في أربعة فصول حول بعثة الأنبياء والرسل، يليه البحث الخامس في ستة فصول عن الإمامة. وفي الخاتمة يتناول بحثاً عن المعاد الجسماني.
وكما ذكرنا فإن نسخة من هذه الرسالة محفوظة في مكتبة كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية في مشهد مع الشجرة الإلهية. وتوجد نسخة منها في مكتبة جامع گوهرشاد تحت رقم 552 بالمواصفات التالية: قطع رقعي، خط النستعليق، محررة في عام 1238هـ.ق.
وثمة نسخة أخرى منها في المكتبة المركزية لجامعة طهران تحت رقم 4033 بخط النستعليق، محررة في عام 1070هـ بالقطع الرحلي، وقد سقطت بداية هذه النسخة.
صحح هذه النسخة السيد عبداللَّه نوري، وطبعت في كتاب «عامري نامه» عام 1974م.
شرائط اليقين (كتاب للفارابي)
توجد نسخة خطية من هذا الكتاب في باريس بحروف عبرية، ونسخة أخرى في المكتبة السليمانية (أسد أفندي) رقمها 2/1918م.
والدكتورة مباهاة توركركويل طبعت المتن العربي للكتاب وأرفقته بترجمة تركية عام 1963م.
يوجد شرح على رسالة الفارابي هذه تحت عنوان «شرح في شرائط اليقين» على هيئة نسخة خطية في مكتبة سكوريال رقمها 261207.
وتوجد ترجمة عبرية لكتاب شرائط اليقين للفارابي في المكتبة الوطنية بباريس رقمها Hebr-1008.
شرائع الإسلام (كتاب)
لأبي القاسم جعفر بن الحسن
المعروف بالمحقق الحلي
هو الموسوعة الفقهية، المعتمدة اليوم في التدريس، في كافة الحوزات والمراكز العلمية، والكتاب يقع في أربع مجلدات، وقد طُبع طبعات حجرية وطبعات حديثة، بالإضافة إلى وجود مخطوطاته في كثير من المكتبات.
ومن الملاحظات الهامة في هذا الكتاب، كثرة الشروح عليه، وقد امتازت هذه الشروح بأنها موسوعات فقهية ضخمة، وضعت بمختلف المستويات الدراسية، وقد عدد بعضهم أكثر من عشرين موسوعة فقهية، شرحت كتاب الشرائع.
بالإضافة إلى كل ذلك، نذكر أن كتاب الشرائع، قد ترجم إلى عدة لغات أشهرها، الفارسية إذ ترجمه إليها الشيخ محمد تقي النهاوندي، كذلك ترجمه إلى الروسية قاسم بك، وإلى اللغة الفرنسية كوري، وقد تُرجم إلى اللغة التركية، وأخيراً إلى الإنكليزية.
ولعل في طليعة الأسباب التي أدت إلى الاهتمام بكتاب شرائع الإسلام هو ما امتاز به من منهجية واضحة، برزت في جانبين هما:
* تبويب الكتاب.
* وترتيب الأحكام.
فالمؤلف في تبويب الكتاب، يعمد إلى تقسيم الفقه إلى أربعة أقسام هي: العبادات، العقود، الإيقاعات والأحكام. ثم يعمد إلى تقسيم كل باب فقهي من الأبواب الأربعة السابقة، إلى مجموعة كتب، والكتب إلى أقسام وهكذا.
وأما عن منهجيته في تبويب الأحكام، فإنها تكشف عن عبقرية فقهية في الشمول والعمق والدقة، فكل موضوع في كتابه، أو مسألة يتسلسل فيها الحكم الشرعي، من الوجوب إلى الاستحباب، ثم المكروه، وأخيراً المحرم إن وجد.
الشّراة
جبل من دون عُسفان تأوي إليه القرود وينبت النبع والقرظ والشوحط وهو لبني ليث خاصة ولبني ظفر من سلُيم وهو عن يسار عسفان وبه عقبة تذهب إلى ناحية الحجاز لمن سلك عسفان يقال لها الخريطة مصعدة مرتفعة جداً والخريطة تلي الشراة([284]) قال الدينوري في كتابه الأخبار الطوال عن الحسين (عليه السلام): (… ومضى حتى نزل بشراة بات بها ثم ارتحل وسار فلما انتصف النهار تراءت لهم الخيل…) ([285]). يظهر من كلام المؤرخين أن في هذا الموقع ظهرت أول طلائع جيش ابن زياد. ومن أهم الحوادث فيه أن الحسين أراد (عليه السلام) المسير من شراف إلى قرعا أحد منازل الحاج بينها وبين شراف سبعة فراسخ ثم منه إلى المغيثة وهو آخر حدود الحجاز ثم إلى القادسية وهو أول سواد العراق ومن القادسية عن طريق عُذيب الهجانات أربعة أميال وبين القادسية والكوفة خمسة عشر فرسخاً ثم إلى الكوفة. يقول عبدالحسين الصالحي عندما أدرك الحسين (عليه السلام) الخطر وظهرت كتائب جيش ابن زياد تحرف الحسين عن مسيره الأول على أنه اختلف المؤرخون في مكان تلاقي الحسين (عليه السلام) مع طلائع جيش ابن زياد. قال الطبري كان بعد خروجه من شراف وذكر بسنده قائلاً: (… أقبل الحسين (عليه السلام) حتى نزل شراف فلما كان في السَّحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء فأكثروا ثم ساروا منها صدر يومهم حتى انتصف النهار. ثم إن رجلاً قال: اللَّه أكبر فقال الحسين (عليه السلام): اللَّه أكبر مم كبرت؟ قال: رأيت النخل فقال له جماعة من أصحابه إن هذا المكان ما رأينا به نخلةً قط فقال الحسين (عليه السلام) فما تريانه قلنا: نراه واللَّه هوادي الخيل فقال وأنا واللَّه أرى ذلك. وقال الحسين (عليه السلام) أما لنا ملجأ نلجأ إليه نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد؟ فقلنا له بلى هذا ذو حُسمُ إلى جنبك تميل إليه عن يسارك، فإن سبقت القوم إليه فهو كما تريد فأخذ إليه ذات اليسار فما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادي الخيل فتبيناها فلما رأونا وقد عدلنا عن الطريق عدلوا إلينا كأن ألسنتهم اليعاسيب وكأن راياتهم أجنحة الطير…) ([286]). قال الدينوري في كتابه الأخبار الطوال كان التلاقي بين المعسكريين بعد خروج الحسين (عليه السلام) من شَراة وأضاف قائلاً: (… ومضى حتى نزل بشراة بات بها ثم ارتحل وسار فلما انتصف النهار واشتد الحر تراءت لهم الخيل فقال الحسين (عليه السلام) لزهير بن القين أما هاهنا مكان يُلجأ إليه نجعله خلف ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد؟ قال له زهير: بلى هذا جبل ذو جشم فمل بنا إليه فإن سبقت إليه فهو كما تحب فسار حتى سبق إليه وجعل ذلك الجبل وراء ظهره وأقبلت الخيل وكانوا ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي…) ([287]).
عبدالحسين الصالحي
شَراف
بين واقصة والقرعاء على ثمانية أميال من الأحساء التي لبني وهب ومن شراف إلى واقصة ميلان وهناك بركة تعرف باللوزة. وفي شراف ثلاثة آبار كبار رشاؤها أقل من عشرين قامة وماؤها عذب كثير وبها قُلُبٌ كثيرة، طيبة الماء يدخلها ماء المطر. وقيل شراف استنبطه رجل من العماليق اسمه شراف فسمي به (معجم البلدان ج5 ص246 ـ 247) وقريب من هذا الكلام في المراصد ج2 ص788 وقال الكلبي: شراف وواقصة ابنتا عمرو بن معتق بن زمرة بن عبيل بن عوض بن إرم بن سام بن نوح (عليه السلام) وقال زميل بن زامل الفزاري قاتل ابن دارة:
لقد عضني بالجوّ جوّ كُتيفة
ويوم التقينا من وراء شراف
قصرتُ له الدعصى ليعرف نسبتي
وأنبأته أني ابن عبد مناف
رفعتُ له كفي بأبيض صارم
وقلت التحفه دون كل لحاف
نزله الحسين (عليه السلام) يوم السبت 26 ذي الحجة الحرام سنة 60 هجرية. قال ابن عبدربه في كتابه العقد الفريد (ج5 ص128): قد جاء حسيناً (عليه السلام) خبر قتل مسلم بن عقيل وهم بشراف…).
ولعل ذلك جاءه للمرة الثانية.
عبدالحسين الصالحي
شرح ترددات المختصر النافع (كتاب)
للشيخ علي بن إبراهيم القطيفي.
يقوم المؤلف في هذا الكتاب بشرح ترددات كتاب المختصر النافع للمحقق الحلبي (قدس)، والمراد بالتردد ما تعارض فيه الدليلان من غير حصول مرجح، وكتاب المختصر يعتبر من المتون الفقهية الشيعية التي عول عليها كافة الفقهاء واتسم هذا الشرح بالاختصار، لكنه بين الوجه في التردد عند تعارض الأدلة.
والكتاب مقسم حسب أبواب الفقه، فيبدأ بكتاب الطهارة ثم الصلاة والزكاة لينتهي عند كتاب الديات. مستعرضاً أربعاً وثلاثين كتاباً تتضمن جميع أبواب الفقه.
شرح تشريح الأفلاك
تأليف عصمة اللَّه بن أعظم بن عبدالرسول الهارتفوري. يبحث في علم الهيئة والنجوم وهو شرح على كتاب تشريح الأفلاك للشيخ بهاء الدين محمد العاملي المعروف بالشيخ البهائي المتوفى سنة 1031 هجرية فرغ المؤلف من تأليفه في سنة 1087 هجرية وطبع في لكهنو بالهند عام 1265 هجرية.
عبدالحسين الصالحي
شرح العبارة لأرسطوطاليس
شرح قيّم على كتاب العبارة لأرسطو، كتبه الفارابي. أساس هذا الشرح نسخة أصلية باليونانية، تختلف عن شرح أمونيوس الذي أعدّه في القرن السادس الميلادي، كما يختلف عن الأثر اليوناني الذي استفاد منه بوتيوس المعاصر له باللاتينية، ولعل المآخذ والمباني لهذه الشروح الثلاثة هو التفسير المفقود لفرفوريوس.
ويلهولم كوش ومساعده طبعا ونشرا المتن العربي مع مقدمة وفهارس كاملة ومفيدة ببيروت عام 1960م.
الدكتور محسن مهدي نقد هذه الطبعة في المجلد الثاني والثمانين من مجلة اتحاد شرق أمريكا، وكذا دانلوب في مجلة الاتحاد الملكي الآسيوي.
يوجد من هذه الرسالة أربعة نسخ خطية:
1 ـ المكتبة الحميدية، تركيا، ورقمها 4/812.
2 ـ مكتبة الأمة (فضل اللَّه أفندي) رقمها 1882.
3 ـ مكتبة تويقا بوسراي رقمها 20/1730.
4 ـ مكتبة براتيسلاوا رقمها 231.
الدكتورة مباهاة توركر كويل ترجمت هذه النسخة إلى اللغة التركية عام 1966م، وطبعت مرفقة مع المتن العربي بأنقرة.
شرح كتاب إيساغوجي فرفوريوس
نسب هذا الكتاب إلى الفارابي، لكن التحقيق الذي أعده شتيرن ـ محقق العلوم الإسلامية ـ يشير إلى أن هذا الكتاب هو في الواقع من آثار «أبو الفرج بن الطيب».
دانلوب طبع المتن العربي والترجمة الإنكليزية لهذا الكتاب عام 1956م.
شرح كتاب المقولات لأرسطو طاليس
أو شرح فاطيقورياس أرسطو
من مؤلفات الفارابي:
يوجد من هذه الرسالة ترجمتين عبريتين من القرون الوسطى على شكل مخطوطتين إحداهما في ميونيخ رقمها 2/307، والأخرى في مكتبة أسكوريال رقمها 612.
دانلوب طبع المتن العربي والترجمة الإنكليزية لهذه الرسالة عام 1958 ـ 1959م.
نهاد ككليك طبع المتن العربي مع مقدمة باللغة التركية من 11 صفحة في أسطنبول عام 1960م.
يحتمل أن تكون هذه الرسالة عينها رسالة الدكتوراه لككليك بجامعة أسطنبول لتي قدمت باللغة التركية إلى هذه الجامعة عام 1956م بعنوان تاريخ المنطق الإسلامي ومقولات الفارابي.
شرح المجسطي لبطليموس
أو
كتاب اللواحق في علم المجسطي للفارابي
ذكرت هذه الرسالة في الفهارس القديمة ضمن آثار الفارابي. كتب في النسخة الخطية الموجودة بمتحف بريطانيا برقم Or.7368 في الورقة الأولى منها عبارة «شرح مجسطي نسب تأليفه إلى العلامة أبي نصر الفارابي».
النسخة الثانية من الكتاب رقمها 6530 موجودة في مكتبة مجلس الشورى الوطني بطهران.
شرح المستغلق
في مصادرات المقالة الأولى والخامسة
من إقليدس للفارابي
طبع هذا الكتاب تحت عنوان: Commentar Zu Euklid, Zur Einleitung des I und V.Buches.
«شتاي شنايدر» ذكر في أثره حول الفارابي ترجمة عبرية للكتاب ترجمها «موسى بن تبون».
«روزنفلد» ومعاونوه قاموا بترجمته إلى الروسية، وطبع ضمن آثار الفارابي الرياضية عام 1972م.
شرح المنظومة
للملا هادي السبزواري
يعتبر الملا هادي السبزواري أحد أشهر الحكماء في العهد القاجاري.
أسس في سبزوار أكبر حوزة علمية لبحث وتدريس حكمة الإشراقيين والمشائين.
طارت شهرته الفلسفية والعرفانية في جميع أنحاء إيران، بل تعدتها إلى بعض البلدان الإسلامية مثل: أفغانستان والهند والعراق، فأخذ عشاق الحكمة الإسلامية يتوافدون على سبزوار من المناطق النائية ليسمعوا عقائد وآراء حكماء إيران واليونان والإسلام من آخر الحكماء المسلمين: فكانوا يقيمون لعدة سنوات في حجرات مدرسة سبزوار لينهلوا من دروس الحكيم الكبير السبزواري وتلامذته.
ومنذ ظهور الحكيم السبزواري وإلى الآن يعتمد في تدريس وبحث حكم المشائين والإشراقيين على كتاب (شرح المنظومة) لهذا الحكيم، وذلك في الحوزات العلمية في مدن النجف وكربلاء وسامراء والكاظمية وقم ومشهد وأصفهان وشيراز وسائر المدن الإيرانية.
وقد لفت هذا الحكيم الإيراني الشهير أنظار الباحثين الأجانب، ومنهم: الكونت دوكوبينو الفرنسي والبروفسور الإنكليزي ادوارد براون والشاعر محمد إقبال اللاهوري، وقد تحدث هؤلاء في كتبهم عنه بالتفصيل. ترك الملا هادي السبزواري آثاراً عديدة أهمها:
1 ـ شرح منظومة الحكمة: عرض في هذا الكتاب الأبواب المختلفة للحكمة بصورة منظومة اسماها غرر الفرائد، يقول في مقدمتها:
سميت هذا غرر الفرائد
أودعت فيها عقد العقائد
وقد قسم كتابه هذا إلى سبعة مقاصد هي كما يلي: المقصد الأول في الأمور العامة، المقصد الثاني في الجوهر والعرض، المقصد الثالث في الآلهيات بالمعنى الأخص، المقصد الرابع في الطبيعيات، المقصد الخامس في النبوءات والرؤى، المقصد السادس في المعاد، المقصد السابع في شطر من علم الأخلاق.
وقد قسم كل مقصد من المقاصد المذكورة إلى عدة فرائد، ثم قسَّم كل فريدة إلى عدة غرر. وقد طبع (شرح منظومة الحكمة) عدة طبعات حجرية، أفضلها المعروفة بالطبعة الناصرية والتي تشتمل على 355 صفحة. ثم أعيد طبعها عدة مرات بالأفسيت.
2 ـ شرح منظومة المنطق: كتب الملا هادي المنطق بصورة منظومة أيضاً، واسماها «اللآلىء المنتظمة»، وقد جاء تأليف منظومة المنطق بعد منظومة الحكمة، وأفضل طبعة لشرح منظومة المنطق تلك التي جاءت في 122 صفحة وصدرت عام 1371هـ اشتملت على منظومة الحكمة وأفضل ما كتب عليها من حواش للشارح الميرزا مهدي الآشتياني.
ترجم الشيخ جعفر الزاهدي منظومتي المنطق والحكمة إلى اللغة الفارسية تحت عنوان (خود آموز منظومة) وطبعها في مشهد.
3 ـ أسرار الحكم: ألف هذا الكتاب باللغة الفارسية استجابة لرغبة ناصر الدين شاه، وهو في بحث المبدأ والمعاد، ويشتمل على بحوث في الحكمة الإشراقية والمشائية والمشارق الذوقية.
طبع هذا الكتاب عام 1303هـ ثم تلته عدة طبعات. فقد طبع عام 1380هـ، وصدرت آخر طبعة لهذا الكتاب في طهران عام (1982م) مع مقدمة لتوشيهيكو أيزوتسو.
4 ـ شرح بعض الأشعار المستعصية في المثنوي: وهو كتاب باللغة الفارسية طبع طباعة حجرية في طهران عام 1285 هجري.
5 ـ ديوان الأسرار: مجموعة أشعاره. وقد طبع عدة مرات في طهران.
6 ـ حواشٍ على الشواهد الربوبية: يعتبر كتاب (الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية) أحد الكتب المهمة لصدر الدين الشيرازي، وهو يشتمل على دقائق الحكمة العالية. وقد كتب السبزواري حواشي قيمة عليه، رفع فيها الكثير من المشكلات والمعضلات الواردة فيه. ولم تكن ثمة طبعة مفيدة لهذا الكتاب وحواشيه، حتى بادر السيد جلال الدين الآشتياني إلى طبعهما عام (1987م) بواسطة جامعة مشهد، بعد أن أضاف إليهما مقدمة قيمة مفصلة.
7 ـ حواشٍ على أسفار صدر الدين الشيرازي.
8 ـ حواشٍ على مفاتيح الغيب لصدر الدين الشيرازي.
9 ـ حواشٍ على المبدأ والمعاد لصدر الدين الشيرازي.
10 ـ شرح النبراس في أسرار الأساس: وهو كتاب في رموز الطاعات وإشارات العبادات. وقد جاء على غرار منظومتي المنطق والحكمة، أي جاء متنه شعراً مع شرح للسبزواري. وهو يبين في هذا الكتاب المسائل الفقهية من خلال الأدلة الفلسفية والإيضاحات العرفانية ـ وقد طبع في طهران طباعة حجرية عام 1371هـ.
11 ـ شرح الأسماء: وهو شرح لدعاء الجوشن الكبير، وقد طبع مراراً، وفي بعض الطبعات أرفق معه شرح دعاء الصباح، كما في الطبعة التي صدرت عام 1333هـ.
12 ـ مفتاح الفلاح ومصباح النجاح: شرح لدعاء الصباح، وقد طبع عدة مرات.
13 ـ مجموعة رسائل: تشتمل هذه المجموعة على سبع عشرة رسالة (باللغتين الفارسية والعربية) في المباحث العرفانية والفلسفية والمسائل العقيدية وهي في أكثرها إجابات على أسئلة العلماء المعاصرين له. اشتملت هذه الرسائل على ست رسائل فارسية وسبع عشرة رسالة عربية، جمعها السيد جلال الدين الآشتياني وطبعتها الإدارة العامة للأوقاف في خراسان سنة 1969م بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لوفاة الملا هادي السبزواري.
شرح نهج البلاغة
أول من شرح نهج البلاغة: علي بن أبي القاسم زيد بن محمد، الشهير بـ (فريد خراسان)، والشهير بأبي الحسن البيهقي وسنتحدث عنه بعد الحديث عن شرحه والشروح التي تلته. وقيل إنه أول من شرحه بعد عصر (الرضي) ـ وأما أول الشروح الذي لم يسبقه شرح فهو شرح علي بن ناصر المعاصر للرضي الآتي. قال البيهقي في أول شرحه على النهج: لم يشرح قبلي من كان في الفضلاء السابقين هذا الكتاب بسبب موانع منها أن من كان متبحراً في علم الأصول كان قاصراً في اللغة والأمثال، ومن كان كملاً فيهما كان غافلاً عن أصول الطب والحكمة وعلوم الأخلاق، ومن كان كاملاً في جميع هذه العلوم والآداب كان قاصراً في التواريخ وأيام العرب، ومن كان كاملاً في جميع ذلك كان غير معتقد لنسبة هذا الكلام إلى أمير المؤمنين (عليه السلام). ومن حصلت لديه هذه الأسباب لم يعثر بذخائر كنز التوفيق كنز من كنوز اللَّه يختص به من يشاء من عباده وأنا المتقدم في شرح هذا الكتاب إلى أن قال:
ومن قبل التمس مني الإمام السعيد جمال المحققين أبو القاسم علي بن الحسن الحونقي النيسابوري رحمه اللَّه أن أشرح كتاب نهج البلاغة وأصرح أمد الالتباس عن شرحه صرحاً فصدني الزمان عن إتمامه صداً وبنى بيني وبين مقصودي سداً. وانتقل ذلك الإمام الزاهد الورع من لجة بحر الحياة إلى الساحل وطوى من العمر جميع المراحل وودع أفراش المقام في ردا الدنيا مع الرواحل وكل إنسان وإن طال عمره فانٍ. وكان ذلك الإمام قارعاً باب العفاف قانعاً عن دنياه بالكفاف رحمة اللَّه عليه. إلى أن قال: وخدمت بهذا الكتاب خزانة كتب الصدر الأجل السيد العالم عماد الدولة والدين جلال الإسلام والمسلمين ملك النقباء في العالمين أبي الحسن علي بن محمد بن يحيى بن هبة اللَّه الحسيني فإنه جمع في الشرف بين النسب والحسب وفي المجد بين الموروث والمكتسب. إذا اجتمعت السادة فهو نقيبهم وإمامهم وإذا ذكرت الأئمة والعلماء فهو سيدهم وهمامهم. وإذا أشير إلى أصحاب المناصب فهو صدرهم. وإذا عدّ أرباب المراتب فهو فخرهم فأبقاه اللَّه تعالى للسادات والعلماء ما صار الهلال بدراً «انتهى».
وإننا لنذكر هنا ما وصل إلينا من شروح نهج البلاغة مرتبة بحسب أعصار مؤلفيها:
1 ـ شرح علي بن الناصر المعاصر للرضي اسمه أعلام نهج البلاغة وشرح آخر له يسمى المعارج.
2 ـ شرح الشيخ أبي الحسن البيهقي المتقدم ذكره المتوفى سنة 565هـ.
3 ـ شرح قطب الدين الراوندي سعيد بن هبة اللَّه المتوفى سنة 573هـ المسمى منهاج البراعة.
4 ـ شرح قطب الدين الكيدري فرغ منه سنة 576هـ.
5 ـ شرح أفضل الدين الحسن بن علي بن أحمد الماهابادي شيخ الشيخ منتجب الدين توفي سنة 585هـ.
6 ـ شرح القاضي عبدالجبار المردد بين ثلاثة مقاربين لعصر الشيخ الطوسي وهم: عبدالجبار بن علي الطوسي، وعبدالجبار بن منصور، وعبدالجبار بن فضل اللَّه بن علي بن عبدالجبار. وذكر في أحوال عبدالرحمن العتائقي أنه اختار شرحه لنهج البلاغة من عدة شروح أحدها للقاضي عبدالجبار الإمامي.
7 ـ شرح فخر الدين الرازي محمد بن عمر المتوفى سنة 606هـ لم يتم. ذكره جمال الدين القفطي في تاريخ الحكماء.
8 ـ شرح عزالدين أبي حامد عبدالحميد بن هبة اللَّه بن أبي الحديد المعتزلي المدائني المتوفى ببغداد سنة 656هـ طبع عدة مرات.
9 ـ شرح السيد علي بن طاوس المتوفى سنة 664هـ.
10 ـ شرح الشيخ كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني المتوفى سنة 679هـ مطبوع بإيران.
11 ـ شرحه المتوسط.
12 ـ الصغير وأحدهما يسمى مصباح السالكين في شرح النهج اقتصر فيه على بيان بعض لغاته وكتبت النسخة التي وجدت منه في المشهد المقدس المنصوري سلام اللَّه على ساكنه 701هـ وقوبلت سنة 703هـ وكتب عليها السيد أحمد ابن السيد كاظم الرشتي إنه للإمام يحيى بن حمزة العلوي صاحب كتاب الطراز ويحيى هذا توفي سنة 749هـ.
13 ـ شرح لبعض علماء أهل السنة اسمه النفائس كتابته سنة 759هـ موجود في الخزانة الرضوية.
14 ـ شرح ابن العتائقي الحلي عبدالرحمن بن محمد. جمعه من أربعة شروح شرح القاضي عبدالجبار وشرح ابن ميثم وشرح الكندري وشرح ابن أبي الحديد في أربع مجلدات في الخزانة الغروية فرغ من الثالث سنة 780هـ.
15 ـ شرح سعدالدين مسعود بن عمر التفتازاني صاحب المطول المتوفى سنة 792هـ.
16 ـ الشرح الموسوم بالتحفة العلية في نهج البلاغة الحيدرية للسيد أفصح الدين محمد بن حبيب اللَّه ابن أحمد الحسيني. كبير جداً فرغ منه سنة 881هـ. كتبه لبعض الملوك ونسخة منه موجودة في مكتبة السيد علي الهمداني بالنجف.
17 ـ شرح العلامة الحلي المتوفى سنة 736هـ.
18 ـ شرح قوام الدين يوسف بن حسن الشهير بقاضي بغداد المتوفى سنة 922هـ ذكره في كشف الظنون.
19 ـ شرح كمال الدين الحسين بن عبدالحق الأردبيلي المتوفى سنة 950هـ. اسمه منهج الفصاحة.
20 ـ شرح عماد الدين علي القاري الأسترآبادي بنحو الحاشية، في أوائل القرن العاشر.
21 ـ شرح أبي الحسن علي بن الحسن الزواري تلميذ المحقق الكركي بالفارسية. اسمه روضة الأبرار فرغ منه سنة 947هـ.
22 ـ شرح تلميذه فتح بن شكر اللَّه الكاشاني بالفارسية المتوفى سنة 988هـ مطبوع.
23 ـ شرح عزالدين الآملي شريك المحقق الكركي في الدرس «القرن العاشر».
24 ـ شرح علي المعروف بالحكيم الصوفي بالفارسية فرغ منه سنة 1016هـ.
25 ـ شرح الشيخ حسين بن شهاب الدين الكركي العاملي المتوفى سنة 1076هـ وهو شرح كبير.
26 ـ شرح السيد ابن المطهر بن محمد بن الحسين الجرموزي اليماني المتوفى سنة 1110هـ لم يتم.
27 ـ شرح محمد رفيع بن فرج الجيلاني المتوفى حدود سنة 1160هـ سلك فيه طريقة جامعة بين شرحي ابن ميثم وابن أبي الحديد.
28 ـ شرح ميرزا باقر النواب بالفارسية في القرن الثالث عشر مطبوع بإيران.
29 ـ شرح السيد محمد تقي الحسيني القزويني المتوفى سنة 1270هـ فرغ من المجلد الأول سنة 1268 هـ.
30 ـ شرح الشيخ جواد الطارمي الزنجاني المتوفى سنة 1325هـ بالفارسية.
31 ـ شرح ميرزا إبراهيم بن الحسين بن علي بن عبدالغفار الدنبلي الخوئي المستشهد سنة 1325هـ اسمه الدرة النجفية. مطبوع بإيران.
32 ـ شرح السيد حبيب اللَّه بن محمد الموسوي الخوئي المتوفى حدود سنة 1326هـ في عشر مجلدات اسمه منهاج البراعة طبع نصفه.
وهناك بعض الشروح مجهولة المؤلف، وبعض شروح مقتصرة على موضوع معين كشروح الخطبة الشقشقية وغيرها.
الشارح الأول
ولد سنة 499هـ من ناحية بيهق وتوفي سنة 565هـ.
كان لغوياً نحوياً منطقياً شاعراً أديباً ناظراً في الطب عالماً بعلم الحديث فقيهاً، وصرف عمره في الدرس والتدريس ووعظ الناس والتأليف والتصنيف حتى صنف ما يزيد عن 78 كتاباً جلها بالعربية.
وفي معجم الأدباء: ذكره العماد الأصفهاني في كتاب الخريدة ووصفه بالرياسة والشرف.
وفي مستدركات الوسائل: العالم المتبحر أبو الحسن أو الحسين ابن الشيخ أبو القاسم بن الحسين البيهقي الفاضل المتكلم الجليل المعروف بفريد خراسان له من المؤلفات:
1 ـ أسئلة القرآن مع الأجوبة.
2 ـ إعجاز القرآن.
3 ـ الإفادة في كلمة الشهادة.
4 ـ المختصر من الفرائض.
5 ـ الفرائض بالجدول.
6 ـ أصول الفقه.
7 ـ قرآن آيات القرآن.
8 ـ معارج نهج البلاغة وهو شرح الكتاب.
9 ـ نهج الرشاد في الأصول.
10 ـ كنز الحجج في الأصول.
11 ـ جلاء صداء الشكّ في الأصول.
12 ـ إيضاح البراهين في الأصول.
13 ـ الإفادة في إثبات الحشر والإعادة.
14 ـ تحفة السادة.
15 ـ التحريز في التذكير مجلدتان.
16 ـ الوقيعة في منكر الشريعة.
17 ـ تنبيه العلماء على تمويه المتشبهين بالعلماء.
18 ـ أزاهير الرياض المريعة وتفسير ألفاظ المحاورة والشريعة.
19 ـ أشعاره.
20 ـ درر السخاب ودرر السحاب في الرسائل.
21 ـ ملح البلاغة.
22 ـ البلاغة الخفية.
23 ـ طرائف الوسائل إلى حدائق الرسائل.
24 ـ الرسائل بالفارسي.
25 ـ رسائله المتفرقة.
26 ـ عقود اللآلىء.
27 ـ غرر الأمثال ودرر الأقوال مجلدتان.
28 ـ الانتصار من الأشرار.
29 ـ الاعتبار بالإقبال والإدبار.
30 ـ وشاح دمية القصر (ولقاح روضة العصر) مجلدة ضخمة في شعراء عصره.
31 ـ أسرار الاعتذار.
32 ـ شرح مشكلات المقامات الحريرية.
33 ـ درة الوشاح تتمة وشاح دمية القصر مجلدة خفيفة.
34 ـ العروض.
35 ـ أزهار أشجار الأشعار.
36 ـ عقود المضاحك بالفارسية.
37 ـ نصائح الكبراء بالفارسية.
38 ـ آداب السفر.
39 ـ مجامع الأمثال وبدائع الأقوال أربع مجلدات.
40 ـ مشارب التجارب وغوارب الغرايب أربع مجلدات، وهو ذيل على تاريخ اليميني يشتمل على تاريخ إيران من سنة 420 إلى سنة 560.
41 ـ ذخائر الحكم.
42 ـ شرح الموجز المعجز.
43 ـ أسرار الحكم.
44 ـ عرائس النفائس.
45 ـ أطعمة المرضى.
46 ـ المعالجات الاعتبارية.
47 ـ تتمة صوان الحكمة، لأبي سليمان السنجري طبعه المجمع العلمي العربي بدمشق سنة 1365هـ باسم تاريخ حكماء الإسلام وهو اسم حادث.
48 ـ السموم.
49 ـ الحساب.
50 ـ خلاصة الزيجة.
51 ـ أسامي الأدوية وخواصها ومنافعها ويقال له تفاسير العقاقير مجلدة ضخمة.
52 ـ جوامع الأحكام ثلاث مجلدات وفي كشف الظنون جوامع النجوم فارسي جمعه من 252 كتاباً.
53 ـ أمثلة الأعمال النجومية.
54 ـ مؤامرات الأعمال النجومية.
55 ـ غرر الأقيسة.
56 ـ معرفة ذات الحلق والكرة والإسطرلاب.
57 ـ أحكام القرانات.
58 ـ ربيع العارفين.
59 ـ رياحين العقول.
60 ـ الإراحة عن شدائد المساحة.
61 ـ حصص الأصفياء في قصص الأنبياء على طريق البلغاء بالفارسية مجلدتان.
62 ـ المشتهر في نقض المعتبر الذي صنفه الحكيم أبو البركات.
63 ـ بساتين الأنس ودساتين الحدس في براهين النفس.
64 ـ مناهج الدرجات في شرح كتاب النجاة ثلاث مجلدات.
65 ـ الأمانات في شرح الإشارات.
66 ـ رقيات (قضايا) التشبيهات على خفايا المختلطات بالجداول.
67 ـ شرح رسالة الطير.
68 ـ شرح الحماسة.
69 ـ الرسالة العطارة في مدح بني الزنارة.
70 ـ تعليقات فصول بقراط.
71 ـ شرح شعر البحتري وأبي تمام.
72 ـ شرح شهاب الأخبار.
73 ـ تاريخ بيهق بالفارسية.
74 ـ لباب الأنساب.
75 ـ قوام علوم الطب ذكره صاحب كشف الظنون ولعله أسامي الأدوية المتقدم.
76 ـ تلخيص مسائل الذريعة للمرتضى.
77 ـ جواب يوسف اليهودي العراقي. ولا يوجد من كتبه هذه سوى تاريخ بيهق وتتمة صوان الحكمة. مع أن تاريخ بيهق لم يوجد إلا في فرنسا. وله شعر منه:
ضجيعي في ليلي جوى ونحيب
وإلفي في نومي ضنا ولغوب
دجا ليل آمالي وأبطأ صبحه
وللمنذرات السود فيه نعيب
وتلسعني الأيام فهي أراقم
وتخدعني الآمال فهي كذوب
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
وباعي في ظل الوصال رحيب
خليلي لا تركن إلى الدهر آمنا
فإحسانه بالسيئات مشوب
وكم جاهل قد قال لي أنت ناقص
فهيج ليث الحقد وهو غضوب
وعيرني بالعلم والحلم والنهى
قبائل من أهل الهوى وشعوب
فقلت لهم لا تعذلوني فإنني
لصفو زجاجات العلوم شروب
وما ضرني أني عليم بمشكل
وقد مسّ أهل الدهر منه لغوب
لئن كان علم المرء جرماً لديكم
فذلك جرم لست منه أتوب
كفى حزناً أني مقيم ببلدة
بها صاحب العلم الرصين غريب
وعدا عما تقدم عن شروح نهج البلاغة فقد قال الشيخ عبدالحسين الصالحي:
للحكيم الشاعر الشيخ علي المعروف (بالحكيم الصوفي) الأصفهاني المتوفى بعد سنة 1045هـ تفسير نهج البلاغة.
ذكره في أعيان الشيعة قال (علي المعروف بالحكيم الصوفي له تفسير نهج البلاغة بالفارسية فرغ منه سنة 1016هـ رأينا منه نسخة بهمذان).
وقد اعتمد جميع المحققين على ما ذكره (الأعيان) منهم السيد عبدالزهراء في مصادر نهج البلاغة، كما لم يقف عليه آغا بزرك الطهراني. وعند الشيخ عبدالحسين الصالحي نسخة الأصل بخط المؤلف، انتهى المؤلف من تأليفه كما صرح في آخره في تاريخ 17 ربيع الثاني سنة 1044 هجرية ثم أرخ في بيت فارسي تاريخ انتهائه من تأليفه قائلاً:
ازبى تاريخ شرح هاتف خلوت بمن
كفت بكو (يا علي اذهب عني الحزن)
1044 هجرية.
وأما ما ذكره (الأعيان) من أنه فرغ منه سنة 1016هـ فيحتمل أن النسخة الموجودة عند الصالحي هي غير تلك. وللمؤلف شرحان على نهج البلاغة فرغ من الأول سنة 1016 هجرية والثاني سنة 1044هـ.
شرع من قبلنا
تعريفه:
يراد بشرع من قبلنا: هو خصوص الشرائع التي أنزلها اللَّه عزّوجلّ على أنبيائه، وثبت شمولها في وقتها لجميع البشر كاليهودية والمسيحية.
الخلاف في حجيته
والذي يبدو من مجموع ما رأيته أن هناك فروضاً متعددة في المسألة ـ ولعلها أقوال أيضاً ـ بعضها يذهب إلى أنها شرع لنا مطلقاً إلا ما ثبت نسخه في شريعتنا منها، وبعضها يرى أنها ليست بشرع لنا مطلقاً، وأن النسخ مسلط عليها جملة وتفصيلاً «بحيث لو كان حكم في الشريعة اللاحقة موافقاً لما في الشريعة السابقة، لكان الحكم المجعول في الشريعة اللاحقة مماثلاً للحكم المجعول في الشريعة السابقة لا بقاءً له، فيكون مثل إباحة شرب الماء الذي هو ثابت في جميع الشرائع، مجعولاً في كل شريعة مستقلاً، غاية الأمر أنها أحكام متماثلة»([288]).
وفحوى القول الثالث هو: «إن ما قصه علينا اللَّه ورسوله ـ من أحكام الشرائع السابقة ولم يرد في شرعنا ما يدل على أنه مكتوب علينا كما كتب عليهم، أو أنه مرفوع أو منسوخ كقوله تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً}([289]) وقوله: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص}([290]) ـ، شرع لنا وعلينا أتباعه وتطبيقه ما دام قد قص علينا ولم يرد في شرعنا ما ينسخه»([291])، وقد حكي هذا القول عن جمهور الحنفية وبعض المالكية والشافعية([292]).
أدلة المثبتين
وقد استدل المثبتون مطلقاً بآيات من كتاب اللَّه تعالى فحواها: اعتبار الشرائع السابقة شريعة للنبي(ص) أمثال قوله تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم أقتدة}([293])، وقوله تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً}([294])، وقوله سبحانه: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً}([295])، وقوله: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون}([296]).
كما استدلوا باستشهاد النبي(ص) في مقام التشريع بأحكام وردت في شريعة سابقة، كاستشهاده في أثناء قوله(ص): «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها»، بقوله تعالى: {وأقم الصلاة لذكرى}([297])، وهو خطاب مع موسى (عليه السلام)، إلى غير ذلك من الأحاديث([298]).
وهذه الأدلة ـ لو تمت دلالتها، وسلمت من مناقشات الغزالي لها حين عرضها في هذا المبحث، وبعضها لا يخلو من أصالة ـ إنها لا تدل على أكثر من إقرار أصل تلكم الشرائع.
ولكن إقرار أصل الشرائع لا ينفعنا في مجالاتنا الخاصة، لأن أصل الشرائع السابقة ليست موضعاً لابتلائنا اليوم لاختفاء معالمها الأساسية عنا.
وإذا أردنا أن نتكلم ـ باسم الفن ـ قلنا إن طرو: العلم الإجمالي بالتحريف: عليها يمنع من الأخذ بظواهرها جميعاً، وتقريبه أنا نعلم أن هذه الشرائع المتداولة ليست هي الشرائع بكامل خصوصياتها لتناقض مضامين كل شريعة على نفسها، وانتشار السخف في قسم من محتوياتها، وابتعاد أكثرها عن كونها نظاماً للحياة، وهو الأساس لكل رسالة سماوية مما يدل إجمالاً على طرو التحريف عليها.
والعلم الإجمالي بالتحريف يمنع من الأخذ بظواهرها جميعاً، لأن كل طرف نمسكه نحتمل طرو التحريف عليه، وأصالة عدم التحريف لا تنفع في هذا المجال لعدم جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي المنجز كما يأتي تقريبه في مباحث الاحتياط، أو لتساقطها، وليس لهذا العلم ما يحله لدينا لنرجع إليه.
نعم، إذا تم ذلك الاستدلال ـ أعني استدلال المثبتين ـ وتمت مناقشتنا له؛ فإن رأي جمهور الحنفية السابق، يكون من أمتن الآراء وأقواها، لأن ما حكي من الشرائع في الكتاب العزيز لا يحتمل فيه التحريف فهو صحيح بالنسبة لها، وإذا تمت حجيتها ـ بالإقرار من قِبل شريعتنا لأصل الشرائع ـ فقد تمّ حجية ما صح عنها، وعلينا إتباعه على كل حال.
أدلة النفاة
وأهم ما استدل به نفاة حجية الشرائع السابقة ثلاثة أدلة:
أولها: حديث معاذ السابق وهو: «أنه(ص) لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: بم تحكم؟ قال: بالكتاب والسنّة والاجتهاد، ولم يذكر التوراة والإنجيل، وشرع من قبلنا، فزكاه رسول اللَّه(ص) وصوبه، ولو كان ذلك من مدارك الأحكام لما جاز العدول إلى الاجتهاد إلا بعد العجز عنه»([299]).
وهذا الاستدلال متين جداً لو لم تكن رواية معاذ من الموضوعات عليه، وقد سبق أن ناقشناها ونظائرها في مبحث القياس فلا نعيد.
ثانيها: «إن ذلك لو كان مدركاً لكان تعلمها ونقلها وحفظها من فروض الكفايات كالقرآن، والأخبار، ولرجعوا إليها في مواضع اختلافهم، حيث أشكل عليهم كمسألة العول، وميراث الجد، والمفوضة، وبيع أم الولد، وحدّ الشرب، والربا في النسيئة، ومتعة النساء، ودية الجنين، وحكم المكاتب إذا كان عليه شيء من النجوم، والردّ بالعيب بعد الوطء، والتقاء الختانين، وغير ذلك من أحكام لا تنفك الأديان والكتب عنها، ولم ينقل عن واحد منهم مع طول أعمارهم وكثرة وقائعهم واختلافاتهم مراجعة التوراة، لا سيّما وقد أسلم من أحبارهم من تقوم الحجة بقولهم، كعبداللَّه بن سلام، وكعب الأحبار، ووهب، وغيرهم، ولا يجوز القياس إلا بعد اليأس من الكتاب، فكيف يحصل القياس قبل العلم»([300]).
وهذا الاستدلال كسابقه من أمتن الأدلة التي يمكن أن تساق في هذا المجال للقطع بمضمونه بل ربما حوَّل المسألة إلى كونها من الضروريات إلا أنه لا ينفي إقرار أصل الشرائع السابقة كما لا ينفي صحة ما ذهب إليه جمهور الحنفية، وغاية ما ينفيه عدم الرجوع إلى الكتب المتداولة للشرائع وهي مما يعلم بدخول التحريف عليها، فلا تكون حجة نعم إذا تمّ ما ادعاه بعد ذلك من إطباق الأمة على أن هذه الشريعة ناسخة([301]) لها بطل القولان السابقان، إلا أن الإشكال في تحقيق هذا الإجماع مع كثرة الخلاف في المسألة من أفراد الأمة، ولا أقل من جمهور الحنفية وغيرهم المانع من انعقاد إجماعها.
الأصل العملي
وهو إنما يرجع إليه عند العجز عن تحصيل الأدلة الكاشفة عن الحكم الواقعي وتركز الشكّ، وقد تمسك بعضهم بالاستصحاب عند الشكّ في ارتفاع حكم ثبت في الشريعة السابقة بادعاء العلم بثبوته، والشكّ بارتفاعه بالنسخ بالنسبة إلينا، فحكم ببقائه أخذاً بالرواية الشريفة: «لا تنقض اليقين بالشكّ».
وأهم ما ذكر في مناقشته ما عرضه بعض أساتذتنا «من أن النسخ في الأحكام الشرعية إنما هو بمعنى الدفع وبيان أمد الحكم، لأن النسخ بمعنى رفع الحكم الثابت مستلزم للبداء المستحيل في حقه سبحانه وتعالى».
«وقد ذكرنا غير مرة أن الإهمال بحسب الواقع ومقام الثبوت غير معقول، فإما أن يجعل المولى حكمه بلا تقييد بزمان ويعتبره إلى الأبد وإما أن يجعله ممتداً إلى وقت معين».
«وعليه فالشكّ في النسخ شكّ في سعة المجعول وضيقه من جهة احتمال اختصاصه بالموجودين في زمان الحضور، وكذا الكلام في أحكام الشرائع السابقة، فإن الشكّ في نسخها شكّ في ثبوت التكليف بالنسبة إلى المعدومين لا شكّ في بقائه بعد العلم بثبوته، فإن احتمال البداء مستحيل في حقه تعالى، فلا مجال حينئذ لجريان الاستصحاب».
«وتوهم أن جعل الأحكام على نحو القضايا الحقيقية ينافي اختصاصها بالموجودين مدفوع بأن جعل الأحكام على نحو القضايا الحقيقية معناه عدم دخل خصوصية الأفراد في ثبوت الحكم لا عدم اختصاص الحكم بحصة دون حصة، فإن شككنا في أن المحرم هو الخمر مطلقاً أو خصوص الخمر المأخوذ من العنب، كان الشكّ في حركة الخمر المأخوذ من غير العنب شكّاً في ثبوت التكليف، ولا مجال لجريان الاستصحاب معه».
«والمقام من هذا القبيل فإنا نشكّ في أن التكليف مجعول لجميع المكلفين، أو هو مختص بمدركي زمان الحاكم فيكون احتمال التكليف بالنسبة إلى غير المدركين شكّاً في ثبوت التكليف لا في بقائه»([302]).
وكذلك الأمر بالنسبة إلى من لم يدرك منا زمان ما قبل رسالتنا أي زمن (شرع من قبلنا).
الخلاصة
والخلاصة أن الأدلة اللفظية لو تمت حجيتها على إقرار الشرائع السابقة فهي إنما تدل على أصلها لا على كتبها المتداولة، والعلم الإجمالي في طرو التحريف على الأصل يمنع من التمسك بظواهر جميع أطرافها لاحتمال طرو النقص أو الزيادة على كل منها ولا مدفع لهذا الاحتمال من أصل أو غيره لعدم جريانها في أطراف العلم الإجمالي أو جريانها وتساقطها للمعارضة على اختلاف في المعنى.
نعم لا يبعد تمامية ما ذهب إليه جمهور الحنفية وغيره لجمعه بين ما دل على أصل الإمضاء للشرائع السابقة وما يقتضيه العلم الإجمالي من عدم حجية ظواهر ما دلّ على أحكام الشرائع السابقة من كتبها المنزلة، لأن ما نقل منها في الكتاب العزيز لا تدخله شبهة التحريف فيكون هو الحجة وحده.
وعلى أي حال، كون هذه الكتب المتداولة ليست حجة بالنسبة إلينا، يقتضي أن يكون من الضروريات فلا حاجة لإطالة الكلام فيها.
ملاحظة
لاحظنا أن أكثر الباحثين في شرع من قبلنا بدؤوا أحاديثهم في التساؤل عن أن النبي(ص) هل كان متعبداً بشريعة من الشرائع التي سبقته وأيها هي؟
وأطالوا التحدث في الإجابة على هذا التساؤل والتماس الأدلة له ـ كل من زاويته الخاصة ـ، ولكننا رأينا أن الدخول في هذا الحديث لا يرتبط برسالتنا ـ كمقارنين ـ لعدم ترتب أية ثمرة عملية على هذا الاختلاف، وما أصدق ما قاله إمام الحرمين:
«هذه المسألة لا تظهر لها فائدة بل تجري مجرى التواريخ المنقولة»([303])، ووافقه المازري والماوردي وغيرهما، يقول الشوكاني: «وهذا صحيح فإنه لا يتعلق بذلك فائدة باعتبار هذه الأمة، ولكنه يعرف به في الجملة شرف تلك الملة التي تعبد بها وفضَّلها على غيرها من الملل المتقدمة على ملته»([304]) وهي كما ترون، ثمرة غير عملية بالنسبة إلينا.
محمد تقيّ الحكيم
الشرفاء
قبيلة عربية معروفة من قبائل خوزستان أصلها من شرفاء المدينة المنورة من سلالة الشريف أبي عمارة المهنا أمير المدينة، كانوا قبل نزولهم أرض خوزستان من سكان واسط ومنها رحلوا إلى المنطقة وانتشروا في البادية الممتدة بين رامز وتستر إلى الجبل، والشرفاء معروفون بالشرف والشجاعة وأغلبهم عرب رحَّل يتعشقون عيش البادية وآدابها، ويشتغلون في تربية المواشي وبيعها في الأسواق وعندما نزحوا إلى الحويزة واستقرُّوا بها مدهم أمراء الموالي بالعون والمساعدة لنسبتهم إلى أهل بيت الرسول(ص)، ومن أهازيجهم أثناء ثورة سنة الخمسين بعد الألف والمائة الثالثة للهجرة «يعكال انسوي لك هيبة» يقول كاتب هذه الحروف إنَّ ما ذكره علي نعمة الحلو، من كون الشرفاء ساكنين في واسط قبل حلولهم إمارة المشعشعين هو محل تأمل ونقاش إذ أن بعض الشرفاء من ذرية محمد بن مقبل وابن عمه أبو غرة سالم بن مهنا قد وردوا العراق واستوطنوا الحلة على عهد السلطان أبي سعيد بن خدابنده سنة سبعمائة وست عشرة وانتشر عقبهم في الحلة والجوازر وبغداد ومنهم جماعة انتقلوا إلى تستر ونواحيها كما أن جماعة من أعقاب أحمد الثليل كانوا يسكنون في قرية قرب الحلة يقال لها بنشته وانتقل بعضهم إلى تستر مع آل مقبل ومعرعر، إلا أن هؤلاء كانوا بعيدي عهد بالمدينة بينما كان الشرفاء من آل معرعر وهم المتقدمون مكانة عند المشعشعيين الأسرة التي ينتسب إليها السيد حمد الشريف ذوو صلة قوية بأقاربهم في المدينة يتزاوجون ويتراددون بينهم وهذا يدل على قرب رحيلهم من المدينة وحلولهم في إمارة المشعشعيين مباشرةً.
هادي باليل الموسوي
چشمة علي (ينبوع علي)
في دامغان
تكتب بالفارسية بهذا الشكل: (چشمه) ويلفظ الحرف الأول منها شيناً ممزوجة بالتاء، وهذا الحرف لا مثيل له باللغة العربية لذلك وضعناها في حروف (الشين). ومعنى چشمه (الينبوع)، يصنع قسم من سلسلة جبال ألبرز سدّاً كحدّ طبيعي بين دامغان ومازندران. وتجري في هذه الجبال عيون وينابيع وفيرة المياه، بحيث إنها تكسب تلك المناطق مناخاً طيباً لطيفاً. ومن جملة أحسن تلك العيون والينابيع؛ المياه المتدفقة من (چشمه علي) التي تقع على مسافة ثلاثين كيلو متراً شمال دامغان، والتي تجذب إليها السواح والمسافرين للراحة والاستجمام. بل إن سلاطين وأمراء قصدوا منذ القديم هذه العين للترفيه منهم ملوك القاجار، ومن أبرزهم: آقا محمد خان، وفتح علي شاه الذي كانت ولادته في دامغان. وقد أمضى ناصر الدين شاه في طريق سفره إلى خراسان، أياماً أقام فيها عند (چشمه علي)، حتى أن أهالي دامغان ينقلون أحداثاً جذابة عن تلك الأيام.
وما تزال هذه العين إلى يومنا الحاضر مقصد السواح ليس فقط من دامغان، وإنما من مختلف المناطق المجاورة، في أيام فصل الصيف.
وكان آقا محمد خان وفتح علي شاه قاجار قد أنشآ أبنية حوالي هذه المنطقة (چشمه علي)، ولكنها فنيت بتأثير قلة استحكام بنائها، وعلى أثر وقوع الزلازل والحوادث الطبيعية الأخرى.
1 ـ قصر فتح علي شاه، بناه وسط البحيرة، بحيث تحيط المياه من جوانبه الأربعة. وتبلغ مساحتة مائتي متر مربع، ويشتمل على طابقين، وهو بني بالآجر، وقد كسي قسمه الأسفل بالأحجار على ارتفاع متر. ويحتوي القصر على غرف متعددة، وأجمل أقسامه الجزء الشمالي المعدّ كقاعة، سعة مدخلها ثمانية أمتار، وفي وسطها أسطوانتان خشبيتان هما غاية في الجمال والروعة، وعلى طرفي المدخل يوجد إيوانان كل منهما بمترين ونصف المتر. وقد طليت جميع الأقسام الداخلية من القصر بالآجر الأبيض الناصع.
وعلى الطرف الشرقي من القاعة كتب متن الوقفية بتسعة أسطر، فيما كتب التاريخ المنظوم على الطرف الغربي، وذلك على اثنين من حجر المرمر، طول كل منهما 95 سنتمتراً، والعرض 55 سنتمتراً، وبخط (النستعليق). وكان ذلك البناء في سنة 1217م عندما كان فتح علي شاه قاجار متوجهاً لقتال الفرقة الأوزبكية في بلاد ما وراء النهر.
2 ـ مسجد فتح علي شاه: في القسم الغربي من (چشمه علي) يقع هذا المسجد، وهو غير مزيّن بشيء. وفي الإيوان الأوسط منه يوجد محراب، على طرفيه العلويين حجران من المرمر شبيهان باللذين في قاعة قصر فتح علي شاه؛ كتب على إحداهما متن الوقفية، وعلى الأخرى التاريخ المنظوم الذي يثبت وقت تشييده، وهو نفس السنة التي بني فيها القصر.
3 ـ بناية أخرى في القسم الجنوبي من (چشمه علي)، وهي لآن منهدمة لم يبق من آثارها غير أجزاء من الجدران الجنوبية ومكان الباب في ذلك الجانب. وليس بين أيدينا ما نستطيع أن نستدلّ به على تاريخ البناء، ولكننا نعتقد أنه يعود إلى عهد آقا محمد خان قاجار.
4 ـ بقايا قلعة تقع في القسم الغربي من (چشمه علي) على ظهر أحد التلال، وهي على صورة مستطيلة الشكل، لم يبق منها غير أربعة جدران وبابها الرئيسي من جهة الجنوب، ومن المحتمل أنها تعود إلى العصر القاجاري، وأنها مقر للحراسة.
ومن المؤسف أن الملوك المتأخرين من السلالة القاجارية لم يكونوا يهتمون بترميم وتعمير الآثار التاريخية، وبالذات الأبنية الجذابة في (چشمه علي).
شط العرب
هذه التسمية تبدو في المصادر المعروفة هكذا:
في دائرة المعارف الفارسية:
نهر طوله حوالي 190 كيلو متراً في آسيا الغربية، يتكون من التقاء دجلة بالفرات في الجنوب الشرقي من العراق ويجري نحو الجنوب الشرقي ويصب في الخليج الفارسي. وتصب فيه مياه نهر كارون وروافده ويبدأ من القرنة.
وفي معجم معين:
نهر كبير يتكون من التقاء نهري دجلة والفرات بالقرب من القرنة بجوار الخليج الفارسي. طول هذا الشطّ حوالي 175 كيلو متراً وعرضه بين 500 إلى 1200 متر ويصب فيه قسم من مياه نهر كارون. اسم شطّ العرب لم يكن موجوداً في القرون الماضية وأن الأنهار دجلة والفرات وكارون وكرخة كانت كل واحدة منها تصب في الخليج الفارسي. إن رسوبات هذه الأنهار دفعت الخليج الفارسي إلى الأمام وشكلت شطّ العرب.
دائرة معارف دهخدا:
إن هذه التعاريف ناقصة وإن كان شطّ العرب حسب المصادر التي وضعت في القرون الأخيرة وحسب الأدلة التي سنذكرها تشير إلى أن هذه التعاريف تعطي معلومات غير صحيحة ومغرضة ومدسوسة.
حتى أوائل القرن العشرين كانت المياه التي تنضم إلى دجلة في القرنة لا تقتصر على مياه الفرات، إن نهر الفرات كان يسير في مجراه الطبيعي حتى مدينة الكوفة وبعدها كان يصب في البطائح والمستنقعات. جاء في أشكال العالم لأبي القاسم بن أحمد الجيهاني ما يلي:
… ثم يمتد نهر الفرات ويسير في بلاد العرب إلى الرقة وقرقيسيا والرحبة ودالية وعانة وهيت والأنبار حتى الكوفة وهنا مصبّ مياه الفرات في المستنقعات العربية.
يقول مكدونالد كينير في مذكراته الجغرافية في أوائل القرن التاسع عشر:
تختفي مياه الفرات في المستنقعات الواسعة في لام لون. ولام لون تقع في منتصف الطريق بين البصرة والحلة وتقع المستنقعات على مسافة 16 كيلو متراً جنوب قرية لام لون والمسافة بينها وبين مدينة النجف عن طريق البحر والصحراء حوالي 145 كيلو متراً. وآخر نقطة لجنوب المستنقع تصل إلى مدينة السماوة.
رافد من نهر دجلة من كوت العمارة يجري إلى سوق الشيوخ هو الفرات أو شطّ الحي. وإن مياه مستنقع لام لون تجري من السماوة إلى سوق الشيوخ وتصب في دجلة. ومن سوق الشيوخ حتى القُرنة مسافة سبعين أو ثمانين كيلو متراً تسير مياه دجلة وزاب لام لون في مجرى واحد وتتصل بدجلة الشرقية التي كانت تسمى شطّ العرب منذ عهد الأقشارية والزندية وتسير في مجراها الحالي حتى الخليج الفارسي.
إن اتصال مياه المستنقعات والبطائح بدجلة كان يتم في الماضي عن طريق نهر أبو أسد ومنذ خمسمائة أو ستمائة سنة حتى أوائل القرن العشرين صار إلى القرنة ومن ثم فإن هذه المياه تجري في قناة جديدة من هور الحمّار وتتصل بشطّ العرب على مسافة 15 كيلو متراً شمال مدينة البصرة في مكان يسمى «گرمة علي» يبعد عن الفاو حوالي 140 كيلو متراً. يقول أحد المحققين إن قناة گرمة علي حفرها الإنكليز للملاحة بين البصرة والناصرية.
وعلى هذا فإن اداء قاموس معين القائل بأن شطّ العرب يتكون بجوار الخليج الفارسي لا يتفق مع الحقيقة، فالجوار معناها القرب وحسب ما قلنا فإن بداية مكان تشكيل هذا النهر تبعد عن الخليج الفارسي حوالي 170 كيلو متراً.
أما الادعاء القائل بأن شطّ العرب لم يكن موجوداً في القرون الماضية وأن الأنهار دجلة والفرات وكارون وكرخة كانت تصبّ في الخليج كل واحدة منها على حدةٍ فقابل للنقد أيضاً. لم تكن كلمة شطّ العرب موجودة في القرون الماضية ولكن مجراه ومسير مياهه كان معلوماً وموجوداً وكان يسمى دجلة. وإن مدن البصرة وعبادان والأبلّة ومذار ومختار ونهري المعقل والعشار التي تقع اليوم حسب ما يُذكر في الكتب إلى جانب شطّ العرب كانت في أوائل الإسلام وحتى القرن الحادي عشر الهجري إلى جانب نهر دجلة. ومنذ أوائل العصر الصفوي فإن دجلة كانت مترادفة مع كلمة شطّ العرب وسنقدم وثائقها التاريخية فيما بعد.
إن موضوع أنهار دجلة والفرات وكارون وكرخة وكونها تصُبّ في الخليج الفارسي كل واحد منها بمفرده قابل للبحث والتدقيق ولم أشاهد حتى الآن نصاً يقول إن نهر كرخة يتصل بالخليج الفارسي. وتقول نتائج مطالعات المحققين الأجانب عامة إنه في الأزمنة القديمة كانت مياه نهر كرخة تصب في بحيرات ومستنقعات ميسان وإن النهر الوحيد الذي كانت مياهه تصب في الخليج الفارسي في الأزمنة القديمة هو نهر كارون. وإن دجلة والفرات لم يصبّا في الخليج الفارسي كل واحد منهما على انفراد. وقبل ميلاد المسيح وفي عهد السومريين والبابليين كان دجلة يجري في شطّ الحي وبعد المرور بالقرب من مدينة لاگاش كان يتصل بالفرات بعد مدينة أور. وكانت مياه هذين النهرين المشتركة تصب في خور عبداللَّه جنوب جزيرة بوبيان عبر نهر الزبير غربي مدينة البصرة الحالية وتتصل بالخليج الفارسي. إن الحالة الراهنة كانت قائمة منذ عهد الساسانيين.
آن آخر عبارة في قاموس معين حول شطّ العرب تقول إن «رسوبات هذه الأنهار دفعت تدريجياً ساحل الخليج إلى الأمام وشكّلت شطّ العرب». إن هذه العبارة في قاموس معين مدعاة للدهشة. فإذا كانت هناك رسوبيات لأي نهر فإنها تشكّل الدلتا وإن الدلتا لا تدفع الساحل إلى الوراء أو إلى الأمام بل إنها تدفع الساحل نحو البحر. إن نهري دجلة والفرات حتى على مسافة 100 كيلو متر شمال القرنة لم يكن لهما رسوبيات حتى تشكّل الدلتا وتدفع الساحل أما إلى الأمام وأما إلى الخلف وتشكّل شطّ العرب. وكانت نتيجة التحقيقات والدراسات التي أجراها السير ويليام ويلكاكس، رئيس هيئة مهندسي الري والسدود الإنكليزي، هي أن نهر الفرات يُشكّل الدلتا بين عانة وهيت على مسافة عدة كيلو مترات جنوب هيت. وفي عهد قورش كانوا يسمون هذا المكان بوابة بابل. وإن رسوبيات نهر دجلة كانت ترسب جنوب مدينة سامراء حوالي مدينة بلد وإلى جوار هذه المدن توجد أحسن البساتين والمزارع. إن مياه دجلة والفرات تسير بعد هذه المدن في السهول هادئة بطيئة وتصب في الخليج الفارسي دون أي رسوب.
يقول آرنولد ويلسون: جميع رسوبيات نهر الفرات تصب في بحيرة الحمّار والشفافية. إن المياه التي تتصل بدجلة في القُرنة مياه صافية زلال ولا يوجد فيها أية رسوبيات، وإن نهر دجلة يصب أقل من 10% من رسوبياته في شطّ العرب وإن 90% منها تنتشر بين بغداد وجنوب العمارة حتى قلعة صالح في السهول، وإن أكثر الرسوبيات التي تصب في شطّ العرب عن طريق نهر كارون نسبتها حوالي 90%. ومحقق آخر يعتقد أن 75% من رسوبيات شطّ العرب هي من مياه نهر كارون.
شطّ العرب
في المصادر المزيفة والمضافة
ينقل دهخدا في موسوعته تحت عنوان «شطّ العرب» بعض ما كتبه ناصر خسرو في رحلته وما كتبه حمد اللَّه المستوفي في نزهة القلوب. أما حول رحلة ناصر خسرو، فقد صدر حديثاً كتاب جديد بعنوان «نظرة جديدة على رحلة ناصر خسرو فيه الكثير من الزيف وبإمكان القارىء أن يراجع ذلك الكتاب ويطَّلع على ما فيه من زيف. أما في النص المطبوع لكتاب نزهة القلوب فإننا نقرأ ما يلي عن «دجلة»:
مياه دجلة تنبع من جبال آمد وسلسلة الجبال الواقعة على حدود حصن «ذو القرنين» وتتصل بها عيون كثيرة وتمر من بلاد الروم والأرمن وتصل إلى ميافارقين والحصن وتجتمع مع المياه الأخرى وتنضمّ إليها مياه الأرمن في بداية ديار عراق العرب وفي جنوب بغداد تتصل بها مياه النهروان، وفي جنوب واسط تتفرع منها خمسة أنهار معروفة وهي: نهر دقلا ونهر الأعراف ونهر جعفر ونهر ميسان ونهر ساسي، بحيث لا يبقى في عمود نهر دجلة كمية كافية من المياه يمكن الملاحة فيها وفي الجنوب من قرية المطارة تجتمع هذه المياه مع مياه الفرات في البطائح وتجتمع بها المياه القادمة من خوزستان وتشكّل شطّ العرب. وتصب في بحر فارس جنوب البصرة وطول هذا النهر هو ثلاثمائة فرسخ والفُرس يسمونه أروند رود [نهر اروند].
أعتقد أن هذه الكتابات لا أساس لها من الصحة ولا تتفق مع الواقع. إن نهر دجلة لا يمر ببلاد الروم والأرمن ولا يصل بميافارقين. إن كتابات نزهة القلوب هي من المحالات. إن دجلة ينبع في الشمال الغربي من ديار بكر على ارتفاع 650 متراً من سلسلة جبال طوروس وينحدر نحو الجنوب ويصل إلى بين النهرين في حين أن بلاد الأرمن أو أرمينيا تقع في الشمال الشرقي من ديار بكر في منطقة جبلية واسعة مرتفعة يبلغ ارتفاعها بين 800 إلى 2000 متر ولا علاقة لها بنهر دجلة أبداً.
كتب مينورسكي مقالاً مفصلاً حول تاريخ ميافارقين في دائرة المعارف الإسلامية (طبع أسطنبول) كما أن بسيم داركوت كتب عن الأوضاع الجغرافية لهذه المدينة. وحسب ما جاء في دائرة المعارف الإسلامية أن مدينة ميافارقين هي على ارتفاع 850 متراً وتقع على مسافة 84 كيلو متراً شمال شرقي ديار بكر و40 كيلو متراً شمال وادي دجلة و22 كيلو متراً غرب نهر باتمان. إن نهر فارقين يجري شمال هذه المدينة ويتصل بنهر باتمان وهو من روافد دجلة على مسافة 25 كيلو متراً من المدينة. وفي المجلد الأول من قاموس إيران والإسلام مقال مفصل عن الأناضول وفي الصفحة 238 خريطة فيها بيان عن ينبوع دجلة ومجراه حتى الموصل.
أما الدليل الآخر على زيف ما جاء في نزهة القلوب فهو: في النسخ المخطوطة من هذا الكتاب الموجودة في المكتبة المركزية بجامعة طهران تحت رقمي 3437 و6319 وفي مكتبة مجلس الشورى تحت رقم 2975 وفي مكتبة ملك تحت رقمي 1047 و1140. جاء عن نهر دجلة كما يلي دون أن يذكر شيئاً لا عن ميافارقين ولا عن شطّ العرب:
تنبع مياه دجلة من جبال آمِد دوبيلسلة من حدود حصن ذي القرنين وتمر من ولاية الروم والأرمن وتتصل بمياه النهروان جنوب بغداد وفي جنوب واسط تتفرع منها خمسة أنهر مهمة بحيث لا يبقى في عمود نهر دجلة من المياه ما يكفي للملاحة والمياه التي تأتي من خوزستان تجتمع وتتصل به وتصب في بحر فارس وطول هذا النهر ثلاثمائة فرسخ.
في 13 تموز سنة 1810م أصدر جورج الثالث ملك إنكلترا أمراً إلى السر گور أوزلي مبعوث الحكومة الإنكليزية فوق العادة في بلاط إيران فيه ما يلي:
الفقرة العاشرة ـ إذا رأيت مناسباً اشتر أي نوع من المخطوطات النادرة باللغتين الفارسية والعربية بثمن مناسب وعندك الصلاحية بأن تصرف ستمائة ليرة ذهبية في السنة في هذا السبيل المفيد. وعليك أن تقوم بتغليف هذه الكتب الخطية بدقة وإرسالها إلى وزير خارجيتنا.
فمنذ ذلك التاريخ وإلى سنوات عديدة، فإن بعض المراكز الاستعمارية وخاصة شركة الهند الشرقية وحكومة الهند البريطانية وضمن برامج خاصة كانت تجمع المخطوطات الفارسية والعربية الأصلية وتحتفظ بها في مكتباتها وأرشيفاتها الخاصة وفي المقابل بدأت بإعداد كتب مزيفة وتوزيعها على المكتبات الخاصة والمكتبات الوطنية في إيران. إن قصة الدساتير السماوية المزيفة التي كتبها وزيّفها الملا فيروز عميل شركة الهند الشرقية وفرضها على الثقافة الإيرانية في العهد القاجاري هي قصة معروفة. وحسب اعتقادي أن رحلة ناصر خسرو (سفرنامه) والملحقات التي أضيفت إلى كتاب نزهة القلوب هي كذلك أيضاً.
شطّ العرب معناه «دجلة»
في المصادر الإيرانية والعثمانية
يبدو أن العثمانيين هم الذين استعملوا كلمة «شطّ العرب» في القرن الحادي عشر لأول مرة وكانوا يعنون به نهر دجلة. إن هذه الكلمة دخلت إلى المصادر الإيرانية فيما بعد وشاع استعمالها، ولكن منذ أوائل القرن التاسع عشر وما بعده فإن الحكومة الإنكليزية ولأغراض سياسية خاصة تتعلق بفصل السواحل الشرقية من نهر دجلة عن خوزستان بدأت باستعمالها في منطقة معينة من نهر دجلة (من القرنة حتى الفاو) والدعاية لها وأخيراً وبعد جهود ودعايات استمرت قرناً كاملاً فرضت أهدافها الاستعمارية وذلك في سنة 1914م خلال التحكيم في لجنة مسح الحدود الإيرانية العثمانية وفيما يلي دراسة هذه الوثائق:
شطّ العرب
في المصادر العثمانية
1 ـ حسب معلوماتي فإن الأمير شرف خان البدليسي في كتابه شرف نامه وخلال حديثه عن حكام الجزيرة، استعمل لأول مرة كلمة «شطّ العرب» بدلاً من نهر دجلة ويقول:
حصن وبلدة الجزيرة تقعان على ساحل نهر شطّ العرب بحيث إنهما عند فيضان مياه الشطّ تقسمان إلى قسمين ويحتضن الشطّ القلعة والمدينة ويسير في مجراه.
2 ـ يتحدث أولياء الچلبي في رحلته عن دجلة بكلمة شطّ العرب ويقول:
إن المسافة بين الفرات وشطّ العرب خمسون فرسخاً وإن شطّ العرب ينبع من جبال ديار بكر. ويتصل بالفرات في القُرنة. وتصب في نهر الفرات عدة مئات من الروافد والأنهار أكبرها شطّ العرب.
3 ـ حسن الشعوري (المتوفى سنة 1105هـ) يشرح كلمة أروند في قاموسه المسمى قاموس الشعوري ويقول: «أروند: بسكون الراء والنون وفتح الواو، لها سبعة معاني، أولها نهر دجلة الذي يقال له شطّ العرب:
4 ـ في كتاب تاريخ «گلشن خلفا» عندما يتحدث عن هجوم إبراهيم باشا والي بغداد للقضاء على حسين باشا والي البصرة يقول إن طريقه كان من جانب الجزائر نحو القُرنة ويضيف إن إبراهيم باشا عبر شطّ العرب في البداية ثم حاصر أطراف قلعة القُرنة.
شطّ العرب في المصادر الإيرانية
رغم أن تاريخ عالم آراي عباسي خلال حديثه عن نقل مياه كرنگ إلى أصفهان يشير إلى شطّ العرب ولكن المصادر والوثائق الإيرانية تبدأ من عصر نادرشاه.
1 ـ يتحدث تاريخ جهاگشاي نادري في بيان أحداث سنة 1156 هجرية ويقول: إن قوجة خان، أرسل شيخانلو وجشمنگرك على رأس جيشه إلى البصرة وأمر حكام الحويزة وشيراز وفيلي وشوشتر ودزفول والعرب أيضاً بالتوجّه نحو البصرة لفتحها وأمر بأن يركبوا الزوارق المحلية الصغيرة الموجودة على ساحل الحويزة لعبور شطّ العرب وأن ينفذوا الأوامر لفتح البصرة.
توجهت قوات نادرشاه من الحويزة نحو البصرة في الزوارق المحلية الصغيرة التي تسمى (غراب) عن طريق نهر كرخة نحو غرب الحويزة والعبور من دجلة (شطّ العرب) أدى إلى فتح القُرنة ومحاصرة البصرة. ومن أجل أن يتعرف القارىء على موقع ومكان هذا الممر الاستراتيجي نقدم فيما يلي ما جاء في تاريخ گيتي گُشا.
2 ـ قبل مطالعة تاريخ گيتي كُشا نلفت انتباه القارىء إلى أن الكتاب لا يشير من بدايته حتى نهايته إلى كلمة دجلة بل يسميه «شطّ العرب». وفيما يلي أدق وصف.
يقول مؤلف تاريخ گيتي كُشا عن توجّه قوات كريم خان زند العسكرية نحو البصرة:
في بداية شهر محرم الحرام من السنة المذكورة وصلت القوات الهمايونية إلى مدينة الحويزة، وفي اليوم الثاني عشر من هذا الشهر خرجت هذه القوات من الحويزة وفي صباح اليوم الخامس عشر وصلت إلى الساحل الغربي.
لقد وصلت إلى ساحل شطّ العرب ولا حاجة لوصف شطّ العرب لأنه شطّ معروف في جميع أنحاء العالم وهو بحر واسع مضطرب يتكون من عدة أنهار زخّارة كل واحد منها نهر كبير تتصل معاً وتؤلف ما يسمى بشطّ العرب ويمرّ من جانب مدينة البصرة وينتهي إلى البحر المالح العظيم. ولما كان العبور من هذا البحر اللهّاب والمرور من تلك اللجّة المضطربة لا يمكن إلا بواسطة جسر طويل اضطررنا أن نضع جسراً على هذا الشطّ لنتمكن من أن ننقل عليه الزوارق الصغيرة الكثيرة والأعمدة المشيدة القوية والقوائم المحكمة وأوتاد القنطرة من الحويزة ومن بقية المدن البعيدة والقريبة من شطّ الحويزة والشطوط الأخرى التي تتصل بشطّ العرب، وتمّ إقامة هذا الجسر على أيدي الحدادين الأقوياء وبواسطة السلاسل القوية المحكمة مستعينين بتأييده سبحانه القدير ومتمسكين بالعروة الوثقى. ويقول مؤلف تاريخ گيتي گُشا في مكان آخر عن اتصال الفرات بدجلة ويصف ذلك النهر بشطّ العرب ويقول: ـ إن شطّ الفرات يعبر من مكان اسمه الجزائر وطوله ثلاثين فرسخاً وإن حكام البصرة جعلوه من موارد المنتفج (المنتفك) وينتهي بشطّ العرب.
3 ـ إن گلادوين ترجم إلى الإنكليزية بعض أقسام كتاب «بيان الواقع» من تأليف عبدالكريم الكشميري. وطبعها في لندن في سنة 1793 ميلادية. وقد تُرجم هذا الكتاب إلى الفارسية سنة 1322 هجرية شمسية بواسطة محمود هدايت وطبع في طهران في 57 صفحة تحت عنوان في ركاب نادرشاه أو رحلة عبدالكريم. والنص الإنكليزي من الكتاب المذكور مأخوذ من مصادر القرن الثامن عشر ويصف دجلة بشطّ العرب. نقرأ في الكتاب المذكور ما يلي:
سكان بغداد كثيرون وداخل حصارها أراضٍ زراعية كثيرة. هذه المدينة تقع على الساحل الشرقي لشطّ العرب وعلى وجه التقريب مقابل المدينة القديمة التي كانت تقع على الساحل الغربي من هذا النهر وهي اليوم خربة. إن قصر أنوشيروان المعروف كثيراً عند الإيرانيين والعرب يقع على مسافة ستة فراسخ من بغداد وعلى مسافة 555 قدماً من شطّ العرب وما تزال بعض جدرانه موجودة قائمة. وعلى الساحل الغربي من شطّ العرب وعلى مسافة نصف فرسخ من مدينة بغداد القديمة زرنا مرقد الإمام موسى الكاظم والإمام محمد التقي اللذين يسمونهما الكاظمين.. الموصل مدينة كبيرة تقع على ساحل شطّ العرب وشاهدنا فيها قبر جرجيس المقدس وقبر يونس النبي.
4 ـ نقرأ في نص كتاب بيان الواقع لعبدالكريم الكشميري المطبوع في لاهور ما يلي:
بغداد مدينة عامرة كبيرة وشطّ العرب يمر وسط بغداد القديمة وبغداد الجديدة. وبلدة الموصل مدينة عظيمة على شطّ العرب.
5 ـ تزامناً مع تأليف تاريخ گيتي گُشا قام الخواجة عبدالقادر المنشي (الكاتب) مع الشاه نور اللَّه خان برحلة من الهند إلى البصرة وبغداد. يشرح الخواجة عبدالقادر هذه الرحلة ويصف الموانىء الإيرانية التي مرّ بها في كتاب اسمه وقائع منازل الروم. يصف الخواجة عبدالقادر شطّ العرب وخاصة اتصاله مع نهر الفرات في كتابه هذا على أحسن شكل. فيما يلي بعض المقتبسات من ذلك الكتاب:
وقائع شوال سنة 1200هـ (السادس من آب ـ أغسطس 1786 ميلادية)، في الطاس الثامن، ليلة الخميس رُفع أنجر (مرساة السفينة) السفينتين عند وقت صلاة الصبح ودخلنا خور البصرة يعني مصب نهر الفرات وشطّ العرب معاً اللتين يأتيان من شمال ميناء البصرة وعرضه سبعمائة ذراع وعلى اليمين صحراء حصوية هي من أملاك چعب الذين كانوا قبل هذا قطاع الطريق وبعد أن أدبهم حاكم البصرة امتنعوا من إيذاء الأهالي وعلى اليسار بساتين الخيزران وهي من توابع البصرة.
وبتاريخ الثالث والعشرين يوم الخميس في الطاس الرابع وصلنا إلى القرنة وهي قلعة قديمة خربة فيها بعض الخانات والدكاكين وفيها يبيعون اللحم والسمن والقمح والشعير والرز وفيها مسجد خرب ومن المعمور مسافر خانه (فندق) وبعض المقاهي وبعض الخانات ودكاكين البزازين وغيرها وخياط وثلاثة أو أربعة مقاهٍ. ومقام إبراهيم خليل اللَّه (عليه السلام) يتصل بنهر الفرات ونهر العرب وفيها بساتين النخيل الكثيرة وفي مكان القرنة يتصل شطّ العرب والفرات معاً وعن طريق شطّ الفرات نصل إلى مدينة الحلة ومنها إلى النجف الأشرف وكربلاء وبغداد وهي على مسافة يوم أو يومين. ونصل من القرنة إلى هذا المكان عن طريق شطّ الفرات في عشرة أو أحد عشر يوماً وعن طريق شطّ العرب نصل إلى بغداد في مدة شهرين بل أكثر ولكن هذا الطريق خطر جداً ومخيف لأن عشائر الخزاعل تسطو على الناس ولكن عن طريق شطّ العرب لا خطر ولا خوف.
يقول مؤلف الكتاب عن كيفية استيفاء الضرائب الجمركية في القرنة كما يلي:
أجاب الشيخ السويني (الحاكم البدوي في القرنة) عن زكاة البضائع التجارية: إذا كانت تمر من شطّ الفرات إلى بغداد يجب أن تدف الضرائب وفي غير هذه الحالة، لا.. وإذا كان عن طريق شطّ العرب فإن الزكاة لا تستلم.
جاء جعفر خان ومحمد الإمام وغيرهم إلى الشاه نور اللَّه خان وقالوا: يجب أن نذهب إلى بغداد في أسرع وقت أما عن طريق شطّ العرب وأما عن طريق الفرات أو عن طريق البرّ.
أجاب الشاه نور اللَّه خان قائلاً: حسناً لا مانع من ذلك. ركبنا السفن وذهبنا من شطّ العرب إلى الكوت ومنها إلى بغداد عن طريق البرّ ثلاثة منازل وعن طريق الماء خمسة وعشرون منزلاً حتى نصل إلى بغداد([305]).
قال الشاعر العراقي محمود الحبوبي يصف رحلة في شطّ العرب سنة 1942م:
ساعةٌ مرت بـ(شطّ العرب)
ضمنت للنفس أشهى الأرب
أخذ (الزورق) فيه مذهباً
رائعاً، أحبب به من مذهب
مشية الهادىء ينساب بنا
إن نشأ، أو مشيّة المضطرب
إنها اهنأ ما مرَّ لنا
من سويعات الهنا والطرب
* * *
الفضاء الرحب مزدانٌ بما
فيه من شتى مرائي السحب
كتلةٌ بيضاء في جانبها
كتلة تحسبها من لهب
هذه تبدو لهذي جارةً
فهي الفضة جنب الذهب
وابنة الأفق تراها بينها
فترى «ليلاك» بين الحجب
قد أرتنا الجوَّ أزهى ما نرى
واستفزتنا لمرأًى عجب
والطيور البيض ما أجملها
موكباً يروي البها عن موكب
قيل: صف أسرابها قلت لهم
كمنى الخود، وأحلام الصبي
بيننا تمرح فوق الموج، أو
فوقنا بين الفضاء الرحب
ولنا منها ومما حولنا
غيرُ عيش الواجم المكتئب
* * *
نحن من زورقنا في محفلٍ
يتهادى بهواة الأدب
نتعاطى رائق الشعر به
كتعاطي الشَّرب بنت العنب
وإذا مرَّت بنا «باخرة»
ودنت تلحظنا من كثب
يعتلي الموج وينحط بنا
كالربى تنزلنا للسبب
وكم اجتازت بنا رحلتنا
راسياتٍ مثلها كالهضب
كل شماء لها من صوتها
زأرات الليث حين الغضب
فترى «القارب» إن قاربها
حيَّةً تسعى حيال الكثب
وإذا أبصرت ليلاً سرجها
خلتها مجموعةً من شهب
هيَ مما هاج أحلاماً لنا
ورؤى طافت بشطّ العرب
* * *
وهنا أو ههنا ما شئت من
منظر زاهٍ، وصوت مطرب
ذاك «نايٌ» في يدي معتزل
تعب الدنيا، ودنيا التعب
ألف الوحدة حتى بات عن
خطرات الهم في مجتنب
ومضى يلتمس البشرى، لذا
قال: يا نفس عن الناس اهربي
يملأ الجَّو صدى أنغامه
تحت ظل النخل فوق العشب
واسأل الأدواح أن تهتزَّ عن
خطرة الأبطال حين الغلب
بينها كل هزارٍ طربٍ
يتغنى فوق غصن رطب
ها هي الروعة ملء الشطّ، بل
ملء هذا الكون فانظر واعجب
السما، والطير، والشمس ارتمت
من خلال الغيم نحو المغرب
فاسترح يا متعب القلب لما
يبعث البشر لقلب المتعب
* * *
إِرم أنى شئت عينيك تجد
كلَّ آمال الفؤاد الوصب
ذاك «قصر» قائم في جنَّةٍ
قاصر عنه بيان المطنب
أودع الفن به آياته،
أيها الشاعر فاقرأ واكتب
قد تراءى كعروسٍ جذبت
نحوها بالزهو من لم يُجذب
إنما فوق جمالٍ ظاهر
فيه ـ لو يبدو ـ جمالٌ مختبي
ظللته أغصنُ الدوح التي
هو منها بين غاب أشب
* * *
وقال الشيخ محمد جواد السهلاني خلال تشرده عن العراق في عهد الطاغية صدام حسين وهو واقف على شطّ العرب مقابل أرض العراق عام 1991م من قصيدة:
رأيت النخيل نخيل العراق
على جانب الشطّ شطّ العربْ
فحام فؤادي على مائهِ
أهل شربةٌ منك تطفي اللهبْ
وهذا نميرك حلو المذاق
هنيئاً لمن ذاقه أو شربْ
فشوقي إليك كشوق الرضيع
على ثدي أُمِّ هوى واحتلبْ
وعشر سنينٍ عجاف مضت
فكانت أتوناً، وكنتُ الحطبْ
فؤادي وماذا يكون الفؤاد
فلو كان من صخرة لانشعبْ
أأسعد في عودتي للعراق
وفيها الحياة وفيها الأربْ
ويجتمع الشمل بعد لفراق
ويلتمّ حولي فحول الأدبْ
* * *
الشعوبية
نشأت الشعوبية وهي في أصلها الطعن في العرب في ظل الحكم الأموي وبرعاية الأمويين قال أبو الفرج الأصفهاني: أصل المثالب زياد ابن أبيه، فإنه لما ادعى انتسابه إلى أبي سفيان، وعلم أن العرب لا تقرّ له بذلك، مع علمها بنسبه ـ إذ كان ينسب إلى أمه سمية ـ ومع سوء آثاره فيهم، عمل كتاب المثالب، ألصق بالعرب كلها كل عيب وعار، وحق وباطل، ثم ثنى على ذلك «الهيثم بن عدي» وكان دعياً، فأراد أن يعرّ أهل البيوتات، تشفياً منهم، وفعل ذلك أبو عبيدة معمر بن المثنى، وكان أصله يهودياً، أسلم جده على يدي بعض آل أبي بكر الصديق )رض(، فانتمى إلى ولاء بني تميم، فجدد كتاب زياد وزاد فيه. ثم نشأ «غيلان» الشعوبي، لعنه اللَّه… فأبدع كتاباً عمله لطاهر بن الحسين، وكان شديد التشعب والعصبية، خارجاً عن الإسلام بأفاعيله، فبدأ فيه بمثالب بني هاشم «انتهى».
وقال أبو عبيد البكري في شرح أمالي القالي: كتاب مثالب العرب أصله لزياد ابن أبيه فإنه لما ادعى أبا سفيان أباً علم أن العرب لا تقرّ له بذلك مع علمهم بنسبه فعمل كتاب المثالب وألصق بالعرب كل عيب وعار وباطل وإفك وبهت ثم ثنى على ذلك الهيثم بن عدي وكان دعياً فأراد أن يعرّ أهل الشرف تشفياً منهم وأما كتاب المثالب والمناقب الذي بأيدي الناس اليوم فإنما هو للنضر بن شميل الحميري وخالد بن سلمة المخزومي وكانا أنسب أهل زمانهما أمرهما هشام بن عبدالملك أن يبينا مثالث العرب ومناقبها وقال لهما ولمن ضمّ إليهما: دعوا قريشاً بما لها وما عليها، فليس لقريش ذكر في ذلك الكتاب وقال ابن قتيبة الدينوري: كان زياد حين كثر طعن الناس عليه وعلى معاوية في استلحاقه عمل كتاب المثالب لولده وقال من عيّركم فاقذعوه بمنقصته ومن ندر عليكم فأبدهوه بمثلبته، فإن الشرّ بالشرّ يتقى والحديد بالحديد يفلّ.
الشعيبة
مكان قريب من مدينة البصرة كان ميداناً لمعركة حربية بين الإنكليز والعثمانيين في الحرب العالمية الأولى. وقد ساهم في هذه المعركة من ساهم فيها من جماهير الشيعة العراقيين منضمين إلى صفوف الجيش العثماني تلبية لدعوة الجهاد التي أعلنها علماؤهم في النجف والكاظمية وسار العلماء أنفسهم على رأس المجاهدين، لأن واجب الجهاد يشملهم كما يشمل أتباعهم.
وهذا الموقف من مجتهدي الشيعة ومقلديهم يريك حقيقة الحميّة الإسلامية في نفوس الشيعة وإخلاصهم للإسلام وقضاياه. فالدولة العثمانية التي كان الشيعة في حكمها من المضطهدين المحرومين، لم يقفوا منها في حربها المصيرية موقف المتفرج على الأقل، إن لم يكن موقف الشامت المعين عليها، لما عانوه منها وما كابدوه من حكامها.
لم يتذكر الشيعة مذابح السلطان سليم فيهم، ودماء عشرات الألوف التي أراقها منهم في حلب وفي الأناضول. ولا أفاعيل غيره من السلاطين والولاة ولا فتاوى مشايخ السوء في استحلال دمائهم وأعراضهم وأموالهم ولا النقمة الشرسة التي قابل بها السلطان سليم والسلطان سليمان قيام الدولة الشيعية الصفوية وما جرداه هما وغيرهما من السلاطين من حملات للقضاء عليها. ولا غير ذلك من الأفاعيل الكبيرة والصغيرة التي كانت تنتابهم كل يوم.
لم يتذكر الشيعة ذلك بل لم يعودوا يذكرون سوى أن الدولة العثمانية هي اليوم الدولة الإسلامية التي تحمل عنوان الخلافة ويُنظر إليها أنها تمثل الإسلام والمسلمين وأن الإنكليز المتربصين بها شراً هم اليوم يهاجمونها في العراق، لذلك نادى مجتهدوهم في النجف برئاسة السيد محمد سعيد حبوبي، وفي الكاظمية برئاسة السيد مهدي الحيدري ـ نادوا بالجهاد، وأصدروا فتاواهم بذلك وهؤلاء المجتهدون عندما ينادون بالجهاد يعلمون بأن هذا النداء موجه إليهم أنفسهم قبل غيرهم، وأن هذه الفريضة واجبة عليهم كما هي واجبة على سائر الناس، لا كشيخ الإسلام في استنبول الذي يقف على الشرفة الفخمة وينادي بإعلان الجهاد ثم يعود إلى الأرائك الوثيرة والأسرّة المترفة ناعماً قاراً.
لذلك تقلدوا السلاح وجلهم شيوخ في عقود الثمانين من أعمارهم ومشوا في طليعة المجاهدين الذين لبوا نداءهم واستجابوا لدعوتهم فكانت جبهة الشعيبة جبهة السيد الحبوبي([306]).
وكان ممن حضر في هذه الجبهة الشيخ محمد رضا الشبيبي العالم الشاعر ونترك له وصف ما جرى ثم نعقب ذلك بالقصيدة التي نظمها في هذه الوقعة.
قال الشبيبي:
أشهر أيام الحرب العراقية إن لم يكن أعظمها يوم الشعيبة ذلك اليوم استنفر إليه أهل البلاد من حاضر وباد قلّت قبيلة أو مدينة لم يشهده منها جماعة، أضف إلى ذلك عظيم محنتهم وقد رابطوا عدة شهور في النخيلة صابرين على ما لا يبصر على مثله من جدب المكان وشظف العيش إلى أن منوا بذلك الخذلان العظيم، ومجمله أنه في أوائل صفر سنة 1333هـ ورد بغداد (أمير ألاي) اسمه سليمان عسكري بك متقلداً قيادة الجيش العثماني العامة في العراق خلفاً لجاويد باشا ومعه فريق من الجنود التركية المدربة، انحدر بها إلى القرنة وواقع الإنكليز هناك في منتصف صفر المذكور فجرح جراحاً بليغة أعيد بسببها إلى بغداد وأقام في المستشفى شهرين لم ينجح فيه علاج لكنه أبى مع هذا أن يستقيل وثابر على تدبير الأمور الحربية والنظر فيها متوقعاً البرء التام ليعود إلى الميادين، ولما طال ذلك عليه صمم على أن يتحامل ويقود الجيش بنفسه في وادي الشعيبة دون البصرة، فحمل في محفة من بغداد إلى الناصرية بعد أن تقدم بأن يحشد فيها الجيش المؤلف من ثلاث كتائب (الآيات) واحدة تركية واثنتان ملفقتان من العرب العراقيين والأكراد ومعها رشاشات ونحو أربعين مدفع سهل.
قام هذا الجيش منتصف جمادى الأولى سنة 1333هـ من الناصرية إلى المعسكر العام في النخيلة مشياً على الأقدام. وبعد يومين أو ثلاثة من وصوله زحف بإيعاز من القائد العام هو والعرب المجاهدون على الشعيبة وهاجموا الإنكليز وهم فيها أمنع من عقاب الجو صباح الاثنين السابع والعشرين من الشهر المذكور هجوماً شديداً دام يومين بدون طائل إلى أن ارتدوا فاشلين، فاغتنم الإنكليز انقطاع الطريق والمواصلات بهم وغلبة الإعياء والتعب عليهم وسوء أثر العطش والجوع فيهم فاتبعوهم وناجزوهم صباح الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة 1333هـ مناجزة شديدة غلب في آخرها العثمانيون غلبة تامة وفقدوا نصف ذلك الجيش بين قتيل وجريح وأسير وفقيد، وانتحر سليمان عسكري بك.
ونظم الشبيبي من وحي هذه الوقعة القصيدة التالية:
نبت الربى حمر أشلاء وأوراد
منثورة لك بين القصر فالوادي
دون الشعيبة أشلاء موزعة
في البيد توزيع أعضاء بأجساد
وفي النخيلة أرماس موثقة
علائقاً بين أسياف وأغماد
للترك ثمة أوتاد وأخبية
فيها أصيبوا وشجوا شجّ أوتاد
جيش أقام ثلاثاً في خنادقها
خالي الحقائب من ماء ومن زاد
ماء الفراتين موفور وحبهما
والجند غرثان ملتاح الحشا صادي
الغلة الغضة الجنى التي نهبت
متروكة نهب أيدي الرائح الغادي
أقواتنا في بطون الذرّ أكثرها
لا في بطون صعاليك وأجناد
صم مدافعنا ما أمطرت حمماً
ولم تكن ذات أبراق وأرعاد
تنازل القوم فأتوا ذرع فيلقنا
بعدهُ وكثرناهم بأعداد
عشرون ألف عراقي ومثلهم
حمر الحماليق من ترك وأكراد
مشمرون تجافوا عن ديارهم
واستبدلوا الوحش من أهل وأولاد
مكابدون على حالي حفا ووجى
في الرمل كلفة إغذاذ وأسآد
بحر من الرمل قامت عن تغطمطه
تنزو غوارب أمواج وأزياد
يهاجمون وهم رجالة كشف
في البر جملة أسوار وأسداد
فل العدو جناحيهم وقلبهم
من قبل تجهيز أعوان وأمداد
إن الدماء التي حلّت نحورهم
قد أوهمتنا عقوداً فوق أجياد
تلك الجماهير لا تلوي على أحد
مخفة بعد أثقال وأزواد
الصادرون وقد أكدت مطامعهم
من بعدما أوردوها شرّ إيراد
والراصدون من الفيحاء ثروتها
باتت مناياهم منهم بمرصاد
وقائد حملوه في محفته
إلى الشعيبة من زوراء بغداد
أفاتك بالعدى جيش يدبره
معطل الجسم ملقى فوق أعواد
جرى سليمان في استعجال مصرعه
مجرى كفاة بأمر الحرب قواد
قاد الألوف فأرداها وأتبعها
في الحال نفس أبي غير منقاد
مخاطر عاش أعماراً لأن له
في أثر كل نجاة يوم ميلاد
وكثرة أعجبته في كتائبه
فراح للنصر فيها أيّ مرتاد
كأنه والمقادير التي سبقت
على مقر وميقات وميعاد
إن القصور التي جلت عمارتها
أمست صوامع رهبان وعباد
سقيا لواديك لا من ماء غادية
كأن أجزاءها علت بفرصاد
وبعد الهزيمة عاد السيد الحبوبي إلى الناصرية فرابط فيها، وكان ما كابده من عناء جسدي وصدمة نفسية قد أثر في صحته فتوفي في الناصرية في الثاني من شعبان سنة 1333هـ فحمل جثمانه إلى النجف الأشرف حيث دفن.
فرثاه الشيخ محمد رضا الشبيبي بهذه القصيدة:
عم الثغور الموحشات ظلام
ودجت لأنك ثغرها البسام
طوت الفيالق نكسا أعلامها
إذ ليس تخفق بعدك الأعلام
رابطت في ثغر العراق وثغره
يحمي الحجاز بسده والشام
سقط الذي شيدت من أركانه
وأعيد فيه النقض لا الإبرام
رام لعدو بك الوثوب فأدركوا
من غير أن يتكلفوا ما راموا
صالت على تلك المنية أختها
وسطا على ذاك الحمام حمام
للَّه تسعة أشهر موصولة
طالت عليك فكل شهر عام
شهر الصيام أتى فراعك أنه
في ظل غير المسلمين يصام
شهر الإطاعة والعبادة خائف
من أن تطاع وتعبد الأصنام
فارقته لا ذلك الليل الذي
يحيا ولا تلك الصلاة تقام
لك في الدفاع موفر أجر الأولى
في الثغر صلوا خاشعين وصاموا
ما كنت تؤثر في جهادك لذة
فيسوغ شرب أو يطيب طعام
قلق وغيرك ساكن ومسهد
والمسلمون مهومون نيام
القوم دونك حائرون لدينهم
والناس بعدك والهون هيام
ما حبهم لك حب راج حظوة
في الحب بل هو لوعة وغرام
علم الرجال الحاملوك بأنهم
حملوا الصلاة فكبروا وأقاموا
فعليكما من ذاهبين تحية
وعليكما من غاديين سلام
إذ لست وحدك في الحقيقة ذاهبا
طي الردى بل أنت والإسلام
الآن لما غيبوك تيقنوا
أن الحياة جميعها أحلام
أين البسالة والعدالة والتقى
أين الحفاظ المر والإقدام
أين الذي بثباته ثبت الورى
وتزلزلت من بعده الأقدام
هل كان يومك وهو بغتة باغت
طيف الكرى وطروقه إلمام
يوم يكاد الدهر ينكر عده
منه وتطلب لغوه الأيام
أأبا الفريق البائسين كفلتهم
ورعيتهم فإذا هم أيتام
أدركت أن ستدول دولة أحمد
وعلمت أن ستبدل الأحكام
وتكذب الآيات وهي حقائق
مجلوة وتصدق الأوهام
ترك الإقامة في المقام فريضة
وتطلب البيت الحرام حرام
يستعظمونك في ابتكارك نهضة
وشؤون ذاتك كلهن عظام
قدت القبائل في الإمامة فيهم
فمن الإمامة في يديك زمام
شافهتهم بالدر وهو مباسم
وأخذتهم بالسحر وهو كلام
كلم بها وبمعجزات مثلها
تجلى العقول وتصقل الأفهام
أصلحت شأنهم وكانوا عصبة
لا الدين يحجزهم ولا الأرحام
عقدوا عليك خناصراً وتأكدوا
أن الوكيل عن الإمام إمام
وسعوا إليك فثم ودت أنها
تسعى الرؤوس لديك لا الأقدام
وتكاتفوا يطؤون عتبتك التي
عنت الوجوه لها وذل الهام
وبدا جبينك فيهم فتهافتوا
شأن الفراش فهم عليك حيام
أيد يؤثلن الثناء وأنعم
لك في رقاب المسلمين جسام
خلدن ذكرك ليس تدرك ثلمة
منه السنون الغبر والأعوام
جبهة القرنة
أما السيد مهدي الحيدري وبقية علماء الكاظمية مع بعض علماء النجف فقد اتجهوا إلى جبهة القرنة المعرضة للهجوم الإنكليزي فكان من بعض أمرهم ما يلي:
عندما داهمت الجيوش الإنكليزية البصرة سنة 1332هـ أرسل بعض البصريين برقيات إلى مختلف أنحاء العراق يستنجدون لدفع الإنكليز عن البصرة. وكان نص البرقية التي وصلت إلى علماء الكاظمية:
«ثغر البصرة، الكفار محيطون به، الجميع تحت السلاح، نخشى على باقي بلاد الإسلام، ساعدونا بأمر العشائر بالدفاع».
وقرئت هذه البرقية علناً فهاج الناس وماجوا، وأغلقوا أسواقهم وعطلوا أعمالهم، واجتمعوا في الصحن الكاظمي ينتظرون أوامر علمائهم، فأصدر العلماء أمراً بوجوب الدفاع على كل مسلم، وأبرقوا بهذا المضمون إلى العشائر المحيطة بالبصرة ثم توالت الاجتماعات في الصحن الشريف منذ العشرين من ذي الحجة إلى 12 محرم الحرام سنة 1333هـ. وألقيت الخطب المثيرة، ورقي المنبر في بعض هذه الاجتماعات السيد مهدي آل السيد حيدر ـ وكان رحمه اللَّه من أقطاب العلماء الثائرين في الكاظمية ـ فوعظ وحرض، وأعلن خروجه بنفسه إلى ميدان الحرب وكان قد تجاوز الثمانين من عمره وخرج معه أولاده وأحفاده وأقرباؤه.
وجاء على الأثر من علماء النجف إلى الكاظمية ـ قبل سفره بيوم واحد ـ: شيخ الشريعة الأصفهاني، والسيد مصطفى الكاشاني، والسيد علي الداماد.
ثم تواردت على الكاظمية وفود العلماء الزاحفين نحو المعركة من النجف الأشرف وكربلاء، وكانت البلدة تستقبل كل واحد منهم بمنتهى الترحاب والتكريم، وتودعه بمثل ذلك».
أما الميرزا محمد تقي الشيرازي فإنه لما بلغه الأمر وهو في سامراء أرسل ولده الأكبر الشيخ محمد رضا. ولما عزم السيدم مهدي على المسير إلى «القرنة» أبرق إلى جميع زعماء القبائل ورؤساء العشائر الواقعة على ضفتي نهر دجلة يخبرهم بتوجهه إلى ساحة الحرب، وأمرهم بالتعبئة والاستعداد ليكونوا في صفوف المجاهدين.
وفي عصر يوم الثلاثاء، الثاني عشر من محرم الحرام سنة 1333هـ تحرك من الكاظمية ومعه الشيخ مهدي الخالصي والشيخ عبدالحميد الكليدار وجماعة من المجاهدين وخرجت الكاظمية بأسرها لتشييع ركب الجهاد الزاحف.
وصل الموكب الكبير إلى ساحل النهر في بغداد، حيث أعدت لهم هناك السفن والمراكب، ثم سارت بهم متجهة نحو «العمارة» وكان كلما يصل الموكب إحدى المدن أو القبائل العربية التي تنزل على ضفاف النهر يأمر بالوقوف، وينزل هو وأصحابه، ويجمع الناس، ويحثهم على الجهاد، حتى وصلوا العمارة. وهناك أمر بالاجتماع العام في مسجدها الجامع وألقيت الخطب الحماسية من قبل بعض المجاهدين. ثم قام بنفسه ورقي المنبر وحث الناس على الجهاد وحرضهم على التضحية والثبات، وأمرهم برص الصفوف، وتوحيد الجهود أمام العدو المتربص ورغبهم في الشهادة والسعادة، وحذرهم مغبة الفرقة والتخاذل، وشوقهم إلى ثواب اللَّه ورضاه، فاستجابوا للنداء، والتحق به خلق كثير.
ثم سار مع جموع المجاهدين إلى منطقة «العزير» واجتمع هناك بالقائد العسكري «جاويد باشا»، وتفاوض معه حول القضايا الهامة التي تتعلق بخطط الحرب وشؤون القتال.
وكانت الحرب في ذلك الوقت قائمة في «القرنة» وهي القلب فقصد بمن معه ساحة الحرب، وفي أثناء الطريق صادف اندحار الجيش العثماني وانسحابه من منطقة القتال، ورجوع بعض القبائل التي كانت تحارب معه وسقوط القرنة بيد العدو. فأشار بعضهم عليه بالرجوع إلى العمارة لأنها مركز القوة وموطن العشائر فوافق على ذلك وعاد إلى العمارة.
وبقي في العمارة يكاتب القبائل، ويحرض العشائر، ويبعث الرسل والدعاة إلى سائر الأطراف يأمرون الناس بالخروج، فكان الناس يفدون على العمارة زرافات ووحداناً ملبين نداء الواجب، وعازمين على لقاء العدو، ثم يتوجهون إلى الميدان.
وبعد أن أعد العدة، وهيأ الجو، أبرق إلى العلماء: شيخ الشريعة والكاشاني والداماد وغيرهم وكانوا حتى هذا الوقت مقيمين في الكاظمية ـ وطلب منهم التوجه إلى العمارة مع أصحابهم المجاهدين، كما أبرق إلى أهالي بغداد وعلمائها الذين تأخروا عنه بسبب انشغالهم بفيضان دجلة وانكسار بعض سدودها ـ يحثهم على التوجه إلى سوح الجهاد.
وبعد اثني عشر يوماً من قدومه العمارة ورد العلماء ومن معهم إليها.
وفي تلك الآونة عزل القائد الأول «جاويد باشا» وعيّن مكانه القائد «سليمان عسكري بك».
ولما تكاملت جموع المجاهدين في العمارة وعبئت القبائل، تحرك إلى ساحة الحرب، وكانت قريبة من القرنة، قبل بقية العلماء ونزل في مقر القيادة العسكرية.
ثم أبرق إلى العلماء الذين تركهم في العمارة، وطلب منهم اللحوق به فلبوا طلبه.
وقد توزع المجاهدون بقيادة العلماء على الجبهات المتعددة: أما القلب وهو «القرنة» فقد رابط فيه السيد مهدي مع العلماء: شيخ الشريعة الأصفهاني، والسيد مصطفى الكاشاني، والسيد علي الداماد، والسيد عبدالرزاق الحلو وغيرهم، ومعهم جموع غفيرة من المجاهدين والقبائل المرابطة.
وأما الجناح الأيمن وهو «الشعيبة» فقد رابط فيه السيد محمد سعيد الحبوبي والشيخ باقر حيدر، والسيد محسن الحكيم وغيرهم ومعهم خلق كثير من المجاهدين والقبائل المقاتلة.
وأما الجناح الأيسر وهو «الحويزة» فقد رابط فيه الشيخ مهدي الخالصي، ومعه ولده الكبير الشيخ محمد، والشيخ جعفر الشيخ راضي، والسيد محمد نجل السيد كاظم اليزدي، والسيد عيسى كمال الدين وغيرهم، ومعهم عدد غفير من المجاهدين.
ثم قرر السيد مهدي أن يتقدم ومن معه إلى الخطوط الأولى فركب سفينة أعدت لذلك.
وسارت معه بعض القبائل كربيعة وبني لام بسفنهم، وتخلفت عنه بعض القبائل الأخرى ريثما تتهيأ للسفر، ثم تلتحق به في اليوم الثاني.
ولما أدركهم الليل رست السفينة على الساحل، وأمر أصحابه بالنزول في أرض تسمى «حريبة» وهي من الأراضي الوعرة. فنزلوا فيها، وضربوا خيامهم على حافة النهر من جانب القرنة، وباتوا تلك الليلة وهم لا يعلمون موقعهم من الجيش العثماني، هل أنهم متأخرون عنه أم متقدمون عليه، وأما قبيلتا «ربيعة وبني لام» فإنهم قد حطوا رحالهم قبل أرض «حريبة» حيث أدركهم الليل هناك.
ولما أسفر الصبح خرج ولدا السيد أسد اللَّه والسيد أحمد ليستكشفا حقيقة المكان. فبينما هما كذلك إذ لاحت لهما طلائع العدو، وظهرت لهما بواخره النهرية ومدافعه ومعداته الحربية، وقد بدأ ـ بقوة هائلة ـ بهجوم عنيف مفاجىء على المعسكر الإسلامي، بشكل رهيب لا قبل للجيش العثماني بصده.
ثم اشتبك الجيشان، واحتدم القتال من قبل طلوع الشمس إلى ما بعد زوالها. وقد رست بواخر الإنكليز بإزاء سدّ كان قد صنعه القائد السابق «جاويد باشا» وقطع به نهر دجلة.
وكانت خيام السيد مهدي وأصحابه متقدمة على الجيش العثماني بنصف فرسخ بحيث كانت قريبة من العدو، وبمرأى منه ومشهد وصمد ومن معه واشتبكوا مع الإنكليز وصدوهم في 5 ربيع الثاني سنة 1333هـ في المعركة التي عرفت باسم معركة (نهر الروطة).
ثم بقي السيد مهدي وباقي العلماء وجموع القبائل مرابطين في تلك الجبهات مدة أشهر وكان الإنكليز في هذه المدة يعدون العدة للهجوم ثانياً على تلك المراكز في جميع الجبهات، بقوة هائلة لا قبل لهم بها:
فركزوا هجومهم أولاً على الجناح الأيمن في الشعيبة وانتصروا فيه.
ثم وجه الإنكليز قوتهم الكبيرة إلى الجناح الأيسر في الحويزة وانتصروا هناك.
ولما فرغوا من الجناحين توجهوا إلى القلب، حيث يرابط السيد مهدي، وجماعة من العلماء وجموع من المجاهدين، ومعهم القوات العسكرية العثمانية، فهاجمهم الإنكليز وانتصروا عليهم ثم انسحب القائد العثماني العام نور الدين بك بجيشه.
وأعدت للسيد مهدي وبقية العلماء وأصحابهم باخرة خاصة من بواخر الجيش، وقد ضمّ إليها مركبين، أحدهما في اليمين والآخر في اليسار ولم يكن فيها من الوقود ما يكفي لمثل هذه الرحلة الشاقة، وما يوصلهم إلى مأمنهم، لذلك كانت تقف كثيراً وتسير قليلاً. فكان ذلك كله سبباً في إدراك العدو لهم وهم في النهر، وقد صوب نحوهم قذائفه وحلقت فوقهم طائراته. فرأوا أن يتفرقوا في الباخرة والمركبين ولا يجتمعوا في مكان واحد، لئلا يرموا رمية واحدة فيستشهدوا جميعاً في وقت واحد. فنزل السيد مهدي وأنجاله الثلاثة، وابن أخيه السيد عبدالكريم، وابن عمه السيد عبدالحسين في مركب اليمين، ونزل السيد مصطفى الكاشاني ومن معه في مركب اليسار، وبقي شيخ الشريعة ومن معه في الباخرة نفسها.
ولما علم زعماء القبائل الواقعة على ضفاف النهر بوجود السيد مهدي في المركب ورأوا العدو قد قارب منه، أرسلوا زورقاً صغيراً ليقله إلى الساحل وبعد التردد الطويل، نزل في الزورق مع أولاده وابن عمه. وقد طرحوا في المركب جل أسلحتهم إلا السيد عبدالحسين الحيدري فبقي على أهبته واستعداده.
وقد لبس لأمة حرب كاملة، فلما استقر بهم الزورق، وهم بالسير، رمى اثنان من الجنود وواحد من المجاهدين بأنفسهم إلى ذلك الزورق من شدة خوفهم وفزعهم، لينجوا من الموت، فانقلب الزورق بمن فيه وبينهم السيد مهدي نفسه وبعد جهد جهيد أمكن إنفاذه ومن معه والخروج بهم إلى الشاطىء قبيل المغرب.
وأما السيد عبدالحسين الحيدري وقد كان مدججاً بالسلاح فغاص في الماء ولم يجدوا له أثراً.
وأما السيد مهدي وأنجاله فإنهم بعد أن استراحوا في قلعة هناك وأقاموا فيها صلاة المغرب والعشاء، رأوا أن المصلحة في مواصلة السير لأن العدو يجد السرى في طلبهم، ويأسر كل من يصادفه منهم.
وكان الطريق وعراً موحلاً، وكله مياه وجداول، والسيد مهدي شيخ كبير، وقد هدت الحرب قواه، وأنهكت الأحداث جسمه.
وكان معهم في ساحة الحرب «السيد هاشم الشوشتري النجفي» وعنده زورق جاء به مع أصحابه حين الانسحاب فمر زورقه بتلك القلعة في ذلك الوقت، فأخبره رجل من الأعراب بما جرى على السيد ومن معه في النهر، ونزوله في هذا الساحل، ودخوله في القلعة. وأنه الآن فيها مع أنجاله يريدون السير، ويمنعهم من ذلك شدة الوحل وكثرة المياه.
فوصل إلى السيد وأركبه وأنجاله في زورقه، ثم أخبرهم بأن السيد مصطفى الكاشاني قد انفصل مركبه من الباخرة وانحدر به مع الماء إلى جهة العدو، والتقى زورقي به عن طريق الصدفة، فنقلته إلى إحدى السفن التي تقل عدداً كبيراً من المجاهدين فقال له السيد راضي: «إن هذه البواخر معرضة للأسر لأنها بطيئة السير، والعدو جاد في طلبها ولكن الرأي أن نأتي به معنا في هذا الزورق، فإنه أقرب إلى النجاة لخفته وسرعته» فاستصوبوا هذا الرأي وذهبوا إلى السفينة ونقلوا السيد الكاشاني معهم، وجدوا في السير حتى وصلوا إلى منطقة اسمها «أبو روبة» قبيل الفجر، وهي تبعد عن «قلعة صالح» بثلاثة فراسخ.
أما شيخ الشريعة الأصفهاني فإنه بقي في الباخرة مع أصحابه إلى الساعة الرابعة ـ غروبية ـ من الليل، وهي بطيئة السير، كثيرة الوقوف، فخافوا أن يدركهم العدو، فانتقلوا منها إلى الساحل، وساروا على حافة النهر إلى قريب الفجر، فمروا بأحد الأهوار فأرادوا عبور النهر إلى الجانب الآخر حيث يوجد السيد مهدي وأصحابه، فصادفوا زورقاً صغيراً لا يسعهم مرة واحدة، فقرروا التناوب في العبور، فأركبوا ـ في النوبة الأولى ـ شيخ الشريعة، والميرزا محمد رضا نجل الشيرازي ورجلين آخرين من أهل العلم، وبينما هو يسير بهم وقد قاربوا الجانب الآخر إذ نفذ فيه الماء وغرق بمن فيه. ومن المصادفات العجيبة أن يكون السيد راضي نجل السيد مهدي واقفاً هناك في تلك اللحظة وقد سبق أصحابه إلى هذا المكان ليستريح فيه هنيهة فلما رأى الحادث بعينه، وعلم أن فيه شيخ الشريعة ألقى بنفسه في الماء واستنفذ الشيخ وأصحابه وجاء بهم إلى الساحل. وكان الشيخ يلقبه بعد هذه الحادثة بمحيي الشريعة وبينما هو كذلك إذ وصل إليه والده وأخوته فلما رأوه بهذه الحال ظنوا أنه سقط في الماء مرة ثانية، فأخبرهم بالخبر وشكروا اللَّه على السلامة. وهناك اجتمع الأقطاب الثلاثة: «السيد المهدي، وشيخ الشريعة، والسيد الكاشاني» وجلسوا جميعاً للاستراحة برهة من الزمن، ثم ركبوا زورقهم وساروا حتى طلعت الشمس وأسفر الصباح، فرأوا العدو قريباً منهم، وأنه سيدخل «قلعة صالح» وشيكاً، فعدلوا عن مواصلة السير إلى القلعة ـ وكانوا على مقربة منها ـ وجعلوا سيرهم على منازل القبائل في الأهوار يتنقلون بين شيوخها ورؤسائها، من «خريبط بن فالح الصهيود» إلى «عبدالكريم بن صهيود» ومنه إلى «مطلق الخليفة» ثم إلى «مجيد الخليفة» ثم إلى أخيه «حمود الخليفة» ومنه إلى «محمد وشواي» وهما من شيوخ «آل أزيرج». وما زالوا يتنقلون بين تلك المنازل والقبائل حتى وصلوا إلى «آل دراج»، ثم دخلوا في «الجزيرة» التي تفصل بينهم وبين «مياح» وهي قبيلة «محمد الياسين» وقد اجتازوها ليلاً بكل مشقة وطولها يقارب الاثني عشر فرسخاً. وقد التحق بالسيد مهدي عند اجتيازه هذا الطريق كثير من المجاهدين، وبعض الضباط والجنود العثمانيين الذين لاذوا بالسيد خوفاً من القتل والأسر والسلب، وبينهم قائم مقام «قلعة صالح» مع عائلته. وكانت سيرة السيد مهدي في هذه المسيرة ولا سيّما في تلك الجزيرة أن يركب ساعة وينزل أخرى حتى يتلاحق به المجاهدون.
وهكذا قطع وصحبه ذلك الطريق الوعر حتى وصلوا إلى أول قبيلة «مياح» بعد طلوع الشمس بساعتين، ونزلوا وقت العصر عند «كريم» أحد رجال هذه القبيلة، وباتوا عنده تلك الليلة. وفي الصباح الباكر ساروا حتى وصلوا إلى «محمد الياسين» شيخ مياح، وتأخروا عنده ذلك النهار وتلك الليلة.
أما باقي العلماء الذين كانوا مع السيد مهدي فقد توجهوا إلى «قضاء الحي» ويبعد عن منطقة مياح بنصف فرسخ تقريباً، وقد كان ـ ذلك الوقت ـ تحت تصرف الحكومة العثمانية.
ولما علم محمد صالح شكارة أحد وجهاء الحي بنزول السيد مهدي وأصحابه عند محمد الياسين جاء من الحي وزار السيد وطلب منه أن يرحل معه إلى الحي، وينزل عنده في ضيافته فأجابه إلى ذلك بشرط أن يمهله ذلك اليوم ليستقر ويستريح ثم يأتيه في اليوم الثاني.
وفي اليوم الثاني مضوا ومعهم الميرزا محمد رضا الشيرازي وبقي في الحي عنده سبعة أيام.
وكان من نية السيد وعزمه أن يذهب بعد ذلك إلى «الكوت» ليرابط فيها مع الجيش العثماني.
وفي عصر اليوم الثالث من شعبان سنة 1333هـ تحرك وأصحابه ومعهم السيد مصطفى الكاشاني وساروا إلى «الكوت» ووصلوا ليلة الخامس منه إلى منطقة «وادي الحبيب» أحد أمراء ربيعة، وباتوا ليلتهم عنده، وفي صبيحة اليوم الخامس منه دخلوا الكوت. ونزل السيد مهدي وأولاده وأصحابه عند «الحاج سيد الحاج جودي السعيدي» بطلب منه. ونزل السيد الكاشاني ومن معه في مكان آخر، وبقي الكاشاني هناك أياماً ثم عاد إلى وطنه.
أما شيخ الشريعة فقد عاد إلى وطنه من قضاء الحي، ولم يصل إلى الكوت.
وأما السيد مهدي فقد لبث في الكوت مدة أربعة أشهر كاملة، مع أولاده وجمع من العلماء والمجاهدين. وقد أصابه هناك مرض شديد.
ورابط في الكوت معه أيضاً من العلماء الشيخ مهدي الخالصي، والسيد عبدالرزاق الحلو.
وكان مركز الجيش العثماني الذي جمعه القائد العام «نور الدين بك» في شرق الكوت في منطقتين (الفلاحية) و(السن) وهما استحكامات طبيعية في طرفي دجلة. وكان العدو قد أعد العدة للهجوم على هذه القوة العسكرية الكبيرة. وفي أوائل ذي الحجة هجم بقوة هائلة على مراكز الجيش العثماني، فاضطر إلى الانسحاب ليلاً من الكوت بعد مقاومة عنيفة. فأرسل السيد مهدي إلى الشيخ الخالصي والسيد الحلو وأشار عليهما بلزوم الانسحاب قبل مداهمة العدو، وأن يكون الخروج عن طريق البر في نفس الليلة التي يخرج فيها الجيش. وبدؤوا فعلاً بالانسحاب في الساعة السابعة غروبية من الليل، وعبروا إلى الجانب الآخر حتى لا يدركهم العدو. وفي تلك الليلة أصاب السيد مهدي رمد شديد في عينه، فاضطر إلى البقاء ليلتين عند قبيلة ربيعة، وفي اليوم الثاني مرت عليهم بواخر العدو قاصدة مدينة (النعمانية) وهي تبعد عن الكوت بمقدار ستة فراسخ تقريباً، فاضطر السيد مهدي وأصحابه إلى السفر عن طريق (عفك والدغارة) وقد أحضرت له ولأصحابه الخيول وهناك كان لا بدّ من أن يقطع ـ على شيخوخته وضعفه ومرضه ـ جزيرة عفك الطويلة راكباً على فرس وهو مشدود العينين، ومعه رجل من ربيعة يقود الفرس.
وفي الليلة الثانية من ركوبه ـ بلغ أول عفك، فنزل عند (مناحي آل الحاج طرفة)، ثم واصل السير إلى محل (الحاج مهدي الفاضل) وأخيه (الحاج صلال)، ثم واصل السير إلى محل (الحاج مخيف) وأقام عنده تلك الليلة، وأمر بإحضار سفينة له ولأصحابه عند الصباح للتوجه إلى وطنه.
وفي الصباح الباكر تحرك موكبه، وقطعت السفينة ليلتين حتى وصلت إلى محل (السيد حسين) نجل الشاعر الكبير السيد حيدر الحلي ـ فأقام السيد عنده ليلة واحدة، ثم توجه في صبيحتها إلى (الحلة) ووصلها عصراً، وحل ضيفاً مكرماً عند (الحاج حمزة الشهربانلي) وبقي عنده ليلة واحدة.
وفي الصباح توجه بأصحابه إلى وطنه فوصل الكاظمية في اليوم الثامن والعشرين من شهر ذي الحجة سنة 1333هـ.
وقد دامت رحلته سنة كاملة إلا أياماً قليلة.
ونحن نروي هذه التفاصيل التي رواها من شاهدوها لنعطي القارىء ملامح عما عاناه أولئك الشيوخ وهم في أسنانهم العالية من البلاء دفاعاً عن الإسلام في ظل الدولة العثمانية التي كانت لا ترحمهم في حكمها لهم.
ومع ذلك فعندما رأوها تواجه أخطار الاحتلال الأجنبي وقفوا إلى جانبها باسم الإسلام لأنها كانت في نظرهم تمثله في ذلك العصر.
هذا هو التاريخ الشيعي الناصع وهذه هي مواقف رجاله وقادته.
الشيخ محمد رضا الشبيبي
صاحب القصيدتين المتقدمتين
محمد رضا بن محمد جواد بن محمد بن شبيب ابن إبراهيم بن صقر الجزائري([307]) النجفي مولداً ومنشأ. وكان الجد الأعلى لأسرته أي الشيخ شبيب فقيهاً على طريقة المحدثين، وهي الطريق التي كانت ذائعة لدى فقهاء العراق في عصره. وقد سجل الشيخ نجيب نسبه بخطه على ظهر نسخة من كتاب الحدائق المشهور في الحديث. وهذه النسخة من جملة كتبه الموقوفة. وكانت ضمن محتويات مكتبة الأسرة.
نشأته ودراسته وأساتذته
ولد في مدينة النجف عام 1306هـ ونشأ فيها، وكذلك ختم القرأن قراءة فيها على سيدة صالحة مقرئة هي السيدة (مريم) البراقية وتعلم الخط على الشيخ هادي حصير (بتشديد الياء)، وكان للمعلم المذكور كتاب يتعلم فيه الأحداث: وآل (حصيّر) بيت من بيوت النجف عرفوا بهذه المهنة مهنة المكتبيين أو المؤدبين كما كانت تسمى في عصور الدولة العباسية مع ملاحظة الفارق البعيد في طبيعة هذا العمل وما كانت عليه في عصور المتقدمين، وما آلت إليه في أزمنة المتأخرين.
أما علوم اللغة العربية من نحو وتصريف وبلاغة وبيان فإنه قرأها على أكثر من شيخ واحد في طليعتهم الشيخ (محمد حسن المظفر) ولعله أجل أساتذته في علم النحو ومن مشايخه في هذا العلم الشيخ محمد جواد الجزائري، وكان أستاذاً في فنون اللغة العربية. وأما علم المنطق فإنه قرأه على أكثر من أستاذ كذلك، في مقدمتهم السيد (مهدي الطباطبائي) من السادة المعروفين بآل بحر العلوم، وكان السيد مهدي معروفاً بحدة الذهن والذكاء الوقاد ثم على السيد حسين الحمامي قرأ عليه في كتاب (شرح المطالع). والسيد هبة الدين الشهرستاني من أوائل أساتذته في المنطق قرأ عليه سنة 1323هـ (كتاب الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد) وهذا الشرح من أجل شروح العلامة الحلي في هذا العلم أما المتن الذي يسمى (منطق التجريد) فهو من مصنفات الحكيم نصير الدين الطوسي وكان كتاب القراءة الأول الذي يدرس في (علم المنطق) كتاباً موجزاً يقال له (شرح التهذيب) لمصنفه الملا عبداللَّه اليزدي، أما متن التهذيب فهو من مصنفات سعدالدين التفتازاني ويقرؤون بعده أي بعد كتاب التهذيب (شرح الشمسية) المتداول في المنطق للقطب الرازي. أما متن الشمسية فهو من مصنفات عمر بن علي المعروف بالكاتبي القزويني تلميذ (نصير الدين الطوسي) أهداه إلى (شمس الدين الجويني) وزير المغول، ويعد الجويني كما لا يخفى من خيرة وزراء المغول الذين عنوا بشؤون الإسلام والمسلمين في محنتهم بعد غلبة القوم على الديار الإسلامية وهذا الكاتبي القزويني أحد الحكماء الستة التي اختارهم نصير الدين الطوسي لمعاونته في تأسيس (مرصد مراغة) والمعهد العلمي وخزانة الكتب الكبيرة في تلك المدينة المغولية وكان مؤرخ العراق ابن الفوطي مصنف كتاب (مجمع الآداب) في معجم الأسماء والألقاب قيماً على مكتبة (المرصد) وقد عني في كتابه المذكور بتاريخ المرصد والمدرسة والمكتبة وكل ما يتصل بشؤون النهضة العلمية الكبرى في مراغة، وتعد هذه النهضة من مآثر المغول في مستهل دولتهم في المشرق والعراق. وقد عقد ابن الفوطي فصلاً لطيفاً في كتابه ترجم فيه للكاتبي القزويني الحكيم.
وأما علم الفقه وعلم الأصول فقد قرأهما المترجم على أكثر من أستاذ ففي الأصول قرأ كتاب المعالم للشيخ زين الدين العاملي وكتاب القوانين للقمي وفي الفقه قرأ كتاب شرائع الإسلام للمحقق الحلي وكتاب الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية قرأه على الشيخ عبدالكريم آل الشيخ صالح الجعفري. وتخرج في الأدب وعلومه على أشهر مشاهير أدباء تلك المدينة وفي طليعتهم السيد حسين عميد آل القزويني وكان شاعراً خبيراً بفنون الأدب مجدداً بعيداً عن الجمود يفضل دراسة الكتب القديمة الأصيلة على كتب المتأخرين. وعلى الشيخ هادي نجل الشيخ عباس من آل الشيخ جعفر الكبير.
وكان الشيخ الهادي أديباً ذواقة للشعر معنياً بروايته. وقد عني هذا الشيخ بشؤون التربية واقتنى مكتبة ثمينة غنية بالمخطوطات وقلما توثقت علاقة بين اثنين كالتي كانت بين والد المترجم الشيخ جواد والشيخ هادي المذكور. ولا عجب فإن تلك العلاقة كانت ذات جذور عميقة يغذيها إخلاص متبادل وصفاء لا تشوبه شائبة. ولما توفي الشيخ عباس والد الشيخ الهادي سنة 1315هـ رثاه الشيخ جواد بثلاث قصائد تعد من عيون شعره وهذه القصائد الثلاث يشعر من يقرأها بمتانة تلك العلاقة، فهي بمثابة تعبير جميل عن شعور صادق وإخاء وثيق وصحبة أكيدة، وقرأ المترجم في الأدب أيضاً على أساتذة آخرين عدا ما أخذه عن والده وأقرانه في ذلك الزمان. وكانت تعقد في النجف مجالس تلقى فيها بحوث ودروس بشكل محاضرات في الفقه والأصول يختلف إليها عدد كبير من الطلاب ومن أشهرها مجلس يعقد للشيخ الملا كاظم الخراساني الأستاذ المدرس المشهور في علم الأصول وآخر يعقد للشيخ فتح اللَّه المعروف بشيخ الشريعة وهو خاص بالبحوث الفقهية وكان الشبيبي يختلف إلى هذه المجالس العلمية.
عمله في الإصلاح
وكان ذلك كله في أواخر عصور الدولة العثمانية. أي قبل نشوب الحرب الكونية الأولى. وهو عصر امتاز بيقظة فكرية ظهرت في الأقطار التابعة للدولة العثمانية ومن جملتها العراق. وكان هدف تلك اليقظة المطالبة بإصلاح شؤون الدولة حيث أسهم المترجم له مع شباب ذلك العصر من عراقيين وغيرهم في الدعوة إلى الإصلاح. ثم كانت له جولات معروفة في الصحافة خصوصاً السورية والمصرية ومن يتصفح بعض صحف مصر وسورية ولبنان والعراق الصادرة في ذلك العصر يقرأ له فيها شعراً اجتماعياً أو سياسياً غير قليل ومقالات أدبية وتاريخية ولغوية وكان لجمهرة المتأدبين شغف بالغ بقصائده وحفظها وروايتها. في تلك الفترة حمل المترجم لواء الدعوة إلى إصلاح السياسي والاجتماعي في شعره ونثره منذ نشأ وكانت له رسالة من هذا القبيل في بلاد العرب والعراق وفي أقاليم الفرات خاصة.
ويقول مؤرخو الأدب العراقي الحديث إنه من أوائل مَن طَرَق الموضوعات الاجتماعية وتناولها في شعره بين شعراء العراق وأولهم على الإطلاق بين شعراء النجف. وكان ذلك حوالي سنة 1320 للهجرة (1905م) كما كان عمره إذ ذاك حوالي الخمس عشرة سنة. وأشهر الصحف والمجلات التي نشرت ما نشرت له من منظوم ومنثور في ذلك الحين: المقتبس (مجلة وجريدة في دمشق الشام) والبرق البيروتية ومجلة العرفان ومجلة الزهور المصرية وصحف عراقية أخرى معروفة، وله ديوان شعر عنوانه (ديوان الشبيبي) طبع في القاهرة سنة 1940م.
بحوثه ودراساته
وللشبيبي دراسات وبحوث تاريخية وأدبية وسياسية بعضها مطبوع وأكثرها مخطوط من ذلك بحث عنوانه (فن التربية في الإسلام) ألقاه على طلبة كلية التربية ببغداد سنة 1377 ـ 1958م ودراسة في اللغة عنوانها (أصول ألفاظ اللهجة العراقية) وأخرى في الأدب موضوعها أدب المغاربة والأندلسيين في أصوله المصرية ونصوصه العربية([308]) وهي محاضرة ألقاها على طلبة معهد الدراسات العربية العالية في القاهرة هذا إلى بحوث غير قليلة في التاريخ والأدب واللغة ألقيت في دورات مؤتمر المجمع اللغوي في القاهرة وعددها خمس عشرة دورة. وقد نشرت محاضر الدورات المذكورة وفيها أمثلة من تلك البحوث والمحاضرات. وآخر مجهود ظهر له كتاب عنوانه (رحلة في بادية السماوة) نشرت أخيراً في بغداد.
مساهمته في الحرب الأولى
ولما أعلنت الحرب الكونية الأولى واندلعت في العراق سنة 1914م شارك في هذه الحرب إلى جانب الجيش العثماني وحضر معركة الشعيبة الطاحنة التي خذل فيها الجيش المذكور، ومن ثم انتحر على الفور قائده أمير اللواء (سليمان عسكري) وكان إلى جانب القائد المذكور في ميدان الشعيبة أبان هذه الحادثة النكراء. ومن ثم عاد مع فلول الجيش المتقهقر إلى مدينة الناصرية.
كان القائد سليمان العسكري شجاعاً مقداماً غير أنه لم يزود بمعلومات كافية عن معاقل الإنكليز ومناعتها في ميدان الشعيبة، ولذلك خابت محاولاته في الاستيلاء على المواقع المذكورة ومني الجيش بخسائر كبيرة بعد هجمات انتحارية ضارية أشرف عليها سليمان عسكري القائد العام بنفسه، وكان المترجم له معه فعلاً في ذلك الميدان وقد خصص له سلاح وركوبة. ولمشاركة الشبيبي في حرب (الشعيبة) الناشبة بين البريطانيين والأتراك في العراق قصة نادرة لا يخلو إيرادها من فائدة وذلك على الصورة التالية:
كانت رئاسة هيئة أركان الجيش التركي أنشأت في بغداد سنة 1914م مدرسة عسكرية عالية سميت (مدرسة ضباط الاحتياط) حشروا ممن حشروا فيها فريقاً من طلبة المدارس الدينية، وكان الشبيبي من بينهم، كما كانت التركية لغة التعليم في هذه المدرسة ومعظم الأساتذة ضباط أتراك كان تدريبهم على جانب من العنف والشدة، على أن الشبيبي استطاع إقناع السلطات التركية ببغداد باستثناء طلاب المدارس الدينية وإعفائهم من الانتساب إلى مدرسة الضباط فصدر الأمر بتسرحيهم على أن يلتحقوا بفرق المجاهدين المتطوعين في تلك الحرب وجلهم من أفاد القبائل العراقية عرباً وأكراداً فالتحق في بعثة مرسلة إلى عشائر الأكراد في الجنوب قوامها فريق من رجال الدين وضباط الجيش اتجهت من مدينة (بدرة) الواقعة على وادٍ يسمى وادي (بادرايا) إلى المنطقة الجبلية الواقعة شرقي العراق وسكانها من الأكراد التابعين لإيران وذلك لمنع الإنكليز وأعوانهم من التغلغل إلى تلك الجهة من منطقة البصرة والأهواز وتطويق الجيش التركي المحارب في مواقع الكوت والفلاحية المشهورة، وهناك اجتمع بأمير الأكراد الذي استجاب إلى الطلب وتعهد بأن يقف سداً دون تسرب طلائع البريطانيين على شرط تزويده بالسلاح وبمبلغ من المال وقد زود فعلاً بذلك وقد تم الاجتماع بهذا الأمير الكردي في مخيم له على ضفاف وادٍ عريض يسمى (باكسابا) وكانت ضفاته خصبة مزدهرة وهذا الوادي ووادي (بادرايا) الذي قبله ينحدران من سفوح الجبال الشرقية أو الكردية المذكورة ويمران في السهول حتى مصبهما في نهر دجلة وهما تابعان إدارياً للواء العمارة. وجل الزراع العاملين في هذه الجهات ينتمون إلى بني لام. يقول الشيخ الشبيبي في بعض ما كتبه: وقد سرنا على ضفاف الواديين من سفوح الجبال حتى السهول المنتهية بشواطىء دجلة ولا تخلو كتب البلدانين من ذكر (بادرايا وباكسابا) ومن ذلك معجم البلدان لياقوت. وبعد مكث الشبيبي مدة في تلك الجهات دعي ببرقية تدعوه إلى مرافقة هيئة القيادة العامة للبعثة العسكرية المجهزة لاسترداد البصرة، وكانت قد وصلت إلى مدينة الناصرية ولا مناص له من المرور على مدينة (الكوت) وعلى الغراف في طريقه إلى الناصرية وهي مسافة بعيدة، وكانت الطرق كلها مغمورة بالمياه في فيضان قلما شهد العراق نظيره بل أصبحت اليابسة وكأنها بحر لا ساحل له فاضطر أن يخوض الماء على ظهر جواده حتى مدينة (الكوت) وكانت مهددة بالغرق وواصل رحلته منها بطريق الغراف حتى التحق بمقر قيادة الجيش التركي وقائده أمير اللواء (سليمان عسكري) وصادف أمير اللواء سليمان عسكري وهيئة أركان حربه على شاطىء الفرات في الناصرية وهم على أهبة الحركة إلى (الشعيبة) بطريق بحيرة الحمَّار وفي زوارق بخارية فاستقبلوه في زورق القائد العام وانحدرت السفن إلى سوق الشيوخ ومنها إلى منطقة الأهوار والبطائح المشهورة حيث اجتازوا في المنطقة على سدود زراعية يقيمها الفلاحون وتوهم الأتراك لسوء فهمهم أن غرض الفلاحين سدّ الطريق على سفنهم وكانوا على أهبة الاشتباك بالسلاح مع أولئك الفلاحين ومرد ذلك إلى نزق التركي وهوسه فأسرع الشبيبي إلى الفلاحين وطلب إلى الفعلة بلطف أن يخلو الطريق للزوارق التركية ولمركب القائد وأفهمهم بأن الجيش ذاهب للدفاع عن البلاد وأن القائد العام من جملة ركاب الزوارق ففتحوا الطريق وانحدرت السفن في طريقها إلى ساحل البطائح إلى معسكر (النخيلة) وهو قاعدة جيش الأتراك المنظم وفرق المجاهدين أو المتطوعين العراقيين وقد أربى عددهم على ثلاثين ألفاً، وكانت بعض الزوارق البخارية المذكورة تقطر سفناً شراعية موسوقة بخبز عفن مسود تعافه النفس وحسبك هذا دليلاً على حالة المؤن والتموين، ولم يخل مركز القيادة يومئذ من ضباط ألمان يغلب عليهم ضرب من الوجوم والحيرة وكان القائد العام سليمان عسكري قد أمر بحشد الجيش فعلاً في الخطوط الأمامية من ميدان الشعيبة وذلك في خطة مرتجلة غير مسبوقة بتبصر وروية، وأمر بمهاجمة معاقل البريطانيين فيها ولم يعلم بحصانتها ومناعتها إلا بعد فوات الوقت وقد أسفر الهجوم عن خيبة مريرة وتراجع الجيش بخسائر فادحة. ومن ثم انتحر القائد العام في مأساة معروفة، وكان اليأس من نجاحه في إدارة رحى المعركة سبباً في انتحاره، ولو بقي هذا القائد حياً لأسر فيمن أسر من ضباط وجنود في تلك المعركة الضارية. فإن الجيش البريطاني شنّ هجوماً مقابلاً طوق فيه ذلك الميدان. أما المجاهدون أو الذين سموا كذلك من أفراد القبائل فكانوا أسرع من غيرهم إلى الهزيمة([309]).
وقد طورد المنهزمون بسيارات مصفحة ظهرت لأول مرة في حرب العراق حتى قاربت قاعدة الجيش التركي في النخيلة وكانت تطلق نيرانها الحامية في أقفية المتراجعين من أفراد الجيش والمجاهدين، وفي مساء ذلك اليوم شرع الأتراك بالانتقال إلى قواعد جديدة في المنتفك لم تصمد أيضاً إزاء تقدم البريطانيين، وكان ظفر البريطانيين في الناصرية على الفرات وفي العمارة على دجلة مفتاحاً لاكتساح العراق برمته. وكان أمير اللواء سليمان عسكري يعتمد في ميدان الشعيبة على قائد باسل مثله اسمه (حمد بك) عهد إليه بإدراة رحى المعركة وقيادة الهجوم في الخطوط الأمامية الذي استمر يومين بدون انقطاع وبدون جدوى أيضاً فاستدعاه سليمان عسكري من خط النار والحرب دائرة بعنف وسأله عن مصير الهجوم فكان الجواب والشبيبي يسمع أن معاقل العدو في غاية المنعة ومنذ تلك اللحظة قرر القائد العام سليمان عسكري الكف عن مواصلة الهجوم.
وأمر تحت جنح الظلام بالتقهقر إلى قاعدة الجيش في غابة (البرجسية) الواقعة في ضواحي مدينة (الزبير) والغابة كلها من شجر الأثل والطرفاء.
بعد انتهاء الحرب العامة الأولى
ولما عقدت لهدنة العامة سنة 1918م أي بعد انتهاء الحرب الكونية الأولى باندحار ألمانيا وحليفتها تركيا وعقب احتلال العراق قام المحتلون بإنشاء حكومة قوامها فريق من ضباط الجيش.
ولم يحسب للشعب العراقي حساب في تأليف هذه الحكومة، ومن ذلك التاريخ شرع العراقيون بمقاومة تلك السلطة الأجنبية وبدؤوا يطالبون الإنكليز بالجلاء والوفاء بعهودهم التي قطعوها للعرب بشأن حقهم في تقرير المصير. وهذه العهود عبارة عن مراسيم أصدرها في العراق قادة الحلفاء وأذاعوها مذيلة بتواقيع رؤساء حكوماتهم بعد تقهقر الأتراك في ميدان الحرب العراقية إلى شمال الموصل واحتلال بغداد. وفي هذه المراسيم ما فيها من الأماني المعسولة والمواعيد الخلابة في إسداء العون للعرب في كفاحهم لنيل حريتهم وبعث تراثهم المجيد في الحضارة. وألح العراقيون على الإنكليز بأن تتكون في العراق حكومة مستقلة ذات سيادة. وكان للشبيبي في هذا العهد جهود معروفة في مقاومة دسائس المحتلين والمطالبة بما قطعوه للعرب والعراقيين من عهود ووعود. ولما اضطرت حكومة لندن إلى تكليف نائب الحاكم السياسي العام في العراق السير (أرنولد ولسن) باستفتاء العراقيين. وجه الحاكم العام المذكور بواسطة حكام الأقاليم من الضباط السياسيين أسئلة معينة إلى أهل العراق في اجتماعات كانت تعقد في مكاتب الحكام المذكورين ويشهدها فريق من الوجوه والزعماء وكان السؤال الأول عن جنسية الحاكم الذي يريدونه والثاني عن شكل الحكم. والثالث عن حدود العراق. فكانت أجوبة العراقيين مغايرة تماماً لرغبة الإنكليز.
طالب الشبيبي في الاجتماع الذي عقد في مدينة النجف بحكومة دستورية يرأسها ملك عربي. وعبر بذلك عن رغبات أحرار العراق على صورة أثارت امتعاض الحاكم العام فقاطعه في تلك الجلسة ضارباً ـ أي الحاكم ـ بقبضة يده على المنضدة ولكن بدون جدوى والواقع أن أشق ما كان يشق على البريطانيين يومئذ هو ذلك الشعور الحي بالكرامة لدى أبناء العراق الأحرار ولنا أن نقول إن جملة من الحوادث التي أريقت فيها الدماء نشأت في العراق عن خشونة في اللهجة أو عجرفة استعمارية في اللقاء اعتبرها الجانب العراقي جارحة لكرامته، ماسة بشرفه وهكذا فإن الشعور الحي بالكرامة ونزعة الاستعماريين المعروفة في الشموخ والكبرياء ضدان لا يجتمعان وما أكثر الشواهد على ذلك في أحداث العراق خلال فترة الاحتلال. ولا حاجة إلى القول بأن للشبيبي مواقفه المعروفة في هذا الدور الخطير من أدوار الكفاح بين الشعب العراقي والسلطة المحتلة خصوصاً في بعض المراكز المعروفة كالحلة وكربلاء والنجف والديوانية وبغداد فإن الروح الوطنية التي بعثت يومئذ كانت قائمة على نشاط عدد من العلماء ورجال الدين والوجوه والزعماء والشباب في المدن والأرياف المذكورة. وكان هو في طليعتهم. هذا ولما أخذت السلطات الإنكليزية المحتلة تماطل وتسوف في تلبية مطالب العراقيين والاعتراف بحقوقهم المشروعة، وقد أعلنوها وطالبوا بها مراراً خصوصاً بعد إجراء الاستفتاء الذي تقدم ذكره.
ولما كان قادة الثورة العربية في سورية والحجاز يجهلون ما يجري داخل العراق من صراع عنيف بين أحرا البلاد والسلطات الإنكليزية. وكان من الضروري إعلام زعماء العرب خارج العراق بحقيقة الحال هناك ـ فكر صاحب الترجمة بأن يقوم بهذه المهمة. وفاتح بذلك فريقاً من أصدقائه وزملائه العاملين من علماء ورؤساء وغيرهم من الشباب الناهض وأقنعهم بضرورة تنفيذ هذه الفكرة فوافقوا على رأيه.
رحلته الوطنية
ومن ثم قام برحلته إلى البلاد العربية منتدباً عن العراقيين لدى الحكومتين العربيتين في مكة المكرمة ودمشق الشام إذ ذاك. وزود بوثائق مذيلة بتواقيع زعماء البلاد وعلمائها وقادة الرأي العام فيها تضمنت انتدابه ليمثل العراق لدى الحكومتين المذكورتين وإبلاغهما رغائب العراقيين وإيقافهم على الأحوال الجارية في العراق. وقد بارح العراق في أواخر سنة 1919م إلى مكة المكرمة سالكاً طريق البادية من البصرة إلى (جبل شمر) في الديار النجدية فالمدينة المنورة. ومن المدينة إلى مكة.
وقد قاسى الأمرين في هذه الرحلة الشاقة وصحب قافلة من البدو المسلحين واجتمع فور وصوله إلى مكة بشريفها الحسين بن علي ملك العرب إذ ذاك وبأنجاله الأمراء ومنهم (علي) و(عبداللَّه) في مكة المكرمة وهذا هو ثاني اجتماع له بهم أما الاجتماع الأول فقد كان في الوادي الذي يسمى (وادي فاطمة) على قيد مرحلة من مكة في مخيم لهم هناك وكان الجميع بلباس الإحرام، ولا يخلو وادي فاطمة من خصب وفيه بساتين يرويها جدول صغير ينحدر إلى الوادي في شبه قناة أو صهريج من الطائف.
في الحجاز
واستقبله الملك حسين في قصر الإمارة بمكة وخلا به حيث قدم له ما معه من الوثائق. وتحدث إليه وأطلعه على حقيقة الأحوال في العراق، وأن العراقيين يعانون كثيراً من الضيم والإرهاق تحت إدارة الاحتلال. ويطالبون أشد المطالبة بالحرية والاستقلال وأنهم مستعدون لحمل السلاح وإعلان الثورة والتضحية في هذا السبيل بنفوسهم ونفائسهم كما وقع ذلك فعلاً.
وقد طلب الشبيبي إلى الملك حسين أن يبذل جهده في سبيل تحقيق مطالب الشعب العراقي، وتكليف رسله.
غدر الحلفاء
وجّهت فرنسا إنذاراً نهائياً إلى الملك فيصل بالنزول على مطالب الحكومة الفرنسية المنتدبة من قبل عصبة الأمم على سورية، وكانت الحكومة تميل إلى الدخول في المفاوضات مع الفرنسيين أما الشعب السوري فقد هاج وماج وثارت ثائرة السوريين وتوالت المظاهرات في دمشق كما شهدها المترجم بنفسه في أحياء دمشق وجاءت الجموع إلى قصر الملك فيصل في حي (المهاجرين) و(الصالحية) تطالب وتهتف بحياة العرب ورفض الانتداب والمطالب الفرنسية. ولما لم تتلق الحكومة الفرنسية جواباً من حكومة دمشق أمرت جيوشها المرابطة في لبنان بالزحف فزحفت بقيادة الجنرال (غورو) واجتازت حدود المملكة ووقعت الواقعة المعروفة بين السوريين والفرنسيين.
وقعة ميسلون
وكانت قيادة الجيش السوري للبطل (يوسف العظمة) وقد قتل في واقعة (ميسلون) وشاهد الشبيبي وقلبه يتفطر ألماً نكوص المجاهدين من أبناء الشام واندحارهم في الواقعة المذكورة كما شاهد دخول الجنرال غورو إلى مدينة دمشق دخول الظافر الفاتح فاخترق الشوارع إلى سوق الحميدية فالجامع الأموي ومنه اتجه إلى مقبرة (صلاح الدين) على شكل يشعر بضرب من التشفي والانتقام. ولا بدّ لنا من القول إن سلطات دمشق كانت كما يقول الشبيبي قد عرضت قيادة الجيش العامة في ساعة المحنة على بعض الضباط العراقيين المعروفين فاعتذروا بعد قيامهم بالكشف على وحدات ذلك الجيش وتفتيش الثكنات قائلين إن جيش دمشق أو ما يسمى كذلك في ذلك الحين لا يعول عليه ولا يعتد به كماً وكيفاً كما تحدث إلى الشبيبي بذلك (ياسين الهاشمي) وهو أي الهاشمي ممن عرضت عليه رئاسة (ديوان شورى الحرب) فاعتذر بعد جولة قام بها في المعسكرات والثكنات واجتمع على أثرها بالشبيبي في منزله بصالحية دمشق وأعرب له عن رأيه بكفاءة ذلك الجيش، ومن ثم ركن إلى العزلة، وكانت عزلة هذا العسكري العراقي المعروف سبباً في مجاملة الفرنسيين المحتلين له، وهناك أسباب أخرى لهذه المجاملة ومنها أن (ياسين الهاشمي) كان يكنُّ ضرباً من الولاء للأتراك خلافاً لغيره من الضباط العراقيين الذين شاركوا في ثورة العرب عليهم بزعامة الملك حسين وأنجاله، وفي هذا الصدد يقول الشبيبي: كنا نلاحظ انزعاج الإنكليز من إسناد بعض المناصب إذا أسندت إليه أي الهاشمي ياسين. والخلاصة كان (ياسين) يتردد على الشبيبي في منزله (بالصالحية) وكانا متجاورين في تلك الضاحية وما أكثر عدد الذين كانوا يترددون على الشبيبي في ذلك المنزل من أبناء دمشق ولبنان والعراق وغيرهم([310]).
عوده من الشام
هذا وقد آثر العودة من دمشق إلى الوطن فور الاحتلال الفرنسي وذلك قبل غيره من أبناء العراق وبعد أن مكث في أرجاء الشام مدة سنة كاملة، وفي هذا الصدد يقول: (رغب إلى (ياسين) وهو يودعني أن لا تنقطع المراسلة بيننا واتفقنا على استخدام ضرب من الإشارات الرمزية في الكتابة في محاولة لكتمان الأسرار عن علم السلطات المحتلة الغاشمة وسماسرتها في العراق والشام).
ولم تطل إقامة الشبيبي بعد ذلك في سورية فبارح دمشق في خريف سنة 1920م عائداً إلى العراق بطريق البادية على ظهور الجمال([311])، وقد قطعوا المسافة بين دمشق وبغداد في خمسة وعشرين يوماً ووصل بغداد مع رفيق له من الضباط العراقيين متنكرين ووجد كثيراً من أصدقائه مبعدين إلى خارج العراق أو معتقلين داخل البلاد، أو مشردين. ولما اطمأن في بغداد اتصل بأهله وإخوانه واجتمع بكثير من قادة الرأي ورجال الأحزاب والجمعيات السياسية.
في العراق
هذا وفي هذه الفترة الصاخبة من تاريخ البلاد ظهر للجميع أن الإنكليز لم يجدوا بداً من إنهاء عهد الاحتلال. والموافقة على قيام دولة مستقلة ذات سيادة وفقاً لما تقرر في مؤتمر القاهرة الذي عقد سنة 1921م حيث مثل شرشل وغيره من البريطانيين الحكومة الإنكليزية ومثل العراق كل من السير ساسون حسقيل والسيد جعفر العسكري، وفي صيف السنة المذكورة وصل فيصل وحاشيته ومن جملتهم رستم حيدر على باخرة إنكليزية أقلعت بهم من جدة إلى البصرة. ومنها توجهوا على السكة الحديد فمروا في طريقهم بالديوانية والحلة وكربلاء إلى النجف وأرياف الفرات وهي قلب العراق النابض وعرين الأبطال الأشاوس الذين أذاقوا قوى المحتلين في الرارنجية والرميثة والشامية وأبي صخير وغيرهما ما أذاقوه، وضحوا بأرواحهم وجميع ما ملكت أيديهم في سبيل حرية البلاد وكرامتها، وكان لفيصل باعتباره ثائراً عربياً استقبال باهر يعجز التعبير عن وصفه في تلك المدن المجاهدة، وقوبل بمظاهرات ترحيبية كبيرة وخطب ثورية بليغة كما أنه ألقى عدة خطب في تلك المناسبات، وكان الشبيبي يجتمع بفيصل وصحبه طول مدة إقامته في تلك الجهات وخصوصاً في النجف وبغداد بعد وصوله إليها ولا يضن عليهم بالنصح ومواجهتهم بالواقع، ولما نودي بفيصل ملكاً على العراق في تلك السنة كان يستدعيه ويستشيره في الأمور المهمة، وقد رشح لإشغال بعض المناصب العليا في أوائل أيام العهد الفيصلي ولكنه كان يعتذر ويفضل الانقطاع للدراسة والتأليف إلى أن كانت سنة 1924م وفيها عهد إلى ياسين الهاشمي بتأليف وزارته الأولى فأبرق إليه وهو مقيم في النجف قائلاً إنه يسره التعاون معه وأن يشغل منصب وزارة المعارف في الوزارة الهاشمية.
في مناصب الدولة
فتردد كثيراً في قبول الوزارة ولكن إلحاح أصدقائه في بغداد والنجف اضطره إلى القبول فأشغل منصب هذه الوزارة فترة لا تزيد على سبعة أشهر، ولما عرضت اتفاقية النفط على مجلس الوزراء وكانت من الاتفاقيات المجحفة بحقوق العراق اقترح تعديل بعض بنود الاتفاقية على أساس يكفل للعراق في زيادة العوائد المالية فلم يجد من يعضده. وفي جلسة خاصة بينه وبين الهاشمي سأله عن موقفه الأخير من الموضوع فقال الهاشمي إن إبرام هذه الاتفاقية من واجب وزارته. وعلى أثر ذلك غادر الجلسة وذهب إلى مكتبه في ديوان الوزارة وبعث بكتابه الذي يستقيل فيه من الوزارة لأنه يرى أن الاتفاقية مجحفة بمصالح العراق. وقد تقلد الشبيبي منصب وزارة المعارف خمس مرات وإن لم تكن مدة الاستيزار طويلة فيها ففي سنة 1924م تقلدها كما قلنا أول مرة، وتقلدها مرة ثانية سنة 1935م وثالثاً سنة 1938م ورابعاً سنة 1941م وخامساً سنة 1948م واختير سنة 1935م عضواً في مجلس الأعيان وانتخبه هذا المجلس رئيساً له سنة 1937م وقد رشح في الانتخابات النيابية فكان عضواً في المجلس النيابي غير مرة وانتخب رئيساً للمجلس النيابي سنة 1943م وأمضى سنة في الرئاسة ثم أعيد انتخابه لرئاسة المجلس المذكور سنة 1944م ولكنه استقال قبل انتهاء السنة بسبب دسائس استعمارية معروفة دبرت بليل.
هذا ومن يمعن النظر في سيرته الرسمية أو السياسية منذ أن نشأت الدولة العراقية سنة 1921م إلى آخر حياته تبدو له ظاهرة نادرة وهي أن تلك السيرة امتازت بكثرة الاستقالات والتخلي عن المناصب العليا التي تقلدها فقد استقال مرتين في منصب وزارة المعارف: المرة الأولى سنة 1925م والمرة الثانية سنة 1935م وذلك بسبب اختلاف وجهات النظر في تخطيط سياسة التعليم وفي تنظيم شؤون المصلحة واختيار الموظفين، واستقال أيضاً من رئاسة المجمع العلمي العراقي وعضويته سنة 1948م، واستقال من رئاسة لجنة الترجمة والتأليف والنشر ومن عضويتها سنة 1946م، واستقال من عضوية مجلس النواب في أواخر سنة 1950م مع من استقال من النواب وعددهم خمسة وثلاثون نائباً بسبب محاولة حاول بها بعض المرتزقة مس كرامة المعارضين في المجلس. وكان لهذه الحادثة أثرها البلغ في الخارج والداخل على حدّ سواء. وهذه كما قلنا ظاهرة نادرة إذا ما استطلعنا أسرارها تبين لنا أنه كان محاطاً بشبكة من دسائس المستعمرين وأذنابهم، فكان لا يقر لهم قرار إذا تقلد أو أشغل منصباً عالياً من مناصب الدولة لأن الأذناب ومطايا الاستعمار أعداء الخدمة الصحيحة وأكبر خصوم للإصلاح وهما كما لا يخفى غايته القصوى من تقلد وظائف الدولة في جيع الأحوال.
وكانت آخر استقالة له، استقالته من رئاسة المجمع العلمي العراقي قبيل وفاته.
في المناصب العلمية
وانتخب الشبيبي في كثير من المؤسسات والمجامع العلمية واللغوية داخل العراق وخارجه. فهو عضو نادي القلم العراقي([312]) ورئيسه نحواً من عشرين سنة ورئيس المجمع العلمي العراقي سنة 1948م إلى أن تخلى عن رئاسته لأسباب معروفة. وقد منح درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة القاهرة تقديراً لبحوثه في الأدب والتاريخ وانتخب عضواً في المجمع العلمي العربي في الشام سنة 1923م كما انتخب عضواً كاملاً في مجمع اللغة العربية في القاهرة وذلك في أواخر سنة 1947م وبارح العراق إلى القاهرة واشترك لأول مرة في المؤتمر اللغوي الذي عقد في أول سنة 1948م وأقيمت له حفلات في القاهرة منها حفلة استقباله في المجمع اللغوي، وللأستاذ عباس محمود العقاد في هذه المناسبة خطبة معروفة كما أن للشبيبي خطبة فيها أيضاً، ومن المحاضرات التي ألقاها في المؤتمر اللغوي محاضرة موضوعها (النهضة الأدبية الحديثة في العراق) وقد لخصتها بعض الصحف المصرية وعلقت عليها. وأقامت له كلية دار العلوم المصرية حفلة استقبله فيها الأستاذ إبراهيم مصطفى بخطاب ضاف وألقى فيها محاضرة عنوانها (أقدم مخطوط وصل إلينا في وصف جزيرة العرب) وكان لها وقع بالغ في نفوس الحاضرين. وفي هذه الحفلة ألقيت قصائد وخطب ترحيبية.
وهكذا لم يتخلف عن شهود دورة من دورات مجمع اللغة العربية منذ انتخابه عضواً فيه إلا مرة واحدة. ولما ألغي المجمع العلمي العراقي سنة 1963م وخلفه المجمع الجديد انتخب عضواً فيه ورئيساً له ولوحظ أن المجمع أخذ يجتاز بعهد رئاسته مرحلة من مراحل النشاط والاضطلاع بأعباء المهام المطلوبة منه، وقد أخرج جزءاً جديدً حافلاً بالبحوث من مجلته الخاصة. وظل في رئاسته إلى أن استقال منها قبل وفاته بأيام. وقبل انتقاله إلى جوار ربه كان يشارك في احتفالات الإسراء في المسجد الأقصى، وفي عودته استقبل في بغداد استقبالاً يعز نظيره. وكان هذا الاحتفاء آخر احتفاء يقدمه له الشعب في حياته إذ قضى نحبه في نفس الليلة التي عاد فيها وذلك ببغداد في الثالث من شعبان 1385هـ والسادس والعشرين من تشرين الثاني 1965م.
الشفاء (كتاب)
للشيخ الرئيس «أبو علي الحسين بن عبداللَّه بن سينا» (370 ـ 428هـ/ 980 ـ 1037م)، مكانة شامخة في الفكر الإنساني، بفضل شخصيته الفذة، إذ أحاط بجهده الذاتي الدؤوب بالتراث الثقافي، وتيارات عصره العلمية والفكرية فاستوعبها وتمثلها، ومارس العلوم نظراً وتجربة، فعكس روح عصره، بعقل مبدع متفتح، ومن ثمة خلف آثاراً متنوعة وعميقة شهدت بأصالته، وأكدت ريادته، مما هيأ له أن يضيف جديداً إلى علوم عصره، ويثري التراث الفكري بثروة فكرية فلسفية وعلمية ذات قيمة لا تنكر، فلا جرم أن صار من مفاخر الإنسانية المفكرة، الملهمة في مجالات شتى.
فقد أسهم «ابن سينا» في كافة علوم عصره، ولم يدع فروعاً من فروع المعرفة، في ثقافة زمانه السائدة، إلا وأبدى فيه رأياً تميز بالجدة والطرافة، فأشع بنور عقله الفياض على الفكر الإسلامي من نواحيه المختلفة، فتحقق له تأثيراً واسعاً وعميقاً في العالم العربي، وتجاوزه إلى الفكر المسيحي ليكون له تأثيره على الفكر العربي منذ أن ترجمت أعماله في القرون الوسطى إلى اللغة اللاتينية حيث ذاع نتاجه المبدع الخصب، المتسم بالموسوعية في مصنفاته المتعددة التي يتصدرها مصنفه «الشفاء».
وينفرد «الشفاء» بأنه إحاطة مستوعبة لصنوف العلوم العقلية المتباينة المصادر والأصول، التزم فيها بصدق التحري، وأمانة العرض، ونزاهة المناقشة، فسبق دوائر المعارف الحديثة بنحو ستة قرون، ولذا ظل محتفظاً بقيمته وأهميته التي لا تمارى حتى عهد الموسوعات قبيل القرن التاسع عشر، ومناط التقدير فيما أنجزه «ابن سينا» أنه انفرد بطاقته وجهده في وضعه، بينما صدور الموسوعات اليوم يتعذر ما لم تتضافر جهود الخبراء والمتخصصين، ومع ذلك توفر في «الشفاء» الإحاطة في العرض، والدقة في تصنيف المعلومات والحقائق مع التنسيق الذي يبرزها ويمكن الوصول إليها في سهولة ويسر، حيث يضم أربعة أقسام هي المنطق، والطبيعة، والرياضة والعلم الإلهي، وقد أعانته الذاكرة على التمكن من جميع العلوم دون الرجوع إلى المصادر فكان يكتب رؤوس المسائل كلها «بلا كتاب» يحضره، ولا أصل يرجع إليه بل من حفظه وظهر قلبه… وكان ينظر في كل مسألة ويكتب شرحها، فيما يقول تلميذه «الجوزجاني» الذي عايش «الشفاء» وهو رحلة فكر في عقل صاحبه.
وعلى الرغم من أن «الشفاء» دائرة معارف فلسفية، فقد حملت هذا اللفظ لأن «ابن سينا» قصد به «شفاء النفوس»، وبذا يطبع المصنف بخاصية الابتكار التي تميز بها من مفتتحه حتى منتهاه، وقد تحقق لهذا العنوان أن يجد من يقلده في العالم العربي ليكون له رحلته أيضاً إلى جانب المتن ذاته، وقد ترجم إلى اللاتينية في شيء من التحريف Sufficientier.
وإذا كنا نتابع المصنف في رحلته، فإن مضمونه نفسه قد ظل في صحبة صاحبه يعمل فيه فكره أثناء رحلاته التي لم تنقطع وصبغت الفترة التي وضعه فيها بالاضطراب والقلق، ولذا فقد سجل مواده أثناء تنقله في رحلاته، ولم تفل عزيمته دون إنجازه السَّفْرُ العظيم في عام 418 هجرية.
مضمون الشفاء:
يستهل «ابن سينا» مصنفه موضحاً مقصده من وضعه إذ يقول: «إن غرضنا في هذا الكتاب أن نودعه لباب ما تحققناه من الأصول في العلوم الفلسفية المنسوبة إلى الأقدمين، المبنية على النظر المرتب المحقق، والأصول المستنبطة بالأفهام المتعاونة على إدراك الحق المجتهد فيه زماناً طويلاً، حتى استقام آخره على جملة اتفقت عليها أكثر الآراء، وتحريت أن أودعه أكثر الصناعة… ولا يوجد شيء يعتد به إلا وقد ضمناه كتابنا هذا… وقد أضفت إلى ذلك مما أدركته بفكري، وحصلته بنظري، وخصوصاً علم الطبيعة، وما بعدها، وفي علم المنطق».
ويبين «ابن سينا» أن الغرض من الفلسفة أن يوقف على حقائق الأشياء كلها على قدر ما يمكن الإنسان أن يقف عليه والأشياء الموجودة إما أشياء موجودة ليس وجودها باختيارنا وفعلنا، وإما أشياء وجودها باختيارنا وفعلنا.
ومعرفة الأمور التي من القسم الأول تسمى فلسفة نظرية، ومعرفة الأمور التي من القسم الثاني فلسفة عملية، والفلسفة النظرية إنما الغاية فيها تكميل النفس بأن تعلم فقط، والفلسفة العملية إنما الغاية تكميل النفس، لا بأن تعلم فقط، بل أن تعلم به فتعمل. فالنظرية غايتها اعتقاد رأي ليس لعمل، والعملية غايتها معرفة رأي هو في عمل، فالنظرية أولى بأن تنسب إلى رأي. والغاية في الفلسفة النظرية معرفة الحق، والغاية في الفلسفة العملية معرفة الخير.
ويبين «ابن سينا» فائدة المنطق، وجدوى تعلمه وممارسته، فيرى أن استكمال الإنسان من جهة ما هو إنسان وعقل، هو في أن يعمل الحق لأجل نفسه، والخير لأجل العمل به واقتباسه، وجلّ ما يحصل عليه من ذلك إنما يحصل بالاكتساب، والاكتساب هو اكتساب المجهول، ولذا يجب أن يبدأ الإنسان بتعلم كيف يكون له اكتساب المجهول من المعلوم، وكيف حال المعلومات وانتظامها في أنفسها، حتى تفيد العلم بالمجهول، أي حتى إذا ترتبت في الذهن الترتيب الواجب انتقل الذهن منها إلى المجهول المطلوب فعله.
والمنطق عند «ابن سينا» آلة سلبية تعصم من الزلل، وتعين على اجتناب الخطأ، وتدرك الحقائق بهداية الحكمة ونور البصيرة، فهي مصباح والمنطق ميزان.
وما أكثر ما نستخلصه من مصنف «الشفاء» من آراء وأفكار تزيدنا قرباً من عقل «ابن سينا» فهو في الطبيعيات يرى المادة الأولية والصورة والعدم هو الأصول الثلاثة التي تصدر عنها كل الأجسام الطبيعية، والعالم مخلوق في زمان، فالكائنات إما أن تكون ممكنة الوجود جميعاً، وإما أن تكون جميعها واجبة الوجود، ومحال أن تكون ممكنة الوجود جميعاً، لأن الممكن يحتاج إلى علة تخرجه من حيز الإمكان إلى حيز الفعل، ومحال أن تكون واجبة الوجود جميعاً، لأنها بين متحركة تحتاج إلى محرك، وبين مركبة تحتاج إلى علة لتركيبها، ولا بدّ أن تسبقها أجزاؤها، فهي إذن بعض ممكن الوجود، وبعض واجب الوجود، وواجب الوجود هو الذي لا تتصور عدمه، مسبوقاً، لأن الذي يسبقه يكون إذن أولى بالوجوب.
ويمضي «ابن سينا» ليصل إلى تقسيم الوجود إلى واجب بذاته، وممكن بذاته، ولكنه واجب بغيره، وبذلك وفق بين القائلين بقدم العالم وخلقه، فإن العالم ممكن بذاته، ولكنه واجب بغيره، لأنه كان في علم اللَّه.
والنفس كما يحدها «ابن سينا» كمال أول لجسم طبيعي آلي أو جسم طبيعي ذي حياة، فالجسم الحي يمايز غير الحي بنفسه لا ببدنه، فالنفس إذن صورة له أو ماهية، والصورة أو الماهية هي الكمال الذي يتحقق به وجود الذات، وكل كمال فهو ينقسم إلى قسمين: الكمال الذي هو مبدأ الأفاعيل، والكمال الذي هو ذات الأفاعيل، والأول هو الكمال المؤثر والثاني هو الكمال المتأثر.
ويلزم «ابن سينا» الدقة وقوة الملاحظة فيما يعرضه من وصف للظواهر، مما يضفي على مصنفه طابع تجريبي، ودقة علمية، فإذا تكلم عن الظواهر الجوية، وعلم طبقات الأرض، وغير ذلك في الطبيعيات قال: «أما الزلزلة فإنها حركة تعرض لجزء من أجزاء الأرض بسبب ما تحته، ولا محال أن ذلك السبب يعرض له أن يتحرك، ثم يحرك ما فوقه. والجسم الذي يمكن أن يتحرك تحت الأرض، ويحرك الأرض إما جسم بخاري دخاني قوي الاندفاع كالريح كما يشق الخواني إذ تولد في العصير».
تأثير وتأثر:
وإذا كانت رحلة «الشفاء» تشهد بمدى تأثيره في الفكر الإنساني حيث كان له صداه في كافة المحافل العلمية التي حلّ بها، فإن الأفكار والنظريات التي حملها «الشفاء» وتفاعل بها «ابن سينا» قطعت رحلات طويلة من بقاع دانية ونائية حتى امتزجت ببنائه الفكري، وارتبطت بتكوينه العقلي، وكان موقفه منها سواء بالرفض أو القبول، قائماً على فحص وبحث. فقد كان لا يملّ عن مواصلة الدرس والتحصيل والعكوف على القراءة والاطلاع دون أن يعتريه الكلال أو الفتور، وينفعل ويتفاعل بما يدرس فيهضم ويتمثل الحقائق التي يظهر أثرها أوضح ما يكون في الشفاء، فإذا تحدث عن رحلة الأفكار في بنائه الفكري قال: «كنت… أشتغل بالقراءة والكتابة…وما زلت كذلك حتى أستحكم معي جميع العلوم، ووقفت عليها بحسب الإمكان الإنساني… حتى أحكمت علم المنطق والطبيعي والرياضي، ثم عدلت إلى الإلهي.. وقرأت ما بعد الطبيعة.. وطالعت فهرس كتب الأوائل، وطلبت ما احتجت إليها فيها.. ورأيت من الكتب ما لم يقع اسمه إلى كثير من الناس قط.. فقرأت تلك الكتب، وظفرت بفوائدها، وعرفت مرتبة كل رجل في علمه..».
ولا نكران أنه تأثر بأفكار فلاسفة توطّدت صلته الفكرية بهم في سنوات التكوين الأولى مع تباين درجة التأثير ونوعيته، ومن هؤلاء أفلاطون، وأرسطو والفارابي، وبعض المتفلسفة من قدماء الهند وفارس، فهو يقترب من الفارابي في توفيقاته الدينية، ويقارب فرفيوس والأفروديسي، في رموزهما الصوفية، ويماثل أرسطو في تفكيره المنطقي، ويقارب أفلاطون في النزعة الصوفية، ولكن أبعاد هذه العلاقات محل نظر وموضع يقاس بين التأييد والمعارضة إذ يرى «برتراند رسل» في مصنفه «تاريخ الفلسفة الغربية» أن ابن سينا كان في فلسفته أقرب إلى أرسطو منه إلى الأفلاطونية الجديدة، إلا أنه فيما يقرر كورتس S.J.Curtis في «موجز تاريخ فلسفة العصور الوسطى»، قد عبر في «الشفاء» عن آرائه الذاتية التي تميز شخصيته كفيلسوف إسلامي له خصائصه المتفردة التي تكسبه الجدة والابتكارية.
رحلة الشفاء في العالم العربي:
لقد بدأ تأثير مصنف «الشفاء» في العالم العربي منذ القرن الخامس الهجري، حيث سادت فلسفة «ابن سينا» وطبعت الفكر الفلسفي بطابعها إلى أوائل القرن الرابع عشر، وقد اطلع كثير من الفلاسفة والمتكلمين على «الشفاء» بحسبانه المعبر عن فلسفة فيلسوف الإسلام غير منازع. وأقبل الكثيرون على تفهم واستيعاب «الشفاء» ولم يكن الموقف من آرائه بين الفلاسفة قائماً على الموافقة والاتباعية تماماً، ولكنه كان يتردد بين القبول والمعارضة، «فالغزالي» في «تهافت الفلاسفة» و«الشهرستاني» في «نهاية الإقدام» حينما يوضحان القول في حدوث العالم واستحالة قدمه يستمدان نصوصهما من «الشفاء» ويعمدان إلى عرض كثير من الأفكار والآراء التي تضمنها للتأييد والمعارضة.
ويقع «الشفاء» في رحلته بين يدي عبدالرحمن بن خلدون، فيقرأه، ويحيط به، ويشير إليه في أكثر من موضوع في «مقدمته» فهو عندما يعرض «الفصل السابع عشر في علم المنطق» ينص على أن «لابن سينا كتاب الشفاء استوعب فيه علوم الفلسفة السبعة كلها»، ويستعين بما جاء فيه في شرحه للمنطق وأقسامه، ويؤكد على أن أعمق من كتب في الفلسفة هو «ابن سينا» لأنه أوعب من ألف في ذلك «ابن سينا» في كتاب «الشفاء» وفي الفصل الحادي والعشرين في علم الإلهيات فيقول: وكتب المعلم الأول فيه موجودة بين أيدي الناس ولخصه «ابن سينا» في كتاب «الشفاء»، وهكذا في أكثر من موضع.
ويسري تأثير «الشفاء» في المصنفات التي تمثل الدراسات والبحوث العقلية الإسلامية في العصور الأخيرة، فالنسفي صاحب مصنف «العقائد» يشرح ويفسر التصور والتصديق على النحو الذي انتهجه «ابن سينا» في «الشفاء»، وفي مصنف «المواقف» للإيجي نقرأ توضيحه للعلل وأنواعها فنسمع صدى بحث العلة في طبيعيات «الشفاء»، وعندما يبين «الفارابي» في «المقاصد» جوهر الحركة، يسير على درب السماع الطبيعي في «الشفاء»، وهكذا يتخذ «الشفاء» مساراً فعالاً عبر رحلته الفكرية والطويلة في الدراسات الإسلامية المتنوعة.
الترجمة تحمل «الشفاء»
إلى آفاق بعيدة
عرف العرب المصنفات العلمية اليونانية عندما ترجمت إلى العربية في عهد الترجمة الزاهر ببغداد أيام هارون الرشيد عام 786م، وكان من أشهر المترجمين إلى العربية حنين بن إسحاق الذي ترأس مدرسة «دار الحكمة» التي شيدها الخليفة المأمون لنقل أمهات المصنفات اليونانية لتيسر الاطلاع عليها ودراستها، وبحثها، ويعقب «دي لاسي أوليري» De Lecy O’Leary في مصنفه «علوم اليونان وسبل انتقالها إلى العرب» على ذلك بقوله: «إن التراث اليوناني الذي تلقاه العرب قد ازدهر في البيئة العربية وتطور تطوراً حقيقياً، فهم لم يكونوا مجرد نقلة له «إلى من خلفهم من الأمم، فقد طابقوا ووفقوا بين مؤلفات العلماء الإغريق والهنود».
وتظل حركة الترجمة في نشاطها مما يتيح لابن سينا أن يطلع على شوامخ الفكر اليوناني الذي ينعكس أثره في «الشفاء»، وحين تخمد آخر مراحل حركة الترجمة في آسيا بعد وفاة آخر أفراد عائلة حنين من المترجمين، تبرز حركة الترجمة في الأندلس كومضة أخيرة تحت الحكم العربي في ظل الأمير الأموي عبدالرحمن الذي اتخذ لقب خليفة سنة 929، وقد اهتم بالترجمة بسبب إهداء الامبراطور البيزنطي قسطنطين السابع له نسخة من «ديوسقوريديس» باليونانية وأرسل له راهباً يجيد العربية واليونانية ليترجمه له، فأتم ذلك وعلم اليونانية للكثيرين، وعندما استخلصت إسبانيا استقلالها سنة 1085م، نشطت حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية، وكان من أبرز ما ترجم فيها منجزات ابن سينا ومن بينها كتاب «الشفاء».
رحلة الشفاء في الفكر الغربي
لقد كانت إسبانيا كما يفصح «موريس دي ولف» Maurice de Wulf صاحب «تاريخ فلسفة العصور الوسطى» في القرن العاشر ملتقى أجناس كثيرة مختلفة أشد الاختلاف، وكانوا يعيشون جنباً إلى جنب مع العرب.. ونجم عن ذلك أن أصبحت إسبانيا مركزاً لحركة فلسفية خصبة إلى القرن الثالث عشر. والحق أن إسبانيا كانت في العصور الوسطى حلقة الاتصالات الأولى بين الإفرنج والثقافة العربية الإسلامية، وكان «الشفاء» له الصدارة في الترجمة إلى اللاتينية، حيث بُدِىء في ترجمته ولما يمضي على وفاة «ابن سينا» قرن واحد، وما كاد يظهر جانب منه مترجم حتى امتدت إليه الأيدي لهفة في كافة العواصم الأوروبية ورحلت إلى أكثر من مكان بعض أجزاء من نسخه التي بلغت الخمسين.
وقد أثار الاطلاع على محتواها حركة فكرية بلغت أوجها في القرن الثالث عشر، فذاع اسم «ابن سينا» علماً على مذهب سينوي لاتين، وقد تمت الترجمة على فترتين أولاهما بدأت في الربع الثالث من القرن الثاني عشر، والثانية جاءت بعدها بنحو مئة سنة، إذ أسس «ريمون» رئيس أساقفة طليطلة من سنة 1126 إلى 1151م، ديواناً للترجمة أشرف عليه دومينيك جونزاليز المدعو حبذيسالقي وحبذيسالينوس، وقد ترجم فيما بين 1130 و1150م، مصنف الشفاء ولم تكن الترجمة سهلة ولا ميسرة، ولم تستخدم العربية وسيطاً كالعادة، ولكن تم النقل من العربية إلى لغة دارجة هي القشتالية في نص حرفي، ومنها إلى اللاتينية. وقد وضع حبذيسالينوس مصنفاً في «خلود النفس» اقتبس موضوعاته من أقوال ابن سينا في طبيعيات «الشفاء»، ويتتابع تأثير أفكاره في جملتها عند «جيرار دودي كريمونا، وجيوم دو فرني وألكسندر أوف هاليس» ويزداد تأثيره عند «روجر بيكون» الذي اطلع على أمهات الكتب الإسلامية، ويعرض لآراء ابن سينا في الشفاء بين الرفض والقبول، وبالإضافة إلى أثره في فكر ومنهج القديس ألبرت الأكبر الذي استوعبه وجرى على نهجه في عرض آراء ابن سينا بالتمثيل والتكميل لا شرحاً حرفياً.
ويواصل «الشفاء» رحلته المدفوعة بطاقة الفكر العربي الأصيل، ليثير حركة وفاعلية حيثما التقى بمفكر يستهويه جدة الفكر وأصالته.
أثر «الرجل المعلق» في الفكر الفلسفي
وإذا كانت رحلة «الشفاء» هي في حقيقة الأمر رحلة مضمون ومحتوى، فإن اقتفاءنا لفكرة هامة من أفكاره الزاخرة يبين لنا إلى أي مدى لا زال لتأثيره في الفكر الفلسفي صداه حتى العصر الحديث، ولتكن فكرة «الرجل المعلق في الفضاء» سبيلنا لمتابة رحلتها في الآفاق، ويوضحها ابن سينا في «الشفاء» بقوله: «يجب أن يتوهم الواحد منا كأنه خلق دفعة، وخلق كاملاً، لكنه حجب بصره عن مشاهدة الخارجات، وخلق يهوي في هواء أو خلاء هوياً لا يصدمه فيه قوام الهواء صدماً يحوج إلى أن يحس، وفرق بين أعضائه فلم تتلاق ولم تتماس. ثم يتأمل أنه هل يثبت وجود ذاته، فلا شكّ في إثباته لذاته موجوداً، ولا يثبت مع ذلك طرفاً من أعضائه ولا باطناً من أحشائه، ولا قلباً ولا دماغاً ولا شيئاً من الأشياء خارج، بل كان يثبت ذاته ولا يثبت لها طولاً ولا عرضاً ولا عمقاً.. وأنت تعلم أن المثبت غير الذي لم يثبت والمقرّ به غير الذي لم يقرّ به. فإذن للذات التي أثبتت وجودها خاصية على أنها هو بعينه غير جسمه وأعضائه التي لم تثبت».
وواضح أن افتراض «ابن سينا» للرجل المعلق في الفضاء يبين أن الذات وهي التي أثبت صاحبها وجودها حين غفل عن كل شيء سواها، مختلفة عن بدنه وأن إدراكه لنفسه ومعرفته لوجود إنيته لا يحتاج إلى بدن، فالنفس تدركها إدراكاً مباشراً، ومعرفتها أيسر من معرفة البدن، فأول الإدراكات وأجلاها هو إدراك الإنسان نفسه. وقد أثارت فكرة «ابن سينا» في الرجل المعلق معاصريه، ولذا يرجع إليها في «المباحثات» بالشرح والإيضاح.
وقد ذاعت وشرحت هذه الفكرة عندما ترجمت في الشفاء إلى اللاتينية، ولذا يبدأ «حبذيستالينوس»، رسالته في النفس بسرد براهين وجودها مستخدماً رمز الرجل المعلق في الفضاء لنقطع الأصرة بالعالم الخارجي، ويستشهد بنص «ابن سينا» الذي يقول: ارجع إلى نفسك وتأمل.. ولو زعمت أن ذاتك… معلقة لحظة ما في هواء طلق، وجدتها قد غفلت عن كل شيء إلا عن ثبوت إنيتها».
ويعارض «جيوم دو فرني» الكثير من آراء ابن سينا ولكنه ينقل ويوافق على رمز الرجل المعلق في الفضاء، وتواصل الفكرة رحلتها بين محتويات الشفاء، فيطلع عليها «ديكارت» أبو الفلسفة الحديثة، ويكون لها أثرها في تكوين فكرته عن الحدّ الفاصل بين صيغات المادة وخصائص الجسم، وبين صفات النفس وما لا يمكن أن يخص إلا جوهراً مفكراً، ومن هنا نجد التشابه بين فكرة الرجل المعلق في الفضاء التي عبّر عنها «بالانية السينوية» و«كوجيتو» ديكارت الذي ينص على: «أنا أفكر، إذن فأنا موجود» فالشكّ يدل على الفكر، والفكر يؤكد الوجود، وبهذا يثبت ديكارت النفس هذا الإثبات الذي لا يعتمد على الاستبدال، لكن على الحدس الذي يدرك بومضة من ومضات الفكر تغوص الأعماق في لمحة واحدة، فالشكّ يتضمن إدراك الوجود، والوجود يتضمن الفكر، والفكر يدرك إدراكاً مباشراً، وبذلك التقى الفيلسوفان في البرهنة على أن النفس جوهر روحاني غائب عن الحواس والأوهام فيما يعبر «ابن سينا» وأنها مستقلة تماماً عن الجسم.
ولا نكران أن آراء «ابن سينا» في «الشفاء» قد تركت بصماتها على الفكر الإنساني منذ باكورة رحلته من المشرق العربي إلى المغرب العربي، حتى التقت بالفكر الغربي، ولا زال «الشفاء» يتدارس في بعض مساجد الشرق إلى اليوم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، بالإضافة إلى معاهد العلم الدينية.
وقد مكنت ترجمة الشفاء باللغات القديمة والحديثة من تسهيل حركته، فيواصل رحلته إلى بقاع شتى، ولا زالت مخطوطات منه موزعة في المكتبات في أجزاء العالم شرقاً وغرباً.
وإذا كان الشفاء قد طاف الآفاق في رحلته، واستوعبته العقول الناضجة، وتأثرت به، وانعكس محتواه على نتاجهم، فإن الفضل في ذلك مرده إلى «ابن سينا» صاحب الذهن الموسوعي الواعي الحصيف الذي استطاع أن يهضم ويتمثل، فتمكن أن يخرج أفكاراً وآراء لها جدتها وطرافتها وأصالتها، ولذا استمر نتاجه فعالاً، لأنه صدر عن عقل فعال استوعب ثقافة عصره، ثم أبرزها في إطار مبتكر فيه شخصيته الفذة.
علي بركات
شُقوق
جمع شَقّ أو شَّق وهو الناحية: منزل بطريق مكة بعد واقصة من الكوفة وهو لبني سلامة من بني أسد والشقوق أيضاً من مياه ضية بأرض اليمامة([313]) ورده الإمام الحسين (عليه السلام) يوم الأحد 20 ذي الحجة سنة 60 هجرية بعد إقامته في الخزيمية يوماً وليلة قال ابن أعثم الكوفي في الفتوح ج2 ص128 كان فيه لقاء الإمام (عليه السلام) مع الفرزدق ويذكر في مكان آخر أن اللقاء كان في الصّفّاح.
عبدالحسين الصالحي
الشقيف وقلعته
لم نرَ بين مؤرخي العرب من وصف قلعة الشقيف وصفاً ممتعاً يناسب مكانتها العمرانية، وموقعها الطبيعي، وما انضم إليهما من وضعها الحربي الذي هو آية التحصين، ونهاية الإبداع في الامتناع. إن جلّ ما كتبه مؤرخو العرب في وصفها والتعريف بها لا يعدو الجمل الآتية:
سار صلاح الدين إلى شقيف أرنون وهو من أمنع الحصون([314])، والشقيف كالكهف أضيف إلى أرنون اسم رجل إما رومي وإما إفرنجي وهو قلعة حصينة جداً في كهف من الجبل قرب بانياس([315]).
وجدد عزمه (صلاح الدين) على قصد شقيف أرنون وهو موضع حصين قريب من بانياس([316]).
ويعرف أيضاً بالشقيف الكبير وهو حصن بين دمشق والساحل بعضه مغارة منحوتة في الصخر وبعض له سور وهو في غاية الحصانة([317]).
ثم خرج (صلاح الدين) إلى شقيف أرنون. وهو موضع حصين فخيم في مرج عيون بالقرب من الشقيف([318]).
وبالقرب منها (قلعة تيرون) على خمسة فراسخ قلعة أرنون وهي أيضاً حصينة جداً([319]).
قلعة الشقيف
رافق السلطان صلاح الدين من كان يحصي أنفاسه أمثال القاضيين الفاضل وابن شداد والعماد الأصفهاني، فلم يغادروا صغيرة من أعماله ولا كبيرة إلا أحصوها، ولا حديثاً من أحاديث فتوحاته إلا رووه والحصون التي جاس خلالها بخيله ورجله إلا وجاؤوا بذكره مفصلاً، ولا مهبطاً هبطه بجنده ومصعداً صعده بفيالقه إلا وكان لهم من وصفه المعجب المطرب. فكيف يقعدهم العجز عن وصف هذه القلعة والإشادة بمحاسنها والتنويه بعظمتها التي تستثير كامن القرائح.
وقد جاء بعدهم من حملة الأقلام من لا يقصر عن الجري في حلبتهم وصحب مثل من صحبوا من الملوك والسلاطين الذين وقعت في قبضتهم ورأى من مبدع عمرانها ومعجز بنيانها ما رأوه فلم يتخط في وصفها وصفهم الموجز. وفعل فعلهم كتاب الصليبيين الذين شاهدوا منها ما شاهده الكتاب المسلمون.
لا جرم أنهم لم يحجموا عن وصفها إفحاماً وعياً، ولا كان تركهم التعريف بها عمداً وقصداً وإنما حال بينهم وبين ما يشتهون منع المتغلبين عليها كتاب زمانهم من ذلك لما فيه من دلالة العدو على عوراتها، فبقيت وهي حافلة بعمرانها، آهلة بحامياتها سراً في ضمير الدهر مكتوماً، ممتنعة على القرائح، امتناعها على بيض الصفائح، متعاصية على تعريف المعرفين ووصف الواصفين، تعاصيها على منجنيقات المحاصرين، ولم تلن لواصفيها شكيمتها، إلا بعد أن أوهنت خطوب الدهر عزيمتها، وثلت أيدي المتغلبين المتعاقبين عليها أخذاً ورداً عروشها، فأصبحت أثراً من الآثار، وخبراً من الأخبار، طامسة الأعلام مطوياً كثيراً من صحائف عمرانها تحت أنقاضها المتراكمة يرتادها الزائرون من أمم شتى ومحبو الآثار القديمة من قريب وبعيد.
لم يبلغ منها الرواد والسائحون حاجتهم والباحثون وطرهم إلا بعد ظفر الجزار بأمراء جبل عامل ووضع يده على حصونهم وقلاعهم وتدميرها، وإعراض الولاة العثمانيين بعد إدالتهم من الحكام الوطنيين وتلاشي الحكم الإقطاعي من البلاد وتجديدها وتعميرها.
طويت صحيفة عمرانها من ذلك العهد. وقضت عليها السياسة العثمانية أن تبقى مطوية إلى الأبد، ولكنها لم تطو من سجل التاريخ الحافل بأخبار اسمها، كما لم تقض على كل ما فيها من الأبنية الضخمة. بل تركت فيها صحيفة مفعمة بالآثار. بما استبقت عليه من ذماء عمرانها وقد ارتفع الحجر عنها على الباحثين الأوروبيين.
زار هذه البلاد كثير من باحثي الإفرنج وزارها في عهد الجزار فولني الفرنسوي وقد وقفنا على طرف من رحلته نقلته إلى العربية مجلة المباحث، وفيه إلماع إلى كثير من حوادث تلك الأيام وإلمام بأديان القطر السوري وطوائف سكانه وأبحاث عن موقف البلاد (ومنها جبل عامل) العلمي والزراعي والاقتصادي والعمراني والأخلاقي، ولكننا لم نر في ما نقلته المباحث ذكراً لقلعة الشقيف ولعلها كانت في ذلك العهد لا تزال في قبضة الأمراء العامليين عامرة آهلة بأبطالهم محجوبة عن الزائرين والباحثين وأن ما كتب عنها لا يرجع العهد به على ما هو المظنون إلى ما يجاوز أواسط القرن التاسع عشر الميلادي وهو الزمن الذي زار سوريا فيه كيران السائح الفرنسوي ولعله أول من كتب وصفها والتعريف بأبنيتها وأوضاعها من كتاب الإفرنج الذين نسلوا إليها من كل حدب وهذا تعريب ما كتبه([321]).
«لهذه القلعة مدخل واحد من الجنوب. وشكلها مثلث الزوايا. وقياسها 160 متراً طولاً و100 عرضاً تقريباً يحيط بها من بقية جهاتها آبار منقورة في الصخر. ويحميها من الجهة الشرقية مسيل ماء مهيب يسمى (نهر الليطاني) تسيل مياهه على عدة أمتار منها إلى الحضيض. وفي الجنوب خارجاً يوجد حوض في الصخر، وفي الغرب صهاريج فيها أحواض جمة منقورة في الصخر الصلد مسقوفة بعقود حجرية، وفي الشمال حوض قسم منه منقور في الصخر وقسم مبني. وجدرانها المحيطة بها منحدرة وفي داخل القلعة أحواض كثيرة كان يجتمع فيها من المياه ما يسدّ إعواز المحصورين مدة الحصار.
«وهي تنقسم إلى قسمين قسم منخفض يحده من الجهة الشرقية عقاب الليطاني الكأداء. وقسم مرتفع مبني على قمة الصخر العليا. ولا يزال قائماً فيها أبراج من القدم تميل ميلاً عمودياً إلى أودية».
«وفي القلعة إبهاء (صالات) وحوانيت وغرف متابعة متلاصقة يفصل بينهما ممشى مسقوف بعقود».
«وفيها طبقتان ببناء مختلف يستدل منه على قدمها والمتهدم منها نحو ثلاثة أرباعها».
«والقسم المرتفع الذي يمتد إلى الجهة الغربية يظهر فيه من الجهة الجنوبية بقايا برجين جميلين مستديرين،وهو مبني بحجارة كبيرة قائم على حائط منحدر مبني بحجارة صقلية يمتنع على الإنسان تسلقها. والجهة الغربية عبارة عن جدار مرتفع متناه في الغلظ وركائزه السفلى قائمة على الصخر هي منضدة من حجارة ضخمة غالبها منحوت. وأما الساقات العليا (المداميك) فهي أصغر من السفلى. ويظهر أنها من بناء حديث وفيها درج منقور في الصخر يصل بعضها ببعض».
وجاء في وصفها عن بيدكر ما هذا موضع الحاجة منه: «وهي محاطة من الجنوب ومن الغرب بهوة عميقة محفورة بالصخر. عمقها 15 متراً إلى 36 متراً. ومن الجنوب فقط تتصل القلعة بذروة الجبل. ومدخلها إلى الجنوب الشرقي. وطولها 120 متراً وعمقها 35 م. ومن طرفها الشمالي بناء ناتىء طوله 21 متراً متجهاً إلى الشرق. وفناؤها أو صحنها في الجهة الشرقية منها عمقه نحو 15 متراً ومثلها الأبنية الخارجة ولها انحدار يختلف من 6 إلى 9 أمتار وقد قام على الحائط الجنوبي برجان على شكل نصف دائرة».
إن في الشقيف العظيم القائمة عليه هذه القلعة الشماء كهفاً متسعاً جداً يتخذه رعاة القرى المجاورة لها زريبة (مأوى) إلى ماشيتهم أيام الشتاء. ومدخله شرقيها حيث المنحدر المسمى المزحلق.
وفي الشرق الشمالي منها عند حضيض الجبل القائمة عليه آثار حمام يزعم الكثيرون أنه كان تابعاً لها.
ويدور على ألسنة البعض من سكان قرى الشقيف المجاورة لها أن فيها نفقاً مثقوباً في الجبل القائمة عليه ينتهي عند حضيضه حيث مجرى الليطاني. وأن حاميتها كانت تستقي من مياهه أيام الحصار. ويزعم بعضهم أن من آبائهم من شاهد بأم عينه مدخل ذلك النفق ومشى فيه مسافة عقود من الأمتار ولم يبلغ منتهاه لحيلولة الردم دونه ودون مبتغاه. وهو زعم يدفعه ما اشتملت عليه القلعة داخلاً وخارجاً من الصهاريج والأحواض والآبار ما تربو مياهه على حاجة المحصورين مهما طالت مدة الحصار. وبعد فإن ما وصفت به مباني القلعة لم يتناول إلا القائم منها والسالم من فتكة الدهر. وأما الداثر والمتردم تحت الأنقاض وخاصة الذي كان في القسم الجنوبي منها فإنه لم تزل مطوية صحيفة البحث عنه طيه تحت الثرى محجوباً عن أنظار الباحثين.
سليمان ظاهر
شيراز
ـ 1 ـ
مدينة عريقة في القدم تقع قرب تخت جمشيد. وفي العصور الإسلامية اهتم بها الديالمة فبنى فيها عضد الدولة العمارات الشاهقة وبلغت كثرة فيها على عهده حداً اضطر معه إلى تشييد مدينة أخرى قربها باسم (جرد خسرو). وشيراز مدينة واسعة تشتهر بطيب هوائها ووفرة أنهارها وثمارها وقربها يقع شعب بوان الذي وصفه المتنبي في قصيدته.
وقد ازدهرت هذه المدينة بعد خراب مدينة (اصطخر) العاصمة الإيرانية القديمة التي تقلص ظلها بعد الفتح الإسلامي، وكان للأسرة البويهية وخاصة عضد الدولة الفضل الأول في ازدهار هذه المدينة وقد اختارها ملوك الأتابكية عاصمة لهم، كما بقيت من بعدهم مدة عاصمة (لكريم خان) الذي ترك فيها آثاراً خالدة تعرف باسمه منها مسجد وكيل وسوق وكيل.
وتعد شيراز من الأماكن السياحية وخصوصاً في فصل الربيع حينما تكسو الطبيعة أرضها وضواحيها حلة رائعة الجمال من الخضرة والزهور المختلفة الألوان، وجوها منعش يبعث في النفس البهجة والنشاط. وفيها قبرا الشاعرين سعدي وحافظ وضريح أحد أبناء الأئمة المعروف بشاه جراغ.
شيراز
ـ 2 ـ
شيراز، قصبة فارس، قد مصّرها العرب واتخذ المسلمون موضعها وقت الفتوح في أيام الخليفة عمر، معسكراً لهم لما أناخوا على فتح اصطخر.
وكان إقليم فارس، موطن الدولة الأخمينية وقاعدة حكومتها. وقد عرفه اليونان باسم برسس Persis، وجروا خطأ على استعمال اسم هذا الإقليم الأوسط وأرادوا به المملكة كلها. وشاع وهمهم في استعمال هذا الاسم في أنحاء أوروبا إلى يومنا هذا. فالاسم Persia (بلاد فارس) ـ وهو مشتق من Persis اليونانية ـ قد صار اسماً عاماً يطلق على إيران بأسرها، في حين أن الفرس أنفسهم يسمون بلادهم (إيران). وما فارس، أي Persis القديمة، إلا إقليم واحد من أقاليمها الجنوبية.
قد قامت عمارة شيراز سنة 64هـ (684 م). ثم اتسعت رقعتها وصارت مدينة كبيرة في النصف الأخير من المئة الثالثة (التاسعة) حين اتخذها بنو الصفار قاعدة لدويلتهم. وكانت شيراز في المئة الرابعة (العاشرة) نحواً من فرسخ في السعة، أسواقها ضيقة يزدحم فيها الناس، وكان للمدينة حين ذاك ثمانية أبواب، وهي: باب اصطخر، تستر، بنداستانه، غسان، سَلَّمْ، كوار، مندر، مهندر. ومياه شيراز من القناة التي تجري من جُوَيْم وهي قرية على خمسة فراسخ من شمالها الغربي. ولشيراز بيمارستان، وفيها دار عضد الدولة البويهي. التي أنشأ فيها خزانة كتب كبيرة.
وعلى نصف فرسخ من جنوب شيراز، بنى عضد الدولة البويهي، (واسمه فناخسرو) قصراً آخر له وخط حوله مدينة جديدة نسبت إليه، فقيل لها كرد فناخسرو. وجعل إلى جنب قصره بستاناً أنفق عليه الأموال العظيمة، سعته نحو من فرسخ. ونقل إلى الدور التي نشأت حوله الصوافين وصناع الخز والديباج وغيرهم من أصحاب الحرف. وكان يقام في كرد فناخسرو احتفال في كل سنة. وقد صارت هذه المدينة أيضاً داراً لضرب النقود حيناً من الزمن. ولكن عزّها لم يدم بعد موت مؤسسها فقد أشرفت على الخراب قبل ختام المئة الرابعة (العاشرة) وصار ربضها يعرف بسوق الأمير. وإيجار حوانيته عشرون ألف دينار في السنة.
وأول من بنى سور شيراز وأحكمه، صمصام الدولة أو سلطان الدولة (وهما ابن وحفيد عضد الدولة). وكان عرض حائطه ثمانية أذرع وطوله اثني عشر ألف ذراع. وله ما لا يقل عن أحد عشر باباً.
وفي ختام المئة الثامنة (الرابعة عشرة) نجت شيراز لحسن حظها من محاصرة تيمورلنك لها الذي تغلب على آل مظفر في وقعة پاتيله في الأرض البسيطة في ظاهرها، فلم تعان المدينة إلا شيئاً قليلاً من الأذى على ما ذكر علي اليزدي. لأن تيمورلنك قد عسكر في بستان يقال له تخت قراجه في ظاهر باب سلم وباب السعادة المفضيين إلى يزد وذكر هذا المؤلف نفسه أن الأبواب الثمانية الأخرى كانت مغلقة حين ذاك، وأشار أيضاً إلى كوة قلعة سرخ (أي تل القلعة الحمراء) قرب شيراز، ولا يعلم موضعها. ومما ذكره المستوفي من القلاع المشهورة بالقرب من شيراز، قلعة تيز، وتقوم على تل منفرد يبعد ثلاثة فراسخ عن جنوب شرقي المدينة، وقد كان فيها عين ماء في قمة التل، وأخرى في السهل أسفلها. وأما ما يليها فمفازة معطشة، مقدارها مسيرة يوم.
وشيراز لا تقوم على نهر كبير، غير أن أنهارها تنحدر شرقاً، وتصب في بحيرة تغمر وهدة في السهل على بضعة فراسخ من المدينة. وقد سمى الإصطخري هذه البحيرة بالجنكان، وجاء اسمها في أبي الفدا وابن بطوطة بصورة الجمكان. ووردت في فارسنامه وفي المستوفي باسم ماهاويه ويقال لها اليوم بحيرة ماهاو، وماؤها مالح. ويرتفع من أطرافها الملح ويحمل إلى شيراز، وصيد السمك فيها كثير، وطول البحيرة اثنا عشر فرسخاً.
شيراز
ـ 3 ـ
شيراز مدينة تاريخية عريقة، تقع إلى الجنوب الغربي من العاصمة طهران، ويفصلها عنها حوالي 900 كيلومتر، وهي مدينة الشعر والأدب والعرفان، يؤمّها سنوياً الآلاف من الزائرين والسائحين من داخل إيران وخارجها ليتمتعوا بطقسها الجميل في أغلب أيام السنة وطبيعتها الخلاّبة، فهي دائمة الخضرة وشوارعها وساحاتها العامة مكسوة بالزهور على مختلف أنواعها، وتظلّل جانبي معظم شوارعها أشجار الزينة، مما يكسب المدينة جمالاً فريداً يزيد من جمالها الطبيعي.. كما أن سكانها معروفون بالكرم وحسن الخلق واحترام الضيف والثقافة العالية، وحبّهم للأدب والشعر فهم أحفاد أولئك الذين تربَّى في أكنافهم شعراء كبار من أمثال: سعدي وحافظ اللَّذَين تركا من بعدهما أروع ما نظم من أشعار باللغة الفارسية، والمدينة اليوم تحتضن رفاتهما في أجمل بقعتين تقعان في ضواحيها.
ويبقى أن نذكر أن مدينة شيراز هي الآن مركز محافظة فارس، وهي من المحافظات الكبرى في إيران وقد كانت في السابق، ولعدة سنوات، مركزاً لحكومة السلالة الزندية التي أسّسها كريم خان زند، وهي تضم الكثير من الآثار التاريخية الشاهدة على حضارات عريقة، كانت قائمة في هذه المنطقة، مثل آثار تخت جمشيد، وتخت طاووس، ومدينة إصطخر التاريخية التي يفصلها عن المدينة عدة كيلومترات.
ورغم أن قدم محافظة فارس ومركزها مدينة شيراز يعود إلى عدة آلاف من السنين قبل الإسلام، كما أثبتت ذلك الآثار التاريخية الموجودة في أطراف شيراز، إلاّ أن الظهور الفعلي للمدينة يعود إلى العهد الإسلامي، حيث إن أعمال التنقيب الأثري والاستكشافات التاريخية التي تمت في أطلال قصر أبو نصر (يبعد عدة كيلومترات إلى الشرق من شيراز) والمسكوكات التي تم العثور عليها في هذه المنطقة، تثبت أنه كان هناك مدينة باسم شيراز تبعد عن المدينة الحالية بعدة كيلومترات، وعندما فتحها المسلمون، ودخل الجيش الإسلامي محافظة فارس ومركزها الرئيس (اصطخر)، وكانت شيراز عبارة عن سهل واسع مغطى بالخضرة، تتوزع فيه عدة قرى مأهولة بالسكان يزاول أهلها الزراعة وأعمالاً بسيطة أخرى.
وطبقاً لما ذكر محمد بن يوسف في مؤلّفه الكبير عن شيراز، فإن هذه المدينة شُيِّدت في عام 74 هجري وقد تمّ تشييدها كغيرها من مدن المحافظة بشكل دائري؛ وواصلت تطورها وتوسعها إلى أن أمست اليوم مركزاً لمحافظة فارس، ومركزاً للعديد من المؤسسات العلمية والصناعية والاقتصادية.
وتتميز مدينة شيراز كغيرها من المدن المهمة في إيران بأنها تضم العديد من الأماكن التاريخية والأثرية المهمة منها:
مسجد (جامع عتيق)
عُرف الإيرانيون منذ القدم باهتمامهم الكبير بالمساجد والتأكيد على بنائها وفقاً للفن المعماري الإسلامي، فضلاً عن اهتمامهم بدورها كمراكز للعبادة واجتماع الناس وحلّ مشاكلهم الحياتية. وهذا المسجد الذي يُعرف بمسجد الجمعة، يعتبر من أقدم مساجد إيران، حيث يؤمه المصلون بأعداد غفيرة ليؤدوا فرائضهم اليومية التي تقام جماعة.
شُيّد هذا المسجد في عهد عمرو بن ليث الصفاري، وكانت للمسجد قديماً ستة أبواب، وعدة قاعات للصلاة، والعديد من الغرف الموزعة على أطرافه.. إلاّ أنه بمرور الأيام أجريت تغييرات كثيرة على تصميمه المعماري، حيث يدخل المصلون إلى المسجد في الوقت الحاضر عبر بابين في المشرق، وبابين في المغرب وخامس في الشمال، وسادس في الجهة الجنوبية من المسجد.
يتكون المسجد الآن من قاعتين كبيرتين للصلاة، وباحة واسعة وصحن مترامي الأطراف مفروش بالأحجار.
يوجد في الضلع الشمالي للمسجد سقف قوسي الشكل يسمى (طاق مرواريد) (طاق أو إيوان أو قوس اللؤلؤ)، وهو مرتفع عن الأرض وزُيِّنت حاشيته العليا بسورة من القرآن الكريم بخط النسخ.. كما يتوسط صحن المسجد غرفة مكعبة الشكل تسمى (خدايخانه) يرتفع قاعها عن الأرض بمتر واحد، ويحيط بها إيوان بعرض مترين، وقد شُيّدت هذه الغرفة في عام 752هـ. بأمر من الشيخ أبو إسحاق ملك فارس.
مرقد السيد مير أحمد (شاه چراغ)
يضم هذا المرقد رفات السيد أحمد بن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) أخي الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)؛ وقد ظل قبره غيره معروف لسنوات طويلة بعد وفاته، حتى تم العثور عليه صدفة من قبل أحد المزارعين.
بعد سنوات من العثور على القبر أقدمت السيدة (تاشي خاتون) أم الشيخ أبو إسحاق حاكم فارس على إنشاء مرقد يليق بهذا السيد الطاهر.. ومع مرور السنين أعيد بناء هذا المرقد مرات عديدة، وأُجريت عليه تغييرات كبيرة، كان منها في عام 912هـ. وتصدّع هذا البناء في عام 997 بفعل هزة أرضية ضربت المدينة، فأُعيد بناؤه وترميمه من موقوفات المرقد.. وأُجريت عليه عدة تغييرات، إلى أن أصبح بالشكل الذي نراه اليوم حيث المرقد الواسع والصحن الكبير والأسلوب الهندسي والمعماري الأصيل الذي استخدم في بناء المرقد.. وقد أُجريت على المقام تغييرات كبيرة بعد الثورة الإسلامية في إيران، حيث أُلحقت به مكتبة كبيرة تضم أكثر من 1000 عنوان مخطوطة نفيسة، فضلاً عن آلاف العناوين من الكتب والمجلات. ويؤم المرقد سنوياً الآلاف من داخل المدينة وخارجها.
(مسجد نو) ـ المسجد الحديث
تمّ تشييد هذا المسجد في عام 598هـ. بأمر من الملك (أتابك سعد بن زنگي) من السلالة الأتابكية في فارس.
ويتكون المسجد من رواقين مسقوفين كبيرين، فضلاً عن أروقة صغيرة أخرى، وتتوسطه باحة واسعة وصحن كبير محاط بعدد من الأشجار الضخمة، وما يثير الانتباه في المسجد وجود عدد من الأقواس المسقوفة المقامة على 24 قاعدة حجرية.
ويعتبر هذا المسجد من أكبر المساجد في إيران من حيث المساحة، إذ أنه مقام على أرض مساحتها 20.000 متر مربع، يعلو الباب الرئيسي للمسجد قطعة مبنية من الحجر بدون أية زينة أو زخرفة.
المدخل الشرقي للمسجد يُدخلك إلى رواق طويل ملفت للنظر، وهو كغيره من أروقة المسجد العديدة يرتفع عن الأرض بمقدار 40 متراً، وبعرض 25 متراً.
وتزيّن جدران الرواقين الكبيرين للمسجد لوحات سيراميكية عادية تعلوها لوحات مزينة بآيات من القرآن الكريم.
سوق وكيل التاريخي
تُعرف مدينة شيراز بسوقها التاريخي القديم الذي شُيّد قبل حوالي قرنين من الزمان من قبل مؤسس السلالة الزندية (كريم خان زند) الملقب بـ (وكيل الرعايا)، وهو يعتبر من روائع الهندسة المعمارية للقرن الثاني عشر الهجري. وهو يتشكل من عدد كبير من الأحجار المتداخلة والأقواس المسقوفة والأروقة المتزاحمة مع بعضها والممرات الملتوية، والسوق مغطى بسقف مبني بشكل فني رائع، ذي فتحات موزّعة بشكل منظم، تتيح لضوء الشمس أن يدخل إلى السوق، مما يضفي على أجوائه طابعاً تاريخياً سحرياً، وهو يجذب إليه كل من يزور المدينة ليعيش خلال ساعات في أجواء تاريخية تعود به إلى قرنين ماضيين…
والسوق مصمم بحيث يسوده طقس بارد منعش في الصيف، ودافىء في الشتاء. ويتكون في الأصل من أربعة أسواق متداخلة مع بعضها، تلتقي في ساحة مركزية مسقوفة، تعلوه قبّة شاهقة الارتفاع مقامة بشكل هندسي فني.
مثوى الشاعر حافظ الشيرازي
كل من يزور مدينة شيراز، لا بدّ أن يسأل عما بقي من آثار شاعري هذه المدينة: حافظ وسعدي، ويؤخذ فوراً إلى روضتين شيدتا بشكل هندسي فني يليق بمقام هذين الشاعرين.
مرقد الشاعر حافظ الشيرازي
سوق وكيل
وتبلغ المساحة الكلية للأرض التي أُقيم عليها المثوى والحدائق حوالي 20.000 متر مربع، وتتخلل الحدائق أحواض ماء مستطيلة، تزينها فوارات صخرية توزّع المياه المتدفقة على مختلف الجوانب، مما يكسب المقام جمالاً سحرياً يشد الأنظار إليه.
ويغطي المثوى حالياً سقف ثماني الأضلاع مصمم بشكل قبة مقامة على ثماني قواعد، ويبلغ ارتفاع كل منها عشرة أمتار.
ويُزيّن السقف من الداخل لوحات السيراميك الملونة والمزخرفة التي نُقشت عليها مختارات من أشعار حافظ الغزلية.
وكانت وفاة حافظ في عام 791هـ.
مثوى الشاعر سعدي الشيرازي
من المشاهد التي تقع خارج مدينة شيراز مقبرة الشيخ مصلح الدين المعروف بسعدي الذي فاق جميع شعراء زمانه وكان أحياناً يضمِّن أشعاره أبياتاً باللغة العربية.
مقبرة سعدي تتميز بالجمال والإبداع، وهي تقع وسط روضة من الأشجار والزهور شيّدها في حياته، وتقع بالقرب من نبع ماء يُسمى (ركن آباد)، وكان الشيخ يستفيد من ماء ذلك النبع.
يتردد سكان المدينة كثيراً على مقبرة الشيخ ويتناولون طعامهم في الحديقة المحيطة بالمكان، ويغسلون ملابسهم في مياه النبع قبل أن يعودوا إلى المدينة، وقد فعلت أنا ذلك أيضاً.
حديقة أرم
توجد في شيراز حديقة يعود تاريخ إنشائها إلى عشرات من السنين خلت، ومن يدخلها يشعر أنه دخل روضة من رياض الأرض، وهي تجسّد الأجواء العرفانية والشاعرية التي تتميز بها المدينة بشكل عام.
مرقد الشاعر سعدي الشيرازي
يزور الحديقة يومياً عدد كبير من الزوّار والسائحين، وقد زارها المستشرق إدوارد براون ووصفها مع باقي حدائق شيراز بهذا الشكل: «إنها حدائق رائعة وسهول خضراء مثمرة محصورة بين مرتفعات جبلية أرجوانية اللون متوزعة في أطراف مدينة شيراز موطن الثقافة الإيرانية الأصيلة، ومهد النبوغ الإيراني ومركز الشعر والحكمة، وتجولنا بين بساتين المدينة التي تتخلّلها أشجار السرو والبلوط الشاهقة، وشاهدنا غزو الزهور والورود الملونة والعطرة لشوارع المدينة وأزقتها، كما رأينا المنائر والمآذن والقبب المذهبة والمزخرفة التي تزين أجواء المدينة..».
حديقة ارم
آثار تخت جمشيد
تعود هذه الآثار التاريخية القديمة جداً إلى العهد الحاخامنشي، وهي ما تبقى من مدينة كانت يوماً عاصمة للسلاطين الحاخامنشيين الذين حكموا هذه المناطق في حدود 3000 سنة قبل الميلاد، وأقاموا هناك امبراطورية كبرى نافست امبراطورية الروم آنذاك. وهذه الآثار تبعد حالياً عن مدينة شيراز بحوالي 40 كيلومتراً إلى الشمال الشرقي منها، ويؤمها سنوياً الآلاف من السوّاح والزائرين، وبالأخص الأجانب وعلماء الآثار والتاريخ المهتمين بمثل هذه الأمور.
أطلال «تخت جمشيد»
ويُقال إن الآثار تمثل ما تبقى من قصرين عظيمين بناهما السلاطين الحاخامنشيين، وعلى رأسهم السلطان داريوش، وهما قصرا: (جهل ستون وآبادانا) وكان يُستفاد منهما في الغالب لإقامة مراسم بدء السنة الإيرانية (عيد نوروزو).
وكانت تضم مباني عظيمة، شُيّدت بأسلوب هندسي فني بارع واستخدمت الصخور والأحجار في بنائها، فضلاً عن المعادن الثمينة مثل الذهب، ولها قواعد عظيمة لا زالت ماثلة حتى الآن.
وقد شارك في بنائها عمال من إيران وشتى شعوب العالم، كما جلبت المواد المستخدمة في البناء من العديد من البلدان، لذلك يمكن للزائر أن يلاحظ اختلاف أساليب البناء المتبعة مع غلبة الطابع المعماري الإيراني القديم.
كما توجد في الآثار العديد من الألواح الطينية القديمة التي كتب عليها بالخط المسماري القديم حوادث تلك الأيام، وبالأخص ما جرى أثناء بناء هذه القصور.
هذا وقد تمّ إحراق هذه القصور ومكتبتها الكبرى وتدميرها على يد الإسكندر المقدوني في عام 331 قبل الميلاد [أي بعد 189 عاماً من بنائها] بهدف الانتقام من الإيرانيين وإفهامهم أن عهد الحاخامنشيين قد انتهى إلى الأبد، وما وصل إلينا الآن هو ما بقي من تلك القصور بعد حرقها وتدميرها.
المراكز العلمية والصناعية الأخرى
في شيراز
تعتبر مدينة شيراز من المراكز العلمية والصناعية الكبرى في إيران، حيث تتوزع فيها العشرات من الكليات والمعاهد العلمية والصناعية والمهنية، فضلاً عن المعامل والمصانع الكبرى.
وتعتبر جامعة شيراز أكبر جامعة في إيران بعد جامعة طهران، ويعود تأسيس أول كلية فيها وهي كلية الآداب والعلوم الإنسانية إلى عام 1955م، ثم تلا ذلك تأسيس الكليات الأخرى مثل الزراعة والهندسة والإلكترونيك والاقتصاد والعلوم والتجارة والحقوق والطب والبيطرة وطب الأسنان، فضلاً عن فتح دورات عديدة للدراسات العليا والدكتوراه في شتى الاختصاصات العلمية. كما تضم الجامعة العشرات من المعاهد والمراكز الفنية والتحقيقية.
كذلك يوجد في المدينة العشرات من المعامل والمصانع الكبرى مثل مصفى النفط الكبير، ومجمع البتروكيميائيات ومعمل الزيوت النباتية وغيرها.
منمنمات شيراز
في المرحلة التيمورية
تعتبر المرحلة التيمورية الممتدة من أواخر القرن الرابع عشر حتى مطلع القرن السادس عشر من أجمل وأغزر الحقبات بالنسبة إلى فن المنمنمات الإسلامية. صحيح أن غزوات تيمورلنك للشرق الإسلامي تسبّبت بالكثير من الدمار، غير أن نشاطاً فنياً بارزاً بدأ منذ عهد تيمور واستمر في فترات حكم أولاده وأحفاده الذين كانوا من كبار مشجعي العلوم والفنون، ومن أشهرهم شاهرخ حاكم خراسان وابنه بيصنكور الذي أمضى حياته في مدينة هرات الواقعة حالياً في أفغانستان، وانصرف إلى الفنون بدلاً من السياسة، وتعلم فن الخط من أحد تلامذة الخطاط البغدادي ياقوت المستعصمي. وتعد المرحلة التيمورية العصر الذهبي لفن المنمنمات الفارسية، وتركز إنتاجها في مدن عدة منها شيراز عاصمة إقليم فارس.
وكانت شيراز، حيث ولد الشاعران حافظ وسعدي، مركزاً حضارياً مهماً له تقاليده الفنية العريقة، وأنتجت محترفاته مخطوطات يرجع أقدمها إلى القرن الرابع عشر، أبرزها مخطوطات لملحمة الفردوسي «الشاهنامه»، وتتميز رسوماتها بالاعتماد على ألوان محددة مثل الأصفر والبني.
بالنسبة إلى المرحلة التيمورية، نجت شيراز من الدمار الذي رافق حملات تيمورلنك، مما مكن الفنانين من متابعة نشاطهم الذي تجلى في تلك المرحلة في المخطوطات الملحمية التي تؤرخ لمسيرة تيمور وتعرف باسم «الشاهنشاهنامه»، ووصل إلينا جزءان منها أنجزا العام 1397م، الأول محفوظ في المتحف البريطاني في لندن، والثاني في مكتبة شستر بيتي في دبلن (إيرلندا).
وما يستوقفنا في منمنمات تينك المخطوطتين هو مستواها الفني الرفيع الذي يتجلى بطريقة استعمال اللون الذهبي واللون الأزرق اللازوردي على صفحات رقيقة جداً، مما يفسر سبب اهتراء أجزاء مهمة منها مع مرور الزمن. وتتميز هذه المنمنمات أيضاً بأسلوبها الرائع في رسم الطبيعة بما فيها من أشجار وأزهار وصخور… المشهد هنا ينطلق من رؤية صوفية إلى العالم ويدعو إلى التأمل في الوجود.
هذا الموقف الفلسفي من الطبيعة يطالعنا أيضاً في مخطوطة أخرى منفّذة العام 1398م، وهي عبارة عن أنطولوجيا تضم قصائد لسبعة شعراء، محفوظة اليوم في متحف الفن التركي والإسلامي في تركيا تحت الرقم 1950. وكان الدكتور محمد آغا أوغلو أول من نشر هذه المنمنمات في مقالة له العام 1936م بسبب فرادتها، لأنها تحتوي على مشاهد تحضر فيها الطبيعة بأبهى حلتها ويغيب عنها البشر. طبيعة تقوم هنا على نظام هندسي متكامل وعلى لعبة الخطوط وتوزيع المساحات، فتبدو الأشجار والطيور والمياه وكأنها تسبّح لخالق الكون وتغنّي له.
بين 1409 و1414م أصبح إسكندر سلطان حاكم لإقليم فارس، وكان والده عمر شيخ، أحد أبناء تيمورلنك. ومن المعروف أن إسكندر هذا تزوج من ابنة السلطان الجلائري أحمد الذي كان من كبار مشجعي الفنون في عصره، ما مكّنه من استقطاب عدد مهم من الفنانين الذين كانوا يرتادون بلاطه، ومنهم الخطاط مولانا معروف.
اشتهر اسكندر سلطان بعشقه للشعر والفنون، وشملت رعايته الشاعر باللغة التركية مير حيدر. ومع أن فترة حكمه كانت قصيرة للغاية، وانتهت بصراع دموي مع بقية الأمراء التيموريين ومنهم شاهرخ، فإن المنمنمات المنجزة بفضل تشجيعه للفنون كثيرة، وهي من أجمل ما وصل إلينا من المنمنمات الفارسية، مثل تلك التي تطالعنا في مخطوطة أنجزت في شيراز حوالي العام 1410م، وهي محفوظة في المتحف البريطاني، وتصور الحجاج وهم يطوفون حول الكعبة. منمنمة رائعة أخرى من مخطوطة لإسكندر سلطان محفوظة في مؤسسة غولبنكيان في لشبونة ومؤرخة العام 1410م في شيراز، تصوّر النبي إبراهيم بعد أن ألقي في النار وهو يصلي ساجداً بينما تحيط برأسه هالة ذهبية.
لم يتوقف ازدهار مدسة شيراز بعد انتهاء حكم اسكندر سلطان، إذ خلفه في السلطة قريبه إبراهيم سلطان، وكان مثله متأثراً بالحركات الصوفية ومن مشجعي الآداب والفنون. والمعروف عنه أيضاً أنه كان خطاطاً، وقام بنفسه بخط العبارات التي تطالعنا على مجموعة من الألواح الخزفية في عدد من أبنية شيراز الدينية. إلى ذلك وصلت إلينا مجموعة مهمة من المخطوطات المصورة التي كانت تضمها مكتبته، منها واحدة للشاهنامه محفوظة في مكتبة بولدوين في أكسفورد، أنجزت في شيراز العام 1453م.
تتنوع منمنمات هذه المخطوطة، فمن الصفحات التي تروي بطولات الملوك القدامى، كما في تلك المنمنمة التي تصور صراع رستم مع مجموعة من الأحصنة، إلى الصفحات التي تعتمد فقط على اللونين الذهبي والفضي كما في المنمنمات المتأثرة بفنون الصين، ومنها واحدة تمثل مشهداً طبيعياً فيه مجموعة كبيرة من الحيوانات والطيور.
ثمة مخطوطات أخرى مهمة نفذت في شيراز في فترة حكم إبراهيم سلطان وهي لنص «ظافر نامه» الذي روى فيه شرف الدين علي يزدي سيرة تيمورلنك. ولا ترجع أهمية منمنمات هذه المخطوطات إلى مواضيعها، بل إلى أسلوبها الفني وتآليفها المتينة القائمة على منطق متكامل. ومنها منمنمة محفوظة في متحف «الفرير غاليري» في واشنطن مؤرخة العام 1434م، وتصور دخول تيمور إلى مدينة سمرقند. وبدل أن يركز الفنان على تصوير تيمور كبطل منتصر، بدا لنا هنا فارساً وحيداً ممتطياً حصانه، وقد غابت التعابير عن وجهه، بينما وقف خلفه رجل يحمل مظلة. وتتجلّى روعة هذه المنمنمة في توزيعها الهندسي للعناصر المختلفة، ومنها مشهد النوافذ المزينة بالستائر المختلفة الألوان التي تطل منها وجوه خجولة ناظرة إلى تيمور.
هذه هي الملامح الأساسية لمنمنمات فناني مدينة شيراز خلال القرن الخامس عشر، وهي تحتضر تألق الفنون في زمن التيموريين. وتشكّل المنمنمات، إلى جانب العمارة التي تظهر بالأخص في أبنية مدينة سمرقند، أبرز الأشكال الفنية التي تجلى فيها إبداع هذا العصر. ولعبت شيراز إلى جانب مدينة هرات، دوراً أساسياً في إنتاج المنمنمات التي عبرت عن علاقة خاصة بالطبيعة قائمة على موقف فلسفي من الوجود والكون. وانعكس هذا الموقف في أسلوب رسم الشجر والطير والمياه والحيوانات والبشر، وفي طريقة استعمال الألوان وتوزيع العناصر المختلفة.
شيراز
ـ 4 ـ
شيراز عاصمة الشعر الفارسي إنها المدينة التي أنجبت شاعر الإنسانية سعدي، وألهبت خيال العبقري الصوفي حافظ.
إن اسم «شي رازي ايش» المنقوش على لوحات تخت خمشيد كان يطلق على شيراز الحالية ومعنى ذلك أن هذه المدينة كانت معروفة منذ العصور التاريخية القديمة.
إلا أنها لم تبلغ درجة عالية من الحضارة والازدهار إلا في العصور الإسلامية، فاتسعت في القرن الثالث الهجري اتساعاً كبيراً، ثم شملها الديالمة في القرن الرابع بعنايتهم وجعلوها عاصمتهم، وزادوا في عمرانها وحضارتها، حتى إذا جاء أتابكيو فارس في القرنين السادس والسابع، بلغت هذه المدينة غاية تلألئها وغدت حتى أواخر القرن الثامن كوكباً مضيئاً في سماء المدن الإسلامية العامرة الكبيرة.
ولكن تصاريف الزمان ما لبثت أن طغت عليها فأصابها الفتور والخراب فترة من الزمن، حتى إذا حلّ القرن الحادي عشر آن لها أن تقوم من عثرتها، فاستعادت مكانتها على يد الشاه عباس الكبير، وكذلك حينما تولى العرش قائده كريم خان زند جعل شيراز عاصمة ملكه وبذل جهده وطاقته في إعادة عمرانها، حيث اكتسبت مظهراً جذاباً جديداً.
أما اليوم فقد ازدهرت المدينة وعاد إليها نشاطها وحيويتها وحفلت بمختلف مظاهر التقدم ففيها جامعة پهلوى ومستشفى نمازى الكبير مع دار لتخريج الممرضات ومعامل الغزل والنسيج ومصنع الإسمنت ومشاريع زراعية أخرى منحت هذه المدينة بسكانها الذين يبلغ عددهم (200.000) نسمة مكانة خاصة.
وليس هذا فقط فشيراز اليوم كما هي في الماضي درة خضراء زاهية تعبق بالورود والرياحين وتغرق في عالم سحري من الحدائق الغناء والبساتين فخورة بضريحي شاعريها الكبيرين سعدي وحافظ. ومن مشاهد شيراز:
شاه چراغ
هو السيد الأمير أحمد المعروف بـ «شاه چراغ» شقيق الإمام الثامن الرضا (عليه السلام) وكان قد قدم إلى شيراز في أواخر القرن الثاني الهجري، وتوفي ودفن فيها، ويعتبر ضريحه مزاراً يؤمه المؤمنون والزوار من كل مكان.
وقد جدد بناء القبة والقيشاني الذي يزين الضريح عدة مرات، كما يعود ما فيه من أبواب فضية وتزيين بالمرايا وفن بديع إلى أساتذة شيراز في القرن الماضي والحاضر وفي الجهة الشرقية من الضريح إيوان يزيد البناء جمالاً وجاذبية.
المسجد الجامع العتيق
يعود تاريخ بنائه إلى عام 281 للهجرة بإيعاز من عمر بن ليث الصفاري كما رمم بعده عدة مرات، وفي القرن الثامن أمر أبو إسحاق إينجو أن يبنى في وسط المسجد بناء مربع باسم «خداخانه» أي بيت اللَّه، وهو بناء مربع في كل زاوية منه برج وعلى كل جانب إيوان.
كما بنى في وسط هذا كله غرفة خاصة بمثابة مكتبة يحافظ فيها على نسخ القرآن وعلى الواجهات الخارجية نحتت آيات قرآنية كتبت بالخط الثلثي للخطاط المعروف يحيى الصوفي الجمالي، وهذا النوع من البناء لا يشاهد في أي مسجد آخر بإيران.
ويوجد في جنوب المسجد بهو كبير كما زخرف أعلى باب الإيوان الجنوبي بالقيشاني المعرق البديع الذي يعود إلى عصر الشاه سليمان الصفوي في القرن العاشر.
المسجد الجديد
وهو مسجد كبير جداً، تبلغ مساحة صحنه وحدها 20.000 متر مربع تحيط به الرياض فتجعل هواءه لطيفاً.
ويقال بأنه كان للأتابك سعد بن زنگي بنت وحيدة، أصابها مرض شديد، فأخذ سعد على نفسه عهداً أن يبني بيتاً للَّه تعالى إن شفيت، وحينما استجاب اللَّه لدعائه بنى هذا المسجد في سنة 598هـ وقد استغرق بناؤه 27 سنة ويحتمل أنه أطلق عليه اسم المسجد الجديد لوجود المسجد العتيق.
مدرسة خان
ويعود تاريخ بنائها إلى عهد الصفويين في القرن الحادي عشر وتضم 100 غرفة لمائة طالب علم يعيشون فيها، ويدرسون، وفيها قاعة كبرى كان يحاضر فيها العلماء الذين يعرف منهم الفيلسوف ملا صدرا الشيرازي.
وقد زخرفت بوابة المدرسة وجدرانها وواجهات غرفها بالقيشاني المقرنس بحيث أضفت عليها منظراً رائعاً زادته الأشجار الباسقة المحيطة بها فتنة وجمالاً.
كنيسة الأرمن
تقع إلى جانب مسجد مشير في سوق الأرمن كنيسة صغيرة يعود تاريخ بنائها إلى عهد الشاه عباس الثاني سنة 1662 ميلادية.
ولعل أروع ما في هذه الكنيسة سقفها الخشبي المصمم تصميماً بديعاً بألوان زاهية، ورفوفها وحواشيها وإطارات نوافذها المجصصة بشكل رئع يعكس فن القرن الحادي عشر.
بازار وكيل (السوق)
يعتبر عهد الأسرة الزندية في شيراز العصر الذهبي الذي شهدت فيه المدينة نهضة عمرانية كبيرة. فقد أسس (وكيل الرعايا) كريم خان زند لأول مرة فيها سوقاً عامراً لا مثيل له في إيران لا يزال يحتل حتى اليوم في وسط المدينة مركزاً اقتصادياً هاماً.
مسجد وكيل
ويقع قرب السوق وله إيوانان شمالي وجنوبي ورحبتان جنوبية وشرقية، وتحتوي الجنوبية منها على 48 عموداً، كل منها قطعة واحدة وفيه منبر رخامي من قطعة واحدة أيضاً له 14 درجة، وليس لهذا المسجد مئذنة، وقد نقش على إزار الصحن نقوش حجرية رائعة لطيفة، أما داخل المسجد فقد زخرف بالقيشاني مع نقوش تمثل منظر شجرة ووردة وبلبل على أرضية بيضاء وصفراء تعود إلى عهد الأسرة الزندية.
وقد ظل هذا المسجد كبقية أبنية كريم خان متيناً، قوياً لم تزعزعه الزلازل العنيفة التي أصابت المنطقة.
متحف پارس
وهو عبارة عن بناء صغير بديع التصميم بناه كريم خان زند كقاعة لاستقبالاته الرسمية والبناء مكون من ثمانية أضلع تحيط بها حديقة غناء، وفي ثلاثة جوانب منه أحواض حجرية ثلاثة جميلة، وقد زخرفت واجهات البناء الخارجية بالقيشاني البديع الملون.
أما داخل البناء وصالة الاستقبال والقبة فقد حليت بالمقرنسات ونقوش من الزهور والرياحين على الطريقة الزندية، ويوجد في كل جهة من الجهات الأربع لهذه الصالة مقصورة وهي مزخرفة أيضاً جعلت مع بقية ما في البناء من قطع فنية متحفاً صغيراً يجلب الزوار والسياح.
مسجد وكيل
وفيه سيف كريم خان زند، ولوحات فنية رائعة، بريشة الفنان العبقري لطف علي خان الشيرازي الذي عاش في القرن الثالث عشر، منها لوحة الشاعر سعدي وهو يعلم أحد أبناء الأمراء ولوحة كريم خان زند وهو يدخن النارجيلة، ولوحة يوسف وزليخا ولوحة الشيخ صنعان مع الفتاة المسيحية، ولوحة تمثل الشاه إسماعيل في الحرب إلا أن أجمل ما في هذه اللوحات، تلك التي تمثل عدداً من الراقصات الجميلات بشعورهن الطويلة وحواجبهم المتصلة وعيونهن اللوزية السوداء وشفاههن البرعمية والشامات على الخدود الوردية.
تكية هفت تنان
وتقع في الجهة الشمالية من ضريح حافظ على سفح جبل تحيط بها الأشجار الوارفة القديمة من السرو والصنوبر، وتضم رفاة سبعة من الصوفيين وقد بنيت في عهد كريم خان زند، وهي تتألف من بهو قائم على عمودين كل منهما من قطعة حجرية واحدة، وغرفتين على الجانبين.
وقد حليت جدران البهو بنقوش جميلة، تصور مناظر الورود والطيور وخاصة البلابل كما يبدو تحت السقف رسم رستم وأشكبوس وأسد يفترس غزالاً، وفي البهو أيضاً خمس لوحات فنية هي لوحة موسى، ولوحة الشيخ صنعان، ولوحة السيدين إبراهيم وإسماعيل، ولوحة تمثل أحد الدراويش وهو يحمل الطبرزين بصحبة درويش شاب آخر، وهي كلها مرسومة بالتلوين الزيتي وتعد أروع النماذج لفن الرسم قبل مائتي سنة في شيراز.
ضريح سعدي
يقع هذا الضريح في الشمال الشرقي من مدينة شيراز ويضم رفاة رسول الحب وشاعر الإنسانية وأحد عباقرة الأدب الفارسي الشيخ سعدي الشيرازي الذي يؤمه عشاق الكلمة منذ الأيام الأولى التي دفن فيها بهذا المكان.
وقد بلغت مكانة هذا الرجل الفذ لدى كريم خان زند مستوى عالياً حيث أمر عام 1187هـ بتجديد بناء الضريح بشكل يتلاءم ومنزلة سعدي العظيمة، كما قامت الجمعية الوطنية للآثار في الأعوام الأخيرة، فأقامت بناء فخماً فيه، مزيناً بالرخام والقيشاني الأزرق محلى بصور الأزهار والطيور والبلابل، تعلوه قبة لازوردية بنيت طبقاً للتصاميم الهندسية التي كانت متبعة في العهد الزندي، ويوجد حول الضريح حديقة فسيحة جميلة يفوح منها عبق الحب الذي يسكر العشاق والزائر الذي يقصد الضريح يستقبله شاعرنا الكبير ويرحب به بفوحة طيب تنبعث من كلماته حيث يقول:
زخاك سعدي شيراز بوي عشق آيد
هزار سال پس ازمرگ أو گرش بوئي
أي: تفوح رائحة العشق من تربة سعدي الشيرازي إذا شممتها بعد ألف سنة من موته.
ضريح حافظ
يعد حافظ أكبر شعراء الغزل الفارسي وشاعر القرن الثامن وابن شيراز البار، فيها ولد وعاش دون أن يتركها إلا مدة قصيرة عاد إليها ليدفن فيها بعد موته.
وقد أقيم له ضريح فخم، يتقاطر إليه الزوار يستمدون من روحه الطاهرة صفاء الحب ويستلهمون من أشعاره ما يخبئه القدر ولذلك لقب بلسان الغيب وكان كريم خان زند قد أمر ببناء ضريح من الرخام على قبره، الذي يقع في وسط بهو كبير قائم على عشرين عموداً يشرف على حديقة جميلة غناء.
وقد قامت الجمعية الوطنية للآثار أخيراً بترميمه كما بنت على الضريح قبة على شكل قلنسوة دراويش الترك، حليّت من الداخل بالقيشاني المعرق البديع، ذلك حسب أصول المدرسة المعمارية الزندية، أما الأعمدة الأربعة ذات القطعة الواحدة والقائمة وسط البهو على القبر فتعود إلى عهد كريم خان.
ويوجد أمام الضريح حديقة غناء واسعة، كما أنشئت على جانبي الشارع الموصل إليه حدائق متعددة بينها أحواض تترقرق مياهها وتزيد الهواء رقة وصفاء.
البيوت الأثرية القديمة في شيراز
في شيراز عدد من البيوت الأثرية التي يعود تاريخها إلى العهد القاجاري، وهي تعتبر متحفاً بديعاً بما تحفل به من رسوم وزخارف وتزيينات جصية وقيشاني ومرايا وهي مبنية طبق الأسلوب الإيراني التقليدي والمعروف بروعته وجماله.
نازنجستان قوام
تقع في نهاية شرقي شارع لطف علي خان زند، دار كبيرة بنيت في القرن الماضي تحيط بها حديقة بديعة تزخر بأشجار النارنج مما دعا لإطلاق اسم نازنجستان عليها.
والذي يلفت النظر في هذه الدار الأسلوب المعماري الإيراني وفن الزخرفة والجدران المزينة بالمرايا والجدران المزخرفة بالمجصصات الرائعة، والأبواب المحلاة بالنقوش الدقيقة، وهو أسلوب يعكس الاتجاه العام لبناء بيوت الأعيان في القرن الماضي، كما اتبع في هندستها تصميم البيوت الإيرانية بصورة عامة، فهي متجهة نحو القبلة وزخرفت واجهتها بقطعة من القيشاني عليها صورة الشمس والأسد ونمر يفترس ظبياً، وعتبات الغرف من الحجر الصلب كما نقش على الإطارات الحجرية في أسفل الغرف صور تمثل الحرس الملكي ومنحوتات تشبه ما هو موجود في تخت جمشيد، ويوجد تحت البناء قبو مبني من الآجر اللطيف الجميل.
الحدائق والمتنزهات العامة
اشتهرت شيراز في جميع أدوار ازدهارها وعمرانها بحدائقها الجميلة وبساتينها الفواحة، وقد حدثنا الرحالة ابن بطوطة عن تلك البساتين التي تحيط بها من كل جانب، كما وصفها الرحالة الفرنسي شاردون بقوله: «إن في شيراز أشجاراً لا مثيل لها في العالم».
ومدينة شيراز اليوم تبدو أكثر اتساقاً وأزهى جمالاً مما كانت عليه في القديم، فمروجها الزمردية وأشجار السرو الباسقة المحيطة بكل حديقة فيها، وجلساتها الصافية الهادئة تبعث في النفس النشاط والانشراح وتجعل الزائر يحتفظ بأعطر الذكريات بالنسبة لهذه المدينة الشاعرية. وهذه بعض الحدائق والمنتزهات العامة التي اشتهرت فيها.
باغ أرم (جنة الفردوس)
وهي حديقة واسعة تقع غرب المدينة، وتعود إلى العصر القاجاري حيث أنشئت في عهد محمد قلي خان الإيلخاني، كما أقام فيها البنّاء المعروف محمد حسن بناء جميلاً مؤلفاً من طابقين، وفي وسطه صالة كبيرة للاستقبال تشرف على الحديقة وقد زخرفت بالمرايا وحليت أبوابها بالزجاج الملون.
ويبدو مقابل الصالة الشارع الرئيسي وقد زرعت على جانبه أشجار السرو بتنسيق بديع، ويعتقد بعض الخبراء أن هذه الحديقة قد أنشئت على الأسلوب الساساني.
باغ دلگشا (الحديقة المفرحة)
وتقع قرب ضريح سعدي، وسط شارع عريض رئيسي زرعت على جانبيه أشجار النارنج الخضراء الكثيفة وفي نهاية هذا الشارع بناء يعود إلى عهد الأسرة الزندية والقاجارية له إيوان مقام على عمودين حجريين وواجهة حليت بالقيشاني الملون، والمجصصات وأبواب منحوتة كما زين داخله بالمرايا والنقوش البديعة على الخشب، والتي تمثل أشكالاً مختلفة للزهور والطيور.
حديقة الخليلي
وتمتاز هذه الحديقة باحتوائها على أنواع مختلفة من الأزهار والورود الفواحة والأشجار المنسقة، وعلى طرفي الشارع الموصل إليها أشجار متشابكة الأغصان تملأ الجو صفاء وطيباً.
المنتزهات العامة
في شيراز منتزهات عديدة هي:
محلة قصر الدشت: وتقع في القسم الغربي من شيراز، ويؤمها سكان المدينة عادة في أيام العطل. والحديقة العامة (باغ ملي)، ومنتزه المدينة (پارك شهر)، وحديقة ولي العهد، وطريق المطار المليء بالزهور، وبولوار زند الذي يعد من أجمل مناطق إيران، وكذلك ضريحا سعدي وحافظ، وأكبر آباد التي تبعد عن شيراز عدة كيلومترات ويتوجه إليها الأهالي للنزهة والمتعة.
شيراز
ـ 5 ـ
تعتبر مدينة شيراز من أقدم المدن الحضارية في إيران وكانت عاصمتها التاريخية لقرون عدة. أما اليوم فهي مركز إقليم فارس أحد أقاليم جمهورية إيران الإسلامية، وتبعد عن العاصمة طهران بحوالي 895 كيلو متراً إلى الجنوب منها. وتقدر مساحة المدينة وضواحيها بـ 220 كيلو متراً مربعاً، وعدد سكانها أكثر من مليون نسمة. ويحدها من الشمال آباده ومن الشرق فسا واصطهبانات ومن الجنوب فيروز آباد ومن الغرب كازرون.
وتقع المدينة وسط ثلاثة مضايق وتحيطها الجبال من الناحيتين الشرقية والشمالية، ويبلغ ارتفاعها عن سطح البحر حوالي 1600 متر. وتتميز بمناخها المعتدل وفصولها المنتظمة، أما مصادر مياهها فهي من الأنهار والعيون والقنوات.
مرّ بمدينة شيراز معظم الرحالة وكتبوا عنها الكثير، واتفقوا على أنها عامرة وجميلة بطبيعتها ومركز علم وتمدن. وتحدثوا بإسهاب عن أخلاق أهلها وطبائعهم وعن مائها العذب وهوائها الطيب وعن شعرائها وفضلائها.
وكان لشيراز دور تاريخي مهم منذ القدم، وورد ذكرها في الألواح العيلامية التي تم العثور عليها في القصور الأثرية «تخت جمشيد» بالقرب من شيراز، وكانت على هيئات مختلفة. وينسب تأسيس هذه المدينة إلى فارس بن طهمورث، غير أن شهرتها ازدادت بعد الفتح الإسلامي لإيران وما تلاه من العصور ومنذ سنة 64هـ (684م) توسعت وازدادت أهميتها. وفي القرن الرابع الهجري شيّد السلطان البويهي عضد الدولة فيها قصراً ضخماً لإقامته وسعى في توسعة المدينة وتجميلها. وكذلك شيّد لها سوراً يحيط بها له اثنا عشر باباً.
لكن بعد وفاة عضد الدولة، دبّ فيها الانحطاط وقد تم ترميم سور المدينة بعد ذلك من قبل محمود شاه اينجو في أواسط القرن الثامن الهجري. وفي عهد أتابكة السلاجقة زادت أهميتها خصوصاً في زمن سعد بن زنكي وابنه «أبو بكر».
وفي القرن الثامن الهجري زارها الرحالة حمد اللَّه المستوفي الذي وصف سبع عشرة محلة (حارة) وتسعة أبواب تحيط بسورها، وكذلك وصف مساجدها المعروفة ومرقدي ابني الإمام موسى الكاظم (عليه السلام).
وفي سنة 795هـ (1393م) حاصر تيمورلنك جيش الشاه منصور آل المظفر قرب شيراز، وقد قتل الشاه منصور في هذه الواقعة، وأصدر تيمور أمراً بتعيين ابنه عمر الشيخ حاكماً على إقليم فارس.
وفي سنة 1137هـ (1725م) استولى زبردست خان أفغان على شيراز على رغم مقاومة أهلها. وجعلها كريم خان زند عاصمة لحكمه، وأمر بتشييد سور حول المدينة وتبليط شوارعها بالأحجار، كما تم في عهده بناء أسواق جديدة وقصور عدة أبرزها مسجد وسوق وحمام وكيل. وقد أفل نجم شيراز بعد نهاية الفترة الزندية، ولم تنهض من جديد إلا بعد حكم ناصر الدين شاه القاجاري.
أما أبرز معالم شيراز العمرانية فهي:
تخت جمشيد
اسم لمجموعة من القصور الأثرية التي تعود لعهد هخامنشي، وهي أبرز الآثار التاريخية في إيران، وتعتبر من الشواخص والروائع العمرانية الكبيرة في العهود الغابرة. وتخت جمشيد هي إطلال المدينة التاريخية بارسة التي تقع على بعد 57 كيلو متراً شمال شرقي مدينة شيراز الحالية، على الحدود الشرقية لصحراء مرودشت التي كانت تسمى في الوثائق اليونانية «برسبوليس». وتعد تخت جمشيد آخر وأرقى الفنون في الأزمنة التاريخية في بلاد فارس سواء من جهة الضخامة والعظمة أو من جهة الفن المعماري وجماليته، وقل نظيرها في بلاد أخرى.
وتعتبر شيراز امتداداً لبارسة التي كانت عاصمة إيرانية في العهد الهخامنشي، وكانت معابدها وقصورها الرائعة علامة على عظمة ذلك العهد. غير أن علماء الآثار المعاصرين يعتقدون بأن هذه المدينة كانت العاصمة الصيفية للملوك الهخامنشيين ومكاناً للقيام بالمراسيم الكبيرة خصوصاً العيد الديني والوطني للإيرانيين سابقاً (عيد نوروز).
ويعود بناء تخت جمشيد إلى حوالي 515 عاماً قبل الميلاد، وقد أقيم على أرض مساحتها 135 ألف متر مربع ويتراوح ارتفاعه بين 18.8 متراً. واستغرق البناء أكثر من 180 سنة حتى استولى عليه الإسكندر المقدوني بين سنة 330 ـ 323 قبل الميلاد، والتهمته الحرائق فاستحال ذلك الفن والجمال وجهود البنائين والمعماريين الإيرانيين إلى إطلال.
مسجد وكيل ([322])
ويطلق عليه أيضاً جامع وكيل، ويقع في محلة درب شاهزاده المتصلة بسوق وكيل. ويقع المسجد بين سوق وحمام وكيل، ويشغل مساحة واسعة. وصحن المسجد مربع الشكل طول ضلعه 60 متراً، وقد تمّ تبليط أرضيته بأحجار كبيرة. وزينت واجهة المسجد ومداخله بالبلاط القاشاني الجميل وتتخللها كتابات بخط الثلث والنسخ، وله باب ضخم قلّ نظيره. وبالإضافة إلى سعة المسجد فإنه يتميز بنقوش رائعة واستخدم فيه البلاط القاشاني المعرق والإسليمي، إضافة إلى أعمدته الثمانية والأربعين المرتفعة أيضاً التي تتشابه في تصاميمها. ومن ميزاته أيضاً وجود حوض واسع فيه، وكذلك المنبر الرخامي المصنوع من قطعة واحدة والذي قال فيه كريم خان زند الذي شيّد المسجد بأنه لو بني هذا المنبر من الذهب لكان أقل قيمة من هذا المنبر الرخامي.
سوق وكيل
تُعد هذه السوق من أجمل المباني الإسلامية في مدينة شيراز، شيّدت العام 1180هـ (1767م) من قبل كريم خان زند، وتقع بجوار مسجد وكيل، وشكلها يشبه الصليب، وتشتمل على 71 زوجاً من المحلات التجارية، ولها أربعة ممرات واسعة تلتقي في الوسط وأربعة أبواب كبيرة تغلق ليلاً ليحافظ على السوق من كل الجهات. ومما تمتاز به هذه السوق أن ممراتها واسعة، وتوجد فيها عقود (أقواس) مدببة مرتفعة على طول ممر اتها، وتؤمن النوافذ الموجودة في أعلى العقود النور والهواء لجميع المحلات التجارية، وقد صممت بشكل يكون الهواء بارداً صيفاً ودافئاً شتاء.
وفي ملتقى تقاطع ممرات السوق يوجد عقد ضخم جداً هو روعة من روائع فن العمارة الإسلامية. وعلى رغم تجاوز عمره المئتي عام فلا يلاحظ فيه أدنى تصدع. ومن المؤسف جداً أنه في العام 1963م ارتأت الحكومة أن تشق شارعاً رئيسياً وسط السوق يسمى شارع زند، قسَّم سوق وكيل إلى قسمين.
مرقد السيد أحمد بن موسى الكاظم
ويُعرف أيضاً في إيران بشاه چراغ وهو أخو الإمام الرضا (عليه السلام) المدفون بمشهد، وقدم إلى شيراز في بداية القرن الثالث الهجري وتوفي فيها. وفي عهد أتابكة السلاجقة في زمن سعد بن زنكي قام وزيره مقرب الدين مسعود بدر الدين بتوسيع الصحن المحيط بالمرقد وشيّد قبة على القبر وأضاف سعد بن زنكي الأتابكي رواقاً آخر، ثم قامت تاشي خاتون والدة الشاه أبو إسحاق اينجو ما بين 745 و750هـ (1345 و1350م) بتعميرات أساسية للمرقد، وشيّدت لنفسها في الناحية الجنوبية من القبر مدرسة ومدفناً لها، وأوقفت ثلاثين نسخة من القرآن الكريم وهي نسخ نفيسة ثلثها مُذهب.
وفي زمن الشاه إسماعيل الصفوي الأول قام متولي المرقد ميرزا حبيب اللَّه شريفي بتعميرات أخرى سنة 912هـ (1507م). وفي سنة 997هـ (1589م) تهدم نصف بناء المرقد على أثر زلزال، وجدد بناؤه في القرن الثالث عشر الهجري. وتعرض المرقد للخراب مرات عدة وفي فترات زمنية مختلفة، وجدد بعد كل مرة، وفي سنة 1243هـ (1828م) أهدى فتح علي شاه القاجاري ضريحاً إلى المرقد.
مدخل مرقد السيد أحمد بن موسى الكاظم
مرقد الشاعر حافظ الشيرازي
وهو الخواجه شمس الدين محمد الشيرازي المعروف بـ«حافظ» والملقب بلسان الغيب وترجمان الأسرار، ولد في شيراز وتوفي فيها سنة 791هـ (1389م)، ويعد من أكبر شعراء الغزل في إيران. وعند بلوغه سن الشباب توجه لتعلم القرآن والأدب العربي والعلوم الإسلامية، وتبحر في التفسير والكلام والحكمة والأدب، وحفظ القرآن الكريم وبذلك لقب بـ «الحافظ». ويبدو من شعره مدى تعلقه بمدينته شيراز، وأنه لم يغادرها إلا إلى مدينتي يزد وهرمز على خلاف الشاعر سعدي الشيرازي. ومع ذلك فقد ذاع صيته حتى بلغ بغداد وآذربيجان بل وحتى الهند. ومع ما له من القصائد الرائعة وبعض المنظومات القصيرة والرباعيات والغزليات إلا أنه اشتهر بالغزل ويعد شعره من أرقى الشعر الفارسي في الغزل. وأول من كتب ديوانه أحد تلامذته ويدعى محمد كلندام. ثم أضيف إلى ديوانه بعض أشعار الغزل. وترجم ديوان حافظ ومختارات من ديوانه إلى العربية والتركية والإنكليزية وبعض اللغات الأوروبية.
وفي سنة 1187هـ (1773م) خصص كريم خان أرضاً ذات مساحة كبيرة يقع فيها مرقد حافظ وأنشأ عليها بناية قسمت هذه الأرض إلى قسمين. أما البناية فتتكون من غرف عدة وفي وسطها إيوان يستند إلى أربعة أعمدة.
مرقد الشاعر سعدي الشيرازي
هو الشيخ مصلح الدين عبداللَّه الشيرازي المعروف بـ«سعدي» 600 ـ 694هـ (1204 ـ 1295م)، وهو شاعر وكاتب إيراني كبير، ولقب بـ «أفصح المتكلمين». ولد في شيراز وفقد أباه في صغره، وبعد الدراسة سافر إلى بغداد سنة 621هـ (1224م) ودرس في المدرسة النظامية، ثم سافر إلى الشام والحجاز وأدّى مناسك الحج. وعند رجوعه بقي في الشام مدة، اشتغل فيها بالوعظ والعبادة والسياحة، ثم عاد إلى شيراز في عهد «أبو بكر بن سعد الأتابكي».
قام سعدي بتأيف كتابين هما: «بوستان» ومعناه حديقة الرياحين، و«كلستان» ومعناه روضة الورود. أهدى الأوّل إلى الأب والثاني إلى ولده «سعد بن أبو بكر». وكانت له رحلات عدّة إلى آسيا الصغرى واليمن وباميان وبلخ والهند وكشمير. ثم عاد إلى شيراز في أواخر حياته ومات ودفن فيها في المكان المعروف اليوم بـ «السعدية».
يقع مرقد سعدي في الشمال الشرقي من مدينة شيراز على سفح جبل يدعى فهندج، وقد تغيّر طراز بنائه بمرور الزمن، بحيث جدّد ورمّم مرّات عدّة، وآخر بناء كان سنة (1368هـ ـ 1948م). والمبنى مؤلف من طابقتين شيّد من الطابوق (الآجر) والجص ويحتوي على غرف عدّة، ويحيط بالقبر مشبك معدني، أمّا مساحة البناء الحالية فتبلغ 261 متراً مربعاً.
رؤوف الأنصاري
الشهرة
إن الشهرة لغة تتضمن معنى ذيوع الشيء ووضوحه ومنها قولهم: شهر فلان سيفه، وسيف مشهور.
وقد أطلقت (الشهرة) باصطلاح أهل الحديث على كل خبر كثر راويه على وجه لا يبلغ حد التواتر. والخبر يُقال له حينئذ: (مشهور)، كما قد يقال: (مستفيض).
وكذلك يطلقون (الشهرة) باصطلاح الفقهاء على ما لا يبلغ درجة الإجماع من الأقوال في المسألة الفقهية. فهي عندهم لكل قول كثر القائل به في مقابل القول النادر. والقول يقال له: (مشهور)، كما أنّ المفتين الكثيرين أنفسهم يقال لهم (مشهور)، فيقولون: ذهب المشهور إلى كذلك، وقال المشهور بكذا… وهكذا.
وعلى هذا فالشهرة في الاصطلاح على قسمين:
1 ـ (الشهرة في الرواية)، وهي كما تقدم عبارة عن شيوع نقل الخبر من عدّة رواة على وجه لا يبلغ حد التواتر. ولا يشترط في تسميتها بالشهرة أن يشتهر العمل بالخبر عند الفقهاء أيضاً، فقد يشتهر وقد لا يشتهر. ولكن هذه الشهرة تكون من أسباب ترجيح الخبر على ما يعارضه من الأخبار. فيكون الخبر المشهور حجة من هذه الجهة.
2 ـ (الشهرة في الفتوى)، وهي كما تقدّم عبارة عن شيوع الفتوى عند الفقهاء بحكم شرعي، وذلك بأن يكثر المفتون على وجه لا تبلغ الشهرة درجة الإجماع الموجب للقطع بقول النبي (صلّى الله عليه وآله) أو الإمام (عليه السلام).
فالمقصود بالشهرة ـ إذن ـ ذيوع الفتوى الموجبة للاعتقاد بمطابقتها للواقع من غير أن يبلغ درجة القطع.
وهذه الشهرة في الفتوى على قسمين من جهة وقوع البحث عنها والنزاع فيها:
الأوّل: أن يعلم فيها أنّ مستندها خبر خاص موجود بين أيدينا. وتسمى حينئذ (الشهرة العملية). وفي باب التعادل والتراجيح والبحث عمّا إذا كانت هذه الشهرة العملية موجبة لجبر الخبر الضعيف من جهة السند، والبحث أيضاً عمّا إذا كانت موجبة لجبر الخبر غير الظاهر من جهة الدلالة.
الثاني: ألا يعلم فيها أنّ مستندها أي شيء هو، فتكون شهرة في الفتوى مجردة، سواء كان هناك خبر على طبق الشهرة ولكن لم يستند إليها المشهور أو لم يعلم استنادهم إليه، أم لم يكن خبر أصلاً. وينبغي أن تسمّى هذه: (الشهرة الفتوائية)، فقد قيل([323]): إنّ هذه الشهرة حجة على الحكم الذي وقعت عليه الفتوى من جهة كونها شهرة فتكون من الظنون الخاصة كخبر الواحد. وقيل: لا دليل على حجيتها. وهذا الاختلاف بعد الاتفاق على أنّ فتوى مجتهد واحد أو أكثر ما لم تبلغ الشهرة لا تكون حجة على مجتهد آخر ولا يجوز التعويل عليها. وهذا معنى ما ذهبوا إليه من عدم جواز التقليد، أي بالنسبة إلى من يتمكن من الاستنباط.
والحق أنّه لا دليل على حجية الظن الناشئ من الشهرة، مهما بلغ من القوة، وإن كان من المسلم به أنّ الخبر الذي عمل به المشهور حجة ولو كان ضعيفاً من ناحية السند.
شيزر([324])
ولعل شهرة مدينة ما، سواء أكانت في القديم أم في الحديث، ترجع إلى سبب بارز أو حادث ضخم… ومدينة «شيزر»، اشتهرت في الأمس البعيد لسبب بارز وباعث ضخم معاً، فلقد شاء القدر أن تكون خط الدفاع الأوّل للمسلمين ضد هجمات البيزنطيين والصليبيين وحملاتهم المتواصلة من طرف، وأن تكون مسقط رأس فارس عربي كبير وشاعر متميز فحل هو الأمير أسامة بن منقذ من طرف آخر، وكلاهما ـ المدينة الحصينة، والشاعر الفارس ـ سجل الأمجاد والمفاخر في فترة من أحرج فترات التاريخ العربي الإسلامي وأخطرها، ثمّ غاب، تاركاً للأجيال المتلاحقة سيرة مثلى وعبرة تتلى…
جغرافية شيزر
تقع شيزر في وسط سورية على بُعد (28) كم شمالي غربي مدينة حماة، وتبعد حوالي (4) كم عن بلدة محردة، و(80) كم عن البحر المتوسط، ويحدّها نهر العاصي من جهاتها الشمالية والشرقية والشمالية الغربية، وتتوسط منطقة كانت لها أهميتها في الماضي، إذ أنّها تقع على الطريق الداخلية والمعبر الطبيعي الذي يساير نهر العاصي، ولا بد لمن سلك هذه الطريق من أن يمر بشيزر قبل مروره بمدينة حماة إن كان يبغي الجنوب، وبعده إن كان يبغي الشمال (كما فعل الشاعر امرؤ القيس).
وشيزر قسمان: قسم يقع ضمن القلعة (الحصن)، وهي أكمة صخرية متشامخة أطلق عليها المؤرخون والجغرافيون العرب لنتوئها (عرف الديك)، ويلتف حولها نهر العاصي من جهاتها الثلاث فإذا بها شبه جزيرة بوضعها الجغرافي، وما لبث الإنسان أن أكمل هذا الوضع حيث قام بحفر الصخر الواصل بين شبه الجزيرة هذه، والجبال الصخرية الجنوبية، وأنتج خندقاً واسعاً وعميقاً زاد في مناعة الحصن وفي تعذر الوصول إليه… ويتراوح ارتفاع هذه القلعة بين (40ـ50) متراً بحيث تشرف إشرافاً كاملاً على السهول المجاورة والممتدة من جهات الشمال والغرب والجنوب الغربي.
وأمّا القسم الثاني فيتناثر على سفوح القلعة الغربية ويلامسه نهر العاصي من الجهة الشمالية، ويضم الآن بيوت السكان الحاليين (شيزر الجديدة)، وعددهم حوالي (2500) نسمة، وبقايا المدينة القديمة، وتمر من هذا القسم الطريق الواصلة بين مدينة حماة ومنطقتي طار العلا والغاب.
وممّا لا شك فيه أنّ شيزر ـ المدينة والقلعة ـ من مدن سوريا القديمة، ويؤكد على ذلك المؤرخ ابن الشحنة في تاريخه «الدر المنتخب في تاريخ مملكة حلب»، وكثير من المؤرخين والباحثين يرى أنّ موقعها يطابق تماماً موقع مدينة (سيزار) القديمة والتي تمثّل قلعتها الأكربول (والأكربول هو التل الدفاعي أو الهضبة الحصينة في المدينة اليونانية القديمة)… وإنّ عدّة حفريات قد أظهرت آثاراً قديمة جداً كان آخرها الحمام الروماني الذي ظهر حينما كانت مؤسسة أبنية التعليم تجري عمليات حفر أسس وقواعد لمدرسة جديدة في شيزر.
ولقد ذكرت شيزر بأسمائها المتعددة في وقت مبكر، وأبرزها نقوش الفراعنة المصريين ورقم تل العمارنة في القرنين الخامس عشر والرابع عشر قبل الميلاد، وكذلك النصوص الإغريقية والبيزنطية. وأشعار الجاهليين العرب منذ نيف وألف وخمسمائة عام.
من هنا نرى أنّ لشيزر تاريخاً عريقاً موغلاً في القدم، اكتشف بعضه القليل، وكثيره ما يزال ينتظر من ينفض عنه غبار آلاف السنين ليقدّمه للناس صورة رائعة متكاملة بألوانها وظلالها لمدينة وقلعة لعبتا دوراً هاماً في تاريخ المنطقة وعلى مدى حقب من الزمن طويلة.
أسماؤها:
حفظت لنا النقوش والنصوص وكتب التاريخ عدّة أسماء لشيزر، المدينة الكنعانية التي نشأت منذ العهود السحيقة، ولعل أقدم ما وصل إلينا حتّى الآن في هذا الصدد نقوش الملك تحتمس الثالث سادس فراعنة الأسرة الثامنة عشرة في أوائل القرن الخامس عشر قبل الميلاد، والمدونة باللغة الهيروغليفية، وفيها ورد اسم شيزر على ثلاثة أشكال: سنزارا ـ سنزار ـ سيزار، ثمّ وردت من بعد باسم: شنزار في كتابات الملك أمنحوتب الثاني أحد فراعنة الأسرة نفسها في أواخر القرن الخامس عشر قبل الميلاد من خلال وصف إحدى حملاته على سورية، ثمّ وردت باسم: زنزار في رُقُم تل العمارنة المسمارية المصرية في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وأمّا المصادر اليونانية واللاتينية فقد ذكرتها بأسماء عديدة أبرزها: سيزارا ـ سيزار ـ سدزارا ـ تسيزريا… على أنّ الإمبراطور سلوقوس نيكاتور أسماها في القرن الرابع قبل الميلاد: لاريسا… ولكن الاسم الكنعاني السامي ما لبث أن عمّ على ألسنة العرب كما نراه في شعر امرئ القيس وعبيدالله بن قيس الرقيات.
بيد أنّ البيزنطيين عادوا فذكروها في كتاباتهم باسم: سيزار، وأمّا مؤرخو الحروب الصليبية فقد أسموها عدّة أسماء هي: تسيزاريا ـ قيصرية ـ وقيصرية العاصي تمييزاً لها من مدن أخرى سمّيت باسم قيصرية… إلى أن كان القرن التاسع الهجري (القرن الخامس عشر الميلادي) حيث نجد المؤرخ خليل بن شاهين الظاهري يسمّيها «سيجر» في كتابه «زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك».
وهي الآن… شيزر عند المثقفين وفي الكتب واللافتات والسجلات، ولكنّها ما تزال سيجر في نطق الكثيرين من عامة الناس.
ممّا مرّ جميعه رأينا أنّ شيزر ذات تاريخ مغرق في القدم، ولكن المصادر والمكتشفات ما تزال شحيحة في تقديم صورة الماضي البعيد بكلّ ألوانها وظلالها، ولقد مرّ بنا أنّها ذكرت في القرن الخامس عشر قبل الميلاد عند قدماء المصريين، وهذا يعني أهميتها في تلك الفترة، ثمّ ما نلبث أن نقع على ذكرها ثانية في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد حين قام الإمبراطور السلوقي سلوقوس الأوّل نيكاتور بتجديدها بعد احتلالها وإحراقها، ثمّ استقدم جالية أرمنية من مدينة لاريسا من مقاطعة تساليا في اليوناني، وأسكنهم مدينة شيزر، وحوّل اسمها إلى (لاريسا) باسم مدينتهم الأصلية، فاستوطنوها ومكثوا فيها حتّى الغزو الروماني.
ومن بعد كانت شيزر جزءاً من الإمبراطورية التدمرية بدليل أنّ القيصر أوليانوس فتحها في عام 271م، أثناء مطاردته جيش الملكة زنوبيا المنكسر أمامه في معركة جرت حول مدينة أنطاكية.
ويؤكد كامل شحادة أنّ شيزر ازدهرت في العهدين الروماني والبيزنطي معاً، إذ اتسعت المدينة، وجلب إليها الماء بقناتين كبيرتين للري والإرواء، وأصبحت دار أسقفية حيث يذكر كلزر في تآليفه عن آباء المجمع النيقي أنّ الأسقف جيرنسيوس كان من أساقفة مدينة لاريسا في سورية.
ولقد عرف العرب شيزر في جاهليتهم، وذكروها في بعض أشعارهم، وها هو ذا امرؤ القيس يعرج على حماة وعليها حين قصد إمبراطور الروم طالباً المعونة للأخذ بثأر أبيه:
فلمّا بدت حوران، والآل دونها
نظرت، فلم تنظر بعينيك منظرا
تقطع أسباب اللبانة والهوى
عشية جاوزنا حماة فشيزرا
بسير يضج العود منه، يمنّه
أخو الجهد لا يلوي على من تعذرا
إلى أن كان عام (17هـ ـ 638م) حين دخلها أبو عبيدة عامر بن الجراح قائد الجيش العربي الإسلامي بعد أن فتح حمص وحماة، فخرج أهلها لاستقباله، وسرّهم أن عقد معهم صلحاً يتفق في شروطه العامة مع صلح أهل حماة: أي الجزية لرؤوسهم والخراج على أرضهم، وجعلت شيزر من أعمال جند حمص.
ونلمح شيزر من جديد في ثنايا شعرنا العربي في العصر الأموي حوالي عام (81هـ ـ 700م)، وذلك في ديوان عبيدالله بن قيس الرقيات حيث يقول:
قفوا وانظروا بي نحو قومي نظرة
فلم يقف الحادي بنا وتغشمرا
فواحزناً إذ فارقونا وجاوروا
سوى قومهم أعلى حماة وشيزرا
بلاد تعود الناس لم يولدوا بها
وقد غنيت منها معاناً ومحضرا
وفي تلك الفترة (أي أواخر القرن الأول الهجري ـ السابع الميلادي) استوطنها جماعة من المسيحيين الموارنة عند انتشارهم في وادي العاصي.
ويذكر اليعقوبي في «كتاب البلدان» أنّ سكانها في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) كانوا قوماً من كندة، كما غزاها في نهايته القرامطة، وما يزال فيها تل يعرف باسمهم لنزولهم فيه.
وبما أنّ شيزر وجارتها أفامية تقعان على طريق التجارة والغزو وتتسلطان على وادي العاصي فقد كانت لهما مكانة جليلة وهامة، وكانت شيزر بخاصة مفتاح بلاد الشام، ولهذا ظلّت عرضة لهجمات الروم البيزنطيين المتتابعة… ففي سنة (339هـ ـ 950م)، يذكر ابن الوردي في تاريخه أن بسيل ملك الروم خرج بعسكره فنزل على أفامية وجمع عظام القتلى وصلّى عليها، ودفنها، وفتح شيزر بالأمان لقلّة رجالها.
وفي عام (356هـ ـ 967م)، زحف القيصر نقفور الثاني فوكاس على جوف بلاد الشام محاذياً طريق نهر العاصي، ومضى إلى الاستيلاء على المدن الكبيرة ونهبها الواحدة تلو الأخرى حتّى وصل إلى مدينة حلب، فلم يجد أميرها سيف الدولة الحمداني ملجأ يعتصم به أفضل من شيزر، لكنّه أصيب فيها بمرض شديد نقل على أثره إلى عاصمة إمارته حلب حيث توفي فيها في نهاية العام نفسه ودفن في ميافارقين.
وفي عام (357هـ ـ 968م)، وصل نقفور إلى شيزر واستولى عليها، وأحرق جامعها، وأقام فيها حامية رومية… وبعد فترة اصطلح مع قرعويه متولي حلب من قبل سعد الدولة ابن سيف الدولة الحمداني على عشرة قناطير ذهب: ثلاثة عن حق الأرض، وسبعة عن خراج بلاد عديدة منها شيزر وحلب وقنسرين وحماة وحمص ومعرة النعمان وكفرطاب… يحملها إليه قرعويه كل سنة، وعلى ألا يمكن قرعويه أهالي تلك البلاد من النزوح عن مواطنهم ليبتاع الروم منهم ما يحتاجون إليه حين غزوهم تلك البقاع من جديد… ولكن سعد الدولة رفض الاعتراف بهذه المعاهدة المُذلّة، وظلّ في معرة النعمان، وسعى بكل إمكاناته للتخلص منها، فقام الروم بتخريب مدينة حمص ليضطروه إلى الإذعان، فثبت على موقفه ولكنه عاد فأذعن وأدّى الجزية في عام (373هـ ـ 893م).
وعندما أقبل جيش الفاطميين بقيادة منجوتكين في عام (382هـ ـ 992م)، وحاصر شيزر واستخلصها من قائدها سوسن الحمداني بعد أن أمّنه على حياته وماله مثلما استخلص أفامية وغيرها، كان من أبي الفضائل ابن سعد الدولة الحمداني أن استنجد بالقيصر الرومي باسيليوس الثاني لينقذه من منجوتكين فلبّاه، وزحف في عام (383هـ ـ 993م)، وحاصر العديد من المدن والقرى، وكانت شيزر من بينها، واستطاع تخليصها من قائدها الفاطمي منصور بن قراديس، وأقام فيها حامية قوية من جند الروم.
ولكن شيزر ما لبثت أن عادت إلى سيادة الفاطميين حين زحف القائد الفاطمي حبيش بن الصمصامة والي دمشق إلى شمالي سورية، واحتل في طريقه كل شيء، حتّى وصل إلى شيزر وتمكّن من احتلالها، واستمرّ زاحفاً نحو أفامية حيث جرت معركة هائلة بينه وبين الروم بقيادة دميانوس دالسينوس (دوق أنطاكية)، انتهت بمقتل الدوق وانكسار جيشه وذلك في عام (387هـ ـ 998م)، ومن ثم سلم ابن الصمصامة شيزر لقائد اسمه حلمان بن قراديس، ولعله أخو منصور الذي كان واليها من قبل… وعاد إلى دمشق عاصمة ولايته. وفي العام التالي قام القيصر باسيليوس بقيادة حملة ضخمة وتوجّه إلى شيزر، وحاصرها، وضرب القناطر المعلقة التي كانت تأتي بالماء إلى القلعة، ودافعت حاميتها دفاعاً مجيداً، إلاّ أنّ فقدان الماء اضطرها أخيراً إلى الاستسلام على أن تؤمن على أرواحها وأموالها، وأن تخرج من القلعة دون أن تذل نفسها بالسير أمام القيصر سير المهزومين على ما جرت به عادة الروم حين انتصارهم في معركة ما، ورضي باسيليوس بهذه الشروط، وسقطت القلعة في يد الروم… ونزح أكثر السكان المسلمين، فأقام القيصر مكانهم جالية مستعمرة من الأرمن واستقرّت شيزر وأعمالها في أيدي الروم البيزنطيين نحو (82) عاماً إلى أن ظهر بنو منقذ الذين سيسجلون في رحابها أنصع الصفحات وأسماها.
شيزر وبنو منقذ([325]*)
وفي عام (416هـ ـ 1025م) أقطع صالح بن مرداس صاحب حلب بني منقذ البلاد المجاورة لشيزر، وأمّا شيزر فقد ظلّت بيد الروم… ويرقى نسب بني منقذ إلى العرب القحطانية، فهم من قبيلة كنانة وهي كثيرة العدد، كانت تسكن قبيل الإسلام حول مكة المكرمة، فلمّا جاء الفتح انتقلت من القبائل، وتفرّقت في الممالك المفتوحة، ونزلت في الشام وغيرها، وكانت ـ كما يقول الدكتور سامي الدهان ـ تحمل معها مفاخرها القديمة في اعتزاز، فقد كان منها شجعان وفرسان وعلماء، فيهم ربيعة بن مكدم فارس العرب وحامي الظعينة، وأبو ذر الغفاري الصحابي الكبير، وفيهم أبو الأسود الدؤلي العالم اللوذعي… وظلّت على سيرة الأجداد في الإباء والعزة والشهامة، وحافظ أبناؤها وفروعها على عادات العرب في الفروسية والبطولة والنجدة، وخط بنو منقذ للقبيلة صفحات في تاريخ سورية تقف للفخار العربي القديم، وتصل بين الماضي والحاضر، فلقد اشتهر منهم رجال كبار، كل منهم فارس شجاع أو شاعر أديب، وذاع صيتهم خلال القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، وكانت مساكنهم بين حلب وحماة، ولهم بتلك الأراضي الأملاك الثمينة، والدور النفيسة، وكانوا أمراء هذه الأطراف يكرمهم ملوك الشام في ذلك العهد ويجلون قدرهم، ويقصدهم شعراء عصرهم ويمدحونهم، ومن أبرزهم الشاعران ابن الخياط وابن سنان الخفاجي.
وأوّل من عرف من بني منقذ واشتهر هو أبو المتوج مقلد بن نصر بن منقذ الذي استولى على كفرطاب بجوار شيزر عام (433هـ ـ 1041م) وكانت حدود أملاكه تصل جنوباً إلى نهر العاصي، وهو الذي بنى رأس الجسر المعروف بجسر بني منقذ غربي شيزر (جسر العشارنة الآن) وذلك ليمنع وصول المدد إلى شيزر من أفامية التي كانت بيد الروم.
وفي عام (450هـ ـ 1059م)، توفي الأمير مقلد في حلب، وحمل جثمانه إلى كفرطاب، وخلفه ابنه أبو الحسن علي بن مقلد الملقب سديد الملك، وكان ينزل بجوار شيزر وبقرب الجسر الذي بناه والده، وكانت القلعة ما تزال في يد الروم البيزنطيين، فحدثته نفسه بالاستيلاء عليها، وشرع في عام (468هـ ـ 1076م)، في عمارة حصن الجسر ليمنع عن شيزر وقلعتها المدد والمؤمن فتضطرا إلى التسليم، وقام في الوقت نفسه باحتلال حصن الجراص المجاور فأضحت الأطواق محكمة مما دفع مطران البارة المقيم في شيزر حين بلغ به الضيق مبلغه إلى مراسلة الأمير علي عارضاً عليه تسليم حصن شيزر مع بذل أموال ضخمة مقابل سماح الأمير المنقذي للحامية الرومية البيزنطية بالخروج منه آمنة على أرواحها وأموالها دون أن تتعرض للمذلة والمهانة… وتمّ ذلك في عام (474هـ ـ 1081م)، وها هو ذا الأمير علي يكتب إلى الخليفة الناصر العباسي في بغداد واصفاً عمله الجليل:
«… نظرت إلى هذا الحصن فرأيت أمراً يذهل الألباب، يسع ثلاثة آلاف رجل بالأهل والمال ويمسكه خمس نسوة، فعمدت إلى تلب بينه وبين حصن الروم يعرف بالجراص، فعمرته حصناً، وجمعت فيه أهلي وعشيرتي، ونفرت نفرة على حصن الجراص فأخذته بالسيف من الروم، ومع ذلك فلمّا أخذت من به من الروم أحسنت إليهم وأكرمتهم، ومزجتهم بأهلي، فرأى أهل شيزر فعلي، فأنسوا بي، ووصل إليّ منهم قريب نصفهم، فبالغت في إكرامهم، ووصل إليهم مسلم بن قريش العقيلي فقتل من أهل شيزر نحو عشرين رجلاً، فلمّا انصرف مسلم عنهم سلموا الحصن إليّ…».
ويظهر من كلام الأمير علي أنّ شرف الدولة مسلم بن قريش العقيلي صاحب الموصل وحلب كان يطمع في فتح شيزر، وأنّه حاول وكان الفشل حليفه، ولهذا حسد الأمير المنقذي على نجاحه في الاستيلاء عليها، وقام بتجهيز جيش في حلب بقيادة أخيه مؤيد الدولة علي بن قريش الذي زحف باتجاه شيزر واجتاح في طريقه حصن أسفونا التابع لابن منقذ نفسه.
وكانت شيزر وحصنها حينذاك في حالة تأهّب دائب، وحمل الأمير المنقذي من الجسر إلى حصن شيزر ما يكفي لمن فيه مدّة طويلة من مختلف الحاجيات، ووصل جيش العقيلي، وحاصر شيزر وحصنها مدّة تقارب الشهر دونما فائدة إلى أنّ جاء شرف الدولة مسلم بنفسه عام (475هـ ـ 1082م)، وقاد الحصار ولم يصل إلى نتيجة، فترك عسكره في الحصار ورحل إلى حمص خائباً سعيه في انتزاع شيزر من قبضة الأمير المنقذي الذي استطاع بصبره ورباطة جأشه وحنكته من إنهاء الحصار حين هدّأ من ثورة العقيلي بإيفاد وفد على مستوى عال حمل الهدايا الثمينة إليه في حمص.
وفي السنة نفسها توفي الأمير علي، فخلفه ابنه عز الدولة أبو مرهف نصر بن علي وكان ورعاً كريماً مغرماً بالفنون، ولقد بلغت إمارة شيزر في عهده أقصى امتدادها إذ حوت بين جنباتها أفامية وكفرطاب واللاذقية ومعرة النعمان ومصياف…
وفي عام (479هـ ـ 1086م)، وصل جيش السلطان ملكشاه ابن ألب أرسلان السلجوقي صاحب أصفهان إلى حلب واستولى عليها، ومن بعده عزم على الاتجاه إلى شيزر، فما كان من الأمير نصر إلاّ أنّ أرسل إليه وفداً يعلمه طلب دخوله في طاعته، فأجابه السلطان إلى طلبه، وثنى الجيش عن متابعة المسير وأقر الأمير المنقذي على شيزر.
ومع هذا كلّه فقد تعرّضت شيزر في عهد الأمير نصر إلى الغزو والحصار غير مرّة… وكانت فيه جميعاً صورة مثلى للصمود، ولم ينل أحد منها طائلاً، ففي عام (481هـ ـ 1088م)، قام قسيم الدولة آق سنقر (والد عماد الدين زنكي) صاحب حلب بتجهيز جيشه، وسار على رأسه قاصداً قلعة شيزر، وأقام عندها أياماً، وضيق على أميرها نصر، ونهب ما حولها من بيوت ومساكن، لكنّه لم يتمكن من احتلالها، فكان لا بد من الصلح… وعاد أدراجه إلى حلب.
واستمرّت الأمور على هذا المنوال إلى أن توفي الأمير نصر دون عقب في عام (491هـ ـ 1098م)، بعد زمن قليل من استيلاء الصليبيين على أنطاكية، وكان قد عهد بالإمارة من بعده إلى أخيه مجد الدين أبي سلامة مرشد والد أسامة الأديب الشاعر والفارس البطل، ولكن مرشداً كان ولوعاً بالخط والصيد… وهو الذي كان يحض أسامة على ركوب الأخطار، ويعلّمه طرق الإقدام، ويصطحبه معه في رحلات صيده ـ كما أعلمنا أسامة في كتابه الاعتبار ـ وهو الذي كان صاحب خط مليح لم ينسخ به سوى القرآن الكريم، وعندما حضرته الوفاة رغب إلى أبنائه أن يضعوا تحت خده في القبر المساطر التي كتب عليها ختمات الكتاب الكريم، فكانت ـ كما يذكر أسامة ـ ثلاثاً وأربعين منها ختمة كبيرة كتبها بالذهب، وكتب فيها علوم القرآن الكريم: قراءاته، وغريبه، وعربيه وناسخه، ومنسوخه، وتفسيره، وسبب نزوله، وفقهه… بالحبر والحمرة والزرقة وسمّأه «التفسير الكبير» ولهذا جميعه رفض تولي إمارة الحصن وما حوله قائلاً:
«والله لا وليته، ولأخرجن من الدنيا كما دخلتها…»، وتنازل عن الإمارة إلى أخيه الأصغر عز الدين أبي العساكر سلطان الذي حكم شيزر وما حولها مدّة (57) عاماً حفلت ساعاتها ودقائقها بالخطير والجليل من الحوادث والأمجاد، وبخاصة كون إمارته أضحت خط الدفاع الأوّل أمام الصليبيين في سبيل وصولهم إلى قلب سورية، ولهذا باشر بمساعدة أخيه الأمير مرشد ومشورته في اتخاذ طريق الهجوم، وعمدا معاً إلى غزو أفامية ممّا أجبر الصليبيين على إبقاء نقطة مراقبة دائمة في الجبل المواجه لشيزر لتخبرهم عن تحرّكات أصحابها.
شيزر والأحداث الكبار
وتوالت الأحداث بكثرة بالغة، والتي سأذكر البارز منها والهام في هذه العجالة التاريخية، ففي العام التالي لتولي الأمير سلطان تعرّضت مدينة معرة النعمان لاحتلال الفرنجة الصليبيين واستبيحت أياماً عسيرة، وتهيأت شيزر للقتال، ولكن الصليبيين لم يتابعوا السير نحوها، فسلم أهلها والذين التجؤوا إليها.
وفي عام (500هـ ـ 1106م)، اغتيل أمير أفامية، واستنجد سكان المدينة من الأرمن بالقائد الصليبي تانكريد دي هوثقيل أمير أنطاكية الذي مضى بجيشه نحو الجنوب، وشرع في حصار أفامية، ولكن والي المنطقة العربي أبا الفتح السرميني تمكن من إعادة الأمن إلى نصابه، وساعده أميرا شيزر وحماة، فلم يسع تانكريد إلاّ الانسحاب بعد حصار استمرّ ثلاثة أسابيع متوالية.
وتمكّن الصليبيون في نهاية العام نفسه من احتلال أفامية، ثمّ تابعوا سيرهم نحو كفرطاب، وتمكنوا من احتلالها كذلك، ونصبوا عليها فارساً اسمه تيوڨـيل والذي لم يلبث ـ على حد تعبير المؤرخين الإفرنج ـ أن أصبح مصدر رعب وحذر وتوقع للمسلمين في شيزر.
وفي عام (502هـ ـ 1108م)، وصل جيش صليبي ضخم بقيادة تانكريد إلى أطراف شيزر، وشدد عليها الحصار، ولكن دون طائل، فما كان منه إلاّ أن قتل جماعة صغيرة من رجالها أوقع بهم في مغارة، ثمّ ارتد إلى عاصمة إمارته… وفي العام التالي أغار ثانية على شيزر، وحين سمع الأميران سلطان ومرشد بذلك خفّا للقائه، ولكن الأعداد الهائلة من الصليبيين غير المتوقعة جعلت المنقذين يعودان إلى حصن القلعة ويتحصنان به مع الشيزريين إلى أن فشل الحصار، وانتهى بتوقيع معاهدة هدنة لبضعة شهور.
وفي عام (527هـ ـ 1133م)، جاءها شمس الملوك إسماعيل بن بوري بن طغتكين صاحب دمشق بعد أن حاصر حماة في تلك السنة واستولى عليها، وحاصر شيزر وحصنها، وقام بنهب البلدة، فكان لا بد للأمير سلطان من مصانعته وتقديم مبالغ من المال له، فعاد عن الحصار وقفل راجعاً إلى دمشق.
وفي عام (531هـ ـ 1137م)، رحل قيصر الروم يوحنا الثاني كومنينوس قاصداً معرة النعمان، ثمّ تحوّل عنها إلى شيزر وكفرطاب، وكان على رأس جيش جرار بعدده وعُدده، وحين اقترب من شيزر نصب على جبل جريجس القائم على الضفة الشرقية لنهر العاصي والمشرف على القلعة (الحصن) ثمانية عشر منجنيقاً هائلاً أتى بها معه من بلاد الروم، وتبلغ حجرها ما لا تبلغ النشّابة، وترمي الحجر عشرين وخمسة وعشرين رطلاً كما أخبرنا الأمير أسامة بن منقذ الذي شارك في الدفاع والقتال، وحين تفاقم الحصار أرسل الأمير سلطان رسولاً إلى عماد الدين زنكي أتابك الموصل يستنجده، فنزل زنكي على حماة، وشرع يركب كل يوم في عساكره، ويسير إلى شيزر بحيث يراه قيصر الروم، ويرسل السرايا يتخطف من يخرج من عساكره للميرة والنهب، ثمّ يعود آخر النهار… وبينما هم على تلك الحال وصل جيش صليبي ونزل شرقي شيزر داعماً جيش الروم في هذا الغزو، وعانت قلعة شيزر من منجنيقات الروم والصليبيين معاناة كبيرة ذكرها الأمير أسامة في كتابه «الاعتبار» وقاوم الشيزريون بقيادة بني منقذ هذا الحصار الهائل الذي دام أربعة وعشرين يوماً ببسالة وشجاعة وإيمان تدعمهم حصانة قلعتهم وصخور شيزر الشديدة الانحدار، بالإضافة إلى أعمال عماد الدين زنكي ومراسلاته وقيامه بإيقاع الشحناء بين الروم والصليبيين الذين نزلت بهم الهزيمة، فارتد القيصر عن القلعة وحاول الاستيلاء على المدينة السفلى (أي شيزر) ولكنّه لم يستطع، فانسحب وترك المجانيق وآلات الحصار في مكانها، ولم يستطع حملها معه لثقلها، فغنمها عماد الدين، وكان المسلمون في بلاد الشام قد اشتدّ خوفهم وعلموا أنّ الروم والصليبيين إن ملكوا حصن شيزر لا يبقى لمسلم منهم مقام، ولا سيما مسلمي مدينة حماة لقربها.
ولم يقنع صليبيو أنطاكية بهذه النتيجة فنزلوا ثانية على شيزر بقيادة الأمير برتداند، وكان ماء العاصي بينهم وبين شيزر عظيماً لا يمكن خوضه، وما وجدوا سبيلاً إلى شيزر وقلعتها، فلمّأ تبيّنوا ذلك انتشروا في الأرض، ودخلوا البساتين يرعون خيلهم، فجاء نفر منهم إلى البستان وناموا، فتجرد رجال من بني منقذ، ونزلوا من سرداب القلعة المتصل بالعاصي، وسبحوا إليهم فقتلوا منهم، وجرحوا بعضهم، وانتشر الصياح في الصليبيين وهم في خيامهم، ففزعوا وجاؤوا مثل السيل، كل من ظفروا به قتلوه، وانتهى بعضهم إلى مسجد أبي المجد ابن سمية، ودخلوه، ثم خرجوا منه، وانصرفوا بعد ذلك عن شيزر خائبين.
وفي عام (535هـ ـ 1140م) وثب جماعات من الإسماعيلية على حصن مصياف الذي كان لبني منقذ، واحتالوا على عاملهم فيه وقتلوه، وملكوا الحصن، وتمادى بهم الحال فقصدوا شيزر في وقت كانت فيه القلعة خالية من أمراء بني منقذ الذين ذهبوا إلى مشاهدة الاحتفال بعيد القيامة المسيحي في حماة، وتمكنوا من ملك القلعة، وبادر أهل المدينة السفلى إلى باشورة القلعة (مدخل الحصن ومربط الخيول) وأصعدهم النساء بالحبال من الطاقات، وأدركهم أمراء بني منقذ على أثر وصول الخبر إليهم ووضعوا السيف في المحتلين فلم يسلم منهم أحد.
وكانت شيزر إلى ذلك جميعه قاعدة لأمير همذان في حربه ضد الصليبيين، ومقراً للأسرى والرهائن من الروم والصليبيين، كما تعرّضت لهجمات الأمير الصليبي بوهمند الثاني غير مرة ولم ينل منها أي طائل، كما أعلن ريموند أمير أنطاكية الصليبي انتماءه إلى القيصر الرومي، وحاول أن يحصل على إمارة تتألف من حلب وشيزر وحماة بمشورة القيصر، ولكن خاب فأله.
ولعله من المؤسف أنّ نفرة حصلت بين الأمير سلطان وأخيه الأمير مرشد بسبب أولادهما، ولهذا فإنّ سلطان عقب وفاة أخيه في عام (531هـ ـ 1137م) بادأ أولاده: علي وأسامة ومحمد بالسوء، وأخرجهم من شيزر، فقصدوا نور الدين محمود في دمشق، وشكوا له ما لقوا من عمهم، فغاظه ذلك، ولكنّه لم يتمكن من مساعدتهم لاشتغاله بالجهاد ضد الصليبيين.
مأساة بني منقذ المروعة
وفي عام (548هـ ـ 1154م)، توفي الأمير سلطان، وخلفه ابنه الأمير تاج الدولة ناصر الدين محمد الذي هلك في الزلزلة الهائلة التي حدثت سنة (552هـ ـ 1157م)، وخربت كثيراً من مدن الشام الشمالية، وأهلكت العباد، وكان أشدّها بمدينة حماة وحصن شيزر ـ كما قال ابن الأثير ـ فإنّهما خربا بالمرة، ويذكر أبو الفداء في مختصره أنّ بعض المعلمين في حماة فارق المكتب لأمر مهم، فجاءت الزلزلة فأخربت الدار، وسقط المكتب على الصبيان جميعهم فماتوا لساعتهم… والعجيب أنّه لم يأت أحد يسأل عن صبي له في المكتب، ممّا يدل على أنّ الزلزلة أخذت أولياءهم كذلك.
ومن المصادفات القاسية والمروعة أنّ بني منقذ كانوا مجتمعين كلهم في وليمة ختان، فسقطت القلعة عليهم، ولم تبق على أحد منهم، اللهم إلاّ امرأة أخرجت من الردم، وما يروى أنّه بينما كان أحد أبناء منقذ فاراً من الزلزال حتّى إذا وافى باب القلعة رمحه الحصان فمات على الفور، وبهذا لم ينج أحد من آل منقذ الذين هم داخل القلعة.
وأمّا الأمير أسامة بن منقذ فكان وقتها في دمشق، وعندما تناهى إلى أسماعه ما حلّ بقومه وذويه هرع إلى شيزر، وطفق يطوف بين خرائبها وأطلالها باحثاً عن إخوته ولداته وعشيرته… فلم ير سوى الموت والعدم، ولم يملك سوى دموعه وأبياته في هذا المصاب الجلل:
لم يترك الدهر لي من بعد فقدهم
قلباً أجشمه صبراً وسلوانا
فلو رأوني لقالوا مات أسعدنا
وعاش للهم والحزن أشقانا
بادوا جميعاً وما شادوا… فواعجباً
للخطب أهلك عمّاراً وعمدانا
هذي قصورهم أمست قبورهم
كذاك كانوا بها من قبل سكانا
سقى ثرى أو دعوه رحمة ملأت
مثوى قبورهم روحاً وريحانا
وألبس الله هاتيك العظام، وإن
بلين تحت الثرى، عفواً وغفرانا
ولقد حاول الصليبيون من طرف، وإسماعيلية مصياف من طرف آخر أن يملكوا قلعة شيزر المهدمة المهجورة، وتمكن الإسماعيليون من ملك القلعة وقاموا بطرد الصليبيين من المدينة السفلية وكانوا قد تمركزوا بها، مفكرين في تكوين إمارة فيها باسم بيت المقدس.
شيزر من بعد
ولم تنقض سوى أيام حتّى وصل نور الدين محمود بن زنكي وطرد الإسماعيليين من شيزر، وقام بترميمها وتجديد حصنها خشية انقضاض الصليبيين والروم، ولكنّه تناسى ـ على حد قول المؤرخ ابن واصل الحموي ـ أنّ أعداءه كانوا هم الآخرين يخشون انقضاضه فراحوا يعملون على ترميم حصونهم وتجديدها في الوقت نفسه… وبعد أن انتهى نور الدين من الترميم والتجديد بالنسبة لحصون المنطقة كلّها أقطع شيزر وحصنها إلى أخيه في الرضاعة مجد الدين أبي بكر ابن الداية… ولكن القلعة ما لبثت أن تهدّمت وتصدّعت ثانية عام (566هـ ـ 1170م)، نتيجة الزلازل الجديدة التي اجتاحت وسط سورية وجنوبها وقضت على أعظم ترميمات نور الدين، وكان لا بد ليد الترميم من العودة إليها من جديد.
وبعد وفاة أبي بكر ابن الداية انتقلت شيزر لأخيه شمس الدين علي، وبعد استيلاء صلاح الدين الأيوبي على شمالي سورية سنة (570هـ ـ 1174م)، بعد وفاة نور الدين زنكي، إذ انتزعها من يد إسماعيل بن نور الدين البالغ الحادية عشرة من سني عمره… وولّى من قبله سابق الدين عثمان الذي ظلّ فيها وفي حصن أبي قبيس إلى ما بعد وفاة صلاح الدين، وصار من بعد من عمال ابنه الملك الظاهر غازي صاحب حلب، وبعد وفاة سابق الدين انتقلت شيزر لابنه عز الدين مسعود، ومن بعده لحفيده شهاب الدين يوسف الذي جاهر بالعصيان ضد الأيوبيين في عام (630هـ ـ 1232م)، فجاء الملك العزيز محمد بن الظاهر الغازي، وحاصره واسترد شيزر وأبا قيس منه، وألقيت جثته في نهر العاصي من أعالي القلعة.
ثم كان الغزو المغولي الذي اجتاح كل مكان بقيادة هولاكو، والذي وصلت جحافله إلى وسط سورية في عام (659هـ ـ 1260م)، وفر الملك ناصر الدين يوسف صاحب حلب من وجههم، ودمر قلاعه عن آخرها أثناء فراره، وكانت شيزر من هذه القلاع.
ولقد أعاد الملك الظاهر بيبرس البيرقداري بعد استيلائه على عرش مصر بناءها وترميمها، وبعد أن طرد المغول في سنة (660هـ ـ 1261م)، ولم يلبث أن قام بزيارة لها بعد سبع سنوات خلال تطوافه في سورية.
ولمّا جلس السلطان المنصور قلاوون الصالحي على عرش مصر في عام (679هـ ـ 1280م)، ظلّت شيزر كجارتها أفامية مدة في يد الأمير سنقر الأشقر الذي عصى، ونازع السلطان قلاوون السلطنة، واستطاع قلاوون استرجاعها منه صلحاً بعد عام واحد على أن تبقى في يده مناطق جسر الشغور فقط، وقام قلاوون بترميم بعض أركان شيزر وحصن القلعة.
وظلّت شيزر في حوزة خلفاء قلاوون المماليك، وكانت في عهدهم نيابة من أعمال حلب، ونائبها أبو عشرة وصارت تظهر في التواريخ بإشارات عابرة، منها أنّ نائب حلب ناصر الدين بن المحسني سافر عام (748هـ ـ 1347م)، لتسكين فتنة ببلد شيزر بين العرب والكرد، قتل فيها من الكرد خسمائة نفس، وتمكّن من قمع الفتنة… ومنها أنّها كانت من البلاد التي تعرّضت للويلات الفاجعة من أعراب البادية الذين غزوها وفتكوا بأهلها وبما يحيط بها، فقد هاجمها نعير بن جبار أمير آل فضل في عام (793هـ ـ 1392م)، وكان حليفاً لمنطاش الثائر على الملك الظاهر برقوق، وشريكاً في إشعال هذه الفتنة الكبرى.
ويبدو للمؤرخين والباحثين أنّ خراب حصن شيزر قد بدأ منذ تلك الفتنة، وظلّ على هذه الحال إلى أن احتل العثمانيون سورية في عام (922هـ ـ 1516م)… وبعدها لم يعد هناك من حاجة للدفاع ووجود القلاع ذات الصفة والمكانة الحربية، وغدت شيزر قرية صغيرة يعتصم بها أهلها والمجاورون لها أيام الفتن خوفاً من المغيرين، ولقد أقام بها العثمانيون حامية من العسكر بالتناوب كما هو الحال في القلاع جميعها، وكانت حاميتها تتألف من ثلاثين جندياً محافظة على الأمن.
وتابعت شيزر بقسميها التقلص حتّى كان الحكم العربي في سورية عام (1333هـ ـ 1918م)، والذي التف حوله نفر من أبناء شيزر وانضموا إلى ركب العاملين على سبيل دعمه وتثبيته، ولكن الانتداب الفرنسي جاء بخيله ورَجْله بعد حوالي عامين وبدد الأحلام والآمال… وكانت سنوات قاسية من الصراع والثورات إلى أن كان فجر الجلاء في عام (1366هـ ـ 1947م)، حيث انضمت شيزر إلى شقيقاتها من مدن سورية العربية لتسطير صفحات الاستقلال والحرية والمجد.
قلعة شيزر (الحصن)
ـ1ـ
بنيت قلعة شيزر (الحصن الصخرية) المتشامخة المسمّاة (عرف الديك) وهي الآن مخربة في أكثر أقسامها ما عدا قسميها الشمالي والجنوبي اللذين ما يزالان سالمين إلى حد ما، وأمّا أسوارها وبقية أبراجها الأربعة عشر فقد اندثرت خلا بقايا في قسميها الشرقي والغربي.
والقلعة تعدّ إحدى القلاع الصخرية في بنائها ومساحتها، ويقع بابها الرئيسي في الناحية الشمالية، وعلى الزائر أن يجتاز جسراً حجرياً مبنياً فوق واد ضيق وعميق، وكان هذا الجسر في العصور الوسطى خشبياً متحركاً يرفع عند اللزوم، وأمّا الحالي فحجري يعلو طبقتين من القناطر، ونظراً لشدّة انحداره فقد جعل ممشاه مدرجاً وعلى جانبيه داربزين واق.
وبعد الجسر يصل الزائر إلى المدخل الذي يقع في البرج الشمالي ذي الطوابق الثلاثة، وفي صدر هذا المدخل باب ذو عتبة عليا مستقيمة، وتعلو المدخل قوس منكسرة، وفوق القوس كتابة عربية مطولة فيها اسم الملك المنصور قلاوون الذي رمم هذا المكان عام (689هـ ـ 1290م)، وهي منقوشة على أحجار الجدار الظاهرة، وفوق الكتابة بقليل كوتان لرمي السهام ونافذة مستطيلة الشكل، وفي الطابق الأعلى كانت هناك نافذة أخرى يعلوها مسندان مرمى لحماية المدخل وبابها كان متحركاً، وتستعمل لصب السوائل المحرقة على المهاجمين، وقد تهدم البرج إلى ما تحت سوية هذين المسندين.
ويحمي هذا المدخل من جانبيه غرف الجلوس من الأدنى، وغرف الدفاع من الأعلى، ويصعد للأخيرة بسلم حجري… وعلى يمين برج المدخل كتلة هرمية الشكل (قلّة)، وهي في غاية المنعة، وقد أقيمت على الصخر المقطوع بشكل عمودي ورهيب، وتركز على سفوح عريض مبلط يلتصق في جانبه الشمالي بفسحة المدخل، بأعلى هذه الكتلة بقايا شرفات دفاعية مطلة ورواق تهدم للأمام وقد تهدم أكثر أقسامها.
وبعد اجتياز المدخل يرى الزائر على يمينه ساباطاً معقوداً (طريقاً مسقوفة) بطول (70) متراً، وهو الباشورة التي تؤدي إلى داخل القلعة، وهو في الوقت نفسه الطريق الرئيسية للقلعة، وقد استعملها السكان الذين قطنوها بعد خرابها مأوى لدوابهم… وبعد الباشورة نصل عبر طريق ضيقة إلى ساحل القلعة المملوءة ببقايا بلدة شيزر العليا وأطلالها وخرائبها، وقد كان يتخللها حتّى وقت قريب قطع أثرية سلوقية ورومانية وكتابات يونانية نقل أكثرها إلى مدينة حماة، وعرض أبرزها وأهمها في متحفها… وتؤدي الطريق الضيقة التي تجتاز هذه الأطلال والآثار إلى البرج الجنوبي.
والبرج الجنوبي أشهر أبراج شيزر الآن، وأحسنها حفاظاً على وضعه السابق، وقد شيّد بناؤه بعناية خاصة وطراز دفاعي متميز لأنّه البرج المتقدم للدفاع الذي يقع في أضعف نقطة من القلعة فوق الخندق الاصطناعي. وجدرانه مبنية بقطع حجرية بارزة بينها أعمدة لتشد ارتباطها مع الأقسام الداخلية من البرج… وشكل هذا البرج رباعي بارز قليلاً في جبهته الشمالية حيث يوجد المدخل الذي جعل في محرق القذائف المتشابكة التي تلقى من طوابق البرج العليا… وعلى جدار هذا البرج كتابة باسم الملك العزيز محمد صاحب حلب عام (631هـ ـ 1233م).
ويتميز في هذا البرج قسمان: غربي منخفض قليلاً عمّا يجاوره، وكان طابقين تهدم العلوي منه، وتعلوه من الجانبين كتابتان عربيتان تذكران الباني نور الدين زنكي وتؤرخان البناء بُعيد حادث الزلزال الرهيب عام (552هـ ـ 1157م)… وشرقي هو البرج الشاهق الجميل، وينتصب فوق نهر العاصي من جهة، ويسيطر على الخندق الجنوبي من جهة أخرى، وهو من أمتن الأبراج الدفاعية ومن أكمل قواعد الهندسة العربية في المباني العسكرية.
والصاعد من درج المدخل يصل إلى طابق تحته أقبية معقودة… وهذا الطابق الأوّل مؤلف من غرفتين كبيرتين وعلى الجدران فتحات لدخول النور، وأمّا الطابق الثاني فيصعد إليه بسلم حجري، وهو صورة عن الطابق الأوّل… وكان هناك السطح الذي تهدم، ويصعد إليه بدرجين داخلي وخارجي إضافي، وما تزال بقايا الشرفات الدفاعية ماثلة حتّى اليوم.
ومن الجدير بالذكر أنّ عامة الناس منذ زمن بعيد وحتّى يومنا هذا تسمّي هذا البرج (قصر البردويل)، لقد تساءل باحثون عن هذا ولم يصلوا إلى نتيجة، على حين ظنّ آخرون أنّه بغدوين أو بلدوين أحد ملوك الصليبيين… وهذا وهم وبُعد عن الحقيقة لأنّ الصليبيين ما توصلوا يوماً إلى ساحة القلعة، فكيف بأكبر أبراجها الدفاعية وأمتنها وأحصنها…؟!، وأمّا البحاثة المرحوم حسام العظم فقد توصل إلى أنّه أحد أمراء حاشية السلطان صلاح الدين الأيوبي الذي أسهم مع سابق الدين عثمان والي شيزر من قبل صلاح الدين في ترميم بعض أركان القلعة وبخاصة البرج الجنوبي، ونزل فيه مدّة.
ومن الآثار الباقية في هذه القلعة باب السر أو السرداب الخفي، وهو يصل القلعة بنهر العاصي مباشرة عبر خندق ذي قناطر متباعدة ويخترق الصخور الرهيبة، وذلك لتأمين أخذ الماء من النهر عند الحاجة بشكل لا يُرى فيه الإنسان من الخارج، وكان الفارس الممتطي جواده يتمكن من عبور السرداب كاملاً، ولكنّه الآن متهدم، وقد تراكمت الأتربة والبقايا والحجارة في ثناياه، فاقتربت من أعالي القناطر في بعض أقسامه بحيث لا يتمكن الزائر من عبورها إلاّ زحفاً.
قلعة شيزر
ـ2ـ
تعتبر قلعة شيزر من أهم القلاع والحصون العربية لمنعتها، وتاريخها الحافل بالحوادث، وموقعها الاستراتيجي المتناسب مع الأغراض العسكرية. تقع على مسافة 25 كلم إلى الشمال الغربي من مدينة حماه على طول امتداد جرف صخري حاد يشرف على الضفة الغربية لوادي نهر العاصي. وأطلق القدماء على هذا الجرف اسم «عرف الديك» لمظهره الطبيعي الناتئ، الملفت للنظر. وتؤكد المصادر التاريخية أنّ اسم موقع شيزر ورد للمرّة الأولى حوالي القرن الخامس عشر قبل الميلاد في عهد تحوتمس أحد فراعنة السلالة الثامنة عشرة المصرية، في سياق وصفه لحملاته العسكرية على سورية باسم «سيزر». ومنذ ذلك التاريخ، تتالت أسماؤها حتّى الوقت الحاضر عندما استقرّت على اسمها العربي «شيزر».
ولموقع القلعة المتميز من الناحية الاستراتيجية الحربية، والمسيطر تماماً على وادي نهر العاصي وعلى الطريق البرية الداخلية في سورية (دمشق ـ حماه ـ حلب)، أهمية كبرى في إعطائها مكانتها بين القلاع والحصون، وكذلك في جعلها عرضة للغزوات والحصارات والاجتياحات بدءاً من الفراعنة المصريين مروراً بالآشوريين واليونانيين والرومانيين وصولاً إلى الغزوات الصليبية، وأخيراً خلال المرحلة العثمانية عندما كانت بمثابة حصن يرابط فيه عدد من الجنود العثمانيين.
وتعدّ قلعة شيزر نموذجاً حقيقياً لفن العمارة العسكرية والحربية في العهد الأيوبي. وتظهر فيها بوضوح معالم التحصين على الطراز العربي، على رغم تهدم الجزء الأكبر من سور القلعة ومعظم أبراجها، التي كان عددها أربعة عشر برجاً دفاعياً، ما زال بعضها قائماً حتّى الآن.
وللوصول إلى القلعة لا بد من اجتياز الجسر الحجري العريض، المؤدي إلى الباب المشيّد فوق طابقين من القناطر الضخمة مقامة على وادٍ ضيّق عميق يصل بين القلعة وجوارها، ويشرف عن يمينه وعن يساره على ذلك الوادي، بارتفاع يزيد عن خمسة عشر متراً. أمّا مدخل القلعة فيتألف من باب مقوّس ضخم في وسط جسم البرج الرئيسي المؤلف من ثلاثة طوابق شيّدت بحجارة ضخمة بارزة السطوح ومدعمة بمجموعة من الأعمدة الأسطوانية لزيادة صلابة البناء ومتانته. وتشاهد في واجهة البرج ـ المدخل الشرفات الدفاعية المخصصة لرماة السهام، وفي أعلى المدخل كتابة مقروءة بالخط العربي النافر تذكر اسم باني المدخل «قلاوون الصالحي» وتؤرخ ذلك في سنة (689هجرية ـ 1290 ميلادية).
بعد اجتياز المدخل توجد «الباشورة» الممتدة على مسافة تزيد عن ثمانين متراً إلى داخل القلعة، وهي عبارة عن سويقة صغيرة كانت تشاد بجانب أبواب الأسوار لتأمين مستلزمات السكان في فترات الحصار. وعلى امتداد طريق طويلة تتوسط القلعة تنتشر بيوت قديمة مهدمة، هجرها سكانها وانتقلوا إلى بيوت جديدة شيّدت إلى الغرب من القلعة وهو ما يعرف الآن باسم بلدة شيزر، وفي نهاية هذه الطريق البرج الضخم الذي يعدّ من أشهر آثار شيزر، وهو ما يزال محافظاً على كامل عمارته تقريباً، وكان بمثابة خط دفاعي متقدم فوق خندق القلعة لجهة الجنوب. وبما أنّ هذا البرج كان في أضعف نقاط القلعة من الناحية العسكرية، أفردت له عناية خاصة لتشييده وتحصينه، وجعله برجاً دفاعياً نموذجياً ضخماً، ممّا ساعد في بقاء سائر عناصر عمارته كما هي.
يقسم هذا البرج إلى قسمين: الأول يتألف من طابقين تهدم العلوي منهما، وتعلو مدخله كتابة عربية نافرة توضح أنّ «نور الدين زنكي» شيّده بتاريخ (552 هجرية ـ 1157 ميلادية). أمّا القسم الثاني فأكثر ارتفاعاً، ويشرف مباشرة على وادي نهر العاصي، وهو أمنع الأبراج الدفاعية في القلعة، ويعتبر نموذجاً لقواعد الهندسة العربية في البناء العسكري. وتتخلل واجهته منافذ وشرفات دفاعية وتتصدر واجهة هذا القسم بطول يزيد عن سبعة أمتار كتابة عربية أخرى تشير إلى أن «محمد بن الظاهر غازي الأيوبي» شيّد هذا القسم في شهر ذي القعدة (630 هجرية ـ 1232 ميلادية). وعلى سطح البرج الذي يمكن الوصول إليه بدرج حجري، تلاحظ التحصينات والفتحات والشرفات الدفاعية الكثيرة المنتشرة على كامل محيط السطح، إضافة إلى رؤية منظر رائع يتمثل بتلك المساحات الواسعة من الأراضي والسهول التي تشرف عليها القلعة.
وفي القلعة الكثير من القطع الأثرية والعناصر المعمارية الأخرى التي تعود إلى عهود مختلفة كالعهدين السلوقي والروماني، أهمها المذابح والنصب التذكارية. ومن المهم أيضاً ذكر النفق الأرضي الذي يتوسط السفح الشرقي للقلعة ويصلها بمياه نهر العاصي بهدف تأمين حاجة السكان من الماء أثناء الحصارات. وبني هذا النفق بالحجارة على شكل منحنٍ تتخلله الكثير من التعرجات والانكسارات الهندسية التي تساعد في حجب رؤية المحاصرين.
أحاديث ومشاهدات
ولقد روى لي الشيخ محمد حسين المصري أكبر معمر في شيزر (115) عاماً، والذي يقطن حانوتاً عتيقاً كان طاحوناً في نهاية الجسر القديم من جهة الشمال منذ أكثر من (75) عاماً، كيف كانت البيوت في القرن الماضي منتظمة في القلعة على الجانبين الشرقي والغربي، ومأهولة بالمئات من الناس الذين هجروا المدينة السفلى، وعمدوا إلى بعض البيوت الخربة من حجارة الأبراج والأسوار المتهدمة… وكانت ملكاً لعائلة السيجري (الشيزري)… ووصف لي كيف كانت النسوة ينزلن عبر السرداب يومياً إلى نهر العاصي للاستسقاء ونقل الماء إلى بيوت القلعة في أوعية واسعة كبيرة تدعى (خلقين) ـ أي المرجل الضخم ـ ويحملن هذه الخلاقين على رؤوسهن دون أن يدعمنها بمسك أيديهن، ويصعدان بها المرتفعات المنحدرة دون خوف أو حذر، ويتابعن هذه العملية الشاقة غير مرة في اليوم، فلقد كان نهر العاصي وما يزال المورد الرئيسي لشيزر في أغلب أمور الحياة اليومية. وأردف أن البيوت الترابية في البلدة السفلى كانت معدودة وقليلة.
ومع مطلع القرن العشرين (1905م)، كما تذكر جرترود لوثيان بل في كتابها (الصحراء والواحات) المطبوع في لندن عام (1907م)… لم يكن حول القلعة سوى بضع قباب ترابية متناثرة بجانب الجسر القديم يسكنها أعراب من قبيلة السماطية على حين أربى عدد سكان القلعة على (500) نسمة بإدارة نفر من آل السيجري (الشيزري)، وقد قامت السيدة (بِلْ) بزيارة القلعة والتقت ببعض مالكيها وأعجبت بنسائها وشهدت بجمالهن وأناقة لباسهن البدوي «وأعطية الصليبيون» ـ حسب قول أسامة بن منفذ ـ ببسالتهن وإقدامهن وإثارتهن غيرة الرجال حين اشتداد المعارك.
ويزور الشيخ طاهر النعساني شيزر وقلعتها في عام (927م)، ويقول: «ولا تزال بعض جدران شيزر ماثلة تهزأ بالعواصف القواصف وتدل على عظمة الأقدمين وتفننهم في تشييد البنيان ورفعه، وهي اليوم لا يكاد يوجد فيها خمسون مزارعاً ـ يقصد البلدة السفلى ـ وهي موبوءة مستوبلة أمراضها فتاكة…».
ويزورها أحمد وصفي زكريا في عام (1932م)، ويكتب قائلاً: «… والبلدة ذات السور والأبواب الثلاثة التي كانت في أسفل القلعة قد عفت رسومها، ولم يبق منها إلاّ بعض أسس الجدران وكسور الأحجار والأعمدة وصار مكانها بضع قباب حقيرة بين الجسر وباب القلعة يقطنها العمال في أزوار شيزر، والبلدة العليا التي كانت في داخل القلعة خربت وصار مكانها قرية بنيت بركام الأنقاض يقطنها فلاحو الأرض العذبة (الطيبة)، ولا يزيد عدد الجميع عن الأربعمائة…».
ويتحدّث إليّ مدير مدرسة شيزر الريفية هاشم القاسم الذي صحبني في أغلب زياراتي للقلعة والمدينة السفلى… ويقول: «… إنّ سكان القلعة ـ وهو واحد منهم ـ قد أربى عددهم في عام (1958م) ـ على الستمائة نسمة… وفي نهاية هذا العام بدأ النزوح من القلعة إلى السفوح الغربية لأسباب متعددة أبرزها إشغال الأراضي وتملكها، وقد تمّ هذا النزوح على مراحل، واستمرّ سبعة أعوام حيث لم يبق بعدها أي إنسان في القلعة، وقد هدموا مع نزوحهم سقوف بيوتهم وأخذوا أعمدتها ثم تهدّمت من تلقاء ذاتها، وما زال السكان يبنون وينتشرون على آثار المدينة القديمة السفلية حتّى امتدّ عمرانهم على مساحة (32) هكتاراً وزاد عددهم في نهاية العام الماضي على (2400) نسمة…».
وخلال زياراتي المتعددة في سبيل إعداد هذه الدراسة خلال عامي (1980ـ1981م)، وجدت أنّ البلدة السفلى ـ الجديدة ـ تنتشر على يمين الطريق الواصلة بين حماة ـ ومنطقتي طار العلا والغاب، وشرعت تغزو يسار الطريق على استحياء، وهي مكونة من بيوت بسيطة ذات طابق واحد أو طابقين وفسحة سماوية كبيرة، وما يزال هناك بعض القباب الترابية القديمة، وهي جميعاً تتسلق سفوح القلعة الغربية وتنداح في المنبسط غرباً، ويشق تلك البيوت دروب ترابية متعرجة ضيقة ومتوسطة، وليس فيها أثر للنظافة والتسوية والعناية… ولقد أنيرت البلدة بالكهرباء وسرت أنابيب المياه العذبة في حناياها، ولكن نهر العاصي ما يزال يستقبل العشرات من نسائها وبناتها وأنعامها صباح مساء.
وأمّا القلعة ـ كما شاهدتها ـ فهي خواء وأطلال، وبقايا، لعل البرجين الشمالي والجنوبي والكتلة الهرمية والمدخل ما برحت في حالة مقبولة ولا سيما أن يد العناية والترميم امتدّت إليها من قبل المديرية العامة للآثار والمتاحف منذ سنوات، ولقد عاينت آثار الترميم فيها جميعاً، وهي ما تزال بحاجة ماسة إلى الكثير منه وبخاصة الكتلة الهرمية… على أن أركانه وأثاثه الداخلي… ويقع شمالي البرج الجنوبي وعلى نشز من الأرض، وهو مسجد القلعة الذي تعلو بابه حجارة نقش عليها ما يلي: «بسم الله الرحمن الرحيم ـ تمّ بناء المسجد في عام 1278هـ»، واسترعى انتباهي اندثار منارة هذا المسجد الخشبية الذي لم تمتد إليه أيدي النازحين حين هجروا القلعة نهائياً منذ نيف وعشرين عاماً…
ولقد درس الباحث الأثري فان برشم آثار القلعة وأطلالها ووصل إلى أنّها بحتة من آثار مهندسي العرب دون سواهم والذين تميزوا بالبراعة في تشييد القلاع والحصون وإحكام وسائل الدفاع والحصار مما يستدعي علماً غزيراً وخبرة واسعة في فنون الحرب والهندسة والبنيان… كما أكد أنّ تاريخ البرج الشمالي ومدخل القلعة يرجع إلى عصر نور الدين زنكي على الرغم من الكتابات الحديثة التي تزينه، وأنّ القسم الشمالي الغربي والسفح الخالي من العنصر الكتابي يعودان إلى عصر الظاهر بيبرس، وأمّا البرج الجنوبي فيرجع تاريخه إلى عهد نور الدين زنكي مع بعض الترميمات التي تمّت من قبل الملك العزيز محمد.
بقايا أخر من الماضي
وشيزر ما برحت تحتوي أنماطاً أخرى من بقايا الأوابد الأثرية أبرزها: الجسر القديم، وهو بقواعده من العهد الروماني (القرن الأوّل الميلادي)، وبقناطر من العهد الأيوبي (القرن السادس الهجري ـ الثاني عشر الميلادي)، وقد رمّمه الملك الأشرف أحمد بن سليمان ابن غازي الأيوبي صاحب حصن كيفا في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي)… ولكنّه تعرّض في عام (1361هـ ـ 1941م)، لفيضان نهر العاصي العارم، فتهدم القسم الأوسط منه، أعيد من ثم بناء هذا القسم في العام التالي فغدا جديداً بين قديمين.
وهناك الطاحون التي تقع على الجانب الغربي ممّا يلي الجسر القديم، ولقد تعرّضت هي الأخرى لفيضان العاصي نفسه فانهار قسم منها، ولم تمتد إليها يدي الترميم والتجديد، وما تزال أحجارها تتساقط وتغزوها يد العدم يوماً بعد يوم.
ونصل إلى الحمام القديم التي تتوضع قريباً من الجسر القديم فنرى أن طراز بنائها أيوبي، وهي حجارة وتمديدات للماء الذي كان يأتيها من ناعورة الخرطلة (القلعيات)، ولقد دعا سكان شيزر المتأخرون هذه الحمام «القهوة» واستعملت على مدى طويل خاناً لإيواء الدواب والرواحل.
وأمّا سد الخرطلة الذي ذكره أبو الفداء في كتابه «تقويم البلدان» حيث يقول في معرض حديثه عن شيزر: «… وينحدر العاصي عندها على سكر (سد) ارتفاعه يزيد على عشرة أذرع يسمّونه الخرطلة…» فقد تهدم في عام (745هـ ـ 1343م)، وفي ذلك يقول ابن الوردي في تاريخه: وزاد نهر حماة دوراً كثيرة، ولطم العاصي خرطلة شيزر فأخذها، وتلفت بساتين البلد لذلك، وتحتاج إعادتها كلفة كبيرة».
وهذا السد الذي كان يجعل مياه نهر العاصي تقترب من فتحة باب السرداب لأنّه يحجز الماء خلفه في الخانق والمجرى الصخري، وأمّا بقاياه فقد استعملت سداً بسيطاً أقيمت على جانبه الجنوبي ناعورة الخرطلة أو القلعيات نسبة للقلعة التي تقع الناعورة تحت مدخلها الشمالي… ولقد جرفت كذلك في فيضان العاصي في أربعينات هذا القرن، وبقيت حجريتها مدّة، كما تبدو في الصور القديمة، ثمّ اندرست معالمها إلاّ قليلاً في هذه الأيام، كما اندرست معالم سبع نواعير أخريات أخوات لها… فنواعير شيزر معروفة مشهورة كنواعير حماة، وقد أطنب المؤرخون والرحالة بذكرها، ولكن للأسف الشديد، لم يبق منها في أيامنا سوى ناعورة زور النبي أيوب الصغيرة التي تقع غربي البلدة وتروي الأراضي المتاخمة بغزير المياه صيفاً وشتاء، وتهب المنطقة الرواء والجمال، وأمامها حجرية ناعورة زور الحمداني التي صارت إلى العدم منذ حوالي عشرين عاماً.
وهذا كلّه… غيض من فيض… وممّا لا شك فيه أنّ كل حجر في شيزر يخفي تحته آبدة أثرية، وكلّ بيت شيّد حديثاً قد أخفى صفحة تاريخية، وكلّ حبة تراب تتحدّث عن الماضي العريق.
شيزر والأدب والفكر
حفل تاريخ شيزر بالعطاء الأدبي والفكري في أمسها الغابر، ففي ثراها حيي البيان وبسقت أفنانه، وفي رياضها تفتحت أزهاره وغردت بلابله، ومن ثنايا صخورها انبجست أمواهه وترقرت غدرانه، ولا عجب في ذلك فآل منقذ كلهم أصحاب فروسية وأدب، قلّ منهم الخامل، وكثر فيهم العامل، وذاع صيتهم في الآفاق، وتناقلت أنباءهم الركبان، وقصدهم الشعراء والأدباء، وحفظت لنا أسفار الأدب والتاريخ والتراجم كثيراً من أشعارهم وخطبهم وكتبهم… وأكتفي بذكر نفر من هؤلاء الأدباء والشعراء على سبيل المثال لا الحصر وفي مقدمتهم: علي بن مقلد ـ سلطان بن علي ـ مرشد بن علي ـ إسماعيل بن سلطان ـ إسماعيل بن مبارك ـ المبارك بن كامل ـ عبد الرحمن بن محمد ـ مرهف بن أسامة… على أنّ علمهم ومنارتهم هو الأمير مؤيد الدولة أبو المظفر أسامة بن منقذ، بل هو في طليعة رجال زمنه أدباً وتصنيفاً، فلقد كان رجل سيف وعنان، وأدب وبيان، قل أن يجتمعا لمثله من الأمراء الصيد الميامين… ويقول فيه ابن العماد: «أسامة كاسمه في قوة نثره ونظمه، تلوح في كلامه أمارة الإمارة، ويؤسس بيت قريضه عمارة العمارة…»، وتروي لنا كتب التاريخ والأدب أنّه كان يحفظ أكثر من عشرين ألف بيت من أشعار الجاهليين… وقد باشر الحرب وهو ابن خمس عشرة سنة، إذ ولد في عام (488هـ ـ 1095م) واستمر فارساً سياسياً، وكاتباً شاعراً إلى أنّ نيف على التسعين إذ ودّع الحياة في عام (584هـ ـ 1188م)، وكان له الدور المشرف في الوقائع ضد غزاة شيزر وغيرها… ولقد قام المؤرخون بتعداد وقائعه الكبار فكانت تسع عشرة موقعة عدا الغزوات الصغيرة، والمعارك المحدودة… وكان خلال سني حياته كلها عزيز النفس بحيث بلغ بها منزلة ليس فوقها مرتقى لهمة، واشتهر بأنّه ينأى عن الضيم ويبعد أن يسام الخسف والهوان:
أأسسام خسفاً ثمّ لا
آبى، فلستُ إذاً أسامه
هيهات… لا ترضى المعا
لي صاحباً يرضى اهتضامه
وأمّا كتبه فهي كثيرة قاربت العشرين في مختلف مناحي الحياة بحيث تدل على ثقافته واطلاعه وإمكاناته، على أنّ أبرزها وأعلاها مقاماً:
الاعتبار ـ لباب الآداب ـ العصا ـ البديع ـ المنازل والديار ـ مختصر مناقب العمرين لابن الجوزي ـ تاريخ القلاع والحصون ـ أخبار النساء ـ التاريخ البدوي، وقد جمع فيه أسماء من شهد بدراً من الطرفين… بالإضافة إلى ديوانه الشعري الذي اختار قصائده وأبياته ورتبه بنفسه، والذي حققه وقدم له الدكتور أحمد أحمد بدوي والأستاذ حامد عبد المجيد عام (1953م)، في القاهرة وانتهى الدكتور بدوي بعد دراسة الديوان إلى أنّ: «أسامة في عصره يوضع مقدمة الشعراء الذين جدّدوا شباب الشعر، وكسوه حلة من الفخامة والقوة والجلال». ولهذا ليس بدعاً أن تسمّى شيزر باسمه، وأن يكون عنواناً لأمجادها ومفاخرها.
ونتابع تقليب صفحات التاريخ، فتصافح نظراتنا أسماء عديدة برزت في شيزر منها: القاضي أبو المجد ابن عبدالله، وأبو اليسر شاكر بن عبدالله بن محمد، وأبو المعالي صاعد بن مدرك بن علي… من أدباء القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، وأبو السمح إبراهيم بن عبدالرحمن، والقاضي أبو سهل عبد الرحمن بن مدرك، وأبو الحسن علي بن مرضي بن مدرك، والقاضي أبو مرشد سليمان بن علي… وهم من عطاء القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)… كما لا يفوتنا ذكر الحسين بن سعيد بن مهند بن مسلمة ابن علي الطائي الأنصاري الشيزري الذي حدث عن أبي بكر بن يوسف البانجي وأبي عبدالله بن خالويه النحوي وأبي حسن أحمد بن علي بن إبراهيم الأنصاري… وغيرهم، وروى عنه أبو سعيد السمعاني وأبو الحسن الجنابي، وعلي بن الخضر السلمي… وغيرهم. والحسين الشيزري هذا من رجال القرن الخامس الهجري… ونذكر أخيراً الأمير المحدث علي ابن أحمد بن محمد بن علي العباس، وهو ابن خطيب شيزر في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) والذي كان مع أختيه من أبرز المحدثين الذين ظهروا في شيزر، واستطاع الوصول إلى منصب والي القدس.
ومن الطريف أنّ القاضي الفقيه والأديب الشاعر ابن الوردي (زين الدين عمر بن المظفر) صاحب اللامية المشهورة في الحكم قد ولي القضاء في شيزر.
تلك هي البيئة الممتازة التي أنجبت خلال قرنين من الزمن هذه النخبة المختارة… ولكن الزلازل والأحداث والنكبات لم تدع ـ فيما بعد ـ مجالاً لبوح أديب أو صداح شاعر… ونتلفت اليوم فلا نكاد نعثر على أيّة موهبة أدبية… اللهم إلاّ بعض المحاولات الشعرية عند الأستاذ محمود الصطوف الذي يضن على المطابع بنشر شذرات منها.
فواكه شيزر
ذكر المؤرخون والرحالة أنّ شيزر وغياضها مشهورة ببساتينها وفواكهها، فهذا أبو الفداء يقول في تقويم البلدان: «وهي ذات أشجار وبساتين وفواكه كثيرة أشهرها الرمان…». وكانت تروى بمياه العاصي والقنوات، وأشهرها القناة الرومانية التي تقع الآن تحت المحطة الكهربائية الحديثة، وهي محفورة بجوف الأرض وتحت قريتي العريض وأبي عبيدة، ومصدرها جسر الباشية، وتنفذ من أمام شيزر وتروي الأراضي الشمالية جميعاً وفي مقدمتها جنائن الفواكه المتنوعة المتميزة، وتُحدث شلالاً رائعاً عند منفذها من الجبل، فأسماها السكان «شلقة شيزر»، وأسماها آخرون «السراب».
ولكن ذلك جميعه قد اندثر مع تتابع الأزمنة، ويذكر أحمد وصفي زكريا في عام (1932م)، أنّ: «هناك قليلاً من الرمان، وحالة الأزوار والبساتين وسطى…» ويا ليت هذا بقي أيضاً، فمع انتشار زراعة القطن عمد فلاحو هذه المنطقة ككثيرين غيرهم إلى اجتثاث الأشجار المثمرة التي كانت ملاعب أسامة بن منقذ ومراتع صيده ولهوه، وحوّلوها من غابات ظليلة إلى حقول لزراعة القطن، ثمّ حوّلوا قسماً منها لزراعة الحبوب والخضروات… وأمّا الفواكه، وبخاصة الرمان والتفاح واللوز والدراق والإجاص… التي كانت حديث الناس حتّى عهد قريب لندرتها وجودتها فقد أضحت أثراً بعد عين.
وبعد،
ولقد كانت جولتنا في ربوع شيزر وماضيها على شيء من الشمول والتقصي… ومن خلال أطلال قلعتها، وبقايا أوابدها الأثرية، وأنين ناعورتها الجميلة… كنّا نعانق طيفين لا أحلى ولا أسمى: طيف المدينة الحصينة، وطيف الشاعر الفارس اللذين سجلا الأمجاد والمفاخر في فترة من أحرج فترات التاريخ العربي الإسلامي وأخطرها… ثم غابا، وخلّفا للأجيال المتلاحقة سيرة مثلى، وعبرة تتلى… ستبقيان أغرودة في فم الزمن حتّى يرث الله الأرض ومن عليها.
وليد قنباز
بنو منقذ وشيزر
وبعد الذي تقدّم من التفاصيل بما فيها حديث عن بني منقذ نرى أن نخص هذه الأسرة الشيعية الكبيرة بالدراسة التالية مكتوبة بقلم الدكتور أحمد رمضان أحمد:
أمّا عن إمارة بني منقذ في شيزر (سنة 474هـ/ سنة 1081ـ1157م) فقد كانت القلعة الواقعة في حوض نهر العاصي الأوسط التابعة للإمبراطورية البيزنطية وبها حامية بيزنطية للدفاع عنها، تأتمر بأمر أسقف البارة الذي اتّخذ شيزر مقراً له. وقد عمل سديد الملك أبي الحسن علي بن منقذ على الاستيلاء عليها منذ عام (470هـ ـ 1077م)، فوجدها جيدة التحصين، وعلم أنّه لا يستطيع الاستحواذ عليها إلاّ بالحيلة والصبر، فقام ببناء حصن على تل قريب من قلعة شيزر ويعرف بتل الجسر وجمع فيه أهله وعشيرته، وكان بين تل الجسر هذا وقلعة شيزر حصن يعرف بالخراص فوثب عليه وأخذه بالسيف وأحسن إلى أهله وكانوا من الروم، ممّا جعل أهل شيزر أنفسهم يأنسون لسديد الملك وعرضوا عليه تسليم الحصن دون الرجوع إلى واليهم، ممّا جعله يتظاهر بالرفض في بادئ الأمر. إلاّ أنّ سديد الدولة رأى استكمالاً لسياسته التي سنّها لنفسه أن يسترضي أسقف شيزر بمال دفعه له، مع بقاء أملاكه وأمواله، وسمح له بالإقامة بشيزر وظهر أثر ذلك في تعمير قلعة شيزر سنة (474هـ ـ 1081م)، وتحصينها، وسمح لحمايتها البيزنطية بالرحيل عنها. إلاّ أنّ استيلاء سديد الدولة على شيزر، قد أثار حفيظة شرف الدولة مسلم بن قريش العقيلي أمير الموصل، الذي سبق أن استولى على حلب وأراد الاستيلاء على القلعة ولكن شرف الدولة أدرك صعوبة الاستيلاء عليها فأقام عليها الحصار وسار بجزء من جيشه إلى حمص. ولتأمين سلامة شيزر أرسل سديد الدولة إلى شرف الدولة مالاً يقدّر بعشرة آلاف دينار بصحبة ابنه أبي العساكر وامرأته منصورة بنت المطوع، وأخته رفيعة بنت منقذ في مقابل فك حصار شيزر، فرحل عسكره عن شيزر سنة 475هـ. غير أنّ سديداً توفي عقب عقد الصلح مع شرف الدولة وخلفه ابنه عز الدولة أبي المرهف نصر بن علي على شيزر سنة (475هـ ـ 1082م)/ وفي أوائل حكم عز الدولة واجهه خطر سليمان بن قلتمش الذي انتصر على شرف الدولة بن قريش العقيلي في موقعة بين أنطاكية وحلب، وبالتالي استولى على كل أملاكه في بلاد الشام، فتملك معرة النعمان وكفرطاب، وأصبح قريباً من شيزر وأخذ في الهجوم عليها لولا أنّ نصراً «صالحه على مال يحمل إليه».
وانتهز نصر بن منقذ فرصة الحرب الدائرة بين سليمان بن قلتمش وتاج الدولة تتش حول حلب التي انتهت بهزيمة وقتل سليمان بن قلتمش، فاسترد كفرطاب التي سبق أن استولى عليها سليمان. ولمّا قدم السلطان ملكشاه إلى بلاد الشام ليضع حدّاً لانتصارات تتش دخل نصر بن منقذ في طاعته وأمره على اللاذقية وأفامية وكفرطاب. ثمّ ما لبث أن دبّ النزاع بين نصر بن منقذ وقسيم الدولة آق سنقر نائب السلطان ملكشاه على حلب سنة (481هـ ـ 1088م) فصالحه على مال دفعه له.
وقد أظهر قسيم الدولة حسن نيته بأن أعاد أفامية التي استولى عليها من خلف بن ملاعب الكلابي لنصر ابن منقذ. ثمّ ما لبث أن وقعت أفامية في حوزة تتش وهو في طريقه لحصار طرابلس.
وقد استطاع نصر بن منقذ أثناء حكمه أن يضم إلى إمارته بالإضافة إلى اللاذقية وأفامية وكفرطاب الكثير من القرى والقلاع والحصون الداخلة في زمام هذه المدن وهي حصن لطمين قرب حمص وحصن أسفونا من معرة النعمان، وحصن أبو قبيس في قبالة شيزر ثمّ حصن مصياف. ثمّ خلفه أخوه عز الدين أبو العساكر بن علي بن منقذ «سلطان» سنة 1098م، وفي عهده نعمت الإمارة برخاء اقتصادي كبير.
أمّا علاقات شيزر في فترة حكم سلطان بن منقذ بمن حوله من الملوك والأمراء المسلمين فقد كانت حسنة، فعلاقته برضوان في حلب وبني عمار في طرابلس وبطغتكين (1104ـ 1128م) في دمشق وبابنه بوري (1128ـ 1135م) لم تشبها شائبة، لكن ما لبث أن ولي دمشق إسماعيل بن بوري، ثمّ ساءت العلاقات بين دمشق وشيزر فقد حاول إسماعيل الاستيلاء عليها. إلاّ أنّ سلطاناً استرضاه بمبلغ من المال للانصراف عن المدينة فرحل عنها بصعوبة بالغة. أمّا علاقته بكل من أمير أفامية خلف بن ملاعب ووالي حماة محمود بن قراجا، فقد كانت علاقة عداوة وحروب، إلاّ أنّ العداوة بين شيزر، ومحمود والي حماة انتهت في النهاية بالتحالف ضد الفرنج بمهاجمة أفامية التابعة للفرنج سنة (518هـ ـ 1124م).
كان الصليبيون بزعامة تنكرد قد استفحل أمرهم بعد انتصارهم على القوات الإسلامية والقلاع والضياع الإسلامية القريبة وبخاصة سنة 1105م، فغدا تنكرد يهدّد المدن في معركة تيزين Tizin، فقام بالإغارة عليها سنة 1108م وعلى القرى التابعة لها ونكل بأهلها، واضطر أمير شيزر إلى عقد صلح معه تفادياً لتلك الهجمات، وكانت مدة الصلح سنة واحدة وبمجرد انتهاء مدّة هذا الصلح عاود تنكرد الهجوم على شيزر، ممّا اضطر الأمير سلطان بن منقذ إلى عقد صلح آخر بدفع مبلغ من المال ثمناً للسلام واستمرّت الهجمات المتكررة من قبل الصليبيين على شيزر في عهد خليفة تنكرد روجر الأنطاكي، ونتيجة لحرص الصليبيين على الاستيلاء على طرابلس واستمرار حصارهم لها، لم تسلم شيزر وتوابعها، فأغار الصليبيون عليها، ففي سنة (501هـ ـ 1108م) أغار وليم جوردان على شيزر للحصول على المؤن ليستمر في حصار طرابلس، وعندما سقطت طرابلس وآلت للصليبيين قاموا بدورهم بالهجوم على شيزر سنة (503هـ ـ 1110م).
ممّا تقدّم يتضح لنا أنّ شيزر تعرّضت لهجمات الإمارتين الصليبيتين أنطاكية وطرابلس.
وقد شاركت شيزر في حركة الجهاد وقدمت ما تستطيع للجيوش الإسلامية، ذلك أنّ حركة الجهاد هذه جاءت في وقت كادت فيه القوى الصليبية أن تحكم الخنادق حول شيزر.
ولم تسلم شيزر من المؤامرات الداخلية، فقد قام الباطنية سنة (507هـ ـ 1113م) بمؤامرة بغرض الاستيلاء على المدينة، إلاّ أنّ مؤامراتهم هذه باءت بالفشل.
وقد هددت الإمبراطورية البيزنطية في عهد إمبراطورها الطموح حناكومنين (1118ـ1143م) شيزر، الذي أراد استرجاع أملاك الإمبراطورية والقيام بحملة صليبية مشتركة لانتزاع بعض المراكز الإسلامية الكبرى، وهي حلب وشيزر وحمص لتكوين إمارة صليبية جديدة يعهد بها الإمبراطور البيزنطي لريموند دي بوانيه تعويضاً له عن أنطاكية التي ينوي إعادتها إلى حظيرة الإمبراطورية البيزنطية ولما فشلوا أمام حلب، تركوها واستولوا على الأثارب ثمّ معرة النعمان سنة (532هـ ـ 1138م)، ثمّ على كفرطاب وتابعوا سيرهم نحو شيزر وألقوا عليها الحصار في نفس السنة بقوات كبيرة وقد أظهر أهلها صبراً وجلداً في الدفاع عن المدينة. واستمرّ الدفاع عن شيزر أربعة وعشرين يوماً، خسرت فيها شيزر الكثير من الأرواح والعتاد، إلاّ أنّ ما قام به عماد الدين زنكي من حشد جيشه بقربهم وتأهّبه للقتال كان له فضل في الإسهام في فشل هذه الحملة البيزنطية الصليبية.
وبعد وفاة سلطان بن منقذ سنة 1154م، خلفه ابنه تاج الدولة ناصر الدين محمد آخر أمراء بني منقذ وبعد أقل من ثلاث سنوات من حكم هذا الأمير حدث زلزال كبير في بلاد الشام سنة (552هـ ـ 1157م)، أدّى إلى دمار البلاد، ويقول ابن الجوزي عن آثار ذلك الزلزال: «وقد خربت حماة وشيزر وكفرطاب والمعرة وأفامية وحمص وحصن الأكراد وعرقة واللاذقية وطرابلس وأنطاكية وتهدّمت أسوار البلاد والقلاع».
وهكذا هلكت أسرة بني منقذ وتهدّمت المدينة وصارت شيزر بعد ذلك تابعة لنور الدين محمود وفقدت حريتها كإمارة مستقلة ذات شأن وعزّ ورفاهية.
أمّا بنو منقذ فإنّهم رغم ما أصابوه من التحضّر والرقي والتمدن أثناء رئاستهم لشيزر، وما بلغته إمارتهم من التقدّم المادي والثقافي، إلاّ أنّهم لم يتخلوا مطلقاً عن مظاهر حياتهم القديمة، حياة البداوة. وقد يكون من الأسلم القول بأنّهم مارسوا حياة جمعت بين حياة البداوة وحياة الحضر، فاتّصف أمراؤهم وفرسانهم بالشجاعة والشهامة، وظهر بين صفوفهم فحول الشعراء وعلماء النحو واللغة، في نفس الوقت الذي انتشر بعضهم حول شيزر يتصيّدون ويزرعون ويرعون، وهكذا جاء تاريخ بني منقذ في في شيزر خليطاً من الحرب والفروسية وحياة الزراعة والرعي والصيد من جهة أخرى، هذا وقد سكن أمراؤهم القصور وعقدوا مجالس الأدب والعلم، وعنوا بقرض الشعر ونسخ القرآن وجمع الكتب والمخطوطات. وأخذوا يتنقلون بين شيزر وكفرطاب وحماة وحلب وفي كل تلك المناطق كانت لهم المناظر والقصور والجواسق ومجالس المؤانسة، وأسهم أمراؤهم في شتى مجالات النشاط، حتّى قيل إنّ الأمير مرشد بن علي بن منقذ، والد أسامة بن منقذ، كان شديد الحرص على نسخ القرآن الكريم نسخاً مذهبة وكان يفخر ويعتز بكتابتها.
ولعل من أهم الأشياء التي أولع بها آل منقذ وعنوا بها عناية خاصّة، وأطنب في ذكرها كلّ من تكلّم أو كتب عنهم رياضة الصيد، فقد نظموا لها في شيزر وضواحيها فرقاً متكاملة متخصصة في أنواع الصيد المختلفة. وحدّدوا لهذه الرياضة أياماً معينة واختاروا لكل نوع من الصيد موعداً محدّداً، وفي ذلك يقول أسامة: «فكيف صارت الحجل كان في ذلك الجانب باز يرسل عليه، ومعه مماليك وأصحابه أربعون فارساً أخبر الناس بالصيد. ثمّ يفتخر بمقدرتهم الفائقة في هذه الرياضة فيقول: فلا يكاد يطير الطير ولا يثور أرنب ولا غزال إلاّ اصطدناه». حتّى طير الماء والخنازير كانوا يصطادونها.
وقد استرعت أنظار الصليبيين المعاصرين عناية بني منقذ برياضة الصيد وبراعتهم فيه فأخذوا عنهم من قواعدها وتقاليدها الشيء الكثير ودوّنوا ذلك في مذكراتهم وسجّلوها في كتبهم، الأمر الذي شدّ انتباه فريق الباحثين الغربيين، فعالجوا هذا الموضوع بعناية خاصّة وأطنبوا في الكلام عنه. ذلك أنّ رياضة الصيد كانت عند بني منقذ لها تقاليد ونظم «كأنّه ترتيب الحرب والأمر المهم، ولا يشغل أحد بحديث مع صاحبه ولا لهم هم إلاّ التبحّر في الأرض لنظر الأرانب والطير في أوكارها».
(راجع: المنازل والديار وراجع الاعتبار).
الدكتور أحمد رمضان أحمد
شيكر
مدينة في باكستان الشرقية تشتهر بمنتوجاتها الزراعية لا سيّما الفاكهة. أكثرية سكانها من الشيعة وفيها العديد من المساجد والحسينيات التي يطلقون عليها (مأتم سراً) ولغة أهلها اللغة البلتستانية، كما تنتشر فيها اللغة الأردوية وفيها اليوم من الطلاب الدينيين في النجف وكربلاء حوالي عشرين طالباً وفيها بعض المدارس الدينية.
صاحب الديوان
اسم أسرة إيرانية اشتهرت به لأنّ بعض رجالها تولّى هذا المنصب فاشتهر به، ثمّ اشتهرت به الأسرة كلّها، بالرغم من عدم تولي كلّ رجالها لهذا المنصب مثل شمس الدين محمد الجويني الذي كان الوزير الأوّل وصاحب الصلاحيات الواسعة في زمن حكومة آباقا بن هولاكو.
وهذه الأسرة من أشهر الأسر الإيرانية التي تولّت مناصب كبيرة منذ أيام الدولة السلجوقية فالخوارزمية فالمغولية.
وكان صاحب الديوان يتولّى في الدولة إدارة الشؤون المالية وما يرد إلى المملكة من واردات، ممّا يعادل ما اصطلح على تسميته في العصور الأخيرة باسم (وزارة المالية). وأشهر رجال هذه الأسرة هو علاء الدين عطا ملك الجويني المؤرخ صاحب الكتاب الشهير: جهان گشان.
وكما قلنا فقد لصق اللقب بأفراد هذه الأسرة حتّى ولو لم يتولوا المنصب وعلاء الدين الجويني نفسه اشتهر بصاحب الديوان حتّى لدى توليه منصب الحاكم العام للعراق زمن ولاية آباقا.
وكان منتجب الدين بديع جد أبي علاء الدين من مشاهير الكتاب في عصره وأحد المقربين من السلطان سنجر وكبار موظفي بلاطه، وله عدّة مؤلفات، وهو الذي شفع لدى السلطان سنجر للرشيد وطواط فشفعه به.
وجد علاء الدين هو شمس الدين محمد، وكان من كبار رجال السلطان محمد خوارزمشاه، وظلّ ملازماً له حتّى بعد هزيمته أمام المغول من بلخ إلى نيسابور عام 617هـ ثمّ كان من رجال ولده جلال الدين منكبرتي.
وأبو علاء الدين هو بهاء الدين محمد بن محمد كان صاحب ديوان السلطان المغولي (جنتمور) الذي كان حاكماً لخراسان ومازندران من قبل أوكتاي قاآن. ولمّا هاجم الأمير قراجة والأمير تغان سنقور قائدا جيش جلال الدين منكبرتي مدينة نيسابور، أرسل جنتمور جيشاً لصدّهما بقيادة كلبلات. وفي هذا الوقت كان بهاء الدين محمد في نيسابور، فهرب مع عدد من رجالات نيسابور إلى طوس ولجؤوا إلى تاج الدين مزيزتي ولمّا علم كلبلات الذي انتصر على قائدي جيش جلال الدين منكبرتي أنّ بهاء الدين ورجالات نيسابور لاجئين لدى تاج الدين في طوس بعث يطلبهم من تاج الدين، فاضطر هذا لتسليمهم إلى كلبلات الذي استقبلهم بحفاوة وأرسلهم إلى السلطان جنتمور الذي رحب بهم هو الآخر وأكرمهم، وولّى بهاء الدين منصب (صاحب الديوان) في خراسان ومازندران. وبعد عامين أي سنة 633هـ بعث بهاء الدين وغرغوز بمهمة إلى (أوكتاي قاآن) الذي بالغ في إكرامهما، وأهدى إلى بهاء الدين لوحة ذهبية طولها نصف ذراع يقدّمها ملوك المغول إلى مقربيهم، وولاّه رئاسة ديوان الممالك.
وبعد أن التحق غرغوز الذي أصبح حاكماً لخراسان ومازندران بمعكسر أوكتاي قاآن سنة 637هـ رشح بهاء الدين لتولي الحكم بالنيابة عنه.
وفي العام 643هـ عندما توجّه الأمير آرغون حاكم البلاد الغربية الجديد بعد غرغوز إلى معسكر كيوك خان نصب بهاء الدين والياً على آذربيجان وگورجستان والروم والمناطق المحاذية لها، وجعله برفقته في أسفاره التي قام بها سنة 644هـ أو 645هـ وفي العام 647هـ جعله والياً بمشاركة الأمير حسين على الولايات التي كان يتولاها هو.
ولمّا عاد الأمير آرغون من سفره الرابع سنة 651هـ وعند وصوله إلى ولاية خراسان عيّن بهاء الدين ومغولياً آخر والياً على العراق ويزد، وكان عمر بهاء الدين يومذاك ستين عاماً.
إلاّ أنّه واجه معارضة أمراء ذلك العهد فتوجّه مكرهاً إلى العراق فتوفي لدى وصوله إلى أصفهان سنة 651 هـ.
ويعتبر بهاء الدين هذا من فضلاء زمانه وله شعر بالفارسية والعربية مذكور في كتب التاريخ، ومنه جملة في كتاب (شرف إيوان البيان في شرف بيت صاحب الديوان) للقاضي نظام الدين الأصفهاني.
أمّا علاء الدين عطا ملك الجويني أشهر رجال هذه الأسرة والمؤرخ الكبير فقد ولد سنة 623هـ ، وقد أصبح وهو في عنفوان شبابه قبل بلوغه العشرين كاتباً وعمل في الديوان، وأضحى من المقربين للأمير آرغون الذي حكم خمس عشرة سنة، أي من سنة 641 إلى سنة 654هـ.
وكان آرغون كثيراً ما يغادر إيران إلى بلاط الملوك المغول في العاصمة قراقورم لأمور تتعلق بشؤون المملكة، وغالباً ما كان يصطحب علاء الدين الذي كان من خواص كتابه، فيرافقه في حلّه وترحاله في تلك الأسفار.
ويصف علاء الدين نفسه هذه الأسفار بقوله في ديباجة كتابه: «ممّا منّ الله به عليّ بالرغم من عجزي عن البيان: أسفاري التي دامت عشر سنين، أبعدتني كل البُعد عن مواصلة تحصيل العلم إلى حد نسج العنكبوت بيوتاً على أوراقي العلمية» وإذا حسبنا العام الذي ألّف فيه علاء الدين كتابه (جهانگشاي) وهو العام 650هـ وطرحنا العام الذي ولد فيه أي العام 623هـ علمنا أنّه بدأ ملازمة آرغون منذ السابعة عشرة من عمره.
سافر لأوّل مرّة العام 644 هـ أو 645 هـ مع آرغون في زيارته الثانية إلى منغوليا، وكان معه أبوه بهاء الدين محمد، ولمّأ وصلوا طراز سمعوا نبأ وفاة كيوك، فتريّثوا فترة ثمّ عادوا إلى إيران.
لازم علاء الدين عطاء ملك الجويني آرغون في زيارته الثانية سنة 647هـ إلى المعسكر للدفاع عن نفسه من التهم الموجهة إليه. وطال مكوثه في المعسكر، وامتدّ من وفاة كيوك خان وتولي منكو قا آن الحكم. وبعد أن دافع عن نفسه طوال هذه المدّة وأثبت براءته في يارغو عاد إلى إيران في فترة حكومة زوجة كيوك خان (أوغول غايمش) خاتون، وفور وصوله إلى إيران رافق آرغون أيضاً لدى توجّهه إلى المعسكر في قراقورم لحضور احتفالات (قوريلتاي) في تنصيب منكو قاآن، وأمضى سنة وخمسة أشهر في معسكر منكو قاآن في قراقورم. وكما ذكر في ديباجة كتابه (جهانگشاي): إنّه في قضائه هذه المدّة في بلاط منكو قاآن اجتمع عدد من خلّص أصحابه لدى منكو قاآن واقترحوا عليه أن يكلف علاء الدين بأن يكتب تاريخاً له يذكر فيه آثاره وأخباره بشكل يرد غطرسة القياصرة والأكاسرة.
لكن علاء الدين اعتذر عن عدم تلبية الطلب بسبب عدم اهتمام أهل ذلك الزمان بالعلم والعلماء، وعدم استطاعته أداء المهمة بالشكل المطلوب، وبعد الإلحاح الكثير واعتقاده بعدم وجود من يمكن أن يؤدّي هذه المهمة كما يجب أن تؤدّى، ولأنّه كان قضى عشر سنوات سائحاً في الأقطار المغولية فسافر أكثر من مرّة إلى بلاد ما وراء النهر وتركستان وإيغور ومنغوليا والصين، وشاهد بنفسه الأحداث المهمة، ولأنّه كان مقرّباً لدى ملوك المغول وملازماً لهم دوماً، فإنّه كان يطّلع من خلالهم على الكثير من أهم الأحداث والقضايا التي حدثت ويستمع إلى حكاياتهم ورواياتهم، لذلك كلّه استجاب لطلب خواصه ودوّن مشاهداته ومسموعاته في كتابه المسمّى (جهانگشاي) وقد بدأ بتأليفه سنة 650 وأتمّه سنة 658هـ.
وخلال المدّة التي قضاها في قراقورم تفقد الآثار القديمة لا سيما آثار مدينة أردوبا باليغ التي تعتبر من مملكة أويغورستان القديمة التي بنيت عليها مدينة قراقورم بأمر من أوكتاي قاآن.
وبعد أن عاد عطا ملك من زيارته الأخيرة لقراقورم انشغل مع آرغون حتّى مطلع سنة 654هـ حين دخل هولاكو إيران وتوجّه آرغون مرّة أخرى إلى معسكر منكو قا آن وانتخب قبل توجّهه من سهل شغورتان من توابع بلخ كلاً من ابنه كراي ملك، والأمير أحمد ميتكجي وعلاء الدين عطا ملك للحضور لدى هولاكو لترتيب المهمات وتدبير المصالح، وأنابهم لتولي شؤون العراق وخراسان ومازندران.
ومنذ هذا التاريخ أصحب من ملازمي وكتّاب هولاكو المقربين وارتفع صيته يوماً بعد يوم حتّى انحدر في أواخر عمره كوكبه نحو الأفول، (ممّا يرى القارئ تفصيله وتفصيل غيره في بحث: آل الجويني).
هذا ما كتبه عنه الأستاذ محمد القزويني.
على أنّه لا بدّ من القول إنّ أبا الفداء في تاريخه يرد اضطهاد أباقا لعلاء الدين عطا ملك الجويني إلى أنّه نقم عليه تعاطفه مع المسلمين وحمايته لهم.
ويقول عنه أبو الفداء: (كان صدراً كبيراً فاضلاً له شعر في حسناء تركية):
أبادية الأعراب عنّي فإنّني
بحاضرة الأتراك نيطت علائقي
وأهلك يا نجل العيون فإنّني
جننت بهذا الناطق المتضايق
ويقول الشيخ محمد رضا الشبيبي في الجزء الثاني من كتابه: (ابن الفوطي) ما يلي:
«وفي سيرة الصاحب علاء الدين الجويني كل ما يدل على التنكر للوثنيين الطغاة من حكام المغول، وإعادة الأمم الإسلامية المغلوبة على أمرها في الشرق إلى العيش في ظل راية إسلامية، ولو كان هؤلاء المسلمون أنفسهم من الشعوب المغولية».
صاحب العذاب
بعد أن تحوّل الإسلام إلى مجرد شعارات تتسخّر لمصلحة السلطة، لم يعد هنالك رادع أمام الأخيرة لاستخدام أيّة وسيلة من أجل حماية وجودها والتصدّي بمنتهى القسوة لخصومها ومعارضيها، من دون أن يكون الإسلام أو رموزه في منجى من حملاتها القمعية الجريئة. نتوقّف هنا عند مواجهة يزيد بن معاوية للرموز واستباحته لها (مجزرة كربلاء، انتهاك مدينة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، قذف الكعبة بالمجانيق)، دونما وجل أو قلق من سخط الجماهير التي ألفت تلك العلاقة السطحية مع الإسلام وأصبح ولاؤها الأساسي للسلطة الحاكمة باسمه.
ومهما قيل في نقد السياسة التي تورّط فيها يزيد، وهي التي أودت به وبحكم أسرته بعيد ذلك، فإنّ هذا النهج لم يكن رائده الخليفة السفياني الثاني، وإنّما سلفه الذي يرى فيه بعض المؤرخين نموذج الشخصية «المكيافيلية»، قد أسّس له، مخترقاً هالة الإسلام، باستخدام أساليب منحرفة، كالرشوة والمراوغة وتصفية الخصوم، وغير ذلك من عناصر هذا النهج الذي سيبقى ـ عدا استثناءات قليلة ـ من تقاليد الحكم لدى الخلفاء والسلاطين والأمراء المسلمين لعدّة قرون. تكفي الإشارة إلى أنّ معاوية كان رائد الاغتيال السياسي في الإسلام، ذلك الذي طال كبير قادة الإمام علي (عليه السلام) (الأشتر النخعي)، ولم يتوقّف عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والحسن بن علي (عليه السلام)… وبعض هؤلاء تمّ اغتيالهم عن طريق السم الممزوج بالعسل الذي كان قد تخصَّص بإعداده الطبيب ابن آثال.
«صاحب العذاب»
والدَّوران في حلقة الدَّم
بعد أن أصبح معاوية خليفةً، لم يعد بحاجة إلى التستّر وراء وصفة طبية، للتخلُّص من أعدائه الخطرين، وبات حينذاك مستعدّاً لمواجهتهم بكافة ألوان العنف النفسي والجسدي. وابتداءً من العام 41هـ، أي عام الإعلان الرسمي لخلافة بني أمية، أنشئ في العراق، حيث المعارضة الأكثر خطورة للنظام، «جهاز» مهمته مراقبة «المخلّين بالأمن» وإنزال أشدّ العقوبات بهم. وكان على رأسه رجل يُعرف بـ «صاحب العذاب» الذي تردّد اسمه وصداه المرعب في بعض المصادر، مقترناً في الأساس مع والي البصرة عبيدالله بن زياد الذي كان يبثُّ شرطته في أنحاء المدينة، حتّى إذا ألقوا القبض على رجل بتهمة سياسية أوأمنية، أحالوه على «صاحب العذاب»، ومن بين الذين قبض عليهم الصحابي ابن خرشة الذي لقي الهول في موقفه أمام الأخير([326]).
وكان إعدام حجر بن عدي الكندي مع ستة من زعماء الكوفة، ذروة القمع والترهيب في عهد معاوية، وهو إعدام سياسي، جاء ردّاً على نشاط الزعيم الكندي في الكوفة وتحدّيه للسلطة الحاكمة.
ولعلّ الحكم الأموي الذي قام على القوة المسلحة، وما رافقها من وسائل انحرافية، وجد نفسه مضطراً إلى استخدام السلاح عينه لحماية وجوده أمام حركات كان معظمها يملك مقوّمات أكثر موضوعية ليكون بديلاً منه. ولعل المأزق الذي واجهه ولم يستطع الخروج منه، وهو إخفاقه في تقديم نفسه سلطة تمثّل الإسلام، على الرغم من احتفاظ رؤسائه بلقب الخلافة، بل أصرّوا على التخاطب بإمرة المؤمنين، هذا فضلاً عن مداهمة الخصوم، بمن فيهم المتشددون في الإسلام، والتنديد بهم أحياناً، من موقع الإسلام الذي يفترض ـ وفقاً لموقعهم ـ بأنّهم ممثلوه الشرعيون.
وكان للفقهاء الذين التحق بعضهم بالنظام وصفّق له، دور بارز في ترسيخ هذا الشعور لدى الخلفاء الأمويين، كذلك الشعراء كان لهم تأثيرهم في الترويج لأفكار في هذا السياق، وهي بلغت ذروتها في إبان الحملة لولاية العهد. وقد أحيط يزيد بن معاوية بهالة كان الهدف منها تحسين صورته لدى جمهور المسلمين، الأمر الذي أدّى إلى تكريس حالة ظلّت قائمة لوقت طويل. فكان من محصلة ذلك غياب النقد واستغراق الحاشية في الإطناب بمدح أولياء النعمة من الخلفاء الأمراء، والتنديد من جانب آخر، بأصحاب «الفتنة» و«الزنادقة»، وكلّ من تحلّ عليهم اللعنة، ممّن هم في غير خانة الولاء والاستسلام لصاحب الأمر. من هذا المنظور لم يجد يزيد، عندما هبَّت العواصف في مطلع خلافته، أي حرج في اللجوء إلى أقسى أنواع العنف لتأديب خصومه، من دون أن يعبأ بانتهاك الرموز الإسلامية لأنّ الفقهاء في قصره، سوّغوا له ذلك بأنّه قضاء على «الفتنة»، وهي في مصطلحهم ضرب لوحدة المسلمين.
على أنّ الفقهاء الذين صفّق بعضهم ليزيد، لن ينقذوه وحكم أسرته من المصير الذي آل إليه، من دون أن يكون سقوط الحكم السفياني منفصلاً عن تلك الأحداث العاصفة. وسرعان ما انتقل جهاز الفقهاء والشعراء وبقية مواكب المتملّقين إلى ولاء الأسرة الجديدة (بنومروان)، وإذا بالتاريخ يكاد يعيد نفسه، فينطوي العراق، وخصوصاً الكوفة، على اضطرابات شديدة، قبل أن يستعيده بصعوبة عبد الملك بن مروان، أقوى رجالات عصره. وإذا كان معاوية، من قبل، قد بذل جهداً كبيراً لإقناع زياد ابن أبيه في الانضمام إليه، فإنّ الظروف ساقت لعبد الملك شخصية عاتية، أوكل إليها هذه المهمة، أي الحجاج بن يوسف الثقفي الذي طبع هذا الإقليم نحوعشرين عاماً، بالعنف والترهيب، والقتل الجماعي.
ولعل المفارقة بين زياد والحجاج، على ما بين الاثنين من صفات مشتركة، أنّ الاختلاف يميل لمصلحة زياد، الأكثر ذكاءً، على عكس الحجاج الذي كان أداة مطواعة في يد عبد الملك، من دون أن يتردّد هذا في عزله، أوالشروع فيه، إذا كان ذلك في مصلحة الحكم الأموي. وفي هذا المجال، لم يتحرَّج الوالي الثقفي في استخدام كافة الأساليب وأشدّها عنفاً، من أجل تثبيت الأمن في العراق، بما في ذلك تفريغ هذا الإقليم من عناصره الشابة وإلحاقها بحملات عسكرية مفتعلة ولا تخلو من خطورة. ولم يكن يعنيه من هذا الأمر، سوى التأكيد على إخلاصه للخليفة، مهما كان الثمن غالياً لدى الفئات المقهورة الخاضعة لسيادته.
لا شك في أنّ «المحاكمات» التي جرت في الكوفة، بعد القضاء على ثورة ابن الأشعث، كانت تنتهي بالقتل، مسبوقاً بتهمة الكفر، المتساوية مع «الخروج» على النظام. ومن بين الذين تمّ إعدامهم أمام الحجّاج أو بيده ابن القرية الذي قُتل في سنة اثنتين وثمانين لخروجه مع ابن الأشعث… وكان قتله صبراً… وقيل: قدم اليه الحجاج فضربه بحربة في نحره فأتى عليه، وكُميل بن زياد كان جريئاً أمام الموت، كذلك سعيد بن جبير الذي كان قد هرب بعد إخفاق الثورة إلى آذربيجان، وظلّ الحجاج يطارده حتّى تمّ القبض عليه، وقد «ضربت عنقه» وفقاً لمروية الطبري، و«ذبح» كما جاء في «مروج» المسعودي.
هذا، إضافةً إلى كثيرين ممَّن أُخذوا بالتهمة أو بالظنة، وبلغوا عدّة آلاف حسب الروايات التاريخية. وقد جاء في إحداها: «أحصي من قتله (الحجاج) صبراً، سوى من قُتل في عساكره وحروبه، فوجد مئة وعشرون ألفاً. ومات في حبسه خمسون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة». والحجاج، لم يكن سوى أداة في يد سلطة عليا، وهي ليست بريئة من مسؤولية ذلك الركام من العنف.
ومرةً أخرى يعود «صاحب العذاب» إلى الظهور، على صفحات مؤرخ متأخر، وهو أبو النحاس يوسف ابن تغري بردي الأتابكي. يذكر هذا المؤرخ ما يسمّيه «صاحب عذاب الحجاج» ويكتفي بجزء من اسمه (معدّ)، مصحوباً بلعنة الله، فقال في سياق أحداث 85هـ: «وفيها قَتَلَ الحجّاج حُطيطاً الزيات الكوفي، كان عابداً زاهداً يصدع بالحق، قتله الحجاج لتشيّعه ولميله لابن الأشعث». ويضيف الأتابكي: «قال معدّ لعنه الله (معدّ صاحب عذاب الحجاج): إنّي أريد أن تدفعه لي، فوالله لأُسمِعنك صياحه، فسلّمه إليه، فجعل يعذّبه ليلته كلّها وهو ساكت، فلمّا كان وقت الصبح كسر ساق حطيط، ثمّ دخل عليه الحجاج لعنه الله، فقال: ما فعلتَ بأسيرك؟ فقال: إنّ رأي الأمير أن يأخذه منّي فقد أفسد عليّ أهل سجني، فقال له الحجاج: عليّ به، فعذّبه بأنواع العذاب وهو صابر، فكان يأتي بالمسال فيغرزها في جسمه وهو صابر، ثمّ لفّه في بارية، وألقاه حتّى مات».
إنّها السلطة القامعة التي درجت على تقليد استخدام العنف، كذلك نهجها الذي تفرضه على موظفيها، فيتسابقون إلى إثبات الجدارة والتفوق. والحجاج لم يكن سوى أحد هؤلاء النماذج «المتفوقين»، وبينهم كان زياد ابن أبيه وابنه (عبيد الله) وخالد بن عبدالله القسري (والي هشام بن عبد الملك على العراق) وهذا الخليفة (هشام) رُوي أنّه تبرّم يوماً من نصيحة أحد الفقهاء والعلماء، فردّ عليه مهدّداً: «لأقطعن رأس كل من يقول: اتّق الله». وإذا أضفنا إلى ذلك موقف هشام من حركة الفكر وتضييقه على أعلامها، لوجدنا نموذجاً متطرفاً في العنف الذي تنطوي الروايات التاريخية على أمثلة عديدة منه. وفي هذا السياق، يأتي غيلان الدمشقي الذي ربّما كان «الناصح» الذي هدّد الخليفة بقطع رأسه، فلم يكفّ حينذاك عن نقد سياسة بني أمية وإنفاقهم للأموال في غير مواضعها، فزجّ به الخليفة بالسجن ولاحق «القدريين» من أتباعه وأهدر دماءهم، قبل أن يأمر بإعدامه، فضلاً عن مؤسس «الجبرية»، الجعد بن درهم الذي بعث به هشام إلى واليه على العراق (القسري)، حيث أمضى وقتاً في السجن قبل ضرب عنقه.
هذا الدّوران في حلقة الدم، لم تعد خلافة بني أمية قادرةً على إيقافه أوالخروج منه إلاّ بالسقوط. وما تفوّه به الخليفة هشام، لم يكن تهديداً فحسب، لأنّ قطع الرؤوس بات من التقاليد السائدة في ذلك الحين، ومبتكروها هم أنفسهم عتاة الولاة في العراق، ابتداءً برأس الحسين (عليه السلام) وانتهاء برأس حفيده زيد بن علي وابنه (يحيى) وصلبهما، وقبل أن يتبعهما بقليل من الوقت رأس آخر الخلفاء الأمويين (مروان بن محمد).
وثمة مفارقة، بصدد قطع الرؤوس، ينقل المسعودي، خبرها عن المنقري، الذي يرويه بدوره عن أبي مسلم النخعي معاصر الحادثة فيقول: «رأيتُ رأس الحسين (عليه السلام) جيء به فوُضع في دار الإمارة بالكوفة بين يدي عبيد الله بن زياد، ثمّ رأيتُ رأس عبيد الله بن زياد قد جيء به فوضع في ذلك الموضع بين يدي المختار، ثمّ رأيتُ رأس المختار قد جيء به فوضع بين يدي مصعب بن الزبير، ثم رأيت رأس مصعب بن الزبير قد جيء به فوضع في ذلك الموضع بين يدي عبد الملك.
وتستمر حلقة العنف المروِّعة، فيؤتى برأس ابن الأشعث من «الرخّح»، حيث بقي جسده، إلى الحجاج في الكوفة، فيُعلّق أمام «دار الإمارة»، قبل أن يُطوّف به في عدد من البلدان، وآخرون انفصلت رؤوسهم عن أجسادهم، إلى أن فُصل رأس الخلافة الأموية عن جسدها الذي تبعثر أشلاءاً تحت وطأة بني العباس.
تغيُّر صاحب السلطان / العنف
يستمر متقناً ومتجدِّداً
وقد أثبت هؤلاء، ومنذ اليوم الأوّل لخلافتهم، أنّهم أكثر تفوُّقاً في «لعبة» العنف، وإتقاناً لفنونه، وابتداعاً لأساليب جديدة فيه. وثمة أخبار تكتسب مسحة أسطورية عن العنف العباسي، بدءاً من ملاحقة فلول الأمويين وتصفيتهم بعيد معركة الزاب، وهو ما يُعرف بمجزرة «أبي فطرس». فقد خدعهم القائد العباسي (عبد الله بن علي)، بأن وعدهم بالأمان مقابل الاستسلام، وعندما استجابوا له، دعاهم إلى وليمة في قلعة رومانية قديمة بالقرب من نهر أبي فطرس، ثمّ أعطى أوامره إلى القوات الخراسانية بإبادتهم عن آخرهم، وكان عددهم ثمانين رجلاً حسب الرواية التاريخية.
وإذ لم يتوسّع الطبري في رواية هذه الحادثة، فإنّ معاصريه، لا سيّما اليعقوبي، ذكروا تفاصيل مثيرة، ومنها أنّ «الجنود الخراسانية» قاموا بنشر البسط على جثث الأمويين، وهي لا تزال تنتفض، وتناول القائد مع أصحابه فوقها الطعام.
هل يكون الحقد قد بلغ هذا الحدّ من جانب العباسيين، أوأنّها أحقاد الذين «صاغوا» الرواية أوتناقلوها، لتأتي على هذه الصورة الانتقامية المخيفة؟ فالعباسيون، وإن ثاروا على بني أمية مستفيدين من تعاظم النقمة الشعبية عليهم قد لا تكون لديهم أسباب هذا الحقد، أوعلى الأقل هذا المستوى منه. ولعلّ معطيات ما تجعلهم على مسافة غير بعيدة من خلافة بني أمية.
ولم يتبدل الحال كثيراً بعد قيام الدعوة العباسية السرية في إحدى قرى الشام بقيادة محمد بن علي، سوى ما كان من ارتياب بالأخير، ما لبث أن تبدّد، من جانب الخليفة هشام، لتستمرّ الدعوة من دون متاعب مهمة حتّى سقوط الحكم الأموي. ولا يستبعد المؤرخ المتخصص في هذه المرحلة، فاروق عمر، أن تكون هذه الرواية عن «مجزرة أبي فطرس» مفتعلة لمصلحة اتجاه شديد العداء للأمويين. وإذا افترضنا أنّ القائد العباسي عبدالله بن علي، الذي يرجّح المؤرخ عمر أن يكون مسؤولاً عن هذه المجزرة، كان يهدف إلى استقطاب مشاعر الاتجاهات المعادية للأمويين، حيث تتردّد عبارة «القوات الخراسانية» في عمليات الانتقام بما فيها نهب دمشق، فإنّ القائد نفسه ما لبث أن ثار في الشام ومعه أهل الأخيرة أوجزء منهم ضد الخليفة العباسي المنصور، ومن المستبعد بالتالي، لوكان مسؤولاً عن هذه المجازر، أن يغفر له الشاميون بمثل هذه السرعة، وأن يتجاوزوا ما عانوا من هذا القائد، وأن يتضافروا معه للدفاع عن قضيته التي تطال النظام الجديد.
ولن يكون همّنا رصد جميع حالات العنف السياسي في هذه المرحلة، فهوأمرٌ يتطلب الخوض فيه تفاصيل واسعة لا تحتملها هذه الدراسة، التي تحاول مناقشة أطروحة العنف في التاريخ الإسلامي من خلال نماذج معينة، تتوظف لمصلحة المنهج الذي تسير الدراسة فيه. وعلينا أن نتوقف هنا عند مسألة مهمة، وهي أنّ ظاهرة العنف التي برزت مع قيام الحكم العباسي، كانت مرتبطة بالصراع على السلطة، تلك التي شاء الخليفة المنصور أن تكون مطلقة، فلا يشاركه فيها أحد (إنّما أنا سلطان الله في أرضه). وبناءً على ذلك تشهد المرحلة سلسلة تصفيات على مستوى السياسة، بدءاً بأوّل الورزاء (أبوسلمة الخلاّل)، وليس انتهاءً بالرجل القوي في العهد الجديد أبي مسلم الخراساني الذي تمّ قتله بطريقة مثيرة، لم تخل من مجازفة من جانب الخليفة الجريء، بعدما رأى من تعاظم نفوذ «الخراساني» على حساب سلطة الخلافة. وقد يكون ما أدلى به المنصور في أعقاب هذه الحادثة معبّراً عن قلقه، وبالتالي عن رفضه أي اختراق، من أي جهة كان، لسلطته الفردية: «إنّ من نازعنا عروة هذا القميص أوطأناه ما في هذا الغمد».
وإذا كان المنصور رأى في هذه الطريقة سبيلاً إلى تثبيت الأمن السياسي في دولته، من دون أن يتورع عن قتل شخصية أخرى من الرموز الذين ارتبطت أسماؤهم بالقضاء على خلافة بني أمية، أي عمّه عبدالله بن علي، بطل معركة الزاب الحاسمة، فإنّ ذلك كان البداية لمسلسل من الرعب، لم يتوقف حتّى سقوط خلافة بني العباس.
ولقد توسّع هذا الإطار، فلم يقتصر على المعارضين أوالمشتبه بهم، وإنّما جرف السيل من هم على رأس السلطة، من خلفاء ووزراء وقادة عسكريين، وبعضهم سملت عيونهم قبل قتلهم أو زجّهم في السجن، حيث كانت بانتظارهم طرائق مبتكرة من التعذيب. هذا عن أهل السلطة والنفوذ، ممّن اتجهت إليهم الأنظار، سواء كانوا متربّعين على القمة أومتهاوين إلى القاع. أمّا الفئات الأخرى، فلا نكاد نعرف شيئاً من أخبارها، لا سيما المثقفين الذين عانوا ـ أوبعضهم على الأقل ـ ملاحقة السلطة المتزمتة، خصوصاً بعد خضوع الأخيرة لقادة الجند ابتداءً من القرن الثالث للهجرة. ونتوقف عند رواية في هذا السياق، تجسّد ذروة المعاناة لأولئك «المجهولين» في السجون، وإيثارهم الموت على الحياة. فقد كان السجّان يفتح الباب صارخاً: فليأت واحد منكم لنقتله، وإذا بالجميع يتدافعون لـ «الفوز» بالفرصة الثمينة، تخلّصاً من العذاب القاتل الذي يواجهونه كلّ يوم.
إنّ هؤلاء الذين طوتهم السجون، أوسُحقوا في المعارك، أوماتوا صبراً، أوغير ذلك، تتجاهلهم الروايات التاريخية التي تسهب ـ على سبيل المثال ـ في الحديث عمّا يسمّى بـ «نكبة البرامكة»، تلك التي حظيت باهتمام واسع من جانب الروايات والدراسات التاريخية.
وهذه الحادثة التي وُظِّف جانب منها في الصراع على السلطة (بين الخليفة الرشيد ووزرائه من الأسرة البرمكية)، كانت أقل أهمية من أصدائها.
وفي ضوء ما سبق، نفترض أنّ قتل الوزراء في عهد سيطرة الخلافة، لم يكن سوى نتيجة مباشرة لطبيعة الحكم الفردي كما أرسى مفهومه أبوجعفر المنصور، وليست له علاقة بنظرية الصراع العربي ـ الفارسي المزعومة.
في عهد خليفة المأمون، وهوآخر رموز «المؤسسة» المدنية (الخلافة)، بدا أنّ تحوّلاً خطيراً أخذ بهذه الأخيرة إلى التراجع، فالتهميش، وذلك مع صعود «الطبقة» العسكرية التي جعلها المعتصم «حزبه» الداعم له، والقوة الضاربة ضد خصومه. في هذا الخيار للأخ الثالث (المعتصم)، باتجاهه إلى التعاون مع عنصر غير متورّط في الصراعات الداخلية، وهوالأتراك الذين أثبتوا جدارتهم بوصفهم مقاتلين أشداء. ولعل المعتصم الذي يتفق المؤرخون على أنّه شخصية غير مثقفة، تطابق مزاجه مع الحياة العسكرية بشكل عام، تساعده على ذلك بنيةٌ متينة وروح شجاعة وميل إلى الحرب. وعلى عكس سلفه المأمون، المثقف والمنفتح على العلم والعلماء، فإنّ المعتصم بانقلابه على النهج السياسي «المدني»، أخذت تتراجع في عهده الحركة الفكرية، وينموعلى حسابها نفوذ «الطبقة» العسكرية.
«صاحب التنور»
وفي سياق هذا التحوّل تواجهنا شخصية الوزير الشهير، محمد بن عبد الملك الزيّات، بتناقضاتها وتقلّباتها، وما حفرته من علامات بارزة في تاريخ تلك المرحلة. هذا الوزير، الشاعر، المثقف، بدلاً من أن يكون عضداً لأهل الفكر ومسانداً لحرية الموقف والكلمة، نراه ـ خلافاً لذلك ـ يستغل وظيفته لقمعهم وتصفيتهم، بأبشع ما وصلت إليه وسائل السلطة المستبدّة. إنّه الوزير الملقّب بـ «صاحب التنور»، تلك الأداة المرعبة للتعذيب والإعدام، والتي ابتلعت في أحشائها العديد من المعارضين أوالمشتبه بمعارضتهم للحكم.
من هو«صاحب التنور»؟
في الكرخ، من ضاحية بغداد، كانت ولادته في بيت تاجر موسر (173هـ على الأرجح). وكان الأب يستحثّه على العمل في حرفة العائلة، أي تجارة الزيت التي اقتبست الأخيرة منها الاسم، إلاّ أنّه آثر طريق الأدب، تجذبه إليه المجالس المشعّة في بلاط الخليفة المأمون، حيث أخذت تتفتح موهبته الشعرية، ويتحرّك في داخله الشغف بالسلطة، منطلقاً إلى دور غير عادي في حياته. ولعله لم يفترق عن التجارة تماماً، فها هو يستخدم موهبته أداة للكسب ويجني أرباحاً قد لا تيسّرها تجارة الزيت. ويُروى أنّه مدح حينذاك الحسن بن سهل (والد بوران زوج المأمون) ـ وكان هذا شديد الثراء ـ فوصله بعشرة آلاف درهم.
هكذا بدأ الزيّات يقترب من السلطة العليا، ومعه أحلامه الكبيرة التي تعثّرت في عهد المأمون، المحاط برجال لهم باع طويل في السياسة والثقافة، ولكنّها تعود فتأخذ بيده إبّان خلافة المعتصم. فلا يكاد هذا يمرّ عامان على عهده (220هـ)، حتى سخط على وزيره الفضل بن مروان، وعيّن مكانه محمد بن عبدالملك الزيّات، وهوحينئذٍ من خواصه وأتباعه، كما يقول صاحب «الفخري».
ولعلّه (الزيّات)، وقد أصبح في دائرة الضوء، فإنّ شخصيته في المرويات لا تغادرها الانتهازية المفرطة، تلك التي تحدّ من رؤيته السياسية في بعض الأحيان، وتجعله قاصراً عن قراءة المستقبل، الأمر الذي عرّضه لمواقف صعبة كانت في إحداها نهايته المأساوية. وهو كما أسلفنا شخصيّة متناقضة، ربّما وجدنا في توصيف صاحب الفخري تقديماً مناسباً لها، إذ يقول: «برع في كل شيء حتّى صار نادرة وقته عقلاً وفهماً وذكاءً وكتابة وشعراً وأدباً وخبرة بآداب الرئاسة وقواعد الملوك… وكان جبّاراً متكبّراً فظّاً غليظ القلب، خشن الجانب، مبغضاً إلى الخلق».
ولقد توفي المعتصم «والزيّات» لا يزال وزيره، وكاد يطوّح به الخليفة الجديد (الواثق)، لولا أنّ كفاءته في تصريف أعمال الدولة شفعت به. وقصة ذلك أنّ المعتصم كان قد أمر لابنه الواثق مالاً، وأحاله على وزيره «الزيات» الذي أقنع الخليفة بأن يمنعه عنه، وذلك حرصاً على أموال الدولة، حسب تعليل الرواية التاريخية. فلمّا تولّى الواثق الخلافة، استدعاه وأقسم على قتله، فمثل الوزير بين يديه خائفاً، ولكنّه استطاع بدهائه إقناع الواثق بالعفو عنه، إذ قال مدافعاً عن نفسه: «يا أمير المؤمنين، أنا عبدٌ، إن عاقبتَه فأنت حاكم فيه، وإن كفّرت عن يمينك واستبقيته كان أشبه بك. فقال الواثق: والله ما أبقيتك إلاّ خوفاً من خلوالدولة من مثلك وسأكفِّر عن يميني». ولم يزل الزيّات وزيراً للواثق حتّى نهاية عهده، وكان أحد اثنين، إلى جانب القاضي أحمد بن أبي دؤاد، فوّض إليهما الخليفة الملك، حسب رواية المسعودي.
بعد وفاة الواثق، لم يتّعظ الزيّات بما حدث له في مطلع عهد هذا الخليفة، وإذا به يخطّط مع عدد من رجالات العهد لبيعة محمد بن الواثق، وهوكما يروي الطبري: «غلام أمرد، فألبسوه درّاعة سوداء وقلنسوة صافية، فإذا هوقصير، فقال لهم وصيف (من قادة الأتراك): أما تتقون الله! تولون مثل هذا الخلافة، وهو…، ولا يجوز معه الصلاة». ولكن خطة الوزير والمتواطئين معه في اختيار شخصية ضعيفة، بهدف السيطرة الكلية على الحكم، لم تنجح، بعد تحوّل الموقف لمصلحة أخي الواثق (جعفر). وكان القاضي ابن أبي دؤاد، أوّل من سلم عليه بإمرة المؤمنين، فلحق به الزيّات وأراد أن يلقبه ـ في ما يروي ابن خلكان ـ بالمنتصر، ولكن القاضي استحسن تسميته «المتوكل على الله».
وفي هذا العهد بدأت الخلافة ـ سلطةً ـ تواجه متاعب جدية من جانب القادة الأتراك، من أمثال وصيف وبغا وإيتاخ وغيرهم، ممّن أخذوا يتدخّلون في القرار السياسي، ويعملون على تثبيت حضورهم، بوصفهم سلطة فعلية في «الدولة». ولم تلبث الوزارة أن لحقت بالخلافة، ففقدت بريقها، بل أصبحت خاضعة للعسكريين ومسخّرة لتنفيذ مطالبهم، ومنعكسة عليها بصورة مباشرة صراعاتهم، مع السلطة المدنية، أو في ما بينهم.
أين موقع الزيّات في هذا الصراع؟… نستطيع الإجابة فوراً على ذلك، بأنّه لم يكن إلى جانب الخلافة، لأنّ طبيعته الانتهازية كانت تقوده إلى حيث القرار الفعلي. ولا ندري إذا كانت وزارته «الجديدة» قد تمّت بإرادة المتوكل، أوأنّها فُرضت عليه من جانب القوة التركية الصاعدة، والتي كان الزيّات من حلفائها كما رأينا في رواية الطبري السالفة. قد نجد الجواب أوما يقاربه لدى ابن خلكان الذي يروي في صدد العلاقة بين الخليفة والوزير، فيقول: «لمّا… تولّى المتوكل كان في نفسه منه ـ الزيّات ـ شيء كثير… وكان المتوكل في أيام الواثق يدخل على الوزير المذكور فيتجهمه ويغلظ عليه الكلام… فحقد المتوكل عليه».
وإذا كان هذا تصرّف الزيّات مع الخلفاء، فكيف الأمر مع الآخرين ممّن صبّ عليهم غضبه وعقابه الشديدين، إرضاءً لرؤسائه وذوي السلطان من فوقه؟ لا شك في أنّه كان أداة مطواعة لدى هؤلاء، ولولا ذلك لما بقي وزيراً لثلاثة من الخلفاء، ومتفاهماً مع أولي الأمر من قوى النفوذ.
ويسوّغ أحد الكتّاب المعاصرين ميله إلى البطش بوصفه نتيجة للظروف السياسية المعقدة، فيقول: «كان مسوقاً إليه بعامل الحفاظ على هيبة الدولة وإقرار النظام في ربوعها المختلفة». والواقع أنّ مثل هذا التعليل، عدا بعده عن الدقّة، لا يعبّر تماماً عن صورة المرحلة، خصوصاً وأنّ سلطة الوزير، فضلاً عن الخليفة، أصبحت عاجزة عن الامتداد فعلياً إلى مختلف الولايات. وخلافاً لذلك، فإنّ طريقة الوزير وموهبته «الفذّة» في العنف، أضعفتا هيبة الخلافة، لأنّ هذه «الطريقة» كانت موجهة لتحصين مركزه وإثبات وجوده، على نحو جعل الخلفاء يشعرون بصعوبة الاستغناء عنه، كما سلف ورأينا من اعتراف الواثق بذلك. أمّا المتوكل فلا يبدو أنّه كان ميّالاً إلى هذا النهج، وربّما كان على عكس ذلك تغلب عليه المرونة، إذا توقفنا عند رواية في تاريخ اليعقوبي جاء فيها: «أنّ المتوكل أطلق من كان في السجون من أهل البلدان ومن أُخذ في خلافة الواثق، فخلاّهم جميعاً».
ولكن الزيات على الرغم ممّا يقال فيه، فإنّ الصّدى في سلوكه، متفوق على الفعل، ولا نجد بالتالي من أخبار العنف في سجله، ما يوازي على سبيل المثال أخبار الحجاج والي المروانيين على العراق. ويكاد الصدى يطغى على الواقع، و«التنور» الذي اصطلى بـ «ناره» الكثيرون، لا نملك لوائح بأسمائهم وليس لدينا سوى إشارة لدى المسعودي، عن استخدام هذه الأداة المبتكرة منذ عهد المعتصم، واستمرارها في عهدي الواثق والمتوكل. وفيما لم يذكر اليعقوبي والطبري كلاهما شيئاً عنها في سياق الحديث المقتضب عن الوزير الشهير، فإنّ المسعودي ربّما كان أوّل المشيرين إلى «التنور»، ثمّ اقتبس عن الرواية مع تعديل طفيف، ابن خلكان. يقول الأخير: «كان ابن الزيات قد اتخذ تنوراً من حديد وأطراف مساميره المحدّدة إلى داخل، وهي قائمة مثل رؤوس المسال، في أيام وزارته، وكان يعذّب فيه المصادرين وأرباب الدواوين المطلوبين بالأموال، فكيفما انقلب واحد منهم أوتحرَّك من حرارة النار والعقوبة، تدخل المسامير في جسمه فيجدون لذلك أشد الألم. ولم يسبقه أحد إلى هذه المعاقبة. وكان إذا قال أحد منهم: أيّها الوزير ارحمني، فيقول له: «الرحمة خَوَر في الطبيعة…». وثمة آخرون من المصنّفين المتأخرين ذكروا هذه الرواية، ومنهم البغدادي الذي يبدو أنّه اقتبسها أيضاً عن المسعودي. ولكن أيّاً من هذه المرويات لا يحمل تفاصيل عن ضحايا «التنور» المرعب، سوى «صاحبه» الذي ربما أوقعت به المناقسة القاتلة مع الرجل القوي الآخر في تلك المرحلة، وهوالقاضي ابن أبي دؤاد. وكان هذا استغلّ حقد المتوكل القديم عليه ـ كما سلفت الإشارة ـ فأغراه بقتله ومصادرة أمواله وضياعه، وهي كثيبرة، كما زعم القاضي. فاعتقله المتوكل، «وأمر بإدخاله التنور وقيّده بخمسة عشر رطلاً من الحديد، فقال له: يا أمير المؤمنين ارحمني، فقال له: «الرحمة خور في الطبيعة»، وهي العبارة التي قيل إنّ الزيات كان يردّ بها على استغاثة ضحاياه.
ويقول المسعودي: إنّ الزيات حين شعر باقتراب النهاية المروعة، طلب من المتوكل أن يأذن له في دواة وبطاقة ليكتب فيها ما يريد… فأذن له، فكتب:
هي السبيل فمن يوم إلى يوم
كأنّه ما تريك العين في النوم
لا تجزعنّ رويداً إنّها دول
دنيا تنقّل من قوم إلى قوم
ولعل التنور المتعارف عليه، وكما في معناه اللغوي، بأنّه «المكان الذي يُخبز فيه»، لا يتطابق بالضرورة مع أداة التعذيب التي ابتكرها الوزير الزيّات. فمن المرجّح أنّه سجن ضيق (زنزانة) على نسق التنور، وقد زُرعت في جوانبه مسالّ حديدية، تجعل المقيم بينها يعاني ألوان العذاب. وهذا ما تدعمه رواية المسعودي القائلة: «كان حبسه (الزيّات) في ذلك التنور إلى أن مات أربعين يوماً». والنار، إن وجدت، ربّما كانت تحيط به لتضغط حرارتها على «السجين» في داخله، كما يمكن الاستنتاج من الرواية التاريخية.
ومن المعتقد أنّ الزيّات الذي برز بوصفه أقوى رجالات عصره، وأثبت وجوده وزيراً لامعاً لثلاثة من الخلفاء، كان كذلك إدارياً بارعاً وشاعراً محلِّقاً… هذه الشخصية الفذّة للزيّات قد أثارت منافسةً قويّة من كبار معاصريه الذين تطلّعوا إلى اتخاذ مكانه، أوالذين رأوا في وجوده عائقاً أمام نفوذهم ورغباتهم، سواء كان الخليفة أم القادة العسكريون من الأتراك. على أنّ عبرة الوزير الزيات ـ إن صحّ مقتله على ذلك النحوـ ستسقط على المتوكل الذي وجد نفسه في مهب المؤامرات بعد غياب وزيره القوي، تلك التي أودت بحياته بعد سنوات قليلة. وكان المتهم بذلك أحد قادة الأتراك (بغا)، بما يعنيه ذلك من بدء المصادرة الفعلية لسلطة الخلافة، لمصلحة قوى الأمر الواقع.
العنف ظاهرة سائدة
ومع هذه المرحلة، تختلط أوراق «العنف» والجهات التي تمارسه، صاحب الشرطة كان، أم صاحب العذاب، أم صاحب التنور… فالجميع يمارسه ضد الجميع… وقادة العسكر، إلى ذلك، تربّصوا بالخلفاء فعاقبوهم بالتهميش والعزل والسجن وسمل العيون، وصولاً إلى القتل. والخلفاء، إن استطاعوا، بطشوا بدورهم وسعوا إلى الانتقام، فيما الوزراء تنقّلوا ما بين دار الحكم وبين السجن. كذلك الحركات الشعبية، أوبعضها، لم تقصّر في هذا المضمار، فكان لها باعها الطويل في الترهيب والاغتيال… هذا إذا صحّ ما قوّلته عنها الروايات التاريخية، التي هي في الإجمال معادية لها. فلا نكاد نجد فيها إشارة إلى فضيلة لدى هذه الحركات، من «الزنادقة»، إلى العيّارين، إلى الزنج، إلى القرامطة، إلى الباطنية، وغيرها ممّا هو قيد الاتهام من أوّل كلمة في الرواية التاريخية.
إنّ العنف في النهاية لا يستطيع قارئ جيّد للتاريخ أن ينفيه في كافة الأعصر والعهود، بما فيها الحاضر غير المنضوي بعد في التاريخ. وقد يتبدّى ركامه للأجيال القادمة أكثر فظاعة ممّا كان في العصور الغابرة. فما تزال أنظمة، وما أكثرها، تتوسل العنف طريقاً إلى السلطة التي هي في الشرق عموماً تقترن به، مع الفارق بين نهج يتغلّف بالمرونة، وآخر لا يرى من ضرورة لذلك، بعدما ألف قهر شعبه وصادر حريته وألغى معارضيه. وقد لا نكون مبالغين إذا قلنا إنّ السلطة في هذه الأنظمة هي بحدّ ذاتها حالة من العنف الذي تأسّست عليه ودانت له بالاستمرار، وبالتالي عوّدت شعبها على تقبّله والإدمان على ضروبه. ولكن هذا الشعب، اكتسب إلى ذلك نهج النظام وتعرّف إلى أسراره، فإذا به يقارعه بالطريقة عينها، وبعضها كان أكثر تفوّقاً وبراعة في استخدام العنف، خصوصاً إذا كان «الثائرون» متفقّهين فيه، ودارسين لعلومه، ومنظّرين لأحكامه القاتلة.
الدكتور إبراهيم بيضون
من قصص العذاب
من قصص العذاب في العهد الأموي ما رواه صاحب (النجوم الزاهرة) في الجزء الأوّل عن حطيط الزيات الكوفي قال:
كان حطيط عابداً زاهداً يصدع بالحق، قتله الحجاج لتشيعه ولميله لابن الأشعث. لما أحضره بين يديه قال له الحجاج: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ قال: أقول فيهما خيراً، قال: ما تقول في عثمان؟ قال: ما ولدت في زمانه. فقال له الحجاج: يا ابن اللخناء، ولدت في زمان أبي بكر وعمر ولم تولد في زمان عثمان؟! فقال له حطيط: يا ابن اللخناء، إنّي وجدت الناس اجتمعوا في أبي بكر وعمر فقلت بقولهم: ووجدت الناس اختلفوا في عثمان فوسعني السكوت، فقال له معد (صاحب عذاب الحجاج) إنّي أريد أن تدفعه إليّ فوالله لأسمعنك صياحه، فسلّمه إليه فجعل يعذبه ليلته كلّها وهوساكن، فلمّا كان وقت الصبح كسر ساق حطيط، ثمّ دخل عليه الحجاج لعنه الله فقال له: ما فعلت بأسيرك، فقال: إن رأى الأمير أن يأخذه منّي، فقد أفسد عليّ أهل سجني، فقال الحجاج: علي به، فعذبه بأنواع العذاب وهو صابر، فكان يأتي بالمسال فيغرزها في جسمه، وهو صابر، ثمّ لفّه في بارية وألقاه حتّى مات وذلك سنة 84هـ.
ومن ذلك في عهد زياد ابن أبيه ما جرى لصيفي بن فسيل الشيباني، فقد أحضره زياد إليه وقال له:
يا عدوالله ما تقول في أبي تراب؟ قال: ما أعرف أبا تراب! قال زياد: ما أعرفك به، قال: ما أعرفه، قال: أما تعرف علي بن أبي طالب؟ قال: بلى. قال: فذاك أبو تراب! قال: كلا فذاك أبوالحسن والحسين، فقال له صاحب الشرطة: يقول لك الأمير؛ هو أبو تراب، وتقول أنت لا، قال: إن كذب الأمير، أتريد أن أكذب وأشهد له على باطل كما شهد؟!. قال زياد: وهذا أيضاً من ذنبك! علي بالعصا فأتي بها، فقال زياد: ما قولك في علي؟ قال أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد الله المؤمنين. قال زياد: اضربوا عاتقه بالعصا حتّى يلصق بالأرض، فضرب حتّى لزم الأرض، ثمّ قال: اقلعوا عنه، أيه ما قولك في علي؟ قال: والله لوشرحتني بالمواسي والمدى ما قلت إلاّ ما سمعت منّي! قال زياد: لتلعننه أو لأضربن عنقك!. قال إذن تضربها والله قبل ذلك، فإن أبيت إلاّ أن تضربها رضيت بالله وشقيت أنت. قال زياد: ادفعوا في رقبته ثمّ قال أوقروه حديداً وألقوه في السجن.
ثمّ إنّ زياداً أرسله مع حجر وأصحابه إلى معاوية، ولمّا بعث إليهم معاوية أن يبرؤوا من علي فإن فعلوا تركوهم، أبوا أن يتبرؤوا من علي فقتل صيفي فيمن قتل.
الصارم البتار
المولوي عبد العزيز الدهلوي لم يقف في تهجمه على الشيعة عند مباحث الإمامة والخلافة شأن من تقدّمه، بل أسرف فتجاوز الإمامة إلى النبوة، ثمّ لم يقف عندها حتّى تعدّاها إلى الإلهيّات والمعاد والخلافات الفقهية وغيرها وغيرها، ووضع كتاباً لهذا الغرض سمّاه «تحفة اثني عشرية» وجعله اثني عشر باباً.
فالباب الأوّل في تاريخ الشيعة وفرقها.
والباب الثاني في مكائدها!
والباب الثالث في أسلافها وكتبها.
والباب الرابع في رواة الشيعة وأخبارها.
والباب الخامس في الإلهيّات.
والباب السادس في النبوّات.
والباب السابع في الإمامة.
والباب الثامن في المعاد.
والباب التاسع في المسائل الفقهية.
والباب العاشر في المطاعن.
والباب الحادي عشر في الخواصّ الثلاث، وهي الأوهام والتعصّبات والهفوات.
والباب الثاني عشر في الولاء والبراء.
وسبقه إلى ذلك ـ نكرة يدعى نصرالله الكابلي، فألّف كتاباً سمّاه «الصواعق الموبقة» طَرَق فيه هذه الأبواب كلّها، بحيث يُعدّ كتاب التحفة ترجمة له أوسرقة منه.
وما إن ظهر الكتاب (تحفة اثني عشرية) إلاّ وانثالت عليه الردود من كلّ حدب وصوب.
فمنهم من نقض الكتاب كلّه، ومنهم من نقض منه باباً أوأكثر، فمن الفريق الأوّل:
1 ـ الشيخ جمال الدين أبوأحمد الميرزا محمد بن عبد النبي بن عبد الصانع النيسابوري الهندي الأكبر آبادي المقتول سنة 1232هـ.
له مشاركة في كثير من العلوم وألّف كتباً كثيرة منوّعة ومنها كتابه ن يأذفي الردّ على التحفة الإثني عشرية بكامله، سمّاه «سيف الله المسلول على مخربي دين الرسول (صلّى الله عليه وآله)» ولقبه بـ «الصارم البتارِ لَقدّ الفجّار وقطّ الأشرار والكفّار»، كبير في ستّ مجلّدات.
2 ـ الميرزا محمد بن عناية أحمد خان الكشميري الدهلوي الملقب بالكامل والمشتهر بالعلامة، نزيل لكهنو، المتوفى سنة 1235هـ.
كتب السيد إعجاز حسين الكنتوري عن حياته كتاباً مفرداً وترجم له في كتابيه «شذور العقيان» و«كشف الحجب» ص579.
وأشهر كتبه وأحسنها هو كتابه «نزهة الإثني عشرية في الرد على التحفة الإثني عشرية» نقض فيه أبوابه الإثني عشر كلّها، أفرد لنقض كلّ باب مجلّداً ولكن الذي تمّ تأليفه وانتهى تبييضه وطبع وانتشر هو خمس مجلّدات طبعت بالهند سنة 1255هـ وهي الأوّل والثالث والرابع والخامس والتاسع.
ومن مجلّده السابع مخطوطة في المكتبة الناصرية في لكهنو، وهي مكتبة آل صاحب العقبات، وعنها مصوّرة في مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة في أصفهان.
ومن مجلّده الثامن مخطوطة في مكتبة البرلمان الإيراني السابق، برقم 2809، وصفت في فهرسها 9: 92.
ومن الأجزاء المطبوعة توجد نسخ مخطوطة في المكتبة الناصرية بالهند، وفي المتحف الوطني في كراچي، وصفها المنزوي في الفهرست الموحّد للمخطوطات الفارسية في الباكستان 2: 1199.
ومن الفريق الثاني وهم الّذين لم تسع أعمارهم لنقض الكتاب كلّه وإنّما نقضوا بعضه، فمنهم من استهدف منه باباً واحداً فركّز عليه اهتمامه، وصبّ عليه ردوده، كصاحب «عقبات الأنوار» حيث اختار الباب السابع منه وردّ عليه بمنهجية، وخصّ كلّ حديث من أحاديث منهجه الثاني بمجلّد ضخم أو أكثر فأشبع القول فيه، ولم يترك شاردة ولا واردة إلاّ وتكلم عليها، وسيأتي الكلام عنه بالتفصيل.
ومنهم من طرق منه أكثر من باب، فردّ على كلّ باب بكتاب مفرد ضخم وإليك الردود الموجّهة إليه باباً، باباً:
الباب الأوّل
من كتاب تحفة اثني عشرية
في تاريخ الشيعة
فممّن ردّ عليه السيد محمد قلي ابن السيد محمد حسين اللكهنوي الكنتوري، المتوفى سنة 1260هـ، وهو والد السيد حامد حسين مؤلف كتاب «عبقات الأنوار».
قال في «كشف الحجب» ص524: «كان ـ أعلى الله درجته ـ ملازماً للتصنيف وترويج شعائر الله وذبّ شبهات المخالفين ليلاً ونهاراً، كثير العبادة، حسن الخلق، منقطعاً عن الخلق…».
فقد ردّ على الباب الأوّل: بكتاب «السيف الناصري» وقد طبع بالهند، كما ألّف في الردّ على كلّ من الباب الثاني والسابع والعاشر والحادي عشر كتباً ضخمة وسمّى المجموعة بـ «الأجناد الإثنا عشرية المحمدية» يأتي كل منها في بابه.
ثمّ إنّ الفاضل الرشيد تلميذ صاحب التحفة ألّف رسالة حاول فيها الإجابة عن ردود السيد والانتصار لأستاذه، فردّ عليه السيد محمد قلي بكتاب سمّاه «الأجوبة الفاخرة في الردّ على الأشاعرة».
في المكائد
ردّ عليه السيد محمد قلي – المتقدّم – أيضاً بكتاب سمّاه «تقليب المكائد» طبع بالهند، في كلكته، سنة 1262هـ، وهوأحد الأجناد الإثني عشر.
في الأسلاف
ردّ عليه الميرزا محمد بن عناية أحمد خان الكشميري الدهلوي، وهو أحد أجزاء كتابه «نزهة اثني عشريه» ومن مجلّداته الخمسة المطبوعة بالهند سنة 1255هـ.
الباب الرابع
في أصول الحديث والرجال
1- ردّ عليه الميرزا محمد- المتقدم -، وهومن أجزاء كتابه «نزهة اثني عشريه» ومن مجلداته المطبوعة سنة 1255هـ.
2- وممن رد على هذا الباب أيضاً، المولوي خيرالدين محمد الهندي الإله آبادي، بكتاب سماه «هداية العزيز» (هدية العزيز).
1- ردّعليه السيد دلدار علي بن محمد معين النقوي الهندي النصيرآبادي اللكهنوي، الملقب بممتاز العلماء، والمشتهر بغفران مآب، المتوفى سنة 1235هـ.
وألف في الردّ على «تحفة اثني عشرية» خمسة كتب، يأتي كلّ منها في بابه ومنها كتابه في الردّ على هذا الباب وسماه «الصوارم الإلهيات في قطع شبهات عابد العزّى واللات» طبع بالهند سنة 1215هـ، وردّ عليه أسدالله الملتاني بكتاب سمّاه «تنبيه السفيه»!
2- ومن الردود على هذا الباب، المجلد الخامس من كتاب «نزهة اثني عشرية» للميرزا محمد بن عناية أحمد خان الكشميري الذي تقدم ذكره.
في النبوّات
ردّ عليه السيد دلدارعلي- المتقدّم – بكتاب سمّاه «حسام الإسلام وسهام الملام» طبع في كلكته بالهند سنة 1215هـ.
في الإمامة
1- ردّ عليه السيد دلدار علي النقوي النصيرآبادي، الذي ردّ على الباب الخامس في الإلهيّات، وسماّه «الصوارم الإلهيات» فقد ردّ على هذا الباب في أبحاث الإمامة وسمّاه «خاتمة الصوارم» كما ألف في الردّ على عدة أبواب أخرى.
2- وممّن نقض هذا الباب أيضاً ابنه السيد محمد بن السيد دلدار علي – المتقدم – الملقب بسلطان العلماء، والمتوفى سنة 1284هـ، فقد ألف في الردّ على هذا الباب كتابين، كتاب في الإمامة باللغة العربية ردّاً على هذا الباب من التحفة وآخر بالفارسية سمّاه «البوارق الموبقة» وقد طُبع بالهند.
3- ومنهم السيد جعفر أبوعلي خان بن غلام علي الموسوي البنارسي، ثم الدهلوي، تلميذ الميرزا محمد مؤلف «نزهة اثني عشرية» فقد ردّ على هذا الباب بكتاب سمّاه «برهان الصادقين» رتّبه على أبواب وفصول، وفي الباب التاسع منه تطرق إلى مسائل المسح والمتعة ونحوها.
وله مختصره أيضاً سمّاه «مهجة البرهان».
4- ومنهم السيد حامد حسين، فقد ردّ على هذا الباب بكتاب «عبقات الأنوار» وهو أهمّ الردود على هذا الباب، بل هو أجلّ ما الف في الإمامة.
5- ومنهم السيد محمد قلي، والد صاحب العبقات، ألّف في الردّ على هذا الباب كتاب «برهان السعادة» كما ردّ على غير واحد من أبواب التحفة.
6 – ومنهم السيد المفتي محمد عباس الموسوي التستري الجزائري، المتوفّى سنة 1306هـ، أستاذ صاحب العبقات، ألّف في الردّ على الباب السابع من التحفة كتاب «الجواهر العبقرية» المطبوع بالهند.
في المعاد
ردّ عليه السيد دلدار علي النقوي ، المتوفّى سنة 1235هـ، بكتاب سمّاه «إحياء السُنّة وإماتة البدعة بطعن الأسنّة» طبع بالهند سنة 1281هـ، وللمؤلف ردود على أبواب أخرى ممّا تقدّم ويأتي.
الذريعة 271:1 و190:10، الكرام البررة 520:2، نزهة الخواطر167:7، كشف الحجب: 28، الثقافة الإسلامية في الهند: 219.
وممّن ردّ على هذا الباب الميرزا محمد بن عناية أحمد خان، فالمجلد الثامن من كتابه «نزهة اثني عشرية» ردّ على هذا الباب من «تحفة اثني عشرية» وهو موجود في مكتبة البرلمان الإيراني السابق برقم 2809 كما تقدّم.
في المسائل الفقهية الخلافية
فممّن ردّ عليه الميرزا محمد بن عناية أحمد خان الكشميري، المتوفى سنة 1235هـ، خصّ المجلد التاسع من كتابه القيّم «نزهة اثني عشرية» في الردّ على هذا الباب، وهو مطبوع بالهند سنة 1255هـ.
ثمّ ألّف المولوي إفراد علي الكالپوي في الرد على هذا المجلد من النزهة كتاباً سمّاه «رجوم الشياطين» فردّ عليه السيد جعفر أبوعلي خان الموسوي البنارسي بكتاب سمّاه «معين الصادقين».
ولصاحب النزهة كتاب آخر في الردّ على الكيد الثامن من هذا الباب حول المتعة ومسح الرجلين، منه مخطوطة في المكتبة الناصرية، وهي مكتبة آل صاحب العبقات في لكهنو، وعنها مصورة في مكتبة الإمام أميرالمؤمنين العامّة في أصفهان.
كما أنّ الشيخ أحمد بن محمد علي الكرمانشاهي، حفيد الاستاذ الأكبر الوحيد البهبهاني، والمتوفّى سنة 1235هـ، له في الردّ على هذا الموضع من الباب التاسع كتاباً سمّاه «كشف الشبهة عن حلية المتعة»، منه مخطوطة في المتحف الوطني في كارجي، كتبت سنة 1227هـ.
في المطاعن
1- ممّن ردّ على هذا الباب هو السيد محمد قلي الكنتوري، والد صاحب العبقات، نقضه بكتاب سمّاه «تشييد المطاعن لكشف الضغائن» وهو كبير في مجلدين ضخمين، الأوّل منهما يشتمل على أربعة أجزاء في نحو ألفي صفحة، وثانيهما في 442 صفحة، فالمجموع خمسة أجزاء.
2- وممّن ردّ على هذا الباب سلطان العلماء السيد محمد بن السيد دلدار علي النقوي النصيرآبادي الهندي، المتوفى سنة 1284هـ.
له في الردّ على مباحث هذا الباب كتاب «طعن الرماح» فرغ منه في رجب سنة 1238، وطبع بالهند سنة 1308هـ.
وردّ عليه الشيخ حيدر علي الفيض آبادي وسمّاه «نقض الرماح في كبد النباح»!
3- وممّن ردّ على هذا الباب السيد أبوعلي خان جعفر الموسوي الهندي، ردّ عليه بكتاب سمّاه «تكسير الصنمين».
في الأوهام والتعصّبات والهفوات
وممّن ردّ عليه السيد محمد قلي الكنتوري، المتوفّى سنة 1260هـ.
ردّ على هذا الباب بكتاب سمّاه «مصارع الأفهام لقلع الأوهام».
في الولاء والبراء وسائر المعتقدات الشيعية
وهو آخرأبواب التحفة، ردّ عليه السيد دلدار علي النقوي النصيرآبادي، المتوفى سنة 1235هـ، الذي تقدم ذكره عند الكلام على الباب الخامس، فقد ردّ عليه بكتاب سمّاه «ذوالفقار».
صبرة
لقد أشار بعض المؤرخين والجغرافيين إلى صبرة المنصورية لكنّهم لم يدروا علينا بسخائهم كما فعلوا عند حديثهم حول المهدية. فاكتفى البكري بقوله: «ومدينة صبرة متصلة بالقيروان بناها إسماعيل سنة 337 واستوطنها وسمّاها المنصورية وهي منزل الولاة إلى حين خرابها ونقل إليها معز بن إسماعيل أسواق القيروان كلّها وجميع الصناعات ولها خمسة أبواب: الباب القبلي والباب الشرقي وباب زويلة وباب كتامة وهو جوفي وباب الفتوح ومنه كان يخرج بالجيوش ويذكر أنّه كان يدخل أحد أبوابها كلّ يوم ستة وعشرون ألف درهم».
هذا أهم ما أورد البكري حول مدينة صبرة المنصورية ولا تجد أكثر دقة عند غيره في هذا الشأن. فلنتجه إلى المصادر الأثرية إذن! لكن هي الأخرى تمتاز إلى يومنا بعدم سخائها ويعود ذلك إلى خرابها وما أصيبت به من نهب الأعراب بعد أن هجرتها صنهاجة.
وكانت الطامة الكبرى لمّا عمد الحفصيون إلى إعادة مجد القيروان وحرصوا على إحيائها وتنشيطها فأبوا إلاّ أن يجددوا سورها وبعض معالمها ويقيموا بعض الزوايا والمساجد كزاوية عبيد الغرياني؛ ولإنجاز هذه المشاريع المعمارية تحوّلت خرائب صبرة إلى محجر يأخذون منه الأساطين والأحجار المفصلة والرخام والآجر واستخدمت موادها في معالم القيروان. ويقول إبراهيم شبوح في هذا الصدد: «ولكن الفترة الحسينية كانت أشد وطأة على آثار صبرة إذ نقب عن دورها لاستخراج الآجر والصخور وبقية الأساطين لتجديد سور القيروان سنة 1706هـ وهو السور الباقي إلى اليوم والذي تحصّن به حسين باي أثناء الفتنة بينه وبين ابن أخيه علي باشا.
ولعل من أهم ما حفظه لنا هذا العمل في استخدام قطع رخامية كعضائد على باب تونس الحالي وتشتمل على نص تأسيسه بخط كوفي جميل. كانت هذه القطع التي تتوج أحد أبواب مدينة صبرة وتحتوي على تاريخ 437هـ. وهو تاريخ بناء السور. ونص: «هذه مدينة عن الإسلام».
على أنّ صبرة ظلّت محجراً يؤمّه الناس لجمع الحجارة والآجر طيلة العهد الحسيني ولم تعتن سلطات الحماية بحمايتها. وأوّل من أحاط خرائب صبرة بعنايته وألح على أهميتها هو مصطفى زبيس ولقد قام بأوّل حفرية هناك سنة 1951، ونشر حول ذلك فصلين كليهما بالفرنسية. نشر الأوّل في الجريدة الآسيوية سنة 1956، ونشر الثاني بالمجلة الأثرية سنة 1957 وقد كنّا أشرنا إليهما أثناء هذا الحديث. على أنّ البناية التي كشف عنها الغطاء تحت إشراف الأستاذ زبيس جدرانها من الآجر المجفف تحت أشعة الشمس، ولئن وجدت بعض الوحدات من الآجر المشوي فلقد كانت مبعثرة.
وكانت الجدران تحمل كسوة من الجص المنحوت أو المحفور تارة وتكون الكسوة تارة أخرى مربعات خزفية مختلفة الشكل والزينة.
وفيما يتعلق بتبليط الغرف والقاعات فكانوا يستخدمون مربعات من الطين المشوي ضلع المربع منها 30 سنتمتراً وكانوا يستخدمون الآجر وأحياناً يكتفون بملاط مصقول يتركب من رماد وكسرات الخزف وتوجد في خرائب المدينة مواد أخرى استخدمت للتبليط كعجين الزجاج وصفائح من صلصال كالفخار كانوا يعطونها أشكالاً هندسية مختلفة.
أمّا الأسبار التي أنجزها إبراهيم شبوح بعد تحديد المنطقة التي يمكن العمل فيها فلقد أعطت نماذج من الزخارف الجصية تذكر بطراز سامراء بعضها مطلي بلون أزرق.
فإذا تأملنا قطع الجص المنحوت أو المحفور وتأمّلنا في زخرفة الخزف أو الخشب واعتبرنا كذلك النحت على الحجارة والرخام تيسّرت لنا الإحاطة بهذا العالم الفني الذي لا يطابق ما عهدناه في دنيا بني الأغلب.
فالفنان الفاطمي يستلهم الأشكال الهندسية ويستوحي الطبيعة وجمال رغباتها لكنّه لا يتحرج من تصوير الحيوان والإنسان، فهذه قطعة من الخزف عثر عليها في خرائب صرة تمثّل قواساً يتأهب لرمي نبله، وأخرى تمثّل تصارع بطلين تحيط بهما نسور، وقطعة ثالثة نشاهد عليها رأس رجل له لحية مدببة وشعره ملقى على عاتقه ضفائر. أمّا صور الحيوانات على الخزف والجص والحجر والخشب والبرنز والزجاج فعديدة مختلفة، تجد الحصان والأسد والطيور كالببغاء والنعامة والسمكة. ويطيب لنا أن نشير في هذا الصدد إلى لوحة من رخام أبيض عثر عليها بالمهدية طولها 36 سنتمتراً وعرضها 32 سنتمتراً ونشاهد على هذا اللوح الرخامي لقطة من حياة الخليفة الفاطمي في قصره، فهي نحوت نصف بارزة تمثل شخصين جالسين، فلنستمع إلى المؤرخ حسن حسني عبد الوهاب يصف لنا الصورة حيث يقول في الجزء الأوّل من ورقاته: «صورة نصف بارزة تمثل شخصين جالسين الأوّل (جهة اليمين) أمير عربي متربع وعليه حلة حربية على زنديها توشيح طراز جميل وعلى رأسه تاج مرصع بالأحجار الثمينة ويتفرّع التاج من أعلاه إلى ثلاثة أفرع مثلثة الشكل على نمط التيجان الكسروية عند الفرس وفي وسط الأمير نطاق محلّى أيضاً بالجواهر وبيده اليمنى كأس أو جام من البلور وبجانب الأمير (الجهة اليسرى) صورة مغنية متربعة أيضاً وبيدها مزمار طويل تنفخ فيه.
والظن الغالب أنّ الأمير الممثل هنا هو رابع الفاطميين (الملقب بالمعز لدين الله) وكان مشهوراً بوضع التاج على رأسه كما وصفه شعراء عصره علي بن الأيادي التونسي ومحمد بن هاني وغيرهما».
إنّ هذا اللوح الرخامي من الخطورة بمكان فهو على صغر حجمه يعدّ من نفائس الفن الفاطمي في تونس سيما إذا اعتبرنا قيمته في تاريخ الفن الإسلامي ونظرة الفاطميين تجاه الحياة. فبفضل هذا اللوح ندخل قصر الخليفة ونشاركه في حياته الخاصة وكان اللوح تجسيم في الرخام لما قد يصوّره الشاعر لفظاً. ولا شك أنّه يثير بعض التساؤلات: فإذا كان الأمير الممثل هو رابع الفاطميين أي المعز لدين الله فما هو سر وجود اللوح في المهدية ونحن نعلم أنّ المعز كان يقيم بصبرة قبل ارتحاله إلى القاهرة؟ ترى هل وقع نقله يوم ترك بنو زيري صبرة وتحصنوا بالمهدية؟ قد يكون! على أنّني شخصياً أرى من العسير البت في هذا الأمر ولا أرى ما قد يعزز أو يفند ما افترضه حسن حسني عبد الوهاب فيما يتعلق بتعريف الخليفة المصور على ذلك اللوح الرخامي.
وفي الحديث عن الفن الفاطمي بتونس لا بدّ من الإشارة إلى تحفة يتباهى بها المتحف الإسباني بمدينة مدريد وتتمثل التحفة في صندوق مزخرف ومرصع بالحجارة الثمينة وعليه كتابة سطرت حروفها على العاج، وتفيد الكتابة أنّ الصندوق من صنع مدينة صبرة أيام المعز لدين الله. فلا مراء! أنّ هذا الصندوق من أروع ما نعرفه عن الفن العبيدي قبل ارتحال الدولة الفاطمية إلى مصر. فرجائي أن يتبنى أحد الأخصائيين مشروع جمع كل هذه الروائع الفاطمية ويقدّمها للقرّاء وهواة الفن في طبعة بالألوان أنيقة فبمثل هذه الإنجازات ينمو الذوق ويصقل ويتغذّى شعور الفرد والمجموعة بتأصّلهم وانتمائهم إلى أرض مقدسة سخية العطاء تعطيهم كلّما أحسنوا لها ولأنفسهم.
تلك بعض النماذج ممّا نعرفه حتّى الآن عن مظاهر الفن الفاطمي في بلادنا ولا شك أنّ حفريات المستقبل في المهدية وصبرة وغيرهما من المدن التونسية ستثري معلوماتنا حول الحضارة في أيام بني عبيد. على كل فالفن الفاطمي لم يترقّب انتقال المعز إلى القاهرة ليبلغ أشدّه وليكون فيضه؛ لقد غادر الفاطميون بلادنا وخلفوا حضارة مزدهرة من تاريخ بلادنا وحضارتها.
ومعروف أنّ مشاريع الدولة الفاطمية لم تقتصر على المهدية وصبرة وجلولة حيث بنى المنصور قصراً ما زالت جدرانه قائمة، بل أنفقوا على بعض المعالم في مدينة تونس منها ترميم وتوسيع جامع الزيتونة تحت إشراف ابن البرجيني وهو الذي بنى حماماً فاطمياً تمّ اكتشافه صدفة في الأشهر الأخيرة وهو الكائن بسوق الفرانة بتونس العاصمة، وتثبت النقيشة وقد قرأها إبراهيم شبوح أنّ الحمام يعود إلى سنة 379هـ. أمر ببنائه قاضي القضاة وجعله حبساً على الفقراء والمساكين.
صحار
ـ1ـ
لا يعرف على وجه التحديد تاريخ نشأة صحار (عُمان)، غير أنه من المؤكد إنها كانت مزدهرة في عهد بني الجلندي، وعند ظهور الاسلام كانت بها فرس. قال ابن الأثير في طبقاته: فلما أسلم جيفر وعبد ابنا الجلندي خيّرا من كان في صحار من الفرس بين أن يدخلوا في الاسلام أو يخرجوا، فلما لم يقبلوا أياً من هذين الخيارين قاتلاهم حتى أخرجاهم منها. وبلغت أوج ازدهارها في القرن الرابع الهجري. قال المقدسي: «وصحار هي قصبة عُمان، ليس على بحر الصين بلد أجل منه، عامر، آهل، حسن، طيب، نزه، ذو يسار وتجارة، وفواكه وخيرات. أسواق عجيبة، وبلدة ظريفة، ممتدة على البحر. دورهم من الآجر والساج، شاهقة نفسها، ولهم آبار عذبة، وقناة حلوة. دهليز الصين، وخزانة الشرق والعراق، ومغوثة اليمن». وقال الإصطخري في وصفها: «وهي على البحر، وبها متاجر البحر، وقصد المراكب، وهي أعمر مدينة بعمان، وأكثر مالاً. ولا تكاد تعرف على بحر فارس، وجميع بلاد الإسلام، مدينة أكثر عماراً ومالاً، من صحار». وقال المسعودي في «مروج الذهب»: «سنجار قصبة عُمان». ويعلّق عبدالله بن حميد السالمي على قول المسعودي هذا بقوله إن المسعودي «أراد بها صحار، ولعل اسمها كان كذلك في لسان العجم». لكن من المحتمل جداً أن اسمها قد صحف في النسخة المنشورة من كتاب المسعودي، فهي تذكر باسم صحار في الكتب التي سبقت كتاب المسعودي مثل كتاب «أخبار الصين والهند» المنسوب الى سليمان التاجر، وكتاب «عجاب الهند» لبرزك بن شهريار وغيره، وهي عند ابن ماجد (سحار).
وفي سنة 1958 زار (ويندل فيليبس) عمان فاتخذ من سهل منطقة الباطنة طريقاً لرحلته إلى صُحار، واصفاً أهم الواردات الزراعية في ذلك السهل وهو التمور التي لا حصر لأنواعها ولا مثيل لجودتها. ونظراً إلى أنّ الطريق إلى صُحار لم يكن معبداً فقد قضى هو وصحبه ليلة في العراء «وكان المرشدون يتناوبون الحراسة ببنادقهم». أمّا اليوم، فإنّ الطريق السريع الذي يربط مسقط بصحار يوصل بين المدينتين في ساعة واحدة. وبعد قرى ووديان عدّة يصل الركب إلى مدينة صُحار، تلك المدينة التي أنجبت واحداً من أعظم أطبّاء العرب بعد ابن سينا، وهو أبو عبدالله محمد بن عبدالله الأزدي الذي توفّي في الأندلس بعد أن ترك وراءه تراثاً جيّداً في الطب والكيمياء يمثله «كتاب الماء».
وحين يصل فيليبس إلى صحار يتذكر حكايات السندباد التي جاءت في ألف ليلة وليلة، فيقرّر أنّ السندباد شخصية تاريخية كانت موجودة بالفعل وأنّ أصله من صحارى «ومع منتصف القرن العاشر صارت صُحار أهمّ مدينة في عُمان، وأجمل مدينة في الخليج». وكانت في زمن هذه الرحلة أغنى مدينة في عمان وأكثر سكّاناً «ومن المستحيل أن تجد على الخليج مدينة إسلامية أجمل وأعظم من صُحار التي كانت مركزاً للتجارة». وممّا يلفت نظر المستكشفين في صُحار وغيرها من مدن عُمان وقراها نظام الريّ الموروث والقائم على أساس الأفلاج أي السواقي المحفورة داخل الأرض وفي الجبال الصخرية ذاتها، والتي تشكّل شبكة دقيقة للري وتوزيع المياه على المناطق المختلفة التي تحتاج إليه. وأمام هذه الشبكة الإروائية يقف فيليبس قائلاً: «وعلى امتداد النهر وجدنا نفقاً قد شقّ في الصخر الصلد، به انحدارات مائية، وهذه الأنفاق متّصلة بالسطح خلال فتحات رأسية للتهوية، وهذه الأنفاق تجنّب ضياع المياه نتيجة للامتصاص والتبخّر. من الذي صمّم هذا النظام العبقري الذي يعمل بالجاذبية الأرضية؟ أياً كان فلا بد أنّه احتاج لعدد كبير من العمال، بالإضافة إلى قدرته على تنفيذ المشروعات الجماعية الضخمة في المجتمع، كي يقوم بحفر مثل هذه القنوات في مثل هذا الجفاف».
ومن صُحار وأفلاجها ينتقل فيليبس فجأة إلى المعتقدات والأساطير التي كانت تغلّف حياة الناس آنذاك، وما تزال لها شواهد في مناطق متعددة من العالم كالعلاج عن طريق الكي، والتداوي بالأحجبة والتعاويذ، واللجوء إلى الطالع وقراءة النجوم، وغيرها.
صحار
ـ2ـ
بقلم أحد أفاضل صحار
لم نكن نحن الصغار، أبناء المناطق الداخلية من عمان وأبناء أوديتها وشعابها وجبالها المتناسلة عبر ذلك الفضاء الغامض بحيوانه وبشره، تناسلاً لا متناهياً ولا محدوداً بسقوف وتخوم، وكأنّما مجرات الجبال والصخور التي تعوي في كهوفها الرياح مختلطة بعواء الذئاب وتفجعات بنات آوى في عرين متواصل من أزمان وأحقاب مختلفة، لم نكن نحن الصغار في مناطق الداخل الحجري من عمان ننظر إلى منطقة الباطنة، ذلك الشريط الساحلي الممتد بضيق واتساع أحياناً، عبر البحر من مسقط العاصمة الحالية وحتّى حدود الساحل الشمالي لعمان، إلاّ بحيرة قادمة من ذلك الغموض الذي تتّسم به تلك المناطق البحرية البعيدة بالنسبة إلينا آنذاك، وما يتّسم به البحر من غرابة وإعجاز لمثلنا. ففي تلك الفترة كان السفر على الحمير والجمال لا يتجشمه إلاّ الكبار، نحو الحج، أو الهروب من وضع كان لا يطاق أو بهدف المبادلات التجارية البسيطة.
من هنا، كان لذلك النسيج الساحلي المتلألئ بالبحر من قرى ومدن أو أشباه مدن، ما يوازيه في مخيلتنا من أقاصيص وخرافات أجداد وأحفاد وأسواق سحرة وحروب قادمة من وراء البحار.
كانت منطقة الباطنة مثار خيالنا، نحن أبناء الجبال، وسدرة منتهاه. وكانت مدينة صحار أكبر مدن الساحل ومركز اقتصاده وسياسته دوماً في مقدمة خيال هذا النشيد الساحلي من عمان.
وعلى رغم قرب صحارى من مناطق السهول والجبال من الجهة الأخرى فإنّها فعلاً معجونة بزبد البحر ولغته وأحداثه. إنّها في حد ذاتها حدث بحري كبير.
هذه المدينة الواقعة على خليج عمان كملتقى طرق ملاحية كبيرة تشكل مركزاً تجارياً وميناء شهدت أطواراً مختلفة من الأهمية المركزية، وشهدت عهود ازدهار فذٍ في حقب مختلفة يعود بعضها إلى ما قبل الإسلام كما تشير بعض الوثائق والحفريات إلى صلات مع السومريين الذين أطلقوا على عمان اسم مجان. وحسب المؤرخ الإصطخري في عهد لاحق، في كتابه «المسالك والممالك» كانت صحار عهد ذاك العاصمة، يقيم فيها كثير من البحارة والملاحين الذين يتاجرون مع البلاد الأخرى وهي أكثر المدن العمانية سكاناً وأكثرها ثراء، ولم يكن يوجد على ساحل الخليج أو أي بلاد إسلامية أخرى ما يفوق صحار ثراء وجمالاً ووفرة في البضائع الأجنبية.
ورأى هذا المؤرخ الذي يستند في توثيقه إلى تلك الفترة من الازدهار الذي لم يأت بالنسبة إلى صحار كمردود وحيد لثورة طبيعية ثابتة ومستمرة على الرغم من أن عمان في تلك الفترة كانت تنتج سلعاً كثيرة ذات أهمية في التجارة الآسيوية التقليدية كالنحاس والتمر وبيع الخيول والعنبر، لكن هذا لا يؤدي إلى نشوء مدن أو مدينة بهذه الفخامة وإنّما على نحو أكثر حسماً كان نشوؤها بسبب التجارة في السلع الكمالية والتوابل والمنسوجات والعطور والعقاقير بين الشرق الأقصى والهند، من جهة، وبينها وبين الشرق الأدنى وأوروبا من جهة ثانية.
ففي القرن السادس الميلادي وقبله بقليل كانت السفن التجارية تجوب الخليج وتمر بمدينة صحار، كميناء، في طريقها إلى الهند والصين والشرق الأوسط، وكانت تستغرق عودتها أكثر من عامين وهو أطول طريق عرفته القرون الوسطى من الخليج إلى كانتون والصين.
وعلى رغم عظمة الدولتين الهند والصين صناعياً وثقافياً في تلك الفترة، إلاّ أنّهما ليستا من الدول الملاحية في تلك العصور بل ظلّت هيمنة الملاحة والتجارة في يد المسلمين، العرب والفرس، فكانت الموانئ الأربعة: صحار، وبوشهر، والبصرة، وسيراف عالمية الشهرة والأهمية. وحسب بعض المؤرخين مثل العوتبي وياقوت الحموي في «معجم البلدان» فإنّ القبائل والأسر العربية الكبيرة أحكمت سيطرتها على مداخل الخليج بشقيه العربي والفارسي، وكانت ذات أصل عماني خاضت صراعات للدفاع عن مصالحها في التجارة والملاحة في هذه المنطقة، كالصفاريين الذين ينحدرون من بني عمارة من أسرة الجلندي بن كركر، من قبيلة بني سليمة، والذي نزح أفرادها من عمان وأقاموا في ساحل كرمان في مرحلة ما قبل الإسلام.
وأخذوا في توطيد هذه السيطرة وتحصينها بجباية الضرائب والرسوم من السفن، ونتيجة للقراءات التي اتخذوها وفق مصالح مشتركة أدّت إلى القضاء على سيراف الفارسية وتوجيه النشاط التجاري آنذاك.
فابتداء من القرن الثالث الهجري تحوّل ميزان التجارة نهائياً لصالح صحار حتّى غدت أهم مركز بين الأقطار الإسلامية والمناطق التي تخضع فيها الملاحة للرياح الموسمية في الخليج وخارجه. وإذا كانت الأحداث لعبت دوراً في نمو صحار في تلك الفترة كمركز للحضارة العمانية، فإنّ عوامل متراكمة وأساسية أخرى، كالأسطول العماني الضارب والذي ساعد القائد العربي عثمان بن أبي العاص.
والدليل الأكثر سطوعاً على عمق هذه القرى البحرية، الحملات التي قام بها الإمام الجلندري بن مسعود لقمع التمرد والقرصنة والنيل من هيبة الدولة العمانية وكانت كل حملة من حملاته لا تقل عن مئة سفينة حربية.
وانتقل هذا الأسطول إلى مرحلة أكثر قوة وفاعلية في عهد الإمام غسان بن عبدالله في القضاء على القراصنة الهنود ومحو قواعدهم التي بنوها على مداخل الخليج.
كانت مدينة صحار التي تشير الأسطر السالفة إلى أهميتها عاصمة ومركزاً في فترة معينة من التاريخ العماني الذي تعاقبت أكثر من مدينة على قيادته روحياً ومادياً حسب الظروف المختلفة.
إنّها صحار العاصمة الاستثنائية في هذا السياق. مثل ما وصفها الإصطخري السالف الذكر، كذلك يصفها الجغرافي ابن حوقل مؤلف كتاب «حدود العالم» واعتبرها مستودع العالم تجمع منتجات الشرق والغرب والجنوب والشمال وتوزع منها على جميع المراكز التجارية وعندما كانت عمان تواجه مد الدولة العربية الإسلامية الصاعدة على المستوى الكوني لكي تحتفظ بحيز من الاستقلال المذهبي والسياسي وتحتفظ بهوية المكان خوفاً من الذوبان في الخضم الجارف لهذه الدولة كانت في مواجهة شبه مستمرة منذ عهود ما قبل الإسلام مع الجار الفارسي، ومثلما أشرنا كانت القبائل العمانية والدولة العمانية تستوطن الأجزاء الفارسية المتاخمة في الضفة الأخرى لسنين طويلة مثل سيراف وعبادان وبندر عباس، حتّى إن كانت تحت القبضة العمانية لمئة سنة خلت.
وكانت فارس بدورها تحتل الشريط الساحلي من عمان، غالباً، وعلى رأسه صحار في فترات مختلفة، وفق موازين القوى التي تسود البلدين، ووقعت تحت الاحتلال الفارسي أكثر من مرّة عبر التاريخ وكانت هي البوابة التي يتدفق منها الفرس نحو عمان. وربما كانت آخر الغزوات الشهيرة الكاسحة، في هذا السياق حين أغارت قوات نادر شاه التي قدمت من فارس (1155ـ1157) كما سقطت في تلك الفترة كل من مسقط ومطرح ولم تصمد في هذا الغزو سوى قلعة صحار بقيادة أحمد بن سعيد الذي صارت عمان في عهده ذات شأن محلي ودولي، وهو جد الأسرة التي تحكم البلاد حتّى اليوم. وبعد حصار طويل عاد المحاصرون عنها وعن عمان كلّها.
في الجانب المعرفي والثقافي، ما فتئت تتوهج في الذاكرة العمانية أسماء العلماء الذين أنجبتهم هذه المدينة كالعالم اللغوي الشهير الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي المولود سنة 100هـ في صحار وهو مبتكر علم العروض والإيقاع في الشعر العربي وصاحب كتاب «العين» وكذلك ابن دريد اللغوي والشاعر صاحب كتاب «جمهرة اللغة» وعدد من الكتب والدواوين الشعرية. وهذان العالمان توجها منذ وقت مبكر نحو البصرة، حيث كانت محج علم ومعرفة ومنعقد صلات متعددة النوازع والطبائع بالنسبة إلى العمانيين آنذاك.
وكذلك المؤرخ النسابة، العوتبي سلمة بن مسلم أبو المنذر، الذي لم يغادر صحار وكان في القرن الخامس الهجري، وأهم كتبه «الإبانة في اللغة» و«الأنساب» و«الضياء». تاريخ بالغ الثراء والتشابك والتعقيد.
وإجلاء المعارف من مدينة بهذا العمق التاريخي الذي ما انفكّت روابطه المتداخلة والدالّة لحضارة عريقة أن تكون موضوع اهتمام الدارسين والباحثين ومحط أنظار الرحالة والعابرين والاقتصاديين وخير وصف ما ذكره عنها المقدسي بأنّها «بداية الصين ومستودع الشرق».
ولأنّ تاريخ عمان قديمه وجديده لا يخلو من ذكر مدينة بهذه الأصالة التي أشرقت بعطائها على قرون ليس فقط من كونها منطقة للفعل والنشاط الاقتصادي وإنّما كونها عاصمة سياسية ودينية تعدّت حدودها الإقليمية الضيقة إلى آفاق شملت منطقة الخليج الفارسي والمحيط الهندي. والتي تشكّلت على أثرها تسلسل حقب الدولة العثمانية إلى يومنا هذا.
والحديث عن صحار هو حديث عن الحضور المستجد الدائم كلما لاح ذكر التاريخ لمن أثرت في مسيرة الحضارة الإنسانية فصحار هي منارة عمان وقصبتها.
فمملكة مجان العمانية التي ارتبطت بحضارة سومر خلال القرن الثالث قبل الميلاد شكلت فيها صحار العاصمة التي ازدهرت بالعطاء، فقد كانت أرضها عامرة، يقوم اقتصادها على أنظمة زراعية متطورة، وقد ساعد توفير المواد الغذائية والبحرية على جعل سكان منطقة صحار يشكلون الركن الأساسي من أركان الاستيطان البشري في عمان.
ولعل فضاء وامتداد صحار وتقاطعها مع محاور البلاد العمانية مثل البريمي وأم النار وإبراء شكلت الخطوط الرئيسية التي تنظم فيها العلاقات وطرق التبادل التجاري من خلال تلك الحقبة الزمنية ما قبل الميلاد.
ومن المحتمل أنّ تلك المحاور لعبت دوراً أساسياً في تكامل الموارد وزيادة السكان وزيادة الطلب على السلع.
وقد استمرت صناعة صهر وتصدير النحاس من صحار إلى ما بعد قيام الدولة الإسلامية، ومن الواضح أنّ استغلال ذلك المصدر في الفترتين العباسية والبويهية كان أكثر اتساعاً عمّا قبله.
وتجدر الإشارة إلى أنّ داراً «لسك النقود» كانت تعمل في تلك الفترة وهي العملة النقدية العمانية الوحيدة التي بقيت في العصور الحديثة.
وظلّت صحار كمركز ثقافي واقتصادي وكمنطلق أساسي في ارتباطها ببقية المناطق العمانية وأيضاً بعلاقاتها الإقليمية والدولية بالإضافة إلى ذلك ظلّت صحار رغم انحسار أدوارها كميناء دولي ميناء إقليمياً هاماً لمنطقة «توام» التي تشكل واحتي الظاهرة والبريمي التي كانت ترتبط بمنفذ وادي الجزى فضلاً عن كونها كانت تشكل المركز الإداري لتلك المنطقتين.
فمنذ استغلال صحار لمناجمها في منطقة وادي الجزى من القرن الثالث قبل الميلاد حسب الدراسات والبحوث التاريخية والجيولوجية، فإنّ تلك المناجم قد استمرّت في العمل حتّى بداية القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) حسب ما ذكره المسعودي في كتابه «مروج الذهب».
فبجانب استخراج وصهر النحاس والزراعة وصيد الأسماك عرفت صحار صناعات أخرى متباينة على درجة من التطور مثل صناعة القرميد المحروق والزجاج وأعمال الحديد، كما أنّه وجدت خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين «التاسع والعاشر الميلاديين» زراعة كثيفة امتدّت على مساحات قدّرت بـ 6,100 هكتار أي حوالي أربعة أضعاف المساحة المزروعة حالياً وهذه المعلومات تقدّم فائدة كبيرة في مجال التفسير الأثري لوسائل الري واستخدام الأرض.
وقد دلّت الدراسات التي نشرتها وزارة التراث القومي والثقافة ضمن كتب سلسلة من تراثنا بأنّ الزراعة كانت بالغة التطور والممتدة على نطاق واسع، فوجودها في صحار لم يكن بالظاهرة الغريبة في المنطقة بل تكمن أهمية صحار في تحكمها في شبكات الري وتصريف المياه حول الأودية ومجاري الأفلاج التي تشرف عليها.
وإذا كانت صحار قد تجلّت معالمها في مدونات التاريخ منذ أمد طويل جدّاً في الأزمنة القديمة فإنّ ما بين تاريخ وتاريخ تضعف أحياناً بعض الحلقات في تتبع تلك المسيرة وذلك الدرب خصوصاً إذا كان ذلك التتبع عن مدينة بمثل هذا الحجم وذلك التأثير.
فإذا كانت صحار بوابة البر العماني ومفتاح الشرق قديماً فإنّ بعضاً من مسيرتها يخلو من فعل النشاط الذي يتميز بالبروز والحضور خلال بعض حقب تسلسل ذلك التاريخ.
فصحار هي أوّل مدينة عمانية استقبلت دعوة الإسلام في عهد الرسول (صلّى الله عليه وآله) زمن حاكميها عبد وجيفر أبناء الجلندي.
ثمّ انتشر الإسلام بسهولة ويسر في كافة ربوع عمان دون رمح أو سيف.
وقد عرفت صحار أوّل إمامة إباضية في تاريخ عمان في عهد الجلندي بن مسعود بن جيفر في عام 751 ميلادية.
وفي عهد الإمام الثالث الوارث بن كعب الخروصي في القرن الثاني الهجري حسب ما ذكره المؤرخ السالمي في تحفة ونهضة الأعيان، فإنّ الوارث قام بنقل مركز الإمامة من مدينة صحار إلى مدينة نزوى التي ستصبح لاحقاً مركزاً للإمامة العمانية بعيداً عن منطقة الشاطئ التي عادة ما تكون فريسة سهلة للطامعين.
وإذا كان بنو أمية وبنو العباس وغيرهما مروراً بالعثمانيين قد أفلحوا في السيطرة على عمان ووضعوها تحت لواء حمايتهم إلاّ في أزمنة قصيرة ومحددة، فإنّ عمان بحكم موقعها البعيد نسبياً عن مراكز الخلافة قد سهل لها وضعية الاستقلال والتفرّد بنظامها الخاص الذي هو سمة تميّزها عن غيرها من أقطار العالم الإسلامي.
وإذا كانت صحار هي البوابة التي من خلالها قد وجّه الطامعون أنظارهم إلى عمان فإنّها أيضاً البوابة والثغر التي منها تشتّت شملهم، فإلى جانب مناطق عمان الأخرى ساهمت في دحض أوّل احتلال (كولونيالي) تمثّل في الهيمنة البرتغالية على عمان والخليج الفارسي، وقد برز في 1744م زعيم جديد هو أحمد بن سعيد البوسعيدي الذي كان والياً على صحار ثمّ بويع إماماً ونظم ائتلافاً من كافة القبائل العمانية فكانت ولايته بداية لحكم دولة البوسعيد التي ما زالت تحكم البلاد حتّى اليوم والتي صادف العام الماضي 1994 مرور 250 عاماً على استمراريتها في الحكم كأطول أسرة مالكة استمرّت في الحكم في البلدان العربية.
الشيعة في صحار
من المناطق التي يوجد فيها الشيعة في عُمان، منطقة الباطنة وجمهورهم من العرب وفيهم من هم من أصل إيراني. وأكثر وجودهم في الباطنة هو في صحار.
الصحافة العربية
في القرن التاسع عشر
يعود صدور الصحيفة بشكلها الراهن إلى العام 1563م عندما ظهرت في البندقية صحيفة «غازيتا» Gazetta (نسبة إلى ثمنها) وكان الصدور بمناسبة الحرب بين «البندقية» وبين الدولة العثمانية. ويبدو أنّ الجمهور لم يستقبل هذه التجربة السابقة بما تستحقه. فكانت لا مبالاته سبباً في عدم قدرتها على إثبات فاعليتها. كما كانت سبباً في تأخّر انتقال التجربة إلى البلدان الأخرى. فقد تأخّر صدور أوّل صحيفة إنكليزية (Weekly News) حتّى العام 1622. أمّا في فرنسا فقد صدرت صحيفة «غازيت فرنسا» في العام 1621 ولقيت دعماً من السلطة، الأمر الذي ساعدها على الاستمرار للفترة الباقية من القرن ثمّ انطلقت لتؤمن استمراريتها الذاتية. وتوالى بعدها صدور الصحف الأوروبية.
وتأخّر صدور أولى الصحف العربية إلى العام 1830 حين أصدر محمد علي الكبير جريدة «الوقائع المصرية» التي استمرّت الجريدة الحكومية ـ المصرية الرسمية حتّى أوائل القرن العشرين. وتبعتها في الظهور العام 1863 جريدة «حديقة الأخبار» التي أصدرتها الحكومة العثمانية بالعربية من بيروت. وبعدها بعامين (1865) صدرت الجريدة الرسمية لتونس والمغرب على نفقة الحكومة. وهكذا ارتبطت أوائل الإصدارات الصحافية العربية بالسلطات. وبدأ صدور الصحافة غير الحكومية في العام 1861 عندما أصدر أحمد فارس الشدياق من الأستانة جريدة «الجوائب» التي لم تلبث أن تتعطل لأسباب سياسية (الثورة العرابية). ثمّ صدرت بعدها جريدة «وادي النيل» في العام 1867 التي كانت تصدر على شكل كراسة (مرتين أسبوعياً) وأصدرها أبو السعود أفندي. ثمّ أصدر بطرس البستاني مجلة «الجنان» في العام 1870 ببيروت (كانت نصف شهرية) ولم تلبث أن توقفت بدورها بعد حوالي العشر سنوات. وشهدت بيروت في العام ذاته (1870) ولادة مجلة أخرى هي «البشير» الصادرة عن الآباء اليسوعيين واستمرّت حتّى نهاية القرن. ثمّ صدرت «الأهرام» (1875). ومع اقتراب نهاية القرن التاسع عشر بدأت الصحافة العربية تملك قدرة اجتذاب الجمهور مستفيدة من الأهمية الفائقة التي تتمتع بها «الكلمة المكتوبة» في ثقافتنا العربية. لذلك تدفقت الإصدارات الصحافية في السنوات الأخيرة من القرن وخصوصاً في عقده الأخير الذي شهد مطلعه صدور واحدة من أهم المجلات الثقافية العربية وهي مجلة «الهلال» التي أسّسها جرجي زيدان (1892) والمستمرة الصدور حتّى اليوم محافظة على مكانتها بين المجلات الثقافية المعاصرة. وهي احتفلت بمئويتها وأصدرت مجلداً بهذه المناسبة (من جزأين).
وتتابع عرض الإصدارات الصحافية في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، في مصر وخارجها، ففي تلك الفترة صدرت في القاهرة صحف: «روضة المدارس» و«الوطن» وفي الإسكندرية صدرت صحف «روضة الإسكندرية» و«الكوكب الإسكندري» و«المحروسة». وصدرت في بيروت «النشرة الأسبوعية» و«ثمرات الفنون» و«المقتطف» و«لسان الحال» و«المصابح». وما أنّ أطلّت نهاية القرن التاسع عشر حتّى كان عدد الصحف الصادرة بالعربية قد جاوز المئتين. وتراوحت هذه المنشورات ما بين السياسية والعلمية والطبية والأدبية والفكاهية. وعلى رغم اضطرار العديد منها للتوقف عن الصدور، لأسباب مختلفة، فإنّ العدد بقي على حاله حيث عرفت السنوات الأخيرة من القرن طفرة كبيرة في الإصدارات الصحافية ومنها نذكر جريدة «بصير الشرق» (باللغتين العربية والتركية) وأسّسها أحمد رشيد بك ـ مصر. و«القاهرة» لمؤسسها سليم فارس الشدياق (عاودت الظهور بعد انقطاع) و«الإنصاف» و«النحلة» التي أسّسها الدكتور لويس الصابونجي وأوقفها ليعيد صدورها في العام 1895 و«السيار» و«طبيب العائلة» (مصر… د. عيد) و«الظرائف» وهي فكاهية أصدرها حسن علي و«الأرز» التي صدرت في جونيه ـ لبنان لمؤسسيها فيليب وفريد الخازن و«الوظيفة» (تركية ـ عربية أسّسها زكي رزق الله) و«الكمال» (بطرس المصري وحامد إبراهيم) و«النهج القويم» (محمد خيامي) و«الثريا» (ادوار جدي) و«باب الفتوح» (أحمد سلامة وأحمد سمير وحامد موسى وعبد الرحمن زغلول وسعيد صالح ومحمد الحسني ومحمد أحمد وحافظ حسن ومحمد زكي… إلخ) و«الشرق» (أمين الشدياق وتوفيق زعرور) و«الكرباج والعفريت» (عبد الله القدسي ـ عثمانية صدرت في القاهرة) و«الغزالة» (فكاهية لنقولا بولاد) و«لسان الحق» (محمد بورقيبة ـ تونس) و«الفردوس» (نسائية أسستها لويزا حبالين) و«الشرف» (جمعية الاتحاد الأخوي) و«الأخبار» (يوسف الخازن) و«الشام» (مصطفى واصف ـ سورية).
وقياساً إلى الأجواء السياسية ومفاهيمها في تلك الحقبة فإنّنا لا نستطيع الكلام عن تصنيف حاسم لهذه الإصدارات الصحافية. فقد احتوت جميعها على جرعات سياسية متفاوتة. فمنها من اكتفى بنقل أخبار السلطة والحكام ومنها من تستر بالفكاهة قناعاً للسياسة ومنها ما كان يضطر للإقفال أو حتّى للهروب من بلد الأصدار تحت وطأة أحداث بعينها (أحداث الثورة العرابية مثلاً) أو بسبب إزعاجه للسلطة. ولعل أنجح قنوات الإعلام السياسي في تلك الفترة هي تلك المحاورات التي قامت بين الصحف حول مواضيع معينة. ولعل أهمها المحاورات الساخنة التي جرت في تسعينات القرن بين مجلات عدّة مختلفة الاتجاهات، حيث كانت هذه المحاولات تتخذ قناع الرد والرد على الرد لكنّها كانت حوارات سياسية من النوع الساخن. وكانت تتناول مواضيع بالغة الحساسية لو هي أثيرت على غير صعيد الصحافة التي تفنن ردود فعل الجمهور حول الرأي والرأي المضاد فيكتفي بقراءة هذه الآراء متنازلاً عن حشرية الرد بتفويضه للصحافة القيام بهذا الدور. وانتظار الرد الصحافي يدفع الجمهور إلى التحفظ بانتظار رأي المتخصصين، وهذا التحفظ العاقل من قبل قرّاء القرن التاسع عشر هو الذي أتاح لصحافة ذلك القرن بعضاً من الحرية في مناقشة المواضيع السياسية. وعلينا هنا أن نحذر من محاولات قراءة ما كتب في حينه على ضوء معلومات الراهن. فكتّاب ذلك الزمان لم يكونوا مالكين لمثل هذه المعلومات. وهم كانوا يصدرون آراءهم استناداً إلى ما هو متوافر بين أيديهم من تلك المعلومات. ويبقى أنّ راهن صحافتنا مدين إلى حدود بعيدة لصحافة القرن التاسع عشر التي ولدت عمالقة «الهلال» و«الأهرام» و«الأخبار» وغيرها. لكن أولويتها وأهميتها هو كونها تأسيسية ـ مستقبلية، مما يجعلها تستحق مشروعاً يعتمد مبدأ إعادة إصدار الأعداد الأولى من هذه المنشورات وقراءتها التحليلية ومن ثمّ استقراءها وفق طرائق التحليل الرجعي (Metanalyse) واختبار وسائل اتصالها بالجمهور ومدى نجاح هذه الأساليب. ومن ثم تقويم الدور الذي لعبته صحافة تلك الأيام وفاعليتها الإجرائية في تثقيف قرائها ومساعدتهم على وعي زمانهم والتموقع فيه. وبذلك يمكن تحديد الأهداف الكامنة وراء إصدار هذه الصحف ومقارنتها بالأهداف الراهنة لمثل هذا الإصدار. وكل موضوع من هذه المواضيع يمكنه أن يؤلف لوحده ميداناً لبحوث أكاديمية يمكنها أن ترسم للصحافة العربية خطوات الدخول إلى القرن الواحد والعشرين.
على هذا الطريق، نجد من الضروري لفت النظر إلى مجموعة خطوات لافتة، نذكر منها إصدار الهلال لمجلدين من الصور الفوتوغرافية، التي نشرتها على مدى قرن، تحت عنوان «الهلال في مئة عام». كما نذكر مشروع الهيئة العامة المصرية لإعادة إصدار الأعداد الأولى لبعض الدوريات. وأيضاً الباب الذي تخصّصه جريدة «الحياة» تحت عنوان «أعداد أولى لدوريات قديمة». كما نذكر العديد من الأطروحات الجامعية المعدّة في هذا الإطار، فالإشكال هو أنّنا لا نستطيع دخول عصر المستقبليات من دون استقراء الماضي وتجاربه ونقده لتحديد متغيرات تكراريته ولوضع القوانين لما كان يعتبر من صدف الماضي التي يدفعنا تكرارها إلى عدم التصديق كونها صدفاً!
هذا ما كتبه محمد أحمد النابلسي. ونضيف نحن إلى ذلك مشيرين إلى المساهمة الشيعية في صدور الصحف العربية. فقد صدرت في أوائل القرن العشرين مجلتان شيعيتان ساهمتا إلى حد كبير في مسار النهضة الفكرية والعلمية والأدبية والشعرية بصورة خاصة في العالم العربي. المجلة الأولى هي مجلة (العلم) التي أصدرها في النجف الأشرف أحد كبار علمائه الذين اشتهروا بالنزعة الإصلاحية وهو السيد هبة الدين الشهرستاني، فكان لها أثر كبير في الأوساط العلمية. وقد توقفت عن الصدور باشتعال الحرب العالمية الأولى. ولم يقدر لها الصدور بعد انتهاء الحرب.
والمجلة الثانية هي مجلة (العرفان) التي أصدرها في صيدا بلبنان الشيخ عارف الزين التي توقفت هي الأخرى عند نشوب الحرب العالمية الأولى واستأنفت الصدور بعدها. وقد كان لهذه المجلة أكبر الأثر في النهضة الشعرية في العالم العربي، فهي ـ مثلاً ـ التي أبرزت لهذا العالم، من أصبح بعد ذلك: شاعر العرب محمد مهدي الجواهري، فعلى صفحاتها نشر هذا الشاعر قصائده الأولى، ومنها بدأت شهرته تدوي في العالم العربي كله. وكذلك القول في الشاعرة نازك الملائكة، فشعرها ظهر أوّل ما ظهر على صفحات العرفان.
هذا فضلاً عمّا كان لهذه المجلة من بعث لنهضات فكرية علمية ونشر لثقافات في شتى ميادين الثقافة.
ومع العرفان أصدر الشيخ عارف الزين جريدة أسبوعية سياسية باسم (جبل عامل) انتهت بابتداء الحرب العالمية الأولى.
وإنّنا نرجع القارئ إلى حرف (الميم) من هذه الدائرة ليطالع في البحث (المفيد) ما كان لهذه الجريدة اليومية في عهدها الأخير من دور في النضال الوطني.
هذا في العهود الأولى التي ابتدأت ببداية القرن العشرين. أمّا بعد ذلك فقد كثرت مساهمة الشيعة الصحافية.
ولم نتحدّث هنا إلاّ عن البلاد العربية.
صِدّيق
قرية خربة في جبل عامل قرب تبنين من شرقيها على رأس جبل، فيها قبر عليه قبة يعرف صاحبه بصدّيق، وبه سمّيت القرية، وفيها مسجد خراب ومحرابه باق.
كانت مسكن السيد علي الصائغ تلميذ الشهيد الأوّل وشيخ ولده الشيخ حسن. وفيها قبره مكتوباً عليه: «هذا قبر السيد الجليل العالم وحيد عصره وفاضل وقته فقيه أهل البيت (عليهم السلام) السيد علي المشهور بالصائغ الحسيني تغمده الله برحمته. توفي ليلة الثلاثاء حادي عشر شهر رجب سنة 980هـ».
ومكتوب تحت ذلك:
سل القبر هل يدري بحق حل عنده
وذكّره بالذكرى لذي الجهل تنفع
وقل صرت للداعين يا قبر مشعراً
وفيك لأهل الشرع يا قبر مشرع
وفيك امرؤ للعلم والحلم مجمع
على فضله بين البرية مجمع
وفيها قبر المحقق الشيخ علي بن عبد العال الميسي، ولعل دفنه هناك بوصية منه أو أنّه انتقل إليها من ميس. ومحل قبره غير معروف.
وفي صدّيق يقول الشيخ يوسف بري المهاجر من تبنين إلى ديترويت ميشغن في أميركا من قصيدة وردت بكاملها في بحث (سهل الخان):
وفي صدّيق حيث البطم زاه
يعانق في تثنيه القبابا
الصرف
يذهب بعض أهل اللغة إلى أنّ أوّل من وضع الصرف هو معاذ بن مسلم الهرّاء النحوي. المتوفى… بين 187ـ 190هـ على خلاف في تأريخ وفاته ـ وكان من المعمّرين حتّى قيل فيه:
إنّ معاذ بن مسلم رجُل
قد ضجّ من طول عُمرهِ الأبدُ
يا نَسْر لُقمان كم تعيشُ وكَمْ
تأكلُ طولَ الزمان يا لُبدُ
مُصحَّحاً كالظليم ترفُلُ في
بُرْدَيْكَ منك الجبينُ يتقِدُ
فاذهبْ ودعنا فإنَّ غايتك الْـ
ـمَوْتُ وإنْ شدَّ دُكنك الجَلدُ
وقيل إنّه عمّر مائة وخمسين سنة، وحكاية طول عمره هذه لها تعلق بما سنورده من الروايات التي وردت وعُدّت سبباً لنشأة الصرف.
وقد نقل بعضهم الإجماع على أنّه أوّل من وضع التصريف، وممّن نقل إجماع العلماء عليه ابن مالك أبو عبدالله محمد جمال الدين الطائي المتوفى سنة 673هـ. وتبع ابن مالك في ذلك السيوطي جلال الدين المتوفى سنة 911هـ. ونقل نصَّين في هذا الشأن.
الأوّل: في الاقتراح قال فيه: «واتفقوا على أنّ معاذاً الهرّاء أوّل من وضع التصريف».
والثاني: في البغية حيث ذكره ضمن ترجمته لمعاذ فقال: «وُلد أيام عبد الملك بن مروان، وكان أبو مسلم مؤدب عبد الملك بن مروان قد نظر في النحو، فلمّا أحدث الناس التصريف أنكره، فقال:
قَدْ كان أخذُهُم في النحو يعجبني
حتّى تعاطوا كلامَ الزنجِ والرّوم
لمّا سمِعتُ كلاماً لستُ أفهمُه
كأنّ زجلُ الغربان والبوم
تركتُ نحوهُمُ والله يعصِمُني
من التقحُّم في تلك الجراثيمِ
فأجاب معاذ هذا:
عالجتها أمردَ حتّى إذا
شِبَتَ ولم تُحسِنُ أبا جادِها
سَمّيتَ من يَعرِفها جاهلاً
يُصدرها من بعد إيرادها
سهّل منها كل مستصعَبِ
طودٌ علا أقران أطوادِها
وكان أبو مسلم قد جلس إلى معاذ فسمعه يقول لرجل: «كيف تقول من توزّهم أزّاً»: يا فاعل افعلْ؟ فقال له الأبيات السابقة. ذكر ذلك كلّه الزبيدي.
قلتُ: ومن هنا لمحتُ أنّ أوّل من وضع التصريف معاذ هذا «وقد أورد هذه القصة مع الأبيات كثيرون غير ابن مالك وابن فارس والسيوطي منهم الزبيدي في كتابه «طبقات النحويين» وابن النجّار في «تاريخ بغداد» وابن خلكان في «وفيات الأعيان»، والدميري في «حياة الحيوان» وغيرهم كثير. كل هؤلاء ينسب وضع علم الصرف للهرّاء.
إلاّ أنّ المتتبع للروايات الأخرى المخالفة لهذه الرواية لا يجد بذوراً لعلم التصريف سابقة لمحاولات معاذ الهراء، وتلك البدايات الأولى تواكب نشأة النحو على يد أبي الأسود الدؤلي، حين وضع له الإمام علي (عليه السلام) باباً من أبواب الصرف وهو «باب الإمالة»، إضافة إلى ذلك، فإنّ أبا الأسود الدؤلي نفسه عالج إبدال الحروف ومخارجها، والإبدال موضوع من الموضوعات الصرفية، بل هناك من ألّف كتاباً في الهمز، وأملاه على تلامذته، وهو ابن أبي إسحاق المتوفى سنة 117هـ، وهذا يعني أنّ هناك بذوراً لنشأة النحو سابقة لما أسهم فيه معاذ من إسهامات في مرحلة التأسيس ومرحلة التطور لعلم الصرف، ولم يكن هو الأوّل في عملية الوضع.
إضافة إلى ذلك، فإنّ كثيراً ممّن ترجموا لمعاذ ذكروا أنّه كان تلميذاً لأبي الأسود الدؤلي، والإجماع قائمٌ على أنّ أبا الأسود أوّل من وضع علم النحو بعد أن ألقى إليه الإمام علي(ع) الصحيفة المشهورة. فلِمَ لم يكن معاذ قد أخذ الصرف عن أبي الأسود الدؤلي وطوره؟
وممّا يؤيد هذا الفرض رواية ينقلها الزبيدي، وابن النديم، والقفطي، عن ابن أبي سعد الورّاق قال: «حدّثنا علي بن محمود الهاشمي قال: سمعتُ أبي قال: كان بدء ما وضع أبو الأسود الدؤلي النحو، أنّ مرّ به سعد ـ وكان رجلاً فارسياً قدم البصرة مع أهله، وكان يقود فرسه ـ فقال: ما لك يا سعد، ألا تركب! فقال: فرسي ضالعٌ. فضحك به من حضره. قال أبو الأسود: هؤلاء الموالي قد رغبوا في الإسلام ودخلوا فيه، وصاروا لنا أُخوة فلو علمناهم الكلام. فوضع باب الفاعل والمفعول». وهذه الرواية وروايات أخرى كلها تؤيد أنّ واضع النحو هو أبو الأسود، ولعل كلّ أحداث تلك الروايات قد حدثت فعلاً ومجموعها دفع أبا الأسود أن يهرع إلى الإمام علي ليضع له البداية الأولى في النحو. إلاّ أنّ الذي يلفت نظرنا، في قصة الرجل الفارسي وقوله «ضالع» يدل «ظالع» أنّ هذا التغيير الذي أضحك أناساً وحرّك الغيرة والحميّة على الإسلام واللغة العربية لدى آخرين، أقول هذا التغيير إنّما هو من مسائل التصريف، أنّه يبحث في التغيّرات الطارئة على بنية الكلمة بخلاف علم الإعراب الذي يبحث في التغيّرات الطارئة على آخر الكلمة.
وهناك رواية أخرى يوردها أبو الطيب اللغوي في مراتب النحويين قال: أخبرنا محمد بن يحيى قال: أخبرنا محمد بن يزيد عن الجرمي عن سيبويه عن الخليل «قال: لم يزل أبو الأسود ضنيناً بما أخذه عن علي (عليه السلام)، حتّى قال زياد: قد فسدت ألسنة الناس. وذلك أنّهما سمعا رجلاً يقول: سقطت عصاتي، فدافعه أبو الأسود». فإذا أضفنا هذه الرواية إلى سابقتها فإنّها تؤيد أنّ أبا الأسود الدؤلي هو الواضع الأوّل لعلم الصرف بتعليم الإمام علي (عليه السلام)، لأنّ كلمة «عصاتي» بدل «عصاي» مسألة من مسائل الصرف، قال ابن منظور في اللسان: «قال الفرّاء: أوّل لحن سُمع بالعراق هذه عصاتي، بالتاء»… ولا شك أنّ مسائل النحو والصرف كانت في نشأتها الأولى تبحث سوية غير منفصلة عن بعضها.
وكانت أبواب النحو مختلطة مع أبواب الصرف وكأنّهما علم واحد، ولم يستقل الصرف عن النحو إلاّ في مرحلة متأخرة بعد أن قطع النحو شوطاً طويلاً في سلّم التطور، ولربّما كان معاذ قد أسهم في بداية مرحلة استقلال الصرف عن النحو، لا أنّه هو الواضع لعلم الصرف ـ كما يذهب كثير من العلماء ـ علماً أنّ مرحلة استقلال الصرف عن النحو تمّت بشكل واضح في القرن الثالث الهجري، وإلى ما قبل ذلك كانت مسائل الصرف تدوّن ضمن مسائل النحو وأبوابه رغم التمييز بين العلمين وتنقل الروايات الصرفية على أنّها روايات في علم النحو، من ذلك ما أورده السيوطي في البغية قال: «سئل أبو حاتم السجستاني في بغداد عن قوله تعالى: {قُوَاْ أَنْفُسَكُمْ}. ما يقال منه للواحد؟
فقال: قِ. فقال: فالاثنين؟ فقال: قِيا. قال: فالجمع؟ قال: قُوا. قال: فاجمع لي الثلاثة. قال: قِ، قِيا، قوا.
قال: وفي ناحية المسجد رجل جالس معه قماش، فقال لواحد: احتفظ بثيابي حتّى أجيء ومضى إلى صاحب الشرطة وقال: إنّي ظفرت بقوم زنادقة، يقرؤون القرآن على صياح الديك! فما شعرنا حتّى هجم علينا الأعوان والشرطة، فأخذونا وأحضرونا مجلس الشرطة، فسألنا فتقدّمت إليه وأعلمته بالخبر، وقد اجتمع خلق من خلق الله ينظرون ما يكون. فعنّفني وعذلني، وقال: مثلك يطلق لسانه عند العامة بمثل هذا؟ وعمد إلى أصحابي فضربهم عشرة عشرة، وقال: لا تعودوا إلى مثل هذا. فعاد أبو حاتم إلى البصرة سريعاً، ولم يُقم ببغداد. ولم يأخذ عنه أهلها، وترك النحو بعد اعتنائه به حتّى كأنّه نسيه».
ولا شك أنّ إسناد الأفعال إلى الضمائر إنّما هو باب من أبواب الصرف، ومع ذلك يوردون هذه الرواية وغيرها كثير في مسائل النحو، ممّا يدلل على أنّ الفصل بين العلمين لم يكن قد تمّ قبل القرن الثالث الهجري.
صعدة
مدخل مرقد السيد أحمد بن موسى الكاظم
حيث تتركز مجمعات المكاتب الحكومية والمرافق الخدمية وغيرها.
ونظرة واحدة يلقيها الزائر من أعلى منارة جامع الإمام الهادي ـ أعلى مكان في المدينة ـ تكفي لإدراك أنّ شارع صنعاء وما حوله من أحياء هو كل ما تعرفه صعدة في توسع عمراني حديث يزحف في كل اتجاه بإيقاع غير منتظم يزاحم المدينة القديمة ويحاصرها من الناحية الجنوبية الشرقية وهي بسورها تحمي أصالتها وتقاوم بشراسة زحف اللامعنى واللاهوية.
من باب اليمن يلج الزائر إلى معلم من معالم صعدة العتيقة… سوقها الشعبي الذي يضج بالحركة والنشاط خصوصاً الأحد من كل أسبوع فهو يوم تسوق للأهالي، ويفد المزارعون من مختلف أنحاء المحافظة لبيع منتجاتهم كالبرتقال والرمان والعنب والجوافة وغيرها… وفي السوق مجموعة كبيرة من البازارات تبيع أنواع المشغولات اليدوية من حلى ومجوهرات ومصوغات فضية وذهبية بالإضافة إلى الأواني المصنوعة من سعف النخل والأواني الحجرية (المقالي). كما يباع في السوق كل ما يمت للآثار بصلة… أسلحة بيضاء ونارية قديمة، أدوات منزلية، حلى وأدوات زينة، أزياء وملابس شعبية… تشتري من أهالي القرى لتباع للسياح الذين يفدون بأفواج كبيرة على هذه المحافظة على رغم أنّ القانون يحظر بيع أنواع منها…
وتشتهر مدينة صعدة بسوق بيع الأسلحة المعروف بسوق «الطلح» ويقتني منه الناس أسلحتهم من مسدسات ورشاشات آلية محمولة وذخائر وهي أسلحة مجلوبة من مختلف بلدان العالم وخصوصاً روسيا وأوكرانيا والصين والولايات المتحدة.
ويطل على السوق أقدم معالم صعدة وأهمها على الإطلاق… جامع الإمام الهادي الذي أسّسه في عام (288هـ ـ 900م) الإمام يحيى بن الحسين بن القاسم الملقب بالهادي إلى الحق (توفي 298هـ ـ 910م) والجامع يعدّ واحد من أقدم الجوامع في اليمن وما يزال يحتفظ بطابعه وشكله القديم على رغم عمليات التوسعة والترميم العديدة التي أجريت له… وتحيط بجدران الجامع من الداخل نقوش قديمة هي عبارة عن قصيدة شعرية تحكي قصة إحدى عمليات التوسعة التي شهدها في الماضي. وللجامع منبرين ـ قديم وجديد ـ ومئذنة كبيرة تشاهد من أعلاها المدينة كلها ويلحق به مجموعة من القباب تحوي قبور الإمام الهادي وابنه القاسم وزوجته وأحفاده، إضافة إلى 42 غرفة يبيت فيها من يطلق عليهم بـ (المهاجرين) وهم من يقصدون الجامع من مناطق بعيدة بهدف التعبّد، كما يلحق به بناء كبير مبني من الطين مكوّن من 82 غرفة يعرف شعبياً بـ (السمسرة) عمره من عمر الجامع تقريباً وكان يستخدم ولا يزال كمخازن للعائدات التي تأتي من أوقاف الجامع وهي كبيرة جداً ومعظمها محاصيل وحبوب زراعية ينتفع بها القائمون على الجامع وطلاب العلم والمهاجرون.
وحول جامع الإمام الهادي وتحديداً منذ 910 ميلادية نشأت مدينة صعدة (القديمة) وتوسعت على مر السنين وأحيطت كل حارة بسور خاص بها وتوقف زحف عمرانها بعد أن طوّقت كلّها بسور جديد سنة (940هـ ـ 1533م) ومن حاراتها وأحيائها التي ما زالت حتّى الآن تحتفظ بطابعها القديم حارات: شيبان، عليان، الجربة، الدوار، سمارة، الهادي، القصر، السلام… وحينما تتجوّل في هذه الأحياء، في شوارعها الضيقة وأزقتها الأكثر ضيقاً يداهمك شعور بأنّك خارج زمانك وعصرك وكأنّك عدت إلى الوراء أكثر من 1000 سنة، يأسرك المكان بتاريخه الذي يفرض حضوره بقوّة وتبهرك مبانيها العتيقة المشيدة من الطين بقسماتها الجميلة وتكوينها البديع وطابعها المعماري الفريد… وأبوابها ونوافذها الخشبية المزخرفة بالنقوش والتي تعلوها العقود «القمريات» التي يتميز بها الطابع المعماري اليمني عن غيره.
جامع الإمام الهادي.. أقدم معالم صعدة
وصعدة واحدة من مجموعة مدن يمنية تمتلك بالإضافة إلى رصيدها التاريخي قيمة روحية وفكرية عظيمة تجعلها على الدوام موطناً لعلماء الدين ولطلاب العلم، إلاّ أنّ صعدة تتميز عن غيرها بالتناقض الصارخ والمدهش في تركيبتها الاجتماعية، وذلك من النواحي العرقية والدينية والثقافية والفكرية وحتّى السياسية وهي تناقضات تغذي بعضها البعض ورثت من مراحل وعصور تاريخية مختلفة تعود إلى مئات السنين عاشتها اليمن كلّها لكن صعدة احتفظت لنفسها ببصمة لكل منها.
ففي صعدة بقايا الديانة اليهودية التي دخلت اليمن قبل الميلاد إذ يعيش في ضواحيها مئات من اليهود اليمنيين معظمهم يعمل بالحرف اليدوية ويميزون أنفسهم بزنانير (ضفائر من الشعر) تتدلى إلى أعناقهم. وفي إطار المذهب الزيدي الذي يتمذهب به أبناء صعدة توجد الهادوية وهي فرقة من فرق الزيدية تنسب آراؤها الفقهية إلى الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين الذي أسّس دولة الأئمة الزيدية في اليمن انطلاقاً من صعدة عام 897م واستمر حكمها بين الضعف والقوة طوال أحد عشر قرناً إلى أن سقط نظام آخر أئمتها البدر ابن أحمد يحيى حميد الدين مع قيام ثورة 26 أيلول (سبتمبر) 1962 التي أسّست النظام الجمهوري، وتوفي الإمام الهادي في صعدة، وقبره وقبور آله فيها مطاف للزائرين.
ويوجد في صعدة «السادة» وهم مجموعة أسر تنتمي إلى بيت النبي محمد (صلّى الله عليه وآله). ويعيش في المدينة آلاف من المواطنين ممّن يتمذهبون بالمذهب الشافعي قدموا من محافظات أخرى([327]).
مراد هاشم
الصّفّاح
من أحياء صعدة القديمة
لقيتُ الحسين بأرض الصفاح
عليه اليلامِقُ والدرق
يقول عبد الحسين الصالحي: أجمع المؤرخون على لقاء الإمام الحسين (عليه السلام) مع الفرزدق ولكن اختلفوا في موضع اللقاء فقال ابن طاوس في اللهوف ص32 والمجلسي في البحار ج44، ص374، إنّه لقيه في موقع زبالة بعد بلوغ خبر مصرع مسلم بن عقيل (عليه السلام) وقال أعثم الكوفي في الفتوح (ج2، ص128) إنّه لقيه في موقع شقوق. وقال صاحب تذكرة الخواص إنّه لقيه ببستان بني عامر. وقال الشيخ المفيد في الإرشاد ص201 وجماعة لقيه في الحرم، ويستفاد من الشعر أنّ اللقاء كان في الصفاح. قال الطبري بسنده عن لَبطة بن الفرزدق عن أبيه، قال: (… حججت بأمّي فأنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم في أيام الحج وذلك في سنة ستين إذ لقيت الحسين بن علي (عليه السلام) خارجاً من مكة معه أسيافه وتراسه فقلت لمن هذا القطار فقيل للحسين بن علي (عليه السلام) فأتيته فقلت بأبي وأمي يابن رسول الله ما أعجلك عن الحج؟ فقال: لو لم أعجل لأُخذت. قال ثمّ سألني ممّن أنت فقلت له امرؤ من العراق…) وذكر أيضاً بسنده عن عبدالله بن سليم المذري قال أقبلنا حتّى انتهينا إلى الصفاح فلقينا الفرزدق بن غالب الشاعر فواقف حسيناً (عليه السلام) فقال له: أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب. فقال له الحسين (عليه السلام): بيّن لنا نبأ الناس خلفك، فقال له الفرزدق من الخبير سألت قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء فقال الحسين (عليه السلام): صدقت لله الأمر والله يفعل ما يشاء وكل يوم ربنا في شأن…)([328]).
عبد الحسين الصالحي
الصفاريون([329]*)
ـ1ـ
كانت القوى صاحبة القدرة والنفوذ في سيستان في القرن الثالث الهجري تتألف من أربعة مجاميع هي:
1ـ ممثّلو الدولة الطاهرية.
2ـ العيّارون.
3ـ الخوارج.
4ـ المطوّعة.
وكان الخلفاء العباسيون ـ بمؤازرة الطاهرين يستعينون بالمطوّعة لمحاربة الخوارج.
أمّا العيّارون فقد كانوا شباناً من أهل الشهامة والمروءة وعندهم من الفتوّة أثر، وكانوا يمتازون بما نسمّيه اليوم بالحماسة الوطنية ـ إذ كانوا مسؤولين عن أمن المدن والطرق… وكان منهم يعقوب بن الليث الصفّار الذي كان أبوه صفّاراً، وترك مهنة أبيه وأصبح رئيساً لمجموعته من فرقة العيّارين. والتحق سنة 232هـ مع مجموعته بصالح بن نصر الذي كان من مطوّعة سيستان، واستعان به صالح في طرد الخوارج من مدينة (بُست).
في سنة (247هـ) أطاح يعقوب بخليفة صالح، وأصبح حاكماً على سيستان. وخلال الأعوام من سنة (251) إلى (253هـ) استطاع يعقوب احتلال «هرات» و«بادغيس»، إضافة إلى ذلك احتل قسماً من شمال أفغانستان على النحو المؤقت…
بعد ذلك هاجم الأجزاء الجنوبية من إيران… وفي سنة (255هـ) سيطر على كرمان وفارس.
ثمّ سيّر جيشاً نحو كابل وفي سنة (256هـ ) تمكّن من فتحها هي والمناطق التابعة لها. وفي سنة (259هـ) اعتقل آخر أمير من أمراء الدولة الطاهرية في نيسابور. فسقطت الدولة الطاهرية، وبسقوطها قبض على زمام الأمور تماماً. ثمّ توجّه بعد ذلك وبدون أي تأثير لمهاجمة طبرستان سنة (260هـ) . ولكن قبل أن يقطف ثمار انتصاراته في تلك المناطق، انتشر المرض بين جنوده الذين لم يعهدوا معرفة تلك المناطق وسواحل بحر الخزر من قبل، فاضطُرّ إلى الانسحاب منها.
ومع أنّ يعقوب كتب رسالة إل المعتمد العباسي يخبره فيها أنّ سبب فتح نيسابور إلقاء القبض على محمد بن الطاهر، لكنّه هو نفسه سيّر جيشاً نحو فارس ليسترجعها من قبضة واليها محمد بن واصل الذي كان قد تمرّد على الخليفة وسيطر على فارس والأهواز… وقد نجح في عمله هذا فقرّر التحرّك من الأهواز إلى واسط وحين تحرّك إلى واسط وأصبحت بغداد في معرض تهديد جدّي، فنهض الخليفة العباسي لاستعطافه وعقد الصلح معه.
في تلك الفترة بالذات كانت ثورة صاحب الزنج الذي دوّخ الخلافة العباسية وجعلها تعيش في مأزق من خلال تهديداته المستمرة لها. ولمّا علم بتحرّك يعقوب هذا طرح عليه اقتراح التعاون والتنسيق فيما بينهما ضد النظام العباسي… فرفض يعقوب هذا الاقتراح كما رفض اقتراح الخليفة العباسي بعقد الصلح…
لمّا علمت الخلافة العباسية بموقفه قرّر الموفق أخو المعتمد وأمير جيشه مواجهة يعقوب… وبالفعل تحرّك على رأس قوّة من جيشه للقضاء على يعقوب، وعندما علم يعقوب بالأمر طاش طيشه وغامر مغامرة ليس لها مثيل حيث واصل تقدّمه متجهاً صوب بغداد. فاحتدمت بين الطرفين معركة حامية في منطقة دير العاقول سنة (262هـ) اندحر يعقوب على أثرها وانسحب إلى خوزستان… وفي خوزستان كان يبدو أنّه يخطّط لحملةٍ أخرى ضد الخلافة العباسية، وأراد من فارس وخوزستان أن تكونا قاعدتين آمنتين له، ليتوجّه منهما لمهاجمة بغداد مرّة أخرى، لكنّه مرض في (جنديشابور) وتوفي سنة (265هـ).
بعد وفاته تسلّم زمام الأمور بعده أخوه وخليفته عمرو بن الليث، فاصطدم في بداية حكمه مع أحمد بن عبدالله الخجستاني في خراسان، ولمّا قتل الخجستاني سنة (268هـ) انشغل مع رافع بن هرثمة مندوب الخلافة العباسية… ومع أنّه في البداية تصالح مع الخليفة العباسي لكنّه وجّه جيشاً نحو فارس سنة (271هـ) ممّا اضطر الخليفة على أثر ذلك أن يوجّه جيشه نحو جنوب إيران. وفي سنة (273هـ) حصلت بين الطرفين مواجهة انتهت بهزيمة عمرو بن الليث وطرده من فارس، وفي سنة (274هـ) كانت له محاولة أخرى لمحاربة الخليفة لكنه لم يفلح…
بعد ذلك واجهت الخلافة العباسية خطراً من ناحية المغرب حيث الدولة البيزنطية، لذا قرّرت عقد الصلح مع عمرو بن الليث، وأبقته حاكماً على فارس وخراسان ومناطق المشرق…
لكنّه اصطدم مرّة أخرى مع رافع بن هرثمة في خراسان ممّا أدّى إلى فرار رافع نحو خوارزم، وهناك قتل سنة (283هـ). ففرغ بال عمرو بن الليث واهتم بتوطيد أركان الدولة الصفارية في خراسان. وممّا زاده قوّة ونفوذاً أمر الخليفة العباسي بذلك.
عندما خلا الجو في خراسان لعمرو بن الليث، طلب من الخليفة العبّاسي أن يولّيه على حكومة ما وراء النهر، وألحّ في طلبه هذا، وتظاهر بشكل من الأشكال في أنّه حتّى لو لم يصدر الخليفة أمراً فإنّه سيتولى حكومة تلك المنطقة بنفسه… علماّ أنّ حكومة ما وراء النهر كانت تدار من قبل آل سامان فاستغل الخليفة طلبه هذا، ولكي يضعف موقع الاثنين، عمرو بن الليث والحاكم الساماني وهو إسماعيل بن أحمد المتنافسين على تلك الحكومة، أصدر أمراً للاثنين دون أن يعلم أحدهما بالآخر.
هناك قضية أخرى بين عمرو بن الليث ومنافسه وهي «إمارة منطقة خوارزم» حيث كان كلّ واحد منهما يعتبرها تحت نفوذه وحكومته… بعد ذلك حدثت مواجهة دامية بين الاثنين وهزم الأمير الساماني إسماعيل بن أحمد القوات الموفدة من قبل عمرو في أوّل حرب خاضها معها. وفي حرب أخرى حدثت بين الطرفين سنة (287 هـ) قريباً من بلخ وقع عمرو بن الليث في قبضة الأمير إسماعيل فأرسله إلى بغداد مقيّداً بالأغلال وقتل هناك.
ومع أنّ خراسان وشمال إيران قد خرجت من قبضة الحكومة الصفّارية لكن بقي نفوذ الصفاريّين في فارس وكرمان ساري المفعول حتّى سنة (298هـ)… وكذلك في سيستان حيث كانت قلعة حصينة لهم بواسطة أهلها المتعلقين جدّاً بالأمراء الصفاريّين، إذ كانوا في خدمتهم مدّةً طويلة.
كما حكم بعد عمرو حفيده أبو الحسن طاهر بن محمد إذ تربّع على العرش سنة (287هـ). وكان شاباً ماجناً خليعاً من أهل الصيد واللهو وزجر الطير، انتهى به المطاف أن يلقى عليه القبض من قبل [السبكري] وهو غلام تركي ليعقوب، ويُرسل مخفوراً إلى بغداد.
جاء بعده ليث بن علي ابن أخ عمرو بن الليث فدخل مدينة (زرنج) قادماً من كرمان سنة (296هـ) واستولى على سيستان، وكان الناس يسمّونه «شيرلبّاده». لأنّه كان يرتدي لبادة حمراء عندما يدخل المدينة.
قرّر ليث بن علي أن يرسل جيشاً إلى فارس لتأديب [السبكري]… فسيطر على (اصطخر) و(شيراز) فطلب السبكري على أثر ذلك النجدة من الخليفة… فأسعفه بإرسال قائده (مؤنس الخادم) لمواجهة ليث… ووقعت بينهما حرب أُسر فيها ليث من قبل مؤنس وحُبس في بغداد سنة (298هـ).
نصب أهل سيستان بعده أخاه (أبا علي معدل بن علي) حاكماً عليهم…
وقد أُسر أيضاً من قبل السامانيين، وبأسره انقرضت الدولة الصفارية وقُوضت أركانها سنة 298هـ بعد أن حكمت حوالي نصف قرن.
على أنّ أخلاف الصفاريين حكموا سيستان من قبل الغزنويين حتّى أواخر القرن الخامس عشر.
سيد حسين رئيس السادات
الصفاريون
ـ2ـ
يقول باحث إيراني عن يعقوب بن ليث:
بالإمعان في تاريخ حياته نستنتج أنّ هدفه كان استقلال إيران وإخراجها نهائياً من براثن الخلفاء العباسيين. ولمّأ كان لا يجيد اللغة العربية فقد شجع اللغة الفارسية. ويروى أنّه كان يحبّ أن تنشد الأشعار باللغة التي يفهمها. لهذا يعتقد بعضهم أنّ إحياء اللغة الفارسية. ودخولها إلى المراسلات الرسمية كان ابتداؤه منذ عهد الصفاريين وما بعده. وعن ذلك يقول الدكتور عزيز الله بيات:
«إنّ يعقوب بجهوده وهمته وعزمه الثابت تمكّن أن يوصل نفسه من مهنة بسيطة إلى منصب عالٍ. وفي دراسة أحواله يبدو أنّه كان شديد الرغبة ببلاده ووطنه وكان هدفه استعادة استقلال إيران وإخراج إيران من براثن الخلفاء العباسيين. وإنّ مساعيه وجهوده لإحياء اللغة الفارسية وزحفه على بغداد دليل واضح على هذا».
وعن عمرو بن ليث يقول باحث إيراني:
كان عمرو ذا همّة عالية سيّاساً مدبّراً وكان أوّل ملك إيراني مسلم يأمر بأن يذكر اسمه في الخطبة بينما كان الأمراء قبله يكتفون بذكر اسم الخليفة وكان عمرو يذكر اسم الخليفة أوّلاً على المسكوكات ولكن بعد ذلك أمر بضرب اسمه على المسكوكات، أي أنّه كان يعترف بحكومة الخليفة اسمياً فقط.
ويقول الباحث نفسه عن نسبة التشيع للصفاريين:
عن مذهب الصفاريين نستنتج من أقوالهم وأفعالهم عامة ومن خلال فتح نيسابور والنزاع مع العلويين([330]) والإساءة إليهم، واستغلالهم للخوارج، أنّهم لم يكونوا يهتمون بأي مذهب وأنّ هدفهم الوحيد كان التوصل إلى السلطة والمحافظة على الحكم. أمّا كونهم شيعة وهو ما روي في بعض كتب التاريخ ـ فإنّ هذا الأمر أشاعه الذين كانوا يسعون في تأليب الرأي العام عليهم وتحريض أبناء السنة على مقاومتهم.
يقول أدموند كليفورد باسورث عن اتهام الصفاريين بأنّهم إسماعيليون: «كان الوزير، نظام الملك الطوسي يقول إن يعقوب كان من أنصار الإسماعيلية».
ويتحدّث نظام الملك في شرحه عن مسيرة دعوة القرامطة في ما وراء النهر قائلاً: إن أبا بلال الذي كان داعية الإسماعيلية في هرات سنة 295هـ كان ينادم يعقوب ابن ليث وكان يدعو إلى نيابته في المذهب ويقول مؤلف كتاب السلالات الإسلامية: ليس من المستبعد أن يكون يعقوب بن ليث من الخوارج. إن بؤرة جيش يعقوب كانت تتألف من العيارين المحليين وكان هؤلاء يدعون للمذهب السني في سيستان ولكن عدد الخوارج في جيشه لم يكن قليلاً.
يقول نظام الملك في مكان آخر: ظهر يعقوب بن ليث من مدينة سيستان واستولى عليها وجاء إلى خراسان واستولى عليها وذهب من خراسان إلى أراك واستولى عليها وخدعه الدعاة الإسماعيليون فبايعهم واختلف مع خليفة بغداد ثمّ جمع جيوش خراسان وأراك وتوجّه إلى بغداد لقتل الخليفة والقضاء على العباسيين فجمع الخليفة رجال بغداد وقال: يبدو أنّ يعقوب بدأ يعارضنا وجاء إلى هنا للخيانة وأخبر جميع قادة جيوشه بأنّه عصى وتمرّد واتّحد مع أبناء الشيعة وجاء ليقضي علينا وينصب معارضنا على السلطة.
ويبدو من هذا أنّ توجيه تهمة الرافضي والإسماعيلي والباطني من صناعات أجهزة الخلافة في بغداد للإساءة إلى يعقوب بن ليث بين أبناء السنة. وإنّ توجيه تهمة الإسماعيلية إليه حين أصبحت الإسماعيلية خطراً، يكشف عن الموضوع بصورة جيّدة.
ولم يُشر مؤلف كتاب تاريخ سيستان إلى مذهب يعقوب إلاّ أنّه يقول:
«اتّحد الخوارج معه وكانوا تحت إمرته. وإنّ يعقوب قال لإبراهيم بن الأخضر: يجب أن تكون أنت وأصحابك أقوياء حيث إنّ أغلبية جنودي وكبار رجالي هم من الخوارج وأنت لست غريباً عنّا»…
لا شك أنّ دعايات أجهزة الخلافة العباسية وأقوال نظام الملك هي للإساءة إلى يعقوب بن ليث. وتوجيه التهمة إليه بأنّه باطني فقد مهدت الأمر للأجيال القادمة لتكرار توجيه تهمة الرافضي إليه.
إذاً، فإنّ أقوال مؤلف تاريخ سيستان والمستوفي اللذين اتهما الصفاريين بكونهم رافضيين هي من هذا القبيل.ويقول الشوشتري: لا يخفى أنّ القول بأنّ إمارتهم في نيسابور كانت سبباً كبيراً في إشاعة مذهب الإمامية ـ لا حقيقة له وناجم عن دعايات الخلفاء العباسيين وعمالهم المتعصبين الكاذبة.
ويقول السيد رسول جعفريان:
لا يمكن الحديث بشكل قاطع وأكيد عن مذهب الصفاريين، فمن جهة أبدوا علاقة حسنة مع بغداد، وواجهوا العلويين في طبرستان، وأبدوا احتراماً لعلويي سيستان، واستفادوا من الخوارج في مناطق جنوب إيران. هذه التوجهات المختلفة تجعل الحكم بشأن توجههم الديني أمراً صعباً. لكن يمكن القول إنّ الحكم كان يشكل اهتمامهم الأوّل، فلم يكونوا مقيدين بمذهب خاص، وفي نفس الوقت نجد أنّ عدّة أطراف يتهمونهم بالتشيع، لكن هذا الاتهام كان يصدر عن أولئك الذين أرادوا أن يشوّهوا صورتهم في نظر أهالي المنطقة الذين كانوا من غير الشيعة. لذلك لا يمكن اعتبار هذه الاتهامات سنداً كافياً على تشيّعهم.
إنّ (نظام الملك) خلال حديثه عن مسيرة دعوة القرامطة في بلاد ما وراء النهر، تحدث عن شخص اسمه (أبو بلال) كان منشغلاً عام (295هـ) في (هرات) بنشر الدعوة الإسماعيلية. لكن أهالي هرات أبلغوا عنه (محمد بن هرثمة) ويقول: إنّ (أبو بلال) هذا هو نديم (يعقوب بن ليث الصفاري) وينوب عنه في دعوته.
ويكتب أيضاً أنّ (يعقوب بن ليث) خرج من مدينة سيستان وأخذها كلّها، ثمّ توجّه إلى خراسان واستولى عليها، ثمّ توجّه إلى العراق فاستولى عليه، وخدعه الدعاة، فبايع الإسماعيليين سرّاً. ثمّ أضمر سوءاً لخليفة بغداد، وأراد أن يتوجه إليها، فقال الخليفة: أظن أنّه بايع الباطنيين، وقدم إلى بغداد محاولاً إسقاط الخليفة. فبلّغ الخليفة قيادة الجيش أنّ (يعقوب) قد أعلن العصيان، واتّحد مع الشيعة، وقد أتى لإسقاطنا، وليضع مخالفنا مكاننا.
من هذه العبارة يتّضح أنّ الاتهام بالرفض أو الباطنية هو من صنع الأجهزة الإعلامية للخلافة في بغداد، وأنّه قد استخدم هذا المصطلح بهدف الإساءة إلى (يعقوب) وتشويه صورته في نظر العامة. واتهامه بالانتماء للإسماعيلية ـ إبان انتشارها نسبياً كخطر على الخلافة ـ يوضح ذلك.
ولهذا، فإنّ (المستوفي) بدوره قد اتهم الصفاريين بأنّهم رافضة. ونقل الشوشتري: «ليس خافياً أنّ حكومة بني ليث في نيسابور قد ساهمت في ترويج مذهب الإمامية الحق هناك». وكلا النقلين خطأ.
أمّا مؤلف تاريخ سيستان فإنّه لم يشر إلى مذهب (يعقوب) لكنّه في موضع من كتابه أشار إلى اتحاد الخوارج مع (يعقوب بن ليث) وأنّ (يعقوب) قال لأحد الخوارج: أنت وأعوانك عليكم أن تكونوا مطمئنين فأكثر أفراد جيشي وأعواني هم من الخوارج. هذه المسألة تتناسب مع نفوذ الخوارج آنذاك في سيستان. وفي مكان آخر قيل: (يعقوب بن محمد بن عمرو بن الليث) كان يميل إلى طريق أصحاب الري. وكان أخوه (طاهر) يميل إلى طريق أصحاب الحديث.
صَفد
اسم لبلدتين إحداهما في جبل عامل والأخرى في فلسطين تقع على مقربة من حدود جبل عامل، ولمّا كان للثانية ارتباطات كثيرة في جبل عامل لا سيما مع أهالي بلدة بنت جبيل وما جاورها، كان لا بد للعامليين من أن يميزوا بين البلدتين حين يلفظون كلمة (صفد) تعييناً لأيّهما يقصدون في كلامهم. فسمّوا القرية العاملية باسم (صفد البطيخ) والبلدة الفلسطينية باسم (صفد العلي).
ولا أدري إن كان الفلسطينيون يعرفون هذا الاصطلاح لبلدتهم أم لا؟ والأرجح أنّهم لا يعرفونه لعدم حاجتهم لهذا التمييز إذ لا بلدتان عندهم تسميان باسم واحد.
والموسوعة الفلسطينية عندما ذكرت (صفد) ذكرتها مجردة من أي إضافة ممّا يؤيد رأينا.
وصفد البطيخ العاملية تقع شرقي تبنين على قمة جبل صغير يتميز به ظهورها ويبرز، وبالقرب منها ينبوع ماء جار يسمّى (الحمّام)، وهذا ما يقل وجوده في القرى العاملية.
وفي هذه القرية آل زين الدين ومن المشهور في جبل عامل أنّهم من ذرية الشهيد الثاني زين الدين بن علي. وأسرة الشهيد الثاني كانت تسمّى بسلسلة الذهب لتتابع العلماء والفضلاء فيها جيلاً بعد جيل، فأبوه كان من كبار أفاضل عصره وكذلك جدّاه جمال الدين والتقي، وجدّه الأعلى الشيخ صالح من تلاميذ العلاّمة الحلي وكذلك باقي أجداده الثلاثة كانوا أفاضل أتقياء. وأخوه الشيخ عبد النبي وابن أخيه الشيخ حسن وبعض عمومته كانوا علماء أفاضل، وأبناؤه تسلسل فيهم العلم والفضل زماناً طويلاً ولذلك استحقوا لقبهم (سلسلة الذهب).
ولكن العلم انقطع فيهم في العصور المتأخرة. وفي عصرنا هذا تابع بعض شبانهم الدراسة فانتموا إلى المدارس الحديثة، ومنهم اليوم الدكتور حسن زين الدين عميد كلية العلوم في الجامعة اللبنانية، وهو من نوابغ العلوم الرياضية ومن عصاميي جبل عامل.
والمشهور في جبل عامل أيضاً أنّ آل ظاهر في النبطية هم من ذرية الشهيد الثاني، وهؤلاء نبلغ منهم في عصرنا الشيخ سليمان ظاهر العالم الشاعر المؤرخ.
أمّا صفد العلي (الفلسطينية) فليس في البلدة أحد من الشيعة وبما أنّها كانت مركز قضاء تتبعه مجموعة القرى، فقد ألحق بها بعض القرى العاملية التي ضمّت إلى فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى وهي قرى شيعية بحتة منها: هونين، و(قَدَس).
وصفد هذه كانت في الماضي ذات موقع تجاري واستراتيجي هامين، إذ كانت محطة من محطات البريد بين الشام ومصر في عهد المماليك يأتيها البريد عن طريق غزة واللد وجنين وحطين، ومنها إلى دمشق عبر جسر بنات يعقوب على نهر الأردن، كما كان الحمام الزاجل يأتي إليها من مصر متبعاً الطريق نفسها. وكانت في العهد الروماني والإسلامي محطة على طريق القوافل التجارية بين الشام ومصر.
وهي منذ سنة (1304هـ ـ 1886م) في العهد العثماني مركز قضاء يتبع سنجق عكا. وظلّت في العهد الإنكليزي مركزاً للقضاء تابعاً لواء الناصرة. وفي أواخر العهد العثماني بلغت مساحة قضاء صفد 750 كلم مربعاً، 78 مزرعة وقرية تضم نحو 32،137 نسمة. وفي العهد الإنكليزي كان يضم قضاء صفد 69 قرية تضم نحو 53,620 نسمة وكانت كثافة السكان تعدل 77 نسمة في الكلم المربع.
وفي سنة 1948م سقطت صفد بأيدي اليهود بعد دفاع عربي باسل فأصبحت يهودية الأهل والحكم وظلّت مركز قضاء في المقاطعة الشمالية تتبعه مجموعة من المستعمرات اليهودية التي أقيمت على أراضي القرى العربية المدمرة.
ةكانت اتصالات الصفديين بالعامليين، واتصالات العامليين بالصفديين اتصالات عريقة دائمة، وكان سوق الخميس في بنت جبيل يمتلئ بالصفديين البائعين المشترين، حتّى لقد كان النقد الفلسطيني نقداً متعاملاً به في بنت جبيل وما إليها للعلاقة التجارية الوثيقة بين صفد وقضائها وبنت جبيل وناحيتها:
وقلّ أن يخلو يوم من الأيام لا يكون فيه صفديون ضيوفاً في بنت جبيل أو جبيليون ضيوفاً في صفد.
وفي صفد هذه يقول العالم اللغوي العاملي الشيخ أحمد رضا من قصيدة:
يا ليله في (صفد)
فيها نبا بي مرقدي
كأنّني من وحدتي
وكربها في صفد
وفي تهود صفد يقول الشاعر سليمان العيسى من قصيدة:
ـ كانت الأرض: الحقيقة.
وحدها… كانت فلسطين الحقيقة.
آه… مَنْ يذكر «سخنين» القتيل؟
لمْ تموتي يا عصافير الجليل.
لم تمُتْ زنبقتي البيضاء في أعلى «صفَدْ».
ذات يوم… أثبت الخنجر في قلب الجسد!!
* * *
الصفراء
ويقال وادي الصفراء
موقع من ناحية المدينة وهو وادٍ كثير النخل والزرع والخير في طريق الحاج بينه وبين بدر مرحلة وماؤه كلّه عيون فوق ينبع سلكه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) غير مرّة([331]). وقد ورده الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم الأحد ثالث عشر من ذي الحجة سنة 60 هجرية وقال صاحب الحدائق الوردية: كان مُجمع بن زياد وعباد بن مهاجر في منازل جهينة حول المدينة فلمّا خرج الإمام الحسين (عليه السلام) من مكة إلى العراق مرّ بهم وتبع مجمع وعباد في من تبع الإمام الحسين (عليه السلام) من الأعراب ولازموه إلى الطف واستشهدوا في يوم عاشوراء بكربلاء.
عبد الحسين الصالحي
صفوى
مدينة تاريخية قديمة، يقع إلى جانبها مقلع (جاوان) الغني بآثار الحضارات البائدة. تقع صفوى شمالي القطيف وبينها وبين ميناء رأس تنورة المرفأ النفطي المعروف كيلومترات معدودة.
أسرُ المدينة خليط من ذوي الأصول القبلية المعروفة ومن أحفاد القبائل القديمة التي سكنت المنطقة قبل الإسلام.
خرج منها العديد من الفقهاء والخطباء. وإليها ينسب سلمان الصفواني الذي هاجر منها في صباه للدراسة الفقهية في العراق ثم استقر هناك وصار من كبار الصحافيين العراقيين بإصداره جريدة اليقظة، ومن أركان حزب الاستقلال. كما كان وزيراً في إحدى الوزارات العراقية.
الصفويون([332]*)
التمهيدات لظهور الصفويين
حكومة السربداريين الشيعية تمهد لسلطة الصفويين
بقلم محقق إيراني
من الأمور المهمة جدّاً التي كان لها بُعد رئيسي في جذب علماء الشيعة نحو الصفويين هي ثورة الشاه إسماعيل على أساس ترويج المذهب الشيعي. وحسب ما تنقله بعض التواريخ من أنّ أجداد الشاه إسماعيل وعلى رأسهم الشيخ صفي الدين الأردبيلي كانوا من الصوفية الحنفية وليس في سلالتهم إلى ما قبل جنيد وحيدر ما يشير إلى تشيعهم، فإنّه ليتبادر إلى الذهن هذا السؤال: كيف غيّر الشاه إسماعيل مذهبه من التسنن إلى التشيع([333])؟ بالرغم من أنّ حيدر وجنيد والد وجدّ الشاه إسماعيل كانا في قتال مع الأعداء وعليهما أن يقبلا في هذا المضمار إيديولوجية التشيّع للاستفادة من إلماماتها الحركية لتغذية أحاسيس أنصارهما القتالية إلاّ أنّ هذا وحده ليس كافياً ليؤثّر في طفل صغير مثل الشاه إسماعيل الذي فقد في طفولته أباه.
الشاه إسماعيل الذي قضى أعوام طفولته في لاهيجان عند حاكمها الشيعي السيد علي أكبر كيا زعيم سادات جيلان وتمتع حتّى الثالثة عشرة من عمره بتربية هذا الزعيم المادية والمعنوية([334]). لا شك أنّ مفاهيمه العقائدية والسياسية قد تكوّنت خلال هذه المدّة. وحسب تسلسل الوقائع التاريخية فإنّ السيد علي كيا كان هو من تلاميد السيد قوام الدين المرعشي زعيم المرعشية في مازندران وأنّ السيد قوام كان من تلاميذ السيد عز الدين السوقندي من عمال الحاكم الشيعي السربداري الذي سيأتي الكلام عنه([335]).
كان السربداريون قد تمكّنوا من الاستمرار في السلطة سنوات كثيرة دون أن يتوصلوا إلى تحقيق نيتهم بقيام العالم الإسلامي الشيعي. وبالرغم من ذلك فبالإمكان اعتبار حكومتهم تمهيداً للحكومة الصفوية الشيعية.
ثورة المرعشيين مستلهمة من ثورة السربداريين
حاكم المرعشيين الشيعي في مازندران الذي كان قد حقق نموّه السياسي والمذهبي عند السربدار كان في نهجهه وأسلوب حكومته يُقلّد نهج السربداريين وأسلوبهم.
جاء في كتاب ظهور الدولة الصفوية: أنّ مازندران منذ صدر الإسلام وتغلغل الثقافة الإسلامية في منطقتها كانت قاعدة الشيعة وموطن العلويين. وكانت هذه المنطقة من الناحيتين السياسية والعسكرية في مستهل ثورة المرعشيين، تحت سلطة حكّام الأسر المحلية… وكان هذا عندما أنهى السيد قوام الدين المرعشي درس مبادئ التشيّع في خراسان عند السيد عز الدين السوقندي أحد تلاميذ الشيخ حسن الجوري وعاد إلى مازندران واشتغل في هداية الناس وإرشادهم. وبلغ من النفوذ المذهبي ما جعل افراسياب الجلاوي يستغل وجوده ليصبح مريده إلاّ أنّ هذه الإرادة لم تستمر طويلاً وبدأ النزاع بين المجموعتين (أنصار السيد قوام) والجلاويين (أنصار افراسياب) ما أدّى في النهاية إلى هزيمة الجلاويين والقضاء عليهم وأصبحت مازندران تحت سلطة السادات المرعشيين. وقد عيّن السيد قوام (المير الكبير) أبناءه السيد كمال الدين والسيد رضي الدين والسيد عبدالله و… حكاماً على أربعة مناطق من مازندران وأوجد حكومة على شاكل حكومة السربداريين في خراسان.
وكان المرعشيون قد فرضوا سلطتهم السياسية والعسكرية حتّى نواحي قزوين كما وحّدوا جميع منطقة طبرستان ورويان ومازندران تحت مظلة التشيّع.
ولم تمض مدّة حتى دخل تيمور إلى مازندران ربما بتحريض اسكندر الشيخي ابن افراسياب الجلاوي. وبعد مقاومة عنيفة استسلم المرعشيون لتيمور وتمّ إبعاد زعمائهم إلى ما وراء النهر. ومنذ هذا التاريخ بدأ المرعشيون في مازندران بالإنطفاء سياسياً وعسكرياً، ولكن ظلّوا إلى عصر الصفويين أسرة من الأُسر المهمة في مازندران، إلاّ أنّ السيد علي كيا الذي كان قد ترعرع عند السيد قوام الدين المرعشي وفق العقيدة الشيعية ذهب إلى جيلان وأسّس هناك حكومة مستقلة صغيرة. وكان من مريدي أجداد الشاه إسماعيل وآبائه ولهذا فإنّ الشاه إسماعيل قضى طفولته عنده.
تسلسل صلة الشاه إسماعيل
مع ثورة السربداريين الشيعية
برز المذهب الشيعي بعد الزحف المغولي وسقوط الخلافة العباسية في مجالين: المجال المذهبي والمجال السياسي العسكري.
أ ـ في المجال المذهبي كان أهم زعمائه نصير الدين الطوسي والعلامة ابن المطهر الحلي، وابن مكّي (الشهيد الأوّل) والسيد حيدر الآملي وابن فهد الحلي وغيرهم وكان هؤلاء على الغالب يسيرون على الأسلوب الفقهي الشيعي ونشر الأصالة الشيعية وكانوا يسعون في مؤلفاتهم وبحوثهم ومطالعاتهم إلى إعطاء فقه التشيّع ثمنه الكبير ويقومون بحل مسألة الولاية.
ب ـ إنّ التشيع الذي أبرز نفسه حركة سياسية عسكرية كان أكثر فعالية ممّا كان في عصر السربداريين وكان زعماء السربدارية، يمثلون التشيّع في أبعاده الثورية وحركاته السياسية العسكرية. واتهموا الشيخ خليفة بما اتهموه به حتّى قتل. أمّا تلميذه الشيخ حسن الجوري فقد اضطر للهجرة وتجول في أنحاء منطقة خراسان الكبيرة لتعليم مبادئ الشيعة، ويُقال إنّه سافر إلى العراق أيضاً. وقد هيأت تعاليمه الشيعية لثورة شاملة. وبعد استشهاده تابع تلاميذه، تعليمات أستاذهم وبدؤوا بالدعاية لأصول ثورة شيعية. أمّا صلة التسلسل لثورة الشاه إسماعيل الشيعية مع ثورة السربداريين فقد قامت على أنّ إسماعيل ابن حيدر بعد أن نجى من السجن وهو في السادسة من عمره ذهب إلى لاهيجان لائذاً بالسيد علي كيا الزعيم الديني الشيعي لتلك المنطقة وقضى أيام طفولته هناك حتّى بلغ الثالثة عشرة من العمر في ظل أسرة كيا وترعرع هناك ودرس العلوم المذهبية، ومن هنا بدأ حركته السياسية العسكرية نحو مدينة أردبيل.
كان السيد علي كيا من سادات بلاط جيلان تتلمذ على السيد قوام، وعاد إلى مسقط رأسه جيلان بمساعدة جيوش المرعشيين وبعد أن قضى على القوى والسلطات المحلية في جيلان، أسّس حكومة آل كيا القائمة على التشيّع في جيلان. وكان السيد قوام الدين المرعشي قد درس المعارف الشيعية عند السيد عز الدين السوقندي في خراسان وكان السيد عز الدين السوقندي أحد تلاميذ الشيخ حسن الجوري.
حول نزعة الشيخ حسن الجوري الشيعية قال ابن بطوطة في رحلته ما مضمونه: «كان في مشهد طوس شيخ رافقني اسمه حسن وكان من صلحاء الشيعة. وكان قد اعترف بأعمال هذه الفرقة السربداريين وعيّنه هؤلاء خليفة. وحول صلة عز الدين السوقندي بالشيخ حسن الجوري جاء في حبيب السير: «عندما رجع الشيخ حسن إلى نيسابور هذه المدينة الهامة ذات الأغلبية السنية مع وجود الشيعة فيها توجه إليه جمهور الناس من سنة وشيعة وحسب ما قال حافظ أبرو إنّ مسألته اشتهرت كل الاشتهار وبلغت أخبار أعماله الخطيرة مسامع الحكام وقالوا إنّه سيخرج ويثور قريباً. في هذه الأحوال التحق به أحد كبار الشخصيات الحكومية وهو الأمير عز الدين السوقندي وكان من كبار رجالات خراسان، ممّا زاد في قوته، وأحدث ضجة في خراسان ومدن بلخ وهرات وعراق العجم والتف حوله الكثير من الناس. والجدول التالي يبيّن صلة الزعماء السربداريين المذهبيين ببقية الزعماء المذهبيين والثورات المماثلة التي تلت السربدارية حتّى ثورة الصفويين الشيعية.
الشيخ خليفة
الشيخ حسن الجوري
السيد عز الدين السوقندي
السيد قوام الدين المرعشي (زعيم المرعشيين بمازندران)
السيد علي كيا (زعيم سادات جيلان)
الشاه إسماعيل الصفوي
هذا الجدول يظهر كيف أنّ التشيع من عهد السربداريين قام بحركة سياسية ـ عسكرية وفتح الطريق أمام تأسيس حكومة الصفويين ومهّد لهم الطريق، لتعلن هذه الحكومة أنّ المذهب الشيعي هو المذهب الرسمي لجميع منطقة الشرق الإسلامي.
ويبدو ممّا تقدّم، أنّ ثورة الشاه إسماعيل بغض النظر عن مبالغات المصادر غير الشيعية في سلبيتها وإجراءاتها الحادّة فيمن هم على غير مذهبها، فإنّ هذه الثورة مع جذور نزعتها الشيعية وعلاقتها مع السربدارية ترد بوضوح على السؤال الأوّل وهو أنّ النزعة الشيعية للشاه إسماعيل لم تكن حدثاً عشوائياً كما أنّه حسب القاعدة فإنّ طفلاً في تلك السنوات من عمره لا يمكن أن يخطط لتغيير المذهب بصورة مدروسة للوصول إلى الأهداف السياسية. إضافة إلى ذلك، فإنّ الأوضاع السياسية في القرن العاشر للهجرة لم تكن فيها عراقيل كما هو الحال في عصرنا الحاضر. لهذا، فإنّ الشيعة ولا سيّما علماء الدين شعروا في تيار طبيعي بأنّ ثورة الشاه إسماعيل هي ثورتهم فدعموها.
لا سيما وقد كانت الأقلية الشيعية قد عانت العذاب والحرمان التاريخيين ما عدا فترة قصيرة من الزمان. لذلك كانت الأقلية بالمرصاد لمثل هذه الفرص الذهبية لتحقيق وكسب وإحياء حقوقهم التي فقدوها. وعلى هذا فإنّ علماء الشيعة نظروا إلى ثورة الشاه إسماعيل الحديثة نظرة مذهبية مصحوبة بالقداسة فدعموها.
لا مجال لنؤكد بوضوح مقدار التربية الشيعية الفقهية لإسماعيل الصفوي ولا ما كان فيه من ميراث التشيّع الصوفي الغالي المتبقي من آبائه وأجداده وما كان موجوداً في ضمير هذا الطفل البالغ من العمر ثلاثة عشر سنة في بداية ثورته. وعلى المحققين أن يهتموا بهذا الموضوع. ولكن مهما كان فإنّ الشاه إسماعيل بدأ حكومته بركام من هاتين النزعتين وأنّ أنصار تينك الفكرتين كانوا يمتازون بموقع جيّد في حكومته ولكن بعد الاستمرار مال عن التشيّع الغالي إلى التشيّع الفقهي ودعا الفقهاء أمثال المحقق الكركي للتعاون معه.
أحمد بن فهد الحلي الممهد
لثورة الشاه إسماعيل الصفوي الشيعية
أحمد بن محمد بن فهد الحلي الأسدي المكي، الملقب بجمال الدين، كان فقيهاً فاضلاً محدثاً عابداً زاهداً من أكابر علماء الشيعة في القرن التاسع الهجري وهو صاحب كتاب الفقه الثمين «المذهب البارع».
زاد الفقهاء الشيعة مقتدين بابن المطهر في جهودهم في مجال تطوير المذهب في السلالات الحاكمة ودعوتها إلى «التشيّع الأصيل». ومن بين هذه المساعي ما بُذل من قبل الفقيه الشيعي الجليل في عصره «أحمد بن فهد الحلي» (المتوفى سنة 841هـ). والميرزا اسپند بن قراه يوسف شقيق جهانشاه قراقر يونلو استدعى بعد حكومة استمرت اثني عشر سنة في العراق ـ استدعى سنة ثمانمائة وأربعين هجرية ابن فهد وجماعة من العلماء الشيعة المقيمين في مدينة الحلة وعقد اجتماعاً ضمّ العلماء والمتكلمين. كما أنّ السلطان الإيلخاني خدابنده محمد ألجايتو» عقد مثل هذا الاجتماع وقد طلب الميرزا اسپند من المجتمعين المناقشة في موضوع الإمامة، وجرى البحث في ذلك بين العلماء غير الشيعة والعلماء الشيعة في هذا الموضوع وأقام ابن فهد في ذلك الاجتماع الأدلة والبراهين القاطعة على صواب الرأي الشيعي ما حمل الميرزا اسپند على التخلي عن عقائد أسلافه والترويج للتشيّع وأمر بأن تُقرأ الخطبة باسم الأئمة الإثني عشر في بلاد العراق وأن تنقش أسماؤهم على مسكوكات الدراهم والدنانير، ولم يتساهل خلال فتوحاته المتتالية في أطراف العراق مع المعارضين.
(راجع: السربداريون)
ظهور السلسلة الصفوية
منعطف تاريخي هام في إيران
كلما كان يتّسع نطاق التشيّع في فترة القرن التاسع في إيران كانت مراتب السلسلة الصوفية الشيعية تزداد تنوّعاً وانقساماً، فأقدم هذه السلاسل هي السلسلة الصوفية الصفوية، أتباع الشيخ صفي الدين إسحاق الأردبيلي، التي حظيت ـ نوعاً ـ بطابع سلطوي جزئي بانتساب رجالها مصاهرة لأفراد القبائل التركمانية الذين عرفوا باسم (الآق قويونلو). وبمساعدة عوامل عديدة أخرى آلت بهم إلى تأسيس جهاز إداري محكم أشبه بالسلطة المصغرة، وهو الذي ظلّ نشطاً وفاعلاً إلى حين وصولهم إلى السلطة الحقيقية العامة الشاملة في جميع أنحاء إيران، وذلك في بدايات القرن العاشر الهجري.
وأخذت هذه السلسلة الشيعية ـ الصفوية على عاتقها من بدء أمرها إرساء قواعد تمهّد لتأسيس دولة إيرانية مستقلة في المستقبل معتمدة على أصول المذهب الشيعي الإثني عشري، بعدما كانت إيران خاضعة لفترة زمنية طويلة لسلطة الحكومة الأجنبية.
يعد ظهور السلسلة الصفوية في الحضارة الإيرانية انعطافاً تاريخياً مهماً لأنّها أعادت لإيران ـ بعد قرون عديدة ـ كيانها ووحدتها كدولة مستقلة في الشرق الإسلامي، بعدما كانت ممزقة خاضعة لسلطات أجنبية.
وفي هذا البحث نورد بمجمل الأسباب التي ساعدت الصفويين على وصولهم إلى السلطة، مضافاً إليها بعض الحوادث الأخرى التي حدثت في هذه الفترة:
سلسلة المتصوفين الشيعة
ظهرت في العالم الإسلامي في فترة القرن السابع الهجري سلسلة من المتصوفين يأخذون إلى حد ما بمبادئ الشيعة ثمّ السعي لنشر تلك المبادئ فساعدتهم السلالة الصفوية على ذلك، ومن هذه السلالات:
1 ـ السلسلة النعمة اللاهية:
كان رأس هذه السلسة هو الشاه نعمة الله ولي الكرماني (730ـ827هـ) من الشيعة. وكانت تربطه علاقات وطيدة بالسلسلة الصفوية الشيعية التي ينتهي نسبها عن طريق إسماعيل بن جعفر إلى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).
وكانت العلامة الفارقة لالتحاق المريد بهذه السلسلة هي ارتداؤه ما يسمّى (الخرقة)، ووضع (طاقية) الدراوشة على رأسه وهي التي كانت تصنع من الإسفنج ثمّ تطوّرت فيما بعد في شكلها وهيئتها فصارت تدعى بـ (التاج ذي الخمسة انشقاقات أو طيّات) وهي إشارة رمزية إلى عدد أصحاب الكساء الخمسة، وتطوّرت بعد ذلك هذه الطيّات أو الانشقاقات إلى إثني عشر شقاً أو طياً، رمزاً إلى عدد الأئمة الإثني عشر وكانت هي العلامة البارزة لحركة هذه السلسلة مع الصوفيين ونشاطها.
2ـ السلسلة النوربخشية:
كان يرؤس هذه الفرقة الصوفية الشيعية محمد نوربخش القائيني الخراساني من بداية تأسيسها حتى بروزها في القرن الثامن الهجري.
وكان ينتهي نسبهُ بسبعة عشر واسطة إلى الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، ولد في قاين خراسان سنة (795هـ) وتوفي في ولاية سولقان سنة (869هـ).
ارتدى السواد وجعله شعار حزن حداداً على شهداء كربلاء. وهو من الذين تلمذوا عند المرجع الشيعي الكبير أحمد بن فهد الحلي وكان من مريدي الخواجة إسحاق الختلاني الذي كان دائماً في صدد النهوض على شاهرخ لتأسيس دولة شيعية في خراسان.
وكان له ـ السيد محمد نوربخش ـ ولأتباعه دور هام في نشر المذهب الشيعي في القرن التاسع من الهجرة؛ فكانت إحدى شروط الالتحاق به لإكمال سير الملوك هي اعتقاد المريد بمبادئ التشيّع.
ومن حسن حظ أولاده أنّهم لاقوا إقبالاً شديداً من قبل الجماهير من بدايات ظهورهم على الساحة على شاكلة نظرائهم من أخلاف الشاه نعمة الله ولي؛ فسرعان ما أبدلوا منصّات إرشادهم التي كانوا عليها إلى أجهزة ومراكز للقوّة والنفوذ السلطوي أينما كانوا، مساندة للدولة الشيعية الصفوية في إيران، فأعلنوا تعاضدهم معها وظلّوا يتعاونون فيما بينهم باستمرار.
3ـ السلسلة الذهبية:
تستند هذه الفرقة في انتساب سلسلة ولايتها إلى الإمام الرضا (عليه السلام) وأوّل أقطابها هو الكرخي المعروف (كان ما بين سنة 155ـ200هـ) وغالب سلاسل المتصوفة الشيعية تنتمي إليه.
ومن أقطابها المشهورين بعد الكرخي الشيخ نجم الدين كبرى (المقتول سنة 618هـ) وهو الذي اشتهرت الفرقة الكبروية باسمه؛ ومشايخ هذه السلسلة هم من الشيعة، وقد اشتغل عشرة منهم في منصب الإرشاد الديني في العهد الصفوي.
وكما زالت معظم الخلافات التي كانت قائمة بينهم على أيام الشاه إسماعيل خاصة، الذي قرّر أن يجعل المذهب الشيعي مذهباً رسمياً للدولة. وبذلك تحرّر متصوفو الشيعة من قيود التقية وعلى رأسهم هذه الفرقة بالذات، فأعلنوا أسرار الولاية الصوفية ـ العرفانية، فأحدث الحاج محمد الخبوشاني منصباً للإرشاد على أيام الشاه إسماعيل نفسه ففتحت مقراتهم المسمّاة بـ (خانقاه) أبوابها لعامّة الناس ووسعت من دائرة مجالس الوعظ والإرشاد. ونشر فضائل آل بيت الرسول (صلّى الله عليه وآله) ومناقبهم، حيث كان الخبوشاني يحمل دائماً كتاب (أعلام الهدى) من تأليفات الشيخ شهاب الدين أبو حفص السهروردي (539-632 هـ) الذي كان مصنفاً على طريقة المتصوفة من الشيعة باللغة العربية.
فكان يرتقي منبر الإرشاد لوعظ الناس وذلك عن طريق تلاوة هذا الكتاب مفسراً لهم النصوص باللغة الفارسية بغية تفهيمهم إياها.
ظهور آل تيمور
إنّ ظهور آل تيمور على الساحة الإيرانية في القرن التاسع الهجري ساعد في توسعة الحركة الصوفية فيها اتساعاً بالغاً، حيث اكتسبت الحركة الصوفية العالم الإسلامي بأسره وذلك في حدود أواخر القرن الثامن الهجري، بفضل مساعي تيمور كوركان مؤسّس سلالة آل تيمور المعروف بتيمورلنك الذي سرعان ما بدأ باتصالاته الخاصّة مع رؤساء الفرق الصوفية الذين كانوا يعتبرون أهل الحل والعقد في هذه الفترة.
وقد حالفه الحظ في ذلك بوجود علي بن مؤيد الشيعي حاكماً على بعض مقاطعات خراسان وهو الذي كان يضرب النقود باسم الأئمة الإثني عشر (عليهم السلام) ويلقي الخطب على المنابر بالثناء عليهم، فساعد علي ابن المؤيد هذا تيمور في فتحه بلاد خراسان. فكافأه تيمور بإعمال سياسة تفسح المجال للعلويين([336]) وتساندهم. فقويت القاعدة الشيعية للشيخ نعمة الله ولي بسبب هذه السياسة وأدّت إلى انجرار عدد كبير من المغول نحوه.
وقد زار تيمور الخواجة علي مرشد السلسلة الصفوية آنذاك ثلاث مرّات في مدينته أردبيل، وأصبح فيما بعد من أعوانه.
ووهب تيمور أسراه الذين كانوا تحت حوزته وهم الذين كان قد أسرهم في سنة (804هـ) في غزوه لبلاد آسيا، الصغرى إلى الخواجة علي([337]) وذلك بالتماس منه له فتحرر بذلك رؤساء سبع قبائل كبيرة كقبيلة تكه لو، وشاملو واستاجلو، وقاجار، وأفشار، ورملو، وزنگنه؛ فاندمج هؤلاء مع قبيلة (ذو القدر) مكوّنين جيشاً سمّي بجيش قزلباش (ذوو الخوذ الحمراء) وهؤلاء في الحقيقة كانوا الأساس لجبهة (فدائيو الشيعة). فأرسلهم الخواجة علي إلى بلادهم في آسيا الصغرى مشترطاً عليهم ترويج المذهب الشيعي عندهم.
وقد نالت السلسلة الصفوية الشيعية احتراماً خاصاً من قبل أصحاب السلطة، لا سيما على عهد الشيخ صفي الدين الأردبيلي المؤسس الأوّل لها. ثمّ حلفائه الثلاثة الذين تولوا من بعده. فكان الأمراء التيموريون عند تجهيزهم العساكر المتوجهة ناحية غرب مدينة أردبيل يظهرون لهم احتراماته الخاصة، وعلى رأسهم تيمورلنك الذي تأثّر تأثّراً بالغاً بالتشيّع وبذلك زاد من احترام الخواجة علي احتراماً خاصاً.
وبهذا يعدّ بعض المؤرخين تيمور من رجال الشيعة. مضافاً إلى أنّه زار العتبات المقدسة لأئمة الشيعة في الكاظميين والنجف الأشرف وكربلاء مرّتين بعد فتحه مدينة بغداد.
أمّا البعث الآخر كابن عماد فيعدّونه من الأحناف([338]). وعلى أيّة حال فهو كان ينظر إلى العلوي النسب نظرة خاصة، كقضاء حوائجهم وتيسير أمورهم.
وخلاصة القول: إنّ الملوك التيموريين كان لهم الدور الأكبر في نشر التصوّف في أنحاء إيران. فأصبحت السلسلة الصفوية هذه على أيام هؤلاء الملوك حركة تنظيمية ثورية إدارياً وكان على رأسها الخواجة علي، فاستحكمت أيضاً وجودها وموقعيها المعنوي والسياسي في آسيا الصغرى وفي إيران، وبلغ الخواجة ذروته في السيطرة المعنوية على بلاد إيران والأناضول وذلك عن طريق مريديه الذين كانوا يأخذون الطريقة عنه مباشرة.
التصوف في البلدان العثمانية
ظاهرة التصوّف في آسيا الصغرى، تأتي إثر ظهورها في إيران بدليل المدونات العرفانية الأولى التي وجدت هناك وكانت مكتوبة باللغة الفارسية.
ويعتبر القرن السابع الهجري فترة ظهورها في البلدان العثمانية؛ وقد لاقت هذه الظاهرة استقبالاً حافلاً حيث أصبح لها شأن عظيم، فقد أُرغمت القبائل التركمانية على الهجرة نحو بلدان آسيا الصغرى إثر حملات المغول، فكان منهم الصوفي السيد محمد الرضوي المعروف بـ (بكتاش ولي) المتوفى سنة (738هـ). وعلى إثر انتمائهم للتصوف ترعرعت فيهم ـ أي القبائل التركمانية في آسيا الصغرى ـ روح التوسع وفتح البلدان؛ فقاموا بثورة بقيادة بابا إسحاق الكفرسودي ـ التركماني ـ على مظالم غياث الدين كيخسرو الثاني (634ـ642هـ).
وكانت المبادئ الأولية لهذه النهضة مستقاة من روح التشيّع؛ فصار الجنود يتمردون على أوامر السلطة عندهم، فكان من غياث الدين أن استعان بالجنود الأناضوليين لمقابلتهم واستئصالهم. ومن هنا تأسست النواة الأولى لهذه النهضة البكتاشية، واشتهر مرشدها البكتاشي السيد ـ محمد الرضوي الخراساني المعروف بالحاج بكتاش ولي اشتهاراً عظيماً بين القبائل التركية والتركمانية؛ حتّى أصبحت لديه فرقة خاصة به سمّيت باسمه، ولقّب أيضاً بعض المماليك بنفس اللقب آنذاك.
وانتشرت هذه الطريقة البكتاشية انتشاراً واسعاً في أوساط الجيش العثماني، وكان هؤلاء البكتاشية ـ يعتمدون غالباً في عملهم هذا على المسيحيين الذين كانوا قد اعتنقوا الإسلام في صباهم، وهم كانوا ـ أي هؤلاء المسيحيون المسلمون ـ يشكلون فرقة خاصّة في الجيش العثماني سمّيت بـ (يني جري) أي الفرق الحديثة. وبذلك اختصّت هذه الطريقة ـ أي الطريقة البكتاشية ـ بالجيش التركي الحديث الذي كان أكثره من المسيحيين في الأصل، وانتشرت هذه الطريقة في سائر أنحاء تركيا فيما بعد، وهي طريقة ذات نوازع شيعية([339])، وكانت مراكزهم منتشرة في أكثر بقاع الأناضول والجزائر ومصر والشام والعراق.
وعند ظهور الصفويين في آذربيجان، اكتسبت السلسلة ـ البكتاشية في منطقتها في آسيا الصغرى أهمية كبيرة. فزاد زخم انتشار هذا النوع من التشيّع الغريب في الأوساط الاجتماعية في شبه جزيرة الأناضول. وقد لاقى هذا الانتشار استقبالاً حافلاً من قبل أئمة السلسلة الصفوية في أردبيل حيث بدأ العمل بها لأوّل مرّة عن طريق الانتماء إلى التصوف أوّلاً وصولاً إلى النصف الثاني من القرن الخامس عشر الميلادي أي في عهد أئمة الصفويين المتأخرين كالشيخ جنيد وحيدر حيث تحوّلت هذه الظاهرة إلى نهضة شيعية ـ قزلباشية اجتاحت أكثر نواحي الأناضول.
إلى أن ّجعلوا من هذه البلاد مركزاً شيعياً وذلك في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي.
أضف إلى ذلك أنّ قواد ورؤساء دولة القراقويونلو الذين كانوا في العراق وآذربيجان أبدوا حبّهم الشديد لهم، حتّى عُدّ المرشد بوداق ابن جهانشاه شخصية شيعية صلبة جدّاً فيهم. فأصبح هؤلاء في الصفوف المتقدمة لتحقيق مرام الصفويين بغية توحيد أمورهم وكلمتهم آنذاك.
وإنّ الصفويين قد أوثقوا عراهم من البداية مع التشيّع بسبب تعايشهم مع سلطة السربداريين([340]) في خراسان أوّلاً وحكومة السادات المرعشيين في مازندران وگيلان؛ كما كانت العلاقات قائمة بينهم في أردبيل وبين السلسلة النعمة اللهية في ماهان باستمرار وبصورة مباشرة.
الحكمة الشيعية والعرفان
إنّ بدايات القرن السابع الهجري كانت زاخرة بالميل نحو الباطن ومعرفة الأسرار والمعارف الإسلامية الباطنية، في سائر الدول الإسلامية.
كذلك برز من بين الشيعة رجال مرموقون مثل ميثم البحراني (ت679هـ) ممّن بذلوا جهودهم الجبارة في سبيل إبراز أوجه النظريات الفلسفية والكلامية والعرفانية آنذاك. فنرى أنّ ميثم البحراني صار في زمرة المفكرين الشيعة الذين نحوا هذا المنحى فاهتم كثيراً بالكلام والعرفان والفلسفة؛ وأدل دليل على ذلك هو شرحه لنهج البلاغة حيث نرى أنّ مزج العرفان مع المبادئ الشيعية بادٍ فيه. كما أطنب السيد بهاء الدين حيدر بن علي العبيدي الآملي (ت794هـ) في شرح العلاقة بين العرفان والتشيّع. وكذلك جمال الدين أبو العباسي أحمد بن فهد الحلي (756هـ ـ 841هـ)، وابن أبي جمهور الأحسائي (ت بعد سنة 901هـ) هؤلاء كلّهم ساهموا في شرح العلاقات الموجودة بين العرفان والتشيّع.
وقد أسهم هذا التراث الفكري الذي خلفه هؤلاء الفحول في شرح كلّ أشكال الترابط بين مبادئ التشيّع والتصوف([341]) الذي أصبح فيما بعد الدافع الأساسي للتطور الفكري لغالب مراتب السلسلة الصوفية الشيعية وعلى الخصوص الصفوية منها حيث تأثّروا تأثيراً بالغاً بهذه المبادئ والأطروحات التي صنّفها الفقهاء والمتكلمون الشيعة من الصفويين، لا سيما التي كانت على عهد المرشد الروحي الخواجة علي (ت830هـ)، وهي التي تحوّلت بدورها إلى حركة تنظيمية سياسية شيعية كانت تهدف إلى تأسيس دولة شيعية مركزية في إيران.
وأمّا في القرنين الثامن والتاسع الهجريين فقد امتزجت حكمة الأشراق السهروردية مع سلك العرفان لابن العربي، بالإضافة إلى وجود تعليمات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) التي برزت في بداية الأمر في تحليلات السيد حيدر الآملي، وابن أبي جمهور الأحسائي، فبزغت نتائجها الأولية في فكر مدرسة أصفهان، لا سيما في كتابات الميرداماد، والملا صدرا، والقاضي سعيد القمي، والفيض الكاشاني، وغيرهم من رجال الفكر في هذا العهد.
فغدا الملا صدرا الشيرازي من أبرز وجود هذه المسيرة الفكرية والعمود الفقري لحيويتها في هذا النوع من النمط الفكري في دين التشيّع، ولا شك في أنّ اسمه ومنهجه صارا محوراً تدور رحى الحياة المعنوية والعقلية للشيعة حولها خلال فترة هذه القرون الثلاثة الأخيرة.
أهل السنة الإثنا عشرية
وفي القرنين الثامن والتاسع أصبحت جميع فرق السلالات المُتصوفة في إيران تابعة لمبادئ الشيعة كالسلسلة النعمة اللاهية، والسلسلة الصفوية والسلسلة النوربخشية، وكذلك الذهبية. وسبّب هذا الانتماء إلى التشيّع إيجاد تأثير عميق في المجتمع الإيراني خصوصاً في المجال المعنوي والسياسي وذلك قبيل ولادة الدولة الصفوية فيه في أوائل القرن العاشر الهجري من هذه الفترة.
أضف إلى ذلك تغلغل السلسلة البكتاشية في مناطق سوريا وآسيا الصغرى تغلغلاً عارماً في كثير من المجالات السياسية والاجتماعية فيها.
وقد بذل فقهاء الشيعة الكبار قصارى جهدهم في إثبات الصلة والترابط بين التشيّع والعرفان أمثال ميثم البحراني (ت679هـ)، والسيد حيدر الآملي (ت794هـ)، والشيخ أحمد بن فهد الحلى (ت841هـ)، وأخيراً ابن أبي جمهور الأحسائي المتوفى بعد سنة (901هـ).
والجدير بالذكر، أنّ معظم فرق السلاسل الصوفية في إيران كانت تخشى من إعلان ولائها لأهل البيت (عليهم السلام)، حتّى ظهور الدولة الصفوية بسبب وجود الضغوط السياسية عليها، فكان من أمرها أن اختارت التقية بسبب هذه الظروف الصعبة.
ولكن السلاطين أنفسهم أظهروا الولاء الشديد العميق للأئمة الإثني عشر للشيعة، فتبلورت بذلك حركة جديدة ظهرت في المجتمع الإيراني سمّيت بأهل السنة الإثني عشرية.
وقد مرّ التشيّع بأدوار ومراحل مختلفة في التاريخ من المضايقات التي كانت تفرض عليه في فترات من طول التاريخ أو فقرات هدوء وترقب. ولكن يمكن تصوّر المرحلة التصاعدية التي مرّ بها والتي كانت بعد القرن السابع من الهجرة.
فظهرت التوجهات نحو الانتماء إلى المذهب السُنّي الإثني عشري في هذه الفترة أي فترة القرنين الثامن والتاسع الهجريين في كثير من المناطق الإيرانية ومناطق ما وراء النهر، وأوضح دليل على ذلك وجود مصنفات – كأمثال كتاب فصل الخطاب لمؤلفه الخواجة پارسا، وكتاب شواهد النبوة، لمؤلفه الجامي، وكتاب وسيلة الخادم لأبي المخدوم في شرحه الصلوات على المعصومين الأربعة عشر لمؤلفه فضل الله بن روزبهان الخُنجي ـ وجودها في هذه الفترة.
وأبرز مصاديق هذا الانصهارالصوفي مع مبادئ الأئمة الإثني عشر هو السيد صفي الدين الموسوي الأردبيلي (ت835هـ) المشتهر بالشيخ الذي صار لقباً له فيما بعد، وهو المؤسس الأوّل للسلسلة الشيعية الصفوية.
لقد تعمقت شخصية الإمام علي (عليه السلام) في النفوس أكثر فأكثر، وأطنب هؤلاء في تحليلاتهم لها. باعتباره ولياً لأوليائهم، وظهر هذا عياناً في غالب أشعارهم وأدبهم الصوفي، كأمثال العطار وجلال الدين الرومي وغيرهم من الشعراء.
وتزامن مع ذلك ظهور العلويين([342]) المتصوفة على الساحة كأمثال أحمد الرفاعي، وإبراهيم الدسوقي، وأحمد البدوي الذين نحوا هذا المنحى أيضاً؛ فألّف كمال الدين حسين بن علي البيهقي السبزواري المعروف بالواعظ الكاشفي (ت910هـ) كتاباً حظي بأهمية بالغة في أوساط المجالس والمنابر الحسينية، سمّأه بـ (روضة الشهداء في مقاتل أهل البيت (عليهم السلام)).
فلقي هذا الكتاب إقبالاً حاشداً لدى معظم المجتمع الإيراني فغدت قراءته في المجالس مهنة امتهنها بعضهم. وعليه، فقد كان يطلق على كل من يعظ الناس ويبكيهم بهذه الطريقة على مصائب الأئمة الأطهار لقب (روضة خوان) أي قارئ العزاء.
إذن، كان لهذا الكتاب شأن يذكر في كسب واجتذاب الكثيرين من سكان المنطقة بصورة خاصّة، ومن ثم المجتمع الإيراني كلّه بصورة عامّة.
وقد أشار إلى ذلك الدكتور كامل مصطفى الشيبي في كتابه (التشيّع والتصوف) بقوله: وعندما ألغيت مجالس الذكر الصوفية من قبل السلسلة النقشبندية أخذ البكاء على الحسين (عليه السلام) دوره رويداً رويداً محله في هذه المجالس. ويضيف قائلاً بأنّه إذا كانت النتيجة هذه التي أخذناها يمكن التثبت من صحتها، فهي تكون بمثابة أوضح دليل لقبول ثقافة المجتمع الإيراني بالفكر الشيعي في هذا القرآن؛ ولم نكن حينئذٍ نبالغ في قولنا بأنّه ـ أي هذا الكتاب ـ غدا من العوامل الممهدة لنهضة الشاه إسماعيل الصفوي آنذاك.
وألفياً حل هذا الكتاب محل القصص والأساطير التي كانت رائجة في المجالس العامة تحت عنوان (أبو مسلم نامه).
وعلى أيّة حال علينا الإذعان بأنّ الجهاز الحكومي للدولة الصفوية استغل كثيراً مشاعر المسلمين وإحساساتهم في قضية عاشوراء.
وأدخل الملا حسين الواعظ الكاشفي المواضيع العرفانية في مبادئ الشيعة الإثني عشرية، فمزج هذا بهذا، وهو دليل اتساع دائرة انصهار العرفان مع مبادئ التشيّع آنذاك.
الثورات والدويلات الشيعية
ظهرت بعض التطورات في الساحة الإيرانية في القرنين الثامن والتاسع الهجريين فمن جملتها ظهور فرقة السنّة الإثني عشرية من جهة، وظهور السلالات المتصوفة الإثني عشرية أيضاً من جهة أخرى. وقاربها أيضاً حدوث ثورات ودويلات شيعية عديدة، وهي التي كان لها الدور الحيوي في تأسيس دولة الصفويين في إيران.
أضف إلى هذه التطورات حدوث ثورات شيعية عديدة على الخلافتين الأموية والعباسية بعد ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) التي أدّت بالنهاية إلى تأسيس دويلات شيعية مستقلة أو شبه مستقلة في الإمبراطورية الإسلامية، كدولة الأدارسة، ودولة الحمدانيين والفاطميين، والبريديين والبويهيين والكاكوئيين والعلويين في طبرستان، واليمن، والسربداريين، والمرعشيين في مازندران، والكيائيين في گيلان، والمشعشعيين في خوزستان.
وكان ظهور دولة السربداريين في خراسان في القرن الثامن الهجري أوّل نموذج لدولة شيعية مستقلة، فكان لها أهميتها الخاصة باعتبارها أدّت إلى توسّع التشيّع إلى خارج حدود خراسان في ذاك العهد متجاوزة بلاد سمرقند وكرمان بل وسائر أنحاء إيران أيضاً.
فالنهضة الشيعية التي قامت بقيادة السربداريين كان لها الأثر البالغ في إسناد سائر الحركات الأخرى في شتى المناطق الإيرانية، كالتي كانت في مازندران بزعامة السادات المرعشية، وفي گيلان بقيادة سادات كيا.
والجدير بالذكر أنّ حكومة السربداريين في خراسان أوجدت الأرضية المناسبة لتأسيس الحكومة الصفوية التي سيطرت على سائر أنحاء إيران فيما بعد، أضف إلى ذلك أنّها كانت السبب لسيادة المذهب الشيعي وتوسعته.
وكان من أمر الشاه إسماعيل أنّه نشأ أيام طفولته في أحضان سادات آل كيا الذين حكموا إيران لفترة قرنين وأكثر (769ـ1000هـ) من مركزهم مدينة گيلان، فاكتسب المعارف الدينية والمذهبية منهم، ثم بدأ ثورته من المكان نفسه.
دور فقهاء الشيعة في ظهور الدولة الصفوية
وفي خلال تلك الفترات أعطى فقهاء الشيعة المعروفين زخماً قوياً للفقه الشيعي كأمثال الخواجة نصير الدين الطوسي، والعلامة ابن المطهر الحلي، وابن مكي (الشهيد الأوّل)، والسيد حيدر الآملي، وابن فهد الحلي وغيرهم من العلماء.
وبدأت حركة السربداريين السياسية والعسكرية بقيادة علماء الشيعة وكأنّها كانت بداية لتمهيد الطريق لارتقاء الصفويين على سدة الحكم؛ بغية إعلان المذهب الشيعي مذهباً رسمياً في المشرق الإسلامي كلّه.
فبعد مجيء المغول، برز العلاّمة ابن المطهر الحلي (648ـ727هـ) في مناظراته في مجلس السلطان أولجاتيو خدابنده؛ فتشيّع السلطان أولجايتو خدابنده إثر ذلك، وأصبح هذا المذهب مذهباً رسمياً للمقاطعات المغولية في الشرق طيلة عشرة أعوام أو أكثر من القرن الثامن الهجري.
وكان لمحمد بن مكي العاملي (الشهيد الأوّل) مكاتبات أيضاً مع رؤساء حركة السربداريين، سعياً لتوجيههم وإرشادهم في هذا السبيل.
وقد ناقش ابن فهد الحلي (ت841هـ) بدوره أيضاً العلماء في بلاط (اسبند ابن قراه يوسف؛ ابن أخي جهانشاه قراقويونلو)، فأعلن هذا السلطان إثر ذلك المذهب الشيعي مذهباً رسمياً في ولايته.
فأصبحت السلالات الحاكمة آنذاك أمثال سلسلة چوپائيان، وآل جلائر، والسربداريين، وقراقويونلو، كلّها ذات إيديولوجية شيعية([343])، بسبب هذه المساعي الحثية التي بذلها هؤلاء الفقهاء الذين اشتهروا بتضحياتهم آنذاك في المجالين السياسي والمذهبي معاً.
فإذن، إنّ توالي هذه الحكومات الشيعية في مناطق الشرق الإسلامي بعد فترة ظهور المغول في هذه المناطق كانت من الأسباب التي مهّدت الطريق لتأ|سيس الحكومة الشيعية الصفوية في إيران.
السلسلة الصفوية([344])
1 ـ الشيخ صفي الدين الأردبيلي:
تمكّنت السلسلة الشيعية الصفوية من تأسيس دولة شيعية مستقلة في إيران وذلك في بدايات القرن العاشر الهجري مستندة إلى مبادئ المذهب الشيعي، بعد أن مضى شطر طويل من خضوع هذه المنطقة لسيطرة الحكومات الأجنبية عليها.
ومؤسس هذه السلسلة هو الشيخ صفي الدين الأردبيلي (ت735هـ). الذي سمّيت السلسلة باسمه. وفيروز شاه زرين كلاه هو أوّل شخصية من هذا البيت تناوله المؤرخون. عاش في القرن الخامس الهجري في أذربيجان. اشتهر بالزهد والورع والتقوى والالتزام الديني والشهامة، فاكتسب بذلك شهرته، والتف حوله عدد يسمّى الواحد منهم المريد، وازداد عدد هؤلاء المريدين فيما بعد يوماً فيوماً والتفوا حول أولاده وأحفاده أكثر فأكثر.
وكان الشيخ أمين الدين جبرائيل، والد صفي الدين الأردبيلي، يتمتع بكثرة مريديه، وهو كان من سكان بلدة كلخوران القرية من أدربيل. ولكنّه ارتحل منها على إثر حملة الجورجيين عليها متوجهاً إلى شيراز، ومكث هناك عشرين سنة في حلقة الخواجة كمال الدين عربشاه الأردبيلي، وتزوج فيما بعد من ابنته المسمّاة بـ (دولتي)، ورجع ثانية إلى بلدته كلخوران، ورزق من هذه المرأة الإيرانية (دولتي) مولوداً ذكراً سميّ بـ (صفي الدين إسحاق) وذلك في سنة (650هـ).
ودخل الصفويون على عهد الشيخ صفي الدين في مرحلة تاريخية جديدة فبقدر أن ارتقى الشيخ صفي الدين إلى زعامة الطريقة الصوفية هذه، عزم على الرحيل من مدينته أردبيل إلى شمال البلاد، والتحق بصفوف مريدي الشيخ إبراهيم الملقب بالشيخ زاهد الكيلاني (ت700هـ) أحد أكبر علماء الشيعة في منطقته، وتزوج من ابنته المسماة بـ (فاطمة خاتون). وكان من أمر هذا الشيخ أن كان يتمتع بكثرة مريديه، حتّى ناهز عددهم المئة ألف نسمة، وعدد من يخدمه منهم ألفي نسمة.
وكان من نتائج هذا الزواج الميمون من هذا الصهر الشجاع الكريم بأنّه أصبح فيما بعد قطباً من أقطاب سلسلته، فازدحم عليه الناس بسبب كرمه أكثر فأكثر. وورث شيخه الكيلاني بعد وفاته، وبعد تمركزه هو في مدينة أردبيل، وسمّيت السلسلة باسمه؛ وقد قيل بأنّه بلغ عدد الوافدين إليه ثلاثة عشر ألف نسمة خلال خمسة أشهر من مدن مراغه وتبريز فقط.
وفي القرن الثامن الهجري، وعلى أثر بروز منافسات بين المغول وبين دولة المماليك الذين كانوا يعتبرون أنفسهم بأنّهم ورثة العباسيين في السلطة، سطع نجم هذه الجماعة، وساعدهم في ذلك ما كان يتمتع به شيخهم الشيخ صفي الدين من انتمائه بالنسب إلى أهل بيت الرسول (صلّى الله عليه وآله).
كان كثيراً ما يحسم النزاعات التي كانت تحدث بين سكان القرى من الأتراك وغيرهم، فيجلب قلوب الناس بذلك إليه، أضف إلى ذلك أنّه كان حريصاً على تخليص الناس من جور السلطة. وقد انتشر وكلاؤه في سائر أرجاء المشرق الإسلامي يبثون دعوته.
وقد عاصر الشيخ صفي الدين مشاهير رجال الأدب والعلم في إيران كأمثال مولانا جلال الدين الرومي، وسعدى الشيرازي، والأمير عبدالله الشيرازي، والشيخ نجيب بزغوش، وعلاء الدولة السمناني والشيخ محمود الشبستري، والشيخ محمد كچحچي.
وكان من خصوصياته التزامه الشديد بالشريعة الإسلامية، فمن أقواله بأنّه (من لا شريعة له لا طريقة له، وهو خال عن الحقيقة).
وأورد ذكر الشيخ بعد الكتّاب غير الشيعة في كتبهم بألقاب رفيعة. يقول فضل الله بن روزبهان الخنجي: «قطب العالم الشيخ صفي الدين إسحاق…».
وكان الشيخ صفي الدين ينتهي بنسبه إلى الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، وقد أثبت ذلك صاحب كتاب (صفوة الصفا) في الصفحة 70، ويرجع تاريخ تأليفه إلى سنة (759هـ) وهو من مؤلفات درويش توكلي بن إسماعيل بن الحاجي المشهور بابن بزاز الأردبيلي؛ وصححه وحققه غلام رضا الطبطبائي في سنة (1373هـ). هو من الكتب المعتبرة ومن أغنى المصادر التاريخية في سرد حالات الشيخ صفي الدين، من ذكر مناقبه ومقاماته… والكثير من خصوصياته.
والشيخ صفي الدين هو الجد الخامس للشاه إسماعيل والمؤسس الأوّل للسلسلة الصفوية وابن البزاز هذا أصله من أدربيل، وكان يعدّ من مريدي الشيخ صدر الدين (نجل الشيخ صفي الدين وخليفته) من بعده.
وألّف كتابه هذا (صفوة الصفا)، بإيعاز من شيخه وأستاذه الشيخ صدر الدين مستنداً في سرد وقائعه إلى شواهد حيّة، ومن الأشخاص الذين عاشوا الأحداث.
وأمّا اشتهار صفي الدين بالشيخ، فلأنّه كان شيخاً للطريقة وقد انفرد بهذا اللقب دون غيره، حيث نرى أنّه نعت كلّ من جنيد وحيدر من أحفاده وخلفائه بالسلطان لتمتعهم بالمقدرة السياسية فقط دون غيرها.
وأمّا لقب الشيخ فقد اختصّ به كلّ من صار رئيساً للطريقة في أردبيل من عهد صفي الدين إلى انتهاء أيام إبراهيم.
أخذ طريقته من أسوة الأولياء الشيخ زاهد الجيلاني، من مريدي الشيخ جمال الدين التبريزي، وهو من مريدي الشيخ شهاب الدين الأميري؛ تحوّلت هذه السلسلة على أيامه الى حركة نهضوية كسائر الحركات المعاصرة الأخرى آنذاك.
فالجناح العسكري في إيران كان تحت إمرة الأمير چوپان، الذي كان يعتبر أميراً للأمراء على سائر الأراضي الإيرانية.
وذات يوم سُئل الشيخ صفي الدين عن مجموع أتباعه هل هم أكثر عدداً أم الجيوش والعساكر؟ فقال لهم الشيخ: إنّ النسبة بيننا وبينكم هي نسبة المئة إلى الواحد، أي مئة من أتباعنا في مقابل واحد من جيشكم في الكثرة، وكان الأتباع يملأون الآفاق حتّى أقاصي حدود الهند وسرنديب.
توجّه الشيخ في الخامسة والثمانين من عمره إلى حج بيت الله الحرام، مستخلفاً نجله الأكبر صدر الدين موسى، ورجع من حجّه في غرّة محرم الحرام سنة (735هـ) إلى بلدته أردبيل، وتوفي في زوال يوم الاثنين في الثاني عشر من شهر محرم الحرام سنة (735هـ)، بعد مرض دام إثني عشر يوماً.
الشيخ صدر الدين الموسى
هو النجل الأكبر للشيخ صفي الدين؛ تولّى ولاية أبيه بعد وفاته، ولد في أيام عيد الفطر سنة (704هـ) من فاطمة خاتون ابنة الشيخ الگيلاني، وتوفي بعد ما ناهز التسعين من عمره (في سنة 794هـ)؛ قضى 59 منها في خدمة الإرشاد، ودفن في مقبرة آل صفي الدين في بلدته أردبيل عند قبر والده هناك.
لقب بـ (خليل العجم) لكثرة مساعيه في استقطاب الأتباع، باذلاً كل غال ورخيص في هذا السبيل.
وقد بنى صدر الدين مزاراً ضخماً لأبيه وكان من سعته وضخامته أنّه قضى في بنائه عشرين سنة، فكان هذا البناء مقراً لمريديهم. حيث كانوا يجتمعون فيه، ويأتون بالنذور، ولا يصرفونها على أنفسهم، وصار هذا المقام مَعْلَماً شامخاً في ذاك المجتمع، يقصده الحكام والملوك وكان ممّن قصده تيمورلنك.
الخواجة علي
وبعد وفاة صدر الدين، انتقلت قيادة السلسلة الصفوية إلى علاء الدين؛ فلبس السواد وجعله شعاراً له حزناً وحداداً على استشهاد الحسين (عليه السلام)، فلقب بـ (بسياه پوش). واستمرّ بالإرشاد مستنداً على تعاليم المذهب الشيعي بصورة علنية؛ وكان من جملة زواره تيمورلنك حيث زاره ثلاث مرات، وأصبح فيما بعد من مريديه.
وكان من أمره أنّه شجع الأمير تيمور على الإيقاع باليزيديين الذين كانوا يقطنون العراق والشام لتأديبهم، لما كان يعرف من نواياهم العدائية الشديدة للمذهب الشيعي.
استعد الخواجة لإرشاد أهل دزفول إلى المذهب الشيعي، وذلك على إثر رؤيا رآها في منامه بأنّ الإمام محمد الجواد (عليه السلام) يحثّه على ذلك.
وظهرت على الساحة مجاميع فدائية سمّيت بـ (فدائيان تشيّع) وكانت هذه عبارة عن تجمعات للشباب المضحين كما يظهر من العنوان نفسه الذي أطلقوه على أنفسهم؛ وإن دلّ هذا على شيء فإنّما يدل على أنّ هذه الفكرة كانت تدور في مخيلة هؤلاء الصفويين من بدء تأسيس حركتهم وسلسلتهم هذه. وهي تجلّت بأفضل مظاهرها في العلاقات التي كوّنها صفي الدين وصدر الدين مع هذه المجاميع الشبابية في وقتها. وعليه، فقد تحوّلت هذه السلسلة الصفوية إلى منظمة عسكرية شيعية فيما بعد. كما هو واضح ذلك من تاريخهم.
وبناء على طلب من الخواجة علي بادر الأمير تيمور بإطلاق سراح الأسرى الذين كانوا وقعوا في أسره أثناء الحروب التي خاضعها في سنة (84هـ) في مناطق آسيا الصغرى؛ فأطلق بهذه الشفاعة من الخواجة سراح زعماء سبعة قبائل كبيرة هي: تكه لو، وشاملو، واستاجلو، وقاجار، وأفشار، ورملو، وزنگنه.
فأنشأ من هؤلاء ومن قبيلة (ذو القدر) جيشاً سمّاه جيش القزلباشيين (أي أصحاب الخوذ الحمراء)، وهؤلاء هم الذين كانوا بمثابة العناصر الأساسية لـ (فدائيان تشيّع).
فعمد الخواجة على إرجاع قسمٍ منهم إلى مواطنهم الأصلية في آسيا الصغرى، مشترطاً عليهم نشر المذهب الشيعي هناك عندهم.
واستحكمت السيطرة المعنوية للخواجة على أرجاء إيران، بعدما امتدّت هذه السلطة المعنوية إلى أنحاء الأناضول أيضاً؛ فكان من أمر مريديه أنّهم كانوا يأخذون الطريقة منه بصورة مباشرة.
وتوفي الخواجة بعد هذه الزعامة المعنوية السياسية التي دامت مدّة ثمان وثلاثين سنة في الثامن عشر من شهر رجب سنة (830هـ) عند رجوعه من حج بيت الله الحرام في مدينة الخليل المقدسة. فشُيّدَ له هناك مزار كبير، يعرف اليوم بمزار (السيد علي عجم).
وقد حظيت السلسلة الصفوية هذه باحترام خاص من قبل السلطات التيمورية بدءاً من أيام الشيخ صفي الدين وانتهاء بخلفائه الذين توالوا من بعده.
فكان من دأب هؤلاء الأمراء أنّهم إذا أرادوا الشخوص إلى مناطق غرب مدينة أردبيل، أتوا إلى أبواب هؤلاء الزعماء الروحيين مبدين لهم الاحترام الخاص الذي يليق بهم، وتوجهوا بعد ذلك إلى ما كانوا يريدون تنفيذه.
وقد تأثّر تيمورلنك بالمبادئ الشيعية نوعاً ما، فكانت للخواجة عنده مكانة خاصة من الاحترام.
وقد صادف انتشار صدى الإسلام في الشريحة الاجتماعية لمجتمع مناطق الأناضول؛ ظهور السلسلة الصفوية هذه واستحكام أمرها في أردبيل، لا سيما على أيام الشيخ صفي الدين وخلفائه الذين توالوا بعده.
فتكوّنت علاقات بين الشاه قاسم أنوار الذي كان يعتبر من مريدي الشيخ صدر الدين الابن والخليفة من بعد أبيه، وبين السيد نعمت شاه ولي الماهاني الذي كان يظهر انتماءه إلى العقائد الشيعية بصورة علنية.
السلطان جنيد، والسلطان حيدر
وبعد وفاة الخواجة علي خلفه ابنه إبراهيم، وباشر فور وصوله إلى زعامة السلسلة بتوسيع مدى التشكيلات الصفوية وتقويتها في الأناضول.
وأمّا جنيد فعندما ترأس السلسلة، لقب نفسه بالسلطان، وعلى ذلك أدخل التعاليم والفنون القتالية ضمن أسس الطريقة، وحثّ أتباعه على الجهاد.
والسلطان جنيد هذا (ت860هـ) هو والد السلطان حيدر، وجدّ الشاه إسماعيل الأوّل؛ وصل إلى زعامة السلسلة الصفوية في سنة (851هـ) محل أبيه الشيخ إبراهيم، وتزوج من شقيقة أوزون حسن آق قويونلو في ديار بكر.
وفي هذه الفترة من التاريخ حظيت السلسلة الصفوية في أردبيل بأهمية خاصّة، وازداد شأنها عندما تحوّلت إلى سلسلة ذات نفوذ سلطوي على أنّها منذ بداية تأسيسها على أيام الشيخ صفي الدين وحتّى انتشارها بشكل واسع في أكثر أرجاء البلاد تدريجياً على أيدي خلفائه الذين توالوا بعده، كالشيخ صدر الدين، والخواجة علي والشيخ إبراهيم كانت تأخذ مكانتها في القبائل التركمانية وبلاد آذربيجان وبلاد الأناضول منتهيةً بخراسان.
وبرزت هذه السلسلة في الساحة على أيام الشيخ جنيد تنظيماً عسكرياً سياسياً ذا قدرات جبارة، لذلك عمل جنيد في سنة (860هـ) على تجهيز حملة عسكرية على الجراكسة عن طريق شيروان، وقد كان عدد هذه الحملة عشرة آلاف نسمة من مريديه؛ ولكنّه اغتيل على يد شيروانشاه خليل بن إبراهيم.
وهناك شواهد لحالة أو حالتين لنشاط في آذربيجان ذكرتا في تاريخ السلسلة الصفوية الأردبيلية، وكان هذا النشاط موجهاً على الجورجيين، إلى حد أصبحت فيه هذه الحالة وهذا النشاط من أهم المبادئ التي أدخلت في السياسة المتّبعة في طريقة جنيد وأتباعهما. فكانوا يحاربون في طرابزون، ويحاربون في القفقاس، بقيادة جنيد وحيدر.
وكان من أمر السلطان حيدر أنّه وجّه جيشاً إلى مقاطعات القفقاس الشمالية للمحاربة، فانتصر هناك ورجع إلى أردبيل ظافراً، ثمّ كرّ عليهم في حملة ثانية فكان أن عاد بستة آلاف أسير.
تزوّج السلطان حيدر من بنت أوزون حسن، فخلّفت له ثلاثة ذكور، كان أحدهم إسماعيل مؤسس الدولة الصفوية. والسلطان حيدر هذا قرّر أن يمضي في تحقيق ما لم يستطع أبوه من تحقيقه أيام حياته، وكان السلطان حيدر رجلاً ذا عزم وقوّة، تمكّن من إعداد (كوادر) من أتباعه تفوق ممّا كان عند أبيه من أمثالها، ولكن القدر عاجله فاغتيل سنة (894هـ) وهو في ساحة المعركة، وذلك بتدبير مؤامرة اشترك فيها شيرانشاهان وآق قويونلو.
وكان قد أمر أتباعه قبيل مقتله بارتداء زي خاص موحّد لكلّ الأفراد، وأن يضعوا على الرؤوس (طاقية) كانت تتكوّن من شقوق أو طيّات عددها اثنا عشر شقاً أو طياً، وذلك بعدد الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، وسمّيت هذه الطاقية بـ «تاج دوازده ترك حيدري» أو «تاج قزلباش».
ثورة الشاه إسماعيل الصفوي
وبعد اغتيال السلطان حيدر استخلف ابنه الأكبر علي، ولكن ألقي القبض عليه وعلى إخوته وأمّه (مارتا) أخت يعقوب، بأمر من يعقوب الذي كان سلطاناً لآق قويونلو، وأودعوا السجن في “استخر” فارس، فأمضوا ست سنوات فيه. وهم كانوا يتمتعون في هذه الحال بألطاف منصور ـ بك پرناك، حاكم قلعتها، الذي كان من الشيعة المخلصين للشيخ صفي الدين الأردبيلي؛ ثمّ أطلق سراح هؤلاء بعد موت يعقوب وبسبب تشتّت الأوضاع الإقليمية التي كانت تحت سيطرة الآق قويونلويين، لنشوب الحروب الداخلية فيها؛ فأخرجهم (أسرة علي) أحد دعاة الحكومة الذي كان يدعى برستم، ولكن القدر لم يمهله حيث قتل على يد أحد رجال رستم نفسه على مقبرة من أردبيل، وكان قد عيّن أخاه إسماعيل لخلافته قبيل اغتياله.
وكان إسماعيل يبلغ في ذلك الوقت من العمر ست سنوات، فتولّى أمره بعض مريدي السلسلة ـ الذين عرفوا فيما بعد (بأهل الاختصاص)، وتوجّهوا به إلى مدينة گيلان سنة (898هـ)، وبقي عندهم فيها خمس سنوات في ظل الحكومة الشيعية الكيائية الگيلانية هناك.
وقد اكتسب الشاه إسماعيل (المولود 892هـ) مدّة مكثه فيها، من معارف مولانا شمس الدين اللاهيجي وعلومه، كما تعلّم القرآن والآداب العربية والفارسية فيها.
وقد كوّنت هذه الاغتيالات لأسلافه السلطان جنيد والسلطان حيدر والشيخ علي والتي توالت في هذه الفترة العصبية؛ كوّنت له قاعدة شعبية واسعة، فكان القائد المحبوب الأوحدي من قبل أتباع السلسلة الصفوية قاطبة، فكانوا يضحّون في سبيل الدفاع عنه وحمايته كلّ غال ورخيص، وكانوا على أهبّة الاستعداد لأخذ ثأر دماء شهدائهم وقتلاهم.
ويذكر بأنّ السلسلة الصفوية كانت قد تحوّلت في هذه الآونة على يد السلطان جنيد، إلى حركة هدفها تشكيل حكومة شيعية في إيران؛ فتمكّن الشاه إسماعيل من استغلال هذه الظروف وتحقيق هذا الهدف، وتأسيس دولة شيعية قوية في كل أنحاء إيران في أقل من نصف قرن من الزمن.
وقد رأى الشاه إسماعيل وعصبته (أهل الاختصاص) (في سنة 905هـ) بأنّ الوقت قد حان، للأخذ بزمام السلطة؛ فرجع إلى أردبيل وبدأ منها نهضته في شهر محرم الحرام سنة (905هـ)، ولقبوه بلقب الشاه فاجتاح مدينة (أرزنجان) سنة (906هـ)، بسبعة آلاف رجل من الأتباع في تشكيلاتهم المتنوعة المكوّنة من عشائر استاجلو، وشاملو، وروملو، وتكلو، وذو القدر، وافشار، وقاجار، الذين التفوا حوله.
وقد أنشأ الشاه إسماعيل في (أرزنجان) مجلساً للشورى ينظر في أمور الحرب، مستعيناً فيه برؤساء من التركمان للنظر في كيفية البدء في العمل وتنظيمه، وهكذا بُدِئ بالحملة على شيروانشاهان أوّلاً، ثمّ فتح كلّ من مدن شيراوان وباكو، ثمّ انتقم من قتلة أبيه، ثمّ حرّر آذربيجان في سنة (907هـ) من سيطرة بقية سلالة الآق قويونلو. وأخيراَ وضع تاج السلطنة على رأسه في تبريز، واختارها عاصمة له، وضرب فيها النقود باسمه، وأعلن المذهب الشيعي مذهباً رسمياً للدولة.
وفي سنة (910هـ) فتح مدن أصفهان ويزد وكرمان، والقسم الجنوبي من خراسان.
وتوجّه في سنة (914هـ) نحو بغداد واستأصل فيها سلسلة الآق قويونلو، ثمّ كرّ راجعاً إلى خراسان بعد وفاة السلطان حسين بايقرا سنة (913هـ) وأكمل السيطرة عليها. وفي سنة (918هـ) تصرف في مناطق ما وراء النهر.
أمّا حوادث سنة (920هـ) فكانت كما يلي:
تمكّن السلطان سليم العثماني من خلع السلطان بايزيد، وتمّت له السيطرة على البلاد والتغلب على جميع منافسيه. ثمّ قام بقتل الشيعة في تركيا قتلاً عاماً؛ ثمّ توجّه على رأس جيش نحو إيران؛ فهزم عسكر الشاه إسماعيل في منطقة چالدران.
النهضة الصفوية
توفي الشاه إسماعيل في شهر رجب في سنة (930هـ) عن عمر يناهز الثمان والثلاثين سنة، بعد أن وفق في تأسيس أوّل دولة شيعية قوية شملت سائر أنحاء إيران؛ قامت أوّل أمرها على مبادئ صوفية، ثمّ لم تلبث هذه القواعد أن ذابت كلياً واضمحلت بعدما ترسخت الدولة واستقرّت على يد الشاه إسماعيل. ويمكن أن نقول إنّ هذه المبادئ الصوفية صارت تابعة لمبادئ التشيع بعد توطيد الدولة في سائر أنحاء إيران.
وقد طالت هذه الفترة الصفوية منذ نشوئها مبتدئة من أيام الشيخ صفي الدين المؤسس الأوّل لهذه السلسلة الصفوية في أردبيل وصولاً إلى أيام الشاه إسماعيل مؤسس الدولة في الأراضي الإيرانية. وقد كانت فترة ظهورها مشحونة بالاضطرابات السياسية التي عمّت إيران والعراق وبلاد الأناضول.
فكان المسيطر فيها الضعف في الإدارة والشغب وعدم الاستقرار، وكأنّ هذه الفترة كانت حبلى بحوادث وتطوّرات جديدة تنتظرها، فاستغل الصفويون وعلى رأسهم الشاه إسماعيل هذا الوضع الذي كان بعضه من صنع أيديهم. وهنا قد يصعب نوعاً ما التمييز بين خط التشيّع وخط التصوف؛ وعلى هذا يقول (هنري كُربن): لا يمكن تصوّر التصوف الأصيل والحقيقي إلاّ في بوتقة التشيّع لا غير ولما لدينا من الشواهد التاريخية تدل على أنّ هناك أمرين ساعدا الشاه إسماعيل وعصبته الخاصّة (القزلباش) على الوصول إلى كرسي السلطة في إيران. وهما:
الأوّل: وجود الثورات الشيعية بقيادة السربداريين التي ابتدأت وتحرّكت بزعامة الشيخ خليفة، وصولاً إلى عهد السيد كيا مرشد سادات آل كيا في گيلان؛ وحيث أنّ الشاه إسماعيل تربّى ونشأ تحت إشراف هؤلاء السادة آل كيا، فقد بدأ حملته العسكرية من هذه البلدة بالذات.
الثاني: دور السلطات العشائرية التي كانت قد جزأت إيران وحوّلتها إلى مناطق عشائرية، تبيح شتى أنواع الظلم والاستبداد على سائر طبقات الناس والمجتمع.
ففي هذه الفترة كان الإيرانيون يطمحون إلى شخصية لائقة شجاعة تنقذهم من محنهم هذه؛ وتتحرّك لتأسيس حكومة مركزية قوية تقضي على كلّ هذه الاضطرابات. وقد حقق هذا الطموح الشاه إسماعيل، عندما أمسك زمام القدرة، فاكتسب حماية جماهيرية قوية حرصاً منهم عليه.
وما كان هدف الهجمات العسكرية المتتالية من قبل الدولة العثمانية على الأراضي الإيرانية، وهجمات الأزبكيين في شرق البلاد التي شهدتها إيران في ذلك الحين، إلاّ استئصال الدولة الشيعية الناشئة.
ففي هذه الظروف الحساسة أوجب الشعب الإيراني على نفسه وبجانبه علماء الشيعة الالتزام بالدفاع عن خط التشيّع وحفظه مهما كان الثمن، فكرّسوا جهودهم في سبيل تركيز هذه الدولة الصفوية وتقويتها في وجه الهواجس السلطوية التوسعية التي كانت تحلم بها الدولة العثمانية؛ وفي وجّه طموحات الأوزبكيين وانتماءاتهم المذهبية المناوئة لخط التشيّع والدولة الصفوية.
وبظهور هذه الدولة الشيعية ـ الصفوية، غدت إيران دولة لها أهميتها البالغة في المحافل السياسية والأدبية.
وقد مهدت لها توالي الثورات العلوية في المشرق الإسلامي، لا سيما في إيران.
فالفترة بين موت أبو سعيد آخر الملوك الإيلخانيين المغول، ووصول الصفويين إلى سدّة الحكم، كانت ملأى بالهرج والمرج، والانحطاط الأخلاقي والاقتصادي، والاضطرابات الكثيرة، وغير ذلك من الأمور التي كانت من العوامل المساعدة لتبلور مثل هذه النهضة التي كان الناس بانتظارها، يضاف إلى ذلك تشتّت الدولة المغولية آنذاك. فاجتمعت كلّ هذه العوامل التي اعتبرت قوام هذه الثورة.
فمن مخلفات الدولة المغولية لم يبق للميرزا حسين بايقرا في هرات إلاّ جزء صغير منها، لأنّها كانت موزعة تحت سيطرة أمراء وحكام المناطق المحلية من إيران وتركستان والعراق.
فنهضة الشاه إسماعيل الصفوي ما هي إلاّ النتيجة النهائية للجهود التي بذلها أسلافه قرابة قرنين من الزمن، فقد نجحت نجاحاً باهراً، هزّ الشرق الإسلامي؛ وتمكّن الشاه إسماعيل من توحيد إيران وإخضاعها تحت رايته؛ وبلغ من القوّة حتّى كاد أن يضم إليه آسيا الصغرى أيضاً.
وأخيراً يمكن القول بأنّ الشيخ صفي الدين وخلفاءه هم الذين تمكّنوا من توحيد إيران، وإبرازها للعالم دولة موحدة.
وبعد إنشاء الدولة، توجّه الصفويون إلى إنعاش شتى مجالات الحياة الاجتماعية، فأصبح العصر الصفوي، العصر الذهبي للحضارة الإسلامية في إيران.
وتوجّه الناس إلى الخوض في شتى مجالات العلوم والفلسفة والحكمة، والطب، والرياضيات، والفلك. وفي نهاية المطاف نصل إلى نتيجة واحدة هي أنّ ظهور السلسلة الصفوية كان منعطفاً مهماً في تاريخ إيران.
الدكتور حيدر رضا ضابط
الشيخ صفي الدين وطريقته
كان الشيخ صفي الدين يسمّى في مقتبل عمره (إسحاق) وهو أمين الدين جبرائيل بن صالح المنتهي نسبه إلى الإمام موسى الكاظم (عليه السلام).
قدم أجداد الشيخ صفي الدين إلى أردبيل منذ زمن فيروزشاه. وقد كان أهالي آذربيجان والقفقاز حتّى القرنين الخامس والسادس للهجرة يعتنقون الديانة المسيحية بين أرمن وپرجيين ونسطوريين وكان بعضهم يعتنق الديانة الزرادشتية.
وفي بداية القرن السادس الهجري أغارت جماعة من أكراد سنجار بقيادة الأمير أدهم على أذربيجان فاستولت عليها ونشرت الإسلام فيها. وكان فيروزشاه أحد الشخصيات التي قدمت من سنجار وقد آلت إليه حكومة أردبيل بعد احتلال آذربيجان. وبعد وفاته أقام أولاده الذين كانوا يمتلكون المزارع في أطراف مدينة أردبيل في قرية كلخوران على بُعد كيلومترين من المدينة وانصرفوا لشؤون الزراعة.
وقبل ولادة الشيخ صفي الدين ببضع سنين هجمت جماعة من أهالي كرجستان (جورجيا) على أردبيل فأمعنت فيها قتلاً ونهباً وجرح السيد قطب الدين خلال هذه الأحداث جراحاً خطيرة ونهبت جميع أمواله كسائر الناس، ولكنّه برىء من جروحه البليغة التي أصيب بها في عنقه، فاهتم بالبناء والعمران مرّة أخرى وواصل ابنه أمين الدين جبرئيل طريق أبيه ولكن الشيخ صفي الدين كان له شأن غير شأن أبيه وأجداده منذ نعومة أظفاره. فقد كان معتكفاً في الدار مشتغلاً في العبادة والرياضة الروحية ليل نهار. وما إن بلغ الحلم حتّى عزم على الخروج من عزلته لطلب المرشد الكامل، فأصرّ على أمّه أن تأذن له ففعلت وانطلق في سياحته الصوفية. وكانت سياحة تتميز بكثير من الزهد والورع، حتّى دخل شيراز فالتقى فيها بالعرفاء وذوي المقامات الروحية.
وكان أخوه صلاح الدين يتمتع بجاه ومقام في حكومة شيراز فتوسل به أن يقيم معه في داره الواسعة، ولكن دون جدوى…
والتقى الشيخ في شيراز بالشيخ مصلح الدين سعدي وازداد زهداً وتقوى وذاع صيته في فارس فأرسل له الخواجة سيف الدين بلوك دار بعشرة آلاف درهم مع ابنته ولكن الشيخ أبى.
ثمّ التقى الشيخ صفي الدين في شيزار بمولانا رضي الدين المانقي، وكان الأخير يؤمن معاشه من حياكة الكرباس وبيعه بنفسه، فدرس على يده علم تفسير القرآن.
وأخذ الشيخ صفي الدين خلال إقامته في شيراز يسيح في الأرض ويطوف على جميع المزارات والأماكن المقدسة الموجودة في تلك النواحي في الجبال والصحارى والنقاط النائية المحاطة بالأخطار ويبيت ليله في الصوامع والمساجد ويمارس أعمالاً روحية شاقة فتراه يصوم سبعة أيام متوالية وفي بعض الأحيان أربعة عشر يوماً، لا يفطر خلالها إلاّ على شربة من ماء.
وطال المقام بالشيخ دون أن يجد غايته التي ساح في الأرض من أجلها، ألا وهي المرشد الكامل. فأرشده بعض كبار المشايخ إلى الأمير عبدالله الذي كان معروفاً بنسب السيادة الشريف وبزهده وتقواه ومنزلته العرفانية، فطرح الشيخ عليه الأمر وأوضح له أحواله بطريقة الدراويش فأطرق الأمير عبدالله برأسه هنيهة ثمّ رفع إليه رأسه وقال:
أي بنى: لن تجد بغيتك عندي، حيث لم أبلغ ما تريد… أي بني: لن يقدر على حل مشكلتك في شرق الارض وغربها أحد خلا الشيخ الزاهد الپيلاني.
وما كاد الشيخ صفي الدين يسمع باسم الشيخ الزاهد حتّى داخل قلبه الأمل، فسأل عن موطنه فأخبره الأمير عبدالله بأنّه في گيلان أسپهپد (المقصود من گيلان أسپهپد هو: طوالش وآستارا من بلاد گيلان).
عزم الشيخ على مغادرة شيراز فودع عرفاءها ومشايخها الكبار، ومن بينهم سعدي الذي استقبله وأمر أصحابه ودراويشه الحاضرين في خانقاهه أن يتبرع كل منهم بما يعين الشيخ على سفره، ولكن الشيخ أبى أن يأخذ منهم شيئاً، ولما أدرك سعدي إصرار الشيخ في رفضه قال له: أيّها المرشد إذا كننت لا تقبل هذه الأشياء، فسأهديك كتابي (بوستان) وقد أكملته بخط يدي، فأجابه الشيخ: إنّ في قلبي من الحب الإلهي ما يغنيني عن مثل هذا الكتاب، إذ لا يتأتى لي الوصول به إلى الله…
وفي عودته من شيراز عرج على أردبيل فزار أمّه وأقاربه ثمّ رحل منها إلى گيلان أسپهپد وأفلح في لقاء الشيخ الزاهد.
وإذا كان الشيخ قد هذب نفسه وراضها بأنواع الرياضيات الروحية حتّى بلغ في ذلك شأواً بعيداً، فقد أخذ بعد وصوله إلى الشيخ الزاهد يخطو نحو الحقيقة بخطوات سريعة فاحتضنه الشيخ الزاهد وعيّنه خليفة ونائباً عنه على الرغم من وجود أبناء مرتاضين وعارفين. ثمّ عمد إلى تزويجه بابنته فاطمة خاتون. وأبقاه ملازماً له في جميع الأوقات والأحوال. وحينما كان الشيخ صفي يذهب إلى أردبيل لتفقد عائلته وأملاكه لم يكن الشيخ الزاهد يطيق على فراقه صبراً وفي حال احتضاره لم يجر على لسانه شيء سوى ذكر الشيخ صفي.
وعندما أحسّ الشيخ الزاهد في ميناء (پشتاسفي) بدنو أجله، استدعى الشيخ صفي من أردبيل، وكان آنذاك أبناؤه ومريدوه يحيطون به وجميعهم يرغب في أن يكون قبره قريباً من مسكنه فمنهم من رجح أن يكون القبر قريباً من (پشتاسفي) ومنهم من رجح (مغان) أو (دشتاوند) وما زالوا في اختلافهم حتّى حضر الشيخ صفي فاستشاره الشيخ الزاهد في الأمر، فرجح له پيلان إذ كان يعلم بميل أستاذه ومرشده إليها.
ثمّ جهز الشيخ صفي سفينة بلوازم السفر وحمل عليها شيخه وأبناءه ومريديه، ومخرت السفينة عباب البحر حتّى رست إزاء (سياورود) فحملوا الشيخ الزاهد إلى صومعته السابقة فحمد الله حين رآها ثمّ لفظ أنفاسه بين يدي الشيخ صفي.
خليفة الشيخ الزاهد
ينقل أنّ الشيخ صفي بعد أن بلغ مراحل بعيدة من الكمال وتهذيب النفس وبعد أن حظي برعاية خاصة من الشيخ الزاهد، راح يواجه بحسد المعاندين وعدائهم لا سيما بعد أن رشحه شيخه لخلافته في تربية الخلق والجلوس على سجادة الإرشاد.
وكان المخالفون يرون لزوم استخلاف الشيخ الزاهد لابنه جمال الدين علي فهو رجل كبير السن بلغ مراحل بعيدة في الكمال وإضافة إلى ذلك فهو ابنه، بينما كان الشيخ الزاهد لا يلتفت إلى آرائهم بل دأب على العناية بالشيخ صفي وترشيحه لخلافته.
مزار الشيخ الزاهد
دفن الشيخ الزاهد في ساحل البحر، ولكن مزاره الآن يبعد بعض الشيء عن الساحل، وقد بنى الشيخ صفي مزاراً لقبره، وتجدّد بناء هذا المزار عدّة مرّات على يد أبناء الشيخ صفي ثمّ الملوك الصفويين من بعدهم وبعد أن فرغ الشيخ صفي من دفن شيخه([345]) وإقامة العزاء على روحه وتنظيم شؤون عائلته رحل إلى أردبيل مع زوجته ابنة الشيخ الزاهد (فاطمة خاتون) وأقام في قرية كلخوران.
وفي ذلك الوقت كان خانقاه الصوفية يسمّى أيضاً بالصومعة أو الزاوية ثمّ سمّي بالتپية ولكن الاسم الأخير استخدم في زمن القاجاريين لأماكن إقامة العزاء والمراثي الحسينية واقتصرت تسمية محل اجتماع الدروايش على لفظ الخانقاه.
طريقة الشيخ صفي
كان كلّ واحد من مشايخ الصوفية ومرشديهم يتّخذ لنفسه طريقة خاصّة به، ورغم توافق الطرق في أصولها إلاّ أنّها كانت تختلف في مظاهرها من مراسيم وطقوس وأساليب تربية المريدين.
وعندما ظهر الشيخ صفي كانت الصوفية منقسمة إلى فرقتين كبيرتين، اشتهرت إحداهما باسم قلندر.
وكان أتباع الفرقة القلندرية يطلقون شعر رؤوسهم، ويرتدون ثياباً غريبة من الجلود ويحملون مسبحة ذات ألف حبة ويتمنطقون بحزام مطعم بأحجار ثمينة مثل الدر والعقيق ويمسكون بعصي من أشجار اللوز الجبلي يطلقون عليها اسم (پلاتكين).
ولم يكن القلندريون يتبعون شيئاً من أحكام الشريعة ولا يتورعون عن ارتكاب المحرمات. وكان بعض الصوفيين على اختلاف طرقهم عن القلندرية يعتبرون الطريقة أمراً مغايراً للشريعة، فحالما يدخلون الطريقة يرون أنفسهم في حل من الشريعة. ولكن الشيخ صفي كان في طريقته مراعياً لأحكام الشريعة.
فقد كان يشترط على مريديه حالما يدخلون خانقاهه أن يتوبوا عن معاصيهم ويتعهدوا بالكسب الحلال واختيار حرفة ومهنة خاصة لهم، والامتناع عن استجداء الناس وحتّى عن قبول الهدايا وتناول الطعام في المآدب العامة خشية أن تكون فيها لقمة من حرام.
وعلى الصوفي أن يؤدي الصلوات في أوقاتها، ويراعي جميع الأعمال المستحبة والواجبة في الشريعة الإسلامية جهد الإمكان.
دور الخانقاه في حفظ البلاد
بلغ الشيخ صفي الدين منزلة كبرى بين زعماء عصره وربما كان كافياً لبيان الكرامة والمنزلة اللتين بلغهما في نفوس زعماء البلدان أن نذكر بأنّ الملوك من أمثال محمود غازان خان الإيلخاني بعد إسلامه والسلطان محمد خدابنده وابنه السلطان أبو سعيد وأمراء كبار مثل الأمير چوپان والأمير حسن والملك الأشرف، أنّ هؤلاء جميعاً كانوا يتشاورون مع شيخ خانقاه الصفوية حول المشاكل السياسية الرئيسية في البلاد حيث كانوا يطلبون الهداية من الشيخ صفي الدين وابنه الشيخ صدر الدين موسى.
وبقي المقام الرفيع للشيخ صفي الدين ونفوذه الواسع محفوظين لذريته ومشايخ الخانقاه الصفوي، بل كانا يتزايدان بمرور الزمان.
مقدمات ظهور الصفويين
كان الشيخ صفي الدين الأردبيلي أوّل شخص من أفراد الأسرة الصفوية يصل مقاماً شامخاً ويشتهر اسمه في الآفاق.
وقد حظي الشيخ صفي بمنزلة كبيرة واحترام فائق في أوساط الملوك المغول الحديثي العهد بالإسلام.
وكان الملوك المغول بعد اعتناقهم الإسلام يرون لزوم بقاء معنويات الشعب الإيراني عالية والحفاظ على أفكاره منسجمة في سبيل الاحتفاظ باستقلال البلاد، وللوصول إلى غايتهم هذه كانوا يهتمون بالشيخ الزاهد الكيلاني وخليفته الشيخ صفي الدين الأردبيلي، ومن ثمّ اتبع ملوك المغول وأمراؤهم طريقة الشيخ صفي الدين.
وقد ذكرنا أنّ الشيخ صفي الدين كان يؤكد على أتباعه ضرورة الإلتزام بأحكام الشريعة والحفاظ على مظاهرها، وبذلك أخذت مبادئ الدين والأخلاق تستعيد وجودها وثباتها بعدما تزلزلت أسسها بسبب حكم المغول وهكذا نرى أنّ طريقة الشيخ صفي الدين ظلّت تحتل مركزاً مهماً بين سائر الطرق الصوفية فلم تضمحل بوفاة زعيمها كما هو حال أغلب الطرق الصوفية الأخرى على الرغم من كثرة الأعداء والمعاندين. فكان الخانقاه الصوفي بعد وفاة المرشد الأوّل يأخذ بأسباب الازدهار يوماً بعد آخر حتّى أصبح محطاً لرحال آلاف الزوار الذين يقدمون إليه من أرجاء البلاد، فكانوا يبلغون من الكثرة بحيث يتطلب تنبيههم إلى وقت الغداء والعشاء ودعوتهم إلى مائدة الطعام بالضرب على الطبول.
وكان خانقاه الصوفية في عهد الشيخ صفي الدين وفي عهد ابنه صدر الدين موسى من بعده مطمحاً لأنظار زعماء العالم الخارجي. فمثلاً عندما هاجم الملك جاني بيك خان ملك سهول القبجانق تبريز وقضى على حكم الملك الأشرف فيها، أقبل على الشيخ صدر الدين موسى فعامله بكل تبجيل واحترام وقال له: لقد أقبلت معاقباً للملك الأشرف لسوء أدبه تجاه حضرة الشيخ.
وفي أواخر عهد الشيخ صفي الدين انتشر العديد من دعاة الصوفية في مختلف الأرجاء فكثر مريدو مشايخ الصفوية في الروم([346]) والهند والشام وفلسطين ومصر.
ومن كبار العارفين الذين اتبعوا هذه الطريقة شاه قاسم أنوار والسيد محمد نور بخش والسيد محمد المدني الذي أسس فيما بعد الطريقة الرفاعية التي لا تزال شائعة في كردستان وسوريا.
خليفة صفي الدين
سافر الشيخ صدر الدين موسى بعد وفاة أبيه إلى الحج وسلك في سفره طريق بغداد وفلسطين ولبنان ليتفقد خانقاهات وخلفاء طريقته وليقوم بتوجيه خلفائه وإرشادهم وبعد فراغه من رحلته عاد إلى أردبيل في موكب عظيم.
وبعد وفاة الشيخ صدر الدين موسى آلَ الأمر إلى نجله الشيخ الخواجة علي.
وبعد انقراض سلطة الحكّام المغول وظهور تيمورلنك، أخذ هذا يبدي احترامه وتقديره لكبار مشايخ الصوفية لا سيما الخانقاه الصفوي.
وحينما عزم تيمور إلى السير إلى الروم زار الشيخ الخواجة علي تبرّكاً بمقامه وشخصه، فأهداه الخواجة سيفاً، قلّده له بنفسه.
وفي عودته من انتصاره وأسره للسلطان بايزيد عرج تيمور على أردبيل وحلّ فيها ضيفاً في أيام رمضان على الخانقاه الصوفي، وبينما هو جالس على مائدة الخانقاه ينتظر طعام الإفطار تنبّه إلى امتناع الشيخ عن تناول الطعام والشراب رغم دخول وقت الافطار، فأدرك أن في نفس الشيخ حاجة يتردد في طرحها فخاطبه قائلاً: إذا كانت ثمة حاجة للشيخ فليبادر إلى ذكرها لتلبى له.
فأجابه الشيخ: لقد أمر الأمير الفاتح بتهجير بعض القبائل الكبيرة التي كانت مقيمة لسنين طوال في الروم والشام إلى تركستان، ونحن نأمل أن يطلق الأمير سراحهم ليدعوا له على كلّ مائدة من موائدهم.
فأجابه الأمير دون تردّد: لقد عفونا عن هذه القبائل الأسيرة التي جلبناها من أرض الروم إكراماً للخانقاه.
وقصة هذه القبائل أنّها غادرت تركستان قبل قرون وتوجّهت إلى بلاد الشام والروم ربّما خوفاً من هجوم المغول، وعندما دخل تيمور الشام والروم عرف بوجودهم، فغضب منهم وقال: لقد تركوا أرض تركستان للخراب رغم أنّهم أتراك وقدموا إلى هذه الأراضي ليكونوا قوّة إعمار وحرب بيد أعدائنا. ثمّ أمر بترحيلهم إلى تركستان.
وعندما دخل الأمير أردبيل اغتنم زعماء القبائل الفرصة وتوسلوا بالشيخ الخواجة علي ليتوسط لهم في إطلاق سراحهم.
وكان جواب الأمير للشيخ يتضمن إبقاء القبائل المذكورة تحت سلطة الخانقاه الصفوي لكي يدفعوا الضرائب والزكاة الشرعية سنوياً إلى الخانقاه أينما كانوا.
وفي اليوم التالي حضر جميع زعماء القبائل وأفرادها حتّى النساء والأطفال مجلس الشيخ ودخلوا حلقة الدراويش وفقاً للتعاليم المقررة. وبعد دخولهم في الصوفية واطّلاعهم على أسرار الخانقاه الصفوي وهي اعتناق المذهب الشيعي وجّه الشيخ كلّ واحدة من تلك القبائل إلى ولاية من ولايات الروم وديار بكر والقفقاز للإقامة فيها.
ومنذ ذلك الحين أخذت تتقاطر على الخانقاه الصفوي جماعات الناس من أقصى البلاد لتقديم الزكاة وعرض الحاجات ثمّ تعود أدراجها.
وكانت القبائل التي قدمت إلى آذربيجان، ضمن أسرى تيمور وتمّ إطلاق سراحها بتوسّط الشيخ الخواجة علي فدخلت في عداد مريدي الخانقاه الصفوي، هي القبائل التالية: تكه لو وشاملو وساتاجلو والقاجار وأفشار ورملوزنپنه وانضمّت إلى هذه القبائل في زمن الشاه إسماعيل قبيلة (ذو القدر) حيث هاجرت من ديار بكر إلى إيران بعد سقوط حكومة علاء الدولة. وانضمت إلى مريدي الخانقاه الصفوي، وفي بداية الحكم الصفوي كان اصطلاح (القزلباش) يطلق على هذه القبائل.
وفي أواخر أيام حياته سافر الشيخ الخواجة علي إلى الحج اقتداء بسنة أبيه وجدّه، ثمّ سافر بعد ذلك إلى بيت المقدس وحطّ رحاله فيه، فأقبل عليه خلفاء الخانقاه الصفوي الذين كانوا آنذاك يشتغلون في الإرشاد في فلسطين وسوريا واغتنموا فرصة وجود الشيخ فنشطوا في الدعوة إلى هذا الخانقاه.
وكان الشيخ إبراهيم ابن الشيخ الخواجة علي خليفة لأبيه في أردبيل، ولمّا طال فراق أبيه عزم على إتباعه إلى فلسطين التي كانت آنذاك مركزاً لإقامة أكثر العارفين الكبار ومشايخ الإسلام، ومن ثمّ سافر في موسم الحج إلى مكة المكرمة ثمّ رحل إلى بيت المقدس ليلتقي أباه هناك.
وكان الشيخ الخواجة قد أحسَّ بالضعف والوهن وأدرك دنو أجله فاستدعى زعماء الصوفية وخلفاءها وأبلغهم توصياته وتعليماته ثمّ أوكل الزعامة إلى ابنه الشيخ إبراهيم وفاضت روحه.
الشيخ إبراهيم: وبعد وفاة الشيخ الخواجة علي عزم ابنه الشيخ إبراهيم الذي لقبه الصوفيون بالشيخ الملك على مغادرة بيت المقدس والعودة إلى أردبيل.
وفي عهد الشيخ إبراهيم ازدادت مكانة الخانقاه الصفوي عظمة وهيبة، وأرسل دعاة الصفوية إلى أنحاء العالم، حتّى أضحى مقر الشيخ قبلة لأعيان المسلمين وعلمائهم، وبلغ نفوذ الشيخ حدّاً بعيداً فكان الملوك يستقبلون رسائله بكلّ احترام وتقدير وينفذون طلباته.
وفي هذا العهد ازدادت مساحة الخانقاه ازدياداً كبيراً، وكانت موائد الطعام تستقبل يومياً آلاف الزائرين الذين يقبلون على أردبيل من مختلف البلدان.
الشيخ جنيد: وبعد وفاة الشيخ إبراهيم في عام (851هـ) خلفه ابنه السلطان جنيد. وكان إقبال المريدين والصفويين على الخانقاه يزداد في عهده يوماً بعد آخر، فخشي الملك الميرزا جهانشاه قراقويونلو من نفوذ الخانقاه وتعاظمه، فأخذ يبعث برجاله إلى السلطان جنيد ليصرحوا تارة ويلمحوا تارة أخرى بأنّ خروجه من مملكة جهانشاه سيعود عليه بالنفع والمصلحة.
وأدرك الشيخ جنيد حقيقة الأمر فرحل إلى ديار بكر بجماعة من خلفائه ودعاته، وأخذ مريدو الصفوية والصفويون يلتحقون بركبه زرافات ووحداناً، ورأى الشيخ أن يسير للكفاح في طرابزون وكان ملكها معرضاً لهجوم العثمانيين فصالحه على مبلغ من المال.
وكان الأمير حسن الآق قويونلو آنذاك حاكماً على جزء من ديار بكر وممتنعاً عن طاعة جهانشاه، فكان بين الطرفين عداء مستمر. فلمّا سمع بقدوم موكب الشيخ جنيد عدّ ذلك من علامات الفتح وحسن الحظ فسار لاستقباله بنفسه وأسكنه في قصره معززاً مكرماً وأسكن مرافقيه في منازل مناسبة.
وأخذ الأمير حسن يتردّد على الشيخ يومياً فزادت أواصر العلاقة فيما بينهما قوّة، وزوج الأمير أخته خديجة بيگم من الشيخ جنيد فتحوّل الانسجام بينهما إلى اتحاد إذ أمر الشيخ جميع أتباعه في ديار بكر بمساعدة الأمير حسن وأن يوالوا أولياءه ويعادوا أعداءه، ثمّ استأذن الأمير في مغادرة ديار بكر وعاد إلى أردبيل.
وألقت عودة الشيخ إلى أردبيل الرعب في قلب الملك جهانشاه، حيث كان استحكام الصلة بين السلطان جنيد والأمير حسن مدعاة لإثارة سوء الظن في نفسه. فأخذ يفكر في التخلص منه بأي وسيلة كانت، حتّى ولو استدعى الأمر إرسال قوّة إلى الخانقاه ومقاتلة الشيخ فيه، ولكن أعيان الدولة نصحوا جهانشاه بالإنصراف عن فكرة محاربة الشيخ، لمنزله في نفوس الناس ولما ستحدثه من عار كبير على الملك، واقترحوا عليه إرساله إلى حدود بلاد الشركس للجهاد فيها، وبذلك ينشغل الصوفيون بعمل يناسب رغبتهم ويتوافق مع أفكارهم.
واضطر الشيخ إلى مغادرة أردبيل والتوجّه إلى جبال القفقاز على رأس جماعة كبيرة من أتباعه ومريديه للجهاد في تلك النواحي، وفي أثناء ذلك كتب جهانشاه إلى السلطان خليل ملك شيروان بأنّ الشيخ سيضطر لعبور أراضي شيروان في طريقه إلى بلاد الشركس، وسيكون في ذلك فرصة مؤاتية للإحاطة به في غابات شيروان وإبادته بمن معه، وبذلك يُتخلص منه.
واستجابة لأوامر جهانشاه بعث السلطان خليل شيروانشاه بعدّة آلاف من خيرة قواته فأحاطت بمعسكر الصوفيين ودارت بين الطرفين معركة طاحنة أبدى خلالها الصوفيون شجاعة فائقة وتضحيات كبيرة للدفاع عن شيخهم ومرشدهم وكان التباين كبيراً بين القوتين فأحيط بالشيخ جنيد من كل جانب وتوالت عليه السيوف والرماح والسهام حتّى سقط قتيلاً وكانت هذه الحادثة في عام 860هـ.
وبعد أن اتصلت أسباب المودة والاتحاد بين الأمير حسن والصفوية وأعلن إرادته تجاه الخانقاه الصوفي أخذ الصوفيون يلتفون حوله ويظهرون استعدادهم للتضحية من أجله، فتشكلت لديه بذلك قوة كبيرة استطاع بها دخول الحرب مع جهانشاه وإلحاق الهزيمة به فقتله واستولى على مناطق حكمه جميعها.
وبعد استتباب الأمر للأمير حسن في حكم غربي إيران عزم السلطان أبو سعيد پورپان الذي كان يمتلك قوة كبيرة على انتزاع ممالك جهانشاه من قبضة الأمير حسن فسار إليه على رأس جيش تراوح عدده بين ستين ألف ومائة ألف مقاتل.
وهاجم آذربيجان فتصدّى له الأمير حسن بالمقاتلين الصوفيين وأتباع الصفوية فهزم جيش (أبو سعيد) الجرار وقتل الملك المذكور في المعركة.
وقد ساهمت الانتصارات التي أحرزها الأمير حسن في ترسيخ مكانة العائلة الصفوية في نفوس الناس فكثر مؤيدوها وبادر الملوك والزعماء إلى مد يد الإرادة إلى مشايخ هذه العائلة.
الشيخ حيدر: خلف السلطان جنيد ابنه السلطان حيدر ابن أخت الأمير حسن وهو لا يزال صبياً لم يبلغ الحلم، وبعد أن بسط الأمير حسن سلطته على آذربيجان اهتم برعاية ابن أخته والمقيمين في الخانقاه الصفوي، حتّى بلغ السلطان حيدر سن البلوغ فزوجه من ابنته (حليمة بيكي آغا) المشهورة باسم (علم شاه بيپم) وبذلك توثقت الصلة بين العائلتين أكثر.
وفي أيام السلطان حيدر ازدهر الخانقاه ازدهاراً كبيراً، وقد أمر بوضع علامة خاصة لمريدي الخانقاه بارتداء القبعة الحمراء علامة لاتباع الخانقاه الصفوي.
وكان لظهور هذه القبعة هيبة بين الناس، وكان مسير جماعات من مرتدي هذا النوع من القبعات في أوساط الناس يبرز قوة الخانقاه ومكانته.
واستمرّت العلاقة الودية بين السلطان حيدر والأمير حسن على أفضل حالها طوال حياة الأخير، فالشيخ حيدر ابن أخته وصهره، ولكن بعد وفاة الأمير حسن ووصول ابنه السلطان خليل ومن بعده ابنه الآخر السلطان يعقوب أخذت أواصر المودة تضعف بين الطرفين وشاب العلاقات سوء الظن إثر دسائس المغرضين، وبلغ سوء الظن بين السلطان حيدر والسلطان يعقوب غايته، ففضل الأوّل الخروج إلى بلاد الشركس، ومن ثمّ أمر جميع مريديه بالتجمّع والسير نحو داغستان، ثمّ سلك في سيره نفس طريق أبيه وبلغ الخبر السلطان يعقوب فكتب إلى ملك شيروان أنّ السلطان حيدر تحرّك بقواته نحو الشركس وهو يبطن الثأر منكم لأبيه فإذا كنتم عازمين على التصدّي له فأبلغونا لنبعث لكم من تبريز بالمدد الكافي لنتمكن معاً من استئصال وجود القزلباش.
ومن الطبيعي أنّ ملك شيروان اغتنم فرصة عرض السلطان يعقوب فبعث إليه يستمدّه العون، ثمّ أمر قواته بسد الممرات والمعابر المعروفة في شيروان.
وقدّم السلطان حيدر إلى حدود مدينة دربند على رأس سبعة آلاف من الصوفيين، وعزم على احتلال قلعة (باب الأبواب) وأوشك أن يفلح في احتلالها… لولا أنّ قوات السلطان يعقوب بقيادة سليمان أوغلي التي يبلغ تعدادها أربعة آلاف فارس فأجأته من الخلف، فانصرف عن احتلال القلعة وتوجّه لقتال العدو الجديد وشارك بنفسه في القتال الذي نشب بضراوة بين الجانبين، ثمّ هجم على قائد جيش العدو فتصدّرت له رشقة من النبال أصابته واحدة منها في حلقه فصرعته. وانصرف الصوفيون عن القتال بعد مقتل السلطان حيدر، ودفنوا جثته تحت جنح الظلام في مكان سري خشية وقوعه بأيدي العدو، وبعد إحدى وعشرين سنة نقله ابنه الشاه إسماعيل إلى أردبيل حيث دفن فيها مع أجداده.
وكانت وفاة السلطان حيدر في عام 893هـ.
وكان للسلطان حيدر أربعة بنين من زوجته علم شاه بيپم ابنة الأمير حسن، كان السلطان علي أكبرهم فخلف أباه ولقبه الصوفيون باسم السلطان علي شاه، وتصدّى للإشراف على خانقاه أردبيل وباشر نشاطاته من جديد، فبايعه مريدي الأسرة الصفوية، وأخذت قوافل الزوار تتوافد عليه فعظمت مكانته وقويت شوكته.
وكان الملك يعقوب في خوف متصل من ازدهار الخانقاه الصوفي وتعاظم أمره، فبعث بجيش إلى أردبيل أمره بالقبض على جميع أولاد الشيخ حيدر وحملهم إلى بلاد فارس لحبسهم هناك في قلعة اصطخر ليكونوا فيها تحت نظر حاكمها منصور بيك، وأوصى بمنع تردّد الصوفيين على أطراف القلعة المذكورة.
وحمل أولاد الشيخ حيدر الأربعة إلى القلعة وهم السلطان علي شاه والميرزا إسماعيل والميرزا إبراهيم والميرزا سليمان، مخلفين وراءهم أمّهم علم شاه بيپم وابنتيها بري خانم وحوري خانم. وكانت حادثة اعتقال أبناء شيخ الصوفيين في قلعة اصطخر في عام 894هـ.
وعلى غرار سائر أفراد القبيلة البايندرية (ألآق قويونلو) كان منصور بيك برناك يرى لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) وأهل البيت منزلة خاصة، وإضافة إلى ذلك كان يتبع الطريقة الصفوية، ولذلك حينما قدم أبناء الشيخ حيدر إلى قلعته رحب بهم غاية الترحيب وواظب على خدمتهم ورعايتهم ليل نهار.
واستمرّت فترة اعتقال الأمراء الأربعة في قلعة اصطخر أربع سنين، وفي السنة الرابعة سار الملك يعقوب إلى حدود قراباغ في القفقاز أثناء فصل الشتاء فمرض هناك وفارق الحياة.
وبعد وفاته انقسم التركمان إلى فرقتين، وقفت إحداهما إلى جانب أخيه المسيح ميرزا ووقفت الأخرى إلى جانب ابنه بايسنقر ميرزا، ودارت بين الفرقتين حرب ضروس قتل خلالها المسيح ميرزا فاستولى على الحكم بايسنقر.
وفي بداية حكمه أمر بايسنقر بإلقاء القبض على الميرزا رستم حفيد الأمير حسن وابن الميرزا مقصود وحبسه في قلعة النجق تحت إشراف السيد علي كوتوال.
ولم يمض على حكم الملك بايسنقر وقت طويل حتّى أقنع أحد أمراء التركمان السيد علي كوتوال بإطلاق سراح الميرزا رستم، وعيّن ملكاً حال خروجه وأخذ أنصار المسيح ميرزا يلتفون حوله فتوجه على رأي جيشه إلى مدينة تبريز فبلغ حدود أرس، وخرج الميرزا بايسنقر لاستقبال خصمه فشاهد قواته في مرند يتفرقون عنه أفواجاً ويلتحقون بجيش رستم، فأدرك خطورة وضعه واضطر إلى ترك سلطانه وتوجّه بعدد قليل من خدمه إلى شيروان حيث كان بايسنقر ابن أخت ملك شيروان.
ودخل رستم تبريز وتربّع على عرشها، إلاّ أنّ ملك شيروان جمع قواته وسار إلى تبريز منتصراً لابن أخته بايسنقر.
واستشار رستم رجاله في الأمر، فأشاروا عليه باستغلال نفوذ أبناء شيخ الصفويين والاستعانة بهم على دفع العدو، فأرسل وفداً إليهم في حبسهم فأخرجوا من قلعة اصطخر معززين مكرمين وخرج رستم لاستقبالهم وطلب من السلطان علي شاه أن يستمر في نشاطه وسمح لأتباعه بزيارته بعد أن حرموا منها فترة طويلة.
وأرسل السلطان علي شاه دعاته لإحضار مريديه وأتباعه من ولايات الروم والشام. وفي أثناء ذلك تواترت الأخبار حول تحرّك قوات ملك شيروان وبايسنقر، فعيّن الميرزا رستم السلطان علي شاه قائداً أعلى لقواته وعيّن لمساعدته أحد كبار أمرائه. وتشكل الجيش من الصوفية الصفوية والتركمان البايندرية (آلاق قويونلو).
والتقى الطرفان عند نهر (كر) فكسرا على ضفتيه، ومكثوا بإزاء بعضهما دون قتال. ثمّ عاد بايسنقر ميرزا إلى شروان وعاد سلطان علي شاه إلى تبريز، وفي غضون ذلك تمرّد على الميرزا رستم أحد أمراء السلالة البايندرية (كوسه حاجي) الذي كان آنذاك حاكماً على أصفهان، فخطب باسم بايسنقر وضرب النقد باسمه. وكان لهذه الحادثة تأثير كبير في تشجيع بايسنقر، فعاد إلى تبريز مرّة أخرى على رأس جيش كبير وأعاد رستم تعيين سلطان علي على رأس قواته ووقعت بين الطرفين معركة طاحنة، هزم فيها جيش بايسنقر وقتل هو فيها.
ازداد تكريم الميرزا رستم لسلطان علي وإخوانه وعائلته بعد هذا الفتح وبعث بهم إلى أردبيل فعاد نشاطهم هناك وأخذت جماعات المريدين تتوافر عليهم من كل مكان، فكانت أردبيل تزدحم بهم في كل يوم. فأخذ الحساد يحذرون الميرزا رستم من خطر الأسرة الصفوية، فخاف من تعاظم شأنهم كما هو حال أسلافه وبعد استشارة ذوي الرأي استقر رأيه على جلب السلطان علي شاه وإخوانه إلى تبريز ليكونوا تحت أشرافه المباشر.
وقدم سلطان علي شاه وإخوانه من أردبيل إلى تبريز وعسكر سلطان خارج المدينة، ثمّ أدرك بعد أيام أن الميرزا رستم وضع العيون حول معسكره رغم إظهاره المودة، فاستوضح الأمر فعلم أن رستم يريد منع تردد الصوفيين على المعسكر فاستجاب سلطان علي لطلب الملك، ولكنّه علم بعد أيام من بعض أصحابه المندسّين في حاشية الملك أنّه عازم على إلقاء القبض على جميع أبناء السلطان حيدر وإبادتهم ففرّ تحت جنح الظلام بسبعمائة شخص من مريديه نحو أردبيل وأبلغت الميرزا رستم الخبر عيونه المندسّة حوالي المعسكر الصفوي فوجّه أربعة آلاف من خيرة مقاتليه لتعقب الهاربين والتقى الطرفان في حدود قلعة شماسي بالقرب من أردبيل ودارت معركة ضارية بينهما فاقترح بعض ذوي الرأي على السلطان علي شاه أن يهرب من أرض المعركة ويشاغل أتباعه العدو حتّى يصل وإخوانه إلى مكان أمين، ولكنّه رفض وأصرّ على رفضه قائلاً: سأكون الشهيد الثالث بعد جدّي وأبي. ثمّ استدعى ثلاثة من كبار خلفاء الخانقاه وهم: حسين بيك شاملو وخادم بيك طالش وعبدل بيك ذو القدر الملقب بـ (دده بيك) وخاطبهم بقوله: ستسطع أنوار دولة أخي هذا حتّى تبلغ عنان السماء وتشمل عدالته العالمين، وإنّي أنيط بكم خدمته فهو خليفتي من بعدي والوريث الحق للشيخ صفي الدين. ثمّ خلع عن رأسه تاج الإرشاد وتوج به رأس أخيه الميرزا إسماعيل، وأفضى إليه بالأسرار التي يفضي بها شيوخ السلف لشيوخ الخلف. وهكذا أنيطت بهذا الصبي الذكي مهمة الشيوخ الكبار العارفين، وأخذ على عاتقه مسؤولية ثقيلة.
وانطلق سلطان علي شاه بعد فراغه من أداء وصيته إلى ساحة المعركة فاستشهد فيها.
وتفرّق أتباعه ومريدوه الحاضرون معه أرض المعركة، بعد مقتله، ولكن حسين بيك وخادم بيك ـ اللذين أصبحا فيما بعد يشغلون منصب خليفة الخلفاء في الخانقاه الصوفي ـ حملا نعش الشهيد إلى أردبيل ودفناه في جوار أجداده، وكانت هذه الحادثة في عام 900 للهجرة أي بعد سبع سنوات من مقتل السلطان حيدر.
فترة الهجرة
حمل مريدو الصفوية الميرزا إسماعيل وأخويه إلى أدربيل بعد مقتل أخيهم، وأخذوا ينقلونهم من بيت إلى آخر خلسة كلّ بضعة أيام، في حين كان رجال الدولة البايندرية يتابعون بحثهم عنهم وتقصّيهم لآثارهم، حتّى بلغ بهم الأمر إلى إلحاح الميرزا رستم في أوامره إلى تفتيش بيوت أردبيل بيتاً بعد آخر.
وبعد أربعين يوماً من اشتداد الضغط واستمرار التفتيش. اجتمع شيوخ الخانقاه الصفوي لدى علم شاه بيپم واستأذنوها بنقل أبنائها من أردبيل إلى ولاية پيلان، حيث كان أكثر أهل پيلان ومازندران من الشيعة ومن أتباع الخانقاه الصفوي.
واستجابت علم شاه بيپم لطلبهم رغم صعوبة الفراق عليها، فتوجّه الثلاثة المار ذكرهم بالميرزا إسماعيل وأخويه إلى پيلان تحت جنح الظلام برفقة مائتين من كبار شيوخ الصفوية، فدخلوا رشت واستقبلهم واليها الأمير إسحاق وقدم لهم أنواع الخدمات ومظاهر الاحترام والتعظيم.
وتذكر التواريخ العثمانية أنّ الميرزا رستم بعث إلى رشت بوفد لمطالبة الأمير إسحاق بتسليم أبناء السلطان حيدر، فأنكر الوالي وجودهم في الوقت الذي كانوا موجودين في ولايته.
وعاد الوفد بخفي حنين فبعث الميرزا رستم ثانية بوفد إلى رشت يتشكل هذه المرة من قضاة تبريز ومفتيها بالإضافة إلى أعضاء الوفد الأوّل وطلب من الأمير إسحاق أن يسلم أبناء الشيخ حيدر وإن أنكر وجودهم فليقسم بحضور العلماء والقضاة على عدم وجودهم في ولايته وإلاّ فلينتظر هجوم جيش ألآق قويونلو والقضاء على ملكه.
ودبر الأمير إسحاق وأرباب الرأي من حاشيته أمراً للتخلص من هذه الورطة، فوضعوا أبناء الشيخ في سلال وعلقوها في أشجار الغابة حيث لا يراها أحد، ثمّ أقسم الأمير بحضور العلماء والقضاة أن لا وجود لأبناء السلطان ولا سكن لهم على أي بقعة من أرض ولايته.
وبعد انقضاء فترة من الزمن غادر الميرزا إسماعيل مدينة رشت متوجهاً إلى حدود (لشته نشا) فدخل لاهيجان وكان عليها كاركيا ميرزا علي وهو من أحفاد الإمام الحسن (عليه السلام) فاستقبل الميرزا إسماعيل بالترحيب وعامله بالتكريم والاحترام.
وطالت الإقامة بالميرزا إسماعيل في لاهيجان وكان خلفاء الصوفية وأعيانها عاكفين على تربيته وتعليمه، وقرّروا منع تزاحم قوافل مريدي الصفوية على شيخهم فحدّدوا عدد الزائرين بثمانية عشر شخصاً فإذا عاد هذا العدد إلى نهر كرپان سمح لمثلهم بالدخول إلى لاهيجان وزيارة شيخ الصوفية فيها، وأرادوا بتنظيمهم هذا الحيلولة دون إزعاج أولي الأمر في لاهيجان وقطع الطريق على الحساد فيها لئلا تسوء العلاقة الودية التي تربط الميرزا إسماعيل بكاركيا ميرزا علي.
وكانت ولادة الميرزا إسماعيل في 25 رجب سنة 892هـ. وقد برزت عليه آثار الذكاء والفراسة منذ نعومة أظفاره وتوسم شيوخ الخانقاه الصفوي فيه الخير، وكان عموم أتباع الخانقاه ومريديه يرون عزتهم وقوة شوكتهم بوجوده ومن ثم كانوا يسمّونه ـ وهو إذا ذاك صبي لم يبلغ الحلم بحضرة الملك إسماعيل ابن الشيخ أو الشيخ الملك، ويرون فيه بكل صدق وإخلاص المرشد الكامل لفرقتهم.
ويذكر صاحب (تاريخ جهان آرا) أنّه في بداية قدوم أبناء الشيخ حيدر إلى لاهيجان توالت وفود الملك رستم على پيلان مطالبة باستعادتهم، وفي كلّ مرّة كان كاركيا ميرزا علي يعتذر بأعذار حكيمة فتعود الوفود خالية الوفاض.
واشتغل في لاهيجان مولانا شمس الدين اللاهيجي بتعليم أبناء الشيخ حيدر قراءة القرآن الكريم ومقدمات اللغة العربية، بينما درّسهم نجم الپيلاني ـ الذي لقّب فيما بعد بالأمير نجم وشغل منصب الوزارة في عهد الشاه إسماعيل ـ مقدمات الرياضيات وعلم النجوم والحكمة.
استمرّت إقامة إسماعيل في پيلان ست سنوات ونصف، وأمضى أكثر أوقاته في السنتين الأخيرتين منها في الصيد الذي كان يعدّ نوعاً من السياحة والسفر.
وفي عام 906هـ وقعت الحرب بين الميرزا مراد ابن الملك يعقوب والميرزا الوند بن الميرزا يعقوب بن الملك حسن وانتهت بتقسيم العراق والولايات الغربية من إيران بينهما.
ولم يطق الميرزا إسماعيل الاستمرار في عزلته وأخذ يفكّر بالشروع في فتوحاته، وكان معتاداً على استشارة كاركيا ميرزا علي وأخيه كاركيا ميرزا حسن ومداولة الأمور فيما بينهم. فطرح عليهما ما يدور في ذهنه واستأذن كاركيا ميرزا علي في الخروج إلاّ أنّه وإخوانه وحاشيته لم يرجحوا له فكرة الخروج لصغر سنّه وطلبوا إليه أن يصبر بعض الوقت.
واستجاب الميرزا إسماعيل لطلبهم ومكث في لاهيجان فترة أخرى، وذات يوم التقى كاركيا مرّة أخرى وسأله: هل ترى في شخصي خليفة لخانقاه الشيخ صفي الدين؟ فأجابه كاركيا: نعم، فقال له: إنّي أرى بالإلهام الغيبي أنّي مكلف بالخروج وقد عزمت على الخروج عزماً قاطعاً. ولم يحر كاركيا وحاشيته جواباً وأطرقوا برؤوسهم وجهزوه بما يلزم لخدمته وسفره.
وخرج حاكم لاهيجان وجميع أفراد عائلته وأركان دولته مشيعين للميرزا إسماعيل في سفره لعدّة فراسخ ومودعينه بالدعاء.
بداية الثورة والفتوحات
غادر إسماعيل لاهيجان متوجهاً إلى طارم ومنها إلى خلخال ثمّ أردبيل، ولكن حاكم أردبيل سلطان علي اكرلو رفض دخوله إلى أردبيل وطلب منه الانتقال إلى مدينة أخرى، ولم يكن إسماعيل يمتلك حينها قوة كافية للوقوف بوجه حاكم أردبيل ففضل الانسحاب إلى طالش وأمضى فصل الشتاء في حدود آستارا وتكفل زعماء طالش وقبائلها باستضافته والوقوف على خدمته.
ومع حلول الربيع توجّه ثانية إلى أردبيل فدخلها وتوجّه لزيارة مرقد الشيخ صفي الدين ومزارات آبائه وانصرف هناك إلى الدعاء واستدرار البركات ثمّ أسرع لزيارة أمّه.
ولم تكن إقامته في أردبيل أمراً يسيراً حتّى استولى علي بيك اكرلو على هذه الولاية بالقوة وعاضده في ذلك الميرزا محمد طالش، ولم تكن قوّة الصفويين المحدودة قادرة للتصدي لقوات العدو، فاستدعى إسماعيل أعيان الصوفية مثل: عبدي بيك وحسين بيك لله وخادم بيك ودده بيك وغيرهم وأبلغهم بأنّ الإقامة في أردبيل بعيدة عن السداد وسألهم عن الجهة التي يرونها للمسير فأبدى كلّ منهم رأيه، وفكّر إسماعيل ملياً ثمّ أبلغهم بأنّ الطريق الأنسب هو الهجوم على پرجستان لرفع راية الجهاد هناك، فباشر الحاضرون بإبلاغ الصوفيين المنتشرين في النواحي القريبة وأكناف العراق وأذربيجان بعزم الشاه إسماعيل. وتعذرت الإقامة في أردبيل على مرشد الصوفية وأتباعه فتوجّه إلى قراداغ و(كوپه دنپيز) لانتظار قواته هناك.
وكان السلطان حسين البراني قد استولى على هذه الولاية فبعث إلى الشاه إسماعيل بأنّه سيدخل في خدمته وطاعته حالما يرفع راياته ويتوجه إليه.
والسلطان حسين هو أحد أحفاد جهانشاه قراقويونلو وكان يرى في سلطان آذربيجان حقاً شرعياً له، وكان النفاق والخلاف بين أمراء البايندرية ينخران في هذه السلالة فاغتنم السلطان حسين الفرصة ووطد العزم على حشد المؤيدين والأنصار من حوله وإزالة المعارضين عن طريقه لتتأتى له سبل القوة والمنعة وليتمكن من استرجاع حقّه الشرعي السليب.
وكان أعيان الصفوية واقفين على نوايا السلطان حسين فرجحوا للشاه إسماعيل الامتناع عن تلبية دعوته والبقاء بعسكره حيث هو.
وما إنّ بلغ السلطان حسين الخبر حتّى أقبل بجماعة من رجاله وأظهر آيات الاحترام والتبجيل وأكد للشاه إسماعيل بأنّه إذا ما حلّ ضيفاً عليه فسيعود مجد القراقويونلو إلى سابق عهده.
ورأى الشاه إسماعيل المصلحة في تلبية الدعوة فتوجّه إلى حيث يعسكر السلطان بقواته وطلب بقاء معسكر الصفويين مستقلاً، ليتسنّى للقوات التي تتقاطر في حضورها والتحاقها بعسكره اللقاء به وتقديم فروض الطاعة والمراسيم التي تقتضيها الأعراف الصفوية.
وكانت قبيلة ذو القدر مسيطرة على ديار بكر بينما كان القرامان يسيطرون على بعض الأناضول مثل قونية وغيرها ولكنّهم هزموا على أيدي العثمانيين، ولم يكن القرامان وذو القدر والآق قويونلو متعصبين في تشيعهم، فمثلاً كانوا في تبريز يحتكمون في قضاياهم حسب متطلبات العصر إلى قضاة الحنفية رغم كونهم وملكهم ورجال دولتهم يرون أنفسهم من أتباع المذهب الشيعي.
ومع استحكام الأواصر بين أمير الآق قويونلو حسن والسلطان جنيد، انضم عدد من أقوام الآق قويونلو إلى سلك مريدي الصفوية، وازداد تمسكّهم بالمذهب الشيعي رسوخاً.
وقد ذكرنا آنفاً أنّ حسن شاه قضى على حكم جهان شاه قراقويونلو، وأكثر جنود الأمير حسن هم من مريدي العائلة الصفوية ومن ثمّ فمن المستبعد جدّاً أن تمدّ عائلة جهان شاه أواصر المودة والمحبة، ولذلك كان الشاه إسماعيل وأتباعه من ذوي الفطنة ينظرون إلى دعوة الباراني وتظاهره بالمودة بكثير من الشك والريبة.
وعلى أي حال مكث عسكر الصفويين في جوار عسكر حسين الباراني لبضعة أيام، أظهر الأخير خلالها آيات المحبة وقدم مستلزمات الضيافة، ثمّ اطلع ذوو الحيطة والحذر بأنّ الباراني يحيك مؤامرة في الخفاء تفوح منها رائحة الغدر والخيانة.
وزاد هذا الخبر من حذر الصفويين فعزموا على الانفصال عن معسكر مضيفهم والابتعاد عنه بأسرع وقت، وأخذ أعيان العسكر الصفوي يهيئون الأسباب لذلك، فاستدعى السلطان بعضهم وقال لهم بأنّ رحيل الشاه إسماعيل مخالف للعقل والمصلحة والأحرى به أن يمد يد الاتحاد لنتمكن معاً من القضاء على المعاندين والمعارضين وفرض الاستقرار على أوضاع البلاد ثمّ أبدى استعداده لعقد أي اتفاق يرتضيه الشاه إسماعيل.
وأبلغ الصوفيون السلطان حسين بأنّ شيخهم لن يتمكن من المكث أكثر، وأدرك السلطان أنّهم عازمون على الرحيل فطلب إليهم أن يحضر شيخ الصوفية مأدبة يقيمها لتوديعه.
وفي اليوم التالي تمارض الشاه إسماعيل وأبقى معه حسين بيك وأرسل بعبدي بيك وخادم بيك وعدد آخر من أعيان الصوفية للاعتذار من السلطان حسين، وصدق السلطان مرض الشاه إسماعيل.
وعندما خيم الليل أخذ عبدي بيك وخادم بيك وأصحابهما يعدّون العدّة للرحيل، فأضيئت مشاعل كثيرة في أنحاء المعسكر وحملت الإبل والبغال ولم يكد ينتصف الليل حتّى انطلق إسماعيل نحو (نخجوان) و(خور سعد) في ألف وخمسمائة رجل من أصحابه.
وحينما رأى السلطان حسين وأتباعه كثرة المشاعل في معسكر الشاه إسماعيل تيقنوا من مرضه وحسبوا أنّه لن يقدر على التحرّك بعسكره في تلك الليلة ولكن ما إن أشرقت الشمس حتّى أسقط في أيديهم وأدركوا أنّ فريستهم قد أفلحت في الإفلات من قبضتهم، وفكروا في تعقب آثارهم ثمّ انصرفوا عن ذلك.
وحطّ الصوفيون رحالهم في بخور سعد ومكثوا فيها ينتظرون قدوم القوات التي كانت تلتحق بهم تباعاً دونما انقطاع.
وفي تلك الأيام حيث كانت جماعات أتباع الصوفية ومريديها يتقاطرون على موكب إسماعيل وينضمون إليه وقعت حادثة، يمكن اعتبارها بداية حروب القزلباش وفتوحاتهم وانتصاراتهم. فقد كان أحد زعماء الصوفية الروم واسمه قراجه الياس قادماً في جماعة من أتباعه لزيارة إسماعيل فوصل منطقة تدعى (شوره پل) بالقرب من إيروان، فقرّر أن يمضي وأصحابه ليلتهم بالقرب من قلعة (منتشا بهادر).
وكان منتشا بهادر قد أحكم قلعته ويزعم أنّه يقوم بالحفاظ على أمن الطريق وتأمين سلامة القوافل القادمة. فما كاد رصد القلعة يشاهد وصول قافلة الصوفيين حتّى أبلغ بهادر الخبر، فبادر هذا لاستقبالهم وأظهر احترامه لهم وتصوفه وقال لهم: محال أن أرضى بنزول جماعة من الدراويش الأطهار بالقرب من قلعتي ولا أتشرف باستضافتهم.
وقد تمكن بهادر من خداعهم وأدخلهم قلعته ثمّ وزّعهم على المنازل فجعل كلّ مجموعة منهم في منزل وأخلد الصوفيون إلى الراحة. فجمع مضيفهم الغدّار أصحابه ودفع إليهم بالسلاح ثمّ هجم على ضيوفه فجرّدهم في ظلمة الليل من كلّ متاعهم وطردهم خارج القلعة.
وبعد جهد جهيد أوصل الياس نفسه وأصحابه إلى معسكر الشاه إسماعيل وأبلغه خيانة بهادر، فاستشاط الشاه إسماعيل غضباً وعزم على السير إليه بنفسه فانتدب خيرة فرسان القزلباش لهذه المهمة وانطلق نحو قلعة بهادر.
وبلغ بهادر خبر الهجوم فأدرك ضعفه وعجزه عن المقاومة، ومن ثمّ استخلف على القلعة بعض أصحابه وخرج إلى (شوره پل) لعله يجد من حاكمها مدداً.
وكانت الحروب والاضطرابات الداخلية القائمة آنذاك قد شغلت كلّ حاكم وأمير بنفسه فانصرفوا جميعاً للحفاظ على مناطق نفوذهم دون التفكير في نصرة غيرهم.
ولم يبادر أبطال الصوفية إلى فتح القلعة بل هاجموا جميع القرى المحيطة بها والتي كانت تسكنها قبيلة (منتشابهادر) فنهبوها وقتلوا من قاوم من أهلها واشتدّت قساوتهم في الفتك بهم، وهرب الكثير من أهل هذه القرى إلى الصحارى وبينما كان الصوفيون في طريق عودتهم إلى مواقعهم التقوا بهؤلاء الهاربين فأعملوا السيف ببعضهم وأسروا آخرين ثمّ أطلقوا سراحهم بعد أن أخذوا منهم الفدية.
ومع حلول الصيف رحل إسماعيل إلى مصيف أرزنجان وتوقف في ربوعه شهرين توافد عليه خلالهما العديد من الأتباع والمريدين حتّى بلغ عدد جيشه خمسة آلاف شخص، وانضم بعضهم بأهله وبعشيرته إلى المعسكر ومنهم عبدي بيك من قبيلة شاملو فقد انضم بخمسمائة من أبطال عشيرته والشخص الآخر هو خان محمد استاجلو الذي أصبح فيما بعد حاكم ديار بكر وهو من أشجع القادة وأعلمهم.
ومن بين القادة الآخرين الذين التحقوا في تلك الأيام بموكب إسماعيل بيرام بيك القراماني وهو أحد أمراء القرامان ومن الأشخاص الذين رفضوا الاستسلام للعثمانيين بعد احتلالهم لمدينة قونية وسقوط الدولة القرامانية حيث أخذ يتنقل ببضعة آلاف من قبيلته رافضاً جميع الوعود التي كان العثمانيون يَعِدونه بها في حال استسلامه، وكان مخلصاً للعائلة الصفوية فلما بلغته أوامر المرشد الكامل استجاب لها وأسرع نحو مصيف (أرزنجان) فتشرف هناك بلقاء شيخ الصوفية، الذي شمله بألطافه واحترامه.
فتح شيروان
وفي أواخر أيام الاصطياف جمع إسماعيل زعماء عسكره وتركهم لاختيار الوجهة المناسبة التي يبدأ تحرّكه نحوها.
فاقترح بعض الحاضرين أن يكون التحرّك نحو ضفاف الأرس وحدود نخجوان.
واقترح البعض الآخر تمضية الشتاء في المناطق الدافئة من آذربيجان أو في بلاد آران حيث ولايتها الرئيسية قراباغ ومناطقها الدافئة والانتظار هناك ريثما يحل فصل الربيع فينظر حينئذٍ بالأمر.
ورأت فئة ثالثة الخروج لقتال قبائل الشركس والهجوم على جبال القفقاز.
وظلّ الجميع يتردّدون بين هذه الآراء الثلاثة وذهب من بين الحاضرين من أبلغ إسماعيل بما توصل إليه المجتمعون فلم يستصوب منها رأياً وجلس ليلته للعبادة والاستخارة.
ولمّا أصبح طلب قادة جيشه وحضر مجلسهم ثمّ أبلغهم أنّه قرّر المسير إلى شيروان فأبدى الجميع طاعتهم لمرشدهم وتحرّكوا نحو شيروان.
ولمّا بلغت القوات منزل (ياسمن) أمر إسماعيل خادم بيك بالتوجه إلى پرجستان بعدد من أبطال الصوفية، لتأديب العلماء الپرجسيين فيها، بعد أن بعث إليهم بطلبه في الالتحاق بجيشه والاتحاد معه أو إرسال ممثلين عنهم للتفاوض ولكنّهم لم يجيبوا على طلبه بجواب مناسب.
ودخل خادم بيك أراضي پرجستان فأغار على بعض النواحي الكبيرة فيها وقتل عدداً من أهلها وأسر آخرين ثمّ عاد إلى معسكر الصوفية بغنائم كبيرة فأمر إسماعيل بتقسيمها بالتساوي بين أفراد المعسكر.
ومن جانب آخر أُمر قراجه الياس الذي أصبح اسمه الياس بيك بالتوجه على رأس قوة من الصفويين لاحتلال قلعة منتشابهادر، وما إن بلغ أهل القلعة خبر توجّهه إليهم حتّى لبسوا أكفانهم ووضعوا سيوفهم على أعناقهم وأسرعوا إلى الياس مستدرين عطفه وعفوه، فاحتل الياس قلعتهم وعاملهم بالحسنى ثمّ بعث بشيوخهم إلى إسماعيل فعاملهم بعطفه ورحمته وخلع عليهم حللاً وأرجعهم إلى منازلهم.
وسار فوصل (حسن آباد) في اليوم التالي وفجأة خرج (منتشابهادر) من وراء حائط وألقى بنفسه عند قوائم جواد إسماعيل طالباً العفو والصفح وأخذ يذكر خدماته السابقة للعائلة الصفوية فاستحسن إسماعيل كلامه وعفا عنه ثمّ وضع على رأسه تاج الصوفية وخلع عليه خلعة خاصة وأهداه جياداً ونطاقاً مرصعاً وأعاده حاكماً على قلعته.
واقترب الجيش من نهر (كر) فبعث الشاه([347]) بيرام بيك القراماني في فوج من قبائل التكه لو وذو القدر لحراسة المعابر لئلا تسيطر قوات شيروان عليها فتحوّل دون عبور الجيش الصفوي، وتقرّر في حال حدوث فيضان إقامة جسور في الأماكن المناسبة لتعبر القوات عليها. وعندما بلغ بيرام بيك وأصحابه النهر وجدوه يضيق بمائه وأدركوا استحالة العبور من المعبرين الرئيسيين الموجودين في تلك المنطقة.
وتوجّه بيرام بيك وأصحابه إلى ملتقى نهري أرس وكر، وقرّروا إقامة جسر هناك، وما زالوا يتدبّرون الأمر حتّى قدم الشاه إسماعيل إليهم فرأى حيرتهم وتردّدهم فلوى عنان جواده إلى الشمال بمحاذاة النهر ثمّ اقتحم فجأة لجة النهر فعبرها بسهولة ولم يكن الماء يتجاوز بطن الجواد فعرف الجميع أنّ ثمة معبراً طبيعياً لم يكونوا يعرفونه.
وأخذ الصوفيون وأبطال القزلباش يعبرون النهر في جماعات منظمة، وعبر الجميع بنجاح وعلت الأصوات مبتهجة بالعبور وعدت هذه الخطوة فألاً حسناً يبشر بانتصارات لاحقة.
وبعد اجتياز نهر كر واجه الجيش نهرين عظيمين فاجتازهما بسهولة. وفي تلك الأثناء وصلت أنباء تشير إلى انسحاب ملك شيروان إلى القلاع المحصنة الموجودة في قمم الجبال الشاهقة، للوقوف فيها بوجه زحف عدوّه القوي، وفهم من ذلك أنّ عاصمة الملك المذكور، مدينة شماخي أضحت خالية من القوات العسكرية.
وأرسل الشاه إسماعيل أحد خدمه إلى شماخي لطمأنة أهلها وتبشيرهم بالأمان، وأنّ أحداً لن يصاب بأذى ما دام لا يحمل سلاحاً.
وفي اليوم التالي توجّه جيش القزلباش إلى شماخي فدخلها، وعُلم حينئذٍ أنّ أهلها جميعاً قد غادروها والتجأوا إلى شعب الجبال الوعرة.
ومكث الجيش في شماخي يومين، وقدمت العيون تحمل أخباراً مفادها أن شيروان شاه انصرف عن رأيه الأوّل في الاعتصام بالقلاع المنيعة وعسكر في غابة بين قلعتي پلستان وبيپرد وأحاط عسكره بأغصان الأشجار والأخشاب والأشواك.
وسر الشاه إسماعيل بهذا النبأ واعتبر إقدام العدو على هذه الخطوة إمارة على سقوطه واندحاره، فأسرع بجيشه نحو العدو.
وكان موقع ملك شيروان مستحكماً، فقد كان بإمكانه استدراج الجيش الصفوي إلى داخل الغابة وتشتيته فيها ولكنّه أخطأ مرّة أخرى فترك الغابة على جناح السرعة وتوجّه إلى قلعة پلستان ليتحصن فيها وليكون أقرب إلى مدد ملك الآق قويونلوا المقرّر وصوله من تبريز.
وخرج ملك شيروان من الغابة فدخل الصحراء ولا تزال بينه وبين قلعة پلستان مسافة كبيرة، وفجأة اصطدم بقوة من القزلباش وكان الشاه إسماعيل قد قسم جيشه إلى مجموعتين بعث بواحدة إلى الشمال ووجه الأخرى إلى الجنوب وكان هدفه من ذلك الإطباق على العدو من جهتين حيث لا طاقة له بمواجهته من جهة واحدة فقد كانت قوات العدو تبلغ عشرين ألف فارس وسبعة آلاف راجل.
وألفى ملك شيروان نفسه إزاء عدو قوي، فانحاز إلى تل قريب واعتصم به ثمّ قسم جيشه إلى قلب وجناحين.
ودارت رحى معركة ضارية رجحت فيها كفة قوات شيروان بادئ الأمر ولكن ظهور المجموعة الصفوية الثانية التي توجهت إلى الشمال سبّب إرباكاً في صفوف الشيروانيين فكان دخولهم أرض المعركة حسماً لها حيث قتل ملك شيروان وعدد من وزرائه وكبار قادته وأركان ديوانه، ولاذ الباقون بالفرار، ورفرفت راية في ساحة الحرب عالية خفاقة… وأخذ زعماء الولايات المجاورة يتوافدون على الشاه إسماعيل بعد سماعهم خبر انتصاره الكبير.
ومكث الشاه في أرض المعركة ثلاثة أيام غادرها في اليوم الرابع متوجهاً إلى شماخي.
وفي شماخي، عاصمة شيروان بلغ الشاه إسماعيل أنّ ابن ملك شيروان الشيخ إبراهيم الذي أفلح في الهرب من ساحة المعركة قد خرج في (شهرنو) الواقعة على ساحل بحر الخزر في جماعة من أنصاره عازماً على الاستمرار في المقاومة. فوجّه الملك إليه بخادم بيك ليتعقب أثره، وما إن بلغ الشيخ إبراهيم الخبر حتّى بادر إلى ترك (شهرنو) وأبحر بسفينة إلى ولاية پيلان.
ودخل خادم بيك (شهرنو) بعد مغادرة الشيخ إبراهيم لها، فاستقبله أهلها وأعلنوا عن طاعتهم له. وفي اليوم التالي دخلها الشاه إسماعيل وخلع عليهم خلعاً فاخرة وعين خادم بيك حاكماً على (شهرنو) ثمّ غادرها إلى محمود آباد.
وفي محمود آباد بلغه أنّ أهالي قلعة (بادكوبه)؛ التي كانت في الحقيقة مستودعاً لخزائن وأموال الشيخ إبراهيم الملقب بالشيخ شاه ـ رفضوا استقبال رسله وغلقوا الأبواب دونهم ووقفوا على أهب الاستعداد للمقاومة. فوجّه إليهم بخان محمد استاجلوا والياس بيك في فوج من قواته لاحتلال قلعتهم.
وكانت قلعة بادكوبه غاية في المنعة والاستحكام، يحيط بها بحر قزوين من ثلاث جهات ويحدّها خندق منيع من جهتها الرابعة، فحاصرها الصفويين ووقعت مناوشات بين الطرفين واستمرّ الحصار طويلاً دون أن تفتح.
فأمضى الشاه إسماعيل الشتاء في محمود آباد ومع دنو فصل الربيع توجّه بقواته إلى (بادكوبه) وأخذ يتفحص أطرافها بنفسه ثمّ عيّن جماعة لنقب الجدار وجماعة أخرى لمشاغلة المدافعين عن القلعة برميهم بالسهام. ثمّ طمر مكاناً من الخندق بالأحجار حتّى أصبح تلاً عالياً يشرف على السور وأهله.
وما إن شاهد أهالي القلعة القوات تشرف عليهم حتّى أخذوا يتوسلون ويتضرعون، طالبين الصفح والأمان ولم يكن الشاه إسماعيل يبغي شيئاً سوى استسلامهم فمنحهم الأمان وكرّم زعماءهم.
ودخل خادم بيك القلعة وحمل إلى معسكر مرشده ما وجده فيها من كنوز ذهب وفضة وجواهر، فأمر بتوزيعها بالتساوي على أفراد العسكر ولم يختص نفسه منها بشيء، بل لم يأخذ حتّى خمسه الشرعي إذ أمر بإنفاقه على المبرات الخيرية التي أوصى بها.
وتمّ الاستيلاء على جميع أراضي شيروان بسقوط قلعة بادكوبه باستثناء قلعة پلستان فحاول الشاه إسماعيل فتحها ثمّ انصرف عنها بعد أن وعده أهلها بالدخول في طاعته في حال احتلاله لتبريز مركز آذربيجان.
وتحرّك باتجاه قره داغ فبلغه في أثناء الطريق أنّ الملك الوند ميرزا قد قدم من تبريز إلى نخجوان على رأس جيش جرار وبعث أحد قادته المدعو محمد قراجه إلى پنجه للتوجّه منها إلى شيروان وأرسل قائداً آخر وهو حسن بيك شكراوغلي لدخول شيروان عن طريق نهر «پرمارود».
واستدعى الشاه إسماعيل قادته لاستشارتهم فأشاروا عليه بالتصدّي لقوات الوند ميرزا قبل أن يستفحل الأمر ويتّحد الأعداء عليه.
الحرب من أجل العرش والتاج
كان السلطان العثماني يدعم حكّام (الآق قويونلو)([348]) ويرغب في استمرارهم. فكان يلحّ على الوند ميرزا أن يتصالح مع إخوانه وأبناء عمومته ويحثّهم جميعاً للوقوف بوجه الفاتح الجديد الشاه إسماعيل.
وكان الوند ميرزا عازماً على خوض غمار الحرب مع مراد ميرزا، فبعث السلطان العثماني بأحد مشايخ الصوفية للتوسط بينهما فتصالحا على أن تكون ديار بكر وأران وآذربيجان حتّى نهر قزل أوزن من حصة الوند ميرزا بينما تكون حصة السلطان مراد الضفة الثانية لأوزن وعراق العجم([349]) وفارس وكرمان.
ومن جانب آخر وعد السلطان العثماني بدفع حاكم ديار بكر قاسم بيك البايندري للدخول في طاعة الوند ميرزا.
ولم يكن الوند ميرزا يأمن مكر أمراء البايندرية وشرهم في حال اصطحابهم معه لمواجهة القوات الصفوية، فعزم على السير إليها بمفرده ومن ثمّ استدعى جميع أفراد قبيلة الآق قويونلو الموجودة في أراضي آذربيجان وأران وجهز منهم جيشاً كبيراً ثمّ توجّه إلى نخجوان وبعث من هناك ـ كما أسلفنا ـ بمجموعتين إلى شيروان لدخولها من جهتين.
وتحرّك جيش الصفويين عبر قراباغ إلى نخجوان وأمر الشاه إسماعيل أحد القاجاريين واسمه پيري بيك بالسير على رأس فوج من المحاربين الشجعان للتصدي لحسن بيك شكر أوغلي.
وتوجّه پيري بيك نحو نهر (گرمارود)، وسمع حسن بيك شكر أوغلي بتوجهه إليه فلاذ بالفرار قبل أن يدخل الحرب معه والتحق في نخجوان بالوند ميرزا ولكن بعض قواته التي تخلّفت عن مواكبته اصطدمت بقوات پيري بيك وقتل بعضها وأسر آخرون وحمل پيري بيك الغنائم إلى معسكره. ومن جانب آخر كان بعض زعماء البايندرية مثل قرلغاي بيك ولطيف بيك منشغلين بالكر والفر في حدود قره باغ فلمّا بلغهم نبأ اقتراب القوات الصفوية فضّلوا الانسحاب والتحقوا بالوند ميرزا.
وفي أواخر ولاية قره باغ استعدّ الشاه إسماعيل لخوض الحرب فعبأ جيشه وعيّن القلب والجناحين ثمّ بعث پيري بيك ليكون طليعة جيشه. وجعل الوند ميرزا عثمان بيك وهو قائد عثماني في طليعة جيشه.
والتقت قوات پيري بيك بقوات عثمان بيك وكانت تعليمات الصفويين تقضي بالهجوم على القائد هجوماً مباغتاً، فنفذت التعليمات وأسر عثمان بيك، فلمّا رأى جنده ما حلّ به فرّوا من ساحة المعركة وتعقبهم الصفويون فأعملوا فيهم السيف وأسروا بعضهم، وحمل الأسرى إلى الشاه إسماعيل وحين علم بكون عثمان بك أجنبياً ومن أتباع الدولة العثمانية أمر بقتله وقتل من كان معه من العثمانيين.
وعندما بلغت أخبار الهزيمة الوند ميرزا أدرك بأنّه كان مخطئاً في تقدير قوّة خصمه فأمر بالتقهقر عن نخجوان.
ورأى الصفويون في هذا التقهقر فراراً، فارتفعت معنوياتهم وانتهز الشاه إسماعيل الفرصة فدخل نخجوان ثمّ سار لتعقّب خصمه فالتقى به في مساء ذلك اليوم نفسه في محل (آبادي شرور) من توابع نخجوان ومكث الفريقان بإزاء بعضهما طوال الليل ملتزمين الحيطة والحذر.
وفي صبيحة اليوم التالي نظم الوند ميرزا قواته وأمر بإيقاف الإبل خلف صفوف محاربيه وربطها إلى بعضهما بالسلاسل وكان غرضه من ذلك الحيلولة دون فرار بعض قواته ممّن كان يتحسّس فيهم ميلاً للأسرة الصفوية.
وعمد الوند ميرزا إلى وضع المدافع والبنادق التي وصلته من الدولة العثمانية على سفح تل قريب من أرض المعركة وجعل الرماة في مقدمة صفوفه.
التفت الصفويون إلى انعزال المدفعية والبنادق عن بقية الجيش فالتف فوج منهم حول الموقع وانقضّوا عليه بسرعة فقتلوا بعض المقاتلين وأسروا آخرين، وحينئذ تنبّه الوند ميرزا إلى الأمر فأمر جناحه الأيمن بالتوجّه لحماية المقاتلين الموجودين على التل، وامتثل قائد هذا الجناح فأسرع بقواته لحماية التل.
وشاهد الصفويون انحياز الجناح الأيمن إلى جانب التل فعدّوا ذلك تراجعاً وفراراً، فبادر جناحهم الأيسر إلى الهجوم مطلقاً صيحات الله أكبر فأحدثوا في صفوف عدوهم إرباكاً وألقوا في قلوبهم ذعراً.
وتنبّه الشاه إسماعيل إلى الحالة التي سيطرت على ساحة المعركة فاستل سيفه وهجم فتبعه جميع مقاتلي القلب والجناح الأيمن.
ووقف الوند ميرزا وعدد من قادته في مقدمة قلب قواتهم للتصدّي لهجوم الشاه إسماعيل ودارت معركة ضارية بين الطرفين قتل فيها الكثير من قواد جيش الوند ميرزا، ثمّ اضطربت صفوفه وفقدت نظمها ثمّ لاذت بالفرار، وهرب الوند ميرزا ببعض أصحابه.
وكان العديد من التركمان الهاربين يحاولون التخلص من سيوف الصفويين ورماحهم فيتجهون نحو الخلف ويصطدمون بجدار من الإبل المربوطة إلى بعضها، يضطرون للتوجه شمالاً أو يميناً فيكونون هنا فريسة للصفويين.
وانتهت المعركة بمقتل العديد من زعماء قبيلة الآق قويونلو ووزرائها ووقع بعضهم أسرى ففدوا أنفسهم بدفع جميع أملاكهم.
وقد ذكر صاحب تاريخ (جهان أرا) أنّ عدد القتلى في صفوف قوات الوند ميرزا بلغ عشرين ألفاً بينما يذكر صاحب لب التواريخ بأنّهم ثمانية آلاف قتيل.
وأمر الشاه إسماعيل بعد انتهاء المعركة بنصب فسطاطه واستدعى إليه جميع أمراء جيشه وقادته وأفراده الذين كان لهم دور مميز في ساعات المعركة، فكرمهم وخلع عليهم وشملهم بعطفه وعنايته، وأمضى مقاتلو الصفويين ليلتهم ينعمون بأسباب الرفاه التي غنموها من معسكر العدو.
فتح تبريز
وفي اليوم التالي توجّه جنود الشاه إسماعيل نحو تبريز، وكان عددهم يومئذ يتراوح بين سبعة آلاف واثني عشر ألفاً.
وكان مسيرهم في أوائل عام 907هـ وبعد أيام قليلة دخل موكب الملك إسماعيل تبريز فهبّ أهلها لاستقباله وتقديم فروض الطاعة إليه. وجلس على عرشها متوّجاً نفسه ملكاً لإيران.
وقرّر الشاه إسماعيل أن تكون الخطبة باسم الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب والأئمة الإثني عشر (عليهم السلام) ومن ثمّ اسمه.
وكان لهذا القرار أهمية كبرى حيث كانت تبريز آنذاك يتقاسمها الشيعة والسنّة، ورغم كثرة الشيعة إلاّ أنّ جميع الأمور الدينية والقضائية كانت بأيدي علماء السنّة من الشافعيين والحنفيين، إذ كان حكامها يرون المصلحة تقضي بدعم أهل السنّة وتقويتهم منذ بدأ الصراع مع الصفويين في عهد السلطان يعقوب.
وقد رفض بعض الخطباء الانصياع للأوامر فضربت أعناقهم على رؤوس الأشهاد، فأصيب الخطباء الآخرون بالخوف والهلع فلاذ بعضهم بالفرار وأخفى آخرون أنفسهم بينما انصاع بعضهم للأمر الواقع، فخطبوا باسم الأئمة الإثني عشر (عليهم السلام) وأدخلوا في الآذان عبارة (أشهد أنّ علياً ولي الله).
وكان جنود الصفويين يلازمون المساجد في أيام الجمعة وأوقات الصلاة في الأيام الأخرى طوال ثلاثة أشهر لمراقبة الخطباء وما يلقونه من خطب، فإذا أتى أحدهم بعمل مخالف للأوامر الصادرة أو أنكر شيئاً من تعاليم الشيعة بادروا إليه بسيوفهم أمام أعين الحاضرين.
وفي الوقت الذي كان الشاه إسماعيل يشتو في محمود آباد بعد فراغه من فتح شيروان قدم إليه الأمير شمس الدين زكريا الذي شغل منصب الوزارة لدى ملوك البايندرية لسنين طوال ثمّ اعتزله بعد حدوث الاضطرابات الداخلية، وكان محيطاً بأوضاع البلاد إحاطة تامة فاغتنم الشاه مقدمه ورأى في شخصه منفعة كبرى لدولته الحديثة التأسيس فرحب به وكرمه ولقبه بمفتاح آذربيجان وعيّنه في منصب وزارة الديوان الأعلى، وعيّن حسين بيك شاملو أميراً للأمراء وشاركه في ذلك إبدال بيك.
وبعد فتح تبريز والفراغ من مراسيم التتويج جعل حسين بيك وكيلاً له وفوّض الأمور الإدارية ورئاسة الديوان للأمير زكريا، ولم يجد الشاه الوقت الكافي لاستحداث إدارات ومؤسسات جديدة فقرّر أن تكون الأساليب الإدارية على غرار ما كان معمولاً به في زمن الحكومات البايندرية.
وتولّى القاضي شمس الدين الپيلاني منصب الصدارة، وهو يشتمل على رئاسة الأمور الدينية والقضائية، حيث كان جميع القضاة وأئمة الجماعات وسادنو الأوقاف يعينون من قبل الصدر ويعملون تحت إشرافه.
وأمضى الشاه فصل الشتاء في تبريز، ومع حلول فصل الربيع بلغه أنّ الوند ميرزا يقوم بتجهيز جيش في حدود أرزنجان وبلغه أيضاً أنّ علاء الدولة رئيس قبيلة ذو القدر الكبيرة الذي يحكم أجزاء مهمة من ولاية ديار بكر اتفاق مع الميرزا الوند وهو في صدد إرسال المدد إليه، فغادر الشاه إسماعيل تبريز متوجهاً إلى أرزنجان للقضاء على الميرزا الوند فيها ولتهديد علاء الدولة وبلغ خبر تحرّكه الوند فسلك طريقاً آخر إلى أذربيجان فانصرف الشاه إسماعيل إلى ممارسة رياضة الصيد في أرزنجان.
واضطرت القوات الصفوية في حملتها هذه إلى اجتياز الأراضي العثمانية الحدودية، فأبدى الشاه إسماعيل لحكامها الاحترام والمودة ووعدهم برعاية السكان فيها وعدم إيذائهم وبعث في هذا المجال برسالة إلى السلطان العثماني طمأنه فيها وأعرب له عن مودته. وأجابه السلطان برسالة تفصح عن رضاه عن سلوك قواته حين عبورها الأراضي العثمانية.
ودخل الميرزا الوند تبريز فعاث فيها فساداً، وجمع عدداً من تجارها وأثريائها فأذاقهم من العذاب لانتزاع أموالهم وهكذا كان حال أكثر الوزراء والأعيان والصدور في آذربيجان وبلغت الأخبار الشاه إسماعيل فاستشاط غضباً وأسرع نحو تبريز فهرب الميرزا الوند نحو همذان وتوجّه منها إلى بغداد.
وانصرف الشاه إسماعيل طوال عام 908هـ إلى إعمار ما خربه الميرزا الوند وإصلاح أمور بلاده وإقرار الأمن فيها.
فتح غرب إيران
وفي شتاء عام 908هـ بلغت الشاه إسماعيل أخبار مفادها أنّ الملك مراد ميرزا جمع قوات عراق العجم وكرمان وفارس فبلغت سبعين ألف مقاتل وهو متوجه بها إلى همذان للانطلاق منها إلى تحرير بلاد آذربيجان التي يرى فيها حقاً شرعياً له من خصمه الشاب.
وهاج سكان تبريز بعد سماعهم بقدوم مراد ميرزا وأنشأ العديد من أهل السنّة ممّن يرفضون الحكم الجديد يبثون الإشاعات المثبطة لإرباك القوات الصفوية.
وقد أشاعوا أنّ السلطان العثماني بايزيد بعث إلى مراد ميرزا بمئات المدافع وآلاف المدفعيين، ولكن هذه الإشاعات لم تكن تؤثّر على إرادة الشاه إسماعيل أو تثنيه عن عزمه، فجمع قواته وأسرع بها نحو همذان وواصل السير دون أن يتوقف في المنزل أكثر من ليلة واحدة حتّى وصل إلى ما يبعد عن العدو مسافة فرسخين في يوم السبت الرابع والعشرين من ذي الحجة عام 908 وتوجّه في اليوم التالي إلى لقاء العدو. إلاّ أنّ حرارة الطقس جعلته يرجئ الهجوم إلى يوم آخر.
وفي يوم الثلاثاء، الرابع والعشرين من ذي الحجة عام 908هـ نظّم الشاه إسماعيل صفوف قواته في قلب وجناحين وتحرّك نحو العدو.
وكان الميرزا مراد معسكراً بقواته في سفح جبل، وقد رتّب مدفعيته في صف مترابط ليتسنى لقواته القتال خلفها في حال اضطرارها للانسحاب.
وكانت قواته تناهز السبعين ألف مقاتل بينما بلغ عدد الصفويين إثني عشر ألفاً، وفي رواية ثلاثين ألفاً، وبلغ عدد المدافع التي بعث بها السلطان العثماني إلى مراد ميرزا ثلاثمائة مدفع.
وبدأت المركة بنزول الفرسان إلى الميدان قبل أن تباشر مدفعيتهم بإطلاق نيرانها، حتّى إذا انطلقت المدفعية أخذت تحصدهم حصداً فدبّ الذعر والاضطراب في صفوفهم، فأخذوا يتقهقرون إلى مواقعهم وحاول الميرزا مراد وبعض رجاله السيطرة على الوضع، واستغل فوج من الصفويين الفوضى السائدة فهجموا على الوند ميرزا الذي فوجئ بالهجوم فانحاز إلى جانب من معسكره فحسب رؤساء القبائل والأمراء في جيشه حركته هذه فراراً، فلوى كلّ منهم عنان جواده وانطلق لا يلوي على شيء وشاهد قادة الجيش ذلك فتبعوهم هاربين، ووصل الصفويون إلى المدفعية فاعملوا السيف برجالها.
وقد بلغت خسائر جيش مراد حسب كتاب «لب التواريخ» عشرة آلاف شخص، وغنمت القوات الصفوية في تلك المعركة كميات كبيرة من الأسلحة والخيول والأمتعة النفيسة، حيث كان العديد من زعماء ولايات عراق العجم وعراق العرب وفارس وكرمان وخوزستان مصطحبين معهم إلى أرض المعركة أسباب الترف والرفاه فتجمع منها الشيء الكثير ووقع غنيمة في أيدي الصفويين.
وانصرف الشاه إسماعيل بعد نصره المؤزر للصيد والترويح عن النفس، وبعد أسبوعين بلغه أنّ الميرزا مراد بعد هربه وهزيمته في أرض المعركة توجّه إلى شيراز وأقام فيها، وباشر بحشد قبائل فارس وعشائرها واستنصر بعشائر عراق العرب، وبعث برسله إلى البلاطين العثماني والمصري وكذلك علاء الدولة ذو القدر حاكم ولاية ديار بكر يستمدهم العون والمدد.
وأيقن الشاه إسماعيل أنّ عدوه إذا ما تُرك استعاد قوّته وقويت شوكته وأصبح التصدّي له أمراً عسيراً. ومن ثمّ عزم على المسير إليه، فاجتاز مصايف همذان واتجه جنوباً، ولمّا بلغ قم بلغه خبر تمرّد حاكم رستمدار الأمير حسين الجلاوي. ورستمدار هذه هي الأرض الممتدة بين حدود دماوند وجبال (خوار) الشمالية والجنوبية، ومن قمم جبال ألبرز التي تنحدر نحو مازندران حتّى سهولها وينتسب الأمير حسين الجلاوي إلى عائلة عريقة، فبادر إلى إعلان استقلال بلاده ولم يكتف بذلك بل طمع بإخضاع إيران جميعاً لسلطته، وذلك بعد تحريض الدولة العثمانية له ووعود أمراء دولة الآق قويونلو بنصرته.
وأمر الشاه إسماعيل الياس بيك أيقوت أوغلي وهو أحد قادته الأبطال بالتوجّه إلى (ورّامين) على رأس قوّة من أتباعه، للعسكرة فيها وحشد المتطوعين والسير بهم لقتال حسين، فجمع قواته وأسرع بها نحو همذان لملاقاة الجلاوي.
وأخذت تتوافد على الشاه إسماعيل في مقر إقامته في الوند ثمّ في قم رسل الحكام والزعماء محملين بالهدايا والرسائل التي تعرب عن الطاعة والبيعة له. ولم يتخلف أحد من حكام ولايات كرمان ويزد وأصفهان وكرمانشاه وكردستان عن مبايعته والدخول في طاعته.
وغادرت القوات الصفوية قم متوجهة إلى أصفهان ومن هناك إلى شيراز، وسلك طريق أيلغار مواصلاً سيرة دون توقف حتّى دخل شيراز فعلم أنّ الميرزا مراد هرب إلى شوشتر، ولم يجرؤ على الإقامة فيها فغادرها إلى بغداد.
وما أن علم زعماء فارس وأمراؤها بخبر وصول شاه إيران ولايتهم حتّى أخذوا يتوافدون عليه مبايعين طائعين وأقبل أصحاب القلاع والحصون يحملون مفاتيح قلاعهم وحصونهم ويقدّمونها إلى الشاه طائعين.
وأقام الشاه مدّة في فارس سعى خلالها لإزالة أسباب الظلم والجور وسن قوانين جديدة كفيلة بحفظ الأمن والنظام ثمّ غادرها إلى كاشان، فاستقبله أهلها استقبالاً حافلاً.
وأثناء إقامة الشاه إسماعيل في كاشان أحاط القاضي محمد برعايته وقربه، حيث أعجب الشاه بمنطقه وفصاحته وفضائله، فعيّنه في منصب الصدارة فكان شريكاً في هذا المنصب لمولانا شمس الدين الپيلاني.
ونشط القاضي محمد في مهمته فنظّم خلال فترة قصيرة أمور القضاء والأوقاف وشؤون المدارس وجميع الأمور المتعلقة بالثقافة والعلم، فازدادت مكانته وعيّن نائباً للشاه.
وبعد فراغ الشاه من أيام الاحتفالات والأفراح في كاشان غادر إلى قم فأمضى الشتاء فيها.
القضاء على الرستمداريين
تشمل رستمدار أعلى قمم جبال ألبرز وأكثر القلاع والحصون استحكاماً، وحينما خرج الأميركيا حسين الجلاوي على طاعة الشاه إسماعيل، استحدث قلاعاً حصينة أخرى.
وشكل كيا حسين جيشاً مؤلفاً من إثني عشر ألف مقاتل. ونظمه نظاماً كاملاً وجهّزه بمستلزمات الحرب وصرف له الرواتب الشهرية، وإضافة إلى هذا الجيش كان هناك العديد من رجال رستمدار ومازندران الذين التحقوا به، وكان هؤلاء لا يجارون في استخدام الأقواس ورمي الحراب.
وإضافة إلى هؤلاء جميعاً كان هناك أمراء وأعيان وأشراف القبيلة البايندرية الذين انضموا بقواتهم إليه بعد هزيمة الميرزا مراد، وكذلك كان الرافضون لحكم الشاه إسماعيل والأعيان ورجال الدين السنة يلتحقون به سراً في كل يوم.
وكانت الأوامر تقضي بتوقف الأمير الياس في حدود ورّامين وگرمسار والتصدّي لقوات كيا حسين إذا ما زحفت عبر طريق نهر (جم آب) أو طريق نهر (هبله) وهو نهر گرمسار، ومراقبة تحرّكات العدو، وإذا بلغه المدد يبادر بالهجوم.
وبلغت كيا حسين أخبار توجّه الشاه إسماعيل إلى شيراز وعلم أنّ الياس بيك يفتقر إلى القوات الكافية، فسلك بجيشه طريق (جم آب) متوجهاً إلى أيوانكر، فتراجع الياس بقواته عن حدود تلك المنطقة ودخل قلعة أيرج في ورّامين واعتصم بها، فحاصرها كيا حسين فترة وحاول دخولها دون جدوى فعمد إلى المكر والخديعة، فأرسل وفداً إلى الياس ليصوّر له أنّه عاجز عن الوقوف بوجه قوات الشاه الصفوي ومن ثمّ يلتمس منه التوسّط بين الطرفين لإنهاء العداء بينهما.
وكان إلياس رجلاً بسيطاً رغم مكانته وشجاعته فانطلت عليه الحيلة وخرج من قلعته واختلط بالرستمدرايين ثمّ جلس معهم على مائدة الطعام، وكان كيا حسين قد دبّر أمراً لقتله ومن معه فخرج فجأة من الفسطاط وانقض جنوده بسيوفهم فقطّعوا إلياس ومرافقيه إرباً وقتل العديد من جنوده وأسر آخرون.
وبلغت الشاه إسماعيل أبناء هذه الخيانة فاستشاط غضباً، وفي أواخر فصل الشتاء حين أخذت الجبال تتعرّى من طبقات الثلوج غادرت قوات القزلباش مدينة قم في اليوم الثاني عشر من رمضان عام 909هـ متوجهة إلى رستمدار، فهاجمت بادئ الأمر قلعة (پل خندان) الواقعة فوق جبل مرتفع ويحيط بها خندق عميق يشبه الوادي ويضاهي سورها الجبال بارتفاعه.
وأمر الشاه إسماعيل قواته بإحاطة القلعة، فأحيط بها. وفي اليوم التالي أطلقت مشاعل النيران باتجاهها، إلاّ أنّ غزارة الأمطار حالت دون تأثيرها فباشر الصفويون بالهجوم عليها محاولين تسلّق سورها وراح المدافعون يرشقونهم بسهامهم، فكانت الجماعات تسقط لتليها جماعات أخرى حتّى نجحوا في اعتلاء السور، وأدلوا سلالمهم لرفاقهم وفتحت الأبواب فقتل العديد من المدافعين ثمّ صدرت الأوامر بإبادة من فيها، وكانت هذه الحادثة في الثاني من شهر شوال.
وبعد الفراغ من أمر (پل خندان) توجّه الصفويون نحو (فيروز كوه) عاصمة رستمدار فمروا بقصبة دماوند واستشعروا الخلاف من أهلها حين امتنعوا عن بيعهم بعض المتاع فدخلوها وقتلوا بعض أهلها ونهبوا شيئاً قليلاً من متاعها.
وكانت قلعة (فيروز كوه) تتميز بكثير من الحصانة والمنعة بحيث يتبادر إلى الذهن أنّ فتحها ضرب من المحال، فبالإضافة إلى موقعها ومنعتها وقوة المدافعين عنها وجلادتهم، كانت تتوفّر فيها مقادير كبيرة من المؤن والذخيرة الحربية بما يكفي لفترة طويلة من الحصار دون أن تتأثر به أو تحتاج إلى مساعدة خارجية.
وحالما وصلت قوات الصفويين حدود قلعة فيروز كوه، أمرها الشاه إسماعيل بضرب ونفخ آلاف من الطبول والأبواق فحدثت ضجة عظيمة زعزعت معنويات القوات المدافعة. وفي اليوم التالي أطلقت على القلعة من جوانبها الأربعة مشاعل النيران والسهام والصخور الثقيلة واستمرّت المناوشات من الخامس عشر من شوال حتّى أواخره، ثمّ أدرك حاكمها علي كيا عقم مقاومته فوضع السيف على عنقه وأقبل يلتمس عفو الشاه وصفحه فعفا عنه، ثمّ أمر بقتل القوات المدافعة لا سيما أفراد الآق قويونلو ورعاية سائر الأهالي ومعاملتهم بالحسنى.
وتحرّك الشاه إسماعيل على رأس قواته بعد فراغه من احتلال فيروز كوه عبر نهر (هبله) متوجهاً نحو قلعة (استا) التي كانت بمثابة الملجأ الأخير لكيا حسين الجلاوي، وعزم الأخير على التصدّي للزاحفين بجيشه المؤلف من إثني عشر ألف مقاتل الذي جهزه بأفضل الأسلحة وأنفق عليه أموالاً طائلة.
وغادر كيا حسين قلعته سالكاً طريق (پرما به سر) و(قلعة كرپينه) للالتفاف حول جناح القزلباش([350]) الأيمن ومهاجمته ليلاً. وكان الشاه إسماعيل في غاية الحذر ويتوقع هجوماً على جناحه الأيمن فجهّزه بخيرة قواته وقادته.
والتقى كيا حسين بالقزلباش فألفاهم على أهبة الاستعداد وبادروه بالهجوم ودارت المعركة بين الطرفين فأدرك كيا حسين عدم جدوى المقاومة وأسرع بقواته نحو قلعة (استا) للاعصام فيها.
وفي اليوم التالي بلغت قوات القزلباش حدود القلعة فارتقى الشاه إسماعيل تلاً مشرفاً على سور القلعة فتفحص السور ولاحظ مناعته وصعوبة إحداث ثغرات فيه بوسائل دك القلاع.
ومن جانب آخر لاحظ أنّ نهر (هبله) يحيط بالقلعة كالخندق ثمّ علم بعد التحقيق أنّ أهلها يعتمدون على هذا النهر في تأمين مياه الشرب فقرّر قطعه عنهم وأمر حسين بيك وجماعة كبيرة من قوات القزلباش بتنفيذ هذه المهمة فنفذت في وقت قصير بحفر مسلك جديد للنهر وطمر المسلك الأوّل، فأصيب سكان القلعة بالعطش وضجوا منه، ورأى كيا حسين عقم مقاومته فاصطحب رفيقه الأوّل مراد بيك شاملو قسراً وخرج من القلعة إلى معسكر القزلباش.
وانتهى حصار قلعة (أستا) الذي استغرق ثلاثة وثلاثين يوماً وأخذ مراد بيك شاملو الذي كان مصدر الفتنة والفساد فقطع إرباً وحبس كيا حسين في قفص من حديد، ولكنّه غافل حراسه في حدود ورامين فجرح نفسه ولم يمض عليه يومان أو ثلاثة حتّى هلك.
والعجيب أنّ كيا حسين مات في نفس المكان الذي قتل فيه الياس بيك غدراً، ولم تخرج جثته من القفص، حتّى أحرقت في أصفهان أمام السفير العثماني.
وفي أثناء إقامة الشاه إسماعيل في حدود قلعة (أستا) قدم إليه كاركيا ميرزا حسن من پيلان بأنواع التحف والهدايا فغمره بعطفه ورحب به ترحيباً حاراً لما لمسه فيه وفي أخيه وعائلته من المحبة والوداد أثناء هجرته إلى لاهيجان.
وقدم على الشاه إسماعيل عدد من الأمراء الپورپانيين لمبايعته والدخول في طاعته فرحب بهم وكرمهم وخلع عليهم وتوّجهم بتيجان القزلباس ثمّ أذن لهم بالانصراف إلى ديارهم.
حوادث متفرقة
من الأحداث الجديرة بالذكر التي حصلت في عام 911هـ، معاقبة أعداء الأسرة الصفوية والمقصود بهؤلاء الأعداء هم الأشخاص الذين اشتركوا في قتال السلطان حيدر الصفوي.
فبعد مراسيم العزاء التي أقامها الصفويون بمناسبة ذكرى استشهاد السلطان حيدر، توجّهوا بالدعاء سائلين الله أن ينتقم لهم من قتلة السلطان حيدر، وكان لهذا الدعاء وقع مؤثّر على الشاه إسماعيل فعزم على التحقيق في الأمر وأخذ الثأر لأبيه. ومن ثمّ أناط هذه المهمة بإبدال بيك دده.
وبذل إبدال بيك جهوداً كبيرة في معرفة المشتركين في قتل السلطان حيدر فتعرف على العديد منهم ونالوا عقابهم، وكان لذلك دور في إخافة أعداء المذهب الشيعي فبادروا إلى الالتحاق بصفوف القزلباش وارتدوا القبعات الإيرانية الموحدة وتظاهروا بولاء آل بيت الرسول (صلّى الله عليه وآله).
ومن الأحداث المهمة الأخرى التي حدثت في هذه السنة؛ وقوع الاضطرابات في لاهيجان، ومقتل حاكمها كاركيا سلطان حسن، وكان ابنه السلطان أحمد موجوداً آنذاك في معسكر الشاه إسماعيل، فاستدعاه وشمله بعطفه ورعايته ثمّ عيّنه حاكماً على پيلان وبعث به إليها في فوج من القزلباش فدخلها وقتل عدداً من الأمراء الذين شاركوا في قتل أبيه، واستمرّت فترة حكمه عشرين سنة.
وفي شتاء هذه السنة حصلت حادثة مهمة أخرى، حيث توفي آخر ملوك الپورپانية الأقوياء في خراسان السلطان حسين ميرزا بايقرا في السادس عشر من ذي الحجة من عام 911هـ. فخلفه أبناء بديع الزمان ميرزا ومظفر حسين ميرزا ولكنّهما تعرّضا لهجوم الأوزبك وأحدث الهجوم دماراً واسعاً في خراسان.
وتوجّه الشاه إسماعيل إلى (قزل أوزن) فأبلغ هناك أنّ شخصاً يدعى صارم كرد قد جمع حوله عدداً من الأوباش وقطاع الطرق الأكراد واتخذ له مقراً بالقرب من پروس وعمد إلى أخذ الخراج من التجار والمزارعين وعرض القوافل للسلب والنهب.
وعزم الشاه على أخذه على حين غرة، فانقض على موقعه إلاّ أنّ الأكراد كانوا قد تركوا مواقعهم قبل وصول جيش الصفويين ولاذوا بالفرار، فوقعت جميع أملاكهم في أيدي القزلباش وتعقبوا بعضهم فأهلكوهم.
وفي ربيع عام 912هـ خرج (صارم كرد) مرّة أخرى وجمع أوباش الأكراد وأشرارهم وعاث في (أرومية) فساداً؛ فأمر الشاه إسماعيل بيرام خان قرامانلو وخادم بيك خليفة بالتوجه إليه وتأديبه.
ودارت بين الطرفين معركة ضارية راح ضحيتها من القزلباش إثنان من كبار قادتهم هما عبدي بيك شاملو وصارم علي تكه لو وانتهت بانتصار القزلباش وفرار صارم، وأسر ابنه وإخوانه وعدد من قادة جيشه ومقتل العديد من أتباعه، وعُرضت قبيلته للنهب.
الحرب مع علاء الدولة ذو القدر
وفي ربيع عام 912هـ عزم الشاه إسماعيل على قطع دابر فتنة الآق قويونلو، فقد سمع أنّ الميرزا مراد توجّه إلى ديار بكر بعد فراره إلى بغداد فلجأ إلى علاء الدولة ذو القدر وتزوج بابنته، وباشر الإثنان بتجيهز جيش كبير، وأخذ هذا الجيش يعتدي على أموال الناس وأعراضهم، حتّى لم يعد أحد من أهالي ديار بكر يأمن شرهم.
وأخذت رسائل الشكوى تصل الشاه إسماعيل تترى، لا سيما رسائل الشيعة الذين كانوا آنذاك يشكلون نسبة كبيرة من أهالي ديار بكر. فقرّر السير لفتح ديار بكر وإنقاذ أهلها من محنتهم، وأمر باستدعاء القوات من ولايات فارس وكرمان والعراق وآذربيجان وأران وكردستان ولرستان.
واجتمعت القوات فتوجّه بها إلى أرزنجان.
وبلغت علاء الدولة أخبار تحرّك الجيش الصفوي فأوكل مهمة حراسة قلاعه الحصينة إلى كبار قادته ثمّ توجّه إلى ولاية بستان ليكون في منأى عن قبضة الشاه إسماعيل.
وسمع الشاه بفرار علاء الدولة فغادر أرزنجان لتعقب آثاره، واجتاز بعض الأراضي العثمانية لاختصار المسافة وعامل أهلها بالحسنى حتّى بلغ ضفاف نهر يمر بالقرب من بستان فعسكر هناك.
وكان علاء الدولة قد أدرك خطورة وضعه فقسم عائلته وذويه إلى مجموعتين، وبعث بإحداهما إلى الشام التي كانت آنذاك تابعة لحكومة سلطان مصر وبعث بالأخرى إلى الأراضي العثمانية، ثمّ توجّه بعدد من أبطال ذو القدر إلى جبل درنا وهو من أعلى الجبال في تلك المنطقة فاعتصم به.
واجتمع زعماء قبيلة ذو القدر فقرّروا التصدّي لشاه إيران، وعسكروا بقواتهم بإزاء قوات القزلباش في اليوم الثالث من نزول القوات الأخيرة على ضفاف نهر بستان.
ودارت معركة ضارية بين الطرفين، استمرّت حتّى حلول الليل، وعاود الجيشان الكرة في اليوم التالي دون أن يحرز أحدهما نصراً على خصمه، حتّى كان اليوم الثالث فلم يكد ينتصف النهار حتّى أخذ جنود ذو القدر يولون الأدبار. وتعقبهم القزلباش فأعملوا فيهم السيف.
ودخل الجيش الفاتح ديار أعدائه، فطفقوا يقتلون ويدمرون ويحرقون، حتّى دب الذعر في نفوس الناس من سكان الولايات المجاورة فأعلنوا دخولهم إلى طاعة ملك إيران.
وتوجهت قوات القزلباش بعد ذلك إلى مدينة خربوت الحصينة التي كانت مركزاً لتجمّع قبيلة ذو القدر، فضرب عليها حصاراً شديداً ووقعت مناوشات بين الجانبين ثمّ أفلح القزلباش في إحداث ثغرة في حصن المدينة فاقتحموها وأعطى الشاه إسماعيل الأمان لأهلها فخرجوا من مدينتهم أفواجاً وسلموا على الشاه ودخلوا في طاعته.
وبلغ خبر مدينة خربوت الولايات المجاورة فبادر جميع حكام ولايات ديار بكر إلى إرسال مفاتيح مدنهم وقلاعهم مرفقينها بالهدايا والتحف إلى الشاه إسماعيل، فشملهم بعطفه وإحسانه وأجزل لهم العطاء ثمّ عيّن خان محمد استاجلو وهو أحد كبار قادته حاكماً على ديار بكر، وغادر المنطقة بعد ذلك متوجهاً إلى ولاية أخلاط، فأقبل عليه في أثناء الطريق شرف الدين بيك وهو أحد أكبر حكّام كردستان ومركزه مدينة بتليس محملاً بأصناف التحف والهدايا، فرحب بقدومه وقربه من مجلسه.
وتوجّه محمد بيك استاجلو ببضعة آلاف من قواته إلى مدينة حميد فغَلّق حاكمها قاشميش بيك أبوابها دونه واضطر محمد خان للعسكرة في الصحراء فواجه لعدّة أيام ظروفاً قاسية لشحة المؤمن والعلف، ومع هذه الظروف كانت قبائل الأكراد تهاجم عسكره.
ولم ير محمد خان بداً من مهاجمة الأكراد فدارت معركة ضاربة بين الجانبين كان النصر حليف محمد خان فغنم ذخيرة كثيرة ومؤونة كافية لأفراد جيشه.
وأعاد محمد خان الكرة على مدينة حميد، فبعث حاكمها أحد خواصه إلى علاء الدولة ذو القدر يستمده العون والمدد ويتعهد له بتسليمه المدينة، فراقت الفكرة علاء الدولة، وطمح إلى السيطرة على مدينة حميد رغم انهزامه بوجه قوات القزلباش.
وكان الطقس شديد البرودة، فبعث ابنه قاسم بيك المعروف بسارو قيلان وابنه الآخر أردوان بيك في جيش مؤلف من عشرة آلاف مقاتل.
ولم يكن محمد خان استاجلوا يمتلك عدداً كافياً من القوات للتصدّي للزاحفين فوقف بقبيلة استاجلو ودارت معركة قاسية بين المتحاربين وقع فيها الكثير من الضحايا، ثمّ وقع سارو قيلان المعروف بشجاعته وبسالته وأخوه أردوان بيك في أسر قوات القزلباش، فاضطربت صفوف قواتهما وأخذت بالتقهقر رغم كثرة عددها، وأخذ القزلباش يتعقبونها ويقتلون العديد من أفرادها، ثمّ أمر استاجلو بقتل الأميرين.
وعاود محمد خان استاجلو هجومه على مدينة حميد مرّة أخرى، وتحصّن بها حاكمها قاشميش بيك واستعد للدفاع، ولكن أهلها رفضوا الانصياع له ففتحوا الأبواب بوجه قوات القزلباش، فألقي القبض على قاشميش بيك موصلو وقتل، وخلا الجو في ديار بكر لمحمد استاجلو وقويت شوكته وازدادت هيبته.
وبلغت علاء الدولة أخبار مقتل ابنيه وهزيمة جنده فثارت ثائرته، وباشر بحشد قوات ذو القدر مرة أخرى فجمع منها خمسة عشر ألف مقاتل وسيرهم تحت قيادة ابنيه كور شاهرخ وأحمد بيك للانتقام من عدوه وأخذ الثأر لابنيه القتيلين.
واستعد محمد خان للقاء عدوه في ثلاثة آلاف مقاتل من القزلباش، ودارت معركة بين الطرفين انتصر فيها محمد خان ووصل إلى مقر كور شاهرخ وأحمد بيك فقتلهما وقتل العديد من أصحابهما، وعندما رأت القوات تشتت قلبها ومقتل قائديها، أخذت تفر على وجهها.
وبعد إلحاق الهزائم المتوالية بعلاء الدولة وقتل أبنائه وذويه، وهنت شوكته وقلَّ خطره، فاغتنم السلطان الفرصة وكان بينهما عداء قديم فهاجمه وقتله، فانتهت سلالته بموته وافترقت قبيلة ذو القدر فرقتين، التحقت واحدة بالسلطان العثماني وانضمت الأخرى إلى أنصار الشاه إسماعيل حيث ارتدوا قبعات القزلباش ودخلوا في سلك مريدي الصوفية.
وقد ذكر المؤرخون أنّ قبيلة ذو القدر كانت تتألف من ثمانين ألف عائلة، وكان علاء الدولة آخر ملوكهم وقد تميز بسياسته وحسن تدبيره حين احتفظ بملكه في جوار دولتين قويتين هما الدولة العثمانية والدولة المصرية.
ويذكر اسكندر بيك في كتابه (تاريخ عالم آرا) بأنّه إذا قدم إليه السفراء العثمانيون يلبس بعض أتباعه الزي المصري، ثمّ يقول للسفراء بأنّهم رسل الدولة المصرية إليه وقد قدموا لتحريضه على الدولة العثمانية ولكنّه رفض دعوتهم وتحريضهم لاحترامه للعلاقات الودية مع الدولة العثمانية، وكان يفعل العكس إذا قدم إليه سفراء الدولة المصرية.
وبعد مقتل علاء الدولة لجأ الميرزا مراد آق قويونلو إلى السلطان العثماني سليم، وحين عزم الأخير على دخول الحرب مع إيران لم ير مراد صلاحاً في مرافقته ففضل الانفصال عنه وقدم إلى ديار بكر فجمع أتباعه فيها وسار بهم لاحتلال مدينة أورفا.
وكانت مدينة أورفا آنذاك بيد قوات القزلباش وحاكمها من قبل الشاه إسماعيل هو آجه سلطان قاجار. وخرج آجه سلطان من حصنه لقتال عدوه في ثمانمائة مقاتل من القزلباش، وكان عدد قوات العدو ثمانية آلاف مقاتل، فاشتبك الطرفان وقتل الميرزا مراد وتفرّق جيشه وانقرضت بمقتله سلالة الآق قويونلو.
فتح بغداد
في خريف عام 914هـ عزم الشاه إسماعيل ـ وكان في همذان آنذاك ـ على فتح العراق واحتلال بغداد.
فعندما هرب الميرزا مراد من شيراز إلى بغداد ثمّ توجّه إلى ديار بكر وتخلّف عنه في بغداد أحد كبار أمرائه، ويدعى باريك بيك. واستطاع هذا بحسن تدبيره وسياسته وبالاستعانة بالقوات التي خلفها الميرزا مراد أن يخضع لسلطته منطقة شاسعة وامتدّت من حدود ديار بكر حتّى شط العرب.
وكان الشاه إسماعيل آنذاك يفكّر في توسيع إيران، فرأى أن يبدأ باحتلال العراق وانتزاع آخر ولاية بقيت تحت سيطرة التركمان الآق قويونلو، قبل أن يتوجّه إلى خراسان.
وفي أوّل خطوة على هذا السبيل بعث إلى بغداد بأحد خواصه ويدعى خليل بيك يساول وهو رجل محيط بدقائق الأمور وواقف على القضايا الإدارية والعسكرية، وكانت مهمته إقناع باريك بيك بالدخول في طاعة الشاه إسماعيل وتحذيره من مغبة التمرد والعصيان.
وتوجّه خليل بيك إلى بغداد محملاً بخلع فاخرة وتاج ثمين، وبلغ خبر مقدمه باريك بيك فبعث جماعة من أصحابه المقربين لاستقباله بالقرب من خانقين على مسافة ثلاثة أيام من بغداد، فاستُقبل موكب السفير بحفاوة واحترام، وأدخل بغداد فأسكن في بستان الميرزا پير بداغ وهو من الآثار الجميلة التي خلفها التيموريون في بغداد.
وأبدى باريك بيك طاعته وخضوعه للشاه وارتدى التاج والخلع الملكية وتوج أكثر الناس بالتيجان القزلباشية ثمّ أعدّ هدايا ثمينة وبعث بها إلى البلاط الصفوي مع خليل بيك وأرسل معه أحد أمرائه واسمه أبو إسحاق شيره جي سفيراً له في البلاط الصفوي.
والتقى خليل يساول وأبو إسحاق بالشاه إسماعيل في همذان وقدما الهدايا إليه، فلم يلتفت الشاه إليها ولكنّه عامل السفير أبو إسحاق بالحسنى وشمله بعطفه.
لم يكن الشاه إسماعيل من الأشخاص الذين ترضيهم المجاملات وتخدعهم المداهنات فقال للسفير أبو إسحاق: قل لباريك إذا كان تابعاً لدولتنا فليقدم علينا، ولينتظر أمرنا وإلاّ فسينال جزاءه.
ونقل أبو إسحاق إلى باريك ما شاهده وما سمعه، فعزم الأخير على المقاومة، ثمّ أعلن خلافه بعد أن سمع بقدوم قوات القزلباش، وخلع تاج القزلباش عن رأسه وأخذ يجمع الغلال من أطراف بغداد إليها فجمع فيها ما يكفي لثلاث سنين. ثمّ باشر بتحصين بغداد وتجهيزها بما يلزم للمقاومة.
وكان في العراق سيّد جليل ذو نسب رفيع اسمه السيّد محمد كمونة ورث النقابة والوجاهة في النجف أباً عن جدّ، ولم ترض السيّد تصرّفات باريك فلامه عليها، فأمر باعتقاله وحبسه في قعر بئر عميق مظلم.
وانتدب الشاه إسماعيل حسين بيك لتقدّم القوات في فوج من القزلباش، وكان هذا رجلاً مدبراً فتوجّه نحو كرمانشاه ومنها إلى خانقين وكان شديد البطء في حركته، وغايته من ذلك وصول الأنباء التي كانت تُحمل تباعاً إلى داخل العراق لسكان المدن العراقية الناقمين على حكّامهم ليقوموا بمواجهتهم وليزداد اضطراب باريك بيك وارتباكه.
وقد أفلح حسين بيك فيما ذهب إليه، فما كاد يقترب من بغداد بمسافة منزلين حتّى أحسَّ باريك بيك أنّ أكثر أعيانه وأمرائه يبطنون الولاء لملك إيران وحذره أصحابه المقرّبون من احتمال خروج حراسه عليه وتسليمهم إياه إلى قوات العدو. فأخذ الرعب من قلبه مأخذه وعزم على الفرار من المدينة، فركب زورقاً بخاصته تحت جنح الظلام وتوجّه إلى حلب.
وكان باريك بيك قد كتب إلى الميرزا مراد وعلاء الدولة يستمدهما العون والمدد، وعندما هرب إلى حلب التقى فيها الميرزا مراد، فتوجّها خائبين يائسين إلى دولة علاء الدولة فالتحقا فيها بقبيلة ذو القدر.
وفي بغداد عندما عرف أهاليها وأعيانها بفرار الوالي بادروا إلى إخراج السيد محمد كمونه من البئر وكان حينها في منتهى الضعف والوهن فنصبوه والياً على بغداد.
وفي يوم الجمعة خطب السيد كمونة وصلّى ثمّ توجّه بأكثر أهل بغداد لاستقبال حسين بيك الذي بلغ حينئذٍ مشارف بغداد، فرحب به الأخير وعامله بإجلال وإكرام ثمّ بعث إلى الشاه إسماعيل بالخبر، فحمد حسين بيك وأثنى عليه، وعيّن خادم بيك ـ الذي كان يلقب حينئذ بلقب خليفة الخلفاء ـ حاكماً على ولاية العراق.
وكان خليفة الخلفاء خادم بيك أحد الأمراء العادلين والصوفيين الزاهدين، فكان تعيينه في هذا المنصب مناسباً كلّ المناسبة.
وواصل الموكب الملكي حركته صوب بغداد وحين اقترب منها أسرع لاستقباله السيّد محمد كمونه وخادم بيك وعدد من أشراف العراق وأعيانه، وخرج أهالي بغداد عن بكرة أبيهم لمشاهدة الموكب الملكي، وكان هؤلاء يصطحبون معهم آلاف الأبقار فما كاد موكب الشاه إسماعيل يطل عليهم حتّى ذبحوا أبقارهم.
وقدم الشاه فتأثّر بسلوك أهالي بغداد وابتهاجهم فشملهم بعطفه ووزع أموالاً طائلة من الذهب والفضة على المحتاجين والفقراء من أهالي بغداد، ثمّ نزل في بستان پير بوداع في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة من عام 914هـ، واهتمّ بالسيّد كمونه فكرّمه وقرّبه إليه وأمر بنقر الطبول عند داره يومياً، في الوقت الذي كان فيه نقر الطبول خاصاً بالملوك والحكّام.
وأمضى الملك يومه الأوّل في بغداد محتفلاً بالفتح المظفر، وفي اليوم التالي شدّ الرحال إلى العتبات المقدسة في كربلاء، فدخل روضة سيّد الشهداء (عليه السلام) واشتغل بالدعاء والمناجاة ثمّ أنعم على الساكنين بجوار الروضة الحسينية بأنواع العطايا والهدايا، وخصّ القبر الشريف بالتحف الثمينة وأمر بإكسائه بطلاء من الذهب وتعليق إثني عشر قنديلاً من الذهب فوقه وفرش الحرم بسجاد من الحرير.
وكان الشاه يشارك بنفسه في القيام بهذه الأعمال مثله في ذلك مثل الخدم والبوابين.
وفي الليلة الأخيرة من إقامته في كربلاء اعتكف في الحرم حتّى الصباح مشتغلاً بالعبادة والدعاء ثمّ ارتحل إلى النجف عن طريق الحلة فلمّا لاحت لناظريه مشارف النجف الأشرف ترجّل مسرعاً إلى المرقد المقدس وتشرّف بزيارته والدعاء تحت قبّته، ثمّ التفت إلى الخدم والسدنة وأكرمهم وأجزل العطاء لهم، وأنعم بالعطاء على جميع سكان مدينة النجف واعتكف ليلة في الحرم الشريف ثمّ عاد إلى الحلة فاشكتى إليه بعض أهلها من إزعاج بعض قبائل أعراب البادية لهم ولقوافلهم. فهجم عليهم ذات يوم وقتل جماعة منهم وصادر أموالهم فقسّمها على جنده، ثمّ توجّه إلى بغداد ومنها إلى سامراء والكاظمية وأجزل العطاء لسكان هاتين المدينتين.
ثمّ أمر خليفة الخلفاء خادم بيك بشق نهر من الفرات إلى النجف الأشرف، والقيام بإعمار المدن المقدسة. وعيّن السيد محمد كمونه سادناً لحرم أمير المؤمنين في النجف ونصّبه حاكماً على بعض مدن العراق. ثمّ توجّه إلى ولاية خوزستان.
فتح الحويزة
كانت بعض القبائل العربية تعيش في الحويزة التي تقع بين خوزستان والعراق، وكان حكام هذه القبائل هم سلالة آل المشعشع.
وكانت هذه القبائل على شيء من الغلو العقائدي، فاستحدثت طقوس عبادية خاصة بها([351]).
وفي الوقت الذي أخذ فيه كوكب الشاه إسماعيل يظهر إلى الوجود، كان السلطان محسن حاكماً على الحويزة، وحينما فرغ الشاه إسماعيل من فتح بغداد بلغه أنّ السلطان فياض وأنّ المشعشعين أمعنوا في الغلو العقائدي.
ومن جانب آخر عادت رسل الشاه إلى حاكم الحويزة خالية الوفاض، حيث رفض الأخير الدخول في طاعة الشاه إسماعيل والانضمام إلى الدولة الإيرانية، ولم يكن الشاه يرضى ببقاء دولة مستقلة داخل الأراضي الإيرانية ومن ثمّ توجّه إلى الحويزة لتأديب حاكمها.
وفي نفس الوقت بلغ الشاه أنّ السلطان العثماني يراسل حاكم لرستان الملك رستم وأنّ رستم أظهر له المودة، فأمر الشاه إسماعيل الأمير نجم الدين مسعود بالسير إلى لرستان برفقة بيرام بيك وحسين بيك على رأس قوّة مؤلفة من عشرة آلاف فارس لتأديب الملك رستم وتوجّه هو إلى آل المشعشع.
وسمع السلطان فياض باقتراب قوات القزلباش من حدود ولايته فخرج لها بجيش من قبائل العرب وكان بينهم العديد من الماهرين في استخدام الأقواس والبارعين في القتال بالسيوف والرماح.
واشتبك الجانبان فدارت بينهما معركة ضارية، لم يستطع أي من الطرفين إحراز نصر فيها، حتّى إذا حان العصر شنّ القزلباش حملة مركزة قتلوا فيها السلطان فياض والعديد من أمراء المشعشعين، فتشتّت صفوفهم وغنم القزلباش منهم أموالاً وأشياء كثيرة.
وبعد إحرازه لهذا الانتصار عيّن الشاه أحد أمراء القزلباش حاكماً على الحويزة، ثمّ توجّه إلى دزفول فأسرع حاكمها إليه بمفاتيح القلعة، فشمله الشاه بعنايته ثمّ توجّه إلى شوشتر وكان حاكمها يعتزم المقاومة، فأقام في قلعة السلاسل وهي قلعة حصينة ولكنّه ما إن رأى جحافل القزلباش تزحف نحو قلعته حتّى أدرك عظم الخطر المحدق به، فبادر إلى حمل الهدايا والتحف المناسبة لمعسكر القزلباش فقدّمها مرفقة بمفاتيح شوشتر.
وفي الوقت الذي كانت قوات القزلباش تعسكر بالقرب من شوشتر، أمر الشاه إسماعيل باستدعاء الأمير نجم الدين وإناطة أمر لرستان بـ لله بيك وبيرام بيك. فشدّد هذان الأميران من ضغوطهما على حاكم لرستان الملك رستم فهرب من مركزه إلى رؤوس الجبال الشاهقة فاعتصم بها، واستولى أميرا القزلباش على جميع أملاكه، فلم ير بدّاً من استرداد عطف الشاه إسماعيل والإقلاع عن التمرد والعصيان، فبعث إلى الأميرين بممثلين عنه لأخذ عهد منهما بعدم إلحاق الأذى به في حال استسلامه وحمله إلى معسكر الشاه معززاً مكرماً.
وكان الملك رستم شيعياً منذ زمن طويل والمشهور عن عائلته أنّها ترجع في نسبها إلى العباس بن علي بن أبي طالب (عليه السلام). فقبل بيك وبيرام بيك طلبه وحملاه معززاً إلى معسكر الملك. وما إن وصل إلى حضرته حتّى أخذ ينشد أشعاراً باللغة اللرية العذبة، فنال استحسان الشاه واستدر عطفه، فأمر بتزيين لحيته بأنواع الجواهر واللالئ والياقوت والألماس وتزيين وجهه بما كان يفعله ملوك إيران القدماء.
ومكث الملك رستم على تلك الحال في معسكر القزلباش يشتغل في الخدمات الخاصة للشاه حتّى أصبح من أصحابه المقربين، ثمّ أنعم عليه فأعاده حاكماً على لرستان.
وأسرة الملك رستم المسمّاة بالأسرة العباسية هي إحدى الأسر المعروفة في إيران، وقد حكمت لرستان منذ زمن الدولة العباسية فاحتلت موقعاً سامياً في نفوس جميع القبائل اللرية حتّى تحوّلت إلى مريدين لهذه العائلة. وعلى الرغم من اتباع هذه العائلة للمذهب الشيعي، مثل سائر القبائل اللرية فانّها كانت ترتبط بالدولة العثمانية بروابط ودية، وكانت ترى في هذه الازدواجية نوعاً من حسن التدبير والسياسة.
نفوذ البرتغاليين في الخليج
في الوقت الذي انتظمت فيه أمور خوزستان واستقرّت الأوضاع في لرستان بلغت الشاه الصفوي أنباء تفيد بأنّ بعض الإفرنج البرتغاليين قد دخلوا حدود الخليج الفارسي بسفنهم وعقدوا اتفاقاً مع حاكم (هرمز) وأخضعوا (لار) وجزيرة هرمز لنفوذهم.
ولم يكن الشاه إسماعيل قادراً آنذاك على السيطرة على الأوضاع في ساحل البحر، حيث كانت أجزاء كبيرة من إيران وهي المحافظات الشرقية لا تزال عرضة لهجمات الأوزبك المتكررة، وإضافة إلى ذلك كانت الدولة الصفوية لا تزال فتية، لا تجد فرصة سانحة لتشكيل قوات بحرية ومن ثمّ رأى أهل الحل والعقد في الدولة الصفوية أنّ المصلحة تقتضي عدم الاعتراض على معاهدة ملك هرمز مع البرتغاليين والاكتفاء بمطالبة ملوك هرمز وسواحل لار بالضرائب والخراج السنوي، وسلوك المداهنة والمداراة مع الجميع في هذه المناطق.
وهكذا غادر الشاه إسماعيل خوزستان وتوجّه إلى فارس ونشط هناك للصيد في قصبة (داراب). وكان قد بعث أحد أمرائه ويدعى أخي بيك إلى هرمز ولار قبل مغادرته لشوشتر لزيارة ملك هرمز والأمير علاء الملك الحاكم العام لهرمز ولارستان ولمطالبتهما بالخضوع والانقياد لسلطان ملك إيران. وعاد السفير من زيارته في الوقت الذي كان الشاه إسماعيل لا يزال مشتغلاً بالصيد والترويح عن النفس، فقدم إليه أنواع الهدايا الثمينة ومبالغ طائلة من الضرائب والخراج حملها معه من هرمز ولار.
وكانت أحداث هرمز والتطورات السياسية فيها تحظى آنذاك بأهمية قصوى فقد كانت المرة الأولى التي تتصادم فيها مصالح دولة أوروبية مستعمرة مع المصالح الإيرانية.
وقد بدأت هذه التطورات منذ أواخر القرن الخامس عشر الميلادي حين أخذت أسعار التوابل التي كانت تحمل إلى أوروبا من جزر المحيط الهندي تتصاعد بصورة مستمرة فبدأت أكثر الدول الأوروبية تسعى لاكتشاف الطرق التي يمكن بها الحصول على التوابل بأسعار منخفضة لتباع في أوروبا بأسعار مرتفعة.
وكان ملك البرتغال دو مزوا الثاني أحد الناشطين لهذا السعي، حيث أرسل العديد من بعثات الاستكشاف التي كان هدفها الرئيس البحث عن البلدان التي تتواجد فيها التوابل.
وبمناسبة ذكر التوابل وندرة الحصول عليها وارتفاع أسعارها في أوروبا، تجدر الإشارة إلى أنّ تجارة الشرق مع أوروبا كانت قبل القرن الخامس عشر بيد أهالي ولاية جنوى وهي ميناء يقع في غرب إيطاليا على سواحل البحر المتوسط ثمّ أخذت جمهورية البندقية (وهي في الوقت الحاضر ميناء إيطالي أيضاً، كانت مستقلة في تلك العصور) زمام التجارة بيدها، فأصبحت لها تجارة واسعة مع الشرق، ولكنّها فقدت قاعدتها الأساسية للتجارة مع الشرق باحتلال الأتراك العثمانيين لمدينة القسطنطينية وبدأت كبرى الطرق المؤدية إلى الهند تنقطع تباعاً وأصبح الوصول إلى الهند عن طريق البر أمراً متعذراً حتّى بالنسبة للعثمانيين، حيث كانوا في أغلب الأوقات في صراع وخلاف مع إيران. ولم يبق سوى البحر الأحمر طريقاً إلى المحيط الهندي، ولكن حتّى هذا الطريق لم يكن خالياً من الصعوبات، إذ كان سلاطين مصر يخضعونه لإشرافهم ومراقبتهم. وما زال على هذه الحال حتّى استولى السلطان سليم العثماني على دولة مصر.
وإضافة إلى ذلك كان البابا يلعن التجار الذين يسلكون في تجارتهم طريق البحر الأحمر، حيث كان البابا لا يرغب أن تمر تجارة الشرق مع الغرب عبر المسلمين.
وحين اكتشف البرتغاليون رأس الرجاء الصالح، واستطاعوا الانتقال من المحيط الأطلسي والالتفاف حول أفريقيا للوصول إلى المحيط الهندي، حينذاك ازداد ملك البرتغال عزماً على الوصول إلى بلدان التوابل والسيطرة عليها.
ومن بين عدّة بعثات توجّهت إلى الشرق استطاعت واحدة الوصول إلى ساحل كلكتا وساحل پوا، فأقامت هناك مركزاً تجارياً وبنت قلعة عسكرية ومن ثمّ أخذت توجد السبل الكفيلة بإقامة إمبراطورية واسعة للبرتغال في شرق الكرة الأرضية.
وفي عام 1506م عزم أحد رؤساء البعثات البرتغالية (آلبوكرك) على إخضاع الخليج الفارسي للسيطرة البرتغالية حيث كان هذا الخليج آنذاك أهم مركز للتجارة بين الشرق والغرب وكانت جزيرة هرمز أهم مركز تجاري فيه.
وثمة عادة ظلّت قائمة في هذه المناطق منذ عهد الساسانيين وهي تسمية حكام الموانئ التجارية بملوك الموانئ، وفي الوقت الذي نتحدث عنه كان حاكم هرمز حاكماً على جميع مناطق الخليج الفارسي وهو تابع بدوره من الناحية السياسية لحاكم (لار) ويتبع هذا بدوره أيضاً لحاكم فارس، وكانت حكومة لار آنذاك منحصرة في إحدى الأسر الإيرانية العريقة وكذلك كان الحكم في هرمز.
بلغ (آلبوكرك) مدينة مسقط بعد التفافه حول شبه الجزيرة العربية، وكانت مسقط آنذاك تابعة لملك هرمز فاشتبك أهلها مع قوات آلبوكرك في حرب لم تستمر طويلاً ثمّ استسلموا وقبلوا بدفع الخراج والضرائب لحكومة البرتغال بعد أن كانوا يدفعونها لملك هرمز.
وكان آلبوكرك قبل وصوله مسقط قد توقف في (رأس الحد) وهي أوّل الأراضي الإيرانية وأضرم النار في أربعين سفينة صيد كانت موجودة هناك وأسر أهلها ثمّ أغار على ميناء كوريات الصغير وارتكب المجازر فيه، وبعد ذلك قدم إلى مسقط وأرغم أهلها على القبول بدفع غرامة من الذهب إلاّ أنّهم تأخروا في الدفع فكان الجزاء إحراق المدينة بمسجدها ثمّ أحرق السفن الراسية بإزاء ميناء مسقط ولم يكتف بذلك بل عمد إلى الأسرى الذين وقعوا في قبضته من أهالي المدينة فصلم آذانهم وجدع أنوفهم.
وغادر مسقط متوجهاً إلى ميناء صحار، فأرغم الأهالي فيه على دفع خراجهم إلى ملك البرتغال بدلاً عن ملك هرمز، ثمّ توجّه إلى ميناء (خورفكان) فنهض أهله للمقاومة فهاجمهم ونهب أموالهم ثمّ أحرق الميناء وأخذ الأسرى الذين وقعوا في يده ففعل بهم فعلته بأسرى مسقط.
وأخيراً توجّه آلبوكرك إلى جزيرة هرمز وأرسى بإزائها وحين شاهد البرتغاليون سعة المدينة وكثرة العمران فيها ووجود عدد من السفن الحربية بكامل تجهيزاتها في مينائها أحجموا عنها وراجعوا آلبوكرك في شأنها مطالبينه بالتزام الحيطة والحذر، ومكث آلبوكرك يتدبّر الأمر ويتحسّس أوضاعها الداخلية حتّى اطمأن إلى سلامة موقفه ورجحان كفته وعلم أنّ ملكها صبي في الثانية عشرة من عمره وإدارة أمورها بيد وصيه الخواجة عطار، وهو من ذوي الحزم والرأي.
وحين أحيط الخواجة عطار علماً بقدوم ألبوكرك بأسطوله باشر بتجهيز القوات فأحضر إلى ميناء الجزيرة عدداً كبيراً من السفن ثمّ استأجر جماعات كبيرة من المحاربين من الأراضي الإيرانية وأرض الحجاز فبلغ عددهم في الجزيرة حين قدوم آلبوكرك ثلاثين ألف مقاتل، من بينهم أربعة آلاف محارب إيراني معروفين بمهارتهم في إطلاق النبال. وإضافة إلى هؤلاء كانت لديه قوته البحرية المؤلفة من أربعمائة سفينة بين صغيرة وكبيرة وألفين وخمسمائة مقاتل.
وطلب آلبوكرك من ملك هرمز في بادئ الأمر الخضوع لسلطة ملك البرتغال فأبى الأخير ذلك وحينئذ شن آلبوكرك هجومه رغم قلة قواته مستعيناً بالحرب النفسية، فقد كان على غرار أكثر الأوروبيين المستعمرين يدرك الثغرات الكامنة في الحكومات الضعيفة. واستغل الثغرات الكامنة في حكومة هرمز فراح يؤكد لرجالها أنّ البرتغال في حال خسارتها الحرب لن تقف مكتوفة الأيدي بل ستعاود الكرة مرة بعد أخرى حتّى تنتقم لخسارتها وفي حال خسارة ملك هرمز فيها فإنّ حكومته ستنقرض حتّى على فرض قدوم المدد من داخل الأراضي الإيرانية.
ومنم جانب آخر كان الخواجة عطار ورجاله يائسين من وصول نجدات إليهم، فقد كانت عائلة الآق قويونلو آخذة بالانقراض آنذاك وكان الشاه إسماعيل مشغولاً بالحروب الداخلية المثارة عليه.
وهكذا وجد ملك هرمز نفسه مرغماً على القبول بتبعية البرتغال فدفع غرامة حربية مقدارها خمسة آلاف (زرافين) من الذهب وتعهد بدفع خمسة عشر ألف زرافين أخرى سنوياً إلى البرتغال كخراج سنوي (تعادل كل 16 زرافين ليرة ذهبية إنكليزية واحدة تقرياً). وإضافة إلى ذلك وقّع ملك هرمز اتفاقاً مع آلبوكرك تعهد بموجبه بإعفاء البضائع البرتغالية من الرسوم الجمركية وعدم فرض ضرائب على البضائع التي يشتريها البرتغاليون بما يتجاوز الضرائب المفروضة على سكان الجزيرة أنفسهم، وعدم السماح للسفن التي لا تتبع الجزيرة بالمتاجرة في الخليج إلاّ بإذن من البرتغاليين، واستطاع البرتغاليون بشرطهم الأخير أن يحصروا التجارة في الخليج في إطارهم الخاص.
ومع عقد الاتفاق المذكور في عام (910هـ – 1507م) باشر آلبوكرك ببناء قلعة محكمة في الجزيرة ومركز تجاري كبير وحثّ العاملين في هذا المركز على تخفيض الأسعار ما أمكنهم من أجل كسب المسلمين وربطهم بالمركز.
وحين بلغت الشاه إسماعيل أخبار هذه الأحداث بعث إلى حاكم هرمز بوفد لمطالبته بأداء الضرائب السنوية المتعارف عليها.
وراجع حاكم هرمز آلبوكرك في الأمر فأجابه الأخير قائلاً: ليس لملك هرمز حق في دفع الضرائب والخراج لأي دولة غير دولة البرتغال، فإذا خالف هذا الأمر عزلناه وأقمنا شخصاً آخر بدلاً عنه. ثمّ أخذ ألبوكرك مقداراً من الذخيرة وقذائف المدفعية والبارود والبنادق ودفع بها إلى رسول ملك هرمز قائلاً: قل لملكك أن يبعث بهذه الأشياء إلى الشاه إسماعيل ويخبره بأنّ البرتغاليين لا يقدمون سواها إلى عدوهم وأنّ آلبوكرك بعد فراغه من بناء قلعته سيتوجّه إلى جميع موانئ الخليج الفارسي ليحتلها باسم ملك البرتغال وينتزعها من سيطرة الشاه إسماعيل.
ولم ينفذ آلبوكرك شيئاً من تهديداته هذه، حيث نشب خلاف بين ملاحي سفنه وضباط بحريته فاضطر الجميع للتوجّه إلى الهند وطرح شكواهم على نائب الملك البرتغالي في ميناء پوا.
كان حاكم هرمز آنذاك الملك سيف الدين خاضعاً لأوامر الشاه إسماعيل لعدّة سنين وما زال متربعاً على عرشه حتّى خرج عليه أحدهم ويدعى الرئيس حامد الذي ألقى القبض عليه وأودعه السجن.
وفي هذه الأثناء هاجم السلطان سليم العثماني إيران فانصرف الشاه إسماعيل لدفع خطره والدفاع عن بلاده([352]). واغتنم آلبوكرك هذه الأحداث فتوجّه إلى الجزيرة وأمر بدكّها بالمدفعية حالما اقترب منها، وكان القصف المدفعي عنيفاً فأصيب الرئيس حامد بالرعب وبادر إلى إطلاق سراح الملك سيف الدين ودارت بين الجانبين مفاوضات طويلة انتهت باحتلال البرتغاليين لقلعة الجزيرة ورفعوا علمهم على مشارفها بل وعلى قصر الحكومة ذاته.
ولما وجد الشاه إسماعيل نفسه عاجزاً عن مواجهة البرتغاليين وأسطولهم البحري الضخم. ولم يكن يملك أيّة قوّة بحرية، والحرب من أجل استرداد هرمز يقتضي لها قبل كل شيء قوى بحرية، سلَّم بالأمر الواقع.
وإذن، فقد تزامنت حركة الشاه إسماعيل من شوشتر إلى فارس في عام 915هـ مع انسحاب آلبوكرك من الخليج الفارسي على إثر الخلافات التي حصلت بين ضباط بحريته وملاحي سفنه، واغتنمت إيران هذه الفرصة ففرضت سيطرتها على موانئ وجزر الخليج الفارسي وأحكمت الدفاع عنها بقوات كافية لا سيما المدن الساحلية الرئيسية. وفرضت على ملك هرمز دفع الضرائب والخراج والانقياد للحكم في إيران، ولكن كما ذكرنا آنفاً، لم تستمر هذه السيطرة فترة طويلة بسبب انشغال إيران بصد هجمات العثمانيين عليها، فأعاد البرتغاليون الهجوم على الخليج الفارسي وسيطروا على البحرين وجزيرة هرمز وغيرها.
احتلال بلاد شيروان
توجّه الشاه إسماعيل إلى أصفهان بعد فراغه من أمور فارس والموانئ، فأقام فيها وباشر بتعميرها وتوسيعها وتزيينها ثمّ غادرها متوجهاً إلى همذان فأمضى فيها فصل الصيف ثمّ توجّه إلى تبريز.
وفي نفس هذه السنة امتنع حاكم شيروان شيخ شاه عن دفع الضرائب والخراج إثر تحريض المغرضين وخصوصاً البلاط العثماني، فأخذت وفود الشاه إسماعيل تتوافد عليه لهدايته ونصحه بالكف عن غيّه ودفع ما بذمته، ولكنّها كان تواجه في كلّ مرّة بالرفض القاطع، فلم ير الشاه إسماعيل مندوحة من التوجه إليه وتأديبه ومن ثمّ غادر (خوي) متوجهاً إلى شيروان في فصل الشتاء رغم غزارة الأمطار ونزول الثلوج.
وما كادت أخبار قدوم جيش القزلباش تبلغ شيخ شاه حتّى غادر عاصمته (شماخي) وتوجّه إلى قلعة بيغرد (بهگرد) المنيعة فاعتصم بها، وعرف الشاه إسماعيل بالأمر فوجّه قوة من جيشه لاحتلال مدينة شماخي وتوجّه بمن معه إلى قلعة بادگوبه المحصنة، إلاّ أنّ حاكمها أسرع لاستقباله وإعلان طاعته وتسليم مفاتيح القلعة للشاه الصفوي.
وغادر الشاه قلعة بادكوبه بعد ذلك إلى ولاية شادبران، فبادر حاكمها إلى استقباله وإعلان طاعته له وهكذا كان الحال في جميع القلاع والولايات باستثناء قلعة دربند، فقد وقف حكامها للدفاع عنها لاطمئنانهم إلى استحكاماتها ومنعتها.
وحين يئس الشاه إسماعيل من حاكمي القلعة أحمد آقا ومحمد بيك أسرع إليها بقواته فحاصرها وأمر جنود القزلباش بنقبها وإحداث الخنادق فيها، وأفلح القزلباش خلال خمسة أيام بإحداث إثني عشر نقباً في جانبي القلعة رغم صعوبة المكان وصلابة الصخور فيه واستثنى جانبي القلعة الآخرين من العمليات العسكرية وهما الجانب المطل على بحر الخزر وجانب البوابة المعروفة بالبوابة الحديدية أو باب الأبواب والتي تمرّ الآن السكك الحديد بين بادكوبه وموسكو عبر الوادي المجاور لها.
وشاهد محمد بيك وأحمد آقا نشاط القزلباش فأدركا أنّ سقوط قلعتهما قادم لا محالة، فلم يريا بداً من التنازل عن المقاومة وطلبا الأمان من الشاه إسماعيل، فآمنهما وقربهما إليه وأدخلهما في سلك خدمه الخاصين، ثمّ عين منصور بيك حاكماً لدربند ونصب بيك حاكماً على بلاد شيروان.
وفي تلك الأيام أمر الشاه بعض خاصته ومقربيه باستخراج جسد السلطان حيدر الذي دفن في قصبة طبرستان قبل 22 عاماً ونقله إلى مقبرة العائلة الصفوية لدفنه فيها إلى جوار جدّه الشيخ صفي الدين في أردبيل.
وبعد الفراغ من فتح بلاد شيروان توجهت قوات القزلباش إلى مشتى قراباغ فأمضت فيه بقية أيام الشتاء، ومع حلول عيد نوروز ودخول الربيع توجهت إلى تبريز.
وفي تبريز انصرف الشاه الصفوي إلى تنظيم شؤون مملكته ومتابعة أمور القفقاز وآذربيجان وديار بكر ورفع حوائج المعوزين. وبعد فراغه من ذلك عزم على السير لفتح خراسان، فغادر مدينة تبريز متوجهاً إلى السلطانية وهناك أصدر أوامره باستدعاء القوات العسكرية.
فتح خراسان
يذكر التاريخ أنّ آخر الملوك الذين خلفوا الأمير تيمور وتربعوا على عرش خراسان هو السلطان حسين ميرزا بايقرا الذي تزامنت السنين الأخيرة من حكمه مع بداية حكم الشاه إسماعيل.
وكانت المودة هي الطابع العام الذي يغلب على العلاقات بين السلطان بايقرا والشاه إسماعيل، إلاّ أنّ بداية الأمر لم تكن كذلك، فحين باشر الشاه إسماعيل بالقضاء على أمراء الآق قويونلو، لجأ بعضهم إلى خراسان وسعى للإيقاع بين بلاط هرات وبلاط تبريز، فكان أن تغيّرت لهجة حكومة بايقرا في مراسلاتها مع بلاط الشاه الصفوي فلم تراع الأدب والاحترام، وانزعج الشاه لهذا التغيّر وأضمر الأمر في نفسه.
وفي تلك الأثناء حدثت اضطرابات في يزد بزعامة عدد من المشاغبين وعلى رأسهم محمد كره، فأسرع الشاه إسماعيل إلى يزد وقضى على رؤوس الفتنة فيها، ثمّ توجّه إلى صحراء طبس فقتل العديد من المسلحين وأفراد الجيش فيها، وألقى بذلك الرعب في قلوب الخراسانيين ووجه إليهم إنذاراً صريحاً، وخشي السلطان حسين بايقرا عاقبة الأمر فبعث إلى الشاه الصفوي بوفد لتوطيد أواصر المحبة معه والاعتذار إليه عمّا بدر من حكومته.
ولم يكن الشاه إسماعيل لينسى العلاقة القديمة بين الأمير تيمور گورگان ومشايخ الصفوية، فرحب بالعلاقة الجديدة وقبل الاعتذار، وأصبح منذ ذلك الحين يخاطب السلطان حسين بايقرا الذي بلغ آنذاك من الكبر عتياً بالأب، واستمرّت العلاقات الودية بين الطرفين حتّى نهاية الدولة التيمورية.
وفي عام 911هـ توفي السلطان حسين بايقرا وخلفه على العرش في هرات إبناه بديع الزمان ميرزا ومظفر حسين ميرزا مشتركين في حكم البلاد، ولكن أبناء الملك الآخرين رفضوا الانصياع لأوامر أخويهم، مشترطين في ذلك انفراد أكبرهم بديع الزمان ميرزا بالحكم، لأنّهم لم يكونوا يرون في مظفر حسين ميرزا فضلاً عليهم.
وقد أحدث هذا الشقاق اضطراباً في الأوضاع الداخلية للبلاد، وأطمع أعداء خراسان في الخارج بالاستيلاء عليها ومنهم محمد خان الأوزبكي المسمّى بـ (شاهي بك خان) وبـ (شيبك خان) أو (شيباني خان)، فما كاد يسمع هذا بوفاة السلطان حسين وحدوث الاختلاف بين أبنائه حتّى بادر إلى حشد قواته وأسرع بها إلى خراسان فبلغها قبل أن يستعد الأمراء التيموريون لمواجهته، ووقفوا لمقاومته في قوّة صغيرة فهزمهم محمد خان الأوزبكي ودخل مدينة هرات دون كثير عناء، وكان ذلك في عام 913هـ.
وباشر محمد خان (شيبك خان) فور فراغه من احتلال عاصمة خراسان بإرسال القوات إلى جهات خراسان الأربعة، فاستولى على الأراضي الممتدة حتّى حدود دامغان وسمنان ومن جانب آخر حتّى ولاية قندهار وسيستان وأطلق لقواته العنان في الاعتداء على الأعراض والنهب والسلب، ولم يتوان عن ارتكاب المجازر وسلب الأموال وإيذاء الناس في أكثر مدن خراسان ونواحيها.
وقد قضى شيبك خان على الأمراء التيموريين الواحد تلو الآخر وتزوج بنسائهم حسب الشرع وبدونه ولم ينج منهم إلاّ من أفلح في الإفلات من قبضته واللجوء إلى بلاط الشاه إسماعيل.
وبعد أنّ أحكم شيبك خان قبضته على مملكة التيموريين بما فيها خراسان ورأى نفسه دون منافس في حدود تركستان وأنّ بلاده قد امتدّت إلى مساحات شاسعة بدءاً من حدود منغوليا حتّى حدود العراق، أخذ يفكر بالتوسع غرباً، متحالفاً مع العثمانيين فبعث برسالة إلى الشاه إسماعيل زعم فيها أنّه ينوي حج بيت الله الحرام، ولذا يتوجب على الملك الصفوي أن يعبّد الطرق له ويخزن المؤمن والذخيرة والعلف لقواته في الخانات الممتدة على طول الطريق.
ورد الشاه إسماعيل عليه: «إنّ أسلوبكم لا يليق بشأن الملوك، وإذا كنتم عازمين على حج بيت الله فنحن عازمون على زيارة حضرة سلطان السلاطين علي بن موسى الرضا (عليه السلام) وسنلتقي بكم أينما أحببتم».
وكان الشاه إسماعيل يدرك حقد محمد خان (شيبك خان)، ملك الأوزبك وأطماعه التوسعية، فلم يتوان على إرسال السفراء البارعين في الخطابة وتلافي الأمور واغتنام الفرص، ومن بينهم الشيخ محيي الدين أحمد المعروف بشيخ زاده اللاهيجاني حيث حمّله رسالة إلى مرو طلب فيها من ملك الأوزبك كف عماله عن ارتكاب المظالم بحق الناس، وطالبه بالغرامة لما ارتكبه بعض أقوام الأوزبك في غارتهم على حدود كرمان وقتلهم للمزارعين فيها ونهبهم لأموال الناس في هذه النواحي.
ويذكر صاحب (حبيب السير) أنّه في الوقت الذي كان شيخ زاده اللاهيجاني لا يزال في بلاط الأوزبك بعث شيبك خان أحد سادات خراسان وهو الأمير كمال الدين حسين الأبيوردي إلى بلاط الشاه إسماعيل برسالة مفعمة بالتهديد.
ولم يكن الأوزبكي يغفل عن تحريض أمراء الدولة الصفوية في الولايات المتجاورة لأرض العراق ودفعهم إلى الخروج عن طاعة الشاه إسماعيل، ومن هؤلاء حاكم مازندران آقا رستم الذي غرّته وعود شيبك خان وأثرت به تحريضاته، فكان أن أجاب رسل البلاط الصفوي القادمين إليه لجباية الضرائب السنوية والخراج قائلاً: «ما دمت أحتمي بالملك محمد خان الشيباني فلن أخشى الشاه إسماعيل ولن أهابه».
ولم يطق الشاه إسماعيل غرور شيبك خان وأطماعه التوسعية، فعزم على تحقيق حلمه في توحيد جميع الولايات الإيرانية تحت سلطته ومن ثمّ أمر في السلطانية في شهر رجب عام 916هـ باستدعاء جميع القوات العسكرية من عراق العرب وعراق العجم وفارس وكرمان وكردستان ولرستان وأران وأذربيجان فقدم إليه أمراء وحكام هذه الولايات بعدد كبير منها.
وانتظمت القوات وقادتها وأمراؤها في السلطانية وتشكلت من القادة لجنة، اجتمع بها الشاه وخطب شارحاً تطوّر العلاقات الإيرانية ـ الأوزبكية معرضاً بذكر التهديدات والإهانات التي وجّهها ملك الأوزبك لشخصه ودولته ثمّ استشارهم في السير لفتح خراسان التي تعدّ النصف الأيمن من إيران، فأشار عليه الحاضرون بالإجماع بالسير للفتح دون تردد أو تلكؤ، وبعد استماعه لآرائهم وإجماعهم على ما عزم عليه، أمر بإقامة الاحتفالات ونصب موائد الطعام. ثمّ وزّع على الحاضرين أنواع الهدايا والحلل والخلع وأهداهم جياداً وإبلاً من الإصطبل الملكي، وفي صبيحة اليوم التالي نفخت الأبواق معلنة البدء في التحرّك فانتظمت صفوف قوات القزلباش في صفوف وأفواج متناسقة ثمّ تحرّكت تحت إمرة قادتها.
وهنا تجدر الإشارة إلى شيء مهم غفل المؤرخون عن ذكره وهو كون الخانقاه الصوفي آنذاك من أهم الوسائل الإعلامية والدعائية ووسائل جمع الأخبار وتوزيعها.
ويرجع وجود الخانقاه الصوفي في خراسان إلى عهد السلطان ميرزا شاهرخ وميرزا الغ بيك الگورگاني حين باشر شاه قاسم أنوار تثبيت دعائمه وأسسه. وكان شاه قاسم قد تخطّى مراحل السير والسلوك والتعاليم الصوفية على يد الشيخ صدر الدين موسى بن الشيخ صفي الدين. وقد سافر إلى هرات حينما كان سائحاً وكان عليها الميرزا شاهرخ ابن الأمير تيمور وهو في علاقات غير ودية مع أمراء الآق قويونلو والقره قويونلو. ومن جانب آخر كان يعتقد أنّ الصفوية تؤيد هؤلاء الأمراء، فلم يرحب بقدوم شاه قاسم، فغادر الأخير هرات إلى سمرقند فاستقبله الميرزا الغ بيك الگورگاني بالترحيب والاحترام وأعدّ له أسباب الراحة في عاصمة وبدأت طريقة شاه قاسم العرفانية تنتشر في هذه المنطقة منذ ذلك الحين، وكانت طريقته في الحقيقة هي عين الطريقة الصفوية.
وحينما ظهر الشاه إسماعيل، أخذ أهل السير والسلوك والدراويش في خانقاهات خراسان يحيطونه علماً بجميع أحوال وأوضاع مناطقهم، ومن ذلك إبلاغهم إياه في أواخر عام 915هـ بتحرّك جيش جرار بقيادة أبناء شيبك خان وبعض أقاربه من (مرو) إلى تركستان الشرقية لاحتلال مناطق جديدة في حدود كاشغر وحدود التبت والصين.
وكان الشاه إسماعيل يتحيّن الفرصة المناسبة لانتزاع خراسان من مخالب الطورانيين وضمّها إلى إيران ومن ثمّ رأى في هذه التطورات فرصة مؤاتية لتنفيذ ذلك واستصوب رأيه قادة الجيش ورجال إيران.
وكانت ثمة مجموعة من الرواد تتقدّم جيش القزلباش وهي تحمل رايات خضراء وترتدي ملابس رسمية فاخرة، وتواصل إنشاد الأشعار المؤثرة في مدح سيد النجف وآل بيت الرسول، فكان أهالي المدن والقرى يهرعون لمشاهدة هذا الموكب والإصغاء إلى أشعاره وأناشيده المهيجة وغالباً ما كان الناس يجهشون بالبكاء لشدّة تأثّرهم.
وهكذا توجهت قوات القزلباش من السلطانية إلى الري ومنها إلى سمنان ثمّ إلى حدود دامغان، وكان عليها صهر شيبك خان ويدعى أحمد سلطان.
وما كاد أحمد سلطان يطّلع على قدوم قوات القزلباش نحو ولايته، حتّى لاذ بالهرب، وكذلك فعل حاكم استراباد الخواجة أحمد قنقرات حيث ترك ولايته وهرب إلى ولاية درون ومنها إلى خوارزم. وعندما شاهد شيوخ جرجان الحاكم الأوزبكي وهو يلوذ بالفرار اجتمعوا فيما بينهم وانتخبوا منهم شخصين هما السيد رفيع وباب نوذر وعدداً آخر من الشخصيات للوفادة على الشاه إسماعيل، فأكرمهم وأحسن إليهم ثمّ أجازهم في العودة إلى ديارهم.
وفي غضون ذلك كان هناك أحد أعيان الدولة التيمورية يعيش في منطقة (كبود جامه)، فلمّا سمع بقدوم رايات الشاه إسماعيل أسرع لاستقباله فالتقاه في منطقة جاجرم ورأى الشاه في اسمه فألاً حسناً حيث كان اسمه سيف الدين مظفر، وكان رجلاً فاضلاً ذا خصال حميدة فشمله الشاه بعنايته وعطفه وخلع عليه خلعاً فاخرة وزيّنه بزينة رسمية وعيّنه في منصب وزير الخاصة في البلاط.
ووزارة الخاصة هذه تعني إدارة الأموال الخاصة بالملك حيث أقدم الشاه إسماعيل على فصل أمواله عن أموال الدولة وأسمى الأخيرة ببيت المال بعد أن كان الملوك لا يرون فرقاً بين أموال الدولة وأموالهم.
وزاد اهتمام الشاه إسماعيل بالخواجة مظفر يوماً بعد آخر فمثلاً عندما وصلوا اسفراين بعد مغادرتهم جاجرم قرّر أن يضيف إلى ختمه على فرامينه الملكية ختم سيف الدين مظفر، ولم يكن هذا الامتياز قد أعطي لأي وزير كان عدا الوزير الأعظم.
وغادر حكام ولايات سبزوار ونيسابور ولايتهم قبل أن تدخلها قوات القزلباش وتوجهوا إلى هرات، وحين بلغ الموكب الملكي مدينة نيسابور بعث برسالة إلى شيبك خان مفادها أنّك كنت تتبجح باستمرار وتطلب منّا اللقاء، فها أنذا أحتل مدنك الواحدة تلو الأخرى دون أن ألمس وجوداً لقوات الأوزبك. وإذا أعدت ملك خراسان لأهله وهم أقوام القزلباش ورحلت إلى ما و راء آمو فقد عملت وفقاً للعقل والتدبير، وإلاّ فحري بك أن تحدّد موقعاً للقتال.
وكان حمل هذه الرسالة إلى ملك الأوزبك أمراً لا يخلو من مغامرة، فتبرع أحد القزلباش بإيصالها ويدعى حسين بيك يساول.
وبلغ حسين بيك والوفد المرافق له مشارف هرات، وسمع سكان المدينة بقدوم رسل الشاه إسماعيل فهبوا لمشاهدته في الشارع الرئيسي للمدينة وتوجّه لاستقبالهم عدد من رجال ملك الأوزبك.
وحسين بيك هذا رجل طويل القامة عظيم الجثة أحمر العينين ذو شارب طويل يلامس أذنيه. فلمّا دخل بلاط ملك الأوزبك وجلس على الكرسي المعد له، تزحزح قليلاً فانكسر الكرسي من تحته، فاستبدل بثان فانكسر أيضاً وتكرر الأمر مرة ثالثة، فقال حينئذٍ: «إنّ الأطفال لتضحك حينما ترى بلاطكم خالياً من كرسي يصلح لجلوس الرجال».
وكانت هذه العبارات إهانة واضحة لشيبك خان، فاستعجل في إرجاعه من حيث أتى.
وتجدر الإشارة إلى أنّ شيبك خان كان قد قسّم قواته قسمين فبعث بالقسم الأوّل إلى تركستان الشرقية ووجه الآخر إلى أراضي (هزارة). وأقوام هزارة في الأصل هم سكان التبت ويتبع أغلبهم المذهب الشيعي.
وكانت هذه القبائل متعصبة في تشيعها، ومن ثم فمن الطبيعي أنّها لم تكن مستعدة للخضوع بسهولة لحكم الأوزبك، فعزم شيبك خان على السير إلى هذه القبائل والقضاء عليها ونهب أموالها ولكنّه وجد نفسه في ورطة لا مخرج منها، إذ دارت معارك بين الطرفين، هزم الأوزبكي فيها ثمّ لجأ إلى بعض زعماء قبائل الهزارة للاستعانة بهم في تأمين انسحاب قواته، وهنا يذكر صاحب حبيب السير قائلاً: «عاد من هجومه على الهزارة ممزق القلب ونزل في بستان جهان آرا».
الحرب مع الأوزبك([353])
توجّه الشاه إسماعيل إلى مشهد لزيارة الإمام الرضا (عليه السلام) بعد أن بعث رسوله إلى شيبك خان، وبعد الزيارة أمر بالتحرّك نحو هرات وحينما بلغ حدود سرخس وافته طلائع جيشه بوصول بعض قوات الأوزبك حتّى مشارف تجن، فانتدب أحد الصوفيين المجربين والمعروفين بشجاعتهم ويدعى (دانه محمد) للسير إلى قوات الأوزبك على رأس قوّة من القزلباش.
وحضر دانه محمد لدى الشاه فأطال الأخير النظر إلى وجهه ثمّ أذن له بالانصراف وحينئذ التفت إلى من حوله وقال لهم لن نرى دانه محمد مرة أخرى، وكان حدسه في موقعه، فعندما اشتبك مع قوات الأوزبك جرح جروحاً بليغة وخاطب قواته قائلاً: «اعلموا أنّ دانه محمد إذا مات فإنّ المرشد الكامل حي بحمد الله فانشطوا للقارعة مرفوعي الرؤوس».
وحينما سمع القزلباش هذه العبارة دبّت الحماسة في نفوسهم وهجموا على عدوهم هجمة رجل واحد، ورأى قائد الأوزبك (جانوقا ميرزا) نفسه في خطر حين أخذت سيوف القزلباش تقترب منه فلاذ بالفرار وتفرّق جمع قواته، وتشتّت في الصحراء.
وبلغت أخبار هذا النصر المؤزر قوات القزلباش وهي في طريقها إلى هرات فعمّ الجميع فرح غامر، وفي أثناء ذلك وصلت أخبار تفيد بهرب شيبك خان من هرات إلى مرو، فأمر الشاه إسماعيل عدداً من رجاله المعروفين بحنكتهم وحسن تدبيرهم بالتوجّه إلى هرات والسيطرة على زمام الأمور فيها والحفاظ على أمن سكانها. ثمّ أمر قوات القزلباش بالسير إلى مرو لإدراك شيبك خان فيها، وكانت قوات الأوزبك التي هزمت في معركتها مع فوج دانه محمد قد التحقت ـ بعد فرارها من أرض المعركة ـ بشيبك خان في مرو، وروى أفرادها ما شاهدوه فكان لرواياتهم تأثير سلبي على معنويات الجنود الأوزبك.
وبدت طلائع القزلباش في مشارف مرو، اجتمع شيبك خان برجاله وتداول الأمر معهم، فكان رأيهم الابتعاد عن خوض الحرب في الصحراء والدخول إلى قلعة المدينة والاعتصام فيها مع إرسال رسل سريعة في أثناء ذلك إلى تركستان لإحضار القوات منها والقيام بمشاغلة القزلباش حتّى يصل المدد وحينذاك تقطع طرق التموين على القزلباش حتّى يصيبهم القحط ثمّ تهاجم من كل صوب بعد أن يكون الجوع قد أخذ مأخذه منها.
واستحسن ملك الأوزبك هذه الفكرة، فدخل سور مرو وأمر قواته التي بلغ تعدادها ثلاثين ألف مقاتل بالدفاع عن السور والأبراج.
وفي الجانب الآخر وصلت قوات القزلباش أطراف مرو فأحاطت بها من جهاتها الأربع، ولكن تجهيزات هذه القوات لم تكن كافية لمحاصرة مدينة كبيرة وسور منيع كما هو الحال في مرو ولم تكن قد جلبت معها المستلزمات الضرورية لفتح القلاع حيث لم يكن أحد يتصوّر أن يلجأ شيبك إلى الاعتصام في قلعة بعد كل ما بدر منه من تبجّح وغرور.
وفي الأيام الأولى من الحصار، أخذت بعض قطعات الأوزبك تخرج من المدينة وتهاجم القزلباش، ولكنّها كانت تعود في كلّ مرّة بخسائر كبيرة، فأمر شيبك خان بالكف عن الحرب، فكانت الأيام الأخيرة من الحصار هادئة وخالية من أي عملية عسكرية، مما كان يوحي بأنّ الأوزبك يتعمدون إضاعة الوقت وإطالة فترة الحصار.
ومن جانب آخر كان الشاه إسماعيل وأركان دولته يدركون كل الإدراك أنّ الحصار إذا ما استغرق شهرين أو ثلاثة فلن يكون في مصلحتهم، وستتعسر الأمور أكثر بقدوم إمدادات القوات الطورانية من كل حدب وصوب. وأخذ الشاه يتدبّر الأمر ويستجلي الحلول حتّى توصّل إلى فكرة، عزم على تنفيذها.
وفي اليوم التالي أخذ قادة القزلباش يتحدّثون إلى أفرادهم عن وقوع حوادث مؤسفة في حدود آذربيجان وديار بكر والعراق، حيث خرج المشاغبون في هذه المناطق وعاثوا فساداً.
وانتشرت هذه الإشاعة بين صفوف القزلباش في وقت قصير، ثمّ انتقلت منهم إلى الأوزبك عبر الجواسيس والمنتفعين وأخذت تكبر شيئاً فشيئاً، ثمّ بعث الشاه إسماعيل رسالة إلى شيبك خان مفادها ما يلي: لقد قدمنا إلى خراسان على أمل اللقاء بك كما وعدتنا مراراً، ولكنّك لم تقابلنا وأغلقت بابك دون الضيف ولازمت دارك كالنساء، والآن فقد اضطرتنا أحداث آذربيجان والعراق إلى العودة، وإنّي أوكل الأمر إليك في المستقبل لتلتقي بنا حيثما تشاء.
ثمّ طوى القزلباش خيامهم في وضح النهار وحملوها على ظهور إبلهم ثمّ تحركوا في صفوف منظمة.
وحين تحرّكت قوات القزلباش مغادرة مرو، عيّن الشاه فوجاً منها للسير وراء القوات وحماية ظهرها، وكان تعيينه هذا علانية، ولكنّه خصّص من هذا الفوج حوالي ثلاثمائة فارس وجعل عليهم أمير بيك موصلو، وأمره سراً بمواكبة الفوج حتّى النهر الذي يتفرّع عن نهر (تجن) ثمّ التخلف عنه بمجموعته والتوقف هناك. ثمّ قال الشاه لأمير بيك: إنّي واثق أنّ قوات الأوزبك ستلحق بنا حالما ترى انسحابنا فبادر أنت ومجموعتك إلى الكر والفر على بُعد أمامها وعندما تقترب منكم سارع إلى الفرار والحق بنا لتبلغنا الأمر.
وبعد صدور هذه التعليمات توجّهت قوات القزلباش إلى محمود آباد فعسكرت بالقرب منها، فلما خيم الليل لظلمته أمر الشاه بإيقاد نار قليلة في المعسكر، ثمّ أصدر أوامره إلى أفراد القزلباش بترتيب صفوفهم على شكل نصف دائرة كما يفعلون في ميدان الحرب وسمح لهم بالنوم مع البقاء على أهبة الاستعداد، وأوصى بتثبيت مشاعل جاهزة للاشتعال في نصف دائرة وإشعالها حالما يصدر صوت خاص.
ويذكر المؤرخون أنّ عدد قوات القزلباش آنذاك يتراوح بين 25 و30 ألف شخص بما فيهم الخدم والحمالون.
وحين وصلت شيبك خان رسالة الشاه إسماعيل وشاهد بعينه انسحاب القزلباش التفت إلى حاشيته قائلاً: «إنّها فرصة ثمينة هيأها لنا حسن حظنا، فلا بد أن يكون الشاه الشاب والمغرور يعيش الآن النشوة فينصرف إلى اللهو والمتع هذه الليلة فإذا بادرنا إليه وأخذنا قواته على حين غرة أهلكناه وشتتنا قواته».
وهكذا كان شيبك خان يرى لزاماً عليه أن يغسل العار الذي لحق به بمهاجمته لقوات القزلباش ومن ثمّ جمع قواته المتواجدة في المدينة ويبلغ تعدادها ثلاثين ألف فارس وخرج بها من المدينة ليلاً فعبر نهر محمود آباد، فأخذ أمير بيك موصلو يكر ويفر حتّى إذا هجمت عليه قوات الأوزبك أسرع بجماعته هارباً أمامهم.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ صاحب (روضة الصفا) وعدد من مؤرخي ذلك العصر يذكرون بأنّ ثلة من حملة المعاول والرفوش قد أخفوا أنفسهم على ضفاف نهر محمود آباد بأمر من الشاه إسماعيل لتدمير الجسر الممتد على هذا النهر بمجرد عبور آخر مجموعة من الفرسان الأوزبك.
وهكذا عبر الأوزبك النهر وتعقبوا أمير بيك وفرسانه الهاربين وفجأة وجدوا أنفسهم بين نصف دائرة من صفوف القزلباش المستعدين للقتال، حيث كان أمير بيك قد أعلمهم من قبل وحينئذ نفخ بوق خاص فأضرمت النار في المشاعل المثبتة حول المعسكر وتحوّل الليل إلى نهار، وأدرك شيبك خان حينها أنّه خدع واستدرج إلى المصيدة فلم ير بدّاً من الاشتباك مع العدو، وكان الوقت سحراً فاستمر الأوزبك يقاتلون لثلاث ساعات حتّى مرّت ساعة على طلوع الشمس فلم يطيقوا الصمود أكثر وأطلقوا الأعنة لخيولهم مدبرين، فلمّا بلغوا الجسر وجدوه محطماً، فاتجهوا نحو بستان كان شيبك خان قد بناه حديثاً في تلك المنطقة، وكان المدخل إلى هذا البستان عبارة عن دهليز يبلغ طوله ثلاثين متراً فتدافع الجنود للدخول واشتد زحامهم فهلك بعضهم تحت حوافر الخيول، وأدركهم القزلباش فضربوا حول البستان حصاراً شديداً ثمّ أفلحوا في هدم جدار البستان واقتحموه فقتلوا من حاول المقاومة وأسروا من استسلم منهم ولكنّهم لم يجدوا لشيبك خان أثراً، ويذكر السيد رضى التبريزي في كتابه أنّ شخصاً من القزلباش يدعى عزيز آقا استطاع في آخر الأمر العثور على جسد شيبك خان بين أكداس القتلى فقطع رأسه وقدمه إلى الشاه إسماعيل فلمّا شاهد الشاه أطرق برأسه ثمّ توجّه بالحمد والثناء للباري تعالى على تمكينه من خصمه اللدود وكان مقتل شيبك خان في يوم الجمعة، آخر شهر شعبان عام 916 للهجرة.
أوضاع هرات وخراسان
بعد اندحار الأوزبك
بعد أن أحرز القزلباش انتصارهم الكبير على الأوزبك، أُمر الكتّاب بكتابة رسائل الفتح بأسلوب أدبي بليغ إلى كل مكان ووجهت رسالة إلى هرات، حملها أحد المقربين إلى الأمير نجم الثاني ويدعى قلي جان بيك.
وبلغ أهالي هرات خبر اقتراب موكب قلي جان بيك من مدينتهم، فبادر العلماء وكبار القوم مثل: شيخ الإسلام أحمد التفتازاني والأمير نظم الدين عبد القادر الشهندي والسيد غياث الدين محمد پور وأمير جلال الدين يوسف الرازي والقاضي صدر الدين محمد الإمامي والقاضي اختيار الدين حسن تربتي وعدد آخر من العلماء والسادات إلى الاجتماع في دار السيادة السلطانية التي بناها الملك الگورگاني لاستقبال السادة بشكل خاص وتداولوا أمور المدينة فيما بينهم وانتدبوا عدداً منهم لاستقبال موكب قلي جان بيك، وشاهد أهالي هرات الذين ذاقوا من الأوزبك مرّ العذاب اثنين من الاوزبك يدخلون دار السيادة فثارت ثائرتهم واقتحم الدار عدد من الأوباش والشباب الثائر فقتلوا محمد لكور ومحمد علي العيني أمام المجتمعين ثمّ سرى الاضطراب إلى أنحاء المدينة وأزقتها فقتل مائة شخص ممّن كان لهم علاقة بالأوزبك، وفي عصر ذلك اليوم دخل قلي جان بيك المدينة فهدأ أهلها وسلم رسالة الفتح إلى أعيان المدينة وأشرافها.
وفي اليوم التالي اجتمع عامّة الناس وخواصهم في المسجد الجامع واعتلى حافظ زين الدين المنبر وأنشأ يقرأ رسالة الفتح بأسلوب عذب ولحن مؤثر، ولكنّه لم يستجب لطلب القزلباش الموجودين تحت منبره بذكر بعض العبارات فما كاد ينزل عن المنبر حتّى بادره القزلباش بسيوفهم فأردوه قتيلاً في داخل المسجد.
وأصيب أهالي هرات بالرعب والهلع عند مقتل زين الدين. وقبل أن يتوجه معسكر القزلباش إلى هرات قدم الخواجة سيف الدين مظفر إليها امتثالاً لأمر الشاه فاستقبله أعيان المدينة وأشرافها وعلماؤها وأصدر أمره بالخطابة باسم الأئمة الإثني عشر (عليهم السلام).
وكانت رسالة الوزير الأعظم نجم الثاني إلى أكابر هرات تتضمن الدعوة إلى المذهب الشيعي، وكذلك بعث الشاه برسائل أخرى يستميل فيها أكابر هرات وأشرافها وسائر أهاليها.
وفي يوم الجمعة اجتمعت جميع شخصيات هرات في المسجد الجامع، وارتقى المنبر الأمير صدر الدين سلطان إبراهيم الأميني وهو من كبار سادة هرات فقرأ على الناس رسالة من الشاه إسماعيل يطمئن فيها الناس، ثمّ أشار الخواجة مظفر إلى نقيب أشراف هرات الأمير جمال الدين عطاء الله وهو من كبار السادة في المدينة فخطب خطبة الجمعة وخصّ بها مناقب وفضائل الأئمة الإثني عشر، وختم خطبته بالثناء على الشاه إسماعيل والدعاء له.
وبعد ذلك قدم الوزير الأعظم نجم الثاني إلى حدود هرات في أواسط شهر رمضان عام 916هـ مصطحباً معه الخواجة كمال الدين محمود الساغري فسار لاستقباله سادات هرات وقضاتها وعلماؤها وفضلاؤها محملين بأنواع الهدايا، ثمّ نزل الأمير نجم في (باغ سفيد) وأرسل الخواجة كمال الدين محمود برسالة وعظ إلى الخواجة خرد.
والخواجة خرد هو أحد أعيان الأوزبك وكان آنذاك متحصناً في قلعة اختيار الدين وهي أكثر قلاع هرات مناعة وقوّة، فلمّا قرأ رسالة الأمير نجم نزل عن قلعته معتذراً منه وطلب إليه أن يضمّه إلى مرافقيه ففعل وعيّن (ويس بيك تكلو) حاكماً على قلعة اختيار الدين.
وفي أثناء ذلك سمعت المدينة باقتراب موكب الشاه الصفوي فباشر الأهالي بتزيين الشوارع والأزقة وفرشوا طريق الشاه من داخل المدينة إلى مسافة بعيدة عنها بأنواع الفرش الثمين.
وفي صبيحة العشرين من شهر رمضان المبارك خرج أهالي هرات عن بكرة أبيهم لاستقبال الشاه وفي (شمه خيز) بانت لهم طلائع الموكب الملكي وكان موكباً فخماً مهيباً لم يسبق له مثيل.
وعمد الشاه إسماعيل في هرات إلى إلغاء جميع التقاليد والأعراف التي سنّها الأوزبك والطورانيون ورفع عن الأهالي كثيراً من الضرائب، وسلك في ولاية خراسان سلوكاً غاية في العدل والإنصاف وسعى في تأمين راحة الناس وتطييب خواطرهم حتّى أحبّه جميع السكان من سنة وشيعة ومسلمين وغير مسلمين.
وأمضى الشاه إسماعيل شتاء ذلك العام في هرات، وكان صيته قد طار في الآفاق فأخذت الرسل تتوافد عليه من مختلف الدول وقدم إليه أحد حكام النواحي المجاورة شخصياً وهو الميرزا السلطان أويس ابن السلطان أبو سعيد گورگان وكان يلقب بالخان ميرزا ويحكم بدخشان فرحب الشاه بمقدمه وخلع عليه وأهداه تاجاً من ذهب ونطاقاً مرصعاً وعدداً من الجياد ومبلغاً من المال ثمّ ولاّه بدخشان وختلان وقلعة شادمان وجاء أيضاً بعض كبار علماء إيران وسادتها ومنهم الأمير نظام الدين عبد الباقي أحد أحفاد الملك نعمة الله ولي والأمير جمال الدين محمد الحسيني والقاضي عبد الرحمن ساوه فقدموا تبريكهم وتهنئتهم وشملهم الملك بعنايته.
وفي هذه السنة أوكل الحكم في ولاية مرو المهمة إلى دده بيك وفي ولاية هرات التي كانت بمثابة العاصمة بالنسبة لخراسان إلى حسين بيك، وأوكلت أمور القضاء في خراسان وتعيين الصدور و القضاة في ولايات خراسان إلى الأمير غياث الدين محمد بن الأمير يوسف الذي كانت عائلته لسنين طوال محلاً لاحترام الخراسانيين.
ومع اقتراب أيام العيد قدمت إلى هرات عدّة وفود من الهند سفراء من بلادهم إلى بلاط الملك الصفوي.
تنظيم الأمور في مازندران
كان آقا رستم روزافزون يستولي على ولاية ساري وبعض مناطق مازندران، وعندما استولى شيبك خان على خراسان أخذ رستم يلوذ به ويحتمي بقوته، حتّى جاء الوقت الذي قتل فيه شيبك خان فاضطرب رستم اضطراباً شديداً وأصيب بالحمى ثمّ قضى نحبه بعد بضعة أيام.
وعندما بلغ الشاه إسماعيل خبر وفاة رستم روزافزون بعث الأمير سيف الدين المظفر إلى مازندران لجمع الضرائب المتخلفة خلال السنين الماضية. فلمّا دخل حدود مازندران خرج لاستقباله حاكم بارفروش (بابُل حالياً) الأمير نظام الدين عبد الكريم وهو من السادة الأشراف، وكان يدّعي وراثته للحكم في هذه المناطق.
ومن جانب آخر قدم للاستقبال آقا محمد بن آقا رستم روزافزون وجلس الإثنان للمناظرة بحضور الأمير المظفر، فكان الأمير عبد الكريم يزعم أنّ الشرع يقضي بتوليه الحكم في جميع ولايات مازندران لأنّ أباه وأجداده كانوا يحكمون هذه الولايات لقرون عديدة، وإنّ آقا رستم روزافزون خرج في السنين الأخيرة فاغتصب الحكم اغتصاباً. بينما كان آقا محمد روزافزون يطالب بخلافة أبيه في حكم ساري ونواحيها ولم تخلص مناظرتهما إلى نتيجة، فاصطحبهما الأمير المظفر معه إلى معسكر الشاه، فدخلوه في نواحي سمنان حينما كان الشاه عازماً على السير إلى العراق، فقدم الخصمان هداياهما إليه وعرضا أمرهما عليه، فشملهما بلطفه وعنايته وقرر إبقاء آقا محمد علي ساري والمناطق التي كان أبوه آقا رستم حاكماً عليها فيما عيّن عبد الكريم حاكماً على باقي نواحي مازندران واشترط على الاثنين دفع الضرائب المتخلفة عن السنين الماضية إضافة إلى دفع الضرائب سنوياً، وتقرر بعد مداولات ومفاوضات طويلة أن يدفع الإثنان مبلغ ثلاثين ألف تومان عراقي سنوياً ثمّ توجها إلى مازندران برفقة الأمير المظفر لدفع الضرائب المتخلفة إليه.
وغادر معسكر القزلباس ولاية سمنان متوجهاً إلى قم، فأمضى الملك شتاءه فيها. وقدم عليه أيام إقامته فيها وفد مصر من قبل السلطان الغوري وكذلك سفراء الروم لتهنئته بفتح خراسان.
الأوضاع السياسية في إيران الصفوية
كان فتح خراسان يحظى بأهمية قصوى بالنسبة لإيران آنذاك، فقد بقيت إيران مجزأة لقرون عديدة وإذا كان اسم الدولة ومحلها في زمن السلاجقة والخوارزميين هو اسم إيران ومحلها، فإنّ إيران كانت في الحقيقة جزء من دولة مترامية الأطراف ذات شعوب وأقوام كثيرة، فمثلاً كانت إمبراطورية ملكشاه السلجوقي تشمل سوريا وفلسطين وجميع أراضي الروم الإسلامية وتمتد من جانب الشرق إلى كاشغر وحدود الصين وحدود أفغانستان، وكان ملكشاه في الواقع يرى نفسه سلطان المسلمين دون منازع، ورغم أنّ مركزه هو إيران وأنّ اللغة الفارسية والعادات والتقاليد الإيرانية كانت تحظى بطابع رسمي إلاّ أنّ حدود إيران لم تكن مميزة وكذلك حدود الشعب الإيراني وإنّما كان جزء من شعوب كثيرة كانت الإمبراطورية العظمى تشتمل عليها، فكانت الأراضي الإيرانية تتعرّض للتجزئة كلّما تعرّضت الدولة الكبرى للتجزئة.
وحينما ظهر الشاه إسماعيل اكتفى بالحدود الطبيعية الأصلية لإيران. ففي الشرق والشمال الشرقي كان نهر جيحون ونهر السند الحدود الطبيعية لإيران بعد إخضاع والي قندهار لسلطان الدولة الصفوية، وفي الحقيقة فإنّ إيران بوصولها إلى جيحون والسند قد استعادت حدودها الطبيعية التي كانت عليها في زمن الساسانيين، وهكذا الحال حينما امتدّت حدودها في الشمال الغربي إلى مدينة دربند وجبال القفقاز وفي الغرب إلى السهول الممتدة على ضفتي شمال الفرات مثل قلعة كماخ ومدينة آمد وجميع نواحي ديار بكر التي يقطنها الأكراد والإيرانيون وكذلك وصلت حدود إيران في جنوب ديار بكر إلى أرض العراق وصحارى ولاية حلب وإلى الجنوب من ذلك في أراضي غربي القادسية والحدود الغربية لبابل القديمة، فهذه هي إيران في العصر الساساني وهكذا نرى الشاه إسماعيل أخذ يوسّع بلاده سعياً منه للوصول إلى الحدود القديمة لإيران.
واندمجت إيران الغربية مع إيران الشرقية بفتح خراسان وأضحت دولة إيران الموحدة الكبرى.
ومن المعروف أنّ الدولة العثمانية أخذت تطمح للسيطرة على جميع البلدان الإسلامية بعد فتحها للقسطنطينية، ولكي تتمكن من تحقيق طموحاتها بدأت تكف يدها عن الجهاد في البلدان الأوروبية ثمّ وجهت جيوشها الجرارة المخيفة نحو البلدان الإسلامية.
ومن الطبيعي أنّ هذا التحوّل الكبير الذي طرأ على مخططات الدولة العثمانية سبّب نقصاً كبيراً في شعبيتها ومكانتها في نفوس المسلمين، فقد أتاح انشغال العثمانيين بالمسلمين فرصة ثمينة للأوروبيين استعادوا فيها قواهم شيئاً فشيئاً حتّى بات تقدّم العثمانيين في أوروبا أمراً متعذراً بل بدأ هؤلاء يتراجعون عن المواقع التي فتحوها في قلب أوروبا.
وفي العام 917هـ وصل وفد عثماني إلى بلاط الشاه إسماعيل في مدينة قم يهدف إلى البحث في موضوع نحاول أن نتعرض له فيما يلي باختصار:
في الوقت الذي كان الشاه إسماعيل منصرفاً إلى قتال شيبك خان في خراسان، ظهر رجل في ضواحي أنقرة، كان أنصار الدولة العثمانية يسمّونه شيطان قلي.
واسم شيطان قلي في الأصل هو نور علي ولقب نفسه بشاه قلي وهو أحد مريدي الخانقاه الصفوي وأنصار الشاه إسماعيل، وقد نجح خلال فترة قصيرة ـ بعد دعوة الناس إلى نفسه ـ في جمع حشود عظيمة من أهالي تلك المنطقة، ومنهم الصوفيون والمتضررون من الدولة العثمانية. وتعاظم أمر شاه قلي حتّى عجز الحكام المحليون ورؤساء المعسكرات المجاورة عن القضاء عليه فبعض السلطان بايزيد جيشاً بقيادة وزيره الأعظم علي باشا لإخماد حركة شاه قلي.
ودارت بين الطرفين معركة ضارية قتل فيها الوزير الأعظم وهزم جيشه، فأصيبت القوات العثمانية بالذعر ولم يجرؤ أحد بعد ذلك على قتال شاه قلي الذي باشر بشن الغارات على الولايات المجاورة ثمّ غادر الأراضي العثمانية بسلام ودخل الأراضي الإيرانية فالتحق بصفوف القزلباش. ومن الطبيعي أن تقوم الدولة العثمانية ببحث هذه القضية مع أركان الدولة الإيرانية.
كما جاء وفد مصري دعا إيران للاتحاد مع مصر عسكرياً وسياسياً بوجه مطامع الدولة العثمانية لأنّ مثل هذا الاتحاد سيكون فيه نفع الطرفين، فمن الممكن أن يوقف الدولة العثمانية عند حدّها فيمنعها من التفكير بالاعتداء على جيرانها. هذا الاعتداء الذي بدا الإعداد له واضحاً.
ورحبت إيران بهذه الدعوة، فأبرمت اتفاقاً دفاعياً مع مصر في أواخر عام 917هـ وبعثت بوفد إلى مصر لإتمام الاتفاق([354]).
وفي الوقت الذي كانت قوات القزلباش تعسكر في قم عُلم أنّ السلطان بايزيد قد مات وخلفه ابنه السلطان سليم الذي باشر من فوره بقتل إخوانه وأولادهم واستطاع أحد أحفاد بايزيد وهو السلطان مراد الإفلات من قبضة عمّه القاسي واللجوء إلى البلاط الإيراني.
وفي الوقت الذي كان فيه الشاه إسماعيل يمضي في قم شتاء عام 917هـ وربيع 918هـ كان يتابع أخبار حرب تركستان ونتائجها وقصة هذه الحرب كما يلي:
بعد أن استفحل أمر شيبك خان وقويت شوكته هاجم سمرقند فاضطر حاكمها الملك ظهير الدين محمد بابر إلى مغادرتها والانسحاب نحو فرغانه وأنديجان ولكن قوات الأوزبك واصلت زحفها فواصل هو انسحابه متخلياً عن ملكه في بلاد ما وراء جيحون فدخل بلخ ثمّ غادرها إلى كابل وأسّس فيها حكومة صغيرة متخذاً منها عاصمة للحكم الجديد.
وفي الحقيقة فإنّ الملك ظهير الدين بابر كان من أليق أحفاد الأمير تيمور بالحكم وأشدّهم بأساً وعزيمة فلم تكن الهزائم المتكررة التي لحقت به لتثنيه عن عزمه أو لتحدّ من طموحاته، فقد أعاد الكرة وتوجّه من فرغانه إلى سمرقند إلاّ أنّ قوة أعدائه أرغمته على الانسحاب فهاجم فرغانه ثمّ توجّه إلى بلخ وكابل وتوجّه في آخر المطاف إلى الهند فأسس فيها مملكة كبرى استمرّت قروناً طويلة حتّى قضى الإنكليز عليها.
وعندما كان الشاه إسماعيل في هرات قدم عليه وفد الملك بابر محملاً بأنواع الطرائف والهدايا عارضاً الإخلاص والمودة وطلب خلال زيارته مساعدته للملك بابر في استعادة أراضي بخارى وسمرقند من الاحتلال الأوزبكي.
ولبّى الشاه إسماعيل جميع طلبات الملك بابر بكلّ رحابة صدر، وأصدر أمراً بترك جميع الأراضي التي يستولي عليها الملك بابر في بلاد ما وراء جيحون ملكاً خالصاً له، وهكذا أعدّ الأخير في عام 917هـ جيشاً له من زابلستان وتوجّه إلى ولاية بدخشان وكان عليها ابن عمّه السلطان ويس الذي سارع إلى الالتحاق بابن عمّه بجيشه، وسار الإثنان إلى قلعة شادمان وكان عليها اثنان من زعماء الأوزبك هما حمزة سلطان ومهدي سلطان فوقفا بقواتهما للدفاع عن القلعة ودارت بين الجانبين حرب هلك فيها القائدان الأوزبكيان واستولى الملك بابر على شادمان وختلان وقندر وبغلان ونعم الناس في هذه الولايات بحكمه العادل مرّة أخرى.
وفي تلك الأثناء بعث الملك بابر بأخبار فتوحاته إلى الشاه إسماعيل وأخبره أنّه في حال قدوم أحد أمراء القزلباش إليه على رأس فوج من المحاربين فستتم السيطرة على بلاد ما وراء جيحون جميعاً وتسحق أركان الأوزبك ويخطب في هذه البلاد باسم الشاه إسماعيل ويضرب النقد باسم الملك الصفوي العظيم.
وبادر الشاه إسماعيل فور وصول الطلب إلى إرسال أحمد بيك صوفي أوغلي وشاهرخ بيك أفشار على رأس عدد من المحاربين الأشداء إلى قلعة شادمان لتقديم المساعدة والمدد للملك محمد بابر.
ووصل أميرا القزلباش إلى الملك بابر في القلعة المذكورة فازداد ثباتاً وقوّة وتحرّك نحو سمرقند، وبلغ خبر تحرّكه حاكم سمرقند محمد تيمور سلطان وحاكم بخارى عبدالله خان فلم يجرؤا على المقاومة لا سيما بعد أن عرفا باصطحابه قوّة من القزلباش فغادرا ولايتيهما وتوجها إلى تركستان فدخل الملك بابر سمرقند وسعى فيها لرفع المظالم عن أهلها وإحلال العدل والقسط بينهم، ثمّ خطب في يوم الجمعة باسم الأئمة الإثني عشر والشاه إسماعيل وقام بعدها بإرسال الولاة إلى بخارى وسائر الولايات الأخرى ثمّ حمّل أحمد بيك صوفي أوغلي وشاهرخ بيك بأنواع الهدايا النقدية والعينية وعدد من الجياد الثمينة إلى الشاه إسماعيل وأجازهما في العودة إلى بلادهما. وفي غضون ذلك قدم إليه رسول البلاط الإيراني وهو محمد جان الذي كان يشغل في حكومة الأمير نجم الثاني منصب (أيشيك آغايسي) أي رئيس التشريفات ولاقى محمد جان في بلاط الملك بابر معاملة مغايرة لما كان يتوقعه، فلمّا عاد من سمرقند إلى قم قدم تقريره بالواقع وكان الأمير نجم الثاني معتمداً على رسوله وواثقاً منه فأيّد كلامه في حضور الشاه وتعهد بالسفر شخصياً إلى ما وراء جيحون وتسوية الأمور بما ينفع إيران.
وافق الشاه على الاقتراح وأمر عدداً من أمراء الدولة وأركانها مثل زين العابدين بيك وبادمجان بيك والخواجة كمال الدين محمود ساغري بمرافقة الوزير الأعظم في سفره. وشدّ الأمير نجم الرحال إلى خراسان فلمّا وصل مشارف جيحون بلغه أنّ سلاطين الأوزبك جمعوا شتاتهم بعد عودة القزلباش من سمرقند وتوجهوا من تركستان إلى سمرقند بجيش جرار فهزموا فيها الملك محمد بابر، فحمل أهله وذويه إلى قلعة شادمان وتحصّن فيها، وانصرف الأوزبك إلى إحكام سيطرتهم على الولايات التي استولوا عليها ثمّ توجهوا إلى قلعة شادمان لمحاصرتها وكان الملك بابر قد أحكم تحصينها بمساعدة ابن عمّه خان ميرزا فحفر خندقاً حولها وأقام المتاريس في أزقّتها الداخلية، ثمّ بعث وراء حاكم بلخ بيرام بيك فرماني يستمدّه العون.
وبادر بيرام بيك فرماني من فوره إلى إرسال ثلاثمائة محارب من أبطال القزلباش تحت قيادة الأمير السلطان محمد الشيرازي، وكانت قوات الأوزبك قد بلغت ولاية خيابان حين بلغها وصول مدد من القزلباش فكفت عن الزحف ثمّ عادت أدراجها إلى سمرقند وبخارى.
وكان الأمير نجم خلال ذلك قد دخل خراسان فأقام فيها بضعة أيام واستقبل ساداتها وقضاتها وأشرافها وأعيانها الذين كانوا يتوافدون على معسكره باستمرار وأكرمهم وأبقاهم في مناصبهم ثمّ عزم على السير إلى بلاد الأوزبك لاستئصال شوكتهم ومن ثمّ أبقى معه الأمير غياث الدين محمد بن الأمير يوسف وهو سيد هرات وأحد كبار سادة خراسان وأبقى معه والي هرات حسين بيك وكذلك جمع في عسكره العديد من كبار قادة ولايات خراسان وزعمائها ثمّ توجّه بهم إلى بلخ. فاستقبلهم واليها بيرام بيك فرماني استقبالاً عظيماً.
وعبر الأمير نجم نهر جيحون بعد إعداد السفن اللازمة وعسكر في ضفته الأخرى، وكان قد بعث الأمير غياث الدين محمد بن بلخ إلى قلعة شادامان ليدعو الملك بابر إلى الانضمام إليه فقدم إليه الأمير غياث الدين في تلك الأيام وأخبره باقتراب الموكب البابري فسارع الأمير نجم الثاني وزعماء عسكره لاستقباله فالتقى الموكبان في المنطقة المعروفة باسم (بند آهنين)، وقدم كلّ منهما هدايا لصاحبه بمقتضى الأعراف المتداولة آنذاك ثمّ جلسا للمشاورة فاستقر رأيهما على السير لاحتلال مدن ما وراء جيحون.
وتجدر الإشارة هنا إلى بعض التغيرات التي طرأت على أخلاق الأمير نجم الثاني فهو بعد أن خلف الأمير نجم رزپر كوزير أعظم ونائب للملك أخذ على عاتقه تدبير شؤون الدولة المترامية الأطراف فأحسن سياسة الرعية وتلبية حاجاتها بكل رحابة صدر وازدادت صلاحياته اتساعاً حتّى فاق جميع الأمراء ورجال الدولة وبلغ من الثراء والعظمة والقدرة ما جعله في عداد زعماء العالم آنذاك، فمثلاً كان عدد حراسه خمسة آلاف فارس مدججين بالسلاح ويُذبح في كلّ يوم مائة خروف لمائدته الخاصة، إضافة إلى مظاهر عديدة يطول ذكرها.
ومن الطبيعي أنّ الإنسان حينما يصل هذا المستوى من الجاه والسطوة، فإنّه يصاب بالغرور ويستبد برأيه وهكذا كان حال الأمير نجم الثاني فقد نسي الهدف الذي قدم إلى خراسان وما وراء جيحون من أجله، فقد كان هدفه ـ كما أسلفنا ـ هو تقويم الملك بابر وإعادته إلى الاتحاد مع إيران إذا كان منصرفاً عنه.
وهكذا سار الأمير نجم نحو مدينة ترمذ محاظاً بمظاهر العظمة والأبهة فاجتازها وهاجم ولاية خزار وكان عليها أحد سلاطين الأوزبك واسمه السلطان آق فولاد ولم ير هذا الحاكم في نفسه القدرة على القاومة فتصالح مع الأمير نجم ثمّ سلّمه المدينة بعد أخذ العهود والمواثيق ولكن الأمير نجم أمر بحبسه مع جماعة من الأوزبك ثمّ ضرب أعناقهم وعفا عن سكان المدينة. ثمّ توجّه نحو مدينة قرشي فبادر حاكمها شيخيم ميرزا إلى إحكام تحصين مدينته والاستعداد للدفاع عنها بعدما سمع بمصير السلطان آق فولاد.
وعمد الأمير نجم إلى توزيع قواته على أطراف المدينة ثمّ أمر بنقب حصنها ورميها بالمنجنيق وما زال بها حتّى فتحها عنوة فأسر شيخيم ميرزا وقواته ثمّ أصدر أوامره بإبادة أهل المدينة.
وكان في المدينة بعض السادة فاعتصموا بالمسجد الجامع وتوسلوا بغياث الدين محمد ليتوسط لهم لدى الأمير نجم. وفي نفس الوقت كان هناك جماعة من الجغتاي وهم القبائل المنسوبة إلى آل تيمور فتوسلوا بالملك بابر وأسرع الإثنان إلى الأمير نجم متوسلين به ليعفو عن السادة وأقوام الجغتاي، ولكن الأمير نجم كان قد بلغ به الغرور حدّاً أعمى بصيرته فرفض وساطتهما، وهكذا قتل شيخيم ميرزا بيك وما يقارب الخمسة عشر ألف من عساكر المدينة وأهاليها ومن بينهم الشاعر المعروف (السنائي).
وقد أحدثت مجازر مدينة قرشي ردّة فعل عنيفة في نفوس قادة الجيش فساءت نظرتهم إلى الأمير نجم وتشاءموا من عاقبة حملاتهم القادمة.
توجّه الأمير نجم إلى بخارى بعد فراغه من أمر قرشي وحين بلغ مشارفها سمع أنّ عبيدالله خان والسلطان جافي بيك وأكثر جنودهما قد تحصنوا بالمدينة استعداداً للدفاع عنها، وفي نفس الوقت بلغه أنّ السلطان محمد تيمور والسلطان أبو سعيد عازمان على خوض الحرب بقوات سمرقند، فوجّه الأمير لهما بيرام بيك فرماني وحينما سمع قائدا الأوزبك بقدوم بيرام بيك تراجعا إلى قلعة عجذوان وتحصّنا بها، فأبلغ بيرام بيك الأمير نجم بالأمر.
وعلى الفور توجّه الأمير نجم إلى عجذوان بكامل قواته فحاصرها، وعمد الأوزبك إلى أسلوب المناورات فكانوا يخرجون منهم جماعة في كل يوم فتأخذ بالكر والفر ثمّ تنسحب إلى داخل القلعة، ولم يتدبر الأمير نجم عاقبة أمره فأدام الحصار أربعة أشهر حتّى نفذت المؤنة وعلف الحيوانات وأصبحت القوات في عسر من أمرها. فطلب بعض قادة الجيش من الأمير الانسحاب إلى حدود قرشي وخزار حتّى انقضاء فصل الشتاء ليتسنى جمع المؤن وتوفير العلق مرّة أخرى ثمّ العودة إلى عجذوان ومحاصرتها ولكن الأمير رفض طلبهم وألحوا هم في الطلب وما زالوا به حتّى أقنعوه فوعدهم بالرحيل في اليوم التالي، وكان الأوزبك قد أدركوا مصاعب القزلباش وشحة مؤنهم وعلف حيواناتهم فوجدوا في ذلك فرصة سانحة للانقضاض على عدوهم ومن ثمّ خرجت طلائع جيشهم من بين الأشجار في يوم الثلاثاء، الثالث من رمضان عام 918هـ وهو اليوم الذي تقرّر فيه الانسحاب ففوجئت قوات القزلباش بخروجهم، ولم ير الأمير نجم بداً من الدخول في الحرب فنظم قواته ووقف في قلبها وجعل الملك بابر في قواته لسد الثغرات التي ربما يحدثها الأوزبك في صفوف جيشه.
ودارت رحى الحرب فصرع بيرام بيك في الصدمة الأولى، فزاد مصرعه من حماس الأوزبك واشتدت حملاتهم ولم يكن أمراء القزلباش متحمسين للقتال مع الأمير نجم فلم يستمروا بالمقاومة ولاذوا بالفرار، فهرب الملك بابر بدوره إلى قلعة شادمان مصطحباً قواته التي أتى بها وتبعه الأمير غياث الدين محمد والخواجة كمال الدين محمود، وهرب حسين بيك وأحمد بيك صوفي أوغلي نحو آمو فعبراه واتجها إلى خراسان. وطفق الأوزبك يقتلون وينهبون وأسروا الأمير نجم فأمر عبيدالله خان بقتله وقتل أيضاً زين العابدين بيك وعدد كبير من أبطال القزلباش وقوات خراسان.
وتعقب الأوزبك فلول القزلباش فعبروا نهر آمو ودخلوا خراسان فعاثوا فيها فساداً وقتلوا عدداً كبيراً من أهلها وهدموا العديد من أبنيتها.
وصلت أخبار هذه المآسي والنكبات إلى الشاه إسماعيل في أصفهان فأمر بإحضار القوات. وتزامن ذلك مع ولادة ابنه البكر الأمير طهماسب ميرزا فأقام الاحتفالات وقدم الصدقات ثمّ توجّه إلى خراسان.
لقد وجّه الأمير نجم بغروره واستبداده برأيه لطمة قوية إلى الدولة الصفوية الفتية، فقد كان مقتل وزيرها الأعظم وتشرذم قواتها إهانة كبرى لحقت بكرامتها، إضافة إلى الخسائر الفادحة التي مُني بها جيش القزلباش فبعد فرار قادة الجيش دون مقاومة منهم ولا قتال تشتت قطعات الجيش ولاذت بالفرار على غير هدى.
واستغل سكان المناطق المختلفة الوضع الذي آل إليه مقاتلو القزلباش فحمل السلاح كل من يقدر منهم على ذلك واشترك في الغارة على شراذم القزلباش فوصل الأمر في بعض المناطق إلى تجريدهم حتّى من ثيابهم وفي مناطق أخرى كانوا يقتلونهم بعد تجريدهم من ثيابهم ولم تقتصر هذه الحالة المأساوية على الجانب الآخر من نهر آمو بل تعدتها إلى أراضي خراسان ومنها حدود مرغاب وكذلك في أطراف ولاية بادغيس بالقرب من مدينة هرات حيث انبرت بعض طوائف التركمان والعشائر الأخرى إلى تجريد الهاربين من القزلباش من ثيابهم وقتلهم، ويمكن القول إنّ خسائر القزلباش التي لحقت بهم بعد الحرب فاقت تلك التي لحقت بهم في الحرب ذاتها. وربما كانت هزيمة عجذوان وشيوع أخبارها في البلدان المجاورة سبباً في تشجيع أعداء الدولة الصفوية ونهوضهم للقضاء عليها. ومن ذلك ما عزم عليه السلطان سليم من شن الحرب على إيران رغم انشغاله بالمشاكل الداخلية لبلاده وفراغه لتوّه من القضاء على إخوته ومناوئيه.
ولم يكن السلطان سليم يحاول دخول الحرب وحده بل كان يحرض الحكام المجاورين لإيران عبر الرسائل المتكررة ويحضهم على شن الحرب على إيران فقد كان يحسب أنّ الملك الصفوي الشاب لن تقوم له قائمة بعد هزيمة عجذوان.
توجه الشاه إسماعيل إلى خراسان
لجأ بعض قادة القزلباش إلى هرات بعد هزيمتهم في عجذوان وتحصنوا بها وسعوا مع أهلها وأعيانها في إحكام تحصينها، وبعد أيام قدم السلطان جاني بيك بقواته إلى مشارف المدينة فحاصرها ثمّ أخذ بمهاجمتها فوقف أهلها للدفاع عنها بالنبال والأحجار والنار.
وكانت هرات عامئذٍ تفتقد إلى المؤن الكافية فأصابها الحصار بضيق شديد ولكنّه لم يستمر فترة طويلة، حيث وقع بعد شهرين من الحصار خلاف بين جانبي بيك سلطان وعبيدالله خان، فغادر الأوّل هرات بقواته في الثالث من محرم من عام 919هـ، ورحل إلى آمو ثمّ تبعه عبيدالله خان في نفس اليوم فتنفس أهالي هرات الصعداء وخرجوا من عزلتهم إلى مزارعهم ومراعيهم.
وإذا كانت هرات قد تابعت أخبار عبور جاني بيك سلطان لنهر آمو بارتياح فإنّها كانت تتابع في نفس الوقت أخباراً محزنة مفادها أنّ السلطان تيمور عبر آمو بالاتجاه المعاكس وانضم إلى عبيدالله خان وهاجم الإثنان مشهد وسيطرا على الأراضي الممتدة من ولاية مرو وحتّى نواحي اسفراين وضواحي سبزوار وبيتا العزم على السيطرة على جميع أراضي خراسان.
وأصيب أهالي هرات بالذعر لهذه الأخبار المشؤومة ورأى زعماء القزلباش أنّ لا طاقة لهم بصدّ هجوم الأوزبك خصوصاً بعدما رأوه من قحط وضيق شديد في الحصار الأوّل ومن ثمّ غادر المدينة حسين بيك وأحمد بيك وسائر أمراء القزلباش الآخرين متوجهين إلى العراق عبر سيستان وكرمان وبادر بعض أنصار الأوزبك في المدينة فور خروج قوات القزلباش إلى السيطرة على زمام الأمور فيها وكان على رأسهم الخواجة أبو الوفا فبعث الرسائل العاجلة إلى مشهد لدعوة السلطان تيمور إلى هرات ولبّى الأخير الدعوة على عجل فقدم إلى المدينة وألقيت الخطبة باسمه.
وما كاد الأوزبك يأخذون بزمام الأمور حتّى انبرى بعض السكان الجاهلين والمتعصبين من السنة قتلاً للشيعة ونهباً لأموالهم وما زال الأمر يشتد على شيعة هرات حتّى توسّل الأمير غياث الدين محمد بالخواجة علي صدر الخوارزمي فأقنع الأخير السلطان تيمور بضرورة منع أوباش المدينة من استغلال الأوضاع، ثمّ لقي بعض هؤلاء الأوباش جزاء أعمالهم فانتهت الفوضى وأعمال القتل والنهب.
وكانت أخبار هذه المآسي تدفع الشاه إسماعيل للإسراع أكثر في حركته نحو خراسان، وكان يعلم بندرة المؤن فيها فأمر قواته بالتزود بالمؤنة بما يكفي لثلاثة أشهر.
وسلك الشاه طريق كبود پنبد وفيروزكوه في حملته ثمّ حط الرحال في سهل بسطام فلحق به فيه سيف الدين المظفر الذي تخلف عنه في مازندران لجمع الضرائب.
ومن جانب آخر، كان الشاه قد أمر بإحضار القوات من القبائل والولايات فحضرت في سهل بسطام واستعرضها.
وبعد انتهاء الاستعراض وإكمال التجهيزات العسكرية اللازمة تحرّكت قوات القزلباش إلى خراسان وسبقها حاكم شيراز السلطان خليل على رأس نخبة من القزلباش فكان يغذ السير بهم قبيل الغروب وليلاً حتّى بلغ مشارف مشهد ولما علم عبيدالله خان باقتراب طلائع القزلباش ورأى أن لا طاقة له بمقاومتهم جمع عدداً من أعيان مشهد وزعمائها وأرغمهم على الرحيل معه إلى مرو ولم يتوقف فيها بل عبر نهر آمو وتوجّه إلى بخارى، وبلغت أخبار هربه السلطان تيمور في هرات وبلغه أيضاً قدوم طلائع القزلباش فلم يجرؤ على المقاومة فاقتدى بعبيدالله خان وأرغم عدداً من أعيان ووجوه هرات على الرحيل معه إلى سمرقند وكان من بينهم الأمير غياث الدين محمد والأمير السلطان محمود بن غياث الدين ونخبة آخرون ولكن الأمير غياث الدين ادرك في سمرقند أنّ السلطان تيمور يبيت له الشر فهرب بمساعدة مولانا نظام الذي كان يشغل منصب الصدارة في سمرقند ووصل قلعة شادمان فرحب به الملك بابر وكرّمه ثمّ حمله إلى هرات.
وفي هرات حدثت نزاعات بين أنصار الصفويين وشخص يدعى أبو القاسم بخشي وكان أبو القاسم هذا قد شغل منصب نيابة السلطان تيمور لبضعة أشهر، فاستفاد من هذا المنصب وجمع في هذه الفترة القصيرة عدداً من الغلمان المسلحين وحينما هرب السلطان تيمور من هرات أعلن أبو القاسم نفسه حاكماً عليها ولكنّه اصطدم بمعارضة عدد من زعماء المدينة المؤيدين للصفويين ولم يقو على مقاومتهم فخرج منها وجمع بعض القوات من القرى والمناطق المجاورة وحاصر المدينة وما زال الأمر يشتد على أهل هرات حتّى قدمت طلائع القزلباش بعد ثمانية أيام من الحصار وكان على رأسهم بيري سلطان فدارت معركة بين الطرفين، وقف فيها أهالي هرات إلى جانب القزلباش فكانت الغلبة لهم وفي اليوم التالي قدم سيف الدين المظفر إلى هرات فباشر تنظيم الأمور وإقرار الأمن فيها.
نتف من أخبار القزلباش
بعد هزيمة عجذوان
بعد ان اجتاز عسكر القزلباش منطقة ساوه رأى الشاه إسماعيل ضرورة تعيين خلف للأمير نجم الثاني يكون جديراً بهذا المنصب الكبير، ومن ثمّ عيّن الأمير نظام الدين عبد الباقي بعد أن استخلفه الأمير نجم الثاني في غيبته الأخيرة ليشغل منصب الوزير الأعظم بالوكالة إلى جانب منصبه في الصدارة، وأوكل منصب الصدارة إلى مير سيد شريف.
وعندما وصل عسكر القزلباش (النك راد كان) على بعد إثني عشر فرسخاً من مشهد أمر الشاه بحط الرحال ثمّ شكّل مجلساً من أركان الدولة للتحقيق في حوادث خراسان وكيفية انتصار الأوزبك فشمل التحقيق جميع القادة دون استثناء، فاتهم بعضهم بالتقصير وجلدوا أمام أعين القوات وعنف بعض آخر وعوتب آخرون ولكن كان لدده بيك شأن آخر فقد كان من أكثر غلمان الشاه القدماء احتراماً ويعدّ من أعيان الصوفية وكان حاكماً على مرو حينما بدأ الهجوم الأوزبكي فترك هذا الثغر المهم وهرب دون قتال ومن ثمّ كانت عقوبته غاية في القسوة والشدّة حيث أمر الشاه بإلباسه زي النساء و إركابه على ظهر الجواد بصورة مقلوبة ثمّ الطواف به في طرقات المعسكر، وكانت هذه العقوبة لشخص بمستوى دده بيك إنذاراً جدياً للآخرين.
وفي نفس اليوم شمل الشاه الأشخاص الذين شملهم التأديب بعطفه فخلع عليهم وكساهم وأهداهم سيوفاً وأنطقة مرصعة ثمّ رفع من مقامهم فجعل البيك سلطاناً وجعل السلطان خاناً ومنهم زينل بيك الذي كان قد رفع في السابق إلى سلطان، رفع ثانية في ذلك اليوم إلى درجة خان ثمّ عيّن حاكماً على هرات. وبعد الفراغ من تأديب المقصرين ثمّ تكريمهم تحرّك العسكر نحو مشهد لزيارة مرقد الإمام الرضا (عليه السلام) وحينما لاحت قبة المرقد الشريف عن بُعد ترجّل الشاه وترجّل معه العسكر وتوجّه الجميع للزيارة والدعاء.
ثمّ غادر العسكر الصفوي مشهد متوجهاً إلى هرات فوصل حدود بادغيس وهناك قدمت شكاوى الأهالي الشيعة والجنود القزلباش إلى الشاه فعلم منها أنّ بعض قبائل البادية وتركمان مرغاب وكذلك بعض قبائل جهار أو يماق كان لها دور في قتل العديد من أفراد القزلباش الهاربين من معركة عجذوان وعلم كذلك أنّ بعض قبائل مرغاب قد دخلت في طاعة الأوزبك دون إكراه أو إجبار، فثارت ثائرة الشاه واستشاط غضباً، ثمّ أمر بعد تعيين القبائل المقصرة بالسير لها وإبادتها فامتثل للأمر السلطان جوجي أحد قادة القزلباش الأشداء وأغار على تلك القبائل فأسال من دمائها أنهاراً ونهب أموالها، فكان تأديباً عنيفاً أتى ثماره على أفضل وجه، فكثيراً ما حدث في السنين التالية أن تعرضت خراسان لغارات الأوزبك دون أن يجرؤ أحد من تلك القبائل على مد يد العون لهم سواء في ذلك الشيعي أو السني.
وبعد الفراغ من تأديب القبائل غادر عسكر القزلباش بادغيس إلى منطقة بابا خاكي وهي قريبة من هرات فحطت الرحال فيها، وحين علم أهالي هرات باقتراب موكب الملك الصفوي أخذوا يتوافدون عليه لطرح شكاواهم ومعاناتهم فكان الملك يحاول التخفيف عنهم. ثمّ أمر وزيره الأعظم الأمير نظام الدين عبد القاضي بالسير إلى هرات وتنظيم أمورها، فدخلها مصطحباً معه حاكمها الجديد زينل خان وباشر في دفع المظالم عن الناس وإعادة الأمور إلى مجاريها.
ومن الأمور الأخرى التي حدثت في تلك الأوقات إرسال شاهرخ بيك لفتح قندهار ولهذا الأمر قصة نحاول عرضها فيما يلي بإيجاز: بعد وفاة السلطان حسين ميرزا بايقرا استقل أحد زعماء دولته الجغتانية وهو الأمير ذو النون أرغون بولاية قندهار، ولما استولى بابرشاه على ولاية كابل وثبت أركان دولته فيها عزم على احتلال قندهار فلجأ ذو النون إلى الشاه إسماعيل حيث بعث بابنه شجاع بيك إلى هرات للقاء الشاه فيها، فالتقى الشاه، وقدم له آداب الطاعة والخضوع، ولكن الشاه إسماعيل أدرك أنّ القصد من ذلك هو إضاعة الوقت وتفويت الفرصة على بابر شاه وذلك حينما بدأ رحلة العودة إلى العراق أمر حسين بيك حاكم خراسان بحبس شجاع بيك اختيار الدين في هرات حتّى يتقرّر مصير قندهار.
ومكث شجاع بيك في القلعة إلى حين، ثمّ استعان ببعض أعيان هرات وأفلت من حبسه ليعود إلى قندهار. وبلغ حسين بيك خبر فرار شجاع بيك فغضب غضباً شديداً وأمر بحبس جميع الجغتائيين وأتباعهم الموجودين في هرات وكان هذا الأمر المتسرع سبباً في إلحاق الأذى بالعديد من الأبرياء وسبباً أيضاً فيما بعد بعزل حسين بيك من ولاية خراسان كما عزل من قبل من ولاية هرات.
وفي الوقت الذي كان جيش القزلباش يعكسر في بابا خاكي أمر الشاه إسماعيل شاهرخ بيك أفشار بالهجوم على قندهار بقوة من القزلباش وأوصاه بالتوجه لمساعدة ديو سلطان في محاصرة قلعة (اندخود) بعد فراغه من أمر قندهار.
وسار شاهرخ بيك إلى قندهار فلم يفلح في فتحها حيث تحصن فيها الأمير سلطان علي عم شجاع بيك فتوجّه إلى قلعة اندخود فسمع في أثناء الطريق بفتحها وإبادة أهلها، فلحق بمعسكر القزلباش بالقرب من أصفهان وقدم تقرير أعماله للشاه إسماعيل.
وهكذا استقرّت الأوضاع في خراسان وثبتت أقدام القزلباش في مدينتيها الرئيستين: هرات وبلخ حيث سيطر ديو سلطان على طخارستان سيطرة تامة وأرسى زينل خان دعائم النظام والاستقرار في هرات، وحينذاك بلغت الشاه إسماعيل أخبار من الحدود الغربية للبلاد تقتضي سفره إلى العراق، ومن ثمّ شد الرحال من بابا خاكي إلى طوس في أوائل عام 919هـ.
وفي طوس بلغت أنباء تفيد بتمرد بعض الجغتائيين وتعيينهم لأحد الأمراء التميوريين وهو السلطان محمد بايقرا بن الميرزا أبو الحسن بايقرا ملكاً في حدود ولاية نسا وأبيورد فسار إليهم الأمير نظام الدين عبد الباقي ومحمد بيك استاجلو فشتتا جمعهم وأهلكا منهم جماعة كثيرة ثمّ فرضا النظام في شمال خراسان وعادا للالتحاق بجيش القزلباش.
وأمضى الشاه إسماعيل شتاء عام 919هـ في أصفهان ثمّ توجّه إلى همذان في بداية الربيع. وفي همذان وصلت أنباء مهمة عن تحرّكات الجيش العثماني توحي بأنّ السلطان سليم ينوي الهجوم على الموصل وبغداد عن طريق ديار بكر والجزيرة ولكن آخر الأخبار التي وصلت من ديار بكر كانت تفيد بتحرّك السلطان العثماني بجيوش جرارة نحو آذربيجان.
بداية الحروب العثمانية ـ الإيرانية
وحقيقة معركة چالدران
ذكرنا فيما مضى أنّ سلاطين الدولة العثمانية كانوا يطمحون لبسط نفوذهم على الحرمين الشريفين وسائر البلاد الإسلامية ومنها إيران التي كانت تمثل عقبة كؤود أمام تحقيق الطموحات العثمانية لما كانت تتمتع به من قوة معنوية ومادية، ومن ثم كان السلطان بايزيد ينفق أموالاً طائلة للحصول على بعض النفوذ في إيران.
وكان نفوذ الأسرة الصوفية يمتد إلى الأراضي العثمانية بل يؤثر حتّى على بعض رجال وأعيان البلاط العثماني ولذلك بقيت الرغبة في احتلال إيران مجرد حلم بعيد طوال حياة السلطان بايزيد، ولكن بعد أن أقعده المرض وخلفه ابنه في العرش أخذ الأخير يراقب تعاظم شأن الشاه إسماعيل بكثير من القلق والريبة وأدرك أنّ سكوته سينهي الأمل في تحقيق الحلم العثماني في التوسع لا سيما بعد أن تكشف للعيان اتحاد مصر وإيران بعد اعتزال السلطان بايزيد للعرش في عام 918هـ. بحيث ورد ذكر هذا الأمر صراحة في رسالة حاكم بعض مناطق كردستان الخواجة رستم إلى السلطان بايزيد.
وكان اتحاد مصر وإيران أمراً مفاجئاً بالنسبة للعثمانيين إذ لم يكونوا يتوقعون مثل هذا الاتحاد بعد اندلاع الحرب بين الشاه إسماعيل وعلاء الدولة ذو القدر التي تسبّبت في تعكير العلاقات بين مصر وإيران بل وصل الأمر إلى دعوة سلطان مصر الدولة العثماينة للاتحاد معه في سبيل القضاء على حكم الشاه إسماعيل، فقد ورد في رسالة رسمية بعث بها سلطان مصر إلى السلطان العثماني ما يلي:
«… وأمّا مسألة القضاء على فرق القزلباش الضالة في بلاد الشرق فهي في حكم البلاء العام ولذلك فإنّ جهادهم واجب على القريب والبعيد، ونحن عازمون على النهوض لجهادهم وقطع أيديهم عن رقاب الناس ولكنّا نحتاج في ذلك إلى تأييد ودعم الآخرين وفي الحقيقة فإنّ التعاون في ذلك فرض على المسلمين لأنّ القزلباش أهل بدعة وضلال وهم أناس أشقياء وأشرار وجميعهم من الروافض الملعونين، وليس في قلوبهم أثر من الرحمة والشفقة فهم يقتلون العلماء والسادة ويهتكون أعراض الناس ونواميسهم وتصدر عنهم أمور لم تصدر من قبل عن جنكيز وتيمور…».
وقد كان هذا الاتحاد في غاية الضرورة بالنسبة لمصر حيث كان علاء الدولة ذو القدر هو من أقوى حلفاء مصر قد تعرّضَ لضربات قوية من قبل القزلباش وربما كانت حملة أخرى كفيلة بالقضاء عليه ممّا يعني ضربة قاصمة لنفوذ مصر في المنطقة ولذلك كانت الوفود المصرية تحاول التوصل مع إيران إلى اتفاق يضمن بقاء ديار بكر على حالها.
وكان الاتفاق يقضي باحتفاظ القزلباش بالمناطق التي انتزعوها في ديار بكر من علاء الدولة ذو القدر واحتفاظ الأخير بالمناطق التي لا تزال خاضعة لسيطرته مع امتناع القزلباش عن الاعتداء عليها، ومع التوصل إلى هذا الاتفاق أخذت العلاقات الثنائية تتحسن بين علاء الدولة وإيران وأخذ علاء الدولة يتوسل السبل التي تقربه من الشاه إسماعيل، فمثلاً حينما سير السلطان سليم جيوشه للاعتداء على إيران كان فرسان علاء الدولة ينقضون من الخلف على المعسكرات العثمانية في الوقت الذي لم يطلق الشاه إسماعيل العون من علاء الدولة.
وعلى أي حال اعتزل السلطان بايزيد العرش في عام 918هـ وباشر السلطان سليم في عام 919هـ بتصفية إخوته وأولادهم فلمّا فرغ من أمرهم أمر بتجهيز الجيوش للهجوم على إيران.
أصدر في البداية أمراً بمنع دخول البضائع من الحدود العثمانية الشرقية واعتقال جميع التجار الشرقيين ومصادرة أموالهم ثمّ أصدر أمراً آخر يرغم بموجبه التجار العثمانيين أنفسهم على دفع ما بحوزتهم من بضائع مستوردة من الشرق إلى حكام ولاياتهم وفي حال المخالفة تصادر أموالهم ويعاملون معاملة جواسيس حرب.
وبعث السلطان سليم بسفرائه إلى أوروبا لإنهاء الخلاف مع إمبراطورية هنغاريا والمجر ليتفرغ لأمر إيران، ثمّ بدأ بتحريض جميع الحكام والملوك المجاورين لإيران بل تعدّى ذلك إلى تحريض بعض زعماء إيران ذاتها.
ومن أبرز الملوك الذين شملهم التحريض عبيدالله خان في سمرقند فكان ردّه إيجابياً وبعث رسوله إلى السلطان سليم ليطلب منه إرسال المدفعية والأسلحة النارية الأخرى وعدد من محاربي (اليني جري) لمساعدته فاستجاب السلطان لهذا الطلب وأرسل ثلاثمائة مقاتل (يني جري) بالإضافة إلى عدد من المدافع والبنادق، فوصلت بخارى في أوائل عام 921هـ([355]).
وفي الثالث والعشرين من محرم عام 920هـ خرج السلطان سليم على رأس قواته من مدينة أدرنه ثمّ عسكر بالقرب من اسطنبول في يوم الأربعاء التاسع والعشرين من صفر وبعد ذلك توجّه إلى الأناضول.
وفي الثاني من جمادى الأولى وصل مدينة (ينكي شهر) فبعث من هناك أحمد باشا ومجموعة من قادة الجيش على رأس عشرين ألف مقاتل إلى سيواس. وبالقرب من مدينة قونية قدم أهالي لارنده إلى موكب السلطان محملين بالهدايا ومصطحبين معهم ثلاثة من القزلباش فاستجوب هؤلاء الثلاثة تحت التعذيب ثمّ قتلوا.
وفي التاسع من جمادى التحقت جميع القطعات العسكرية المجهزة بالموكب السلطاني بالقرب من سيواس فبلغ تعدادها أربعمائة ألف شخص.
وفي الخامس عشر من الشهر نفسه وضعت الأحمال والأثقال والخزائن والسجلات في قلعة سيواس للتخفيف عن العسكر ثمّ أمر السلطان بتوزيع الأسلحة على المقاتلين ومن هذا الموقع بدأت قوات اليني جري (الانكشارية) تحيط بالمقر السلطاني. وفي يوم 20 وصلت الجيوش حدود أرزنجان وهي أوّل الأراضي الإيرانية فقدم حاكمها إلى المعسكر العثماني وأبدى استعداده لتزويده بالمؤن بشرط الحفاظ على سلامة المدينة وعدم الاعتداء عليها.
وفي يوم 22 بلغ الزحف قلعة كماخ وكانت في غاية المنعة فوقف القزلباش للدفاع عنها فلم يتأخر الجيش لفتحها، بل واصل زحفه إلى الأمام، حتّى وصل ضفاف الفرات في اليوم السادس والعشرين.
وفي يوم 27 شن العثمانيون عدداً من الغارات على أطراف كماخ وبايبرد وعادوا بغنائم كثيرة. وفي العاشر من جمادى الثانية بدت للأنظار قوّة من القزلباش يبلغ تعدادها ألفي مقاتل إلاّ أنّها لم تكن مكلفة بالقتال كما يبدو حيث اختفت عن الأنظار على عجل.
وفي 22 جمادى الثانية وصلت الجيوش العثمانية قرية خربة في حدود صحراء (الشكر) فعسكرت فيها، وحينئذ ثارت ثائرة قوات اليني جري فتمردوا احتجاجاً على طبيعة الموقع وعدم جدوى البقاء فيه، وصادف ذلك قدوم جاسوس اسمه الشيخ أحمد كان قد بعث به فرحشاد بيك آق قويونلو إلى الأراضي الإيرانية لمعرفة تحرّكات القزلباش ومخططات الشاه إسماعيل، وكان الشيخ أحمد يحمل أخباراً سارة حيث ذكر بأنّه التقى بالشاه إسماعيل في منطقة أوجان وأخبره بأنّه موفد إليه من قبل رؤساء التركمان وزعماء الروم للتأكيد له بأنّ جميع قبائل الروم والأناضول وأكثر أفراد الجيش هم من مريدي الأسرة الصفوية ويعتقدون بالخانقاه الصفوي فإذا نشبت الحرب بين الطرفين فإنّ جميع هؤلاء سيتفرقون عن السلطان العثماني ويلتحقون بالملك الصفوي ولذلك (والكلام للشيخ أحمد) فإنّ أهم واجب ينبغي على الشاه القيام به هو الإسراع بجيشه للقاء العثمانيين. ثمّ أكد الشيخ أحمد أنّه رافق الشاه إسماعيل في حركته من أوجان حتّى مدينة خوي وهناك أوصاه الشاه باللحاق بأنصاره لإخبارهم بقدومه وكونه عازماً على لقاء الجيش العثماني في صحراء چالدران.
وقد ساهمت هذه الأخبار إلى حد ما في إنهاء تمرّد اليني جري وطمأنتهم. وفي اليوم الأوّل من رجب بدت طلائع قوات القزلباش فاستعدّت القوات العثمانية للقتال ثمّ وصلها خبر يفيد بأنّ المسافة بين الجيشين لا تزال بعيدة ولذلك سيكون القتال في اليوم التالي.
وفي يوم الأربعاء الثاني من رجب اصطفت جيوش الطرفين في صحراء جالدران، وقسم الشاه إسماعيل جيشه إلى قسمين جعل أحدهما تحت إمرة والي ديار بكر محمد بيك استاجلو وجعل الثاني تحت قيادته المباشرة.
وانتشرت القوات العثمانية ثمّ بدأت الحرب فكثر القتل في صفوف الإيرانيين وشن الشاه إسماعيل حملة قوية على الجناح الأيسر فأمّده السلطان بالمدفعية وبعض المقاتلين من جيشه الخاص وأطلقت المدفعية نيرانها سبع مرّات ثمّ حلّ الغروب فتقهقر الإيرانيون وخلفوا وراءهم أشياء كثيرة غنمها العثمانيون([356]).
وكانت خسائر الجانبين كبيرة حيث قتل من القزلباش نائب السلطنة مير عبد الباقي وحاكم بغداد خليفة الخلفاء وحاكم خراسان بيك وحاكم همذان السلطان علي بيك ونقيب أشراف النجف محمد كمونة وعدد آخر من قادة القزلباش وزعمائهم بينما قتل من العثمانيين أمير الأمراء حسن باشا وحاكم موره حسن آغا وحاكم صوفيا (بلغاريا) مالقو أوغلي وأخوه حاكم سلستره توربيك وحاكم مقدونيا سليمان بيك وحاكم قونيا محمد بيك وحاكم قيصرية أويس بيك وحاكم نيكدة اسكندر بيك وحاكم أفلاق (يوغسلافيا حالياً) سنان بيك وعدد آخر من الحكام وقادة الجيش بالإضافة إلى عدد آخر جرح في المعركة ثمّ توفي في طريق العودة إلى البلاد العثمانية.
وفي تلك الليلة أمر السلطان سليم بتكريم المقاتلين الذين أبلوا في المعركة بلاء حسناً وأمر أيضاً بجمع الأسرى الإيرانيين أمام مقرّه وضرب أعناقهم.
وفي اليوم الثالث من المعركة لجأ إلى السلطان أحد أعيان القزلباش، اسمه الحاج رستم في خمسين من أتباعه فأمر السلطان بحبسهم على الفور ثمّ ضربت أعناقهم في اليوم التالي ثمّ لجأ شخص آخر اسمه خالد بيك في مائة وخمسين من أصحابه وأظهر الطاعة للسلطان فأمر بتجريدهم من السلاح وجمعهم في خيمة واحدة كضيوف في معسكره ثمّ أمر بقتلهم جميعاً.
وفي اليوم السادس عشر بعد نهاية الحرب خرج أهالي تبريز لاستقبال السلطان يتقدّمهم العلماء والفضلاء والزهاد والعباد وفرشوا الطريق مسافة فرسخ بالسجاد والديباج وقدّموا أنواع الهدايا والتحف الثمينة إلى السلطان، ثمّ دخل موكب السلطان تبريز ونزل في محلة سرخاب.
وفي اليوم الثامن عشر بعد نهاية الحرب والموافق ليوم الجمعة قدم السلطان إلى مسجد تبريز الجامع المسمّى بمسجد حسن سلطان فالقيت الخطبة باسمه وحينما ذكر الخطيب أسماء الصحابة والخلفاء الأربعة أجهش الحاضرون بالبكاء.
وفي اليوم الحادي والعشرين أمر أحمد بيك قباجي باشي بالبحث عن أملاك وأموال القزلباش في تبريز ومصادرتها، وفي هذا اليوم أيضاً أمر فوج من القوات العثمانية بترحيل الخراسانيين من تبريز إلى اسطنبول وهم: بديع الزمان ميرزا الپورپاني وجماعة من أعيان وتجار هرات وحرفييها كان الشاه إسماعيل قد حملهم إلى تبريز وأسكنهم في عاصمة ملكه. وألحق السلطان سليم بعض مشاهير تبريز بالخراسانيين الذين شملهم الترحيل إلى اسطنبول.
ومن الطبيعي أنّ مسألة إطعام جيش هائل كالجيش العثماني أمر في غاية الصعوبة لا سيما وأنّ الشاه إسماعيل كان قد أخلى جميع القرى والنواحي من المؤن والمواد الغذائية. ولذلك تقرّر انسحاب الجيش العثماني في اليوم الخامس والعشرين من انتهاء معركة چالدران الموافق للأوّل من شهر شعبان عام 920هـ. وحينما عبرت القوات نهر أرس وكان تيار الماء فيه على أشدّه غرق العديد من أفراد الجيش والدواب. ثمّ وصل الجيش مدينة نخجوان وكان أهلها قد أخفوا علامات القزلباش وتزيّوا بزي أهل السنّة، وبالرغم من ذلك صدرت الأوامر بالإغارة على المدينة ونهبها. ثمّ واصل الجيش رحلته فوصل إيروان بعد سبعة أيام وفي منتصف الليل صدرت الأوامر بالرحيل. وفي نفس الوقت سمح للقوات بنهب المدينة، وفي اليوم التالي بلغت الجيوش قلعة تالين وكان أهلها قد تحصنوا فيها فأمر السلطان بقصفها بالمدافع فهدمت القلعة وأبيد أهلها.
وفي الرابع عشر من شهر شعبان تقرّر الهجوم على پرجستان، فقد طلب من حكامها إرسال المؤن ولم يصل منهم جواب بهذا الشأن، وفي الرابع والعشرين من الشهر بلغ المعسكر العثماني خبر يفيد بإرسال الپرجسيين ثلاثة آلاف رأس من الأغنام ولذلك انصرفوا عن التفكير في الهجوم وتحرّكوا نحو البلاد العثمانية.
وفي الثامن من محرم عام 921هـ تمرّدت جماعة من اليني جري وهجمت ليلاً على منزلي أحمد باشا وپيري باشا فهدمتهما.
وفي الخامس من شهر ربيع الأوّل عام 921هـ غادر السلطان سليم مدينة آماسيه لفتح قلعة كماخ، وكان فيها قوّة من القزلباش متحصنين رغم انقطاعهم عن تبريز، وقاوموا مقاومة شديدة فأمر السلطان بدكّها بالمدفعية ففتحت وقتل جميع من كان فيها، والجدير بالذكر أنّ هذه القلعة المحصنة لم يستطع أحد من الملوك فتحها لقرون طويلة.
ثمّ توجّه السلطان لقتال علاء الدولة ذو القدر بعد فتح قلعة كماخ وكان علاء الدولة عاكفاً على زرع الخلافات والفتن ليستفيد هو من الوضع القائم ثمّ اتحد في آخر المطاف مع القزلباش. ورأى علاء الدولة نفسه عاجزاًعن قتال جيوش العثمانيين الجرارة فرجح الانسحاب إلى المناطق الجبلية فأمر السلطان سليم سنان باشا بتعقبه.
وفي التاسع والعشرين من ربيع الأوّل دارت معركة ضارية بين علاء الدولة وسنان باشا بالقرب من مدينة بسيان قتل فيها علاء الدولة وكان عمره تسعين عاماً وهزم جيشه ثمّ حمل رأسه إلى السلطان سليم. وعيّن السلطان علي بيك بن شهسوار حاكماً على المناطق التي كان عمّه علاء الدولة حاكماً عليها والسبب في ذلك أنّ علي بيك وأباه شهسوار كانا إلى جانب الدولة العثمانية منذ بداية الأمر وحين أعدم سلطان مصر شهسوار في القاهرة لجأ ابنه علي بيك إلى السلطان العثماني.
وبعد مقتل علاء الدولة غادر السلطان سليم ولاية ديار بكر متوجهاً إلى اسطنبول.
واستطاع السلطان فتح حلب والشام ومصر في عامي 922 و923هـ. وفي عام 924هـ قدم سفير الشاه إسماعيل إلى الشام للقاء السلطان فيها. وكان يحمل معه أنواع الهدايا والتحف بالإضافة إلى رسالة يهنئه فيها الشاه بفتح مصر ويقترح عليه المصالحة بين البلدين على أن يعترف الشاه بسلطان العثمانيين على جميع المناطق التي وصلت إليها جيوشهم، وإذا لم يكن السلطان سليم راغباً في ملكيتها فليسلمها إلى القزلباش مقابل مبلغ من المال.
وقد أثارت هذه المقترحات الشك والريبة في نفس السلطان، فأمر حكام طرابلس وحماه وسلستره بجمع قواتهم على الفرات والتزام الحيطة والحذر، ثمّ غادر الشام متوجهاً إلى حلب فبلغه هناك أنّ الشاه إسماعيل موجود في نخجوان.
وفي الرابع والعشرين من ربيع الثاني عزم السلطان سليم على التوجه لقتال الشاه إسماعيل ثانية فغادر حلب بعد أن جعل على عسكرها پيري باشا وأمره بملازمة نهر الفرات وتوجّه إلى اسطنبول على أن ينطلق منها إلى إيران، وكان قد أصدر في حلب أمراً بترحيل جميع سكانها الشيعة إلى اسطنبول وأمر كذلك بحبس جميع تجار الحرير والبضائع الإيرانية.
وفي مدينة اسطنبول أمر السلطان سليم بإعداد القطعات العسكرية والتجهيزات الحربية استعداداً للهجوم على جزيرة رودس ثمّ عقد مجلساً من زعماء الدولة وأعيانها لاستشارتهم بالأمر فاستقرّ رأي الجميع على ضرورة البدء بقتال الشاه إسماعيل قبل كفار رودس ومن ثمّ غادر السلطان اسطنبول إلى أدرنة على عجل لينصرف هناك إلى إعداد مستلزمات الحرب مع إيران.
وفي طريقه إلى أدرنة توقّف في المحطة الأولى وهي المنطقة التي قاتل فيها أباه، وهناك ظهرت على صدره حبة تشبه اللؤلؤة ثمّ أخذت تكبر يوماً بعد آخر ويشتدّ ألمها حتّى غطّت جزءاً كبيراً من بدنه ولم تجد معها أدوية الأطباء الماهرين وعلاجهم. وأخيراً بعد أن أمضى واحداً وخمسين يوماً طريح الفراش فارق الحياة في سحر الإثنين الموافق للتاسع من شوال عام 926هـ. (إلى هنا انتهت تقارير الصحيفة الرسمية).
ويجدر بنا بعد أن أوردنا أقوال العثمانيين فيما يتعلق بمعركة چالدران وما سبقها وما تلاها أن نلقي نظرة على أحوال الملك الصفوي وجيش القزلباش ومعنوياتهم خلال المعركة. فقد كان الشاه إسماعيل حين وقوع المعركة لا يتجاوز الثامنة والعشرين من العمر وله خبرة طويلة في الحروب والفتوحات حيث بدأ نشاطاته العسكرية في سن الثالثة عشرة وكان المنتصر والفاتح في حروبه جميعاً، ولم تكن مكانته في النفوس تشبه مكانة الملوك في نفوس جنودهم ورعاياهم إنّما كان يمثل بالنسبة لأتباعه المرشد الأكبر للطريقة الصوفية القويمة. وقد كان هؤلاء الأتباع يبالغون في نظرتهم إليه بحيث يذكر أكثر المؤرخين أنّه لو انتصر في معركة چالدران لعدوه إمام الزمان والمهدي الموعود.
وقد كان الشاه إسماعيل في أواخر ربيع عام 920هـ في همدان ينوي قضاء الصيف هناك، وفي أثناء ذلك قدم إليه رسول السلطان سليم يحمل رسالة منه يعلن فيها الحرب فقام الملك بتكريمه والإنعام عليه ثمّ أجازه في العودة إلى بلاده على عكس ما كان يقوم به السلطان من حبس لسفراء الشاه إسماعيل وتعذيبهم وقتلهم في بعض الأحيان.
بادر الشاه إسماعيل فور وصول الرسالة إلى إرسال الرسائل السريعة إلى خان محمد استاجلو في ديار بكر يطلب منه متابعة تحرّكات قوات السلطان سليم وإبلاغه بالمعلومات أوّلاً بأوّل وإذا تيقن بأنّ السلطان ينوي الهجوم على إيران فعليه القيام بتجهيز قلاع آمد وكماخ وبعض القلاع الأخرى بالقوات الكافية ثمّ التوجه إلى آذربيجان بقوات مجهزة تجهيزاً كافياً، أمّا في حال انشغال السلطان سليم بفتح قلاع ومدن ديار بكر فإنّ ذلك دليل على انصرافه عن مهاجمة إيران واكتفائه بديار بكر ومن ثمّ طلب الملك من محمد استاجلو في هذه الحال أن يمكث بقواته في ولايته ويوافيه بالتطورات ليبعث له بالمدد.
وراقب خان محمد استاجلو تحرّكات الجيش العثماني الجرار فأدرك أنّه عازم على مهاجمة إيران، حيث كان يجتاز القلاع الإيرانية الحصينة دون حرب أو تماهل وسر محمد استاجلو لهذا الأمر حيث كان يعلم أنّ جيشاً جراراً بمثل هذا العدد سيواجه صعوبات جمة أثناء عبوره في أراضي وقرى جردت من المؤن وتحوّلت إلى خرائب لا تنفع في شيء، إضافة إلى قدرته على شن الحملات المباغتة على هذا الجيش أثناء الليل وأطراف النهار فيكبده خسائر كبيرة.
وكانت قوات القزلباش قد أخلت المناطق المسكونة من سكانها من بداية الحدود الإيرانية حتّى حدود ولاية خوي وأخلت الأراضي الواقعة على امتداد الطريق بعرض عدّة فراسخ من السكان ودمرت جميع خيراتها بحيث لا يمكن الاستفادة منها في شيء. ويذكر صاحب كتاب «أحسن التواريخ» أنّ خان محمد استاجلوا التحق بالشاه إسماعيل واقترح عليه مهاجمة الجيوش العثمانية الجرارة أثناء الطريق لأنّها لن تكون مستعدة للقتال حينئذٍ، وبذلك لا يتسنى لها الاستفادة من مدافعها العديدة ولا من حملة البنادق الإثني عشر ألف كما ينبغي ولكن الشاه إسماعيل رفض أخذ العدو على حين غرة قائلاً بأنّه ليس لصاً ولا قاطع طريق ليفاجئ العدو بالهجوم ويلوث تاريخه بذلك.
وفي صبيحة الأربعاء الموافق للأوّل من رجب وصلت القوات العثمانية صحراء چالدران، وفي جانب من تلك الصحراء نصب فسطاط السلطان سليم على أحد التلال وعسكرت قوات القلب حول الفسطاط، واتخذت قوات اليني جري بمدفعيتها مواضعها في القلب، ورُبطت المدافع إلى بعضا لتكون سوراً حصيناً يحيط بالقوات ووقف حملة البنادق الإثني عشر ألفاً إزاء الفسطاط السلطاني ليكونوا رهن إشارة السلطان يوجههم حيثما يشاء حالما تقتضي الضرورة واتخذت قوات الجناح الأيمن مواضعها تحت قيادة القائد سنان باشا بينما كان القائد حسن باشا قائداً لقوات الجناح الأيسر.
وانقسمت القوات الإيرانية ـ حسب المؤرخين العثمانيين ـ إلى قسمين، قاد أحدهما الشاه إسماعيل وقاد الآخر خان محمد استاجلو بينما يذكر المؤرخون الإيرانيون أنّ القوات الإيرانية انقسمت إلى قلب وجناحين كان محمد استاجلو على الجناح الأيمن ودورميش خان على الجناح الأيسر بينما أخذ الشاه على عاتقه قيادة القلب، ولكن صاحب (أحسن التواريخ) يذكر بأنّ الوزير نظام الدين عبد الباقي والسيد محمد كمونه ومير شريف الدين علي كانوا في القلب تحت إشراف وتوجيه الشاه إسماعيل.
ويذكر العثمانيون أنّ الشاه إسماعيل شنّ في بداية الأمر هجوماً على قلب القوات العثمانية بنخبة من قواته ولكن المدفعية قتلت خيول المهاجمين فاضطروا إلى مهاجمة الجناح الأيسر ودارت هناك معركة طاحنة. ومن جانب آخر، يذكر العثمانيون أنّ محمد استاجلو هاجم جناح سنان باشا فهزمه الأخير وتمكن أحد الجنود من قطع رأسه، ولكن الجناح الأيسر العثماني فقد قائده حسن باشا فاختل النظام فيه وأبلغ السلطان بالأمر فأمده بنصف مدفعيته الموجودة في القلب ومجموعة من حرسه الخاص وتضيف المصادر العثمانية أنّ الشاه إسماعيل فرَّ من أرض المعركة مع حلول الغروب وتعقبه العثمانيون إلى مسافة محدودة ثمّ عادوا أدراجهم.
ومن الطبيعي أنّ المصادر العثمانية بالغت كثيراً في نقلها ولفقت الكثير من الأمور غير الصحيحة، ومن ذلك ما نقوله عن مقتل خان محمد استاجلو، والحقيقة أنّه رأى الجناح الأيسر العثماني يختل نظامه ثمّ يهرب مقاتلوه بعد مقتل قائدهم حسن باشا فحاول اغتنام الفرصة والاقتداء بالشاه إسماعيل في مهاجمته للقلب، ولكنّه ما كاد يدخل مدى المدفعية حتّى أطلقت عليه حمم نارها فقطعته إرباً.
وقام قائد الجناح الأيمن العثماني سنان باشا بضم بعض حملة البنادق إلى قواته ثمّ هاجم القلب وأطلق رماته نارهم بكثافة فأصيب جميع من كان في الصف الأوّل ومن بينهم الوزير نظام الدين عبد الباقي ومير شريف والسيد محمد كمونة وخلفا بيك وصاروپيره قورجي باشا. وفي أثناء ذلك كان جيش شيراز يقف منفصلاً تحت قيادة والي شيراز خليل ذو القدر، وكان هذا يلاحظ اضطراب صفوف القلب وشدة الضغط عليه فلا يقدم على شيء رغم أنّه بإمكانه الالتفاف حول العثمانيين وتوجيه ضربة قاصمة لهم، وشاهد في غمرة المعركة جموده السلطان خليل فبعث إليه من يأمره بالهجوم ولكنّه ظلّ في جموده. وأمّا قوات خان محمد استاجلو فقد تولّى قيادتها أخوه فروخان وراح يتقدّم بها أمام الجناح الأيسر المتقهقر حتّى أوغلت في تقدّمها ولم يبق مع الشاه حين شارفت الشمس على المغيب إلاّ عدد من أفواج الجناح الأيسر والقلب.
وآذنت الشمس بالمغيب فعزم الشاه على إعادة النظر في قواته فأمر بإطلاق الصوت الخاص بالخانقاه الصفوي وكان من عادة أتباع هذا الخانقاه أنّهم يلبون النداء حيثما كانوا فور سماعهم له، ولكن لم يستجب له هذه المرة إلاّ ثلاثمائة مقاتل وأمّا البقية الباقية فلم تستطع الخروج من طوق القوات العثمانية.
وأخيراً أخذ بعض ذوي الرأي والحكمة والتجربة بزمام جواد الشاه إسماعيل متوسلين إليه أن يخرج عن أرض المعركة مؤكدين عليه أنّ بقاءه سيضمن بقاء إيران وموته سيلحق بها هزيمة منكرة، وما زالوا به حتّى أقنعوه وكما تذكر المصادر العثمانية فقد خرج من ساحة القتال بعد غروب الشمس، وتنبّه بعض العثمانيين لخروجه فعزموا على تعقبه ولكن السلطان سليم أبى عليهم ذلك لأنّه كان يحسب الأمر خدعة أراد القزلباش بها الإيقاع بالقوات العثمانية. وبادر جيش شيراز إلى الانسحاب فور رؤيته انسحاب الشاه إسماعيل بعد أن ظلّ بعيداً عن خضم المعارك. وينقل الرواة أنّ جواد الشاه إسماعيل دخل مستنقعاً فلم يقو على الخروج منه وبذل جماعة من القزلباش جهداً كبيراً لإخراجه وفي ذلك دليل على عدم تعقب العثمانيين للشاه في انسحابه.
ومكث السلطان بعد انسحاب القزلباش يتردّد في حيرته بعض الوقت، حتّى عادت أفواج القزلباش التي كانت تتعقب فلول الجناح الأيسر العثماني معتقدة أنّ قواتهم أحرزت النصر، ولكنّها فوجئت بانتظام صفوف العثمانيين فلم ير القزلباش جدوى من الدخول في المعركة مرة أخرى ولذلك بذلوا أقصى جهدهم لفتح ثغرة في صفوف العدو ثمّ أسرعوا في الابتعاد عن ساحة القتال وحينئذ تيقن السلطان سليم من عدم وجود خطة أو مكيدة في الأمر وإلاّ لما غادر الشاه بمن بقي معه دون أن يبلغ مقاتلي الجناح الأيمن بانسحابه ومن ثمّ أصدر أوامره بنهب معسكر القزلباش، ولم يكن فيه شيء ذو بال، وممّا يجدر ذكره هنا أنّ بعض رجال البلاط العثماني أرادوا استرضاء سلطانهم فحملوا إليه امرأة كانت المرأة الوحيدة التي وجدوها في المعسكر وزعموا أنّها زوجة الشاه إسماعيل زوراً وبهتاناً.
وحين اطمأن السلطان سليم إلى حقيقة الأمر أمر بضرب أعناق جميع الأسرى الإيرانيين وكذلك زعماء القزلباش الذين قدموا إليه في الأيام الأخيرة لطلب الأمان منه.
ودخل السلطان مدينة تبريز فمكث فيها أسبوعاً، راسل خلاله حكام لرستان وكردستان وپيلان ومازندران وغيرهم وطلب منهم السعي للإطاحة بحكم الصفويين.
وكما ذكرنا سابقاً أنّ السلطان سليم ذهب إلى المسجد الجامع في تبريز الموسوم بمسجد السلطان حسن لأداء صلاة الجمعة وخطب الخطيب ذاكراً الرسول والخلفاء الأربعة ثمّ بدأ يذكر ـ كعادته ـ الألقاب المتعارف عليها آنذاك مثل سلطان البرين وخاقان البحرين وغيرها وذكر بعدها اسم الشاه إسماعيل المظفر بدلاً من أن يقول السلطان سليم فهم جماعة من قادة الجيش العثماني بقتله فنهاهم السلطان عن قتله قائلاً: إنّما هي عادة اعتادها لسانه فاتركوه.
وأخذ السلطان يستشير أصحابه طوال إقامته في آذربيجان حول البقاء فيها، وكانت حصيلة الآراء غير مشجعة على البقاء، لاحتمال أن يقوم الشاه إسماعيل بجمع قوات القزلباش ويحاصر بها ولاية تبريز ويقطع وصول المؤمن عنها. وفي هذه الحال لن يكون مصير أربعمائة ألف مقاتل سوى الفناء والهلاك واقترح البعض أن يسمح السلطان بإعادة الجزء الأكبر من القوات إلى الأراضي العثمانية ويبقى معه مائة ألف مقاتل في تبريز. ولكن السلطان لم يوافقهم على هذا الاقتراح لأنّه قد رأى بأمّ عينه ما فعله القزلباش بأمراء وزعماء جيشه في معركة چالدران.
وإذن، فإنّ بقاء جيش عرمرم في تبريز دون مؤونة أمر مستحيل، وخفض عدد القوات المرابطة في تبريز أمر يثير الرعب في نفس السلطان سليم، ولذلك فضل السلطان مغادرة تبريز على جناح السرعة وصرف النظر مؤقتاً عن السيطرة على الأراضي الإيرانية. وكان يتمنّى أن يكون بمقدوره حرمان أرض القزلباش من خيراتها المادية والمعنوية، وعلى هذا السبيل أمر بترحيل أصحاب الحرف والفنون والخراسانيين إلى اسطنبول بعيالهم وأطفالهم، ورحّل معهم الميرزا بديع الزمان التيموري وبعث معهم فوجاً شديداً خشناً من جيشه لإيصالحهم إلى تبريز قبل موكبه.
ولم يستطع هؤلاء الخراسانيون في اسطنبول صبراً، ففر بعضهم إلى تبريز مشياً على الأقدام وهلك آخرون في محل إقامتهم الجبرية لما لاقوه واستطاع البعض الآخر الوصول إلى أوروبا.
وعلى أي حال فقد غادر الموكب السلطاني مدينة تبريز بعد أسبوع من الإقامة فيها، وبعد أن ظهر الأمان لمدينتي نخجوان وإيروان أمر بالإغارة عليهما في منتصف الليل على حين غرة فباشر جنوده بنهبهما وإبادة أهلهما وحرق العديد من المنازل فيهما حتّى تحوّلت إلى أكداس من الرماد والركام.
ومع اجتياز القوات العثمانية لإيروان اشتدّت حاجتها إلى المؤن وأصبحت في عسر شديد من أمرها ووصل الأمر إلى موت العديد من أفرادها جوعاً إضافة إلى الخوف والرعب الذي يعاني منهما الجنود طوال أيام وليالي رحلة العودة وإضافة إلى هذه الصعوبات فاجأتهم موجة من البرد القارس.
أحداث ما بعد الحرب
أقام الشاه إسماعيل في وادي (پزين) في همذان بعد معركة چالدران وأمر من هناك بحشد القوات من جميع الولايات، وقد استقرّ رأيه على محاصرة آذربيجان من جهاتها الأربع وقطع المؤمن عنها ما بقي فيها السلطان سليم ثمّ المباشرة بشن الغارات الخاطفة على القوات العثمانية. ثمّ بلغه خبر مغادرة السلطان لآذربيجان فتوجّه إلى تبريز بأقصى سرعته ورأى مدى الخراب الذي أحدثه العثمانيون فيها فانصرف لإعمارها.
وبعد أن أهلكت معركة چالدران العديد من قادته ووزرائه وأركان دولته. اهتم بعد دخوله تبريز بانتخاب الأشخاص المناسبين لمناصب الدولة.
وأمضى الشاه إسماعيل فصل الشتاء في تبريز، وخلال ذلك زوج قره خان أخا خان محمد استاجلو من أخته پيري خانم ابنة السلطان حيدر وبذلك عوضه بعض الشيء عن زعامة قبيلة الاستاجلو وحكومة ولاية ديار بكر، ثمّ غادر تبريز بقوات الاستاجلو متوجهاً إلى ديار بكر للتصدّي فيها لاعتداءات القوات العثمانية على الأراضي الإيرانية في تلك المنطقة.
وأخذ الشاه يتنقل في حدود القفقاز وآذربيجان خلال ربيع عام 921هـ ويراقب تحرّكات العثمانيين. حيث كان السلطان سليم يهدد باستمرار بأنّه سيهاجم إيران قريباً.
الشاه إسماعيل بعد معركة چالدران
تركت معركة چالدران وهزيمة جيش القزلباش فيها آثاراً كبيرة في حياة الشاه إسماعيل، إذ لم يسبق له أن هزم في معركة قبلها حتّى أنّ عموم الناس كانوا يعتقدون أنّه لا يهزم مطلقاً بل إنّ بعض القزلباش كان يعتقد أنّه شبيه المهدي الموعود أو يرى فيه ممثلاً عن المهدي لأنّ كونه المهدي لا يتوافق مع المذهب الشيعي.
ومهما يكن الأمر فقد أدرك الشاه ورجاله أنّ المدافع والأسلحة النارية الأخرى قد خلقت وضعاً جديداً في عالم الحروب، فلم تعد قوة عضلات المحاربين ومهارتهم في القتال كافيتين لإحراز النصر. وكذلك فإنّ معركة چالدران قد أثبتت ضرورة تقديم السياسة وحسن التدبير على السيف، فلو كان الشاه ورجال حاشيته قد أصغوا لرأي القائد المحنك خان محمد استاجلو حينما اقترح اللجوء على شن هجمات مباغتة على القوات العثمانية خلال مسيرتها، لأحرزوا نتائج إيجابية عظيمة ولو كانوا قد قطعوا خطوط التموين من الخلف على هذه القوات الجرارة لوجهوا إليها ضربة قاصمة، كما حدث ذلك حينما لجأ الشاه طهماسب بن الشاه إسماعيل إلى هذه الخطة مع السلطان سليمان.
ومن الواضح أنّ السلطان سليم أدرك أنّه إذا شن هجوماً آخر على إيران، فإنّ الشاه إسماعيل سيلجأ إلى هذا الأسلوب في قتال القوات العثمانية التي لا طاقة لها بمواجهته، ولذلك ظلّ يتردّد في شن هجومه بين عام 921 وعام 926 حتّى وافته المنية.
وقد ظلّ الشاه بين عام 920 وعام 926هـ مرابطاً على الدوام في الحدود الغربية والشمالية الغربية لإيران واستدعى القوات الإيرانية من مختلف المدن والولايات وأبقاها في حالة تأهب مستمر بالقرب من الحدود العثمانية وعيّن قادة بارزين في قيادة قوات القزلباش.
وقد استمرّ العثمانيون ببث الإشاعات المغرضة في الأراضي الإيرانية ولم ينقطع الجواسيس عن حمل رسائل السلطان سليم إلى بعض حكام الأقاليم الإيرانية فكان لهذه الإشاعات وهذه الرسائل دور كبير في إحداث الاضطرابات الداخلية في بعض المناطق الإيرانية وفي بعض الأحيان تمرد الحكام على الحكم الصفوي كما حدث في مازندران حيث نقض ملوك مازندران عهودهم ورفضوا دفع الضرائب. وانتدب الشاه إسماعيل دورميش خان لإصلاح الأمور الداخلية والقضاء على المتمردين وإقرار الأمن العام الذي تزعزع إلى حد ما.
وفي الوقت الذي كان فيه السلطان ينقل قواته باستمرار من مكان لآخر ويهدد بها الحدود الإيرانية كان الشاه لا يهدأ ليله ولا نهاره ويتنقل بين الولايات الحدودية صيفاً وشتاء حسب ما يفرضه عليه الجو، فتارة يرحل إلى الموصل وتارة إلى أردبيل وأخرى إلى وان وحدود تبليس أو في نخجوان وإيروان وقارص وأردهان.
ولم يكن الشاه طوال السنوات الست التي كان يراقب خلالها تحرّكات العثمانيين غافلاً عن الإصلاحات التجارية والصناعية، فقد أشرف شخصياً على تأسيس وإكمال العديد من مصانع الجلود والحرير والسجاد والورق وغيرها في أصفهان وهمذان ورشت وبعض المدن المركزية، وكان بعض هذه المصانع ملكاً للدولة بينما كان البعض الآخر ملكاً خاصاً وبعبارة أخرى ممولاً من قبل الشاه أو مشتركاً بين الشاه وعدد من التجار.
حملات الأوزبك على خراسان
ذكرنا آنفاً مقدمات الاتحاد ما بين العثمانيين ودولة الأوزبك([357]) ونحاول فيما يلي الحديث عن نتائج هذا الاتحاد والتنسيق بين الدولتين.
كان ملك الأوزبك عبيدالله خان يتابع تحركات القوات العثمانية ويعلم باقتراب موعد هجومها على إيران، وحينما اقتربت من چالدران بعث برسالة إلى السلطان سليم يعلمه فيها بأنّه حرض كل الطورانيين بين منغوليا وضفاف نهر جيحون وسيقوم بشن هجوم قريب على خراسان ثم يتمنى أن يلتقي أتراك المشرق مع أتراك المغرب في أصفهان وعلى ضفاف نهر (زاينده رود).
وفي أواخر رجب عام 921هـ أجاب السلطان سليم على رسالة عبيدالله خان يعلمه بانتزاعه جميع نواحي ديار بكر وحتّى حدود كردستان من القزلباش وأنّه رفض طلبهم في المصالحة رغم إلحاحهم في ذلك لعزمه على استئصال شوكتهم إلى الأبد.
وكان أمراء الأوزبك قد تفرقوا بعد مقتل شيبك خان واستقل كل منهم بولايته، إلاّ أنّ مساعي السلطان سليم أعادت توحيد صفوفهم ودعتهم للهجوم على خراسان فاحتلوا هرات وأحرزوا بعض التقدّم في أماكن أخرى إلاّ أنهم لم يستطعيوا الصمود طويلاً بوجه صفوف القزلباش المنظمة تنظيماً جيداً، فأنهوا محاولاتهم في احتلال خراسان ثمّ انكفأوا راجعين إلى ديارهم. ولكن هزيمة القزلباش في چالدُران أعادتهم إلى التفكير في احتلال خراسان مرّة أخرى فأخذوا يشنون الغارات عليها باستمرار ويقتلون وينهبون ويحرقون ثمّ يقفلون راجعين بعد أن تتصدّى لهم قوّة من القزلباش.
ومع حلول عام 927هـ حشد عبيدالله خان قوات كبيرة من مختلف نواحي تركستان ثمّ سار نحو خراسان على رأس ثلاثين ألف مقاتل، فحاصر مدينة هرات وهي إذ ذاك عاصمة خراسان وكان حاكم خراسان في ذلك الوقت هو الابن الأكبر للشاه إسماعيل الأمير طهماسب ميرزا الذي لم يكن عمره يتجاوز العاشرة وكان الوصي عليه الأمير خان موصلو فسعى الأخير في تحصين هرات مستعيناً بعدد من زعماء القزلباش وأهالي المدينة فاستمر حصار الأوزبك لها عشرة أيام ثم يئسوا من فتحها وعادوا إلى بخارى، ومنذ ذلك الحين وحتّى وفاة الشاه إسماعيل لم يحدث هجوم مهم من قبل الأوزبك على خراسان.
وفي عام 925هـ حمل الجواسيس إلى معسكر القزلباش أخباراً مفادها أنّ القوات العثمانية تتقدّم نحو الموصل ويبدو أنّها تنوي الوصول إلى بغداد إضافة إلى وجود تحركات مريبة في معسكر القوات العثمانية المرابطة في حلب ممّا يبعث على الاحتمال أنّها تنوي دخول العراق. فأمر الشاه إسماعيل دورميش خان وزينل خان بالسير على رأس بعض قوات القزلباش لدعم القوات المرابطة في بغداد ثمّ توجّه بدوره على رأس قوّة كبيرة إلى بيستون فعسكر فيها واشتغل بالصيد ليكون قريباً من أرض العراق وليتخذ الإجراءات المناسبة في حال وقوع هجوم عثماني على بغداد. ولكن وصلت فيما بعد أخبار أخرى تفيد بأنّ القوات العثمانية وصلت بالقرب من الحدود العراقية ثمّ انكفأت راجعة.
عام 930 وموت الشاه إسماعيل
كان الشاه يمضي شتاء هذا العام في نخجوان ثمّ عاد إلى أردبيل فتوقف فيها فترة قصيرة ثمّ توجّه إلى سراب لينعم بخضرتها ويلهو بالصيد فيها ولكن المرض لم يمهله ليلهو وحاول الأطباء معالجته دون جدوى، حتّى فارق الحياة في يوم الاثنين الموافق للتاسع عشر من رجب عام 930هـ.
وقد خلف الشاه وراءه أربعة ذكور، أكبرهم الأمير طهماسب ميرزا الذي ولد عام 918هـ، وأقيمت الاحتفالات في جميع أنحاء إيران بمناسبة ولادته، وكانت ولادة أبنائه الآخرين في عام 923هـ وهم الأمير سام ميرزا المكنى بأبي النصر والأمير رستم وأخيراً الأمير بهرام.
الاتهامات الزائفة
بعد الحرب العسكرية الشرسة التي شنّت على الشاه إسماعيل الأوّل الصفوي دون أن تنال من دولته منالاً، بل أنّ تلك الدولة ثبّتت أقدامها وشقّت طريقها بين الدول الكبرى، رأى الذين غاظهم قيامها أن يشنوا عليها حرباً من نوع آخر: هي الحرب الكلامية لتشويه سمعتها.
ومن المؤسف أن يتبنى هذه الحرب خريجو الجامعات وأساتذتها في هذا العصر المفروض برجاله أن يعالجوا الأمور التاريخية معالجات موضوعية غير متأثرة بما كانت تتأثّر به معالجات الأقدمين.
فصاحب كتاب (مقدمة تاريخ العرب الحديث) يقول في الصفة 20 ما يلي:
«وقصد أسطول برتغالي المياه العربية في الصيف. ولكن هذا الأسطول لم يحقق أيّة انتصارات واكتفى بالقرصنة على السفن العربية، ثمّ جاء الأسطول (هرمز) مطالباً بالجزية السنوية ولكن ملك هرمز كان قد دان بالولاء للشاه فلم يدفع للبرتغاليين شيئاً».
إذن، باعتراف الكاتب أنّ استناد صاحب هرمز إلى دعم الشاه الصفوي جعله يتمرد على البرتغاليين، وإذن فإنّ الشاه الصفوي ببسطه حمايته على أرض إسلامية قد حماها من ذل دفع الجزية للمستعمرين المعتدين الأوروبيين.
وتلك منقبة كبرى كان على الكاتب أن يشيد بها ويسجلها في سجل حسنات الشاه الصفوي، ولكنه لم يفعل، بل أراد أن يحوّلها إلى سيئة لأنّ قلمه لا يطاوعه على تسجيل حسنات شاه صفوي أقام دولة جديدة لا يحب هذا الكاتب أن تقوم، لا لشيء إلاّ لنعرات نِحْليّة سيطرت عليه.
لذلك أضاف إلى كلامه السابق ما يلي:
«ولم يكن البرتغاليون على استعداد لإغضاب الشاه الذي وصل سفيره إلى جوا في ذلك العام لوضع أسس حلف برتغالي إيراني ضد العثمانيين».
ونحن نسأل الكاتب هذا السؤال: من هو المعتدي؟ هل إنّ الشاه إسماعيل هو الذي جيّش الجيوش وآثار الحروب لغزو السلطان سليم في دياره ودخول عاصمته والقضاء على دولته، أمّ أنّ الأمر بالعكس، وأنّ السلطان سليم هو الذي فعل ذلك؟!
فإذا صحّ ـ وهو ما لم يصح ـ أقول: إذا صحّ أنّ سفير الشاه وصل إلى جِوا لوضع أسس حلف برتغالي إيراني ضد العثمانيين فإنّ هدف هذا الحلف هو حماية إيران من هجمات أعدائها المحاولين القضاء عليها ووأد دولتها الفتية في مهدها. وهذا ما لا تلام عليه أي دولة ترى نفسها مهددة بمثل ما هددت به إيران.
ولماذا يباح للعثمانيين أن يسفكوا دماء المسلمين ويغزوهم في ديارهم ويحتلوا عاصمتهم ويقضوا على دولتهم، ولا يباح لهؤلاء المسلمين الدفاع عن أنفسهم بكل وسيلة؟
لو أنّ الشاه الصفوي أراد حلفاً إيرانياً برتغالياً ليغزوا به العثمانيين المسلمين، لجاز لنا لومه والتنديد به، ولكنّه كان يعمل على صون بلاد إسلامية من شرد يراد بها، وبذلك لا يستطيع أي منصف أن يلومه.
ثمّ إنّنا نسأل الكاتب وغيره من أمثاله ـ وما أكثرهم نسأله ماذا فعل سلطانك العثماني أمام الغزو البرتغالي الماحق الذي تسلط على البلاد الإسلامية يومذاك يحتل ويحرق وينهب ويقتل ويستبيح ويمتلك البلاد ويذلها؟!
لقد وقف يتفرّج على ذلك ولا تهمه دماء المسلمين المطلولة وديارهم المستعبدة وسلطانهم الزائل، ولم يجد في ذلك أيّة غضاضة ولم يتقدم بقوته الجبارة لحمايتهم والذود عنهم، ولكن استثاره واستفزه قيام الدولة الصفوية فوجه إليها الجيوش وقصدها بالحديد والنار.
وأنت نفسك تعترف فتقول في كتابك: «… وشعر المسؤولون في اسطنبول بعظم الخطر الجديد (قيام الدولة الصفوية)، فأجبر سليم أباه المسالم بايزيد الثاني على التنازل عن العرش. وأهمل سليم جبهة البلقان وركز اهتمامه بشؤون دار الإسلام([358]) فأجرى مذابح كثيرة بين الشيعيين في شرق الأناضول…».
لم تكن سيطرة البرتغاليين عند السلطان سليم خطراً، ولم تكن جبهة البلقان الصليبية المتحفزة كذلك خطراً، ولكن كان الخطر عند المسؤولين في اسطنبول وعند مؤلف كتاب (مقدمة تاريخ العرب الحديث) هو قيام الدولة الصفوية، فأجرى السلطان سليم مذابح الأناضول وتقدم إلى تبريز لمجابهة الخطر بالمذابح بعد المذابح.
ثمّ أنّ الكاتب وغير الكاتب من الزاعمين مزاعمه لم يحدّثونا شيئاً عن أثر (حلفهم) المزعوم، ولا عن المعارك التي خاضها معاً الجيشان المتحالفان الإيراني والبرتغالي في مواجهة العثمانيين!…
إنّهم لم يفعلوا ذلك لأنّه لا حلف ولا متحالفين… وهل كانت أيام أشدّ حرجاً على الشاه الصفوي من أيام (چالدران) ليسعفه فيها حلفاؤه لو كان له حلفاء.
لقد كان العامل الأوّل في هزيمة الشاه إسماعيل في معركة چالدران أمام السلطان سليم هو أنّ الجيش العثماني كان مزوّداً بمدفعية قوية كان يفتقد مثلها الجيش الصفوي إذ لم تكن يده قد وصلت بعد إلى شيء من ذلك. فلو كان هناك تفاهم بينه وبين البرتغاليين لزودوه على الأقل بالمدافع التي تحمي جيوشه.
ثمّ إنّنا نسأل هؤلاء الناس، ماذا فعل السلطان سليم وغيره لإجلاء البرتغاليين عمّا كانوا يحتلونه من بلاد إسلامية؟ وإذا كان السلطان سليم قد هزم الشاه إسماعيل في چالدران، فلماذا لم يتفرغ للبرتغاليين ويجليهم عن البلاد الإسلامية؟!
على أنّ الحقيقة هي أنّ السلطان سليم هو الذي استعان بالأجانب أعداء الإسلام على الدولة الإسلامية الصفوية وعلى الملك المسلم الشاه إسماعيل وعلى دولة المماليك الإسلامية وعمل على إفقار الشعب الإيراني المسلم:
جاء في كتاب (أصول التاريخ العثماني) الصفحة 84 عن عهد السلطان سليم وحروبه مع الشاه إسماعيل:
كانت لدى العثمانيين مدافع وبنادق وبارود ممّا زوّهم به اللاجئون اليهود الذين فرّوا من إسبانيا. كما ساعدهم المرتزقة الإيطاليون على استعمال المدفعية بمهارة.
ويقول (ص85) عن السلطان سليم: لم يمنح الأرمن الجورجيين وضعاً مستقلاً إلاّ في مقابل مساعدتهم للعثمانيين ضد المماليك.
نقول: في هذا الوقت كان سلطان المماليك قانصوه الغوري ينجد السلطان مظفر شاه سلطان كجرات (الهند) الذي استعان به على البرتغاليين، كما كان ينجد عامر بن عبدالله ملك اليمن على البرتغاليين أنفسهم.
ويقول (ص80) عن السلطان سليم: وقد أدّت هذه الأعمال الحربية في شرق الأناضول إلى سيطرة السلطان (سليم) على الممرات الاستراتيجية المفضية من الأناضول إلى القوقاز وسوريا وإيران. كما حصلت الخزانة العثمانية نتيجة لسيطرة سليم على طرق التجارة الدولية التي كان يُنقل عبرها حرير إيران وغيره من منتوجات الشرق من تبريز إلى حلب وبروسة على مصادر هامة من الدخل، ممّا مكّنه من عرقلة تجارة الحرير الفارسية مع الغرب (انتهى).
ثمّ إنّ صاحب كتاب (تاريخ العرب الحديث) ينسى أنّ العثمانيين ـ وهم في شدّة قوتهم ـ وقفوا وقفة المتفرج أمام نكبة المسلمين في الأندلس واستئصال الإسلام فيها([359]).
وفد مصري إلى الشاه إسماعيل
ذكرنا فيما تقدّم من القول وصول وفد مصري إلى الشاه إسماعيل في مدينة (قم). ونذكر هنا ما عرفناه عن عوامل إرسال هذا الوفد:
وردت في كتاب (إعلام الورى بمن ولي نائباً من الأتراك([360]) بدمشق الشام الكبرى) لمؤلفه (محمد بن طولون الصالحي الدمشقي) نصوص ثمينة عن صدى قيام الدولة الصفوية في بلاد الشام التي كانت محكومة يومذاك من المماليك، ومن قانصوه الغوري منهم بالذات.
وإنّه لمن المهم أن نعرف ماذا كانت تتجاوب به سائر البلاد من أصدية مدوية لنجاح إسماعيل الصفوي وتمكّنه من السلطة. ولعل ما ننشره هنا من نصوص مأخوذة من (أعلام الورى) يرينا الصورة الصحيحة لعواطف الناس وانفعالهم من ذلك الحدث. وإذا كان المؤلف يتحدّث عن دمشق وحدها فلا شك أنّ ما كان يتفاعل في دمشق إنّما هو مماثل لما كان يتفاعل في غيرها من المناطق التي كانت تصل إليها أخبار الدولة الصفوية متقطعة ولكن مثيرة.
وإنّه لمن الطريف أن نعرف كيفية انتشار الشائعات ووصول الأخبار بما يحدث في بلاد بعيدة.
جاء في (أعلام الورى) في الصفحة 145 عن أحداث سنة (907: «في هذه الأيام (17 جمادى الآخرى سنة 907هـ) شاع بدمشق أنّ رجلاً اسمه حيدر الصوفي استولى على بلاد تمرلنك وغيرها وإنّه ماش على البلاد».
فالمؤلف يستبدل بكلمة الصفوي كلمة الصوفي، وليس مردّ ذلك إلى ما كان معروفاً عن أصول الصفويين الصوفية، لأنّ مثل هذه التفاصيل لم تكن لتنتقل مع شائعة تدور على الأفواه من بلد بعيد إلى بلد أبعد، بل إنّ مردّه إلى عدم إلفة الناس لكلمة الصفوي الجديدة وإلفتهم لكلمة الصوفي العريقة، فالناقل الأوّل للإشاعة نقل الصفة ـ على الأغلب ـ على حقيقتها (الصفوي) لقربه من الحدث، ولكن تداول الألسنة لها من مكان إلى مكان حرفها، فوصلت إلى دمشق: (الصوفي).
ويبدو جلياً أنّ معلومات المؤلف الجغرافية ضعيفة كل الضعف، فكلّ ما يعرفه عن المنطقة التي ظهر فيها إسماعيل أنّها بلاد (تمرلنك)، ثمّ إنّه يحرف (تيمورلنك) إلى (تمرلنك).
والغريب في هذه الشائعة أنّها تقول إنّ إسماعيل الصفوي ماشٍ إلى بلاد الشام، ممّا يدل على رهبة عرت النفوس من قيام الدولة، حتّى إنّ تلك النفوس لتتوقع أن يكتسح إسماعيل ما بعد بلاد (تمرلنك) حتّى يصل بلاد الشام!…
ثمّ إنّه يبدو جلياً من الخبر التالي أنّ الأمر لم يكن مجرد تخيّل بل كان في نظر الحكام جدّاً كل الجدّ فقد جاء في إعلام الورى ما يلي، وهو تابع لأحداث 19 صفر سنة 908هـ أي بعد حوالي ثمانية أشهر من انتشار الشائعة القائلة بأنّ إسماعيل ماشٍ على البلاد:
«في هذه الأيام رمى النائب على أهل دمشق مالاً لأجل مشاة تخرج إلى حلب تجريدة حرمة للبلاد لأجل ما قيل من أمر الخارجي حيدر الصوفي».
ما ورد في الخبر الأوّل كان مجرد ترديد لشائعة لذلك لم يكن المؤلف منفعلاً فلم يصف إسماعيل بأي صفة قبيحة، ولكن عندما بدا له أنّ الأمر قد اشتدّ لدرجة الإعداد لدفع لخطر هاج هائجه فوصف إسماعيل بأقبح وصف وهو وصف (الخارجي)، كما أنّ الصدمة أذهلته فنسي الاسم، وأطلق على إسماعيل اسم أبيه حيدر والواقع أنّه لأمر غريب أن يكون الحال قد وصل إلى إعداد النجدات في دمشق، لإرسالها إلى حلب لدفع ما بدا أنّه خطر صفوي متوقع، ومن البدهي أنّ الأمر لم يكن مقتصراً على دمشق وحدها.
ويجب أن لا ننسى أنّ ما يحدث هو في عصره (قانصوه الغوري) الذي افترض الناس فيه ـ بما تحدّثوا به عنه بعد ذلك ـ حليفاً لإسماعيل الصفوي. وإذا صح أمر التحالف، فإنّه يبدو جلياً أنّه لم يكن قد قام بعد، وسيتضح الأمر فيما يأتي من أخبار (اعلام الورى).
ويأتي شهر جمادى الآخرة من سنة 908هـ أي أنّه قد مضى على انتشار (الشائعة) سنة كاملة فإذا بـ (إعلام الورى) ينشر لنا الخبر الآتي:
«شرعوا باستخلاص بقية المال الذي فرض برسم المشاة».
أي أنّه مضى قرابة أربعة أشهر بين فرض المال لإعداد المشاة وإرسالهم إلى حلب وبين تحصيل بقية هذا المال.
وبعد شهرين من كتابة هذا الخبر يقول (إعلام الورى) عن أحداث شهر شعبان بعد أن ذكر فرض ضريبة جديدة على الناس: «وهذه رمية أخرى غير الرمية التي أخذت بحجة مشاة إلى حلب لأجل حيدر الصوفي».
وهنا يستمر في تغيير اسم إسماعيل إلى حيدر كما يكون مستمراً في إبدال لقب الصفوي بالصوفي.
وتنتهي سنة 908هـ وتليها سنة 909هـ فسنة 910 فسنة 911 فسنة 912هـ دون أن نسمع في (إعلام الورى) أي خبر عن (الخارجي) ولا عن (المشاة) المرسلين إلى حلب.
أي أنّ أربع سنوات قد مضت دون ذكر أي شيء عمّا يجري في بلاد (تمرلنك) وما يمتد بعدها من بلاد غرباً من وقائع وخطوب.
وفجأة يطلع علينا (الإعلام) وهو يتحدّث عن أخبار ربيع الثاني سنة 913هـ بهذا الخبر:
«في هذه الأيام أيضاَ شاع أنّ الخارجي حيدر الصوفي قد خرج على الأمير علي دولة وتقاتلا وأنّه قرب من حلب».
ونحن لا نعلم ـ برغم تتبّعنا لتاريخ إسماعيل ـ بأنّه تقاتل مع من اسمه (علي دولة) فمن أين جاء صاحب (الإعلام) بهذا الخبر؟
وبما كان الأمر قد اشتبه عليه بين (علاء الدولة) وبين (علي دولة)، فإن تقاتلاً قد جرى بين علاء الدولة ذو القدر حفيد ناصر حاكم بلاد مرعش وبين أتباع الشاه إسماعيل لتحالفات بين علاء الدولة وآخرين بقصد الاستيلاء على ولاية دياربكر، فقرّر الشاه الحؤول دون ذلك في تفاصيل ليس هنا مكان ذكرها.
ولكن مهما كان من أمر انتصارات الشاه إسماعيل على علاء الدولة فإنّه يظل بعيداً عن حلب ممّا لا يبرر شائعة قربه من حلب.
وفي أخبار جمادى الآخرة من السنة نفسها 913هـ تفاجأ بالخبر الخطير التالي:
«مستهل جمادى الآخرة برز النائب إلى مصطبة السلطان([361]) وخرج معه القضاة وداوادار السلطان على نيبة السفر والتجريد على الخارجي حيدر الصوفي. وفي يوم الجمعة سابعه سافر.
وبعد عصر يوم الثلاثاء ثالث شعبان دخل النائب دمشق وقد مرّ على البلاد بعد رجوعه من تجريدة الصوفي التي وصل فيها إلى حلب».
من هذا الخبر يبدو التصميم على حرب الدولة الصفوية تصميماً مصدره ولا شك المسؤول الأوّل في الدولة قانصوه الغوري، إذ ليس من المعقول أن يتفرد نائب دمشق بقرار الحرب الذي سيلزم الدولة كلّها، وخرج التصميم إلى حيز التنفيذ بسوق جيش دمشقي لقتال من صار اسمه (الخارجي). ومن هنا ندرك أنّ وقع قيام دولة شيعية لم يكن مثيراً للعثمانيين فقط، بل كان مثيراً للماليك أيضاً، وأنّ إجماعاً قام على عدم تمكين الشيعة من أن يكون لهم دولة يكونون في ظلّها مصوني الكرامة والدم والمال والحرية. إجماعاً قام دون أن يُعدّ أحد لقيامه، ودون أن تتفق أطرافه فيما بينها، بل إنّ وحدة النقمة هي التي جمعت إرادتهم دون أن يجتمعوا.
وحين نعود إلى لهجة (النهروالي) المتمثل فيها شعور العثمانيين، ونقارن بينها وبين لهجة ابن طولون المتمثل فيها شعور المماليك، نجد أنّ اللهجتين تنبعان من إحساس واحد هو إحساس النقمة والغضب.
وإذا كان النهروالي قد قال ما قال في جمل مبسطة طويلة كثيرة متعددة، فلأن كتابه كان مبسطاً طويلاً مسهباً. أمّا ابن طولون الموجز في كتابة ما كتبه عن تاريخ تلك الفترة، فقد سار في التعبير عن نقمته على طريق الإيجاز المتّبع في كتابه، فاكتفى عن كلّ تعابير الشتائم والغضب بوصف الشاه إسماعيل بصفة (الخارجي)، وحسبها صفة شاملة مزرية محرضة!…
وإذا كانت البلاغة ـ كما يعبرون عنها ـ بأنّها مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فلا شك أنّ ابن طولون كان بليغاً في تعبيره هذا، ولا يمكن لمن كان في ذهنية ابن طولون وذهنية أبناء عصره أن يعبّر عمّا يكنه لقيام دولة للشيعة من الحقد والنقمة والتحريض عليها، بكلمة أبلغ من وصف مقيم تلك الدولة بوصف (الخارجي). وقد كان يمكن أن يكون وقع هذا الوصف أخف على النفوس لو كان إسماعيل الصفوي قد قام بثورته على دولة المماليك، فعند ذلك يمكن تفسير كلمة (الخارجي) بأنّه الخارج على دولته. فأمّا وثورة إسماعيل تبعد عن دولة المماليك ألوف الكيلومترات، ولا مساس لها بسلطة المماليك، ولا أثر لها على دولتهم، فإنّ كلمة (الخارجي) هنا إنّما يُعنى بها: الخارج على الإسلام!…
على أنّ الذي يحيّرنا هو قول الكاتب بأنّ (النائب) عاد إلى دمشق بعد غياب حوالي شهر فقط. وسبب الحيرة هو أنّ الكاتب لم يوضح لنا عمّا إذا كان النائب قد عاد وحده وترك التجريدة في حلب، أم عاد مع التجريدة؟!
وسواء عاد وحده أم عاد مع التجريدة فإنّ حرباً لم تقع بين دولة المماليك ودولة الصفويين. بل إنّ الذي حدث هو شيء يناقض فكرة الحرب كلّ المناقضة، ويكون له على القارىء وقع المفاجأة المذهلة. إذ بعد مضي حوالي شهري على عودة النائب من حلب يطلع علينا صاحب (الإعلام) بالنبأ التالي:
«يوم السبت سابع عشر شوال دخل من مصر إلى دمشق قصّاد الخارجي إسماعيل الصوفي، وتلقاهم النائب وأرباب الوظائف، وهم نحو الخمسين نفراً، والمتعَّين فيهم اثنان، وجميعهم بعمائم بيض بوسطها طناطير حمر بارزة طويلة نحو الذراع».
وفي هذه المرة عاد إلى تسمية الشاه إسماعيل باسمه الصحيح وترك اسم حيدر، وإن ظلّ يصرّ على وصفه بالخارجي.
وإذا كان صاحب (الإعلام) لم يوضح لنا ماذا كانت مهمة هذا الوفد الصفوي في مصر، فلسنا بحاجة إلى توضيحه بعد أن عرفنا أنّ الحرب لم تقع بين إسماعيل وبين قانصوه الغوري، وعرفنا أنّ الأمر بينهما قد عاد إلى تحالف وثيق كانت له نتائجه الخطيرة.
ونستطيع أن نتصوّر الأمر على هذا الشكل:
بعد أن عرف الشاه إسماعيل بأنّ دولة المماليك تُعدّ لحربه، بعد أنّ كان قد عرف إعداد دولة العثمانيين لهذه الحرب، وهو مدرك أن لا مصالح مهددة للعثمانيين تحملهم على هذه الحرب، ولا مصلحة كذلك للماليك تحملهم عليها، وكلّ ما في الأمر أن الدافع هو دافع مذهبي بحت لا يمتُّ إلى المصالح الحقيقية بِصلة، ووزان بين إقناع العثمانيين بالعدول عن هذه الحرب وبين إقناع المماليك، فترجح لديه بأنّ الأسهل هو إقناع المماليك وسلطانهم قانصوه الغوري، فأرسل إليه وفداً رفيعاً مؤلفاً من نحو خمسين شخصاً كان البارز بينهم اثنان ففاوضه الوفد وبين له أن لا مطامع لإسماعيل في بلاده، وأنّه لا يمكن أن يخشى شيئاً من قيام الدولة الصفوية، وأنّ أمر علاء الدولة ذو القدر وصراعه معه لا خطر منه، وأنّ الاعتبارات المذهبية لا يجوز أن تكون هي الفيصل في مثل هذه المواقف المصيرية، وإنّ الطرفين: الصفوي والمماليكي يمكن أن ينتظرهما خطر حقيقي واحد هو العثماني. فاقتنع قانصوه الغوري بهذا المنطق ووقف الإعداد للحرب، بل وافق على أن يساند الشاه إسماعيل إذا تعرّض للخطر العثماني، وهو ما حصل بعد ذلك.
وهكذا استقبل الوفد الصفوي العائد من مصر في دمشق استقبالاً حكومياً ودّياً فتلقاه النائب وأرباب الوظائف على حد تعبير صاحب كتاب (إعلام الورى) مرحبين به. وإذا كان الاستقبال الحكومي ودياً فإنّ استقبال ابن طولون لم يكن كذلك فقد ظلّ يصرّ على إطلاق وصف (الخارجي) على الشاه إسماعيل.
وفي هذا الذي ذكره صاحب (الإعلام) شيء آخر مهم جداً لم يكن معروفاً بين من يؤرخون لتلك الأيام وهو إرسال وفد صفوي بهذا العدد وهذا المستوى ليتولى المفاوضات السلمية بين الطرفين. وكل ما كان يذكر في هذا الموضوع هو أنّ مراسلات كان تدور، وكان يذكر ذلك بصورة مبهمة غامضة.
وقد تجلّت الآن الأمور على هذا الوجه الواضح الذي أعلنه ابن طولون فيما أنبأنا به في يومياته الدمشقية.
وهنا لا بد لنا من التساؤل عن الطريق الذي سلكه الوفد الصفوي في ذهابه من إيران إلى مصر. أمّا عن طريق العودة فقد عرفنا من يوميات (الإعلام) أنّه كان مروراً ببلاد الشام ووصولاً إلى دمشق ومنها بالطبع إلى العراق فإيران.
ومروره ببلاد الشام كان لأنّها أصبحت بلاداً غير معادية، فمر بها مروراً علنياً مرحباً به ومستقبلاً استقبالاً فيه كلّ الودّ.
وحين نتساءل عن طريق الذهاب، فإنّه لا يكون أمامنا واضحاً إلاّ طريق المرحلة الأولى، وهو طريق العراق مروراً ببغداد، وهو الطريق الطبيعي المستقيم لمن يودّ الوصول إلى مصر على مراحل متباعدة.
والعراق كان يومذاك بحكم أخوال الشاه إسماعيل ملوك القطيع الأبيض (آق قويونلو)، ولم يكونوا في ذلك الوقت في عداء معه، لذلك فإنّ وفده حين يمر في العراق يمر في بلاد غير معادية ممّا يسهل مهمته.
وممّا يلفت النظر ويشير إلى أنّ مفاوضات قد جرت بين قانصوه الغوري وبين السلطان سليم بعد معركة چالدران وانتصار سليم على الشاه عباس على ما ذكره ابن طولون وهو يذكر أحداث شهر ربيع الأوّل سنة 920هـ حيث قال:
«وحضر القاصد الذي كان أرسله قانصوه الغوري إلى سلطان الروم المظفر سليم خان بن عثمان وعاد وجماعته».
وفي ذلك ما يجعلنا نستنتج أنّ الغوري قد أرسل وفداً إلى السلطان سليم لتهنئته بالنصر ومحاولة إزالة ما كان قد علق بنفسه من النقمة على الغوري لما عرفه السلطان سليم من معاونات ذات أثر فعّال قدمها الغوري للشاه إسماعيل.
ونحن لا ندري شيئاً من تفاصيل ما جرى للوفد المماليكي في العاصمة العثمانية، ولا عمّا قوبل به هناك، ولا عن المعاملة التي عومل بها. وإن كنّا نعلم علم اليقين بأنّه فشل في مهمته…
وابن طولون الذي يعيش في الحكم المماليكي، وتحت سيادة الغوري، لا يخفي اعتزازه بالنصر العثماني حيث يذكر في إيراد الخبر العبارة الآتية: (سلطان الروم المظفر).
وقد كان بين النصر العثماني في چلدران وبين وصول وفد الغوري إلى دمشق عائداً من مقابلة السلطان سليم: شهران، فمعركة چالدران كانت في 22 المحرم سنة 920هـ (19 آذار سنة 1514)، ووصول الوفد إلى دمشق كان في 17 ربيع الأوّل سنة 920هـ.
ويتابع ابن طولون سرد يومياته واصلاً إلى 17 رجب سنة 920هـ فيقول: شاع أنّ قاصد الملك سليم خان بن عثمان ملك الروم وصل إلى دمشق وأخبر بأنّ أستاذه انتصر على الخارجي إسماعيل بن حيدر الصوفي وقتل من عسكره أكثر ممّا قتل من عسكر ملك الروم بكثير وأنّه ملك (توريز) العجم ففرح الناس بذلك».
وفي هذا يتبين لنا أنّ السلطان سليم أراد أن ينشر خبر انتصاره لا في بلاده وحدها بل في البلاد المجاورة لبلاده، فأوفد الرسل تحمل الخبر من بلد إلى بلد فوصل (قاصده) إلى دمشق بعد مرور ستة أشهر على معركة چالدران.
ونحسب أنّ هذا التأخير ناجم عن أنّ الرسول لم يقصد دمشق رأساً، بل إنّ مهمته كانت تقتضي التنقل من مدينة إلى مدينة ممّا أعاق وصوله إلى دمشق، فلم يصلها إلاّ بعد ستة أشهر.
وقد صوّر لنا ابن طولون حقيقة شعور الناس تجاه النصر العثماني والهزيمة الصفوية بقوله: «ففرح الناس بذلك».
وإذا كان ابن طولون قد وصف الشاه إسماعيل بصفة الخارجي وهو لا يزال منتصراً، فمن الطبيعي أن يعود فيصفه بهذه الصفة وهو يذيع خبر هزيمته. وكما قلنا من قبل عن معلومات ابن طولون الجغرافية، إنّها واهية، نقول الآن، فهو يصحف اسم تبريز إلى (توريز).
أمّا الوفد المصري إلى الشاه إسماعيل فربما كان بعد رجوع الوفد الصفوي ونجاح مهمته، فقد جاء لإتمام ما بدأه الوفد الأوّل.
قول السيد العوامي
وعن هذا الموضوع يتحدّث السيد عدنان العوامي:
يكاد جلَّة المؤرخين العرب المعاصرين يجمعون على مسلَّمتين غير قابلتين للنقاش أولاهما: أن الصفويين تواطؤا مع البرتغاليين وتحالفوا معهم على ابتلاع بلدان الخليج، والثانية أن العثمانيين هم الذين هبوا لنجدة المسلمين وإنقاذهم من مخاطر ذلك الحلف، فما هي حقيقة هاتين المسلَّمتين؟([362]).
في الفقرات التالية استعراض لمسلك الدولتين أرجو أن يكون كافياً لكشف الحقيقة ورد الوهم والانحياز.
المعروف أن الغزو البرتغالي للخليج بدأ في سنة 1507م 913 هـ، وهذه السنة كانت الدولة الصفوية في بداية نشأتها على أنقاض إمارة الآق قوينلو، وكانت محاطة بقوى معادية من جميع جهاتها، فمن الغرب العراق وعلى رأس الحكم فيه مراد بن يعقوب آخر أمراء الآق قوينلو، ومن الشمال إمارة البستان، وهي أيضاً من بقايا إمارة الآق قوينلو التي قامت على أنقاضها الدولة الصفوية، ومن الشمال والغرب الدولة العثمانية القوية، ومن الشمال الشرقي قبائل الأوزبك بزعامة محمد الشيباني المسيطر على خراسان وأجزاء من شمال شرق فارس، وإلى الشرق القبائل الأفغانية القوية. وجميع هذه الدول والإمارات متحدة متفقة على محاربة هذه الدولة الناشئة، والحالة معها أشد ما تكون من التوتر، وواحدة منها على الأقل، وهي إمارة البستان، كانت في حالة حرب معها في السنة التي غزا البرتغاليون فيها الخليج([363])، يضاف إلى ذلك أن الجيش الفارسي ليس لديه أسطول بحري، وأنَّ أسلحته كانت حتى ذلك الوقت بدائية لم تدخل فيها الأسلحة النارية من مدفعية وبنادق، ولهذا السبب وحده تعزى هزيمة الشاه اسماعيل أمام السلطان العثماني سليم الأول في معركة چالديران سنة 1514، وهي السنة التي احتل فيها البرتغاليون البحرين، فقد كان الجيش العثماني وحده مزوداً بالمدفعية والبنادق، أما الجيش الفارسي فالمعروف أنه لم يزود بذلك النوع من الأسلحة إلا في عهد طهماسب بن اسماعيل، حيث استخدم لأول مرة في الجيش الإيراني في معركة (جام وزور آباد) ضد الجيش الأزبكي سنة 1528م([364]). وفوق ذلك فإن البرتغاليين لم يكونوا يتوفرون على جيش من المشاة للمعارك البرية، لذلك اقتصر خطرهم على تهديد المدن الساحلية والموانئ، أما المدن الداخلية فكانت في مأمن من هجماتهم، بخلاف بقية الدول المعادية لها فإنها تمثل تهديداً على كل أراضيها، أو بكلمة أخرى تهديد وجودها من الأساس.
من هنا، فإن القول بتصدي الشاه إسماعيل للأساطيل البرتغالية المزودة بالمدافع والبنادق، وإدارة ظهره للقوى الأخرى تفعل فعلها في أراضيه؛ ما هو إلا ضرب من التمحل والعسف.
فُسِّر هذا الإحجام من جانب ايران عن الإصطدام بالبرتغاليين بإنه انحياز وتحالف ذو دوافع مذهبية، مع أن القائلين بهذا يعلمون أن البلدان التي غزاها البرتغاليون هي بلدان خاضعة للدولة الصفوية وانتزاعها منها لا يعقل أن يكون برضاها واختيارها، فهل كان الصفويون ذوي نوازع مذهبية كما يصفهم الكتاب المعاصرون؟
أتصور أن الموضوع لا يتطلب الركض طويلاً وراء الشواهد؛ لأن موضوعنا لم يكن معقوداً للدفاع عن الدولة الصفوية، لذلك أكتفي باليسير من الإشارات الدالة على حقيقة نوازع الصفويين، وأولى هذه الإشارات ما تحدثت به مصادر التاريخ من أن تيمور لنك (المعروف بالأعرج) وعدداً آخر من قواده تأثروا بدعوة الشيخ صفي الدين مؤسس الدولة الصفوية واعتنقوا مذهبه، ولما انتصر تيمور لنك على الأتراك في معركة أنقرة سعى الشيخ خوجة علي حفيد صفي الدين لدى تيمورلنك لإطلاق سراح آلاف الجنود الأتراك مستفيداً من مكانته لديه، وفعلاً استجاب تيمور لنك لوساطته، وأطلق الأسرى الأتراك([365])، فهل هذه إمارات النوازع المذهبية؟
الثانية: إن الشاه إسماعيل الأول، الذي ينسب له التواطؤ مع البرتغاليين، كان الحليف المعين لبابر امبراطور المغول المسلمين في الهند، وهو سني المذهب، وقد أمده بالجيوش والعتاد لتعينه على مواجهة عدوين من أعتى القادة، وهما شيباني زعم الأوزبك، ثم من بعده خليفته عبيد الله خان، ولا يؤثر في هذه الحقيقة أن يفَسر بعضهم هذا السلوك بأنه التقاء مصالح، فلو كان الشاه ذا نوازع ونوايا سيئة لتركه يواجه مصيره بنفسه، لكن الغريب أن نجدة الشاه لبابر فسرت على أنها دليل على تسامح بابر، وعدم تعصبه مذهبياً، مستدلين على ذلك بقبوله مساعدة الشاه، وعلى هذا يكون هو المتفضل والمتسامح لقبوله المساعدة من الشاه، لا الشاه([366]).
الثالثة: كما وجد بابر العون والنجدة لدى الشاه اسماعيل، وجد ولده همايون ذات النجدة من الشاه طهماسب بن اسماعيل؛ فحينما أطيح به عن العرش سنة 1541م، لجأ للشاه طهماسب ووجد لديه الحفاوة والإكرام حتى لقد أقيمت الإحتفالات لاستقباله([367]). ومما يكشف عن شخصية الشاه طهماسب، وترفعه عن النزعات المذهبية؛ موقفه من الدسائس التي كان الأوربيون يحيكونها لإشعال الفتنة بينه وبين الأتراك بقصد حمله على الدخول معهم في حروب بقصد مشاغلتهم عن فتوحاتهم في أوروبا، فقد أرسلت البندقية إليه بالسير فنسيتيو د ألسندري Vincetio d”Alseandrii سنة1571م، في محاولة منها للإيقاع بينه وبين العثمانيين، لكنه فطن للدسيسة فطرد المندوب، وكررت إنجلترا نفس المسعى فأرسلت السير أنطوني جنكنسون Anthony Jenkinson سنة 1592م في مهمة مماثلة، لكن الشاه واجهه بنفس الكيفية التي واجه بها السفير البندقي، فقد طرده عندما شعر بنواياه في إلقاح الفتن بين المسلمين([368]).
ـ من طرد البرتغاليين من الخليج؟
تبين مما مضى أن الصفويين ليسوا من ذوي النزعات المذهبية، وأن مواقفهم من إخوانهم السنيين على عكس ما يصفهم بها ذوو الأغراض و النعرات الطائفية من الكتاب والباحثين، فكيف كانت علاقتهم بالبرتغاليين؟
لا جدال في أن تراخي الشاه عن منازلة البرتغاليين لم يكن إلا من ضعف وقلة حيلة، لأنهم لم يكونوا يملكون الجيش القادر على مواجهة تلك الأساطيل المزودة بالأسلحة الفتاكة، أما وقد توفر السلاح فإنهم لم يدّخروا وسعاً في مقاومتهم، بل والقضاء عليهم، ومن يتتبع ما كتبه البرتغاليون أنفسهم عن ضراوة المعارك التي خاضها الشاه عباس الأول معهم سيقدر، بدون شك، تلك الروح الجهادية التي حارب الفرس بها، ومقدار ما شحنت به صدور البرتغاليين من الحقد والكراهية لهم بسببها. يقول روي فيريرا اندرادي، وهو أحد القادة البرتغاليين، في وصفه لإحدى المعارك التي خاضها الفرس ضدهم في قشم: (لقد وعد إمام قلي خان حاكم شيراز بأنه سوف ينتصر على البرتغاليين في خلال عشرة أيام، وسوف يدخل قلعة قشم، ولذا تم تجنيد عشرة من الجنود الفرس لكل جندي برتغالي، وأخذ عهداً على نفسه بأنه سوف يجبرهم على دخول الإسلام)، ويتبين من حجم المبالغة في التقليل من خسائر البرتغاليين، وتضخيم الخسائر البشرية في الجانب الايراني مقدار الحنق والحقد الذين يشعر بهما البرتغاليون تجاه الفرس، فهذا فريرا يواصل روايته لمعركة قشم فيقول: (في نهاية النهار فقد الفرس ثلاثة آلاف قتيل، أما في الجانب البرتغالي فكان القتلى البرتغاليون ثلاثة([369])، وبهذه الرواية صدق المثل العربي: (رجل كألف وألف كما رجل).
لا أريد بطبيعة الحال تتبع المعارك التي خاضها الايرانيون ضد الأساطيل البرتغالية فهذا أمر لا يفي به مقال، لذلك سأقتصر على عرض سريع لأهم إنجازات الفرس ضد الأساطيل البرتغالية في الخليج. في سنة 1602 م ـ 1011هـ تمكن الشاه عباس الأول من طرد البرتغاليين من البحرين، بقيادة كمال ـ جمال الدين ـ الكردي الفيروز آبادي.
في سنة 1615م قام بطردهم من بندر عباس (غومبرون). هذه الميناء أسسها الشاه عباس الأول عوضاً عن هرمز واحتلها البرتغاليون.
في سنة 1616م بذل البرتغاليون محاولات مضنية لعقد صلح مع الشاه عباس الأول باءت جميعها بالفشل.
في حوالي سنة 1620 قام بطردهم من الساحل الغربي بالتعاون مع العُمانيين، وفي ذات الوقت بدأ بعمليات من البر الفارسي لتهديد التموينات القادمة للبرتغاليين في هرمز، ومحاصرتهم في قلعة قشم، التي تمون هرمز بالمياه. وبنهاية يوم 23 ابريل من عام 1622م استسلم آخر معقل لهم في الخليج، وهي جزيرة هرمز ذات المجد الباذخ والتاريخ العريق، وبذلك خضدت شوكة أعظم امبراطورية تحكمت بهذه المنطقة مدة تنيف على قرن من الزمان، وبعد ذلك قام بطرهم من صحار وخورفكان في ساحل عمان([370]).
ولئن استعاد البرتغاليون هاتين المدينتين وأخذوا يوجهون الضربات المزعجة للقوات الفارسية إلا أنها ضربات المذبوح ساعة النزع والإحتضار، إذ سرعان ما أصبحوا عرضة للهزائم بسبب الغارات التي يشنها العمانيون بين الوقت والآخر، حتى استسلموا لهم في 3 كانون الثاني سنة 1650م، ثم جاءت الضربة القاضية بطردهم من ميناء كنك آخر معاقلهم في الخليج([371]).
كان بوسعنا أن نقول بانقشاع ظل البرتغال من الخليج نهائيّاً بخسارتهم لكنك لولا تحالف العثمانيين معهم وتأجيرهم ميناء البصرة، ثم السماح لهم بإقامة وكالة تجارية و مركز للتبشير ومدارس لاهوتية فيها، وهذا ما أغضب الايرانيين وحملهم على استهداف البصرة بحملاتهم المتكررة([372]).
ينبغي أن ننبه إلى ملاحظتين قبل ختام الحديث عن الدولة الصفوية. الأولى أن الصفويين لم يسجل عليهم أي صدام للأتراك في الخليج قد ينسب إليهم فيه إعاقة الأتراك عن تحقيق أهدافهم في نصرة المسلمين، أما الثانية فإن العثمانيين لم يسجل لهم أي احتفاظ بأي مكان من الأماكن التي يحتلونها من البرتغاليين، ولم يحدث مرة واحدة أن سلموا بلداً لحاكمه بعد طرد البرتغاليين منه، مما يشير بوضوح إلى أن نشاطهم في الخليج ليس أكثر من أعمال قرصنة.
ـ العثمانيون في حلبة الصراع مع البرتغاليين
الأهداف والدوافع
رأينا في ما سبق أن الدولة المتهمة بالتحالف مع البرتغاليين ضد المسلمين هي التي تولت مهمة القضاء عليهم وتخليص المسلمين منهم، بينما رأينا الأخرى الممدوحة بالمبادرة لإنقاذ المسلمين هي وحدها التي قدمت العون والتسهيلات لهم دون سبب أو مبرر، إلا لإحسانهم إليها ببضع سفن يحمون بها البصرة([373]).
بقي أن نعرض مسلك الدولة العثمانية مع أولئك المسلمين الذين هبت لنجدتهم لنرى هل إنها فعلاً هبَّت لمقارعة البرتغاليين غيرة منها على الإسلام ولحماية المسلمين؟
إنَّ قدسية التعصب تأبى على المتعصبين أن يقروا بالحقائق من باب (حبُّك الشيءَ يعمي ويصم)، غير أن الحقيقة تقول إن مبادرة العثمانيين لمواجهة البرتغاليين لم تكن لتتم لولا التنافس الأوروبي، فمعلوم أن البرتغاليين بعد نجاح فاسكو دي جاما في الوصول إلى الهند سنة 1498م أخذوا في مهاجمتها ابتداء من حملة بدرو الفاريز، ولما فشل في تحقيق أي نصر وعاد منهزماً عاد السفاح فاسكو دي جاماً إليها ثانية سنة 1502م ليبدأ مسلسل البطش والفتك بدءاً من السواحل الإفريقية وحتى الهند، فهاجم السفن العربية في البحر الأحمر، وتعرض للحجاج فصادر سفنهم، وسبى النساء، وباع الرجال.
فمتى تحرك العثمانيون لمواجهة البرتغاليين، وبأية بواعث؟
في ما يتصل بتحرك العثمانيين فإن أول حملة وجهوها هي حملة سليمان الخادم من مصر سنة 1537م، أي بعد 31 عاماً من غزو البرتغاليين لسواحل افريقيا والهند المسلمتين، أو بعد 30 عاماً من فتكهم بمسلمي الخليج، أما البواعث فهي معروفة بوضوح، فحين تأكد لحكام البندقية أن البرتغاليين شكلوا خطراً جديّاً على مصالح البندقية في الشرق، بادروا بتشكيل تحالف مع العثمانيين للوقوف ضد البرتغال، وبجهود مشتركة تكوَّن أول أسطول في مصر سنة 1537م، وأرسل إلى الهند بقيادة سليمان باشا الخادم([374])، وما يقال من أن الهدف كان إنقاذ المسلمين فسوف نتبين مصداقيته من عدمها من خلال الأعمال الحربية التي قام بها هذا الأسطول ضد البرتغاليين، وفي ما يلي يتحدث أحد المعاصرين لتلك الأعمال وهو المؤرخ قطب الدين النهروالي (917 – 990 هـ) عن ذلك الأسطول المجاهد في (سبيل الله) لإنقاذ المسلمين والأعمال التي تم تدشينه بالحديث التالي ملخصاً:
أثناء وجود القائد الغضنفر في مصر لإعداد حملة الجهاد التي كلفه بها السلطان سليمان القانوني؛ قام بقتل جانم الحمزاوي وولده يوسف أمير الحاج المصري، وجانم الحمزاوي هذا كان قد أعاد مصر للسلطنة العثمانية بعد تغلبه على أحمد باشا المتمرد على السلطان العثماني، ثم «تملح» – العبارة لقطب الدين النهروالي صاحب الرواية – بصَلب أمير الصعيد داود بن عمر في باب زويلة غدراً، وأتبع ذلك بقتل عدد من أمراء الصعيد منهم ابن أبي الشوارب، وزُعير. هذا قبل أن يبدأ رحلته الموصوفة برحلة (الجهاد).
بدأ رحلته بالتوجه إلى جدة، فنشر الرعب فيها، وحبس أهلها أنفاسهم حتى غادرها إلى عدن، فقام أميرها عامر بن داود بتزين المدينة استبشاراً بقدوم المنقذ العثماني، لكن القائد استدرجه إلى سفينته فغدره وصلبه ومن في معيته من أعيان عدن القادمين لاستقباله، واستولى على عدن.
توجه إلى الهند تسبقه أخبار (بطولاته) التي اقترفها في مصر وعدن، فكان من الطبيعي أن يقابل بالريبة والحذر، فعمد الهنود إلى تخويفه من البرتغاليين، وكان – كما يصفه النهروالي – (خوَّاراً، خوَّافاً لم يعهد منه شجاعة ولا إقدام، وإنما كان يفتك بمن يقع في يده مأسوراً مربوطاً)، فدب الخوف إلى جنوده فتخلوا عنه، والتحقوا بخانات الهند.
يقول النهروالي معلِّقاً على الحال التي آل إليها جنود سليمان باشا في الهند: (وتفرقت عساكره، وصاروا يخدمون خوانين » خانات؟ « الهند طمعاً في العلوفة » المعاش؟ « فإن واحداً من أفراد العسكر إذا كانت علوفته عشرة عثامنة » ليرة عثمانية؟ « كل يوم يجعلون له ديناراً ذهباً كل يوم، فازداد بذلك خوف سليمان باشا، وترك المدافع الكبار لخداوند خان وركب في أغربته وعاد إلى اليمن).
ألقى مراسيه في المخا من اليمن، وأرسل إلى أميره الناخوذة أحمد يستدرجه إلى سفينته، وحذَّر أحمد معاونوه من مغبة الإنخداع بوعود سليمان باشا، لكنه لم يصغ لتحذيراتهم، وحمل إليه الهدايا، وكان بصحبته ولداه، وهما صبيان دون سن المراهقة، وما أن وصل إليه حتى أمر بقتله، وقتل ولديه ومن معه من العبيد. واستولى على اليمن، وعين لها والياً من قبله.
بعد مغادرته اليمن توجه إلى جدة لأداء مناسك الحج.
ونترك وصف هذا القائد الحاج المجاهد إلى معاصره النهروالي يقص علينا في مقتطفات من مسلك القائد البطل في المشاعر المقدسة، بعد حذف السجع وما ليس له صلة بموضوعنا: (وأظهر سليمان باشا جبروته بمكة، وعمل ديواناً في مقام الحنفي، ونصب له كرسيّاً وجلس عليه، وكان قاضي مكة – يومئذٍ – مصلح الدين أفندي، المعروف بمصدر مصطفى، وهو أول قضاة الأروام الذين تولوا قضاء بيت الله الحرام، فطلبه إلى ديوانه بمقام الحنفي، وأجلسه تحت الكرسي في الأرض).
لنترك النهروالي يواصل نقله السيناريو الذي دار بين الباشا وبين شخص من الأروام صوفي يقال له موسى، وينبز بقزل آشك، فالذي يهمنا منها أنه أمر بضربه – دون رعاية لحرمة بيت الله – لا لشيء إلا لأنه ينبز بنبز لم يستسغه الباشا، ولنواصل الإستماع إلى النهروالي يتم لنا سيرة البطل: (واستعظم الناس بعض أوضاعه الجبروتية، وطلع إلى عرفات الحج مع سائر الحجاج، وهو في غاية الإعوجاج …. بل يقال إنه دار في أرض عرفة بخيم الناس ومضاربهم، فمهما أعجبه منها كتبه عنده، وكتب اسم صاحبها في دفتر، فلما عاد من الحج أرسل إلى أصحابها لطلبها منهم)([375]).
كل هذه الفظائع يسميها إخواننا المؤرخون المعاصرون جهاداً، ولنجدة المسلمين، وحمايتهم من البرتغاليين، وما ينبغي أن نشير إليه هنا هو أن البرتغاليين عجزوا عن تحقيق أي نصر لهم في اليمن لأسباب معروفة أهمها حصانة المواقع الدفاعية، والجبال، أما العثمانيون فقد استغلوا ثقة اليمنيين بهم، وفرحتهم باستقبالهم ففعلوا ما لم يفعله البرتغاليون.
اليمنيون ليسوا وحدهم من خدع بالعثمانيين، وعلقوا عليهم أمل الخلاص من قبضة البرتغاليين، فقد خدع أهل القطيف أيضاً حينما انتقضوا على الوالي الهرمزي الخاضع للبرتغاليين، وأخرجوه، وسلموا بلدهم إلى العثمانيين، إذ سرعان ما تبين لهم خطأهم، وأدركوا أنهم بلجوئهم إلى الأتراك صاروا كما قال الشاعر:
المستجير بعمر عند كربته
كالمستجير من الرمضاء بالنار
فالبرتغاليون ـ في تلك الآونة – قد هدأت شرتهم، وتخلوا عن وحشيتهم التي مارسوها عند بدء غزوهم المنطقة، أما الأتراك فبرهنوا على أنهم أكثر شراسة وعنفاً، فقد أرهقوا الناس بالضرائب والعنف والمصادرات، ونسوق فيما يلي شذراً من ممارساتهم في القطيف والبحرين بعد أن نمهد بسطور نعرف من خلالها كيفية دخول العثمانيين في المنطقة.
في سنة 1521م قام البرتغاليون بانتزاع البحرين من الجبريين بعد تغلبهم على مقرن بن زامل الجبري، ثم ألحقوا بها القطيف، وانحصرت إمارة بني جبر في الأحساء، وما لبثت أن انتزعها منهم راشد بن مغامس حاكم البصرة، وعندما استولى السلطان العثماني سليمان القانوني على بغداد سنة 1534م بادر راشد بن مغامس فتنازل عن الحكم، وسلم مفاتيح البصرة إلى السلطان العثماني، فأنعم عليه بولاية البصرة، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت الأحساء ولاية عثمانية بحكم خضوع حاكمها للعثمانيين.
في سنة 1539م قام أهالي القطيف بطرد الوالي الهرمزي الخاضع للبرتغاليين، مستنجدين بالأتراك، فألحقت القطيف بولاية الأحساء تحت إمرة (مانع بن راشد بن مغامس الذي كان يحكم الأحساء من قبل الأتراك نيابة عن والده، (اعتبر المؤخون تاريخ طرد القطيف للوالي الهرمزي سنة 1550م، لكن الوثائق البرتغالية تحدد الحادثة بالتاريخ الذي ذكرناه) راجع بحثنا بعنوان؛ شيئ عن الوثائق. العدد الثاني من الواحة.
قريباً من سنة 1545م عقد مانع النية على احتلال البحرين وضمها للأتراك على ما يبدو، فأغضب ذلك أهالي المنطقة فثاروا عليه، وشارك في الثورة عليه حتى أتباعه وقادته من القطيف والأحساء، وهذه أول بادرة سخط على العثمانيين وولاتهم.
في البداية تمكن مانع من التغلب عليهم ففر كثيرٌ منهم إلى البحرين مع عوائلهم، ومن بين الشخصيات التي نزحت إلى البحرين الشيخ عبد الله بن مسلم من الأحساء، وحسين بن رحال – الظاهر أن آل رحال من القطيف – ثم زحف على القطيف لكنه وجد مقاومة عنيفة فتخلى عنها، وتوجه إلى البصرة حيث واجه ذات المقاومة، وطرده الأهالي فعاد إلى الأحساء، وكان قبل ذهابه إلى البصرة قد بنى قلعة في القطيف (لا توجد لديّ معلومات واضحة عنها). وهذه الحركة أيضاً أولى محاولات التحرر من العثمانين.
قام الفارون الى البحرين بزعامة ابن مسلم وابن رحال بتمويل أسطول برتغالي بقيادة القبطان البرتغالي برنالدين دوسوزا لانتزاع القطيف من مانع، وتمكن هذا الأسطول من الإستيلاء على القطيف، وعين عليها أميراً من قبل هرمز اسمه نور الدين بن شرف الدين (هو أبو ركن الدين محمود حاكم البحرين من قبل هرمز وممدوح الشيخ جعفر الخطي([376])، وبهذا عادت القطيف – مضطرة – إلى البرتغاليين بعد تجربة مرة عاشتها في ظل العثمانيين، لكن العثمانيين لم يقر لهم قرار حتى استعادوها مرة أخرى.
في حدود سنة 966 هـ حاول الوالي العثماني مصطفى باشا أن ينتقم من آل رحال فقام بمصادرة أموال أحد أثريائهم واسمه جمعة بن رحال من القطيف، فلجأ هذا إلى البحرين ويبدو أنه حظي بتضامن واسع من قبل تجار اللؤلؤ القطيفيين الناقمين على العثمانيين؛ فتبعوه إلى البحرين مع ما يملكون من سفن صيد اللؤلؤ فأدى ذلك إلى أزمة حادة في تجارة اللؤلؤ في القطيف، ولم يكتف مصطفى باشا بذلك، بل وجه حملة عسكرية لاحتلال البحرين باءت بفشل ذريع، ولم ينج من جنوده إلا نفر قليل عادوا إلى القطيف على سفن برتغالية مستأجرة، وبسبب هذا الفشل عزل من منصبه فانتحر([377]).
مرت بعد ذلك عقود من الصراع الدامي بين الأهالي في الأحساء والقطيف وباديتيهما، وبين العثمانيين، حتى بلغت الصدامات ذروتها في سنة 999 هـ حيث استجمع العثمانيون كل قواهم وحشدوا جيشاً لملموه من بغداد والبصرة والموصل وشهرزور، وأسندوا قيادته إلى حاكم البصرة العام، وقد استطاع الأهالي انتزاع الألوية كافة من أيديهم ولم يتمكن الأتراك من السيطرة إلاَّ على القطيف وصفوى، وفي غمرة هذا الصراع تكرر فرار أهالي القطيف وأعيانها للمرة الثالثة، والإلتجاء إلى البحرين وهي تحت السيطرة البرتغالية([378]).
بوسعنا أن نتبين ماهية العلاقة بين الأهالي والعثمانيين من جهة وبينهم وبين البرتغاليين من الجهة الأخرى إذا ما لاحظنا اتجاه الأهالي في هجراتهم الجماعية، فمن الواضح أنهم يلجأون دائما إلى البحرين الواقعة تحت سيطرة البرتغاليين فراراً من العثمانيين، مما يشير بوضوح إلى اطمئنان الأهالي للبرتغاليين وتفضيلهم على العثمانيين، إذ لم تسجل حادثة واحدة نزح فيها الأهالي من البحرين ولجأوا إلى القطيف إبان السيطرة البرتغالية، ولا أثناء الحكم الصفوي للبحرين، ولم يلحظ مثل تلك الهجرات إلا في فترات لاحقة بعد الإضطرابات التي نشأت عن ضعف الدولة الصفوية، وهي الفترة التي غزا فيها الهولة البحرين وطردوا منها العتوب، وكذلك الفترة التي تعرضت فيها لغزو العمانيين واحتلالهم([379])، ثم استمر النزوح الجماعي لأهالي البحرين تلقاء القطيف منذ ذلك التاريخ حتى مطلع القرن العشرين بسبب ما يتعرضون له من اضطهاد، حتى لقد اعتبرت هذه الوسيلة من العلامات الأساسية على طبيعة العلاقة بين المواطن وحكومته([380]).
بعد كل هذا ينبغي أن نعطي الدور الآن للعثمانيين ليطلعونا على لسان أكبر شخصية في الدولة العثمانية، وهو السلطان سليمان القانوني، ويتحدث عن أهدافه ونواياه من غزواته في الخليج ضمن أمر أصدره إلى واليه على الأحساء ننقل نصه كاملاً في ما يأتي: (وصلت إلينا رسالة من قاضي الحسا أنه يخبر في رسالته أن في البحرين أكثر من ثلاثمائة قرية، ويكتب أحوال البحرين وسهولة فتحها، ولكنكم ما كتبتم في رسالتكم كيف يمكن فتحها، وفي أي وقت يسهل، وكم عدة يلزم لفتحها. نأمركم أنه حينما وصل (يصل؟) إليكم حكمي تتبَّعوا الأحوال، وادعوا القاضي واسألوا عنه هل هذه الأخبار صحيحة؟ وهل عساكر الجزيرة ضعيفة؟ وكيف يمكن فتحها ؟ هل يجب إرسال العسكر من عندنا؟ إذا وجب؛ في أي وقت أنسب وصولهم إليكم ؟ بكم جندي يتيسر فتحها؟ كيف يجب الإستعداد لفتحها؟ كيف ماهية المسألة؟ ومحصول الجزيرة؟ اكتبوا إلينا أجوبة هذه الأسئلة، وسائر الأحوال المتعلقة للجزيرة([381])(.
هذه هي الحقيقة على لسان ذات الرجل الذي قيل أنه هب لنجدة المسلمين غيرة على بيضة الإسلام، ونحن لا ننكر عليه التفكير في (محصول الجزيرة)، فهو ليس بدعاً بين الحكام والسلاطين، وإنما ما ننكره هو التقول عليه بأمور لم تكن دارت بخلده في يوم من الأيام، وهي كدعوى حماية المسلمين من البرتغاليين.
تعاون الفقهاء مع الحكّام الصفويين
لماذا تعاون الفقهاء مع الحكام الصفويين؟ مع أنّ خطة فقهاء الشيعة في كلّ عصر الابتعاد عن الحكام والاستقلال بأمورهم عنهم؟ هذا ما يعلله محقق إيراني في هذا المقال:
قوبل نجاح إسماعيل الصفوي بإقامة دولة شيعية بإيران ـ قوبل بنقمة عارمة من ثلاثة دول إسلامية كانت يومذاك تتقاسم العالم الإسلامي باعتبارها أكبر دوله([382])، هذه الدول الثلاث هي: الدولة الأوزبكية والدولة العثمانية ودولة المماليك فقررن فيما بينها القضاء متحالفة على الدولة الشيعية الناشئة.
وإنّ خير ما يصوّر لنا نظرة هذه الدول إلى الدولة الصفوية هو ما كتبه مؤرخ معاصر لتلك الأحداث، من المقربين للسلطان سليم العثماني، والعارفين بنواياه ومقاصده، ذاك هو قطب الدين النهروالي الذي قال في كتابه (الإعلام بأعلام بيت الله الحرام) وهو يتحدّث عن وقائع إسماعيل الصفوي وانتصاراته: «فلمّا وصلت أخباره (إسماعيل الصفوي) إلى السلطان سليم خان تحرّكت فيه قوّة العصبية، وأقدم على نصر السنّة الشريفة السنية، وعدّ هذا القتال من أعظم الجهاد، وقصد أن يمحو من العالم هذه الفتنة وهذا الفساد، وينصر مذهب أهل السنّة الحنيفية على مذهب أهل البدع والإلحاد، ويأبى الله إلاّ ما أراد فتهيأ السلطان سليم بخيله ورجله وعساكره المنصورة ورحله وسار لقتاله([383])».
وكتب السلطان سليم إلى عبيدالله الأوزبكي في سمرقند يحرّضه على إسماعيل الصفوي فاستجاب له، وطلب إليه أن يمدّه بالمدفعية وغيرها من الأسلحة النارية وبعدد من محاربي (اليني جري) فلبّى السلطان سليم طلبه وأرسل إليه ثلاث مئة مقاتل (يني جري) مع عدد من المدافع والبنادق فوصلت بخارى في أوائل العام 921هـ.
وأرسل السلطان المملوكي في مصر قانصوه الغوري إلى السلطان العثماني رسالة يقول فيها: «… وأمّا مسألة القضاء على فرق القزلباش([384]) الضالة في بلاد الشرق فهي في حكم البلاء العام ولذلك فإنّ جهادهم واجب على القريب والبعيد ونحن عازمون على النهوض لجهادهم وقطع أيديهم عن رقاب الناس ولكنّا نحتاج في ذلك إلى تأييد ودعم الآخرين وفي الحقيقة فإنّ التعاون في ذلك فرض على المسلمين لأنّ القزلباش أهل بدعة وضلال وهم أناس أشقياء وأشرار وجميعهم من الروافض الملعونين، وليس في قلوبهم أثر من الرحمة والشفقة فهم يقتلون العلماء والسادة ويهتكون أعراض الناس ونواميسهم وتصدر عنهم أمور لم تصدر من قبل عن جنكيز وتيمور…»([385]).
على أنّ التأليب على الصوفيين يسبق ظهور إسماعيل وقيام الدولة الصوفية فعندما بدا أنّ تحركاً صفوياً بدأ يظهر قوياً في عهد حيدر الصفوي والد الشاه إسماعيل شجع العثمانيون في عهد بايزيد والد السلطان سليم، شجعوا حكام (أق قويونلو) التركمانيين على الإطاحة بهؤلاء الصفويين المتهيئين للبروز حكّاماً فاعلين، فبعد أن نجح يعقوب بيك حاكم (آق قويونلو) في قتل حيدر أرسل باعتباره حليفاً للعثمانيين رسالة إلى السلطان العثماني بايزيد يبشره فيها بهذا النبأ، وممّا جاء في هذه الرسالة ما تعريبه: «إنّ شجاعتهم في الحرب لم تستمر إلاّ من الظهر حتّى العصر، وإنّ كؤوس رؤوسهم امتلأت بالدماء بفضل السيوف الصمصامة، وإنّ أنجاس هؤلاء الخبائث غُسلت من صفحات الحياة، وإنّ الشيخ حيدر قتل في المعركة وإنّ سفينة حياته لم تتمكن أن تصل إلى ساحل النجاة أثر تلاطم أمواج الهلاك {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}. بما أنّ هذه الفرقة الضالة وأعداء الشريعة النبوية وخصوم الطريقة المرتضوية والخارجين عن الدين والدولة فإنّ بشارة خذلانهم هي خير بشارات أصحاب الدين والأمة وأعظم مسرات رجال الدولة وكان من الواجب أن نقدّم هذه البشرى إليكم».
أعرب السلطان بايزيد العثماني عن ارتياحه وسروره لمقتل الشيخ حيدر في ردّه على رسالة يعقوب وأساء إلى الصفويين وأنشد بيتين من الشعر في ذمهم.
يقول فريدون بيك في المنشآت: بعد أن تسلّم الوند ميرزا بن يوسف بن أوزون حسن السلطة في آذربيجان وكذلك السلطان مراد بن يعقوب آق قويونلو استمر تبادل الرسائل بينهما وبين بايزيد العثماني وإنّ جميع هذه الرسائل تشير إلى التعاون بين العثمانيين وآق قويونلو في القضاء على الشاه إسماعيل وأنصاره من الشيعة.
يشير السلطان بايزيد في إحدى رسائله إلى الوند بيك التركماني قائلاً: إنّ قصة هذه الطائفة الشقية قد جاوزت الموعظة والنصيحة وإنّ المنارة العالمية تبدو قصيرة أمام جبل الوند، إذاً يجب بالتعاون مع بقية الفرق والطوائف السعي في إبادة هؤلاء. وقد طمأن الوند في رسالته أنّه لن يتوانى عن تقديم أي عون وإخلاص وأعرب عن أمله بأن يزيل أسماء وعناوين هؤلاء الملاعين من صفحات الأيام بعون الله وتوفيقه.
إضافة إلى الرسائل المذكورة هناك مكاتبات أخرى باللغة العربية بين بايزيد الثاني وسلطان مصر الغوري وإنّ السلطان العثماني أشار في بعض هذه الرسائل إلى ظهور رجل في بلاد الشرق قضى على حكام تلك النواحي وسيطر على سكانها، ويقصد بايزيد بذلك الشاه إسماعيل الصفوي وأجاب سلطان مصر الغوري على رسالة بايزيد قائلاً: «… وأمّا قصة غلبة الفرقة الضالة في البلاد الشرقية فإنّها بلية تامة ظهرت في تلك النواحي فدفعهم واستئصالهم واجب على الأداني والأقاصي لأنّهم أهل البدع والضلالة وأصحاب الشر والشقاوة كلّهم روافض وجميعهم ملاعين ليس في قلوبهم الردية أثر للرحمة والشفقة ولا في طينتهم الخبيثة علائم الهداية والرأفة وإنّهم هتكوا عرض المؤمنين والمؤمنات وقتلوا علماء الدين والسادات وأغاروا على أموالهم وأسروا صبيانهم وعملوا أعمالاً لا يرى مثلها أحد حتّى خروج الأنسال الجنكيزية، ولا سمع بشبيه لها حتّى في ظهور الأحزاب التيمورية».
تحالف العثمانيين والأوزبك
لم يستغل العثمانيون النفوذ المذهبي للقضاء على الحكومة الشيعية فحسب بل إنّهم قبل حرب چالدران عقد السلطان سليم اتفاقاً مع حليفه الأوزبكي ونسّق معه وطلب منه أن يستغل هذه الفرصة للأخذ بثأر والده من العدو المشترك أي الصفويين وجاء في بعض رسالة السلطان سليم إلى عبيد الله الأوزبكي: «… منذ مدّة وسكان بلاد الشرق يضجون من ابن الصوفي اللئيم النجس الأثيم الأفّاك الذميم السفّاك {ومن الناس من يقول آمنّا بالله}، وقريباً فإنّ الجيش الهمايوني سينزل على جنود الشياطين وزعيمهم العنيد الملعون ورئيس قافلة الغرور والحقد ورئيس قطاع الطرق في العالم والدين، وأنّ لكلّ مؤمن موحّد بغض في الله لتلك الطائفة وإنّك بسبب مقتل والدك الكبير تغمده الله بغفرانه أكثر الناس قرباً من هذه الحقيقة».
ورداً على رسالته أجابه عبيدالله خان الأوزبكي إلى التعاون ووصف الشيعة بأنّهم ملاعين لا دين لهم ورفضة وعقيدتهم خبيثة، وأشار إلى محادثاته مع قورلتاي وقرار إبادة الشيعة وكتب «واتفقنا مع قورلتاي على إزالة هذه المجموعة المكروهة المتقلبة والفرقة الضالة الرافضة لعنهم الله ودمرهم، نسأل الله أن يوفقنا في كلّ أمر وخاصّة في هذا الأمر، وأن نمحي فساد هؤلاء الظالمين من العالم إنّه رؤوف بالعباد».
إنّ حقد وعداء العثمانيين والأوزبك المتّحدين معاً على الصفويين والشيعة يظهر بوضوح في هذه الرسائل. ومن هنا كان لا بد لعلماء الشيعة من التعاون مع الحكام الصفويين، ولو لم تكن الحكومة الصفوية الشيعية تتمتع بدعم قوي من الشعب وعلماء الدين الشيعة، فعاجلاً أو آجلاً كان يأتي دور إبادة الشيعة في إيران بعد سقوط الصفويين.
وفي البحث سنحاول التحقيق في الأسباب والدوافع الخارجية للتعاون بين علماء الشيعة والصفويين وإحدى هذه الأسباب هي لا شك مذبحة الشيعة على يدي العثمانيين.
عدوات العثمانيين المذهبية للشيعة في عهد الشاه طهماسب وما بعده
في عهد الشاه طهماسب كما كان الحال في عهد والده الشاه إسماعيل، كانت إيران في صراع مع جارين معتديين ومزاحمين، السلطان سليمان القانوني الذي تربّع على عرش السلطة العثمانية خلال القسم الأعظم من عهد حكومة الشاه طهماسب وقد قام طوال الأعوام من 940 إلى 961هـ، بأربع هجمات على حدود شمالي غربي إيران بحجج وذرائع مختلفة، إنّ هذه الاعتداءات العسكرية كانت ناجمة عن العداوات والمعاندات الدينية العثمانية ضد النظام الشيعي الجديد. وكان الشيعة في الدولة العثمانية يعانون الاضطهاد الدائم فيقاومونه بالقيام عليه مثل الذي حدث في رمضان سنة 933هـ فبعد وفاة الشاه إسماعيل استمرت المقاومة الشيعية في الأناضول.
يقول مؤلف التاريخ العثماني: في ذلك التاريخ جمع قلندر الچلبي بين عشرين ألف وثلاثين ألف من الشيعة حوله وخاض المعركة وتغلب على الحكّام والولاة وكانت عملياته سريعة للغاية بحيث اضطرت الحكومة المركزية لأن تعلن أنّه إذا لم تخمد الاضطرابات بسرعة فإنّ الحالة في الأناضول ستصبح خيرة، ونظراً لأهمية الموضوع فقد كُلّف الوزير الأعظم إبراهيم باشا لإخماد الاضطرابات.
يقول هامر: «إنّ الأتراك الآن يعتبرون الألمان كفاراً ويعتبرون الإيرانيين رافضة وإنّ الحرب عليهما حسب أمر القرآن وفتوى أصحاب الفتيا واجب مذهبي ولقاء المذبحة الكبرى التي قام بها سليم الأوّل للشيعة في بلاده قبل حربه مع إيران قام سليمان ابنه عندما وصلته تهنئة الشاه طهماسب بتوليه الحكم بالرد عليها بقتل جميع الأسرى الإيرانيين الذين كانوا سجناء في گاليبولي ممّا هو دليل على وحشيته وكان ينتظر الفرصة لشن الحرب على الإيرانيين».
في سنة 961هـ في عهد سليمان هذا عندما دخلت الجيوش العثمانية تبريز أباح جنوده لأنفسهم حسب فتوى علمائهم أموال ودماء الروافض من أهل إيران بل اعتبروا أنّ هذا التصرّف من الواجبات.
وفي عهد السلطان محمد خدابنده وابنه الشاه عباس هجم السلطان مراد الثالث العثماني على إيران، وأخيراً استولت الحكومة العثمانية على ما بأيدي الإيرانيين في گرجستان والقفقاز وعلى قسم كبير من آذربيجان ومدينة تبريز، ولما كان الشاه عباس مشغولاً بالمعارضين في الداخل في بداية حكومته اضطر إلى المصالحة مع الحكومة العثمانية وسلم لها قسماً من لرستان وقلعة نهاوند، وخلال عشرين عاماً من حكم العثمانيين لآذربيجان كان الشيعة في عذاب وألم.
يقول اسكندر بيك الكاتب: إلى عهد السلطان مراد خان الثالث كان السلاطين العثمانيون والأوزبك الذين كانوا قد هاجموا آذربيجان وخراسان، كانوا لا يأسرون النساء والأطفال الشيعة، وكان الصفويون يتجنبون ذلك ولكن في عهد السلطان مراد خان مارس الأتراك والتتر في آذربيجان وشيروان هذا الأسلوب وأسروا جماعة من الأطفال والنساء الشيعيات والسادات وباعوهم في اسطنبول ودول أوروبا الشرقية إلى المسيحيين.
وبعد أن ثبَّت الشاه عباس حكومته في الداخل وقضى على المخالفين الأوزبك توجّه نحو غرب إيران وبدأ بتحرير المناطق التي كانت قد احتلت وتقدّم إلى بغداد والنجف وكربلاء والكاظمين وسامراء واستولى عليها من العثمانيين.
العداوة المذهبية تمهيد للحروب بين الأوزبك والصفويين
إنّ أحد الأسباب المهمة في التعاون بين القيادتين السياسية والمذهبية في العصر الصفوي وجود أعداء مشتركين في الخارج، إنّ حفيد جنكيز خان المغولي شيبك خان الأوزبكي([386]) الذي لم تكن تقل عصبيته المذهبية عن عصبية حليفه العثماني استولى على خراسان بعد أن عزل خليفة السلطان حسين بايقرا من السلالة التيمورية، وبدأ بتعذيب وإيذاء الشيعة واضطهادهم.
ولأجل ردعه عن ذلك أرسل الشاه إسماعيل على سبيل الإنذار وتبيين حقيقة مواقف الشيعة، أرسل على دفعتين رسالة إلى شيبك خان، الدفعة الأولى مع القاضي نور الله والدفعة الثانية مع الشيخ محيي الدين أحمد الشيرازي المعروف بالشيخ زاده اللاهيجي، وهما من كبار علماء الشيعة المعروفين، أرسل إليه لمنعه من الإجراءات الفظيعة.
ولمّا وصل الشيخ زاده إلى مجلس شيبك خان الأوزبكي، كان أوّل سؤال طرحه شيبك خان حول مسألة المذهب حيث سأل الشيخ زاده: «لماذا أحدثتم مذهباً تقولون فيه ما تقولون؟ فأجاب الشيخ: عجيب منك أن تسمّي المذهب الشيعي الطاهر بأنّه مذهب محدث، ولا يخفى على خاطر الخان أنّ أكثر من ثلاثمائة أو أربعمائة من المجتهدين والعلماء المتبحرين موجودون في هذا المذهب ألّفوا الكتب والمجلدات العديدة حول آثار هذا المذهب.
ولمّا رأى شيبك خان أنّ الكلام سيطول ويجر الحديث إلى المباحثة انصرف عن هذا الكلام وتحدّث عن الحرب، فقال الشيخ زاده فيما قال: ما على الرسول إلاّ البلاغ، إنّني أبلغ مسامع الخان بأن يعود إلى بلاده، بلاد ما وراء النهر وينسحب من خراسان، فغضب الخان من هذا الكلام وقال: أتحسبني كافراً وتعظني وتنصحني؟
وكان الشاه إسماعيل قد أشار في رسالته الخطية إلى أنّ الواجب الذي ألقي عليه هو ترويج ونشر مذهب أئمة الهدى وتطبيق أحكام الشريعة الغرّاء وطريقة المصطفى والمرتضى البيضاء.
وفي جانب من الرسالة يشير الشاه إسماعيل إلى مودة القربى الواجبة حسب مضمون حديث الثقلين ويدعو شيبك خان إلى الالتزام بها، والرسالة طويلة مفصلة لهذه الأمور.
وبعد أن تسلّم شيبك خان رسالة الشاه إسماعيل من الشيخ زاده اللاهيجي أبدى رد فعل قبيح، وحسب ما ينقله مؤلف روضة الصفاء، أنّه أمر بإرسال كشكول وعصا إلى الشاه إسماعيل وأن يقال له إنّك وريث الكشكول والعصا التي تعود لأجدادك وأنا من أولاد جنكيز ووريث الملك والسيف فإذا لم تقنع بحقيقتك درويشاً فسترى عاقبتك، وهدّده بالقول إنّني قرّرت التوجّه إلى مكّة المعظمة، ففي أي ولاية يعدني إسماعيل باللقاء؟ فأجاب الشاه إسماعيل قائلاً: إنّني قررت زيارة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) إذاً فإنّ موعد اللقاء سيكون في طوس.
وفي سنة 916 هـ زحف السلطان بقواته على خراسان محارباً قوات الأوزبك، وفي هذه الحرب قُتل شيبك خان، فملأ الشاه الصفوي جلد رأس شيبك بالتبن وأرسله إلى حليفه العثماني ثمّ أرسل يد شيبك خان إلى حاكم مازندران الظالم، حيث أنّه كان قد أعلن إخلاصه لملك الأوزبك، وقال: «يجب مد العون إلى ولاء شيبك خان، وقال رسول الشاه إسماعيل عندما وصل إلى حاكم مازندران: بأمر من الشاه إسماعيل، بما أنّ يدك ما وصلت إلى ثوب شيبك خان فها هي يد شيبك أوصلناها إلى ثوبك».
وذهب الشاه إسماعيل بعد هذا الفتح إلى زيارة الإمام الرضا (عليه السلام) ثمّ توجه نحو مدينة سرخس.
كان الأهالي خلال مرور القوات الصفوية يردّدون شعارات التشيع بعد أن كانوا قد ارتاحوا من تعرّض قوات شيبك خان وتقدّمت القوات الصفوية نحو مدينة مرو وعندما وصلت إلى هناك ذهب بعض علماء تلك البلاد مثل أحمد التفتازاني والأمير نظام الدين عبد القادر المشهدي والسيد غياث الدين محمد والقاضي صدر الدين محمد الإمامي والقاضي اختيار الدين حسن التربتي وغيرهم إلى دار السيادة السلطانية للاستقبال كما أنّ الحافظ زين الدين قرأ رسالة الفتح السلطانية على المنبر.
وبعد تعيين حاكم لتلك المنطقة عادت القوات إلى خراسان وفي جامع المدينة صعد الأمير جمال الدين عطاء الله على المنبر بأمر من الشاه إسماعيل وقرأ خطبة صلاة الجمعة وبدأها بذكر مناقب ومفاخر الأئمة الإثني عشر (عليهم السلام) وفي هذا الوقت ارتفع دوي الفرح والتهنئة من كل جانب يميناً وشمالاً.
ومن أهم الحوادث التي حدثت دخول القوات الصفوية بقيادة الأمير نجم الدين إلى مدينة هرات حيث أبلغوا الأهالي عن قرب وصول السلطان الصفوي فبدأ الأهالي بتجميل المدينة وجرى استقبال عظيم للشاه، فأعطى الشاه في المدينة الهدايا والتحف للسادات والعظام والعلماء الكرام والفضلاء كل حسب نسبة درجته العلمية والأهالي الذين كانوا قد أُنقذوا حديثاً من ظلم الأوزبك كانوا يردّدون ويهتفون بشعارات مذهب الأئمة وانتشرت هذه الشعارات رويداً رويداً في جميع بلاد خراسان.
وعيّن الشاه إسماعيل حاكماً على هرات وسلّم أمر القضاء هناك إلى الأمير غياث الدين محمد واستقر هو طوال شهر رمضان وطوال فصل الشتاء هناك وخلال هذه المدّة بذل مساعي بليغة في تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا حدث أن تناول أحد أفراد قواته الخمر أمر بتأديبه. ووصل نبأ فتح خراسان إلى مختلف المدن وكان الحكّام ورؤساء العشاير يصلون إلى هرات لتهنئة الملك.
يذكر مؤلف (حبيب السير) أسماء بعض الرجال الذين شملتهم الألطاف الملكية ومنهم الأمير نظام عبد الباقي والأمير جمال الدين محمد الحسني حيث منحوا مناصب وزراية والقاضي عبد الرحمن الساوئي الذي أصبح مرافقاً للشاه إسماعيل.
وفي الوقت الذي كانت الحكومة الصفوية الحديثة تواجه أخطاراً من قبل العثمانيين والأوزبك. وفي كل لحظة كان من الممكن أن تطاح هذه الحكومة الحديثة التكوين بواسطة هجوم مفاجئ أو مؤامرة مشتركة بين القوتين.
في تلك الأيام كان علماء الشيعة ودون أي ضمان لمستقبل حياتهم كانوا يتعاونون مع الحكام الشيعة لتطبيق وتنفيذ المذهب الشيعي وإنقاذ المجتمع من براثن الحكّام المتعصبين، والدليل على ذلك ما جاء في (حبيب السير) حيث يقول: في السنوات التالية وبعد استشهاد أحد القادة القزلباشية واسمه الأمير نجم الدين الثاني في خراسان، تجرّأ حكّام ما وراء النهر ثانية وعبروا نهر آموية وتوجهوا نحو دار السلطة في هرات. ويقول حول مذبحة الشيعة ومذبحة علماء الدين على أيدي الأوزبك، وأمّا طائفة المتعصبين فإنّهم بدؤوا الغمز والسعاية وألقوا جماعة من الأنصار والأهالي الأبرياء في العذاب وقتلوا مولانا شمس الدين محمد البهخي ومولانا حبيب الله الواعظ ومؤذن الجامع بالسيف والخناجر وكان لهيب هذه الفتنة يتصاعد ويزداد ساعة بعد ساعة، وبعد أن استقر محمد تيمور في دار السلطنة في هرات وعبيدالله خان في مشهد المقدسة وبعض الولايات الأخرى وحكموا لمدّة لا تقل عن ثلاثة أشهر شاع فجأة خبر قرب وصول القوات الملكية إلى حدود خراسان.
ويشرح حسن بيك روملو أحداث وقائع سنة 924هـ عندما تغلب عبيدالله خان على هرات ويتحدث عن مذبحة الشيعة ويقول: «في كل يوم بأمر من الخان الذي لا إيمان له كان يقتل خمسة أو ستة أشخاص في بوابة السوق في هرات بتهمة التشيع وإنّ القرويين الكافرين وسكّان المدن الخونة كانوا يأخذون كل من كانت بينهم وبينه عداوة إلى القاضي ويقولون إنّ هذا الرجل يتعرّض للصحابة، وبحسب هذا القول كان القاضي يأمر بقتل ذلك المظلوم وكان يسحبونه إلى بوابة السوق في هرات ويقتلونه هناك، وقد بلغت المحن ذروتها نتيجة شؤم هؤلاء الحكّام وازداد النهب والسلب في أطراف خراسان».
اغتيال مولانا الهلال الجغتائي
بتهمة التشيع بأمر من عبيد خان الأوزبكي
بعد مضي مدّة على مقتل شيبك خان وبعد أن خرج الموكب الملكي من مدينة هرات توجّه عبيد خان الأوزبكي إلى هرات بعد أن احتل مدينة مشهد وقتل الكثير من الأهالي هناك بتهمة التشيع، وأنشد عبيد خان رباعية هجائية للشيعة ثم أمر بأن تقرأ داخل المدينة وكان مولانا الهلالي آنذاك في هرات فأنشد رباعية رداً على رباعية عبيد خان وأشار في شعره إلى مظالمه في الأهالي.
هذا العالم الشيعي (الهلالي الجغتائي) الذي كانت أشعاره في متناول جميع الناس شعر بالمسؤولية عن الدفاع عن العقيدة الشيعية وبينما كانت نفسه مهدّدة بالقتل والإيذاء من قبل جلاوزة الأوزبك كان ينشد أشعاره بصراحة ردّأ على الأشعار التي كان ينشدها عبيد الأوزبكي بهجو وسب أبناء الشيعة.
إنّ بعض الرجال الذين كانوا يعادون مولانا أبلغوا هذه الأشعار إلى عبيد خان فأمر الخان بإلقاء مولانا في السجن وتعذيبه وبعد تعذيبه وإيذائه بشدّة جاؤوا به إلى بوابة سوق هرات وقتلوه هناك.
فتنة الأوزبك في مشهد المقدسة
وكيفية استشهاد مولانا عبدالله الشوشتري
كانت نيران الحرب بين الأوزبك والصفويين ما زالت مشتعلة في عهد الشاه عباس. وفي الوقت الذي كان الشاه عباس يعمل في إخماد الخلافات الداخلية، استغل الأوزبك الفرصة وزحفوا على شرق إيران ونواحي خراسان.
وكان الشاه عباس يبعث برسائل إلى عبد المؤمن خان الأوزبكي يشير فيها إلى مظالم الشيعة وكتب مرّة في جانب إحدى رسائله قائلاً: «… منذ إشراق شمس الحكومة الدائمة لهذه السلالة إلى زمن وصول الحكم فيها إليّ لم نكن نحتاج في شؤوننا بتوفيق رب العالمين إلى مساعدات أحد وفي أحوالنا لجأنا إلى مالك الملك واستعنا بأرواح الأئمة الإثني عشر عليهم صلوات الله الملك الأكبر، وحسب إرادتهم وصلنا إلى أهدافنا ومقاصدنا…».
وفي رسالة كتبها الشاه عباس ضمن التزامه وتعهده المقررات الدينية لحقوق الأهالي المسلمين في كلّ مكان يقول بالنسبة لإداء فريضة الحج: «… إنّ سكان تلك الولاية قرّروا الطواف ببيت الله الحرام زاده الله شرفاً وتعظيماً وزيارة مدينة خير الأنام عليه الصلاة والسلام. وقد حال دون الحصول على هذا المقصود قيام الفتنة بين الجانبين، ومن أظلم ممّن منع مساجد الله، ونحن نعلم بأنّ النزاع والحرب هي بسبب حب الجاه والملك بين الخان العظيم الشأن والأسرة الجنكيزية وبيني أنا، فلماذا يجب أن يكون طريق مكة المعظمة والمدينة المشرفة مغلقة، فما دخل المسلمين وعباد الله في الصراع والخصام بيننا بحيث لا يتمكنون من أداء أمورهم الواجبة، إنّ وبال ذلك سيكون على عاتقكم وعلى عاتقنا في يوم الجزاء…».
ورغم اللين والملاحظات الطيبة في هذه الرسالة قامت القوات الأوزبكية بالعدوان على حدود إيران وقتلوا الكثيرين من أبناء الشيعة في إحدى الهجمات الشرسة سنة 997هـ.
في هذه السنة عبر الأوزبك نهر جيحون وزحفوا بجنودهم نحو هرات وخراسان وحاصروا مدينة مشهد المقدسة فأمر حاكم المدينة والأهالي في المحلات الواقعة في ضاحية المدينة بالدخول إلى المدينة وحول العمارات إلى أبراج وكان الجميع منهمكين في الدفاع عن المدينة، واستقر العديد من السادات وعلماء الدين وبينهم مولانا عبدالله الشوشتري في الروضة المباركة الرضوية، وزاد الأوزبك ضغطهم على الأهالي المحاصرين حتّى أنّهم أشعلوا النار في بيادر القمح والغلال في الحقول، وكان رجال الجيش يفتشون الأهالي في الطرقات ويمنعونهم من التجول وكانت قوات كبيرة من الأوزبك تهجم على المدينة فتواجه مقاومة ودفاعاً من الأهالي واستشهد الكثير من المدافعين واستمرّت محاصرة المدينة سبعة أشهر فأصيب الأهالي المحاصرون بالمجاعة حتّى أنّ البعض منهم اضطروا لأكل الميتة وكتب مؤلف (نقاوة الآثار) عن حالة سكان مدينة مشهد المحاصرين قائلاً: «… آخر الأمر… ضاق الأمر على المحاصرين ووصل أمر الأهالي إلى حد أكل الميتة والكلاب والهررة وفي مدّة قليلة صار هذا المتاع الثمين في غاية العزة وإذا شوهدت قطة في يد أحد، هجم الأهالي الجائعين عليه كالكلاب المفترسة وربما قتل بعض الناس بسبب ذلك».
ولمّا استمرّ الحال على هذا الشكل فإنّ بعض الأهالي الذين لم يطيقوا هذه البلية ودون علم الحاكم فتحوا ثغرة وأدخلوا الأوزبك إلى المدينة ولمّا سمع الأهالي بهذا الخبر لجؤوا إلى الساحة المباركة وجعلوا من الروضة الرضوية والعمارة الموجودة فيها حصناً لهم، وبعد أن دخل الكثير من الأوزبك إلى المدينة فتحوا بواباتها ودخل السلطان إلى المدينة وبدأ أفراد جيشه بقتل الأهالي وبعد ذلك توجهوا نحو الروضة المطهرة ومارسوا نفس الأسلوب فقاتلهم الناس من الصباح حتّى المساء في الروضة المقدسة وكانت الدماء تجري إلى أن وصلت إلى داخل الحرم.
وبعد ذلك دخل الأوزبك إلى الروضة واعتقلوا جميع من كان لجأ إليها وأخرجوهم للقتل، ويقول هذا المؤرخ إنّ الأوزبك استمروا في قتل وتعذيب أهالي المدينة ثلاثة أيام حيث بلغ عدد القتلى أكثر من ألفين أو ثلاثة آلاف وأمّا المعتقلون من الأهالي فإنّ الأوزبك أرسلوا أكابر أرباب الحرف والمهن إلى ما وراء النهر وكان بين هؤلاء مولانا عبدالله الشوشتري.
يقول اسكندر بيك الكاتب حول شخصية مولانا عبدالله العلمية وكيفية استشهاده في بخارى: «كان مولده في دار الملك شوشتر وفي أوائل شبابه درس علوم زمانه في بلدة شيراز، ثمّ توجّه إلى بلاد العرب واجتمع بكثير من العلماء والفضلاء وخاصّة الفقهاء في جبل عامل وحصل على درجة الكمال في أصول الشريعة، وإرشاد المسترشد ومن هناك سافر إلى مشهد المقدسة وجاور الروضة المباركة لحضرة الإمام واستمرّ مدّة من الزمن في ذلك المكان الشريف في إرشاد الخلق وكان مرحباً به من جميع الناس، ومنذ جلوس صاحب الجلالة في مشهد كان من ندماء جلالته يقدم له المواعظ والنصائح وكانت الألطاف الملكية تشمله في جميع الأوقات إلى أن وقعت هذه البقعة المباركة في سنة 897هـ في أيدي الأوزبكية فاعتقلوه وأخذوه إلى ما وراء النهر وحصلت مباحثات ومناقشات بينه وبين علماء تلك البلاد ورغم أنّه التزم التقية غير أنّ حاكم ما وراء النهر وعلماء الدين الحنفيين قرّروا قتله فقتلوه طعناً بالخنجر والسكين ولم يكتفوا بذلك بل أحرقوا جثمانه الشريف في ميدان مدينة بخارا (رحمه الله تعالى)».
كان الملوك الصفويون بصفتهم المدافعين عن التشيع يقفون في الجبهة الأمامية لصد الهجمات التي كان يقوم بها العثمانيون والأوزبك من الجانبين وعلى هذا الأساس فإذا كان في سلوك بعضهم الشخصي ما يقتضي الطعن بهم من علماء الشيعة فإنّ أبناء الشيعة وعلماء الشيعة في جميع أنحاء إيران كانوا سيعانون ما عاناه أهالي مشهد خلال فتنة الأوزبك وكان جميع هؤلاء سيصبحون ضحية الكوارث والفجائع.
وعلى الرغم من أنّ علماء الشيعة كانوا يعلمون نقاط ضعف السلاطين الصفويين ولكنّهم بصفتهم حماة الديانة والسكان الشيعة فإنّهم يلتزمون بالتعاون معهم رغم أنّ هذا التعاون كان في بعض الأحيان يؤدي إلى الاستشهاد كما جرى لمولانا عبدالله الشوشتري وغيره.
ومن الفقهاء الذين استشهدوا على أيدي الأوزبك الشيخ فضل الله العرب، وحسب ما قال الكاتب الخاص للشاه عباس فإنّه كان فقيهاً من صلحاء وأتقياء مشهد المقدسة وكان يقيم صلاة الجماعة هناك فيجتمع حوله جمع غفير من الناس وقد استشهد هو وعدد من المؤمنين في هجمات الأوزبك.
وكان الشيخ لطف الله العاملي من تلاميذ الملا عبدالله الشوشتري وكان في مدينة مشهد خلال هجوم الأوزبك عليها وكان من جملة مدرسي العلوم الإسلامية والفقه فيها، ولكنّه تمكّن من أن ينقذ حياته من هجمات الأوزبك فسافر إلى قزوين ومنها إلى أصفهان وباسمه قام المسجد الشهير في أصفهان.
وفي الجانب العثماني أباح شيخ الإسلام دماء وأموال ونساء وأولاد الشيعة في إيران وحرض وشجع السلطان التركي الغاضب على الحرب مع الإيرانيين، يقول مؤلف تاريخ إيران: إنّ أحد المؤلفين الأجانب الأوروبيين الذي كتب تاريخ الإسلام نقل في كتابه نص رسالة السلطان سليم إلى الشاه إسماعيل، إنّ السلطان العثماني تجبر وتنمر في عبارات رسالته وقبل أن يبدأ الجيش العثماني حربه أفتى علماء الدين الأتراك بأنّ قتل شيعي إيراني واحد أفضل من قتل سبعين مسيحياً.
وننقل هنا إحدى الرسائل التي بعثها السلطان سليم إلى الشاه إسماعيل قبل حرب چالدران: «بسم الله الرحمن الرحيم قال الله الملك العلام إنّ الدين عند الله الإسلام ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين، ومن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، اللهم اجعلنا من الهادين المهتدين غير المضلين ولا الضالين وصلّى الله على سيّد العالمين محمد المصطفى الأمّي وآله وصحبه أجمعين، أمّا بعد، صدر هذا الخطاب المستطاب من جانب قاتل الكفرة والمشركين قامع أعداء الدين رغم أنوف الفراعين معفر تيجان الخواقين سلطان الغزاة والمجاهدين الملك العادل صاحب العنصر العالي السلطان سليم شاه بن السلطان بايزيد بن السلطان محمد، إليك أنت قائد العجم والزعيم الأعظم القائد المعظم ضحاك عصره وافر أسياب زمانه الأمير إسماعيل.
لقد أفتى أئمة الدين والعلماء المهتدون بأسرهم رضوان الله عليهم أجمعين بكفرك وارتدادك مع أشياعك وأتباعك وقد اتفقوا على قتلك وسبيلك على رؤوس الأشهاد. وبناء على ذلك، فإنّنا ومن أجل تقوية الدين وإعانة المظلومين وإغاثة الملهوفين وإطاعة الأوامر الإلهية وإقامة الآداب الملوكية لبسنا الدرع بدلاً من الأطلس والحرير بعناية الله وحسن توفيقه… حرر في شهر صفر المظفر سنة عشرين وتسعمائة.
ويذكر مؤلف منشآت السلاطين عن إحدى رسائل السلطان سليم إلى الشاه إسماعيل: «… ولمّا تتابعت علينا الأخبار أنّ الأمة المحمدية على منشئها الصلاة والتحية ضللتها آراؤك المضلة وأنك ألغيت أساس الدين المتين ورفعت راية الظلم على أساس الاعتداء ولم تعترف بالنهي عن المنكر والأمر بالمعروف ممّا هو من أصول الشريعة وشعائرها وأمرت شيعتك الشنيعة بتحليل الفروج المحرمة وإباحة الدماء المحترمة وحرضتهم على ذلك، واستمعت إلى العبارات المحرمة والباطلة ودمّرت أربعين مسجداً وبنيت دوراً للأصنام والأوثان ودمّرت أركان الإسلام الرفيعة العالية واعتبرت الفرقان المبين، أساطير الأولين وشيّعت الشناعة واستناداً إلى فتوى العقل والنقل للعلماء الأعلام واستناداً لإجماع أهل السنّة والجماعة، فإنّ في ذمتنا العالية أنّ علو الهمّة من الإيمان نصرة دين الله المنان والقضاء على التقاليد والعادات المحدثة كما ورد في قوله (عليه السلام): «ومن أحدث في أمرنا في هذا فهو رد». وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». وبما أنّ القضاء الرباني والتقدير الصمداني قد وضع أجل أجلّة الكفرة الفجرة في قبضة اقتدارنا كالقضاء المبرم فقد كان من واجبنا امتثال الأمر، لا نذر على الأرض من الكافرين دياراً»، فقد بادرنا إن شاء الله العزيز لقطع دابر كل دنيء بصولة سيفنا المظفر واجتثاث كل شوكة نبتت على ساقية أنهار الشريعة الغراء وأصبحت كالبقلة الحمقاء وإلقائها على أرض المذلة والعار…».
إنّ هذه الرسائل تبرز عمق عداء الحكام العثمانيين اللامنطقي للحكومة الصفوية الشيعية الحديثة التأسيس وتشير إلى أنّ قوتين مذهبية وسياسية داخل الدولة العثمانية قد بدأتا معاً استغلال مشاعر الناس ضد الشيعة وبدأتا بنشر الإشاعات والأخبار المزيفة لتشويه سمعة الحكومة الشيعية.
وجاء في ردّ الشاه إسماعيل على رسالة السلطان سليم: «… بعد هذا مكاتيب شريفة جاءتنا مرة بعد أخرى، استلمناها ولما كانت مضامينها ومحتوياتها قائمة على العداوة ومبنية على الاجتراء ممّا لم نعرف أسبابه وعلله.
فإنّ أغلبية سكان تلك الديار هم من أنصار أجدادنا المكرمين رحمهم اللهم الملك الغفّار وأنّ محبتنا لتلك الأسرة ليست بحديثة بل إنّها قديمة ولم نرغب أن تصاب تلك البلاد بالفوضى والاضطراب كما كان في عهد التيموريين وما زلنا لا نريد أن نغضب ولماذا نغضب فإنّ العداء بين السلاطين تقليد قديم.
أمّا الكلمات غير اللائقة فلا مناسبة لها وهي وليدة أفكار وعقائد كُتّابكم الملحدين من الذين أملوها عليكم وليدة أفكار المحررين الأفيونيين الذين كتبوا هذه الرسائل بأدمغة يابسة جافة…».
فضل الله روزبهان الخنجي محرض السلطان سليم على مذبحة الشيعة وحرب چالدران
الخواجة الأصفهاني فضل الله روزبهان الخنجي هو من الفقهاء الشديدي التعصب، فبعد ذهابه إلى العراقصول
كتب رسالة «إبطال نهج الباطل» في الرد على كتاب نهج الصدق للعلاّمة الحلي سنة 909هـ، وبعد احتلال العراق فإنّه نظراً لحقده وعداوته السابقة للشيعة هرب خوفاً إلى خراسان وبعد أن استولى محمد خان الشيباني على تلك المناطق ذهب إلى بلاط محمد خان وألف بعض الكتب منها: (شيب نامة خان)، و(رسالة الحارثية)، و(مهمان نامة بخارا).
وبعد مقتل الشيباني ذهب فضل الله إلى بلاط ابنه عبيدالله خان في ما وراء النهر، ومن هناك بدأ مراسلة السلطان سليم العثماني محرّضاً له على محاربة الشاه إسماعيل وكان ينظم القصائد الشعرية مشجعاً السلطان سليم على الحرب مع الشاه إسماعيل ويرسلها من ما وراء النهر مع ساع خاص.
هذه الأحداث نموذج للتلاحم والتنسيق بين زعيمي قوّتين سياسية ومذهبية للقضاء على المذهب الشيعي والحكومة الشيعية الحديثة التكوين، إنّ هذا الموقف يمكن أن يكون جواباً على دافع العلاقات بين علماء الشيعة وحكومة الصفويين وردّاً ضرورياً مناسباً للدفاع عن كيان المذهب والمجتمع الشيعيين.
من مشاهير علماء الشيعة
كانت فترة 260 سنة لحياة الأئمة (عليهم السلام) فترة تربية وتأهيل طلاب وأصحاب كبار في العلوم الإسلامية، وظهر بعد الأئمة علماء تتلمذوا على يد أصحاب الأئمة ومن تلاهم من تابعيهم لكي يستمروا بهذا النهج، ومنهم:
1ـ علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي أبو الصدوق وهو من العلماء الكبار وجليس علي بن روح أحد النواب الأربعة والمتوفى سنة 321هـ، من تأليفاته يمكن الإشارة إلى كتاب الإمامة. واستمرّ ابنه محمد بن علي بن حسين الملقب بالصدوق على خطا أبيه، وألف كتباً عديدة في موضوع الإمامة نذكر منها: إثبات الوصية الخلافة وإثبات النص، وناقش معارضي نظرية الإمامة([387]) في مجلس ركن الدولة أحد أمراء آل بويه وتوفى سنة 329هـ.
2ـ وأتى بعده محمد بن النعمان الملقب بالشيخ المفيد المولود سنة 326هـ، في عكبرا القريبة من بغداد والمتوفى سنة 413هـ والقدرة الفكرية لهذا المفكر العبقري العظيم تندرج في خمسة ملاحظات:
1 ـ مخالفته لآراء المتكلمين ونقاشه معهم، نذكر من ذلك: مناظرته لأبي بكر الباقلاني.
2 ـ النقد العقلي لآراء العلماء الموافقين.
3 ـ تنظيم العلوم الإسلامية وتهذيبها.
4 ـ تنقيح علم أصول الفقه.
5 ـ التأكيد على مسألة الزعامة والفلسفة السياسية في الإسلام: (الإمامة) ([388]).
ألف المفيد في فترة حكم آل بويه في بغداد عدّة كتب في موضوع الإمامة، منها كتاب الإيضاح في الإمامة والإفصاح في الإمامة([389])، ويعدّ من أشهر تلامذته السيد المرتضى المولود سنة 355هـ والمتوفى سنة 436هـ، واعتبره علماء السنّة مجدد مذهب الشيعة في القرن الرابع الهجري، ويكفي هذا الرأي ليدل على أهميته، وكان هذا اللقب هو حصيلة جهده الخاص لإعطاء صفة رسمية للفقه الشيعي.
وبرز بعده تلميذه الشيخ الطوسي المتوفى سنة 460هـ، وبالإضافة إلى تأليف كتابيّ التهذيب والاستبصار ألّف كتاب المفصح، في موضوع الإمامة، وبعد دخول السلاجقة بغداد بتعصباتهم العمياء وإيذائهم للشيخ ترك بغداد واتجه إلى النجف وأسس الحوزة العلمية في هذه المدينة.
السيد ابن طاووس من علماء القرن السابع الهجري، ألّف كتاباً في بطلان طريقة المخالفين وقد ذكر في الكتاب آيات في شأن أهل البيت (عليهم السلام) مع دراسة موسعة. وكتابه الآخر يحمل عنوان الطرائف وهو في ردّ العقائد المخالفة وتوفي ابن طاووس سنة 673هـ، ودفن في الحلة.
3 ـ الخواجة نصير الدين الطوسي المتوفى سنة 672هـ، ألّف في مجال الفلسفة السياسية الإسلامية كتاباً بعنوان (الإمامة)، وبسبب نظرياته حول الإمامة أصبح همزة وصل بين العلماء السابقين مثل الشيخ الطوسي والعلماء الذين برزوا في الشيعة في ما بعده، يأتي بعده العلاّمة الحلي ابن أخت المحقق الحلي، ولد سنة 647هـ، وتوفي سنة 726هـ، له كتاب منهاج الكرامة وهو أيضاً في الإمامة، وظهر بعده الشهيد الأوّل محمد بن مكي المستشهد سنة 768هـ، ألّف عدّة كتب منها كتاب اللمعة في الفقه، ويعتبر أوّل فقيه كتب فقه الشيعة.
ولتأليفاته الفقهية أثر مهم في إعطاء رؤية واضحة لأصول الفقه الشيعي. ونظراً إلى سيرة مشاهير علماء الشيعة يمكن القول: أوّلاً: كان موضوع الإمامة من جهة المعتقدات الشيعية دائماً مدار اهتمام وبحث العلماء لأنّ الإمامة وإن كانت أحد أركان معتقدات الشيعة لكن ليست مرادفة لمسألة الحكم وإنّما لها معنى أوسع ويمكن القول إنّ الحكم فرع منها وأصغر غصون شجرة الإمامة.
وبعد هذا التمهيد نبدأ بموضوعنا الذي عقدنا له هذا البحث وهو:
مشاهير علماء الشيعة في العصر الصفوي
عندما يذكر علماء العصر الصفوي يتبادر إلى الذهن أوّل ما يتبادر إلى علماء جبل عامل الذين هاجروا إلى إيران في ذلك العصر فيكون علينا أن نتحدّث عنهم، ولكن الإحاطة بتاريخهم هي أوسع من أن يضمّها كتاب لأنّ عدد الذين هاجروا من كبار علماء جبل عامل إلى إيران في العصر الصفوي، يعادل 1100 شخص([390])، ومن البديهي أنّ دراسة سيرة حياة كلّ هؤلاء غير ممكنة فاخترنا عدداً من العلماء الآخرين. وللتعرّف عليهم بشكل أفضل قسمناهم إلى قسمين، علماء ذوي نفوذ وعلماء ذوي منصب، وكان أكثر اهتمام العلماء البعيدين عن المناصب منصرفاً إلى التأليف والتدريس.
- العلماء ذوو النفوذ
1 ـ السيد عبد الوهاب الحسني التبريزي: كان من أكبر فقهاء الشيعة ووصل إلى منصب شيخ الإسلام في عهد السلطان يعقوب في آذربيجان، ومع وصول إسماعيل الأوّل إلى الحكم شعر بقلق وخوف، فاتجه إلى هرات والتحق بالسلطان حسين ميرزا بايقرا وبعد أن توفي حسين ميرزا كرّمه إسماعيل فزالت أسباب قلقه، ثمّ بعثه الشاه إسماعيل سفيراً لدى السلطان سليم العثماني وفي البدء كان موضع احترام السلطان، ثمّ منع من العودة ولم يلبث أن سجنه السلطان وظلّ في السجن إلى أن استشهد([391])، وهو جدّ السادات عبد الوهابية في تبريز. واستقر أولاده في زمن عباس الأوّل وأشغلوا مناصب عدّة في دار السلطنة تبريز([392])، على أنّ هناك من ذكر سبب تعيّنه سفيراً أنّه حين توفى السلطان سليم سنة 926هـ([393])، بعثه الشاه إسماعيل سفيراً لدى السلطان سليمان ليبلغ التعازي والتهاني للسلطان وبعد أن منعه السلطان من العودة يئس فكتب رسالة لأولاده وبعثها بواسطة تجار من تبريز، فأرسل أولاده إليه رسالة وقد وردت الرسالة في كتاب خلاصة التواريخ([394]).
وذكر في كتاب حبيب السير أنّ تعيينه سفيراً كان سنة 912هـ([395])، من دون أن يشير المؤلف إلى أسباب التعيين، في حين ذكر في كتاب لب التواريخ وخلاصة التواريخ أنّ سنة 926هـ هي سنة إرساله سفيراً([396])، ويبدو أنّ هذا التاريخ هو الأصح، وعن مصيره تشير المصادر إلى أنّه كان سنة 930هـ على قيد الحياة([397])، وقد وضع في بئر لكي يموت فيه ولكنّه أخرج([398]) منها بعد وفاة السلطان.
ـ مولانا شمس الدين محمد الخضري:
كان في سلك أعاظم وأتقياء بلده فارس، عاش في أوائل العصر الصفوي وكان يسكن سنة 930هـ في كاشان وانشغل بتدريس العلوم فيها والفترة التي كان يقطن فيها في كاشان كانت مصادفة للتجاذب مع القضاة والمفتين من غير الشيعة في إيران وكان الناس في هذه الفترة يطرحون عنده مسائلهم الشرعية ومع أنّه لم يكن خبيراً بالفقه وكان بعيداً عن الكتب الإمامية كانت آراؤه سليمة، وكان يكتب فتاواه للذين يطرحون عليه مسائلهم، إلى أن وصل الشيخ علي بن عبد العال إلى كاشان وبعد أن اطّلع على الفتاوى رآها منطبقة على فتاوى علماء الفقه الشيعي.
توفي الخضري سنة 957هـ([399])، ومن آثاره رسالتان، الأولى: تفسير سورة فاتحة الكتاب والأخرى مشتملة على أربعين حديثاً ألّفها باسم الخواجة السارجي([400]) وأرسلهما إلى دار السلطنة بهرات([401]).
2ـ أحمد بن محمد الأردبيلي: من الفقهاء المشهورين وهو المعروف عند الخواص بالمحقق الأردبيلي، وعند الناس بالمقدس، ولد في العصر الصفوي بمدينة أردبيل، وبعد أن ترعرع ودرس العلوم الابتدائية قصد النجف للدراسة ثمّ استقرّ فيها مرجعاً كبيراً.
من تلامذته الشهيد الثاني وبين من تخرجوا عليه يمكن ذكر صاحب المعالم والسيد نعمة الله الجزائري وملاّ عبدالله الشوشتري([402])، من تأليفاته يمكن ذكر كتب حديقة الشيعة ومجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان.
3ـ ملا عبدالله الشوشتري: كان من كبار العلماء في فترة حكم السلطان طهماسب ومن بعده من الملوك، كانت ولادته في شوشتر ودرس دراسته الأولى في شيراز ثمّ قصد إلى جبل عامل واستفاد من علمائه ثمّ عاد إلى مشهد وتولّى هناك الإرشاد والتدريس، ولمّا هاجم الأوزبك مشهد قبضوا عليه وأخذوه إلى ما وراء النهر واستشهد هناك وأحرقوا جسده في ساحة مدينة بخارى([403])، كان الشوشتري أثناء إقامته في مشهد مسؤولاً عن الحوزة العلمية في خراسان.
4ـ الملاّ فتح الله الكاشاني: عالم فقيه ومتكلم مفسّر، كان يعيش في عصر الشاه طهماسب وكان مفسّراً بارعاً في القرآن، من تأليفاته كتاب نهج الصادقين في إلزام المخالفين وتفسير خلاصة المنهج باللغة الفارسية، يقول مؤلف روضات الجنات نقلاً عن رياض العلماء أنّه توفي سنة 998هـ([404])، ولم يذكر مؤلف رياض العلماء في ذيل سيرة حياته هذه السنة إنّما يشير إلى إتمام التفسير أي سنة 997هـ([405]).
5ـ الميرداماد: مير محمد باقر شمس الدين محمد الحسيني الأسترآبادي المشهور بميرداماد: المتخلص بإشراق كلامي، أقدم مصدر يذكر سيرة حياته هو كتاب تاريخ عالم آراي عباس، كان مؤلف الكتاب معاصراً للميرداماد. ولكن مع كلّ الذي كتب ومع شروحه المبسوطة لم يذكر سنة ولادته، ولكن يمكن أن نعتبر أن ولادته كانت بين 958 حتّى 963هـ، وتشير الكتب التاريخية إلى الإجازة التي أعطاها الشيخ حسين بن عبد الصمد لميرداماد سنة 983هـ، وإذا افترضنا أنّه كان بين 20 أو 25 سنة من العمر، فبذلك ينطبق تاريخ الولادة على التاريخ المذكور([406]).
وقد رافق الشاه صفي لزيارة العتبات المقدسة سنة 1041هـ وفي أثناء الطريق مرض المير، فحمل بأمر الشاه من منزل إلى منزل آخر حتّى توفي في ذي الكفل، وأرسل جسده إلى النجف فدفن فيها([407])، يقول التنكابني إنّه توفي سنة 1041هـ([408]).
من مؤلفاته:
1ـ القبسات في الحكمة والفلسفة.
2ـ الأفق المبين في الحكمة الإلهية.
3ـ الروائع السماوية في شرح الأحاديث الإمامية وهو شرح لأصول الكافي.
4ـ سدرة المنتهى في تفسير القرآن.
5ـ شرح رجال الكشي.
ـ المولى سلطان حسين الواعظ الاسترابادي: محدّث فقيه وعالم بالعقائد ومن تلامذة الشيخ البهائي ولد سنة 955هـ، كانت ولادته مقارنة لهجوم أنوشه خان على استرآباد ونهب تلك المنطقة، استشهد في أوائل حكم الشاه سليمان الصفوي سنة 1078هـ([409])، من تأليفاته كتاب في الأصول باسم تحفة المؤمنين([410]).
ـ الملاّ عز الدين عبدالله الشوشتري: ولد في مدينة شوشتر وهاجر إلى النجف واستفاد من درس المقدس الأردبيلي ثمّ عاد إلى أصفهان وسكن لفترة هناك ثمّ هاجر إلى مشهد ثمّ عاد إلى أصفهان.
من تلاميذه الملاّ محمد تقي المجلسي والمير مصطفى التفرشي مؤلف كتاب الرجال. ويمكن القول إنّه كان من العلماء الذين قاموا بنشر الفقه والحديث لأنّه عندما عاد إلى أصفهان وخلال إقامته أربع عشر سنة في أصفهان لم يكن متعلمو العلوم الدينية أكثر من 50 شخصاً وعند وفاته كان العدد قد وصل إلى ألف شخص، وباقتراحه بنى الشاه عباس مدرسة في أصفهان، وقام بالتدريس فيها، ويظن مؤلف كتاب قصص العلماء إنّه نفس الشخص الذي استشهد على يد الأوزبك بخراسان والسبب في ذلك اتفاق الإسمين إضافة إلى وجود مشتركات كثيرة أخرى في حياتهما ممّا خيّل معه للمؤلف المذكور أنّهما شخص واحد.
ـ من تأليفاته:
1ـ شرح القواعد للمحقق الكركي.
2ـ حاشية على شرح الإرشاد للعلاّمة الحلي.
3ـ رسالة في وجوب صلاة الجمعة.
توفي سنة 1021هـ.
ـ المير فندرسكي: من العلماء والحكماء والعرفاء الكبار في هذه الفترة، لم يسجل تاريخ ولادته ولكن من المؤكد أنّه عاصر شخصيات معروفة مثل الشيخ البهائي والميرداماد، وكان في تلك الفترة يدرس العلوم وعندما ذهب الملاّ صدرا إلى أصفهان تلمّذ المير فندرسكي عند هؤلاء الأساتذة الثلاثة، فلو افترضنا أنّ الاختلاف في أعمارهم هو بين عشر إلى خمس عشرة سنة يمكن القول إن ولادة المير فندرسكي كانت بحدود سنة 970هـ، ويعتبر قول مؤلف كتاب الرياض تأكيداً لهذا الرأي، عاش المير 80 سنة وهو منسوب إلى قرية فندرسك من قرى استر آباد وتبعد إثني عشر كيلومتراً عنها.
عاش في عصر الشاه عباس والشاه صفي وقد نال مكانة عالية عندهما وسافر كثيراً إلى الهند وكان معززاً عند حكامها، ولكن مكانته عند الملوك لم تبعده عن الارتباط بالناس البسطاء معاشرة ومؤانسة حيث كان يقضي بعض الأوقات معهم، وقد عرض بذلك الشاه عباس بحضوره فقال: «سمعت أنّ بعض العلماء يعاشرون السفلة ويتردّدون إلى المقاهي ويشاهدون الألعاب غير الجميلة التي تجري حول المعارك» فأجاب المير في الحال: «إنّ الذي بلغكم غير صحيح فأنا أتردّد على السفلة ولم أر عالماً هناك».
تعود شهرة المير إلى اختصاصاته في حكمة الإشراق وقد اعتبر ضعيفاً في العلوم الشرعية، وكان من كبار الأساتذة في تدريس كتاب الشفاء لابن سينا وكتاب الملل والنحل للشهرستاني والهدف من تدريس هذا الكتاب إعطاء فكرة عن الملل والمذاهب وربما كانت غايته من تعليم هذا الكتاب إحياء روح الوحدة بين المسلمين.
وكان أستاذاً للكبار مثل السيد ميرزا رفيعا النائيني، وآقا حسين الخونساري وغيرهما، تُوفي سنة 1050 بمدينة أصفهان وقبره مزور معظم.
ـ تأليفاته هي:
1ـ تاريخ الصفوية.
2ـ مقولة الحركة والتحقيق فيها.
3ـ رسالة في الصناعة وفي حقيقة العلوم وذكر الموضوعات فيها.
4ـ شرح كتاب المهارة من كتب حكماء الهند المعروف بشرح جوك.
5ـ تضمين قصيدة مشهورة لناصر خسرو.
ـ الشيخ لطف الله بن عبد الكريم العاملي الميسي: كان من كبار علماء هذا العصر وفقهائه سافر في عنفوان شبابه لزيارة مشهد وقضى فترة هناك واستفاد من درس الشيخ عبدالله الشوشتري وعلماء تلك المدينة في مجال الفقه حتّى أصبح من المدرسين فيها، ومع بدايةِ فتنةٍ ذهب إلى قزوين وقام بالتدريس هناك ثمّ اتجه إلى أصفهان واستمرّ بالتدريس في المسجد الذي يحمل اسمه([411]) والذي بني له بأمر الشاه عباس وتمّ بناؤه سنة 1012هـ، وقد توفي سنة 1032هـ.
ـ الملا صدرا: صدر الدين محمد بن إبراهيم القوامي الشيرازي المعروف بالملاّ صدرا: يعتبر من أهم الشخصيات الفكرية الإسلامية، ولد سنة 980هـ في شيرزا وبعد أن أتمّ دراسته أصبح من كبار الأساتيذ في تلك الفترة وبسبب بعض نظرياته في الحكمة واجه غضب عدد من العلماء إلى أن اختار العزلة سنين في قرية كهك القريبة من مدينة قم، قضاها بالتأمّل والتعمّق، ثمّ عاد تلبية لدعوة ورديخان حاكم المنطقة ولازم التدريس والتأليف حتّى سنة 1050هـ([412]).
ويقول في سبب عزلته عن الناس وبقائه في كهك: «الذين يريدون الوصول إلى درجات العلم والفكر ويودون التخصص في موضوع معين لا بد أن يبتعدوا عن حياة الناس العاديين وصرف أوقاتهم في أمور تافهة» ويوضح صدر المتألهين الأمر مع من قاوموه قائلاً: «أنا أسير أناس يعمون أعينهم عن النظر إلى الحقيقة وهم قاصرون عن فهم المعرفة، إنّ التفكير في نظرهم بدعة ويتصوّرون مخالفة الناس لهم ضلالاً، لذلك اضطررت مع قلب مكسور وآمال مخيبة لأنّ استقر في منطقة لا يراني فيها أحد([413]).
من تأليفاته المبدأ والمعاد ومفاتيح الغيب.
ـ الملا محمد تقي المجلسي الأصفهاني: كان معاصراً للشاه عباس والشاه صفي، وقد برز في الحديث ورجال الحديث، ولد سنة 1003 وكان له ثلاثة أولاد وأربع بنات، وهو والد المجلسي الثاني الشهير بالشيخ محمد باقر، وبعد وفاة المير داماد والشيخ البهائي كان أوّل عالم يتولّى إمامة الجمعة بأصفهان([414]).
ـ من تأليفاته:
1ـ حديقة المتقين في معرفة أحكام الدين.
2ـ حاشية الصحيفة السجادية.
3ـ شرح تهذيب الحديث.
توفي في أصفهان سنة 1070هـ.
ـ الملاّ محسن الفيض: محمد بن مرتضى المعروف بالفيض الكاشاني: عالم أخباري وطبيب، ذهب في أيام شبابه من كاشان إلى قم ثمّ إلى شيراز، كان في عداد تلامذة الملاّ صدرا وتزوّج من ابنته، وكما يبدو من تأليفاته أنّه قد جاوز الثمانين من العمر وتوفي بكاشان سنة 1090هـ.
ألّف كتباً كثيرة في حياته العلمية وطرح نظريات جديدة منها في باب الغناء. وكما يقول مؤلف قصص العلماء إنّ الفيض يعتبر الغناء جائزاً، وقد نسب إليه الانتماء إلى التصوّف وصاحب كتاب روضات الجنات ينفي عنه ذلك وهو نفسه في كتابه «كلماتي الطريفة» لا يقر التصوّف.
ـ المحقق الخونساري: آقا حسين ابن جمال الدين محمد الخونساري: من الفضلاء والعلماء الكبار، ولد سنة 1016هـ، وسافر من قرية خونسار إلى أصفهان قبل أن يبلغ سن الرشد، ودخل مدرسة الخواجة ملك التي كانت تقع في جوار مسجد الشيخ لطف الله واستفاد من المجلسي في علوم المنقول وأجيز منه، أمّا في المعقول فكان أستاذه المير فندرسكي، ومن أساتيذه المحقق السبزواري تتلمذ عليه مدّة 12 سنة ثمّ صار مدرساً في تلك المدرسة([415]) يُقال إنّه كان مدار اهتمام الشاه سليمان وإنّ الشاه كان يثق به، بحيث إذا سافر الشاه يطلب من المحقق أن ينوب عنه في إدارة البلاد، علماً أنّ تلميذه صاحب كتاب رياض الصالحين لم يشر إلى ذلك، لهذا لا يمكن الاطمئنان لهذا الكلام، من تلاميذه كلّ من السيّد نعمة الله الجزائري والملاّ علي رضا الشيزاري المعروف بتجلي، توفي بين سنتي 1099هـ أو 1098هـ([416]).
من تأليفاته: مشارق الشموس، حاشية على شرح الإشارات، رسالة في الجبر والاختيار.
ـ الميرزا عبدالله الأفندي: عبدالله بن عيسى الأصفهاني التبريزي المشهور بالأفندي من علماء عصر المجلسي ومن فضلاء حاضري درسه وملازميه، سافر إلى كثير من المدن وقد تشرّف ببيت الله الحرام، وعندما كان هناك وقع اختلاف بينه وبين شريف مكة، ثمّ ذهب إلى اسطنبول وتقرّب من السلطان العثماني وأشار إلى سوء معاملة الشريف له وطلب من السلطان العثماني عزله فلبّى السلطان طلبه وعيّن شخصاً آخر محله([417])، وكتب الأفندي… حياته في حاشية المجلد الثالث من كتاب رياض العلماء بهذا النص: «توفي أبي وأنا في السادسة من العمر وبعده توفيت أمي وكنت في السابعة من عمري، لذلك تكفل أمري أخي ميرزا أبو جعفر، وقد درست كتاب شرح الإشارات عند كبار العلماء مثل خليفة سلطان وقضيت نصف حياتي في السفر وزرت أكثر بلاد العجم والروم، وآذربيجان وخراسان والعراق وفارس والشام ومصر، 1106هـ ناهز عمري الأربعين وبدأت بالسفر وأنا في الخامسة؟ من حياتي وقضيت فترة شبابي في أصفهان ثمّ سكنت عدّة سنوات في آذربيجان([418])، وهو يشيد في كتابه رياض العلماء بالمجلسي لكثرة استفادته منه، وكذلك يذكر محمد باقر مؤمن السبزواري وآقا حسن الخوانساري ويذكر من مشايخه الرواة مؤلف كتاب وسائل الشيعة الشيخ الحر العاملي والشيخ محمد علي مؤلف كتاب تاريخ وتذكرة الحزين، توفي الأفندي سنة 1130هـ، ومن تأليفاته رياض العلماء في سيرة حياة علماء الشيعة من عصر الغيبة الصغرى حتّى سنة 1119هـ([419]) وروضة الشهداء.
ب- العلماء ذوو المناصب
في ذكر مسيرة حياة هذه الفئة من العلماء أخذنا بتعريف ثلاثة مناصب مهمة دارجة في تلك الفترة وهي الصدر وشيخ الإسلام والقاضي.
من أشهر من تولّوا منصب الصدارة:
1ـ مولانا شمس الدين الجيلاني: الذي ولاّه إياه الشاه إسماعيل الأوّل سنة 906هـ بعد انتصاراته الحربية على شروان شاه وغيره.
2ـ القاضي محمد الكاشاني: الذي شارك مولانا شمس الدين الجيلاني في الصدارة أثناء هجوم الشاه إسماعيل سنة 909هـ على بقايا جيش آقا قويونلو في الري، وقد تسلّم حكم كاشان وبعض مناطق عراق العجم سنة 915هـ وإثر الاختلاف الذي نجم بينه وبين الأمير نجم الدين الثاني قتل الكاشاني بأمر الخاقان([420]).
3ـ مير سيد شريف الشيرازي: وصل إلى منصب الصدارة في أوائل سنة 915هـ بعد قتل القاضي محمد، وهو في منطقة استرآباد وبسبب سكناه في شيراز اشتهر بالشيرازي، سافر سنة 917 إلى مدينة مشهد وسلم منصب الصدارة لمير عبد الباقي اليزدي، وبعد عودته من مشهد سنة 919 عُيّن في منصب الصدارة([421])، ويروي مؤلف رياض العلماء أنّه شارك الأمير عبد الباقي اليزدي في الصدارة([422]) مع الأمير نجم الثاني وطلب من الشاه إسماعيل قمع الأتراك، كان الشريف قائد فرقة عسكرية في حرب چالدران وأثناء المعركة وفي أوّل هجوم للأتراك استشهد مع عدد من أصحابا المناصب([423]).
4ـ مير عبد الباقي اليزدي: عالم فاضل متقي. كانت له مكانة واحترام لدى الشاه إسماعيل وعرف بالصدر. أثناء سفر مير شريف سنة 917هـ، وبعد عودته سنة 919هـ ساهم معه بالصدارة وشارك في حرب چالدران واستشهد فيها، وهو من أولاد شاه نعمت الله الكرماني، وأثناء عودة الشاه إسماعيل من هرات في الري وصل إلى منصب أمير الأمراء وأرسل مع جماعة لقمع الفتنة التي أثارها أحد أولاد السلطان حسين بايقرا في ولاية أبيورد([424])، وبسبب مكانته السياسية وكفاءته صار وكيل الدولة في الحكم وقام بحل المشاكل العالقة بالدولة ووصل الأمر إلى أنّه لم يصدر أي حكم في الأمور الاقتصادية والمالية من دون أخذ رأيه([425]).
5ـ المير جمال الدين محمد الاستر آبادي: وصل إلى منصب الصدارة سنة 920هـ، عُيّن مبعوثاً خاصاً للشاه إسماعيل سنة 923هـ بمنطقة شروان([426]) وحتّى سنة وفاته كان في منصب الصدارة وبعد وفاة الشاه إسماعيل وجلوس الشاه طهماسب واستشارة الشاه لقاضي جهان شارك الأمير قوام الدين حسين الأصفهاني في الصدارة إلى أن توفي سنة 935هـ، وكان الاسترآبادي من تلامذة مولانا جلال الدين محمد الدواني([427]).
6ـ مير قوام الدين حسين الأصفهاني: وصل إلى الصدارة بعد وفاة الشاه إسماعيل بناء على توصية قاضي جهان، وكان يشغل هذا المنصب بمشاركة محمد صدر أيام الشاه إسماعيل، وكان معروفاً بإحاطته العلمية قياساً مع زملائه([428])، وقد شاركه بمنصب الصدارة مير نعمت الله الحلي([429])، وتوفي عند عودته من فتح بغداد سنة 936هـ([430]).
7ـ مير نعمت الله الحلي: اختاره الشاه طهماسب بعد الانتصار علي الأوزبكيين والرجوع إلى قزوين، وشارك في الصدارة مع مير قوام بن نعمت الله الذي كان يدّعي الاجتهاد([431])، وبعد وفاة مير قوام الدين سنة 936هـ شارك الحلي مير غياث الدين منصور بن صدر الدين محمد في منصب الصدارة سنة 940هـ، وتوفي نعمت الله بعد عشرة أيام من وفاة المحقق الكركي وقد تسلّم الصدارة مدّة ثلاث سنوات وأقيل هو ومير غياث الدين منصور من منصبهما سنة 938هـ، ويشير مؤلف كتاب وقائع السنين إلى أن عزل مير نعمت الله الحلي كان أثر الاختلاف الذي وقع بينه وبين الشيخ علي الكركي([432])، في حين يذكر حسن روملو أنّ عزل مير غياث الدين المنصور كان سنة 929هـ([433])، لذا يمكن أن نستنتج أنّ قول مؤلف كتاب الوقائع هو الأصح، إنّ عزل الإثنين لم يكن في آن واحد، إنّ مير نعمت الله كان من تلامذة المحقق الكركي وكان يعمل له لذلك تمكّن من الإرتقاء، ولكنّه عوقب بسبب كفران النعمة لأنّه جرّأ الخلاف بين الشيخ إبراهيم القطيفي والمحقق الكركي في مسألة الوجوب العيني لصلاة الجمعة في زمن الغيبة إذ أخذ جانب الشيخ إبراهيم، واتّفق معه عدد من العلماء وعاند مع بعض الأمراء مثل محمود بك مهردار وملك بك خويي ولم يكتف بذلك بل تمادى فكُتب بأمره رسالة ابتزاز بشكل خفي للمحقق الكركي إلى أن تبين فساده مع مساعي الشاه. نُفي الحلي بالرغم من اهتمام الشاه طهماسب بالعلماء. ولا بدّ من الإشارة إلى كلام الشاه عنه حين قال: «قد تبيّن لنا آثار ضلاله فاستوجب عقاب الشاه. ولكن بسبب اشتهاره ونسبه الشريف أردت أن أدفع بالتي هي أحسن، لذلك قررنا إبعاده من هذه المدينة وأرسلناه إلى مدينة الحلة»([434])، يقول مؤلف كتاب الوقائع إنّه الأمير نعمت الله الحسني، في حين أنّ بقية المؤلفين يؤكدون على وصفه بالحلي، ونظراً إلى أنّ مكان ولادته الحلة يبدو أنّ نسبة الحلي صحيحة وربما تكون هذه العبارة في كتاب الوقائع من خطأ النساخ.
8ـ مير غياث الدين المنصوري: عالم فاضل ذو مكانة عالية. وكان في عصره من أهم العلماء في مجالي الحكمة والكلام، أتمّ العلوم والفنون في أوان شبابه وفي نفس الوقت طلب المباحثة مع العلاّمة الدواني وقد ناقشه في الحكمة والكلام وكان لسنوات عدّة يشغل منصب الصدارة للشاه طهماسب، وفي السفر الثاني للمحقق الكركي من العراق إلى أصبهان اغتابه مخالفوه لدى الشيخ وقالوا إنّ الأمير لم يكن متقيداً بقواعد الشريعة المطهرة، فساءت نظرة الشيخ إليه وحاولوا تصعيد الاختلاف من كلّ جهة حتّى تمكّنوا من غرس بذر العداوة بينهما فقدم المير استقالته وذهب إلى شيرزا بعد أن وقف الشاه إلى جانب الشيخ([435])، وبعد أن ذهب إلى شيرزا اشتغل بالتدريس في المدرسة المنصورية إلى أن توفي في هذه المدينة، وقد كسب الأمير غياث الدين مكانة عالية في زمن الشاه إسماعيل بحيث قد رافق الملك في مصيفه سنة 927هـ([436])، ويُقال إنّ الشاه أرسله بجولات علمية، ويذكر روملو: أرسل في زمن الخاقان اسكندرخان لتجديد بناء المرصد الفلكي الذي أنشأه نصير الدين الطوسي في مراغة فقرّر أنّ بناء المرصد يتطلب ثلاثين سنة، فانصرف عزم الخاقان اسكندر خان عن الاهتمام بذلك بسبب هذه المدّة الطويلة([437])، دعي لمنصب الصدارة بعد وفاة مير قوام الدين سنة 930 ولكن بسبب غير معلوم لم يتم ذلك إلى أن تسلّم الصدارة سنة 936هـ([438])، وتوفي سنة 949هـ وكان في عمر يناهز 83 سنة([439])، ومن تأليفاته: حجة الكلام وهو بحث حول المعاد وبيان بعض الإشكالات في إنكار الغزالي، شرح رسالة إثبات الواجب، أخلاق منصوري، كتاب السفير في الهيئة.
9ـ المير معز الدين محمد الأصفهاني: وصل إلى منصب الصدارة بعد عزل غياث الدين منصور سنة 939هـ، ثمّ عزل سنة 943هـ([440])، ولكن هناك إشارة واضحة في كتاب الوقائع سنة 944هـ([441])، عن عزل الأمير معز الدين مجدداً، وكان المير عز الدين قد درس المسائل الفقهية على المحقق الكركي، والمحقق الكركي هو الذي طلب عزل المير غياث الدين ورأى أنّ المعز مؤهل لهذا المنصب لذلك عيّنه الشاه في منصب الصدارة([442])، وقد سعى كثيراً لترويج الشريعة وبذل جهداً كبيراً لإزالة البدع وخصوصاً تخريب مراكز الفسق والفجور وأماكن تدخين الافيون وشرب الخمر، وقد كُتب كثيراً عن سبب عزله، وبعد عزله استقر في مشهد وتوجّه إلى زيارة بيت الله الحرام ولكن توفي سنة 952هـ في ضواحي البصرة. من تأليفاته رسالة في أقسام المياه.
10ـ المير أسد الله المرعشي: كان من العلماء الكبار في العلوم النقلية والعقلية ولد ونشأ في شوشتر، وقام بالتدريس في المشاهد المقدسة وقد ألّف كتباً في كثير من العلوم، وقد عمل ابنه نيابة عنه وأحياناً بمشاركة المير محمد يوسف الاستر آبادي، ويفهمم ممّا في كتابي الوقائع وأحسن التواريخ أنّ مير سيد علي تولّى الصدارة بعد وفاة أبيه مير أسد الله.
11ـ مير محمد يوسف الاستر آبادي: وصل إلى الصدارة سنة 970هـ وعزل عن هذا المنصب سنة 976هـ وهو ابن المير حسن قاضي هرات الذي قتل أثناء هجوم عبيدالله خان على هرات وكان محمد يوسف صغيراً آنذاك فأخذ إلى بخارى وبقي هناك فترة ثمّ جاء إلى خراسان والعراق، وكان سنة 960هـ عند أستاذه الشيخ داود وتزوّج ابنة الشيخ، وبعد وفاة الشيخ قام بالتدريس محله في دار السلطنة بقزوين وبعد فترة قصيرة وصل إلى الصدارة وبقي على هذا المنصب ست سنوات.
وشارك في الصدارة المير سيد علي الشوشتري وكان له صدارة العراق وفارس وخوزستان، وللسيد علي صدارة شيروان وخراسان وآذربيجان.
12ـ مير غياث الدين محمد (مير ميران): أخو الشاه تقي الدين كان من أعاظم السادات الحسنية بأصفهان ووصل إلى الصدارة سنة 976هـ وبقي في منصبه حتّى وفاة الشاه وكان كما وصف من أتقى الناس قليل الطمع، بحيث كان يعيش من موارد ممتلكاته الكثيرة في أصفهان.
الوظائف الإدارية للعلماء في الدولة الصفوية([443])
الانتقال من التصوّف إلى التشيع
من خلال ملاحظة الحوادث التي جرت ما بين حملة المغول في عام 656هـ وحتّى مجيء الصفويين عام 906هـ، يمكن القول بأنّ التصوّف والتشيع قد أحرزا نمواً في هذه الفترة، بينما أرغم التسنن ـ إلى حد كبير ـ على التراجع لهذين الاتجاهين، وإخلاء المجال لهما.
ولا شك في كون التصوّف الناشئ عن التسنن أكثر تلائماً مع التشيع منه مع التسنن نفسه، وكذلك لا مجال للشك في كون التصوف قد نشأ من التسنن ثمّ اتجه هذا الاتجاه نحو التشيع لأسباب جوهرية.
وغالباً ما نلاحظ هذا الاتجاه بين الجماعات الصوفية في القرن السابع إلى القرن التاسع الهجري، في أغلب الأراضي الإسلامية سواء في الشام، أو آسيا الصغرى وخصوصاً في إيران والهند. وحتّى الفرق التي حاولت الإبقاء على الصيغة السنية فيها، فإنّها تركت التعصب والجمود السني في أكثر المواقع الفكرية وسلّمت بالنماذج الفكرية والشخصية للشيعة.
ويجب أن تعتبر العائلة الصفوية ـ إلى ما قبل استلام الملك إسماعيل للحكم في القرن العاشر الهجري ـ على أنّها نموذج بارز على حركة الاتجاهات العامة وحتّى الأصيلة للتصوف نحو التشيع. وبالإضافة إلى الأسباب الفكرية والروابط الداخلية التي تقرب بين التصوف والتشيع فإنّ ثمة أسباباً ثلاثة أخرى كان لها دور في هذا التغيير والتحول، ونحاول في هذا المقال شرح السبب الثالث فقط.
وهذه الأسباب هي:
أولاً: عندما اتخذت نشاطات أسرة الشيخ صفي شكلاً سياسياً تماماً، بدا واضحاً أنّه لا يمكن لهذه العائلة أن تجسد النموذج لعالم التصوف الذي كان مبتعداً كل البُعد عن الدخول في خضم أحداث العالم ويحاول أن يتقيها، ولما كان وجود هذا الاتجاه إنّما كان من أجل العزلة والانزواء، فإنّ الوقت قد حان لأنّ تبحث هذه الأسرة عن اتجاه يمكنه الارتباط بالنشاطات السياسية ومن ثمّ فقد وجدوا في التشيع موضعاً محكماً إلى جانب الموقع الذي هم فيه وهو التصوف.
ثانياً: ضرورة وجود الشرع والقوانين الفقهية للحكومة السياسية التي تمتلك قوّة دنيوية، لكونها متسلطة على المجتمعات الإسلامية. وأكثر الناس الذين لا ينتمون إلى الاتجاه الصوفي لم يكونوا يحتاجون إلى مثل هذه الأمور. إذ يشتغل أغلب الناس في السوق والتجارة وزراعة الأرض، وهم يلجأون إلى الفقيه أو القاضي في حالة نشوب تخاصم بينهم. ولمّا لم يكن التصوف كفيلاً بتلبية حاجة أسرة الشيخ الصفي فإنّهم اتجهوا نحو التشيع ـ الذي كان قد تغلغل بين أولاد الشيخ صفي من قبل ـ واتخذوه مذهباً رسمياً.
وكان المذهب السني آنذاك هو المذهب السائد في أغلب مدن إيران بينما يقتصر وجود المذهب الشيعي الخالص الذي لم يمتزج بالتصوف على عدد محدود من المواقع الإيرانية. وفي بعض مناطق الشام وخصوصاً في جبل عامل، ومن ثمّ فقد كان الشاه إسماعيل يبحث عن كتاب في الفقه، وعثر أخيراً على كتاب (قواعد العلامة) في مكتبة «القاضي نصر الله الزيتوني» فقرّر أن يكون تعلّم وتعليم المسائل الدينية في هذا الكتاب([444]).
ثالثاً: السبب الرئيسي في التحوّل من التصوف إلى التشيع هو حضور العلماء الأصيلين ـ الذين كانوا يروّجون المذهب الشيعي في معزل عن التصوف ـ في أجهزة الدولة الصفوية. حيث كان لدعوة علماء جبل عامل من قبل الملوك الصفويين ونفوذهم في المجتمع وسيطرتهم على المجالات الفكرية والعقائدية الدور الكبير في حصر التصوف في طبقة محدودة وسحب بساط الإدارة الفكرية للمجتمع من تحت أرجل هؤلاء. وعلى الرغم من مجاراة بعض العلماء الصوفيين، إلاّ أنّ التصوّف قد آل بهمّة علماء الشيعة إلى الانحسار من قوّة متنفذة في السياسة والمجتمع إلى وجود محدود في الخانقاهات.
ونحاول فيما يلي إعطاء صورة واضحة ومفصلة لموقع العلماء ووظائفهم الإدارية في متابعة أمور الناس الشرعية في الدولة الصفوية.
وظائف العلماء في العهد الصفوي
يمكن الحصول على معلومات جامعة نسبياً في هذا المجال من خلال البحث في المتون التاريخية المتعلقة بالعهد الصفوي وكذلك من خلال الاستفادة من المواضيع التي ذكرها المسافرون الأوروبيون عن هذا العهد في كتبهم، على الرغم من وجود الصعوبات في إعطاء صورة واضحة ومنسجمة عن الوظائف الإدارية للعلماء، بسبب التغييرات التي كانت تحصل طوال هذه الفترة لأسباب مختلفة.
والعناوين المهمة، القابلة للبحث من الوجهة الرسمية هي عبارة عن: الصدر، وشيخ الإسلام (الذي تغيّر إلى لقب مُلاّ باشي في زمن الملك سلطان حسين) والقاضي، وقاضي الجيش.
وعلى هامش هذه العناوين، ثمة عناوين غير رسمية إلى حد ما، ولكنّها لفتت أنظار المؤرخين والمراقبين الأجانب بسبب كون الأشخاص الذين حملوا هذه الألقاب من ذوي النفوذ الاجتماعي والديني الكبير. ومن هذه العناوين:
المجتهد، إمام الجماعة، المدرس، إمام الجمعة، وطبعاً كانت إمامة الجماعة تلحق بالعناوين الرسمية أكثر من العناوين غير الرسمية.
ونحاول فيما يلي تصنيف المعلومات الكلية عن هذه العناوين ومن ثم شرحها.
الصدر:
يعتبر هذا العنوان من حيث القدم التاريخي مقدماً على سائر العناوين الأخرى، حيث اعتبر تقريباً في أوائل تشكيل الدولة الصفوية أحد أهم الألقاب الدينية. وكان الشاه إسماعيل ـ في زمن الدولة الصفوية ـ هو مؤسس هذا المقام بالرغم من وجود (مقام الصدارة في الدول التيمورية والتركمانية) قبل ذلك([445]). وكذلك ذُكِر بأنّه «كان الحكام من أهل السنة ينصبون صدر الصدور ورئيس أمور رجال الدين قبل العهد الصفوي»([446]).
وبناء على هذا، فإنّ مقام الصدر قد اكتسب رونقاً خاصاً في العهد الصفوي، والسبب في ذلك هو عدم تمتع الفقيه السني بنفس القدرة التي يتمتع بها الفقيه الشيعي لامتلاكه حق الولاية.
وكان الشاه إسماعيل يحتاج إلى فقيه في إدارته لمجتمع إسلامي لينسق معه في المجالات الدينية لهذا المجتمع. ولهذا السبب انتخب أحد الفقهاء بعنوان الصدر ليكون المشرف الرسمي على الأمور الدينية وليكون أيضاً السند العلمي والفكري له في تحركاته. وكان أمر متابعة الأمور الشرعية وفقاً للفقه الإسلامي يقع على عاتق هذا الشخص وكذلك أمر القضاء.
ولهذه الحاجة وكذلك لدعوة ابنه طهماسب فإنّ الكثيرين من فقهاء جبل عامل قد هاجروا إلى إيران، وفي الحقيقة كان بعض هؤلاء على ارتباط وثيق مع إيران بسبب وجودهم في العراق للدراسة([447]).
ويمكن القول بأنّ مقام الصدر في البداية كان أهم نسبياً ممّا صار عليه في الأخير. إذ كان الصدر في البداية يطرح على أنّه الفقيه الذي هو بصورة طبيعية في حكم مرجع التقليد الرسمي في المدينة. ولكن مع مرور الوقت ومع ازدياد الأعمال الإدارية والحكومية وخصوصاً متابعة أمور الوقف والقضاء، فإنّ قدره الاجتماعي بدأ بالنزول حتّى وصل إلى منزلة أحد المناصب الرسمية في البلاط وفي المقابل أحرز الفقهاء المستقلون عن حماية البلاط تفوّقاً على هؤلاء لقابلياتهم العلمية وملكات التقوى التي يتمتعون بها، وللنفوذ الاجتماعي الكبير الذي يحرزونه في مجتمعهم.
ولا بد أن تعرف منزلة الصدر من حيث اللحاظ الفقهي على أساس نفس تلك العناوين التي يحق للفقيه بموجبها التدخل في الأمور الشرعية، ويأتي هذا الحق على أساس الولاية التي تلقى على عاتقه أثناء الغيبة. ولكن الأمر يختلف في العهد الصفوي إذ كان أمر الملك هو الذي يضفي الرسمية على هذا الشخص، فمجرد صدور هذا الأمر يصبح ذلك الشخص صدراً، ويتدخل في مختلف الأمور ويتابعها بعنوان حاكم الشرع، وللنفوذ الكبير الذي كان يتمتع به.
ويمكننا الاستعانة بما ذكره المسافرون الأوروبيون حول منصب الصدر، لفهم موقعه أكثر، فمثلاً يذكر (تاپرنيه) عن عنوان الصدر ما يلي:
«والصدر أيضاً هو رجل الدين الأوّل في إيران… فهو رئيس الشريعة والقوانين»([448]).
ويكتب (كمبفر) فيما يخص منصب الصدر([449]): «يعتبر الصدر على رأس رجال الدين في إيران وهو أهم مرجع لتفسير الفقه الشيعي. ومقامه عند الإيرانيين يعادل مقام المفتي الأعظم عند الأتراك. ولكن بغض النظر عن ذلك، فإنّه يتمتع بمقام حكومي رفيع، فقد جمع بين الصلاحيات الدينية والدنيوية، ويسمّيه الناس في الأزقة والشوارع باسم (نواب) وهذا يعني ـ تقريباً ـ أنّه نائب الملك، وحتّى النائب الحقيقي للملك الذي هو الوزير الأعظم لا يعترض على هذه التسمية».
وفي الوقت الذي يذكر فيه «سانسون» أنّ علماء الدين في إيران يتمتعون بأعلى المناصب ويجلسون في الصف الاوّل من البلاط، يكتب أيضاً عن (صدر الخاصة) «الذي سيأتي فيما بعد شرحه» ما يلي:
يسمّى أكبر شخصية بين رجال الدين في إيران والزعيم الديني لعامّة الناس باسم (صدر الخاصة)، وهو رئيس رجال الدين في جميع أنحاء البلاد الملكية. ويقتصر عمله على توجيه الإرشادات الدينية إلى الملك، وإدارة الأعمال الدينية للبلاط ولمدينة أصفهان طبقاً لتعاليم وموازين القرآن… وصدر الخاصة هو الشخصية الأولى في البلاد ويجلس قرب العرش أو إلى اليمين من مسند الملك([450]).
كان منصب الصدر يوكل في البداية إلى شخص واحد يكون في مركز الحكومة وفي البلاط الملكي، ولكن الامر تغيّر فيما بعد، حيث عمد الشاه طهماسب إلى إشراك شخصين في هذا المنصب وربما كان السبب في ذلك هو ظهور العديد من الفقهاء الذين لم يكن أحدهم يفوق الآخر في رأي عموم الناس.
ويكتب الشاه طهماسب عن ذلك بقوله:
«قد أشركت الأمير نعمة الله الحقي (الحلي) الذي يدّعي الاجتهاد في منصب الصدارة مع الأمير قوام الدين حسين نقيب الأصفهاني، وبعد وفاة الأمير قوام الدين أوكلت المنصب إلى مير غياث الدين منصور الشيرازي، ليكون شريكاً للأمير نعمت الله وآلت إليه الصدارة بعد وفاة مير نعمة الله»([451]).
وذكر في مجال وظائف الصدر بصورة رئيسية ـ في تعبير كلي ـ على أنّها التدخل في الأمور الشرعية، وبعنوان المصاديق ذكر أمر القضاء والموقوفات على أنّها جزء من عمله، على الرغم من أنّ أمر القضاء لم يكن مختصاً بالصدر، حيث كان يشتغل في هذا المجال ـ كما سنرى فيما بعد ـ شيخ الإسلام وكذلك القضاة ومن الطبيعي أنّ مجال عمل كل شخص لم يكن يتداخل مع أعمال الآخرين لوجود الاشراف الرسمي.
ويكتب كمبفر عن العمل القضائي للصدر فيقول: «وللصدر أعلى الصلاحيات، ويعتقد الناس أنّ كلّ الدعاوى الحقوقية التي تطرح في مجلسه، يحلّها وفقاً للموازين العادلة دون أدنى اشتباه. ولا يمكن الاعتراض على حكمه لدى أي محكمة أخرى ولا يمكن حتّى طلب إعادة النظر في ما أصدره من أحكام»([452]).
ومن الجدير بالذكر أنّ ثمة تصنيفاً حقوقياً في الدولة الصفوية، فالصنف الأوّل هو الحقوق العرفية والصنف الثاني هو الحقوق الشرعية. حيث كان حكام الشرع يختصون في القضاء في الجرائم وتعيين العقوبات الشرعية المعينة وحتّى غير المعينة تجاه بعض الأعمال المخالفة للشرع، ويصدر هؤلاء الأحكام في هذه المجالات، وأمّا الجرائم التي غالباً ما تكون مرتبطة بالحكومة وبالمسائل الأمنية وليس لها ارتباط مباشر مع الأحكام الشرعية فإنّها تكون تابعة لمسؤولين يسمّون بـ (داروغه) وعلى رأسهم ديوان السيادة. وديوان السيادة هذا هو أعلى منصب قضائي في هذه الأمور، ويتصف عمله بالجانب السياسي أكثر ممّا يتّصف بالجانب الشرعي. وفي نفس الوقت يذكر بعض المؤرخين بأنّه كان يتواجد بعض رجال الدين في ديوان السيادة حيث تحسم الأمور بعد استشارتهم.
ويكتب «كمبفر»: تنقسم الحقوق في إيران إلى قسمين:
1ـ الحقوق العرفية التي تسند إجراءاتها القضائية إلى ديوان السيادة أو ما يسمّونه بـ «داروغه».
2ـ الحقوق الشرعية وهي بعهدة الصدر ورجال الدين الذين يُسمّون بحكام الشرع([453]) والعمل المهم للصدر هو إدارة الموقوفات، حيث توسّعت هذه الموقوفات كثيراً في العهد الصفوي وأصبحت إدارتها أمراً صعباً وهي في نفس الوقت تحظى بأهمية كبيرة من حيث الجانب السياسي والاقتصادي. حيث كان أمر متابعة العائدات المالية للموقوفات وصرفها حسب نية الواقف يمكن أن يستغل لأغراض شخصية. وبغض نظر المتصدين الذين يديرون شؤون كلّ وقف من هذه الأوقاف، فإنّ وجود نوع من الاشراف الشرعي العام يبقى أمراً ضرورياً([454]). وكان حكّام الشرع يتدخلون في هذه الأمور بسبب تكليف الشارع بمسؤولية متابعة الأمور الحسابية، ولهذا السبب أيضاً أوكلت الحكومة هذه الأمور لهم.
وفي البداية كان الجانب الديني للصدر يطغى على الجانب الإداري، ولكنّه أخذ بالتدريج في إحكام السيطرة على إدارة الأوقاف واستطاع تقوية موقعه إلى حد بعيد من الناحية الإدارية، إذ كانت هذه الأوقاف تدر أموالاً طائلة ومن الطبيعي أنّ المتصدي لها يحصل على نفوذ اجتماعي بنفس مستوى العائدات. وكان صرف هذه العائدات المالية في مختلف المجالات يخضع له. ولكن المشكلة التي ظهرت هنا هي أنّ الأوقاف تصنّف إلى قسمين: الأوقاف الخاضعة للعائلة الملكية والأوقاف التي لم تكن خاضعة لها، ومن المحتمل أن كلاً منها إمّا أن يكون لها متصد خاص أو تكون تفويضية (أي خاضعة لاشراف الصدر). ومن أجل الحصول على الأوقاف الملكية وأحكام السيطرة عليها، عمد الشاه سليمان الصفوي إلى تقسيم مقام الصدر إلى منصبين: الأوّل هو صدر الخاصة والثاني هو صدر الممالك، حيث يختص الأوّل بمتابعة أوقاف العائلة المالكة والثاني بمتابعة شؤون سائر الأوقاف الأخرى، وفي هذا الخصوص يكتب تاڤرنيه:
«لا يتمركز منصب صدارة رجال الدين في شخص واحد، فأحياناً من الممكن أن يكون شخصان في منصب الصدر، لأنّ الأوقاف في إيران تنقسم إلى قسمين: الأوّل هو الأوقاف الملكية والثاني هو الأوقاف المختلفة ولهذا يكون الصدر في شخصين: فيلقب رئيس الأوقاف الملكية باسم صدر الخاصة ويلقب رئيس سائر الأوقاف الأخرى باسم صدر الأوقاف… وهكذا فإنّ الصدر هو رئيس الشريعة والقوانين وفي يده إدارة أوقاف المساجد وغيرها حيث تجمع عائداتها لينفقها في المجالات المعينة للوقف أو التي يراها ضرورية، ولكنّه يقتطع حقه منها قبل كل شيء»([455]).
وكذلك يكتب «شاردن»: إنّ الصدر هو الرئيس العام لجميع الأوقاف وصدر الخاصة هو رئيس الأوقاف الملكية([456]).
ويكتب كمبفر أيضاً:
والقسم الرئيس من النشاطات الإدارية له (للصدر) يقتصر على إنفاق العائدات المالية للأوقاف الدينية في الأمور الصحيحة، وله الإشراف التام على جميع المساجد والأماكن المباركة والأوقاف، وهو الذي يعين الرواتب الشهرية للمتصدين والموظفين والخدم والطلاب والوعاظ ورجال الدين ـ من جميع المستويات والدرجات ـ حسب ما يرتئيه ووفقاً لكفاءة الشخص، وله الحق في زيادة الرواتب أو إنقاصها أو قطعها تماماً([457]).
ويضيف قائلاً:
يدير صدر الممالك جميع الأملاك التي وقفها الأشخاص في جميع أنحاء البلاد للأمور الدينية، بينما يدير صدر الخاصة الأوقاف الدينية التي تعود إلى شخص الملك، ولهذين الشخصين متابعة الخلافات المتعلقة بالحقوق المدنية في منزلهما وفقاً للمعايير الإسلامية إلى أقصى الدرجات([458]).
كانت الأهمية المالية لأمر الصدارة بسبب الأوقاف، سبباً في اختيار الأشخاص الذين هم على صلة قرابة مع البلاط لهذا المنصب، او أشخاص يعمد البلاط نفسه إلى ربطهم بوشائج الزواج من بناتهم مثلاً لتوثيق علاقتهم بالأسرة الحاكمة.
وكما أشرنا سابقاً فإنّ مقام الصدر قد تحول من عنوان المنصب الديني المستقل الذي كان عليه حتّى زمن طهماسب، ـ بحيث كان يرى نفسه نائباً للملك ـ إلى منصب إداري ولكنّه منصب في غاية النفوذ. وفي خلال الفترتين ظلّ هذا المنصب مرتبطاً إلى حد ما بالتفوق العلمي والفقهي وحتّى بدرجة التقوى، وربّما أحرز صدر ـ بتقواه وعلمه ـ نفوذاً أكثر من الآخرين.
ويظهر أنّ ثمة أخطاء قد حصلت في فهم الاختلافات العملية بين صدر الخاصة وصدر الممالك، فمثلاً يرى سانسون أنّ صدر الممالك هو معاون لصدر الخاصة، حيث يقول:
والشخصية الثانية في رجال الدين التي تعتبر وكيل ومعاون صدر الخاصة هي شخصية صدر الممالك.
ثمّ يحدّد عمل صدر الخاصة بالأمور التي تحدث في «دار السلطنة» بينما يرى أنّ عمل صدر الممالك هو متابعة شؤون سائر المدن، ويكتب أيضاً: إنّ الفرق الوحيد الذي وجدته بين صدر الخاصة وصدر الممالك هو كون صدر الخاصة رئيس قانون البلاد بينما صدر المماليك هو وكيله في الأمور الدينية وشؤون رجال الدين.
ثمّ يرى أيضاً أنّ عمل صدر الممالك وكذلك مساعدة ديوان السيادة، وبناء على ذلك فإنّ صدر الممالك يقوم بإرشاد وتوجيه ديوان السيادة ليأتي قضاؤه وما يصدره من أحكام متماشية مع قوانين وأحكام القرآن وما فسره الإمام… ويظهر صدر الممالك رأيه في الأمور الجنائية ويتخذ قراراته في شأنها، ويتبين من هذا أنّه بالإضافة إلى متابعة الدعاوى المدنية والشرعية كان يتدخل أيضاً في الأعمال الأخرى».
ويصدر ديوان السيادة جميع أحكامه وفقاً لقرارات صدر الممالك([459]).
ويكتب في موضع آخر: يعتبر صدر الخاصة الذي هو رجل الدين الأوّل في البلاد يعتبر الرئيس وصاحب الاختيار المطلق في المحكمة الشرعية([460]).
وخلافاً لما يذكره «سانسون»، فقد ورد التصريح في تذكرة الملوك بأنّ صدر الخاصة هو الممثل الشرعي في ديوان السيادة وليس صدر الممالك([461]).
وبالإضافة إلى الإشراف على الأوقاف، فإنّ الصدر كان يشرف أيضاً على الكثير من المدارس والمساجد والتكايا، لأنّ أغلب نفقات هذه المراكز إنّما تؤمن من الأوقاف، وعادة ما كان للصدر الحق في الإشراف وإبداء الرأي بسبب الموقع الديني والإداري والسياسي له. ومن ثم فمن المحتمل أن تكون ثمة أعمال عديدة ترتبط بالصدر تبعاً للأوقاف.
ويكتب (كمبفر) بخصوص تعيين المدرسين في المدارس ما يلي: «يصبح تعيين المدرس والأستاذ من قبل الملك عملياً بعد موافقة الصدر، وهذا في حال كون المدرسة من أوقاف شخص الملك، أمّا في سائر الموارد، فإنّ تعيين المدرس يتم بعد اتفاق الصدر مع شخص الواقف، وطبعاً هذا إذا كان شخص الواقف لا يزال على قيد الحياة»([462]).
ويذكر «الميرزا سمعيا» فهرستاً لأعمال الصدر، وهو كما يلي: «تعيين حكام الشرع ومباشري الأوقاف التفويضية [باستثناء الأماكن التي لها متصد، منصوص عليه]، وذوي البيضاء من السادة وكذلك تعيين العلماء والمدرسين وشيوخ الإسلام وأئمة الجماعات والقضاة والمتصدين والحراس وسائر خدام المزارات والمدارس والمساجد وبقاع الخير ووزراء الأوقاف والمشرفين وسائر عمال الأوقاف والمحررين والمغسلين والحفارين»([463]).
وكان المقر الرئيس للصدر هو دار السلطنة، ولكن من الطبيعي أنّه كان يشرف على الكثير من الأعمال في المدن الأخرى. ويقوم بحلّها وفصلها، ومن ثمّ كان هناك أشخاص من قبل الملك أو الصدر يباشرون متابعة الأمور الشرعية في المدن المختلفة. وفي الواقع لم يتضح لنا، إذا ما كان هؤلاء الأشخاص يسمّون بصدر المحل أو شيخ إسلامه([464])، رغم أنّه يستنتج من خلال ملاحظة ما سيأتي فيما بعد، أنّ ثمة أشخاصاً يعينهم الملك في المدن المختلفة بعنوان شيوخ الإسلام.
وعلى وجه الدقة فإنّ عمل الصدر في الولايات هو نفس عمل الصدر في المركز. فيكتب الملك إسماعيل رسالة إلى حاكم خراسان الذي عمل دون استشارة الصدر، جاء فيها:
«ترتبط جميع الأمور المتعلقة بالأراضي والضرائب والأمور الديوانية وأوقاف الولايات بموافقة الصدر»([465]).
ويكتب «سانسون» ما يلي:
ولصدر الخاصّة معاونون ووكلاء في جميع الولايات والمدن المهمة ويسمّى هؤلاء بالمدرسين… وتقع على عاتقهم الأمور الدينية وكذلك الأعمال القضائية([466]).
ويكتب كذلك فيما يخص صدر الممالك:
وعلى غرار صدر الخاصة فإنّ صدر الممالك له معاونون ووكلاء في جميع محاكم البلاد، ويسمّى هؤلاء بـ (نواب الصدارة) وكما أنّ صدر الممالك ينسق مع ديوان السيادة، وتقع على عاتقه عدّة وظائف فيه، فإنّ نواب الصدارة أيضاً ينسقون مع حكام الولايات وتناط بهم عدّة وظائف إزاء هؤلاء الحكّام([467]).
ويكتب «ميرزا سمعيا»:
وترتبط الأمور المتعلقة بصدر الخاصة في الولايات التي ذكرت بالتفصيل (في موضع آخر من الكتاب) بنائب الصدارة وسائر ممثلي صدر الخاصة([468]).
وختاماً نرى من المناسب القول بأنّه كان لملوك الشيعة في الهند صدراً. حيث يذكر «روملو» اسم مصلح الدين لاري على أنّه صدر البلاط الملكي في الهند([469]).
ولأجل معرفة الأشخاص الذين تعاقبوا على منصب الصدر في زمن الدولة الصفوية، يمكن الرجوع إلى كتاب «أحسن التواريخ» حيث تذكر فيه أسماء بعضهم خلال الحديث عن حوادث السنوات المختلفة، ومن ضمنها تغيير صدر وإبداله بآخر. وكذلك كتاب محافل المؤمنين حيث يذكر أسماء الأشخاص الذين تعاقبوا على منصبي الصدارة وشيخ الإسلام ضمن حديثه عن أحوال بعض علماء العهد الصفوي([470]). وثمة مصادر أخرى تعرّضت لذكر مواصفات وأسماء بعض الذين شغلوا منصب الصدارة([471]).
شيخ الإسلام:
ومن المناصب المهمة في العهد الصفوي، منصب شيخ الإسلام، ويعود هذا المنصب إلى عصر ما قبل الصفويين، وعلى وجه الخُصوص إلى الدولة المعاصرة لهم أي العثمانيين. ويظهر من خلال ما كتب عن هذا العنوان، أنّه أطلق لأوّل مرّة على الفخر الرازي. ويذكر كتّاب محققون آخرون أسماء بعض الأشخاص الذين كانوا يلقبون بهذا اللقب في القرن الخامس الهجري، ومن ضمن هؤلاء الخواجة عبدالله الأنصاري (481ق.م.) وقبله أبو العباس أحمد بن حسن بن عبدالله بن يزداد السرخسي اليزدادي (409ق.م.) وأبو بكر محمد بن يوسف اليزدي (430ق.م.) (نقلاً عن تاريخ يزد، الجعفري، ص123) وآخرين([472]).
وفي دائرة المعارف الإسلامية، يلاحظ هذا العنوان ويدرس سابقته، حيث يقول:
استعمل هذا اللقب لأوّل مرّة في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، لبعض العلماء وكذلك الصوفيين، وفي القرن الخامس، كان رئيس الفقهاء الشافعيين في خراسان، إسماعيل بن عبد الرحمن يعرف بشيخ الإسلام. وفي القرن السادس كان يطلق هذا اللقب في مصر والشام على فقهاء العامة المقبولين، ويرى مخالفو ابن تيمية كفر كل من يسميه بشيخ الإسلام، وكتب كتاب للرد على هؤلاء باسم «الرد على من زعم أنّ من سمّى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر». وفي حدود عام 700 كان يستعمل هذا اللقب للفقهاء من ذوي النفوذ ـ وفي القرن الثاني عشر كانت الدولة العثمانية تستعمل هذا اللقب للفقهاء المتنفذين. وفي إيران كان يسمّى من يتصدّى لمنصب القضاء باسم شيخ الإسلام ـ ثمّ يورد كاتب هذا المقال شرحاً مفصلاً عن وظائف شيخ الإسلام في الدولة العثمانية»([473]).
ويظهر أنّ هذا العنوان قد أخذ ـ مثل عنوان الصدر ـ عن الدول السابقة أو المجاورة، وتبعتهم الدولة الصفوية في ذلك فاستعملت هذه المناصب والعناوين، ومنحتها صلاحيات خاصة.
وكما ذكرنا سابقاً فإنّ منصب الصدر كان متقدماً على عنوان شيخ الإسلام. وفي الحقيقة فإنّ العنوان الأخير لم يكن مستعملاً في زمن الشاه إسماعيل، إنّما استعمل في زمن ابنه الشاه طهماسب ويظهر أنّه لقب به المحقق الكركي ـ وفي ذلك الوقت كان منصب الصدارة بيد بعض الفقهاء والمجتهدين، ولكن مع مجيء المحقق الكركي وبروزه في درجة عالية من الاجتهاد، راح عنوان شيخ الإسلام يحظى بأهمية أكبر من عنوان الصدارة. ويبدو أنّ عنوان شيخ الإسلام اتخذ طابعاً دينياً ومنصباً للإفتاء بينما اتخذ عنوان الصدارة الطابع الإداري تماماً.
ومن الممكن ـ طبعاً ـ أنّ منصب شيخ الإسلام يوكل إلى الفقيه الذي يكون أقل درجة من الصدر من حيث الدرجة العلمية، وفي هذه الحالة كان الوضع ينعكس في زمن المحقق الكركي والعلاّمة المجلسي. وعلى أي حال فإنّ شيخ الإسلام كان يُعين من قبل الصدر، وهناك موارد ذكر فيها بصراحة أنّ الملك كان يعين شيخ الإسلام.
ويذكر «كمبڨر» أنّ شيخ الإسلام يعين من قبل الصدر وينصب بموافقة الملك([474]).
ويذكر «تاڨرنيه» أيضاً أنّ منصب شيخ الإسلام تابع للصدر([475]).
ويكتب «سانسون» أنّ منصب شيخ الإسلام يأتي بعد منصب الصدر، ويذكر بخصوص محل الجلوس في حضرة الملك أنّه: يأتي محل شيخ الإسلام أسفل مسند الملك بعد الصدر الكبير([476]).
ووفقاً لما هو متوفر بين أيدينا، فإنّ هذا الأمر لا يصدق في شأن المحقق الكركي والشيخ البهائي والعلاّمة المجلسي، وإن كان ـ حتماً ـ صادقاً في أوقات أخرى مع أشخاص آخرين.
ووظيفة شيخ الإسلام هي الإشراف على الأمور الشرعية، ومن حيث المصاديق فهي نفس الأعمال التي ينجزها الصدر أو القضاة.
ويكتب «سانسون» بشأن موقع ووظائف شيخ الإسلام ما يلي: ويسمّى الشخص الثالث في إيران، «آخوند» أو «شيخ الإسلام» ويعني شيخ الإسلام العالم من الطراز الأوّل أو الرجل المعمر والمحترم في القانون المحمدي. وشيخ الإسلام هو صاحب أكبر منصب في الأمور الشرعية والمدنية، فهو يتابع دعاوى الأرامل واليتامى والقاصرين الذين يشرف القيم على إدارة أمورهم، وكذلك يشرف على إدارة سائر الأمور الشرعية([477]).
ونستفيد من هذا الموضوع أنّ شيخ الإسلام بالرغم من كونه يأتي بعد الصدر إلاّ أنّه «عالم من الطراز الأوّل» و«صاحب أكبر منصب في الأمور الشرعية».
ويعتبر أمر القضاء أيضاً من أهم أعمال شيخ الإسلام، حيث يذكر «الميرزا سمعيا»:
وينظر شيخ الإسلام في بيته في الدعاوى الشرعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتم في حضوره الطلاق. ويقوم في أغلب الأحيان بأخذ مال الغائب واليتيم ويسلمه فيما بعد إلى القضاة([478]). ويكتب سانسون أيضاً:
«ويتدخل شيخ الإسلام شخصياً في حل وفصل أغلب الدعاوى والاختلافات، وهو مدرس لعلم الحقوق، حيث يدرس جميع القضاة وذوي المناصب التابعين له، يومي الأربعاء والسبت([479]).
وأفضل وثيقة يمكن الاستناد إليها في معرفة وظائف شيخ الإسلام هي متن الأحكام التي أصدرها الملك إلى شيخ الإسلام، وبيّن فيها وظائفه. ويُوجد في متناول أيدينا نموذج أو نموذجان لحكم الملك طهماسب في شأن المحقق الكركي. ويبدو أنّ المحقق الكركي كان في البداية قد قدم في زمن الملك إسماعيل إلى إيران وقدّم مرّة أخرى من زمن الملك طهماسب، وفي هذا الوقت كان الملك يقربه شيئاً فشيئاً ثمّ اضطر إلى الاعتزال بعد سلسلة من المباحثات المختلفة مع صدر ذلك الوقت، وبعد ذلك عيّن المحقق الكركي في منصب شيخ الإسلام (على الرغم من عدم وجود هذا العنوان في هذه الأحكام بصورة رسمية)، حيث يكتب الملك طهماسب في مذكراته ما يلي:
جرت في هذا الوقت، بحوث علمية بين مجتهد الزمان الشيخ علي عبد العالي ومير غياث الدين منصور الصدر، ورغم أنّ الغلبة كانت لمجتهد الزمان إلاّ أنّهم لم يذعنوا باجتهاده وأصرّوا على العناد، ولكنّا أخذنا جانب الحق وأثبتنا له الاجتهاد([480]).
وجاء في حكم الملك إلى المحقق الكركي ما يلي:
لقد قررنا أن يتخذ السادة العظام والأكابر والأشراف والأمراء والوزراء وسائر أركان الدولة المعظمون من المشار إليه قدوة وأسوة، فينقادون إليه في جميع الأمور ويطيعونه، وما يأمر به فهو مأمور به وما ينهى عنه فهو منهي عنه، وكلّ من يعزله من متصدّي الأمور الشرعية في الممالك المحروسة والعساكر المنصورة فهو معزول وكل من ينصّبه فهو منصّب، ولا يحتاج عزله وتنصيبه للمذكورين إلى أمر آخر، وكل من يعزله لا ينصب ما دام ذلك الشخص المحترم لم ينصبه، ذي الحجة عام 939([481]).
وقد صدر هذا الحكم قبل وفاة الكركي في حدود السنة، لأنّه توفي في يوم الغدير عام 940.
وثمّة حكم آخر بهذا الخصوص هو: بسم الله الرحمن الرحيم، لما كانت حقيقة كلام الإمام الصادق (عليه السلام) واضحة حين يقول: «انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فارضوا به حكماً فإنّي قد جعلته حاكماً فإذا حكم بحكم فمن لم يقبله منه فإنّما بحكم الله استخف وعلينا رد وهو راد على الله وهو على حد الشرك» وهذه الحقيقة هي أنّ مخالفة حكم المجتهدين الذين هم حفظة شرع سيد المرسلين والشرك في درجة واحدة، فإنّ كل من يخالف حكم خاتم المجتهدين ووارث علم سيّد المرسلين ونائب الأئمة المعصومين، الذي لا زال كاسمه عليّاً عالياً، ولا يكون تابعاً له، فإنّه دون شك ملعون ومطرود من ساحة هذا المُلك، ويؤاخذ بالسياسة العظيمة والتأديب البليغ. كتبه طهماسب بن الشاه إسماعيل الصفوي الموسوي([482]).
ويظهر من هذا جلياً، أنّ اعتراف الشاه طهماسب بقدرة المحقق الكركي لم يَأت بسبب الصلاحيات التي منحها له بنفسه إنّما يأتي بسبب ولاية الفقيه التي كان يراها فيه. وفي رواية أخرى ينقل عن الشاه طهماسب أنّه كان يعتبر نفسه نائباً عنه([483]).
ويحتمل أنّ قيام شيخ الإسلام رسمياً بمراسم التتويج([484])، يأتي للاستفادة من تأييد الفقيه لهم في إظهار شرعية حكومتهم. وقد وقفنا على مراسم التتويج هذه مع الملك سليمان والملك سلطان حسين.
ومن المناسب هنا أن نورد حكم تنصيب العلامة المجلسي في منصب شيخ الإسلام من أجل الاستزادة من معرفة هذا المنصب الديني ووظائفه في الدولة الصفوية.
وثمة خلاف في تحديد تاريخ تعيين العلاّمة المجلسي في منصب شيخ الإسلام. فيرى مثلاً نعمة الله الجزائري أنّ تاريخ تعيينه في هذا المنصب بيد الملك سليمان هو عام 1090 بينما يذكر الخاتون آبادي أنّ تاريخ التعيين هو 1098ق.م. ([485]) وتاريخ الحكم الذي بين يدينا صادر في 1106 وجاء فيه أنّه كان قبل ذلك في منصب شيخ الإسلام بصورة غير رسمية.
وطبعاً من الضروري ذكر هذه الملاحظة وهي أنّه كما نقل فإنّ منصب العلامة المجلسي كان (ملاباشي)، وهو العنوان الذي ظهر في زمن الملك سلطان حسين وعرف بعنوان أعلى مقام ديني، وظلّ بعد ذلك حتّى زمان الملك نادر([486]).
وعلى كل حال فإنّ العلامة المجلسي قد شغل منصب شيخ الإسلام في زمن الملك سليمان، وقد أصدر هذا الحكم الملك سلطان حسين، لأنّه قد وردت إشارة ضمن المتن إلى أنّ والده نصب المرحوم المجلسي في هذا المنصب أيضاً.
ويوجد هذا الحكم في مجموعة 9596 من النسخ الخطية للمكتبة الرضوية في مشهد([487]) وقد ورد فيه: «قد استقر حكم سيد العالم على ما يلي: تقديراً لعناية الرب الودود، الدائم الذي لا يفنى في محكمة القضاء بمقتضى الآية الكرية: {نرفع درجات من نشاء}([488]) التي منحتنا الحكم في عرصة الغبراء ودرجة القيادة تحت هذه القبة الخضراء، وحلّت في ساحة عائلة العز والجلال أنوار شمس المكارم الأزلية، وأنوار المواهب الباقية، بميمنة أنفاس السادة، حجب اللاهوت ومثبتي أركان الجبروت بمصداق الآية الكريمة {إنّ الذين سبقت لهم منّا الحسنى}([489]) وأوكل أمر حفظ قوانين الشريعة وتنفيذ أوامر ونواهي الواحد الأحد، في ذمة هذه الخلافة والإمامة، مصداقاً للآية الكريمة {كنتم خير أمّة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}([490]) وجعل زمام اختيار أهل العصر، وقبض وبسط مهام سكنة الأرض في أيدينا السخية طبقاً للآية الكريمة {وأولائكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً}([491])، وبداعي الهمة العالية والمساعي الكريمة إزاء هذه النعم المتعددة والمواهب المتجددة، رأينا حسب مضمون «الدين والدولة توأمان» والأمر المطاع {وأحسن كما أحسن الله إليك}([492]) أن نرعى العلماء الأعلام وفقهاء الإسلام الذين هم مصداق «العلماء ورثة الأنبياء»([493]) وأن نتخذ منهم قدوة في الأمور الجزئية والكلية لقوانين الشريعة الغراء لحضرة سيد المرسلين (صلّى الله عليه وآله) الطيبين والآداب السنية للطريقة البيضاء للأئمة الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين)، وألاّ نخرج أقدامنا من دائرة الدين المبين والشرع المتين، ولمّا كان رأس الأمور المذكورة بيد علماء فرقة الإثني عشرية الناجية، الذين هم حفظة الأحكام، وأصحاب الحلال والحرام، وملاذ الشريعة والإفادة والإفاضة، صاحب الفضيلة والكمالات، مدرك الحقائق والمعارف، جامع المعقول والمنقول، حاوي الفروع والأصول، العلامة الفهامة، مجتهد الزمان شمس الإفادة والإفاضة والدين، مولانا محمد باقر المجلسي، هو مجتهد العصر وأعلم أهل الزمان بالكتاب والسنة وتتبع أسس الأدلة الشرعية، حسب الوضع والطاقة، فإنّا نفوّضه في منصب شيخ الإسلام العظيم الشأن والجليل القدر في دار السلطنة في أصفهان وتوابعها ولواحقها وهو المنصب الذي فوّضه فيه صاحب الجلالة والمكان المقدس والدنا الشاه أنار الله برهانه ولم يصدر في ذلك أمراً. وقد قررنا بمقتضى الحقائق والمعارف المذكورة والشفقة والرحمة تنصيبه في هذا المنصب على الدوام وفي الحضر والسفر بحيث يرجع إليه في المسائل الدينية والأحكام الضرورية، وقد أوكلنا إليه القضايا العظيمة والدعاوى الغامضة لحفظ أموال المؤمنين وفروجهم وأعراضهم ولعدم تعريض الأمور المذكورة للتلف والتضييع. وبناء على ذلك يجب ألا يقصر ملجأ الشريعة والفضيلة المشار إليه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإجراء الأحكام الشرعية والسنن الدينية وفي منع وزجر أهل البدع والفسق وأخذ الأخماس والزكوات وحق الله من الذين يماطلون، وإيصالها إلى المستحقين والمستحقات وتنسيق المساجد والمدارس والمعابد وبقاع الخيرات وإيقاع العقود والطلاق والنكاح وسائر الأمور التي ترجع وتتعلق بشيوخ الإسلام وفي قلع وقمع البدع وإحقاق حقوق المسلمين ورفع ظلم الظالمين وقطع يد أرباب العدوان وبذل الجهد في دعوة الخير لذاتنا القدسية ولا يجاري أحداً في تطبيق الأحكام الدينية، ونفوض إليه أمر تعيين المدرسين وعزلهم، وإذا أصدر حكماً فلا يتوقف على موافقة الآخرين وعلى الصدور العظام وأهل الديوان الكرام وقضاة الإسلام وسائر أهل الشرع الأنوار وحكام العرف أن يطيعوه، والأمر الذي يباشر مجتهد الزمان المشار إليه في التحقيق به لا يتدخل فيه أحد، والقضية التي ترفع إليه كلها، لا ترفع إلى أحد سواه ولا يحقق فيها غيره.
وعلى السادات والنقباء العظام والحكام المحترمين والوزراء والمسؤولين والأكابر والأهالي والتجار والأعيان وأرباب الحرف وجماعات الدهاقين وأصحاب الزراعة من الخواص والعوام والصادرين والواردين وجمهور المتوطنين في دار السلطنة، أصفهان، وتوابعها أن يعلموا أنّ ملاذ الإفادة المشار إليه هو شيخ الإسلام بالاستقلال والانفراد ويطعيوا أوامره ونواهيه وعلى الحكام والوزراء والمسؤولين أن يحضروا إلى محكمته في فصل القضايا والمهمات الشرعية التي تحصل، تعظيماً للشرع الأقدس ولا يطلبوه إلى مجالسهم ويظهروا له أسباب الإعزاز والاحترام… شهر ذي الحجة سنة 1106هـ».
وقد ورد في هذا الحكم نقاط في غاية الأهمية، ولكنّا نغض النظر عنها، ويبقى الأمر المهم جدّاً هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي ورد في أكثر أحكام شيوخ الإسلام.
وأكثر الملوك الصفويين، كانوا منغمسين في النواهي والمنكرات في الوقت الذي يأمرون به شيوخ الإسلام بملاحقة هذه الأمور في المجتمع، وبذل هؤلاء كل جهدهم في هذا الأمر. وطبعاً كان بعض هؤلاء الملوك يتوب أحياناً أو على الأقل يكف عن هذه المنكرات إلى حين.
وتوجد بعض النماذج الأخرى من الأحكام المختصرة، ونذكرها في بحثنا هذا إتماماً للموضوع.
وقد ورد في الحكم الصادر بخصوص تعيين ملاّ عبدالله وفيه: «بعد إظهار رافع شعار الشريعة، ملاذ التقوى والدين، الملاّ عبدالله للسعي والاجتهاد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحضار المسلمين في المساجد والمعابد والتزام النصيحة والموعظة ومراعاة مراسم عادات زمرة المجتهدين في طريق الشرع والدين. فقد قررنا أن يمكنه أرباب المناصب والدرجات والحكم والمسؤولون وولاة الأمصار والقرى من إجراء الأوامر الشرعية ويتبعوه ويطيعوه فيها وأن يجعلوا شكره وشكواه مؤشراً ومنتجاً. حرر في رجب سنة أربع وتسعمائة([494]).
ويتوفر لدينا نموذجان آخران لهذه الأحكام، الأوّل مرتبط بمحمد المفتي الأصفهاني وهو صادر في جمادى الأولى 1030، الثاني يتعلق بملاّ زكي شيخ الإسلام الأصفهاني([495]). ويوجد أيضاً حكم صادر بخصوص محمد البحريني([496]).
ويوجد آنذاك شيوخ الإسلام في المدن المهمة، حيث يعينون من قبل المركز، وتصدر بحقهم الأحكام. ويكتب «تاڨرنيه» ما يلي: يوجد في جميع المدن الرئيسية للبلاد شخصان باسم شيخ الإسلام والقاضي لمتابعة الأمور الدينية والقانونية([497]).
وكذلك يكتب (سانسون): أنّ هناك وكلاء لشيخ الإسلام في جميع أنحاء البلاد، حيث يقوم هؤلاء مع وكلاء الصدر (صدر الممالك) بتنظيم العهود والإجازات([498]).
ويحتمل أنّ شيخ الإسلام في بعض المدن، كان ينتخب من قبل شيخ الإسلام في العاصمة، حيث يوجد بين أيدينا حكم أرسله الشيخ البهائي إلى نور محمد شيخ الإسلام في يزد ويكتب فيه أنّه يرغب في إرساله بعنوان شيخ الإسلام في مازندران لما رآه منه من حسن السيرة([499]).
ويوجد كذلك حكمان بخصوص حكم شيخ الإسلام، موجهان إلى بعض علماء المدن، ويحظى الثاني بأهمية أكبر من الأوّل من حيث المضمون.
فقد جاء في حكم إلى «الشيخ كرم الله» الذي كان في منطقة الكاي رانكوه ما يلي: الحمدلله المرشد الذي أرشدنا بالإرشاد، والسلام على آله وأحفاده الذين يتسلسل إليهم سلسلة الإرادة والاعتقاد.
أمّا بعد: فلمّا كان رجوع كافة الأنام إلى علماء الإسلام لأجل توضيح المعضلات الدينية وفتح المشكلات الملية من الواجبات؛ فاسألوا الذكر [كذا] إن كنتم لا تعلمون([500])، فقد قرّر أن يرجع قطنة وسكنة الكاي رانكوه([501]) وتوابعها في الأمور الشرعية المعضلة إلى الشخص الكريم لمآب الإفادة والشريعة وملاذ المعالي الشيخ كرم الله الذي هو أفضل فضلاء تلك المناطق، ويستوضوحون منه العقائد ويستوفون منه القواعد، ويعتبر الشخص الموقر شيخ الإسلام في تلك المحال والمناطق، فيعمل بفتواه القضاة كما يرى المحرر([502]).
وفي أمر آخر صادر عن الملك سليمان بخصوص تنصيب شيخ الإسلام في مشهد يعين الوظائف التي ينبغي لشيخ الإسلام القيام بها. وقد كتبه في شهر ذي القعدة الحرام سنة 1079.
وربما أمكن الحصول على نماذج أخرى للأحكام (راجع كتاب: فهرست ميكرو أفلام المكتبة المركزية للجامعة ج1، ص772).
وعلى أية حال، فقد كان يحصل أحياناً أن يقوم الملك بنفسه بتعيين أشخاص في المدن أيضاً، وذلك لأهمية تلك المدينة وكذلك لأهمية المجتهد الذي يعين في هذا المنصب، ففي وقت معين كان أبو الشيخ البهائي([503]) في هرات وفي وقت آخر كان نفس الشيخ البهائي في منصب شيخ الإسلام في المدينة([504]).
وفي مركز الحكومة كان شيخ الإسلام إمام جمعة أيضاً، رغم أنّه يحدث أحياناً أن ينصب شخص آخر في إمامة الجمعة.
وكما ورد في بعض الأحكام فإنّ العمل المهم لشيخ الإسلام لم يكن يقتصر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ وطبعاً رعاية حرمة المسائل الشرعية في المجتمع ـ التي كان شيوخ الإسلام يقومون بها بل كان أحياناً يتصدّى لإرغام «بيگلر بيگي» الذي يمثل حاكم الولاية على العمل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر([505])، وكذلك كان الملك يتدخل شخصياً بإصدار أوامره العامة برعاية حرمة الشرع والحد من الفساد([506]).
المجتهد إمام الجماعة
المدرس، القاضي
بالرغم من أنّ هذه العناوين ليس لها الصفة الإدارية في الدولة الصفوية، ولكن يمكن إدخالها في هذا البحث لأهمية موقعها الديني والاجتماعي وتأثيرها في المسائل السياسية، وقد ذكر المسافرون الأجانب بعض المعلومات بخصوصها، ولا يخلو ذكر هذه المعلومات من فائدة.
ويذكر «كمبفر» معلومات مفيدة إلى حد ما عن مواقع بعض هذه العناوين، حيث يقول: «إنّ المجتهد هو صاحب أعلى مقام ديني بين سائر أصحاب المقامات».
ويفهم ممّا رآه؛ أنّ الأهمية الدينية لهذا العنوان في المجتمع تفوق أهمية بعض المناصب الدينية، أو على الأقل كان هذا العنوان يحتل في أذهان الناس موقعاً بارزاً بحيث تصوّر أنّ المجتهد هو أعلى من جميع ذوي المناصب الدينية.
ويكتب عن كيفية صيرورة الشخص مجتهداً فيقول:
«لا تُؤثر في الوصول إلى هذا المنصب عناية الملك ولا مرافقة العلماء أو الشخصيات أو عطفهم. ويمكن ذلك فقط للشخص الذي يلفت أنظار الناس بأسلوبه الزاهد في الحياة وعلمه وثقافته العالية. ومن الناحية الدينية فإنّ عمل المجتهد هو «التفسير الصحيح للقرآن والروايات المنقولة عن النبي والأئمة الإثني عشر ويصبح المرجع القطعي في ذلك» وبغض النظر عن الناس الذين يرون المجتهد في هذه المنزلة، فإنّ المتألهين كذلك «يشاركون الناس في اعتقادهم هذا» وإنّ الطريق التي يقطعها المجتهدون للوصول إلى مثل هذه المقامات هي طريق بالغة الصعوبة حيث «أنّهم يسعون في حركاتهم وتصرفاتهم الظاهرية جهدهم لإضفاء القدسية والورعية على أنفسهم، ولهذا فهم يرغمون أنفسهم في حياتهم على تقبّل أكبر حد من القناعة والكفاف، فيأبون القبول بالافتخارات الدنيوية ويمتنعون عن التدخل في الجزئيات، ولا يتحدثون إلاّ إذا كان في الحديث فلاح ونجاة أبدية، ويجمعون عدداً من الطلاب حولهم إثر دروسهم التي يخلطون فيها البلاغة برقة القلب والرأفة ويعلمونهم في بيوتهم بكلّ رأفة وسعة صدر، ولا يفرق هؤلاء بين المستمعين من ذوي القابلية والاستعداد وبين أولئك الذين يفتقدون إلى القابلية والاستعداد، فينظرون إليهم جميعاً بعين واحدة ولا يظهرون الملل أثناء دروسهم ولا تبدو عليهم آثار الكبر والغرور أثناء التصحيح، ويتجنبون الثرثرة والمزاح، ولا يفتحون أفواههم إلاّ حين ينطقون بالحكمة أو يرشدون الآخرين». ومع امتلاك هذه الخصال والأخلاق فإنّهم «يشتهرون بين الناس شيئاً فشيئاً، ويصبحون موضعاً لاحترام الناس وفي النهاية يعترف عموم الناس بمقام اجتهادهم».
ولكن إذا تصوّر أحد بأنّهم يتصنعون في أسلوبهم هذا، فإنّه يخطئ حيث يقول كبمفر: «لا ينبغي التصوّر مطلقاً بأنّه يمكن الوصول إلى موقع ما في هذا العمل من خلال الحيلة أو الرشوة»([507]).
ثمّ يتحدّث حول «إمام الجماعة» فيقول: ليس فقط المساجد المهمة هي التي يوجد فيها إمام جماعة»، ويصل هؤلاء إلى هذا المقام من خلال الانتخاب الطبيعي للناس وليس من خلال التنصيب: «لا يحصل هذا المقام بالانتخابات ولا بإقرار أحد مراجع الدين، ولا يجري لإمام الجماعة أي امتحان، وإنّما يصل إلى هذا المقام الشخص الذي يحظى بأدنى اهتمام وتعلق من قبل الناس، بحيث يكون تعيينه في منصب إمامة الجماعة موضعاً لقبول الجميع» ومن الطبيعي فإنّ الأمر يختلف في المسجد الجامع لدار السلطنة إذ «يوكل هذا المنصب إلى المجتهد»([508]).
ويذكر «سانسون بعض المعلومات حول إمام الجماعة، ويظهر أنّه استقى هذه المعلومات من بعض أئمة الجماعات الذين كانوا يصلون في البلاط الملكي، إذ يقول: «يصلي إمام الجماعة في منزل الملك، وتلقى على عاتقه إمامة الجماعة والختانة ومقدمات الأعراس ومراسم الدفن».
ويعلم من حديثه أنّه ذكر تفصيل وضع بعض رجال الدين الذين يختصون بالقيام بالمراسم الدينية في البلاط التي تجري من حين ولادة بعض الأمراء وحتّى مماتهم.
ويرى «سانسون» أنّ إمام الجماعة يختلف عن شيخ الإسلام والقاضي اللذين يشغلان مناصب في الأمور المدنية، فهو يتحدّث فقط حول الأمور الحقوقية (المسائل الفقهية): «إنّ هذه الشخصية الدينية تدرس العلوم المعقولة والمنقولة، وتورد الخطب الدينية في جميع أنحاء البلاد، ويعتبر رجل الدين هذا أحد مشاوري الملك»([509]).
وثمة مجموعة أخرى من رجال الدين تتمتع بالصفة الرسمية وهي القضاة، فقد كان يشتغل في القضاء أفراد بعنوان القضاة. إضافة إلى الصدر وشيخ الإسلام الذين كانا يشتغلان في القضاء. وطبعاً كان هؤلاء القضاة يعينون من قبل الصدر وأحياناً من قبل شيخ الإسلام.
ويذكر ميرزا سميعا بأنّه: «كان يقتضي الأمر جلوس قاضي أصفهان لتشخيص الدعاوي الشرعية للناس وفقاً لقانون الشريعة الغراء والملة البيضاء في جميع الأيام عدا يوم الجمعة، ويرجع في ضبط أموال الغائب واليتيم إلى كل من يتصدّى للقضاء في أصفهان، بعد زمن الشيخ جعفر القاضي. وكل قضية يكتبها قاضي الشرع يلزم بتنفيذها أصحاب الديوان وبإرجاع حق كل من له حق»([510]).
وينحصر أمر القضاء بالأشخاص الذين بلغوا درجة الاجتهاد، ومن الطبيعي أنّ كل واحدٍ منهم يقضي حسب اجتهاده، ويحتمل أنّه كان في الإمكان إعادة طرح الدعوى لدى الصدر أو شيخ الإسلام إذا ما اعترض أحد الطرفين على الحكم.
وكان القضاة يتواجدون في أكثر المدن المهمة لأعدادهم الكبيرة التي تقتضيها كثرة أعمالهم. وفي هذا المجال يذكر «تاڨرنيه» ما يلي:
«يوجد في جميع المدن الرئيسية للبلاد شخصان لمتابعة الأمور الدينية والقانونية هما شيخ الإسلام والقاضي»([511]).
ويحدث أحياناً أن توكل أعمال بعض القضاة بعد وفاتهم إلى أولادهم، ويحصل هذا إذا كان هؤلاء من رجال الدين أيضاً. وللقضاة أيضاً بعض الأجهزة التابعة لهم وبعض الأشخاص الذين ينوبون عنهم في إنجاز مقدمات الأعمال، ليتمكنوا هم من متابعة دروسهم([512]).
ويذكر «سانسون» في تصنيفه لرجال الدين القاضي على أنّه الشخصية الرابعة في تسلسل رجال الدين بعد صدر الخاصة وصدر الممالك وشيخ الإسلام، حيث يقول:
«ويأتي «القاضي» بعد شيخ الإسلام، ومهمته متابعة الدعاوى المدنية والشرعية»، ويذكر مكانته في البلاط بقوله: «ويجلس أسفل محل جلوس الملك بعد الصدر الثاني، ولكن أياً من الصدور وشيخ الإسلام والقاضي لا يحضرون المآدب العامة التي يقيمها الملك؛ لأنّه يشرب الخمر فيها»([513]). وفي الواقع ليس هذا الأمر كلياً، إنّما كان يحدث في بعض الأحيان حيث كانوا يعدّون الخمر من لوازم السلطنة([514]).
ويشير كذلك «كمبفر» إلى منصب القضاء وعمل القاضي حيث يكتب: «ويقع إجراء القانون في المدن الأخرى على عاتق قضاة الشرع أيضاً، وحتّى في النواحي الصغيرة يوجد قضاة الشرع باستمرار، لأنّ جميع الوثائق والمستندات الحقوقية والمدنية وأوامر الملك وكلّ الأمور التي يجب أن تنجز في المجتمع الإيراني بصورة خطية لا تحظى بالصفة القانونية حتّى يوقع عليها القاضي، ولذلك فإنّ كلّ مدينة لا تحب أن تبقى محرومة من القاضي»([515]).
وثمة نوع آخر لهذا المنصب وهو منصب قاضي العسكر الذي لم يبق منه في الفترة الأخيرة إلاّ اسمه، ويكتب «ميرزا سمعيا» عن هذا المنصب الديني ما يلي:
«كان في السابق ثمة قاضي العسكر الذي يجلس في ديوان السيادة لمتابعة الأحكام الشرعية للعساكر المنصورة. ولكن بعد أن عيّن الصدر في أصفهان وتقرّر أن تكون متابعة ديوان السيادة للمرافعات الشرعية لعباد الله بحضور الصدر فقد ترك أمر حضور القاضي (قاضي العسكر) إلى ديوان السيادة واقتصر عمل قاضي العسكر في أواخر عهد السلاطين الصفويين على توقيع وثائق العساكر، حيث كان (البيگلر بيگيان) وحكام الولايات لا يقيمون اعتباراً لهذه الوثائق ما لم تكن تحمل توقيع القاضي»([516]).
ويمكن الحصول على أسماء بعض الفقهاء الذين عُيّنوا في منصب (قاضي العسكر) في كتاب (تاريخ عالم آراي عباسي، ص112، 114) وذكر القلقشندي (م812) في صبح الأعشى (ج4، ص37 و199) شرحاً عن كيفية هذا العمل في الدول السنية في المناطق العربية.
ويذكر كبمفر مواضيع ممتعة حول الحوزات العلمية، وطرق التدريس، وحقول التدريس وكذلك تعيين المدرسين ومسائل أخرى، ولكنّا نغض النظر عن نقلها([517]).
ولم نجد لرجال الدين عنواناً آخراً، ويذكر البعض عنوان رئيس العلماء([518]) ويحتمل أنّه لقب فقط وليس عنوان رسمي أو حتّى غير رسمي. اللهم إلاّ إذا كان له منصب معين لم يذكره هو ولم نجده نحن، ويذكر نفس هذا الكاتب المثابر والمحقق في كتابه أسماء عدد من شيوخ الإسلام في أصفهان ويمكن للراغبين الرجوع إليه([519]).
ووردت أيضاً عبارة في كتاب محافل المؤمنين لا يعرف منها إذا كان المقصود لقب خاص أم عنوان، حيث يذكر الكاتب عن الشيخ البهائي ما يلي: «ونال في زمن الملك عباس الأوّل منصب الخادم إضافة إلى التدريس»([520]) ولم نعرف على وجه الدقة ما المقصود بعنوان «الخادم».
خليفة الخلفاء
على الرغم من أنّ هذا العنوان يرتبط بالصوفيين، ولكنّا نتطرّق له، لكون هؤلاء من الشيعة أوّلاً وثانياً لأنّ هذا المقام هو مقام ديني.
لقد وضع الصفويون أعمالهم في الأساس من خلال التصوف والمتصوفة، وشكلوا المجاميع الكبيرة من مريديهم تحت عنوان «القزل باش» من خلال إيجاد شبكة قائمة على أساس الاعتقادات الصوفية، واستطاعوا بمساعدة هؤلاء الوصول إلى سدّة الحكم. وسعى الشاه إسماعيل بعد انتصاره إلى إدخال العناصر الإيرانية في هذه المجاميع تارة بعنوان الوزير الأعظم وتارة بعناوين أخرى، وأوجد بذلك حالة من التوازن بين القوات الجديدة من غير الأتراك وبين القزل باش الأتراك. ومع مرور الزمن انحسر نفوذ الصوفيين، ولكن ظلّ لهم الدور الكبير ـ لفترة طويلة ـ في التحوّلات الجارية آنذاك وخصوصاً في البلاط الملكي، حيث حافظ هؤلاء على تشكيلاتهم واتخذوا من الملك مرشداً كاملاً لهم، وقام الملك بدوره بتعيين خليفة الخلفاء لهم وجعله مسؤولاً عن شؤونهم. وكان الصوفيون في أغلب الأحيان لا يهتمون بالمسائل الشرعية، ولهم عالمهم الخاص بهم، ولكن بمرور الوقت وبعد إصرار الفقهاء على تنفيذ المسائل الشرعية وللضرورة التي كانت تقتضيها إدارة المجتمع، فقد بدأت مجاميع من الصوفيين الخاضعين لسيطرة الملك بالتسليم للأمر الواقع واضطروا إلى رعاية الأحكام الشرعية. وطبعاً كان هناك أهل العرفان ممّن يعرف بنفس اسم الصوفيين، ولكنّهم كانوا قبل غيرهم يراعون هذه الأحكام.
وكما كان الملك طهماسب يعين شيوخ الإسلام في المدن المهمة، فإنّه كان أيضاً يعين فيها الخلفاء. ويشير الحكم المتوفر لدينا والصادر بشأن تعيين أحد هؤلاء الأفراد إلى وجوب مراعاته للأحكام الشرعية وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على غرار ما كان يؤمر به شيخ الإسلام، فقد ورد في هذا الحكم ما يلي:
«… ولذلك نرى لزاماً علينا شكر هذه الموهبة العلية، بأن ننصب في كل قطر من الأقطار خلفاء من ذوي الدين وأرباب الشريعة، الذين هم مصداق لـ {أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}([521]) و{الحافظون لحدود الله}([522])… وبعد تنصيبه لعمدة المتورعين وعين الزاهدين مولانا رضي الدين محمد في منصب الخلافة، يذكر الأعمال التي يقوم بها الخليفة وهي دوام الذكر وإحياء الليالي الشريفة المشرفة وإدامة الصلاة والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترويج وتنسيق المساجد والمدارس والتكايا والزوايا وبقاع الخير وكسر الآلات المحرمة والحرص على وظائف الطاعات والعبادات ومنع الأجانب من رؤية العورات وتخريب البنايات اللامشروعة وغير ذلك…
ثمّ يطلب من السادات العظام وقضاة الإسلام والحكام الكرام والوزراء ذوي الاحترام والمسؤولين والمتصدين للمهمات الديوانية والشخصيات والأعيان وعامة السكان ومريدي عائلة الخلافة والولاية ومعتمديها وسائر أصحاب التكايا وذوي الزوايا وغيرهم الاعتراف به خليفة (أي خليفة الخلفاء) ويعلمهم أن لا حاجة لتجديد الحكم».
وبين أيدينا متن لأمر آخر أصدره الملك سلطان حسين الصفوي إلى السيد إبراهيم، ونذكر هنا الجزء الذي يرتبط بوظيفة هؤلاء الأفراد:
قد فوضنا مسؤولية خلافة الأماكن المذكورة كما كان سابقاً إلى ملاذ السيادة والخلافة المشار إليه، وبعد التحقيق والتنقيب أمر التاج الشامخ الوهاج باشتغاله في ولاية أهل البيت الكرام عليهم التحية والإكرام وجميع الفرائض ومسنونات العبادات والطهور والاغتسال وإقامة الصلوات الخمس وأداء الزكاة والخمس وصوم شهر رمضان وحج بيت الله الحرام والعمرة وزيارة المدينة الطيبة لحضرة خير الأنام عليه وآله الصلوات والسلام وإيتاء حق يوم الحصاد والماعون والحق المعلوم للسائل والمحروم واصطناع المعروف وإطعام الطعام والقرض الحسن وصلة الأرحام والعدل والإحسان وتوفية المكيال والميزان وبر الوالدين ومداومة الأذكار وقيام الليل وصيام النهار ومكارم الأخلاق ومحاسن الأطوار وسائر الطاعات والعبادات والقيام بمنع محرمات الأفعال ومنهيات الأقوال والشرك بالله وإنكار ما أنزل الله وحق آل رسول الله وقتل الحق وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وسائر ما في الآية الشريفة وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات وشرب الخمور والمسكرات وارتكاب السرقة وعمل الميسر واللواط والزنا والربا والرياء وأقسام الحرام واليأس من روح الله وأمن مكر الله والسحر والعقوق واليمين الغموس ونقض العهد ومنع الزكاة ومنع الماعون وترك الصلاة وما فرض الله ونكاح الأمهات وسائر من في الآية المقدسة ورؤية العورات الأجنبية وكتمان الشهادة وشهادة الزور وتصرف مال الغير ومطلق الكذب على الله وعلى حجج الله والغيبة والبهتان وتكذيب الأنبياء وجحود الأوصياء عليهم صلوات الله وركوب الفواحش ما ظهر منها وما بطن وتطفيف الكيل وحنف الوصية والخدعة والخيانة واللهو واللغو وتزمير المزامير والفحشاء والمنكر والبغي وانتهاك (وارتكاب) المعاصي والإصرار عليها وسائر ما يكون من هذا القبيل وأن لا ينحرف مطلقاً عن أي باب من الشريعة النبوية الغراء والملة الإثني عشرية البيضاء وآداب وأطوار مشايخ الصفويين العظام والكرام وأن يقوم بمعاقبة وتأديب كل فرد من طلابه ومريديه يتخلف عن طريق آداب المشايخ المذكورين وفقاً لطريقة وآداب وقانون الشريعة الغراء.
وسبيل طلابه ومريديه أن يعتبروا ملاذ السيادة المشار إليه خليفة لهم منصب من قبل حضرتنا، وينقادون له ويطيعونه في الأوامر والنواهي المشروعة، وعلى دراويش التكايا والزوايا أن يعملوا وفقاً للنهج المسطور ولا يخرجوا عن صلاته وحديثه الشرعي الذي يذكره في باب آداب المشايخ، وأن يوجبوا رعايته ومراقبته وإعزازه وإكرامه. وقد تقرر أن يسعى السادة العظام والحكام الكرام والشخصيات والأهالي والمسؤولين إلى إمداد المشار إليه وإعانته وألا يقصرون في ذلك، ولا يجوز لأحد من خلفاء تلك المناطق التدخل في عمله، ولا يُطلب التجديد سنوياً، حرر في شهر صفر عام 1109.
كان هذا خلاصة لما يمكن قوله تحت عنوان الوظائف والأعمال الإدارية للعلماء في العهد الصفوي. وكان جل اهتمامنا هو إبراز وإيضاح الوضع الموجود آنذاك، بغض النظر عن الرأي في دور هذه الأمور وأهمية تلك الأعمال في الحد من الفساد والانحطاط. والموضوع المهم الآخر هو تقييم المسألة من وجهة نظر الفكر السياسي.
فكيف كانت قدرتهم وإلى أي مدى يصل نفوذهم بالقياس إلى قدرة الملك ونفوذه، وأي منهم كان يرجح على الآخرين، وإلى أي حد كانت منطقة عملهم تقع تحت تأثير بعضهم البعض، ومن الناحية الفقهية وكذلك الفكرية كيف يمكن الحديث عن التركيبة السياسية الخاصة للقدرة في الدولة الصفوية؟
كل هذه التساؤلات والخوص في الجواب عنها، رأينا إرجاءه إلى فرصة أخرى.
رسول جعفريان
الدولة الصفوية
بين المد والجزر
لعل من أكثر الأمور وضوحاً في مراحل التاريخ الإيراني أنّ الأوضاع الاقتصادية عادة ما تكون مضطربة وقلقة في الأيام الأولى لقيام أيّة دولة جديدة. ولو أردنا أن نبحث الأوضاع الاقتصادية في عهد ما قبل الشاه إسماعيل الصفوي، لما رأينا سوى الاضطراب السياسي والأمني والقتل والنهب وقطع الطرق التي أدّت آنذاك إلى طمس الازدهار التجاري والزراعي ودفن رؤوس الأموال في الأرض، وانتشار الفوضى والقلق في صفوف الناس بصورة لا توصف، وقد كانت هذه الظروف إحدى الأسباب التي ساعدت على ظهور رجل شجاع مقدام استطاع إيجاد مركزية في إدارة الأعمال، وأمان في حياة الناس، وأعاد المياه إلى مجاريها. وندرك هذه الحقيقة من خلال نظرة سريعة في أوضاع العهد الذي تلى السلطان يعقوب البايندري، ففي غضون سنوات قليلة من حكومة ابنه بايسنقر عمت حوادث الاضطرابات جميع الولايات الإيرانية، منها: تنصيب أمراء البايندرية للميرزا مسيح بن حسن بيك في الحكم، ثمّ حادثة قتله والقاضي عيسى، وحبس الشيخ نجم الدين مسعود، وكذلك قتل الصوفي خليل، تمرد سليمان بيك والي ديار بكر، دعاوى رستم بيك بن مقصود بيك ومطالباته، قتل السلطان بايسنقر، جلوس الملك أحمد على عرش آذربيجان وحكومته التي استمرّت ستة أشهر، تمرّد الميرزا محمد والوند، ثمّ قتل السلطان أبيه وهجمات بير علي بيك المتكررة، هذه الحوادث كلّها نماذج مصغرة للاضطرابات التي كانت سائدة آنذاك ولمن أراد الاطلاع على التفاصيل أن يراجع كتب التاريخ المفصلة منها (حبيب السير) ج4، ص439.
وهنا لمع سيف الشاه إسماعيل وسط الأعاصير والعواصف المميتة، ليعيد الهدوء والاستقرار إلى البلاد المضطربة.
ومن المناسب هنا أن نتحدّث باختصار عن كيفية ظهور هذا الاستقرار، الذي يمثّل في الواقع مرحلة وضع الحجر الأساس للاقتصاد، لأنّه من المسلم به أنّه ليس ثمة تحوّل سياسي وتاريخي لا تكون العوامل الاقتصادية إحدى أسبابه، وليس ثمة ظاهرة تاريخية وسياسية لا تكون مصدراً لتحوّل اقتصادي، وبعبارة أخرى هناك تلازم وثيق بين الاقتصاد والسياسة ومع التاريخ في المحصلة النهائية. وإذا كانت الإشارة إلى العوامل الاقتصادية نادراً ما تظهر في التواريخ الإيرانية، فإنّما ذلك بسبب تساهل المؤرخين وانصرافهم إلى تدوين الوقائع التاريخية، مع التركيز على سلوك وأعمال الشخصيات التاريخية.
من الطبيعي أن اضطراب الأوضاع في إيران في أواخر عهد الآق قويونلو([523]) وظهور حكام الولايات واللامركزية وبالتالي المصاعب التي يواجهها الناس ساهمت إلى حد بعيد في ظهور راية خفّاقة التف حولها جميع الإيرانيين، وفي الحقيقة كان للموقع العائلي المميز الذي يتمتع به الشاه إسماعيل وتاريخ أجداده، ما دفع الإيرانيين إلى الالتفاف حوله وهو لا يزال دون سن الرابعة عشرة من عمره.
القساوة المقدسة: ثمة نقطة مهمة لا بد من الإشارة إليها هنا، وهي أنّ جميع السلالات الإيرانية القوية اقترنت بوجود شخص قوي وشجاع، لا يداهن ولا يساوم ولا يتردد في إراقة الدماء، ويكون قلبه كجلمود الصخر، لا يعبأ بشيء ولا يبقي على شيء لا يستقيم له، كمحدلة الطرق تهشم الصخور وتعبّد الطرق لمن وراءها، وإذا كان خلفاؤه رجال أقوياء، فإنّهم سيهتمون بدعم البنية الاقتصادية ورفع شأن سلالتهم، وإلاّ فإنّ نجمهم سيأفل وسلالتهم ستنقرض. من النموذج الأوّل: أردشير بابكان، والشاه إسماعيل نفسه، وآقا محمد خان قاجار، ومن النموذج الثاني: يعقوب بن ليث والسلطان محمود الغزنوي ونادرشاه أفشار وأمثالهم.
وحين يلقي المرء نظرة على الآثار التاريخية الرائعة في أصفهان يكتشف مستوى الرفاهية التي تمتعت بها هذه المدينة، حيث انصرف أهلها عن تأمين المستلزمات الأولية للحياة بعد توفرها إلى تأمين الكماليات والأمور الجمالية. ويكتشف أيضاً شدّة الحكومة وقساوتها التي استطاعت بسيفها أن تعيد قوافل الضرائب والخراج إلى هذه المدينة، وبنارها التي استعملتها في بادئ أمرها لتبقى هذه الزخارف وآيات الفن الأخرى خالدة على مرّ العصور وتعاقب الأجيال.
كان سلوك الشاه إسماعيل مع أعدائه، والخطوات التي اتبعها للسيطرة على المدن الإيرانية غاية في السرعة والحدّة والقسوة، وهكذا فعل من كان قبله ومن جاء بعده. فمثلاً:
أردشير بابكان: قطع رؤوس مئات من كبار مرو وبعث بها إلى فارس لتعلق في معبد ناهيد اصطخر. وكان هذا العمل مخالفاً حتّى للموازين الشرعية التي يتبعها هو، والتي تقضي بحفظ نظافة المعبد، وأمر أيضاً بسلخ جلد أردوان الخامس الذي انتصر عليه وقتله، وعرضه أردشير أمام أنظار الناس.
يعقوب بن الليث: حينما قاتل رتبيل، أمر بقتل أهالي كابل ونهب ممتلكاتهم، وأمر أيضاً بقطع رؤوس القتلى وحملها في سفن الشحن إلى سيستان عبر نهر هيرمند، فحملت منها مائتا سفينة ونيف.
ونحن بدورنا يجب أن نفهم بأنّ توفير الأمن والاستقرار في بلاد شاسعة تمتد من سيحون إلى الفرات ومن البحر الأسود إلى گنگ أمر مستحيل ما لم تستخدم هذه القسوة والأعمال المخالفة للأصول الأخلاقية والإنسانية، حتّى أنّ المرء ليضطر في بعض الأحيان إلى تبرير أعمال آقا محمد خان القاجاري والفظائع التي ارتكبها في خراسان وگرگان وتفليس([524]).
ولم يكن الشاه إسماعيل وهو يقاتل ثلاثين ألفاً من التركمان بسبعة آلاف من القزلباش يملك حلاً سوى إعمال القسوة والسيف في كل مكان يصل إليه.
في مثل هذه الظروف سلّم الشاه إسماعيل الحكم لابنه طهماسب، ثمّ فارق الحياة في عام 930هـ وهو في زهرة عمره، إذ لم يكن يتجاوز الثامنة والعشرين.
استثمار حالة الاستقرار
لم يستطع الشاه طهماسب توفير حالة من الازدهار الاقتصادي والرفاه النسبي لشعبه، على الرغم من قوة سلطانه وطول فترة حكمه، ولكن طول هذه الفترة ساهم في مساعدة القزلباش في فرض سيطرتهم على الشعب أكثر من السابق، ونقل أموال الدولة إلى ملكيتهم الخاصة.
وقد تأتى للشاه الأوّل الانتصار ودانت له البلاد الشاسعة بالطاعة بفضل القزلباش، الذين كانوا يطيعون كلّ أمر يصدر عنه.
ومن الطبيعي أنّ الشاه إسماعيل كان يمن على جنوده بعطاياه، ولم يكن يحرص على جمع الأموال «كان يوزع الخراج ساعة وصوله، ولا يكنز منه ديناراً ولا درهما، لم يكن يوفر مالاً لغده، ولا يخيط ثوباً لغير يومه، وما أكثر ما كان يوزّع الأموال على المحتاجين دون سؤال منهم».
ولكن الشاه طهماسب كان مخالفاً لسيرة أبيه، فقد آل إليه الحكم دون جهد أو نَصَب، وإنّما كان يقطف ثمار ما زرع أبوه وجنده القزلباش واستفاد هؤلاء من حقّهم في مطالبتهم باستيفاء دينهم وجزاء خدماتهم في إطلاق يدهم في جمع كل ما وقعت عليه من أموال.
قوّة القزلباش
ظهرت في البلاد طبقة جديدة هي طبقة القزلباش والمقربين منهم. وقد أربكت هذه الطبقة التوازن الاقتصادي في البلاد، حيث أصبحت إيران بعدهم تعرف ببلاد القزلباش، الذين كانوا في جلِّهم من الأتراك وأنصار الشاه إسماعيل فهم يسيطرون على مقاليد الحكم في إيران والوظائف الكبيرة والأملاك والأموال وكلّ خيرات البلاد.
وانحصرت الثروة بطبقة جديدة من القزلباش وذويهم. وقد أسهم في ذلك ما استحدثوه من بدع في ضرائب الأراضي ومصادرة الأموال. وفي مكتبة الروضة الرضوية رسالة خطية لأحد أهالي كرمان يذكر فيها شكوى الأهالي من ثقل الضرائب وضيقهم بها، وأنّ هذه الشكاوى المتكررة بلغت الشاه طهماسب، فاستجاب لهم في آخر المطاف وقبل بأخذ الضرائب وفقاً للأسلوب القديم.
وقد ساهم حصر أكثر الحرف والمناصب برجال الدولة والمقربين منهم إضافة إلى التضييق على التجارة في خلق صعوبات كبيرة في حياة الناس. ويذكر أنّ الشاه طهماسب خلق صعوبات كبيرة في صناعة الصابون، ولم ينه هذه الصعوبات إلاّ في أواخر حياته، وأهدى ثواب خطوته هذه إلى «الحضرات العالية المقدسة المطهرة للمعصومين الأربعة عشر».
وقد تجاوزت قوّة الجيش وتعداده الحد اللازم، حيث وظّف فيه أكثر من 114 ألف مقاتل وموظف. وساهمت وفاة الشاه طهماسب عام 984هـ في خلق الخلافات بين أبنائه حيدر ميرزا وإسماعيل الثاني ومحمد خدابنده، ممّا خلق الاضطرابات والفوضى في البلاد، ولكن ينبغي القول إنّ نطفة الاضطرابات والمشاكل في البلاد انعقدت في أواخر عهد طهماسب. وقد جاءت هذه الاضطرابات نتيجة لتشكيل فرقة دينية في ظاهرها تحت اسم (النقطوية) وفي حقيقتها هي حركة للتصدي للأتراك والقزلباش الذين كانوا يسيطرون على مقدرات البلاد. وقد قتل القزلباش في زمن الشاه طهماسب ثلاثين إلى أربعين رجلاً من علماء هذه الفرقة، ولكن وفاة طهماسب لم تتح لهم أن يستمروا أكثر في التضييق على هذه الفرقة.
لم يذكر العهد القصير لسلطنة الشاه إسماعيل الثاني في التاريخ الإيراني بصورة مفصلة، ولكن يمكن التعرف إلى حد ما على نمط تفكيره والأوضاع الاجتماعية السائدة في عصره من خلال بعض خطواته وإقداماته العملية.
حاول الميرزا إسماعيل (الشاه إسماعيل الثاني) جاهداً أن يرعى مختلف طبقات الناس ولكنّه لم يستطع. وقد بدأ إصلاحاته بتطهير حاشيته و كتاب بلاطه. وقد ورد في كتاب نقاوة الآثار، أمر له بمتابعة حاجات الناس وإعفائهم من بعض الضرائب، ويتميز هذا الأمر بأهميته لأنّه يشير إلى مساعي الشاه في خلق رفاهية نسبية للناس. ولكن أمره لم يؤت ثماره مطلقاً.
ومن جهة أخرى حاول الشاه إسماعيل الثاني الحد من نفوذ طبقات رجال الدين وغلاة الصوفية، وقد قال بحرمة كتابة الأشعار وإلقائها في المساجد، فأمر الميرزا زين العابدين الكاشي بمسح جميع الأشعار المكتوبة على أبواب وجدران المساجد. فامتثل هذا للأمر ومسح حتّى بعض الأشعار التي تمتدح الإمام علي (عليه السلام).
وقد دفعت هذه الأعمال رجال الدولة والقزلباش إلى السخط والتذمر والسعي لجمع الأموال أكثر فأكثر، وتقوية نفوذهم. ممّا خلق مبرراً للنقطويين، بحيث:
«قوي نفوذ هذه الفرقة (الفرقة النقطوية) في عهد الميرزا إسماعيل في الوقت الذي لم يكن القزلباش منشغلين بغير الشقاق والنفاق».
ولم يستطع الشاه إسماعيل الثاني التغلب على المشاكل السياسية والاقتصادية، فلجأ إلى الخمور والمخدرات. فأصيب بمس ثمّ فارق الحياة.
وكان على وجه الخصوص يعارض التعصب ثمّ أمر بجمع كتب السيد علي الاسترآبادي في حجرة وقفل بابها.
ولعل بعض المؤرخين كانوا يلصقون به التهم ولا يذكرونه بحسن السيرة لكونه بعيداً عن التعصب الديني، وعلى أيّة حال لم يجنِ في حكمه أكثر من الحزن والغم.
وكان أسلوب إسماعيل مع الطبقات المعارضة، يشبه أسلوب قباد في أوائل عهده مع المزدكيين، فطالما لم تتوفر لديه القوة الكافية لكبح جماح أركان دولته ورجالها، يعمد إلى مماشاتهم، ويشبه أسلوب فتح علي شاه في تحرقه على الفقراء ومآسيهم دون القدرة على كبح جماح الأمراء والخوانين القاجار.
والجدير بالذكر أنّ الحياة الاجتماعية طرأ عليها بعض التغيير في أواخر عمر الشاه طهماسب، فقد استعاد الإقطاعيون وأصحاب الجاه في الولايات نفوذهم بعد أن نكبوا في أوائل عهد الشاه إسماعيل الأوّل، بل وزاد نفوذهم عمّا كان عليه في السابق، لأنّ ذلك العهد تميز ـ على الأقل ـ بوجود رجال أشداء مثل محمد كره في يزد وحسين كيا في گيلان وأبيه سلطان وملوك سيستان. وكان الوضع في وقتهم جيّداً نسبياً بحيث وصفه أحد السائحين: «… يتميز الإيرانيون بحسن هيئتهم، وعادة ما يركبون أحسن الخيول من أملاكهم الخاصة… وتبلغ إبلهم من الكثرة بحيث يحدث النظر إليها بهجة وسروراً، وحتّى أفقر الإيرانيين يملك سبعة وما فوق على الأقل».
ولكن سيطر في أواخر عهد طهماسب وأوائل حكومة السلطان محمد خدابنده نوع جديد من الحكّام والقزلباش ورؤساء الأسر والقبائل على المدن الإيرانية، وخلقت سيطرتهم ظاهرة جديدة من الإقطاع الذي زاد من فرص تجزئة البلاد. ومن هؤلاء الحكّام: عائلة ذو القدر في فارس، التي ألحقت نفسها بالعائلة الصفوية، وحاولت تشكيل حكومة مستقلة. وعائلة أفشار (بيكتاش خان) في كرمان الذي كان يقول: «لست أقل شأناً من الأمير محمد المظفر الذي بلغ السلطة والملك» وقد أحاط هذا الرجل نفسه بمستلزمات الحشمة والجاه ومقومات السلطان والملك، بحيث ذكر أنّ عدد مرافقيه وجنده بلغ ثمانية آلاف شخص، منهم مائة من أبناء الأمراء الكبار، ومائة أخرى من الحكماء والفنانين الذين كانوا يشكلون سلك الوزراء وأهل القلم، وكانت تعدّ له أنواع من أشهى الأطعمة وأغلاها، وتستعمل في مائدته أثمن أواني الذهب والفضة. وغير هؤلاء أسر كثيرة ادّعت لنفسها في السلطان وجمعت ثروة طائلة لخص مصدرها وزير إيراني كبير حين سئل: أين كانت هذه الأموال في وقتك فلم تجمعها وجمعها من أتى بعدك؟ قال: كانت في بيوت أصحابها.
وهكذا كان لا بد لإنقاذ إيران مرّة أخرى، وتثبيت الحكم الصفوي من انقلاب سريع وكبير يعيد الأمور إلى نصابها.
مرحلة التخطيط والبرمجة
بعد وفاة الشاه إسماعيل الثاني، جلس الميرزا عباس على عرش الحكم بعد خطوات يطول ذكرها، واعتزال أبيه محمد.
درس الشاه عباس الأوضاع السائدة في إيران، فأدرك الحاجة إلى سياسة حكيمة تعيد الحياة الطبيعية إلى الوضع الاقتصادي، وتعيد الاستقرار الاجتماعي والسياسي إلى البلاد.
من هنا بدأ في سياسته الخارجية بمداراة العثمانيين ومصالحتهم وليس هنا محل تفصيل ذلك. وفي سياسته الداخلية حاول تقليص حجم الاعتراضات والاحتجاجات، وسعى لنقل الثروة والقوّة من الطبقة الخاصة إلى الشعب.
أدرك الشاه عباس أنّه في سبيل القيام بإصلاحات اجتماعية لا بدّ له من حالة التوازن بين القضاء على المخالفين وأهل البدع وخلق نوع من الرفاهية في أوساط الناس لفصلهم عن هؤلاء المخربين.
سيطرة القزلباش([525])
كان الشاه عباس يعرف أنّ النقطويين يبغضون قبل كل شيء سيطرة القزلباش، ويعطون ذلك أهمية قصوى حتّى ذكروه في عقائدهم التناسخية، فمثلاً يقول زعيمهم محمود الگيلاني ليدر: «كان الكلب في بداية النشأة الإنسانية (في عالم التناسخ) تركياً قزلباشياً، وكان ذيله سيفاً. ولذلك فهو يفهم التركية، فما إن يقول له أحدهم «جنخ، حتّى ينصرف…».
ومن ينظر قليلاً إلى هذه الفرقة وأقوالها يدرك مدى نفرتهم وسوء ظنّهم بطبقة الأتراك القزلباش ورجال الدين. ولم تكن ردة الفعل هذه مقتصرة على هذه الفرقة، بل كان الكثير من ذوي النفوذ المحليين يفكرون بالثورة على القزلباش. ففي سيستان مثلاً كان مير حسين علي يفكر دائماً في إنقاذ سيستان من سيطرة الحكام القزلباش، وكان الملك ناصر الدين (الذي ذاق الأمرين في زمن حكم القزلباش) يقول: «تسود الآن الفوضى في البلاد، وأمر السلطان محمد شاه (هو خدابنده، خليفة الشاه إسماعيل الثاني، ووالد الشاه عباس) غير مطاع الآن…».
ولم يكن القزلباش وحدهم هم الذين كانوا يتمتعون بمثل هذا الجاه والنفوذ في المدن الإيرانية خلال عهد الشاه طهماسب. بل كان العديد ممّن يرتبطون بعلاقة بالدولة يتمتعون بنفس المكانة. فقد ورد في تاريخ يزد أنّ الميرزا عبدالله اليزدي الذي كان في منصب وزارة يزد بنى المحلات والأسواق والبساتين في محلة اليهود في يزد، ثمّ عزل وصودرت أمواله، ومنها فندق أعطي كحق شرعي لابنة الشاه طهماسب زينب بيگم.
ونقرأ في التاريخ([526]) أنّ الشاه طهماسب: «لم يعط جنده حقوقهم لأربعة عشر عاماً حتّى وفاته والغريب أنّ أحداً من هؤلاء لم يكن يتذمر، وكان الجميع مستعدين للسمع والطاعة».
وأغلب الظن أنّ استغراب صاحب هذا القول (اعتماد السلطنة) لم يكن له مبرر، لأنّ أغلب هؤلاء الجند كانوا يملكون الأراضي والأملاك والأموال التي كانوا يصادرونها، وإلاّ فمن غير المعقول أن يبقى 114 ألف عسكري لأربعة عشر عاماً دون رواتب ولم يتذمروا. ولكن يبدو أنّ الشاه طهماسب لم يكن مطلعاً على جزئيات أعمالهم.
والظاهر أنّه لم يكن هناك متابعة لأموال الأمراء والحكام في زمن الشاه طهماسب، ولم يكن يُعمل بمبدأ «من أين لك هذا»، وإلاّ فإنّ قطع رواتب الجند لأربعة عشر عام أمر غير عادي. ولم يكن الشاه طهماسب يدرك العواقب الوخيمة لتجاهله هذا.
وقد حدثت في تلك الفترة خلافات حادة بين الأمراء، فقد كان أمراء الترك والعراق مع السلطان محمد، بينما كان أمراء خراسان وفارس يفكرون في سبيل للتخلص من حكمه، ومن ثمّ أصبح البعض إلى جانب الميرزا عباس (الشاه عباس فيما بعد)، والبعض الآخر مثل بكتاش خان أفشار حاكم يزد كانوا يريدون تنصيب الأمير أبو طالب ميرزا ملكاً. وجاءت الريح بما لا يشتهي أهل خراسان، فقدم أكثر أمرائهم عام 995 إلى نيشابور للقاء الشاه عباس في بلاطه، بعد أن خشوا عواقب سيطرة أمراء العراق. ومن هؤلاء كنجعلى خان حاكم كوسويه الذي قطف ثمرة هذه المبادرة فحكم في كرمان ما يقارب الثلاثين سنة. وبعد هذه المقدمات، تخلّى السلطان محمد خدابنده عن تاجه في دار الحكومة في قزوين، وتوجّ به الشاه عباس.
وبدأت مكافحة الشاه عباس لهذه الطبقة من الأمراء منذ عامه الأوّل. وكانت خطوته الأولى هي قتل وزيره الأعظم الميرزا محمد التبريزي لتقصيره في المهام الموكلة إليه، وعيّن الميرزا لطف الله الشيرازي بدلاً عنه، ومنحه لقب اعتماد الدولة.
وجاءت الخطوة الثانية حين نقل عاصمته إلى أصفهان، ويرى المؤرخون عدّة آراء في سبب ذلك فقد أمر وزيره الأوّل الجديد حاتم بيك الأردوبادي عام 999هـ بالسفر إلى أصفهان لدراسة أوضاعها، ثمّ انتقل هو إليها في الأشهر الأخيرة من عام 999هـ.
وأرى أنّ هذه الخطوة المهمة إنّما جاءت لأسباب عديدة بالإضافة إلى اعتدال مناخ أصفهان. ومن هذه الأسباب:
السيول التي اجتاحت قزوين قبل ذلك بعدّة سنين ودمّرت نصفها ومن الطبيعي أنّها لم تعد مهيئة لاستضافة الجيش والأمراء. والعامل الآخر ـ وهو الأهم في رأيي ـ هو أنّ الشاه عباس على الرغم من أنّه كان يتكلم اللغة التركية إلاّ أنّه أراد أن ينأى بنفسه عن سطرة الأتراك القزلباش لينتقل إلى مركز إيران حيث الناطقون بالفارسية.
وفي سبيل الحد من نفوذ القزلباش، عمد إلى إحداث انقلاب اجتماعي مهم، كان له آثار اقتصادية مهمة. فقد بادر ـ حسب قول شرلي ـ إلى ترقية أشخاص من ذوي المراتب المتدنية إلى مناصب كبرى في البلاد.
وينقل الميرزا حسن الفسائي أنّ الخطوة الأخرى كانت كما يلي: «ابتدأ أوائل حكمه بمعاقبة ومجازاة كبار الأمراء. وإذا كان جيش القزلباش قد بلغ ستين ألفاً، وكلّ طائفة من هؤلاء لا تطيع إلاّ زعيمها، ولم يكن الشاه قادراً على تنصيب شخص من غير قبيلته إلاّ برضى زعماء القزلباش، فاضطر الشاه إلى تقليص عدد القزلباش إلى ثلاثين ألفاً، ثمّ شكل منهم فوجاً أسماه أصدقاء الشاه وعيّن عليهم أميراً، وفي يوم واحد انضم إلى هذا الفوج عشرة آلاف مقاتل، ثمّ بلغ في أواخر عهده مائة ألف مقاتل.
ويذكر تاڨرنيه أنّ الشاه عباس بذل قصارى جهده للقضاء على القزلباش؛ لأنّه كان يخشى قوّتهم، وكان في بعض الأحيان يقول للمقربين منه أنّ هؤلاء (القزلباش) وحدهم هم الذين يستطيعون مقارعة السلطان ومخالفته، ومن ثمّ سعى للقضاء عليهم وقلّص من امتيازاتهم… ولكنّه لم يستطع أن يحقق كلّ ما كان يطمح إليه بهذا الشأن.
إضافة إلى ذلك شكّل فوجاً جديداً من حملة البنادق، كانوا في أكثرهم من أهل الجنوب. وحسب رواية الفارسنامه «أسمى الشاه أفواج المشاة الأولى بالتفنكجيان (أي حملة البنادق) وهي الأفواج الأولى التي تزوّد بالبنادق في إيران، على غرار أفواج حملة البنادق العثمانيين المسمّاة باليني چري (أي الجيش الجديد). وبلغ تعداد هذه الأفواج في بداية الأمر 12 ألف مقاتل، أكثرهم من الفلاحين ذوي البنية القوية.
ومن الطبيعي أنّ هذه التغييرات والإصلاحات لم تكن تتم بسهولة، فعلى الأقل كان بعض زعماء القزلباش ينظرن إليها بعيني الريبة والتوجس، ويخططون للقيام بمؤامرات، حتّى حدثت مؤامرة خراسان وسيستان فجأة في عام 1002هـ، وخرجت فيها خراسان عن سلطة الشاه لبعض الوقت.
كان الحق إلى جانب الشاه عباس في خطواته التي قام بها بتصفية القزلباش وتحديد قدرتهم، فبالإضافة إلى المشاكل التي كانوا يتسببون في خلقها، كانوا يتداخلون حتّى في انتخاب الشاه، كما حدث قبل تتويج الشاه عباس بعدّة سنوات، حين كان الخلاف قائماً حول انتخاب خليفة الشاه إسماعيل الثاني، فقد كان أعيان القزلباش حاضرين في مجلس انتخاب الشاه، فصاحوا بصوت واحد: ملكنا هو السلطان محمد شاه.
إضافة إلى ذلك أعلنوا تمرّدهم وعدم طاعتهم في عدّة أمور في زمن السلطان محمد ذاته.
ولم تؤت مقاومة القزلباش في خراسان وسيستان ثمارها، حيث اضطر بعض أمرائهم المتمردين على الشاه عباس إلى الفرار، ثمّ أعادوا تنظيم صفوفهم وهاجموا الملك محمود السيستاني فقتلوه وسيطروا على سيستان… ومكث القزلباش المتمردون فترة في حدود خراسان، واتفقوا فيما بينهم على مهاجمة ترشيز، إلا أنهم هزموا بعد حين، وألقي القبض على زعيمهم سليمان خليفه وقتل.
والجدير بالذكر أنّ هؤلاء القزلباش الخائفين الخائنين هم الذين فتحوا الطريق أمام الأوزبك ليعيدوا سطيرتهم على خراسان مرّة أخرى ويمكثوا فيها لبعض الوقت.
وقد أحدثت خطوات الشاه عباس هذه انقلاباً كبيراً في التركيبة الاجتماعية، حيث انقرضت طبقة الأشراف، كما ذكر ذلك شاردن في كتابه ـ بعد تصحيحات الشاه عباس ـ حيث يقول: «لم يعد في إيران وجود لطبقة الأشراف، وليس هناك شخص محترم ما لم ينل الدرجات والمناصب المهمة والعالية أو يبرز جدارته أو يملك ثروة من المال»([527]).
ويذكر اسكندر بيك في هذا المضمار، أنّه لا يبلغ المراتب العليا إلاّ من كان أهلاً لها([528]). وينقل شاردن أنّه (الشاه عباس): «قلب تركيبة العوائل السابقة، فكان يعين في المناصب الكبيرة أشخاصاً كانوا في أغلبهم ممّن أهدوا إليه، أو وقعوا في يده أسرى خلال الحروب»([529]).
قمع النقطويين
إلى هنا يكون الشاه عباس قد نجح في انقلابه الذي قام به. وجاء الآن دور المقربين من الطبقات السفلى في المجتمع وأبرزهم فرقة النقطويين.
اتهم المؤرخون هذه الفرقة بالزندقة وأسموهم بالملحدين نظراً لنقاط الضعف الغالبة على عقيدتهم وعدم رعايتهم لتعاليم الشرع وارتكابهم للمنكرات، ممّا أدّى بهم إلى إنكار واجب الوجود، حتّى اتهموا بإباحة الأم والأخ والأخت والولد والبنت وجميع المحرمات الأخرى. وقد ألقى الشاه عباس القبض على الدرويش خسرو القزويني وجميع زعماء هذه الفرقة التي تعاظم شأنها، وقتلهم، وبلغ في قساوته في التعامل معهم حدّاً دعا ملك الهند جلال الدين محمد أكبر الگورگاني إلى التوسط من أجل العفو عنهم، ولكن لم تجد وساطته نفعاً.
وتجدر الإشارة إلى أنّ موطن هذه الفتنة كان في اصطهبانات من منطقة فارس. ويظهر من ذلك سبب كون هذه الحركة معادية للأتراك. إضافة إلى أن يوسفي تركش دوز وهو واحد من كبار قادتها كان في الأصل يزدياً. وكان يحظى بالقرب من الشاه عباس، حتّى أنّه رضي بتنصيبه خليفة مؤقت له استجابة لاقتراح مولانا جلال المنجم. ولكنّه عاد فقتله.
وفي اعتقادي أنّ تقرّب الشاه من رؤوس هذه الفرقة إنّما كان بقصد كشف مخططاتهم ومعرفة زعمائهم. حتّى أنّ الدرويش خسرو بعد أن رأى دخول الشاه عباس في حلقة مريديه، أفضى إليه بأسرار فرقته، وطلب منه أن يطرد بعض العلماء والمشايخ الذين لم يخضعوا لتعاليمه. وقال له إنّ لديه خمسين ألف محارب يستطيع بهم السيطرة على العالم بأسره.
وعلى أيّة حال قام الشاه عباس ـ على حد تعبير الميرزا حسن الفسائي ـ «بإراقة الدماء وقطع الرؤوس، ودمر مدناً حتّى استطاع إعادة الهدوء إلى البلاد وقضى على الاضطرابات».
ورافقت هذه الخطوات الصارمة، خطوات أخرى كانت تهدف إلى خلق رفاهية اجتماعية، حيث باشر بإلغاء بعض الضرائب والبدع وإعادة أملاك الناس إليهم، فعلى سبيل المثال، أعاد في عام 998 الحكم والأملاك للملك محمد والملك قباد والملك ولد السيستاني بعد أن كان القزلباش قد انتزعوها منهم. وعيّن رواتب ثابتة لنفقات الغزاة القزلباش، ولا سيما في أوقات الحروب. كما خفّف عن أهل كرمان ثلاثمائة تومان باقتراح من حاتم بيك. وعوض عما لحق بالناس من خسائر وأذى في زمن أبيه ومن سبقه، إذ كان باب مصادرة الأموال مفتوحاً في زمن السلطان محمد خدابنده، وكانت الضرائب تنتزع من الرعية انتزاعاً مجحفاً.
وبعد كلّ هذه الإصلاحات الاجتماعية، ومن خلال الآراء الرفيعة التي كان يراها الشاه عباس في سبيل تطوّر البلاد، أصبح الباب مفتوحاً على مصراعيه للإصلاحات الاقتصادية وازدهار البلاد، وفقاً لما يراه علماء الاقتصاد، لأنّ «الازدهار الاقتصادي إنّما هو عبارة عن التغييرات الروحية والاجتماعية لجماعة أو شعب، بحيث تستطيع هذه التغييرات أن تزيد من الناتج الحقيقي للاقتصاد بصورة مستمرة»… وكانت هذه التغييرات الروحية والاجتماعية قد ظهرت في البلاد.
سعى الشاه عباس أوّلاً إلى اكتشاف المصادر الأصلية للدخل الوطني، وثانياً إلى استثمار هذه المصادر بأقصى حد ممكن. والدخل الوطني هو عبارة عن القيمة الإجمالية للخدمات الاقتصادية التي تجتمع بصورة خالصة من الاقتصاد الوطني خلال سنة مالية واحدة.
وكانت المصادر المالية الرئيسية هي: الأرض (الزراعة، الغابات، المواشي وغيرها) والتجارة، والصناعة والمناجم، وبعض المصادر الأخرى.
وفيما يلي نستعرض كيفية استثمار كلّ مصدر من هذه المصادر والأساليب المتّبعة في ذلك عصرئذٍ.
الأرض: كانت الأرض والزراعة أهم وأضمن المصادر الاقتصادية خلال العصر الصفوي، كما هو الحال في جميع مراحل التاريخ التي سبقت عصر المشروطة. ومن الطبيعي أنّ حديثنا هنا سيتعلق بأراضي الزرع والغابات والمراتع. وقبل البدء ببيان أي موضوع، نحاول أن نلقي النظر على بعض ما يتعلق بطبيعة الأوضاع الزراعية آنذاك.
يذكر السائح الفرنسي الكبير شاردنف في كتابه الذي اتخذناه كأهم مصدر للمعلومات الاجتماعية في العهد الصفوي، يذكر بأنّ جميع الأراضي الإيرانية كانت تعود ملكيتها للشاه، فهو يستطيع استرجاعها متى ما أحب، وأمّا الأراضي التي يعمل فيها الناس فهي تخصّهم لـ 99 عاماً فقط. وقد أيّد مينورسكي هذا القول.
وكتب السيد فلسفي مثل ذلك. ولكنّي لا أعتقد بصحة هذا الأمر، ومن الطبيعي أنّ الشاه كان بإمكانه مصادرة ما يشاء من الأرض وامتلاكها بصورة خالصة، إلاّ أنّه ليس ثمة دليل على أنّه كان يؤجر هذه الأملاك لمدة 99 عاماً. وأغلب الظن أنّ شاردن قد خلط بين أملاك الدولة والأملاك الشخصية. وإلاّ فنحن لدينا الآن موقوفات كثيرة كانت أملاك خالصة لبعض الأشخاص ووقفوها منذ زمن الصفويين، فلو كانت هذه الأراضي متعلقة بشخص الشاه ومستأجرة منه لمدّة 99 عاماً، لما كان بوسعهم أن يوقفوها. والاحتمال الآخر أن يكون شاردن قصد بهذه الأرض، الأرض البور التي لم تدخل في ملكية أحد من الناس.
وقد جرى المزارعون حتّى فترة متأخرة على اتباع الأعراف السائدة منذ آلاف السنين، ومن ثمّ يكون من المستغرب بمكان أن تتبع هذه القوانين الغريبة في فترة من الزمن، كان الصفويون يحكمون إيران فيها.
وبإمكاننا استقراء الروايات الموجودة، واستنتاج أربعة أنواع من الأراضي كانت تقسم إليها جميع الأراضي الزراعية آنذاك:
1ـ المزارع التي تعود ملكيتها إلى شخص الشاه.
2ـ المزارع التابعة للدولة.
3ـ المزارع الموقوفة.
4ـ المزارع التي تتعلق ملكيتها بالناس.
وأكثر مزارع الشاه هي الأراضي التي خلفها السلاطين السابقون أو تلك التي صودرت من الحكام والمتنفذين الذين يتعرّضون لسخط الشاه. وكانت تدار هذه الأملاك ويجمع محصولها بواسطة الأشخاص الذين يرسلون إلى مختلف الولايات، ويسمّى هذا الشخص بالناظر.
وقبل كلّ شيء، سُعي في زمن الشاه عباس الأوّل إلى الاستفادة من أقصى كمية ممكنة من المياه المنتشرة في الأراضي الإيرانية. من هنا وضعت خطة إصلاح سهول أصفهان التي كانت تتضمن تحويل مياه روافد نهر كارون إلى نهر زاينده رود، وبوشر بتنفيذها في زمن الشاه عباس الأوّل، ورصدت لها إمكانيات كبيرة، واستمرّ العمل في زمن الشاه عباس الثاني، ولكن لم يكتب لهذه الخطة أن تكتمل حتّى في النصف الأوّل من القرن العشرين. وأخيراً تمّ تنفيذ خطة كوهرنك قبل سنوات معدودة.
حاول الشاه عباس الكبير أن يشق الجبل العظيم الذي يبعد عن أصفهان مسافة ثلاثة أيام ليصل نهر كارون بنهر زاينده رود ويؤمّن بذلك المياه لأصفهان. وأنشأ سد قهرود لري كاشان ولا تزال آثار هذا السد قائمة إلى الآن.
وكان الأهم في تقسيم المياه والاستفادة منها، أنّ يكون هذا التقسيم موافقاً للأصول العلمية والمستوى الطبيعي للمياه، وأفضل نموذج لأسلوب تقسيم المياه هو تقسيم مياه نهر زاينده رود، الذي بُدئ به في زمن الشاه طهماسب، ثمّ تمّ الفراغ منه ـ حسب الظاهر ـ في عهد الشاه عباس وفقاً لنظريات الشيخ البهائي. وقد تمّ هذا العمل تحت إشراف القادة والوجهاء.
ويجدر التذكير أنّ أكثر الأراضي المتاخمة لأصفهان كانت من الأراضي المتعلقة بالدولة أو بشخص الشاه، وكان ذلك في عهد الشاه طهماسب.
من هنا جاء تقسيم مياه نهر زاينده رود موافقاً لرغبة شخص الشاه، وقد قسم إلى 33 حصة، وفقاً لوثيقة متوفرة، وكانت هذه الحصص كالآتي: أوشيان 4 حصص، النجان 4 حصص، نهر جي وبزرود 6 حصص، نهر دست 6 حصص، كركن حصتان، ماربين 4 حصص، كراج 3 حصص، بدلان 4 حصص.
بالتأكيد أنّ تقسيم مياه زاينده رود بدأ قبل الإسلام ولعله في صدر التأريخ، ولا يزال مستمراً حتّى أثبت في عهد الشاه طهماسب في مستندات الدولة، وختم بختم الشاه، وتكامل بفضل عبقرية الشيخ البهائي، واستمرّ العمل به وفقاً للبرنامج الموضوع لسنوات طوال، ثمّ أخذ يتغيّر بعد الصفويين بالتدريج.
كان هدف الملوك الصفويين بشأن نهر زاينده رود هو الاستفادة القصوى من مياه هذا النهر ونهر كارون، وتقليل المياه الضائعة هدراً إلى حدّها الأدنى. من هنا فكروا بإحداث سد على هذا النهر إضافة إلى إلحاق عدّة أنهار أخرى به. فأقام عباس الثاني عام 1065 سدّاً كبيراً بحيث «يخيل إلى الناظر أنّ ثمة بحراً إلى جانب النهر»، وإضافة إلى هذه البحيرة، أنشئ شلال وجسر ومنتزه على نفس النهر بالقرب من حسن آباد، وهدم جسر حسن آباد القديم وأنشئ بدلاً عنه سد لحجز الماء.
وتابع الشاه عباس الثاني خطة حفر النفق في كوهرنك، وكان مهندس فرنسي اسمه دوشنه Du Chenai قد أقنعه بإمكانية تفجير الجبل الفاصل بين النهرين بالبارود، بعد إحداث حفر فيه.
كان لكلّ ولاية موظف خاص يشرف على تقسيم مياه الأنهار، ويتقاضى على ذلك مرتباً. ويعدّ هذا الموظف من أرباب المناصب المهمة في الدولة. وكان صاحب هذه الوظيفة يحظى بأهمية خاصة في العامصة، حتّى كان في بعض الأحيان يجمع ولاية خراسان إلى جانب وظيفته في الإشراف على تقسيم المياه. ومن هؤلاء الذين جمعوا الوظيفتين علي بيك الذي عزل عن هذا الأمر العظيم (ولاية خراسان) إثر شكاوى الناس، لتصرفات غير مقبولة بدرت منه، وعزل عن وظيفة تقسيم المياه (الميرآبي).
الأملاك الخاصة: كانت بعض هذه الأراضي الخاصة بالشاه تعطى لبعض الأشخاص كراتب ثابت لهم، والقسم الأكبر منها كان يؤجر للناس، ليدفع هؤلاء إيجاراً مستمراً. وكانت وظيفة الناظر أن يجمع عائدات الشاه من أملاكه الخاصة. وكانت عائداته تبلغ في بعض الأماكن ثلث محصول الأرض. ولم يكن محصول الأرض وحده هو الذي يجنى، بل إيجار الماء كان يعود على الشاه بمبالغ كبيرة. فقد نقل شاردن أنّ مياه أطراف أصفهان كانت تعود على الشاه بأربعة آلاف تومان أي ما يعادل 60 ألف أكو (التومان الواحد يعادل خمسة عشر أكو)، وكان يؤخذ على كل هكتار من الأض المجاورة لأصفهان ثلاثين أكو (تومانين).
ومن الطبيعي أنّ جميع المناطق في إيران لم تكن تؤجر بنفس القيمة، بل كان لكلّ ناحية سعر خاص لإيجار الأملاك الخاصة. ففي النواحي الشمالية من إيران، كان من المقرر خلال أوائل العهد الصفوي «أن تعطى أربعة أسداس أراضي مازندران للأمير عبد الكريم والسدسين الآخرين لآقا محمد، بشرط أن يدفعا إلى الديوان مبلغاً قدره سبعة آلاف تومان تبريزي. وكانت حصة الأمير حسين والسادات ألف هكتار على أن يدفعوا ألف تومان…».
ويأتي هذا النوع من الإيجار بصورة الإقطاع، إذ كان هؤلاء المستأجرون من أصحاب النفوذ والقوّة في مناطقهم، ومن ثمّ كان الشاه مضطراً لمسايرتهم بهذا الاتفاق.
الأملاك الشخصية: يبدو أنّ الأساليب المتّبعة في هذا النوع من الأراضي هو نفسه الذي كان متبعاً في العصور القديمة، إذ كان يؤخذ بعين الاعتبار الأرض والمياه والحرث والثور والعمل.
ويذكر شاردن أنّ المالك للأرض كان يوفر الأرض والماء والسماد ويتعهد المزارع بحراثة الأرض وبذرها وحصدها، ثمّ يتناصف الإثنان الناتج النهائي، أو يتوافقان على تقسيم معين مسبقاً. ويعطي المالك في بعض الأحيان الربع فقط، وفي بعض المناطق الثلث وهكذا. ويقسم محصول الفاكهة بالتراضي، أو تُؤجر حصة المالك للمزارع ويبين شاردن العلاقة الطيبة بين المالك والفلاحين، ويقول: رأيت النساء القرويات في كل مكان يتقلدن قلائد الفضة، ويضعن في أيديهن أساور وفي أرجلهن سلاسل، وهذا هو حال الصبية أيضاً، وكان الرجال والنساء يرتدون ثياباً جيدة ويحتذون أحذية جيدة أيضاً ويمتلكون أثاثاً كثيراً في منازلهم.
أراضي الممالك: إلى جانب الأملاك الخاصة، كان ثمة نوع آخر من الأملاك هي الأراضي التابعة للدولة، التي كانت تحت تصرف حكام الولايات وهؤلاء كانوا عادة يوكلون عليها موظفين من قبلهم يجمعون عائداتها لخزينتهم ونفقات الدوائر عندهم، لا سيما نفقات الجيش، وفي بعض الأحيان كانوا ينعمون ببعضها على أتباعهم. وتسمّى هذه الأملاك بأراضي الممالك.
وبعد عهد الشاه عباس الأوّل، ارتأى ساروتقي الصدر الأعظم للشاه صفي أنّه لم تعد هناك حروب مهمة، ومن ثمّ فإنّ الولايات لم تعد بحاجة إلى الجيوش، فأصدر أوامره بمصادرة هذه الأملاك من الولاة وتسليمها للنظارة. ورفعت هذه الخطوة عائدات الشاه 150 ألف تومان دفعة واحدة، ولكنّها في الحقيقة ألحقت الضرر بالبنية العسكرية للبلاد وأساءت إلى حركة الإعمار في الولايات، وأضعفت البنية الاقتصادية، إذ كان الناس ينظرون إلى نظارة الدولة بعين الحيطة والحذر والتشاؤم. يقول شاردن: كان هدف هؤلاء زيادة العائدات وجمع الثروة للشاه. وكان الناس يقولون عنهم بأنّهم يمتصون دماء البلاد ليملؤوا خزانة الشاه، ولم يكن ثمة من يسمع استغاثة الناس من أنواع البلايا التي يلحقها هؤلاء بهم.
ولم تتحوّل أراضي الممالك إلى أراض خاصة لأسباب ثلاثة:
1ـ كان الحاكم يرى المصلحة في إعمار ولايته.
2ـ لم يكن الحكام متعهدين ـ كما هو حال النظارة ـ بإرسال هدايا كبيرة إلى البلاط، ولا بزيادة عائدة الضرائب سنة بعد أخرى بدون سبب.
3ـ كان ضغط الشاه على الحكام أقلّ منه على النظارة، ومن ثمّ كان ضغطهم على الناس أقلّ من النظارة.
أراضي السيورغال: وهي نوع آخر من الأملاك في العهد الصفوي، حيث كان ثمة تقليد سائد من العصور المتقدمة أنّ الأملاك الخاصّة بالشاه تمنح في بعض المناطق لأشخاص (أن أسر)، ويبقى هذا الملك متعلقاً بهم لسنوات طويلة حتّى لعدّة أجيال. وهي في الواقع كما يقول عنها شاردن: «… نوع من الأوقاف الإرثية التي يمن بها الشاه على بعض الأشخاص، وعادة ما يكونون في مناصب دينية، ومن الطبيعي إذا عزل المعطى عن منصبه، أن ينتزع الملك منه. وأملاك السيورغال في حكم الأوقاف، ويحدث أحياناً أن تنتزع من أسرة لتعطى إلى أسرة أخرى».
وهناك اختلاف بين السيورغال و(الإقطاعيات) هو أنّ النوع الثاني يكون من أملاك الدولة لا من أملاك الشاه، والاختلاف الآخر هو أنّ الإقطاعيات حينما تعطى لشخص مع مقام ومنصب لا تسلب منه إذا ما عزل عن مقامه ومنصبه، وهي تقترن دائماً بالمناصب السياسية لا الدينية، بينما تكون أراضي السيورغال مرتبطة ـ عادة ـ بالسادة ورجال الدين.
ويرى اسكندر بيك المنشي أن من ميزات عهد الشاه عباس الكبير، كثرة أعطاء أراضي السيورغال للسادة، فعلى سبيل المثال: «حصل مير ميران اليزدي بن الشاه نعمة الله الذي نال شرف مصاهرة هذه الأسرة([530]) على سيورغالات كبيرة وأملاك واسعة كانت عائداتها تقارب 5 آلاف تومان» «وكانت سيورغالات مير شمس الدين وأولاده العظماء وأملاك سادة سبزوار تتجاوز الخمسين توماناً شاهي عراقي…» «… وكانت سيورغالات سلسلة سادات استرآباد تعادل أربعين توماناً…» وكان مير حيدر أحد السادة الطبطبائيين الحسينيين يعدّ من أصحاب السيورغالات. ومنَّ الشاه على أكثر السادة بالسيورغالات.
وفي سيستان في عهد الملك محمود السيستان، لم يكن أحد من أي جماعة كان، يحرم من السيورغال والإقطاعيات المقدمة من قبل الملك. وحصل السادة الكوثريون في سيستان على سيورغالات مهمة قدّمها لهم الشاه طهماسب، وبقيت لهم سنوات طويلة.
ومُنح الميرزا إبراهيم الهمداني (من السادة الطبطبائيين) أرضاً، وسبعمائة تومان عراقي من الخزانة الشاهنشاهية.
ولم يكن السيورغال خاصاً بالسادة ورجال الدين فقط، إنّما كان يعطى في بعض الأحيان للمقاتلين والفاتحين، كما حصل بعد حوادث خراسان، حين أظهر بعض أهلها إخلاصاً للشاه ودافعوا عن قلاعهم بوجه الأوزبك، فأنعم عليهم الشاه بالسيورغالات وخلع عليهم خلعاً فاخرة. وحتّى الوزراء كانوا يأخذون من أراضي السيورغال، منهم حاتم بيك الأردوبادي الذي أخذ سيورغال الوزارة «وكان يقارب المائة تومان شاهي من قصر الدشت في شيراز».
وعلى أيّة حال في جميع الولايات طبقة خاصة باسم «أصحاب السيورغالات» الذين يأتون في مرتبة السادة والعلماء ورجال الدين.
وبسبب كثرة أفراد هذه الطبقة والتغييرات التي يمكن أن تحصل بعد وفاة صاحب السيورغال (الشاه)، كان يعاد النظر في بعض الأحيان في وضع الأفراد، كما حصل في عهد الشاه عباس الأوّل عام 1020هـ حينما قرّر إعادة النظر في وضع السيورغالات في فارس بواسطة حاكم هذه الولاية، حيث كتب ما يلي: «أمرنا صاحب ولاية فارس الله وردي خان بتحقيق وتفتيش سيورغالات فارس ومتابعة أحوال أصحابها، فمن كان أهلاً لها أقرّه عليها، ومن كان غير مستحق لها عزله عنها».
الإقطاعيات: وهي نوع آخر من أنواع ملكية الأرض، تكون الملكية فيها مؤقتة، وعادة ما تعطى لأشخاص قدموا بعض الخدمات.
يقسم شاردن الإقطاعيات إلى نوعين:
1ـ الأراضي التابعة لوظيفة معينة، أي حينما يعين شخص في وظيفة معينة، تعطى له بعض الأملاك والأراضي، وهي في حقيقتها جزء من عطاء هذه الوظيفة.
2ـ الأراضي التي تعطى لبعض الأشخاص في ظروف خاصة.
والإقطاعيات تطلق على الأراضي التي تعطى لشخص معين، مقابل مبالغ سنوية يدفعها، وطبيعي أنّ هذه الإقطاعيات تعتبر مصدر رزق الشخص المعطاة له.
وكان أكثر المتنفذين والمقربين من الأسرة المالكة وحكام الولايات يملكون مثل هذه الإقطاعيات. فمثلاً كان السهل المتاخم لأصفهان ملكاً لأمّ الشاه عباس الثاني، يدر عليها سنوياً 22 ألف وخمسمائة ليور([531]) (العملة الأجنبية السائدة آنذاك) كان الأرمن يدفعونها سنوياً. ويذكر شاردن أنّ هذه الإقطاعيات لم تكن جديدة على الوضع في إيران. فقد كانت معروفة قبل ذلك بقرون، حتّى في عهد الهخامنشيين فقد كانت مصر مقاطعة خاصة لزوج الشاه (الملكة) حينما كانت تابعة لحكم الإمبراطورية الإيرانية، وتنفق عائداتها في تهيئة حذاء الملكة!!
وقد كانت رواتب العديد من رجال الدولة في العاصمة تؤمن من هذه الإقطاعات. وعلى مرّ السنين كانت تحدث تغيّرات في وضعها لموت أصحابها أو حدوث تغيّر في معدل عائداتها وما إلى ذلك.
وقد حاول وزير الشاه إسماعيل الصفوي الشيخ علي خان زنگنه إصلاح أمر الإقطاعات لعدّة مرّات، ولكنّه لم يفلح؛ لأنّ أكثر الأسر الكبيرة كانت ـ حسب قول شاردن ـ تعارض إصلاحاته في الخفاء. إذ كان أكثر هذه الأسر من ذوي الإقطاعات، ولو كتب لإصلاحات الشيخ زنگنه أن تنفذ لانخفضت عائداتهم إلى الربع.
الأوقاف: كان جزء كبير من أملاك ومزارع إيران داخلاً في الأوقاف. ومن الناحية الاجتماعية يعدّ الوقف مظهراً من مظاهر التقدّم والرفاه في المجتمع، ذلك لأنّ الأصول والموازين الموضوعة للأوقاف منذ القرون الغابرة تقضي بنقل الثروات من أسرة لأخرى ومن طبقة لأخرى بعد كل فترة من الزمن دون أن تكون عملية النقل هذه سبباً للمشاكل وإراقة الدماء، وهي في الواقع نوع من الإصلاح الاجتماعي. فعادة ما يكون مقدار كبير من الأملاك وعائداتها تحت تصرّف شخص يدعى الناظر أو المتولّي، يختص لنفسه بمقدار منها وينفق الباقي في سبل الخير، ولمّا كان القائم بهذه الوظيفة في الأغلب أكبر أبناء أو أحفاد الواقف، فهي في الواقع نوع من الضمان الاجتماعي لكبار السن في عائلة معينة.
وإضافة إلى الموقوفات التي خلفتها العصور المتقدمة على العهد الصفوي، فقد حدثت في هذا العهد وخصوصاً في زمن الشاه عباس طفرة قوية في توسيع الأوقاف، حيث بادر أغلب الأعيان والإقطاعيين إلى وقف أموالهم وأملاكهم مقتدين في ذلك بالشاه عباس نفسه الذي سبقهم في هذا المجال. فقد قام عام 1016 بتقسيم جميع أملاكه الخاصّة حتّى خواتم أصابعه إلى أربعة عشر قسماً ثمّ وقفها للمعصومين الأربعة عشر. وقد خط الوقف بخط شيخ المشايخ العالم العامل الشيخ بهاء الدين محمد العاملي، وقد حدّد ملوك إيران كمسؤولين عن تولي هذه الأوقاف.
وقد بادر الأمراء وكبار رجال الدولة إلى الاقتداء بخطوة الشاه هذه، فمثلاً قام أحد الأمراء وهو كنجعلي خان زيك حاكم كرمان القوي الذي استمرّ حكمه من 1005هـ إلى 1033هـ في النواحي الشرقية والجنوب شرقية من إيران بوقف جميع أملاكه وخاناته ولا تزال هذه الأوقاف إلى الآن.
وفي كرمان ذاتها ثمة نموذج آخر لأوقاف العهد الصفوي، حيث وقف أحد أفراد عامة الناس وهو الخواجة كريم الدين الپاريزي أملاكاً في غاية الأهمية في أطراف يزد وزرند وسيرجان وكرمان، ولم يبق منها في الوقت الحاضر سوى أملاك شيب تل وآبشار في حدود دهشتران ومدينة بابك، وتبلغ عائداتها حوالي 40 ألف منّ من القمح (المن يعادل ثلاثة كيلوغرامات تقريباً) بالرغم من أنّ أكثر هذه الأوقاف قد اندثرت.
وفي العادة إن واردات هذه الأوقاف كانت تنفق في الموارد الاجتماعية فمثلاً كانت واحدة من أوقاف الخواجة كريم الدين وهي وقف قرية عقدا تنفق وارداتها حسب طلب الواقف على زوار مشهد، حيث كان الزائر الذي يمرّ بهذه القرية يعطي حذاء ومنّاً من الخبز.
وقد امتازت أوقاف مشهد وروضة أردبيل على سائر الأوقاف الأخرى بأهميتها، وإضافة إلى ذلك كانت أكثر أضرحة السادات والأماكن المقدسة تمتلك أوقافاً خاصّة بها. وقد وجد في وثيقة في مازندران تعود إلى العهد الصفوي أسماء أكثر من ثلاثة وثمانين مزار تمتلك كلّها أوقافاً خاصّة بها، يشرف على إدارتها أشخاص يحملون ألقاباً مختلفة، منها الملاّ باشي والرئيس والأمير وسيف السادات وشيخ الإسلام وغيرها.
وكانت عائدات أوقاف مسجد الشاه في أصفهان وحدها تبلغ حوالي ستين ألف ليور (يعادل التومان 22 ليوراً) يقتطع المتولي لنفسه منها ألف أكو (التومان الواحد: 15 أكو)، وكانت عائدات حمام وطاحونة وسوق الله وردي خان يُطعَمُ بها عند قبره مائة عابر سبيل وفقير يومياً.
وكان حاكم آذربيجان يتولى ـ في العادة ـ مزار أردبيل.
وكانت عائدات أوقاف الشاه عباس الأوّل للمعصومين الأربعة عشر وحدها تبلغ في زمن الشاه عباس الثاني ما يقارب الثلاثة عشر أو الأربعة عشر ألف تومان، يعطي منها سبعمائة تومان سنوياً لسادات بني الحسن الساكنين في المدينة. ولأكثر الأئمة أوقاف خاصة، حتّى الإمام المهدي، حيث كان الإصطبل الملكي وقفاً له.
وينقل مينورسكي أنّه كان ثمة شخص باسم وزير الأوقاف أو مستوفي الأوقاف تكون مهمته إدارة الأوقاف الشاهية وسائر الأوقاف الأخرى.
والظاهر أنّ المقصود بهذا الشخص هو صدر الأوقاف أو شيخ الإسلام، حيث يقول شاردن: كان الصدر المتصدي للأوقاف الشاهية يجمع سنوياً أكثر من أربعة آلاف تومان من عائدات هذه الأوقاف. وهو ذاته يقول إنّ عائدات الأوقاف تبلغ حوالي 800 تومان (36 مليون فرنك)، وإنّ عائدات الأوقاف التابعة لمساجد إيران تبلغ 400 ألف فرنك.
كان منصب صدر الأوقاف يحظى بأهمية خاصّة، بحيث يتدخل أحياناً بالأمور السياسية. من هنا حدَّ الشاه عباس الثاني من صلاحيات صدر الأوقاف، وعيّن الشاه سليمان في هذا المنصب (صدر الأوقاف) ومنصب صدر الخاصة اثنين من أزواج عمّاته.
المواشي: إضافة إلى قطعان الأغنام التي كان الملوك الصفويون يملكونها، كانوا أيضاً يأخذون من أصحاب الأغنام أموالاً كلّ سنة ضرائب ويسمّى المسؤول عن هذه الضرائب بالجوبان باشي.
يقول شاردن في هذا المجال: كان الشاه يأخذ من الأغنام سبع ناتجها من الصوف وما تلد. وفي إيران قطعان كبيرة من الأغنام، وقد شاهدت واحد من هذه القطعان الكبيرة، وقطعت ما بين بدايته ونهايته بساعتين أو ثلاث ساعات.
أمّا حصة الملاكين فكانت ثلث ما تلده الأغنام وثلث أصوافها، والباقي للرعاة. ونذكر نموذجاً لعائدات المواشي، ففي عام 1052هـ بلغ رقم العائدات السنوية لأملاك شيروان مائة وخمسة وخمسين تومان تبريزي. ويُذكر أنّ الشاه عباس الكبير كان يعفي البعض من هذه الضريبة، فقد ذكر اسكندربيك أنّه كان يتجاوز من مجموع عائدات المواشي سنوياً عشرين ألف تومان عراقي. ويضيف: أنّه منَّ على أهل ولاية العراق بإعفائهم من خمسة عشر ألف تومان عراقي من عائدات ضرائب المواشي.
حفظ الغائبات: كانت عائدات الدولة والشاه من المصادر الطبيعية والزراعية تقدر بمبالغ كبيرة، بالإضافة إلى الحرير الذي سيأتي الحديث عنه في فصل التجارة. وقد كان ثلث عائدات الحرير والقطن يتعلق بشخص الشاه، ويعطي من الخشب ثلثان للمالك وثلث للمزارع، بينما كانت عائدات النخيل في الأراضي الخالصة ثابتة، ففي جهرم كان يؤخذ عن كل نخلة محمودي واحد أي ما يعادل 9 شاهي.
وقد بذل الشاه عباس جهوداً خاصة في حفظ الغابات. وقد سمعت رواية عنه، أنّه حينما كان يعبر الصحراء في طريقه إلى حضرة الإمام الرضا في مشهد المقدسة (عام 1010هـ) التفت إلى أهمية الأشجار المتباعدة في الصحراء، كيف تنقذ حياة المسافرين وعابري السبيل. فأمر بقتل كل من يقطع شجرة من أشجار الصحراء دون مبرر. وكان هذا الأمر أقسى أمر يمكن أن يصدر للحفاظ على الغابات.
وبصورة عامة ذكر أنّ مجموع عائدات الشاه من أراضي ديوان الممالك الخاصّة وضرائب الطرق والجمارك وضرائب التنباك والتبغ والهدايا كان يبلغ 785,000 تومان. ولا يختلف هذا الرقم كثيراً عمّا ذكره بعض السائحين الأجانب ومنهم شاردن. وسيأتي الحديث عن ذلك فيما بعد. والأمر الذي يجدر السؤال عنه هو من أين تتجمع كلّ هذه الأموال لدى البلاط؟
في الحقيقة إنّ القسم الأعظم منها يأتي من مصادرة أموال الأعيان والمتنفذين وأصحاب الأملاك في الولايات المختلفة. وكانت هذه السياسة أمراً متعارفاً عليه منذ أوائل العهد الصفوي حتّى نهايته ـ كما هو الحال في العهود المتقدمة عليه ـ وعلى سبيل المثال ذكر شاردن قائلاً: «تعتبر مصادرة الأموال والهدايا من المصادر المهمة لدخل الشاه». ونذكِّر هنا بأنّ دخل الشاه هو أساس دخل البلاد، وميزانيته هي ميزانية البلاد، بمعنى أنّ الضرائب التي تجمعها الدولة كانت تنفق جنباً إلى جنب مع عائدات الشاه في الموارد العامة.
وقد ذُكر أنّ الشاه عباس سعى في أوائل عهده إلى توطيد الأمن العام وإيجاد مركزية قوية وكذلك تقوية البنية الاقتصادية للبلاد وتمركز الأموال والدخل العام… سعى إلى ذلك بالقضاء على الحكومات المحلية وأفلح في سعيه فتجمعت له ثروات هؤلاء الحكام، وكانت هذه الثروة العظيمة ركيزته في الانطلاق في حركته العمرانية.
ولكي ندرك أهمية هذا العمل نضرب مثالاً على ذلك: «عندما كان الشاه عباس يستعد لقتال الأوزبك بعد احتلالهم لخراسان، لم يكن لديه حتّى النفقات الكافية لحملته. فاضطر إلى إذابة آنية الذهب والفضة الموجودة في خزانته، وإنفاقها على جنده، واستطاع بهذه الأموال أن يأتي بالنصر.
من هنا يمكن تبرير خطواته الشديدة في مصادرة أموال الإقطاعيين.
المصادرة: يتحدّث شاردن عن مصادرة الأموال والأملاك فيقول: «كلّما غضب الشاه فإنّ غضبه يقترن بصورة حتمية بمصادرة الأموال والثروات. وكانت هذه المصادرة تستتبع بؤساً وشقاء وتعاسة لا مثيل لها، إذ يصبح بمصادرة أمواله فاقداً لكل شيء بعد أن كان يملك كل شيء، إذ تصادر ثرواته وغلمانه وفي بعض الأحيان حتّى زوجته وأولاده ولا يترك له سوى قميص واحد يبدل به ملابسه».
وكان الشاه عباس قد أظهر قساوته منذ اليوم الأوّل لحكمه، حيث دعا الشخصيات الكبيرة والوجهاء الذين كان يتوجس منهم خيفة إلى مأدبة ثمّ اتهمهم في نفس المجلس بالخيانة، وأشار إلى جنده فأعملوا سيوفهم في الحاضرين.
ثمّ اهتم بتصفية الولايات فبدأ بيزد وكرمان، ثمّ فارس فقضى فيها على ذو القدر. ولم تمض فترة طويلة حتّى جاء دور مازندران وگيلان، وعلى الرغم من أنّ المتنفذين فيها كانوا من السادات المرعشية أي من أقارب الشاه عباس، إلاّ أنّهم لم يَرَوْا مندوحة من الاستسلام، وكان عام (1007هـ ـ 1598م) عام انقراض السلالة الحاكمة في مازندران.
وفي المناطق الغربية، عزل حاكم لرستان شاهوردي خان الذي كان يدفع مبالغ كبيرة سنوياً ويرتبط بالعائلة المالكة بصلة قربى، ثمّ شنقه في خرم آباد.
وفتحت كردستان أيضاً على يد الخان أحمد خان.
على أيّة حال لم تتوقف مصادرة الأموال في الفترات التي تلت الشاه عباس، بل استمرّ خلفاؤه في تقصّي سيرته، لا سيّما الشاه عباس الثاني الذي اشتدّت أعمال المصادرة في عهده، كما حصل مع حاكم كرمان جاني خان، حيث انتقم منه ثأراً لقتل ساروتقي «… وبعث نظر بيك القورجي ممثلاً له في مصادرة أموال جاني خان وأملاكه، والقبض على الغ خان أخي جاني خان ونائبه في إدارة شؤون بعض مناطق كرمان. وبالفعل نفذ نظر بيك ما أمر به فصادر أموال جاني خان وكانت لا تعدّ، وأتى بـ الغ خان إلى أصفهان مكبلاً بالقيود».
وإضافة إلى ما فعلوه بجاني بيك، صادروا أموال داود خان الذي كان أحد عمال جاني بيك على گيلان وأموال أقاربه حتّى الدرجة الثالثة.
وتعرض نظر علي خان حاكم أردبيل إلى مصادرة أمواله حيث جاء في كتاب (عباسنامه): «عُزل نظر علي خان حاكم أردبيل ومتولي دار الإرشاد فيها وحبس بسبب سلوكه الشائن وشكاوى الرعية منه وسوء تصرّفه بأموال الأوقاف في البقعة المقدسة. ثمّ تمّت مصادرة أمواله جزاءً له على سوء أعماله».
وثمّة نماذج أخرى على مصادرة الأموال في العهد الصفوي، كمصادرة أموال الأمير الصفوي الميرزا رضي، ومصادرة أملاك عائلة شهشهان. وكان الميرزا رضي حفيد الشاه عباس الكبير لابنته قد تعدّى على أوقاف المسجد التي كانت تزيد على (150 ألف ليور)، فحبسه الشاه عباس الثاني وصادر أمواله وفقأ عينيه.
وهكذا كان ناظر العتبات صفي قلي بيك، حيث حلّ عليه غضب الشاه فحبسه، وبعث به إلى قلعة كلات، وصادر امواله وأملاكه.
وسخط الشاه على الميرزا شفيع الأصفهاني صاحب كتاب «تاريخ إيران» فحبسه في داره وصادر جميع أمواله باستثناء 40 ألف ليور كانت تشكل راتباً سنوياً له. وقتل مرتضى قليخان القورجي باشي القاجاري وصودرت أمواله، وأرسل أولاده إلى قلعة كلات وألموت: وصودرت أموال صاحب ديوان القضاء أوغور لوبيك، وطالت المصادرة اثنين من الأطباء الخاصين بالشاه عباس الثاني هما الميرزا صالح والميرزا كوجك. وحبس موسى قلي بيك في شيروان وصودرت أمواله. وصودرت أموال وزير مازندران الميرزا هاشم، وذلك لأنّه رفض خلعة الشاه سليمان.
وحُكم على وزير فارس الميرزا صادق أثر شكوى سفير هولندا السامي في عهد الشاه عباس الثاني.
وقد تميز عهد الشاه عباس الثاني بالقسوة المفرطة.
وفي الواقع كان الخوف والهلع وانعدام الطمأنينة تسيطر على المتنفذين والمقربين في الدولة الصفوية، فمثلاً يذكر شاردن حادثة تشكل نموذجاً عن الوضع السائد آنذاك، حيث يقول: «خرج ذات يوم أحد الأشراف ويدعى رستم خان من البلاط بعد لقائه الشاه، وجاء لزيارتي، فدخل بوجه مبتشر، وتناول مرآة ونظر فيها ثمّ ابتسم قائلاً: كلّما أخرج من حضرة الشاه أتلمس رأسي لأرى هل لا يزال فوق أكتافي أم لا، وحتّى عندما أدخل داري أبدأ بالمرآة لأطمئن على نفسي.
وينقل شاردن أيضاً أنّ في أصفهان أكثر من 137 قصراً ملكياً، أكثرها من الأملاك المصادرة. وحين أراد الصدر الأعظم بيعها لم يجد من يشتريها. خوفاً من سوء المنقلب. من هنا يذكر شاردن أنّ العديد من الأغنياء فكروا بحيلة يحفظون بها أموالهم فاهتدوا إلى وقف عائدات أملاكهم لمسجد أو مدرسة.
التجارة: قبل أن نبدأ بالحديث عن تنظيم الميزانية والضرائب وطبيعة النقد في العصر الصفوي، لا بد لنا من الحديث عن مصدر آخر مهم من مصادر الدخل وهو التجارة.
على مرّ التاريخ وتعاقب أدواره، كانت التجارة تزدهر في إيران كلّما استتب الأمن والاطمئنان، ويزداد مستوى دخل الناس. ولا نتكلم هنا عن عصور داريوش الكبير أو أنو شروان، بل سنتحدث عن المائة سنة التي سبقت العصر الصفوي، فبمجرد أن استقرّت الأوضاع في تلك الفترة ازدهرت التجارة، بحيث يصفها أحد سائحي البندقية واسمه باربارو الذي قدم إلى شيراز عام 878هـ، يقول: «شيراز مدينة كثيرة السكان، وأكثر الناس فيها يشتغلون بالتجارة، حيث يأتون بأنواع البضائع والأقمشة من سمرقند ونيسابور والري. وتجلب إليها أنواع الأحجار الكريمة والمجوهرات والتوابل وغيرها وفي شيراز أكثر من مائتي ألف بيت، والسبب في هذا الأمر هو الأمن السائد في هذه المنطقة، إذ بإمكان المرء أن يعيش فيها باطمئنان وراحة بال».
ونفس هذا السائح يتحدّث عن مدينة كاشان فيقول: «يشتغل أكثر أهالي هذه المدينة في صناعة الحرير وأنواع الأقمشة، وهذه البضائع تتوفّر بكميات كبيرة جدّاً، بحيث لو أراد شخص أن ينفق الملايين لشرائها، لوجد منها ما يكفيه في أسواق ومحلات كاشان».
ولكن ازدهار التجارة هذا لم يدم طويلاً، حيث تضرّرت التجارة كثيراً إثر الاضطرابات التي حصلت في أواخر عهد الآق قويونلو وأوائل العهد الصفوي. ثمّ تحوّل الوضع نحو الأفضل في عهد الشاه عباس. وفي ذلك يقول شاردن: «حينما يأخذ ملك ذكي وعادل بزمام الأمور في هذه البلاد، ويقف بوجه قطاع الطرق، ويحرص وزراؤه على تنفيذ القوانين، فإنّه يمكن القول بأنّ إيران حينئذٍ ستكون أفضل إمبراطورية في العالم. وهذا هو حالها في زمن الشاه عباس الكبير». ثمّ يقول في موضع آخر: «كان الشاه عباس يحب التجارة حباً جماً، ويعتقد بأنّها السبيل الوحيد لإثراء دولة وازدهارها».
وفي الواقع فإنّ الشاه عباس قد أدرك أنّه بالإضافة إلى عائدات الزراعة والمناجم واستثمار المصادر الطبيعية للثروات ثمة عامل اقتصادي كبير يدخل النقد إلى البلاد ألا وهو التجارة.
الأمن: من الطبيعي أنّ ثمة عوامل رئيسية ترتبط بها التجارة ارتباطاً وثيقاً. وأهم هذه العوامل: توفر رؤوس الأموال، الأمن، وطرق الاتصالات. وينبغي القول بأنّ رؤوس الأموال ستخرج من الخزائن ومن تحت الأرض حالما يتوفر الأمن وتسهل الاتصالات، ولكنّها ستختفي بأسرع ما يمكن حالما تظهر بادرة من بوادر عدم الاستقرار وانعدام الطمأنينة.
وقد أشرنا باختصار في ذكر مرحلة الأمن، أنّ خطوات مهمة أنجزت ونفذت خطط واسعة حتّى قُدّر للأمن أن يستتب لسنوات بعد الشاه عباس. ويتحدّث السائح الفرنسي تاڤرنيه الذي زار إيران عدّة مرات (عام 1048 و1053 ودخوله الأراضي الإيرانية فيقول: «وإذ ذاك انتهى خوفنا، ولم نعد نخشى شيئاً، لأنّا دخلنا الأراضي الإيرانية، والناس يسافرون فيها بغاية الأمان».
الطرق: وفيما يتعلق بسهولة الاتصالات، ينبغي أن تهيأ الطرق الأساسية لعبور القوافل أوّلاً، وثانياً، يجب أن تقام وسائل الراحة في هذه الطرق للمسافرين والتجار. ويتم تنفيذ الاثنين بواسطة تعبيد الطرق وإحداث الفنادق ودور استراحة القوافل.
ولا تزال بعض هذه الطرق موجودة إلى الآن وتسمّى بطرق الشاه عباس، تمييزاً لها عن (طرق الشاه) التي يرجع تاريخها إلى داريوش الكبير.
كانت الطرق والمسافات بعيدة شاسعة، وأغلبها دون ماء وعلف. ويمكن وصف بعض الطرق التي سلكها سائحون أجانب كما يلي: تقطع القوافل المسافة بين أصفهان وتبريز في 24 يوماً، ومن گرگان إلى أصفهان في 12 يوماً، ومن ميناء ربكَ إلى كازرون في ستة أيام ومن كازرون إلى شيراز في خمسة أيام، وأغلب هذه الطرق قام بإحداثها حاكم شيراز علي قلي خان، حيث شق وصقل حافات بعض الجبال، وفي بعض الأماكن ربط بين جبلين بجسر لا يزال صالحاً للاستعمال. وكانت المسافة بين شيراز وأصفهان تسعة أيام، ولم تكن المسافة بين كرمان وأصفهان تقل عن 25 يوماً على ظهر الجواد.
وإذا كانت هذه الطرق قاحلة، خالية من الماء والعلف، فإنّ ثمة ما يخفف ذلك بعض الشيء وهو وجود محلات لاستراحة القوافل ومخازن للمياه، تستريح عندها القوافل حين يحل الليل. وأغلب هذه المنازل ودور الاستراحة تمّ إنشاؤها في وقت قصير على يد محمد علي بيك ناظر رئيس بلاط الشاه والخزانة.
وكانت المسافة بين هرمز وكرمان 27 يوماً، تتخللها التواءات ومنحدرات وعرة، بحيث يقطع المسافرون على دوابهم في أربع ساعات ما يقطعه الراجل في نصف ساعة. ومن بندر عباس إلى لار 7 أو 8 أيام، ومن سنندج إلى همذان ثلاثة أيام، ومن همذان إلى أصفهان 9 أيام على الجواد و18 يوماً مع القافلة.
وقد قطع الشاه عباس نفسه المسافة بين أصفهان ومشهد في 28 يوماً راجلاً، ولم يكن هذا الطريق طريقاً تجارياً، وكان يقطع ستة فراسخ (مرحلة واحدة) يومياً، وكان طريقه الذي سلكه يمرُّ عبر الصحراء (صحراء كوير) أي من طبس وتدشيز، وكان مجموع ما قطعه 190 فرسخاً.
تعبيد الطرق بالأحجار: لم يكن الهدف من إحداث الطرق تجارياً محضاً، إنّما كان يهدف في بعض المناطق إلى جلب السياح، ومن هذه الطرق طريق طاهان (فرح آباد) الذي يمتد أربعة فراسخ حتّى ساري، وقد فرش بالجص والصخور لتسهيل العبور عليه، والتخلص من مشاكل الطين والتعرجات. وكانت ثمرة هذا الطريق أن تسهلت تنقلات الطبقات المرفهة في المجتمع عبره، وأصبح بإمكانهم الوصول إلى السواحل والغابات الجميلة في مازندران بسهولة، فأقيمت البلاجات والفلل والقصور. ويذكر أحد المؤرخين أنّ جميع أركان الدولة بنوا لأنفسهم منازل جميلة وقصوراً فخمة. وشعروا بالحاجة إلى طريق مناسب للوصول إلى هذه المنازل والقصور والأماكن الجميلة في مازندران، فأمر الشاه عباس بإحداث طريق يصل بين سوادكوه ومازندران، وفُرش بالجص والصخور والآجر. ثمّ أنشأ الشاه في ناحية بنجهزار بناء فخماً وبستاناً جميلاً كأنّه الجنة. ثمّ أصبح المكان يتحوّل بالتدريج إلى مدينة، فسمي بأشرف البلاد. ويمكن مشاهدة بحر مازندران والسفن الموجودة فيه من هذا المكان والبستان الموجود فيه.
ولم يكن هذا العمل مقتصراً على الشاه وحده، بل كان من واجب الحكام والولاة القيام بمثل هذه الأعمال وفقاً للبرامج الموضوعة، وقد تمّ تنفيذ طرق مازندران بإشراف وزير مازندران الميرزا تقي. وإضافة إلى طرق مازندران تمّ فرش طرق أخرى في بعض المناطق الإيرانية بالصخور والآجر، ونحن نعرف أنّ هذه العمليات تستلزم نفقات كبيرة. من هذه الطرق طريق ميانه وزنجان الذي يمر عبر نهر. وقد فرشه الشاه فرشاً كاملاً ليسهل التنقل عليه في مختلف الأحوال، حتّى في الرطوبة والصقيع. ومن الأمور اللطيفة التي كانت تستخدم لتسهيل عبور الإبل ـ التي كانت تشكل أثمن وسيلة للنقل والانتقال ـ هي استخدام الفرش تحت أقدامها في بعض المناطق، للحيولة دون انزلاقها.
ويعيد تعبيد الطرق للأذهان عهد داريوش الذي فرش طريق بهبهان بالصخور. ثمّ قلّده الرومان في ذلك. وقد كتبوا عن ذلك ما يلي:
«لمّا كانت طرق مازندران تمتلئ بالوحل لكثرة الأمطار، ممّا يسبب عرقلة حركة الدواب عليها، فقد أصدر الشاه عباس أوامره لوزير مازندران الميرزا تقي بإنشاء جسور عالية على الأنهار الكبيرة ابتداء من (سوادكوه)، وفرش جميع الطرق بالصخور والجص والآجر، وتوسيع الطرق القديمة وإحداث طرق جديدة عريضة وغرس الأشجار على جانبي الطرق لتسهيل انتقال القوافل وتوفير جو مريح لها. وتعهد الشاه بتحمّل جميع النفقات. وقد تمّ إنجاز هذا الطريق في عام 1031هـ.
ومن هذا النوع أيضاً: «فرش طريق نمكسار وسياه كوه (كاشان) بالصخور وتقدر كلفته بعشرة آلاف تومان…».
دور استراحة القوافل: يبقى الأهم من شق الطرق هي أفضل الوسائل لتوفير الراحة للمسافرين ولحفظ بضائعهم وسلامتهم وتهيئة المؤن وتسهيل تنقلاتهم. ولا يزال بعض هذه الدور قائماً إلى الآن.
كانت راحة القوافل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بوجود دور استراحة مجهزة في كل منزل من منازل الطريق. وليس ببعيد أن يكون ما ينقل عن الشاه عباس صحيحاً من أنّه شيّد 999 داراً لاستراحة القوافل في مختلف المناطق الإيرانية، لأنّنا حيثما اتجهنا نرى نماذج من تلك الدور المشيدة وفقاً للطراز الصفوي. ولم يكن الشاه وحده هو الذي أنشأ كلّ هذه الدور، بل كان جميع الأمراء الأقوياء والتجار والأغنياء ملزمين بإقامة مثل هذه الدور على طرق القوافل، وحين تمّ تنفيذ الأعمال وفق خطة صحيحة، أمكن في فترة قصيرة بناء العديد منها في جميع نواحي إيران.
وثمة حكاية تنقل عن الشاه عباس أنّه سافر ذات مرة إلى كرمان. وفي عودته لم ير في كرمانشاه داراً للقوافل فأمر حاكم كرمان گنجعلي خان ببناء واحدة هناك. فقام كنجعلي خان ببنائها في قلب الصحراء وأقام معها مستودعاً للمياه، ويصعب نقل الجص والآجر والماء إلى تلك الأماكن حتّى في أيامنا هذه، ولا يزال مستودع الماء يعرف إلى الآن بـ (حوض خان).
وقد أدرك الأجانب مدى أهمية مثل هذه الأبنية، وذكروا أسماء بعضها. فقد كتب تاڤرنيه في باب دار الشاه صفي لاستراحة القوافل في تبريز: «تتميز دار الشاه صفي في المنزل الأوّل من تبريز بسعتها وراحتها، وهي تستوعب مائة مسافر مع خيولهم ومراكبهم. وثمة دور عالية للقوافل تشاهد على مسافات معينة في جميع نواحي إيران، لا سيما بين تبريز وأصفهان وبين الأخيرة وهرمز». وكان لبعض هذه الدور أوقاف مهمة خاصة بها. ويذكر شاردن أنّ الدار الشاهية للقوافل في قزوين تشتمل على 250 حجرة وحوض كبير وأشجار عظيمة.
وقد نقل تاڤرنيه وشاردن أسماء العديد من القوافل المهمة في كتبهما، ولما كان بعضها قد اندثر، وكذلك لأنّها تحدّد مسار طرق المواصلات في ذلك العصر، فإنّنا سنذكر بعضها. وكان بعضها في أصفهان والبعض في المدن المهمة وأكثرها في الطرق والقرى المنتشرة على امتداد طرق القوافل. من هذه الدور:
دار جمال آباد، سرجم، نيك بي، دار زنجان التي اضطر تاڤرنيه إلى تمضيه ليلته خارجها لشدّة ازدحامها. دار اشيرا، دار سكزاوه، دار باجوب، دار كوشك، دار دوقه، دار الشاه صفي في المنزل الأول من تبريز التي كانت غاية في السعة والراحة، وتستوعب مائة مسافر بخيولهم ومراكبهم. دار كاشان التي كانت مساحتها ما يقارب المائة القدم مربع وهي مكوّنة من طابقين ومبنية بالآجر. دار قهرود دار آقا كمال، دار مورجه خورت. ثلاثة دور بين مرز حتّى ساوه. دار واحدة بين ساوة وقم التي كانت تفصلهما عن بعضها صحراء جافة قاحلة. دار آب شيرين. ثلاثة دور في يزد، دار يزد خواست المعروفة. ثلاثة دور في قزوين. دار الخوادة في يزيد التي تشتمل تحتها على مستودع ماء بمساحتها، ينقل أنّه يمكن أن يؤمن حاجة يزد من الماء لنصف سنة. دار أردبيل وهناك دور أخرى عديدة.
وإضافة إلى ذلك، كانت القرى التي لا تحتوي على دور للقوافل، تحتوي على فنادق لاستقبال القادمين. ومن نماذج هذه الفنادق فندق موجود في جبال پاريز، كان المسافرون يستخدمونه قبل بناء دار القوافل في العهد القاجاري. وكان بإمكان المسافر أن يبيت ليلة واحدة فيه مجاناً، فإذا مكث أكثر دفع نفقات المبيت. وفي مدينة أصفهان كان هناك العديد من الدور التي تستخدم أيضاً كمستودعات للبضائع ومحلات للتجارة، منها: دار بائعي الرمان دار لله بيك المليئة بالبضائع الهندية. دار ميدان الشاه التي يتكوّن كلّ جانب منها من 24 حجرة، وتحتوي الحجرات الفوقانية على دهليز وإيوان وشرفة مسقوفة، وعادة ما كان التجار يسكنون فيها مع زوجاتهم حينما يكن معهم. وثمة اصطبل خلف هذه الدار. والدار هذه متعلقة بابنة عم الشاه عباس الثاني، وتبلغ عائداتها السنوية 16 ألف ليور.
وهناك دار قوافل الخراسانيين في أصفهان التي كان التجار الخراسانيون ينزلون فيها. وتوجد إحدى عشر داراً في محلة بيد آباد و24 دار في محلة عباس آباد و3 دور في محلة الشيخ يوسف. ودار ملا علي بيك ودار قوافل اللاريين المليئة بتجار الأدوية. ودار المولتانيين في جوار سوق المولتانيين وهي خاصة بالتجار الهنود المولتانيين.
ودار قوافل بائعي الرز وهي مخصصة لسكن القادمين من بابل وبغداد. ودار الكُلبايگانيين، ودار الحلاجين، ثلاثة دور علي قلي خان التي يسكنها الصرافون الهنود. دار الميرزا صفي، خمس عشرة دار في محلة خواجو، دار الميرزا إسماعيل القهوه جي، دار الميرزا كوجك المتولي، دار خليفة سلطان صهر الشاه عباس الكبير، دار قوافل الأردستانيين، دار جده وغيرها.
ويذكر شاردن أنّ عدد دور القوافل في أصفهان وفقاً لإحصائيته بلغ 1802. وفي الواقع كان العمل في الفنادق ودور القوافل أخذ يتحول آنذاك بالتدريج إلى عمل مثمر ومربح جداً، لذلك كان العديد من الأعيان والأغنياء يشتغلون في هذا العمل، لا سيما وأنّ عائدات هذا العمل عادة ما تكون ثابتة ومستمرة (كما هو حال العمل في الفنادق في هذه الأيام، حيث يتوجه له العديد من رجال السياسة المتقاعدين، مع اختلاف بسيط).
مع القوافل: نحاول فيما يلي أن نصف بعض النماذج من دور القوافل المنتشرة في الطرق الخارجية للقوافل التي وصفها تاڤرنيه، لا سيما وأنّها نأت بنفسها عن طرق السيّارات، وأخذت تسير بالتدريج نحو الاندثار.
يقول تاڤرنيه: «تكون دار القوافل مثل الدير، وهي تتكوّن عادة من طابق واحد، ونادراً ما تكون من طابقين. يبدأ مدخلها ببوابة كبيرة، وفي أحد أضلاعها غرفة كبيرة تكون مخصصة للأشراف. وفي ضلعيها الآخرين غرف صغيرة، يختار كل شخص واحدة منها. ترتفع هذه الحجرات عن ساحة الدار قدمين أو ثلاثة أقدام، وهي مبنية في خط واحد وتوجد الاصطبلات خلفها. ويحدث أحياناً أن تحوّل الاصطبلات إلى غرف استراحة. وفي الشتاء يفضل أغلب المسافرين الإقامة في الاصطبلات لدفئها. وهي تشبه الغرف الأخرى. وثمة نافذة صغيرة في كل غرفة تنفتح على موضع العلف في الاصطبل ليتسنى للشخص النظر منها إلى دوابه والاطمئنان على حسن رعايتها. وفي الجهة الخلفية لمعلف الحيوانات ثمة منصة يمكن لثلاثة أشخاص أو أربعة أن يناموا عليها، وعادة ما ينام الخدم عليها.
وفي الدار لا يقدم للمسافر سوى الغرفة الخالية من كل أثاث، فعلى المسافر أن يكون مصطحباً معه فراشاً وآنية طبخ ومؤونة، ويستطيع تأمين ما يحتاج من خبز وسمن ولحم ودجاج من القائم على الدار أو من القرى المجاورة التي يأتي أهلها إلى قارعة الطريق مستقبلين القوافل. والعلف والشعير متوفر للدواب.
وفي الدور الموجودة في الصحارى لا يتقاضون من المسافر شيئاً عن سكنه في الحجرة، ولكن يؤخذ منه شيء قليل من الدور الموجودة في المدن.
في العادة لم تكن القوافل تدخل الدار، لعدم استيعابها لكل القادمين، فكل دار لم تكن تستوعب أكثر من مائة شخص، وحين يدخلون يحق لكل شخص أن يختار الغرفة التي يحب، سواء في ذلك الغني والفقير، وليس لأحد الحق في إخراج أحد من غرفة انتخبها لنفسه وفي الليل يغلق القائم على الدار الأبواب، ويكون مسؤولاً عن كل ما فيها. ويقوم بعض الحراس (بالدورية) حول الدار لحراستها.
وبصورة عامة فإنّ وضع دور القوافل في إيران أحسن منه في الدولة العثمانية، سواء من حيث الراحة أو من حيث ارتفاع البناء. فعلى فواصل معينة في طول البلاد وعرضها هناك دور مريحة. وإذا كانت هذه الدور بالنسبة إلى الأغنياء ليست في مستوى فنادق أوروبا، فإنّها أكثر راحة للفقراء والضعفاء، لأنّها تستقبلهم استقبالاً حسناً ولا ترغم أحداً على إنفاق ما لا يطيق في مأكله ومشربه، فكلّ شخص يأكل بمقدار ما يحب، وهو حر في ذلك.
الأمن الاقتصادي: كان الحفاظ على الأمن الاقتصادي يستدعي الكثير من القساوة والشدة. ويذكر تاڤرنيه: «إذا حدث أن سرقت أموال تاجر، فإنّ حاكم المنطقة يكون مسؤولاً عن تسديد الأموال إلى التاجر وفقاً للوثائق والمستندات التي يحملها، والقسم الذي يقسمه، ويحاول الحكام استرضاء التجار في مثل هذه الحالات بأسرع وقت ممكن لئلا يذهب إلى أصفهان ويقدم شكاواه فيها.
وللحفاظ على أمن الطرق، كان حكام الولايات ملزمين في البداية: «أن يحققوا ـ في كل ولاية ـ في هوية قطاع الطرق ويعرفوا الجماعة التي ينتسبون إليها، ثمّ يسعون للقضاء عليهم. وقد أمكن في وقت قصير القبض على أكثر هؤلاء بحسن التدبير والتخطيط، وأريح الناس من شرهم». وفي سبيل إدامة الحفاظ على أمن الطرق، قسمت على عدة أقسام، يعهد بكل قسم منها إلى أشخاص معينين يقومون على حراستها. فإذا سرق مال تاجر، سعى المسؤول عن محل السرقة لاسترداد المال، فإن لم يفلح تحمل المسؤولية. وكان العمل بهذا القانون عام في كل المناطق.
حراسة الطرق: من الطبيعي أنّه كانت تؤخذ بعض الأموال مقابل حراسة الطرق، وكانت القوافل تدفع عن طيب خاطر، لأنّ الطرق كانت آمنة. فمثلاً: «كان يؤخذ عن حمولة كل بعير ثلاثة عشر عباسي في مرند مقابل حراسة الطرق» ويؤكد تاڤرنيه أنّها كانت تنفق في الموارد التي تؤخذ لأجلها.
وفي مثل هذ الظروف الآمنة «كانت قوافل تجارة الحرير تمر عبر أردبيل، ومجموع الإبل فيها يتراوح بين ثمانمائة إلى تسعمائة بعير». وكانت سيستان طريقاً لعبور قوافل أهم. وقد جاء في إحياء الملوك أنّ الأمير محمد أمين المشهدي الذي كان في الهند سنين طوال قدم إلى سيستان على رأس قافلة مكوّنة من مائة بعير، محملة بأنواع البضائع، وكان هذا الأمير ذا مكانة رفيعة وعلاقات حميمة مع الملوك، فاستضافه ملك سيستان شهراً كاملاً مع جميع أفراد القافلة».
التجارة الخارجية: تعتمد التجارة الخارجية اعتماداً كبيراً على العلاقات الودية مع البلدان الأجنبية، وخصوصاً البلدان الأوروبية، وقد قام الشاه عباس الثاني بخطوات مهمة في سبيل توسيع التجارة وإقامة علاقات تجارية مع البلدان الأجنبية لتصلها البضائع الإيرانية والبضائع الصينية والهندية التي تمر عبر إيران بكلّ أمان. وقد حصلت في هذا المجال عدّة خطوات عملية مهمة، يمكن الاطلاع عليها في بطون كتب التاريخ.
وكان الشاه عباس يتعامل مع الأقلية المسيحية بأسلوب حسن، ذلك لأنّهم كانوا قادرين على توثيق العلاقات مع البلدان الأوروبية لوحدة دينهم. وقد نقل عدّة آلاف من الأرمن من الحدود العثمانية وجلفا إلى مدينة أصفهان، وتشكلت نتيجة هذه الهجرة محلة جلفا.
وبادر الشاه إلى توسيع ميناء هرموز وميناء جرون الذي سمّي فيما بعد ـ باسم «بندر عباس» وأمن الأوضاع المناسبة هناك، وقد بلغ الأمر أن كانت ثلاثمائة سفينة أو أكثر تتجمع في مرفأ هرموز ويقيم فيها أربعمائة تاجر بصورة دائمة. وقد بلغ عدد سكان هذه المدينة أربعين ألف نسمة.
الحرير بضاعة مربحة: كانت التجارة الرئيسية التي تتم في هذه الموانئ هي تجارة اللؤلؤ والحرير والتوابل والأحجار الكريمة.
وقد بذل الإنكليز جهوداً كبيرة لإبقاء حاكمية إيران على هذه الموانئ، من هنا قدّم لهم الشاه مساعدات وامتيازات كبيرة، واستطاع التجار الإيرانيون منذ ذلك الحين تصدير الحرير دون إشراف وتدخل البرتغاليين. وجاء سفر الإخوان شارلي إلى الدول الأوروبية بصورة رئيسية في سبيل التجارة وإيجاد أسواق أمينة للبضائع الإيرانية. وقد استمرت امتيازات التجارة الإيرانية بيد الإنكليز في عهد الشاه عباس الثاني والشاه سليمان، ولم يحدث تغيير بشأنها إلاّ في عهد الأخير حينما بادر الوزير المدبر والسياسي المحنك الشيخ علي خان زنگنه إلى سلب بعض الامتيازات منهم.
كان في العادة يؤخذ منهم الأقمشة الصوفية مقابل البضائع الحريرية. وافتتح البرتغاليون والهولنديون مراكز تجارية لهم في هرموز، وكانت مراكزهم تحظى بصيانة قضائية، وبإمكانهم إخراج أي نوع من البضائع من إيران عدا الخيول. وقد زادت امتيازات الهولنديين في عهد الشاه صفي، وكانت بضائعهم تعفى من الرسوم الجمركية. وقد احتكر هؤلاء تجارة القسم الأكبر من البضائع الهندية ومنتوجات جاوا وسومطرا مثل الفلفل والزعفران وأنواع التوابل، وكانت السفن الهولندية في تردد دائم بين الهند وإيران. وقد بلغ بهم السعي إلى احتكار التجارة الخارجية أن أخذوا يبيعون البضائع الأوروبية في إيران بسعر أقل ممّا هو عليه في أوروبا نفسها. وبلغت منافستهم في مجال التجارة حدّاً بعيداً بحيث بادروا إلى رفع سعر شراء وزنة الحرير من 42 تومان إلى 50 تومان حينما قدم ممثل دوق هلشتاين إلى إيران لعقد اتفاقية تجارية لشراء الحرير (عام 1047 هـ)، ولم يستطع ممثل الدوق منافستهم فعاد أدراجه، وإذ ذاك عادوا فخفضوا السعر مرة أخرى إلى 44 تومان، وحين رأى الشاه خدعتهم أمر بأخذ الجمارك على بضائعهم.
واستمرّ التنافس بين الإنكليز والهولنديين للسيطرة على التجارة، وأدّى هذا التنافس إلى وقوع الحرب بين الدولتين في الخليج الفارسي. وكانت أكثر وكالات الشركات الهولندية تتوزع في بندر عباس لار وأصفهان. وقد حدّدت الامتيازات الهولندية في زمن الشاه سليمان، وخفضت إلى ثلاثمائة وزنة من الحرير (أي ما يعادل نصف ما كانت عليه في زمن الشاه عباس الثاني).
ويجدر بالذكر أنّ أهم الصادرات الإيرانية آنذاك كانت الحرير والأقمشة المطرزة بالذهب وبعض أنواع الأحجار الكريمة ووبر الإبل والتبغ والفواكه المجففة. وكانت صادرات الحرير تصل إلى 2200 وزنة (الوزنة = 110 كغم)، يشتري منها الهولنديون حوالي 2000 وزنة. كان حرير گمبرون يرسل إلى (باتاڤيا) ومنها إلى أوروبا، وتتعهد الشركة الهولندية مقابل هذه الكميات من الحرير بدفع 1200 صندوق من السكر (كلّ صندوق يعادل وزنة 150 پاوند هولندي).
وكانت هذه الكميات من السكر تصل عن طريق لار أو سيرجان إلى يزد وأصفهان. وفي حكاياتنا التراثية ينقل عن أهل قرية پاريز أنّهم كانوا يبيعون القوافل منّاً من العلف بمن من السكر، ورغم ما تحمله هذه الحكاية من مبالغة إلاّ أنّها تشير إلى أهمية التجارة الخارجية وتأثيرها في توفير العملة الصعبة، وتأمين بيع البضائع المحلية وإعمار البلاد.
الأرمن الأغنياء: كان أغلب تجار الحرير من الأرمن، وقد بلغ هؤلاء من الازدهار الاقتصادي حدّاً لا يصدق، فمثلاً الخواجة نظر من أرمن جلفا في تبريز كان قد خرج من وطنه وترقى درجات التجارة، وحظي بمكانة رفيعة لدى الشاه عباس وخليفته الشاه صفي وعين مسؤولاً عن الأرمن، وقد قام هذا الشخص تكريماً لوطنه الأصلي جلفا [في تبريز] بإقامة دارين للقوافل هناك، ولا تزال آثارهما قائمة على ضفتي النهر، وقد أنفق في بنائهما سبعة آلاف تومان. وترقى في التجارة تاجر أرمني آخر هو الخواجة بطرس (1059هـ) بن ولي جان، وكان قد أصبح تاجراً كبيراً في فترة قصيرة، فبنى كنيسة (بيدخم) في جلفا، وخلفه في مكانته ابنه الخواجة بغوس.
سافر أحد أفراد هذه العائلة من أصفهان إلى الهند، وأصبح ممثلاً لتجارة الحرير (وكان متعارفاً بين تجار جلفا الكبار في أصفهان أنّهم كانوا يبعثون أبناءهم إلى الهند و جاوا وسائر البلدان ليكونوا لهم ممثلين في تجارتهم). وقد أوصى الخواجة بطرس الثاني الذي توفي مدرس (عام 1165) أن يحمل قلبه في صندوق من ذهب إلى أصفهان ويدفن في كنيسة جده (كنيسة بيد خم) وهكذا فعلوا.
يذكر شاردن: «إنّ ثمة تجاراً كباراً بين الأرمن بلغت أملاكهم مليونين أو ثلاثة ملايين أكو (كل مائة ألف أكو = سبعة آلاف تومان)، وهناك بعض الأسر تملك الآن مليون أكو».
وقام الخواجة عابد بيك ببناء كنيسة في جلفا، ووضع فيها مصابيح وقناديل من ذهب وفضة ولوحات ثمينة واشترى أربعة آلاف أرمني وأعتقهم.
ولم يكن الأرمن وحدهم هم المسيطرين على النشاط التجاري، بل كان هناك تجار مسلمون يمتلكون ثروات لا تعد ولا تحصى، والشاه عباس نفسه كان يملك في أصفهان وحدها 25 دوراً للقوافل لا تقل عائدات كل منها عن 360 تومان.
يقول تاڤرنيه: كان السبب في اختيار التجار الأرمن للقيام بأعماله التجارية هو أنّ الإيرانيين لم يكونوا يحسنون التجارة، وفي الحقيقة لم يكن ذاك هو السبب، إنّما لأنّ هذه الأقلية لم تكن تشكل خطراً على الشاه، إضافة إلى أتباعهم نفس دين الأجانب ومعرفتهم بلغتهم، ممّا كان يسهل أعمال التجارة مع الدول الأخرى.
وكانت تجارة الحرير حكراً على الدولة، وواسطة هذا الاحتكار هم الأرمن، فازدهرت أحوالهم بشكل كبير.
يقول شاردن: من الصعب التصديق بالمعجزة التي صنعتها الحكومة الصفوية بجلبها للمهاجرين الأرمن، فحينما جلب الشاه عباس هؤلاء المهاجرين، لم يكن لديهم من المال شيء ولا من الأرض شبر، ولكنهم أصبحوا بعد ثلاثين سنة من أكبر التجار والمتمولين، بحيث برز منهم أكثر من ستين تاجراً، يملك كل منهم بين مائة ألف أكو ومليوني أكو.
وفي الحكايات المتوفرة لدينا، يُذكر أنّ أحد أهالي پاريز([532]) الخواجة كريم الدين البراكوهي الباريزي، كان في أوّل أمره يمتلك بعيراً ينقل عليه البضائع بين بندر عباس ويزد، ثمّ كان في آخر أمره يملك ثروة تقدر بالملايين وأملاكاً لا تحصى، ويذكر محمود المستوفي البافقي أنّ: «هذا الشخص كان من جملة أعيان وأشراف براكوه في كرمان… قدم في أوائل عمره إلى يزد واشتغل فيها بأعمال البيع والشراء فاشترى أملاكاً وبساتين ومزارع ومنازل فخمة لا تعد».
وكان قد وقف بعض أملاكه وداراً للقوافل معروفة في يزد، وتحت هذه الدار مستودع كبير، يُبالغ في حجمه ويذكر أنّه يكفي نصف سكان يزد لسنة كاملة.
ولم يكن الجنوب هو الطريق الوحيد لتصدير الحرير، بل كان يصدر أيضاً عن طريق الشمال وخصوصاً روسيا، وكانت في شمال البلاد مراكز رئيسية لهذه التجارة، فبالإضافة إلى تبريز نشطت أردبيل أيضاً، حيث يقول تاڤرنيه: «جعلت زيارة قبر الشيخ صفي الدين وتجارة حرير گيلان مدينة أردبيل واحدة من أهم المدن الإيرانية، فغالباً ما تمر بها قوافل تجارة الحرير التي تصل إلى ثمانمائة أو تستعمائة بعير، وذلك لمجاورة گيلان لها وقرب شماخي منها، وهي المعروفة بإنتاج الحرير.
وكانت تبريز أهم من أردبيل، وكما يذكر تاڤرنيه فقد: «كان في تبريز عدد كبير من التجار ومقادير وافرة من رؤوس الأموال والبضائع التجارية، لا سيما حرير گيلان والمناطق الأخرى التي كان يحمل إليها. إضافة إلى تجارة الخيول الجيدة والرخيصة التي كانت رائجة فيها. وتتفوق على جميع مناطق آسيا الأخرى بكثرة الأموال المتداولة فيها. ومن بين سكانها عدد من العوائل الأرمنية التي سكنتها واشتغلت بالتجارة فيها، فجنت من ذلك أرباحاً طائلة، وهم يفوقون الإيرانيين في الأعمال التجارية.
كانت تبريز ترتبط بعلاقات تجارية دائمة مع العثمانيين والعرب والگرجيين والهند وموسكو والتتر. وتتميز أسواقها المسقوفة كلها بكثرة البضائع فيها، وفيها أسواق مستقلة لأصحاب الحرف. وفيها عدد كبير من المشتغلين في نسج الحرير يفوق عدد المشتغلين في حرف أخرى، وهم يصنعون أقشمة غاية في الجودة والجمال. وأكثر الجلود التي تستعمل في إيران يتم صنعها في تبريز.
صوف كرمان: إضافة إلى الحرير والبضائع التي كانت تصدر إلى الهند مثل فستق ملاير وقزوين، كانت جلود الخيول والماعز المدبوغة تشكل التجارة الرئيسية للهولنديين وكانت تصدر أيضاً إلى بولندا وروسيا وكان صوف گرمان يشكل أحد أهم الصادرات الإيرانية.
وفي هذا المجال يقول تاڤرنيه: «في سفرتي الثالثة إلى إيران في أواخر عام (1647م ـ 1057هـ) التقيت في أصفهان بأحد الفرس القدماء الذين يعبدون النار. وتحققت منه عن هذا النوع من الصوف (المسمّى في إيران بالكُرْك) فعلمت منه أنّ أصله من كرمان، ففي الجبال المجاورة لكرمان ينمو علف خاص، إذا أكلت منه طوال شهر كانون الثاني تساقط صوفها لوحده دون الحاجة إلى قصة، وتصبح أجسادها عارية كصغار الخنازير، ثم يؤخذ الصوف فيغسل بماء ساخن، ويستخلص منه الصوف الخشن ليبقى الرقيق الناعم، وبعد جمعه يغطى بماء مملح إذا ما أريد نقله من مكان إلى آخر للحيلولة دون فساده.
ولا يُصبغ هذا الصوف مطلقاً، فهو بطبيعته إمّا أن يكون بلون التمر أو رمادياً، ونادراً ما يوجد منه بلون أبيض، وإن وجد فهو غالي الثمن كثيراً لندرته وكثرة الطلب عليه. وعادة ما يستعمله القضاة والعلماء والطلاب كنطاق أو تحت الحنك. ويعتمون به حين الصلاة وفي غيرها يلفونه حول أعناقهم.
تنسج من هذا الصوف في إيران أنواع من اللفافات والأنطقة، ويصنع منه نوع ناعم من الأقمشة الحريرية. وقد حملت في عودتي إلى فرنسا (طاقتين) منه، قدمت إحداهما إلى الملكة والدة الملك (آن دوتريش) والأخرى للمدام لادوشس دورلئان. ولم يتسن لي الذهاب لتجارة الحرير إلاّ في عام (1654م ـ 1065هـ) بعد عودتي من الهند عبر البحر من مدينة سورات إلى هرمز، ذلك لأنّي حين وصلت وأردت السفر إلى أوروبا عن طريق البر، قرّرت حينها الذهاب إلى أصفهان»([533]).
الصادرات الأخرى: من البضائع المهمة الأخرى التي كانت تصدر إلى خارج البلاد، نبات (الروناس) الذي يقول عنه تاڤرنيه: «روناس أسد آباد من نواحي آذربيجان معروف، وهي المنطقة الوحيدة في العالم التي تنتج الروناس. وتزدهر تجارته في إيران والهند، ويستخرج منه اللون الأحمر يزين الأقمشة الهندية والمغولية. وحينما تأتي السفن من الهند إلى هرمز فإنّها تحمل من هذه البضائع ويصبح منظرها ممتعاً. وكذلك تحمل منه بعض القوافل.
يتميز الروناس بسرعة تلوينه، فحينما تحطمت إحدى السفن الهندية في مضيق هرمز وهي محملة بأكياس الروناس وكنت إذ ذاك حاضراً على ساحل البحر رأيت الأمواج تتقاذف الأكياس، واصطبغ الساحل باللون الأحمر لعدّة أيام»([534]).
ويُعد فستق ملاير وقزوين ولوز يزد وكرمان، والزبيب، والمربى، والحمضيات المخللة، والإجاص والعطور من أهم البضائع الأخرى التي كانت تصدر إلى الهند، وكانت فواكه آذربيجان المجففة تصدر إلى ديار بكر وبغداد.
وتباع الإبل في أرمينيا والأناضول. وتصل الأغنام الإيرانية إلى اسطنبول وأدرنه. ولم يمر يوم من شهري آذار ونيسان (أوائل فصل الربيع) إلاّ وشاهدت العديد من قطعان الإغنام، التي لا يقل الواحد منها عن ألف رأس.
وإضافة إلى ذلك كان هناك بعض البضائع التي تستهلك في داخل إيران مثل بعض أنواع الجلود التي تستعمل كثياب، وآنية النحاس والذهب الكاشانية.
وقد شكلت زراعة الخشخاش جزءاً كبيراً من المنتوجات الإيرانية ويذكر شاردن أن ترياك لنجان كان معروفاً أكثر من أي نوع آخر، وكذلك كان أفيون كازرون.
كانت إنتاج التنباك والتبغ يتم في أكثر المناطق الإيرانية، وفي ذلك يقول شاردن أيضاً: «إنّ الجزء الأكبر والنوعيات الأفضل من التبغ المستهلك في الهند إنّما يصدر إليها من إيران».
من الخطوات المهمة التي قام الشاه عباس بها، هي محاربته استعمال الترياك في عام 1005هـ، ولكن ذلك لم ينجح بصورة تامة وقد منع استعمال التبغ والتنباك عام 1028هـ، وكانت أوامره تقضي بجدع أنف من يستعمل التنباك وقطع شفتيه. وأسلوبه في منع المقربين منه من استعمال مثل هذه المواد كان حرياً بالدراسة والتأمل.
ومن الصادرات الأخرى، نبات كان يصدر إلى الهند، ويذكر شاردن، أنّ الهنود يستعملون هذا النبات الذي يعطي رائحة حادة في جميع الأغذية وأنواع الحساء. وثمة نوع من أثمن أنواع الصموغ كان يصدر إلى الخارج أيضاً، وفي كرمان كان هناك معدن تابع لأملاك الدولة يستخرج مرّة كلّ عام ويصرف في الأمور الطبية.
وفي همذان كان القمح والرز رائجاً بكثرة، ويصدر منها إلى سائر الولايات الأخرى، وكان المسيحيون في بابل يقدمون همذان وأصفهان كلّ عام للمتاجرة بهذه البضائع.
من الأمور الأخرى، تراب جزيرة هرمز التي لم يكن ينبت فيها زرع، فقد كان هذا التراب ذا قيمة ويصدر إلى الهند، وكان التجار يربحون منه مائة في المائة. وكذلك كان التجار يحملون من هذه الجزيرة في سفنهم الخالية صخور المرمر، ليصدروه إلى الخارج.
وكان تأخير الحمّامات والبيوت العامة وعيون النفط وإجازة صيد السمك في الأنهار يعود بعائدات كبيرة، وما كان ياتي سنوياً من نهر زاينده رود وحده يتجاوز ألف تومان.
وفي بعض الأحيان كانت الفواكه والمشروبات الإيرانية تصدر إلى الخارج، وكان الصيني المصنوع في كرمان ومشهد ينافس ذلك المصنوع في الصين واليابان. وفي ذلك العصر كانت مناجم الذهب والفضة تسمّى بمناجم الشمس والقمر، ولكنّها لم تكن تحظى باهتمام كبير ولم تستثمر كما ينبغي، وكانت مناجم الفضة المعروفة في كروان وگندمان وشاه كود تعود بمبالغ كبيرة.
وقد تميّز الفولاذ الإيراني بجودته، وكان الرصاص والنحاس يستخرجان من جبال مازندران وكرمان ويزد. أمّا صخور المرمر التبريزي فكانت في غاية الجودة والشفافية حتّى شبهت بالبلور، وينقل عن مدى طراوتها إنّها كانت تقطع بالسكين. وكان الفيروز النيشابوري يعود على الشاه بثروة كبيرة، وأمّا عائدات لؤلؤ البحرين فهي لا تحصى.
الواردات: كانت بعض البضائع والمنتوجات تحظى باهتمام الأعيان والأشراف إضافة إلى البضائع الأخرى التي كانت تستورد للعامة والخاصة، مثل السكر والأقمشة المخملية وأنواع أخرى من المنسوجات وآنية البلور (الآنية الزجاجية) وبعض البضائع الخاصة.
فمن الواردات المهمة، المسك الذي يحمل صفة تجملية. وهو المسك الذي تنتجه غزلان التبت ويجلب إلى إيران عن طريق الهند. وكانت هذه البضاعة من الغلاء والندرة بحيث يجني صانعو المسك المزيف أرباحاً طائلة. وأغلب كميات المسك كانت تستعمل في الأعياد والاحتفالات ومواعيد الزينة.
حظي المسك والعنبر بتعلّق الأغنياء ورغبتهم، وقد أرسل السلطان محمد سليم الأكبر ذات مرّة هدية إلى الشاه عباس عام 1020 كانت عبارة عن: «قنينة مليئة بالعنبر الأشهب زنته ألف وثمانمائة مثقال، وهي مصنوعة من الذهب الأحمر ومطرزة بأنواع الفنون الغريبة التي أبدعها فنانو الهند».
والظاهر أنّ إيران كانت تستورد الجلود والخيول الگرجية من روسيا. وحين أراد الشاه عباس تهنئة السلطان سليم بن جلال الدين بعث سفيره ومعه الهدايا التالية: خمسون جواداً من الأنواع التازية والگرجية والبياتية، ومقادير من الحلل المطرزة بالذهب والمخملية، والعديد من الجلود الروسية، التي تبلغ قيمة كل قطعة منها… توماً وكذلك خمسمائة طاقة من أنواع الأقمشة الخطائية واليزدية والأصفهانية والكاشانية المطرزة بالذهب.
وإضافة إلى ذلك كان هناك بعض البضائع المرغوبة الأخرى مثل الأواني الزجاجية والسيوف والحراب الهندية والبنادق الإسبانية ذات الفتائل، إضافة إلى الساعات الأوروبية التي بدأ تداولها في الشرق بصورة محدودة.
الجمارك: لم تكن الجمارك في العهد الصفوي في وضع تحسد عليه، إلاّ أنّها مع ذلك كانت أحد المصادر المهمة لعائدات الشاه. ففي جمارك الخليج الفارسي، كانت الجمارك التي تؤخذ عن البضائع في حدود 10% من سعرها. ويحدث في بعض الأحيان أن تصل إلى 16% وكان أصحاب البضائع يدفعون للمسؤول عن الميناء 4% أخرى لتعجيل إجازة البضائع.
كانت عائدات الجمارك في ميناءي بندر عباس وگنگ في زمن الشاه عباس الثاني تبلغ 24 ألف تومان. وكان الإنكليز يعفون من جمارك الصادرات والواردات لاشتراكهم مع إيران في السيادة على الخليج، بل كانوا في بعض الأوقات يأخذون قسماً من عائدات الجمارك في ميناء (بندر عباس).
حراسة الطرق: تعتبر المبالغ التي كانت تؤخذ من أصحاب القوافل مقابل حراسة الطرق نوعاً من الضرائب الجمركية، فقد كان يؤخذ عن حمولة كل بعير (4 أكوا)، وتنفق هذه المبالغ في حفظ وحراسة الطرق.
كانت المنافسة شديدة بين إيران والدولة العثمانية وتخلق دائماً مشاكل وصعوبات لمرور البضائع في المناطق الغربية. وحتّى الممثلون السياسيون والتجار الأجانب لم يكونوا يجرؤون على عبور الأراضي العثمانية، فكانوا يضطرون في بعض الأحيان إلى عبور الأراضي الروسية، أو الإبحار عبر البحر الجنوبي وبحر الهند.
وعلى أطراف دجلة كانت هناك قلاع ومخافر جمركية، لاستلام الجمارك من القوارب النهرية، وكان بعض التجار يلجؤون أحياناً إلى إخفاء الأقمشة تحت خشب القوارب، ليهربوها، فيأخذ رجال الجمارك بغرس أسياخهم بين الأخشاب للكشف عن البضائع المهربة.
ويذكر تاڤرنيه أنّ نسبة الجمارك في بغداد والبصرة تصل إلى 5% ولكن رجال الجمارك وحتّى الأمير كانوا يراعون حال التجار، فلم تكن النسبة تتجاوز الـ 4%.
وقد تميز أمير البصرة ببراعته في الحسابات والنفقات، فكان يجتمع لديه سنوياً ثلاثة ملايين ليور، ومصادر دخله الرئيسية كانت عبارة عن: النقد والخيول والإبل وأشجار النخيل، والأخيرة على الخصوص كانت تدر مبالغ طائلة وتشكل المصدر الأساسي لعائداته المالية. حيث توجد أشجار النخيل بكثرة في المناطق التي تمتد من محل التقاء النهرين إلى البحر. ولا يجرؤ أحد من أصحاب النخيل على قطف حبة تمر واحدة قبل أن يدفع الضرائب، وكانت ثلاثة أو أربعة لارن عن كل نخلة (أي ما يعادل 9 سويول فرنسي).
وأمّا عائدات النقد فكان يحصل عليها بإرغام التجار على دفع ما معهم من نقود إلى دارسبك النقود التابعة للأمير لتحويلها إلى عملات اللارن، وكان يتقاضى على هذه العملية 8% من مجموع الأموال. ويستفيد من تجارة الخيول ببيعها بأسعار كبيرة، إذ كانت خيول البصرة أفضل الخيول في العالم.
وكان الهولنديون يأتون إلى البصرة كل عام لشراء التوابل. ويشتري الإنكليز منها الفلفل وسلع أخرى. أمّا تجارة البرتغاليين فقد توقفت بشكل كامل. ويقدم الهنود إلى البصرة لبيع الأقمشة وأنواع أخرى من البضائع التي يشتريها منهم ـ في الغالب ـ تجار اسطنبول وإزمير وحلب ودمشق والقاهرة وسائر الولايات العثمانية الأخرى الذين يتجمعون في البصرة، ويحملون بضائعهم على إبل فتية يشترونها من نفس المدينة، حيث يكثر رجال البادية الذين يجنون أرباحاً كبيرة من بيع الإبل.
يقدم التجار إلى البصرة من ديار بكر والموصل وبغداد وما بين النهرين وآشور، ليتبضعوا منها، ثمّ يحملوا بضائعهم عن طريق نهر دجلة، ولكن نقلها يتم بصعوبة بالغة ونفقات باهظة، إذ ليس هناك من وسيلة لسحب القوارب والسفن إلاّ الإنسان، ومن ثم لم يكونوا يقطعون في اليوم إلاّ مسافة قصيرة نسبياً، حيث تستغرق المسافة بين بغداد والبصرة ستين يوماً وأحياناً ثلاثة أشهر.
وحين سيطر إمام قلي خان على الخليج وهدم قلعة بكرد على ساحل الخليج، أنشأ ميناء أسماه الميناء العباسي (بندر عباس)، ولم يكن دخل الشاه من هذا الميناء يقل عن عشرين ألف تومان سنوياً.
وبعد أن أعطي امتياز هذا الميناء للإنكليز ليأخذوا نصف عائداته الجمركية، عمد أمير الميناء الإيراني إلى الاتفاق مع التجار، فكان يثبت ما قيمته ألف تومان بمائتي تومان (أي خمس قيمته الحقيقية) ولم يكن يسمح للإنكليز أن يفتشوا البضائع، وبذلك كان يلحق الإضرار بهم.
وإضافة إلى ذلك كان يوصل البضائع ليلاً إلى منازل التجار. وذكر شاردن أنّ مقدار عائدات الجمارك في عهد الشاه سلميان كان يصل إلى أربعمائة ألف ليور. وينقل تاڤرنيه أنّ الإنكليز لم يكونوا يحصلون على أكثر من 500 أو 600 تومان من هذه المبالغ.
الدخل والنفقات
ورد في كتب السائحين الأجانب مجموع أموال خزينة الدولة التي تتشكل من دخل الشاه والدولة، وهي تتجمع من عدة موارد. والجدير بالذكر أنّ الدولة لم تكن تتدخل بصورة مباشرة إلاّ في تجارة الحرير والتنباك وما عدا ذلك كان تدخلاً ضئيلاً، يقتصر أحياناً على الخطط الكبيرة التي كان الشاه يضعها.
كانت بعض الولايات والنواحي تعطى كإقطاعيات للأمراء ورؤساء القبائل، ويؤخذ عنها ضرائب ثابتة ومحددة، ويحدث في بعض الأحيان والظروف الاستثائية أن يصدر إعفاء من الضرائب في شأن محدد. وكان الإقطاعيون يأخذون الضرائب من الناس. فإذا كانت الدولة تتمتع بقوة ومركزية كان أسلوبهم ليناً بعض الشيء كما كان الأمر في عهد الشاه عباس. أمّا إذا كانت الحكومة المركزية ضعيفة، فإنّ هؤلاء الإقطاعيين يعاملون الناس بأعنف الأساليب وأقساها، وإضافة إلى ذلك فإنّهم لم يكونوا يرسلون الضرائب إلى مركز البلاد.
وقد سعى وزير الشاه سليمان الشيخ علي زنگنه إلى إعادة النظر في وضع توزيع الأراضي والإقطاعيات، ولكنّه لم ينجح في مساعيه.
وفي تذكرة الملوك ثمة جدول مفصل لضرائب الولايات الإيرانية أعدّه مينورسكي، وحسب هذا الجدول: يكون مجموع عائدات الضرائب الإيرانية 623، 785 توماناً و8809 دنانير، وهذا الرقم مستقى من دوائر تعيين الضرائب في كلّ ولاية والدوائر الخاصّة ودوائر المناجم، ويقترب حساب شاردن من هذا المبلغ، فقد ذكر أنّ المجموع يكون 32,000,000 ليور أي ما يعادل 700,000 تومان.
وكانت نفقات الحكومة تعادل 796، 491 تومان و5700 دينار وطبقاً لهذا الرقم فإنّ مبلغاً كبيراً يوفّر لحساب الخزينة. وقد ورد في تذكرة الملوك جدول مفصل عن رواتب كبار موظفي الدولة.
وفي موضع آخر كتب شاردن مجموع عائدات الدولة، وكانت كما يلي:
عائدات جميع الولايات 12 مليون فرنك.
عائدات الأراضي الخاصة 14 مليون فرنك.
عائدات الجمارك وحراسة الطرق 60 ألف تومان (3 ملايين ليور).
هدايا نوروز 5 إلى 6 مليون ليور.
ضرائب إدخال التنباك 1,5 مليون ليور.
وكان مجموع دخل الشاه حوالي 700 ألف تومان (32 مليون بالعملة الفرنسية)([535]). وقد استمرّ العصر الذهبي للاقتصاد الإيراني حتّى عهد الشاه عباس الثاني، ولم تترك المجازر المتكررة التي ارتكبها الشاه صفي أثراً كبيراً في الأمور الاقتصادية ربّما لأنّها كانت تستهدف بصورة أساسية رجال البلاط والمقربين منه، إضافة إلى أنّ القواعد الأساسية المتينة التي أثبتها الشاه عباس الأوّل كان بإمكانها الصمود فترة طويلة.
وكان الشاه عباس الثاني الذي استمر حكمه 25 سنة وتوفي عام 1077هـ من أفضل الملوك الإيرانيين، بل هو لا يقل شأناً عن الشاه عباس الأوّل. فقد استمرّ بتقصّي خطى أسلافه بإدامة خططهم الاقتصادية، مثل خطة تحويل منبع كارون إلى زاينده رود التي بدأت في عهد الشاه طهماسب وبوشر بتنفيذها في عهد الشاه عباس الأوّل، فقد استمرّ العمل بها في عهد الشاه عباس الثاني. وفكّر عملياً في تنفيذ سد زاينده رود عام 1068. وكان هذا الشاه يطّلع بنفسه على أحوال الناس. ولعل الكثير من القصص التي تنسب إلى الشاه عباس الكبير إنّما كانت في الحقيقة تتعلق بهذا الشاه المصلح الرؤوف. فالكثير من الآثار التاريخية المهمة في أصفهان إنّما يعود بناؤها إلى عهده، مثل البناء المعروف باسم (جهل ستون).
وازدهرت صناعة السفن في بحر الخزر (بحر قزوين) خلال عهده، حيث صنع الإيرانيون العديد من السفن بتشجيع منه، وقد قام ذات مرّة بركوب إحداها وتنزّه بالبحر تشجيعاً لصانعيها.
المركزية القوية: ساهم العديد من العوامل والظروف في ازدهار الاقتصاد الإيراني في عهد الشاه عباس الأوّل، ويأتي بالدرجة الأولى نجاحه في خلق المركزية في الأعمال، وكانت هذه المركزية قد بدأت في زمن الشاه إسماعيل واستمرّت حتّى نهاية الدولة الصوفية ـ وكان الملوك الصفويون يتشددون في تثبيتها غاية التشدّد. فقد روي عن عهد الشاه صفي أنّ حاكمه على قم وكان رجلاً شريفاً قد فرض بعض الضرائب على الفواكه التي تدخل المدينة، من أجل تعمير قلعتها وترميم الجسر فيها إضافة إلى بعض النفقات الأخرى، ولم يطلع الشاه على ما أقدم عليه. فلمّا بلغ الشاه الخبر ثارت ثائرته وأمر بحمله إلى أصفهان مكبلاً بالسلاسل.
الاستقرار السياسي
يأتي الاستقرار في الأمور السياسية الذي لمع الحكام الصفويون في تثبيته كعامل آخر من عوامل نجاحهم في الأمور الاقتصادية، بمعنى الشاه الصفوي ـ وخصوصاً في زمن الشاه عباس وما بعده ـ أصبح مطمئناً للأمور الداخلية ولا يقلقه منها شيء. لا سيما وأنّ فارس وكرمان وقندهار كانت بأيدي حاكمين قويين ففي فارس كان (الله وردي خان) وابنه إمام قليخان اللذين حكما فارس بصورة مستقلة حتّى أواخر عهد الشاه صفي. وفي كرمان حكم گنج علي خان وابنه علي مردان خان، فالأوّل حكم حتّى وفاته عام 1033هـ وحكم الثاني حتّى زمن الشاه صفي، وكان بيده حكم قندهار إضافة إلى كرمان. والغريب أنّ الابنين (إمام قلي خان وعلي مردان خان) قد حلّ عليهما سخط الشاه صفي، فقتل الأوّل بمؤامرة الخوانين القاجاريين، وهرب علي مردان خان إلى الهند وسلّم قندهار لها.
ولم يكن هؤلاء الحكّام يكتفون بإرسال الضرائب إلى الشاه، بل يرسلون سنوياً هدايا كثيرة، فعلى سبيل المثال ذكر بيترو واله أنّ هدايا إمام قلي خان عام 1029هـ كانت أكياس عديدة من نقد الفضة مختومة بخاتمة، وفي كل كيس ما يعادل 12 توماناً، هذا بالإضافة إلى الأشياء الثمينة الأخرى. وحين تقديمها يصطف مجموعة من الشبان على طول الميدان وهم يحملون الهدايا فيضعونها بالتسلسل، وتقدر هداياه من نقد ودواب بعشرين ألف تومان.
وكان هذان الحاكمان اللذان تمتعا طوال فترة حكمهما الطويلة بحكم ذاتي قد خلفا أفضل الآثار في فارس وكرمان، وليس هنا محل تفصيلها.
وكان استمرارهم في تقديم الخدمات حافزاً للحكام على تقديم الخدمات الاجتماعية العامة التي كانت تعود بفائدة اقتصادية، بل حتّى إنّ الأغنياء كان يقتدون بهم في القيام بمثل هذه الأعمال. فمثلاً ينقل تاورنيمه أنّ رجلاً في تبريز أنشأ جسراً بطول 50 قدماً ولم يكن محل لعبور الناس، وأقر هذا الرجل أنّ الدافع الأوّل له هو طلب الجاه، لأنّه كان يعرف أنّ الشاه عباس سيأتي إلى تبريز. وحين وصل الشاه إلى الجسر سأل عن بانيه، وكان الرجل بين المستقبلين فخرج إليه قائلاً: أنا الذي بنيته، وكان هدفي أنّ صاحب الجلالة حينما يشرف تبريز بحضوره سيسأل عمّن بنى الجسر.
وفي آذربيجان تمّ تأمين الطرق والوسائل التجارية بجهود محمد علي بيك الناظر الذي يصفه تاڨرنيه بأنّه: «كان أعف وأقوم رجل عرفته إيران إلى الآن منذ قرون عديدة. وهو رجل ذو همّة عالية»([536]).
تميز وزراء الفترة الذهبية من العصر الصفوي بأنّ أغلبهم كان من الطبقات العادية في المجتمع، وإنّما تمّ اختيارهم لنبوغهم الذاتي وقدراتهم المميزة. ويأتي في مقدمة هؤلاء الوزراء حاتم بيك الأردوباري الذي شغل منصب الوزارة لعشرين سنة ثمّ خلفه ابنه الميرزا أبو طالب لعشر سنين فكانت وزارتهما ثلاثين سنة (أي ما يقارب وزارة الخواجة نظام الملك في عهد السلاجقة). وفي عهد الشاه صفي تعرّضت العائلة الأردوبارية إلى البطش والقمع، وكان عليمردان، حاكم قندهار صهراً لهذه العائلة، فاضطر إلى تسليم قندهار للهند، ولجأ هو إليها.
وكان سارو نقي ابن خباز، فنال منصب الوزارة بجدارته في عهد الشاه صفي.
الدراسة والتخطيط: كان في حوزة أصفهان مجموعة من الهيئات العلمية والتحقيقية المنظمة لإبداء الآراء بشأن الإصلاحات الداخلية في إيران، وطرح الإجراءات اللازمة حين الاستشارة ولم نجد في تواريخنا إشارة إلى مثل هذا المركز، ولكن حينما نعرف أنّ الحروب المستمرة كانت تبقي الشاه بعيداً عن عاصمته لفترات طويلة، حتّى في زمن الشاه عباس، فإنّ من غير الممكن أن تتم كلّ هذه الإصلاحات دون وجود مركز للدراسة والتخطيط.
بالإضافة إلى العلماء الكبار الذين كانوا يرافقون الشاه في كلّ مكان في أعماله الاجتماعية والاقتصادية (مثل الشيخ البهائي والميرداماد وأمثالهما) كان هناك أشخاص متخصصون ومطّلعون في مراكز مهمة فمثلاً كان يرافق تاڨرنيه (السائح المعروف) مترجم يجيد التحدّث بلغات أجنبية.
وقد كان بعض المتخصصين يديرون الأعمال والشؤون الاقتصادية فمثلاً: «كان الميرزا إبراهيم الناظر يجمع من ضرائب آذربيجان ما يعادل عائدات خان تبريز، وقد أبدع بمهارته في إيجاد مصادر جديدة للضرائب لم يسبقه إليها أحد من المتقدمين عليه في عمله. ويذكر تاڨرنيه أنّه كان يبحث كثيراً في مختلف العلوم… وقد درس الرياضيات والفلسفة على برگابريل دوشينيون خلال أوقات المرح والتسلية».
وفي المحافل الصفوية كان يشترك أشخاص من مختلف بقاع الأرض، حيث يذكر تاڨرنيه في هذا المجال قائلاً: «أحصيت عدد اللغات التي يتكلمون بها في المحفل الرسمي فوجدتها ثلاث عشر لغة هي: اللاتينية، الفرنسية، الألمانية، الإنكليزية، الهولندية، الإيطالية، البرتغالية، الفارسية، التركية، العربية، الهندية، الشامية المالائية»([537]).
وفي البلاط كانت تجمع شتى أنواع المعلومات عن مختلف مناطق البلاد. وفي نفس الوقت فإنّ جميع الولايات الإيرانية تستمر في دراساتها وجمع معلوماتها الخاصّة. وفي عبوره من تبريز يتحدّث شاردن عن لقائه بأحد مأموري الدولة واسمه رستم بيك، فيقول: «أراني رستم بيك خرائط ولاية آذربيجان التي صممها ورسمها حديثاً، وأجازني باستنساخها، وكذلك أراني خريطة مسطحة للعالم رسمها بنفسه وطبعت في أوروبا، وقد بيّن لي الأخطاء العديدة الموجودة فيها».
المهندس الفرنسي: سعى الشاه عباس الثاني للاستعانة بالمهندسين الفرنسيين في تحويل مياه نهر زاينده رود. وفي ذلك يقول نديم الملك: «كان أمير الديوان وهو من الأشخاص المهمين في الدولة والمالكين لثروات كبيرة يحاول دائماً ترغيب الشاه عباس الثاني على هذا الأمر [تحويل مياه نهر كارون إلى نهر زاينده رود] وكان رأي أمير الديوان أن يقام سد على مجرى نهر كارون للحيلولة دون ذهاب الماء إلى خوزستان وشوشتر، ومن ثمّ يرتفع سطح الماء فيتجه نحو زاينده رود. ولكنّه لم يجن نفعاً كبيراً من مشروعه هذا، وأنفقت المبالغ الكبيرة في المشروع دون طائل. ثمّ سعى الصدر الأعظم محمد بيك بتشجيع من مهندس فرنسي متطوع إلى إحداث نفق في الجبل بواسطة البارود، لإيجاد منفذ للمياه، فلم يكن أفضل حظاً من صاحبه، وراحت الأموال الطائلة أدراج الرياح.
ميزانية الدراسات: ربما لم ينل الشعراء حصة كبيرة من العطاء في العصر الذهبي الصفوي، ولكن الملوك الصفويين وخصوصاً الشاه عباس كانوا يحرصون على تقريب الفنانين والمبدعين. فمثلاً كان أفضل المهندسين والمعماريين والفنانين يوجدون في جهاز الشاه عباس. وقد سعى للترفيه عن رجاله الخلاقين ومن ثمّ لم يتوان على بذل الأموال في هذه المجالات. فقد ورد عنه ما يلي:
«أمر الشاه عباس بتدوين كتاب شاهنامة الفردوسي. ودفع نقداً ثلاثة آلاف تومان على أن يدفع الباقي وكان (ستين) ألف تومان بعد الإتمام (أي تكون قيمة السطر تومان واحد). فكتب مير عماد ثلاثة آلاف بيت وبعث بها إلى الشاه مطالباً إياه بالمبلغ المقرر، فغضب الشاه وقال: لا أريد أن أعاملك بمثل ما عامل به السلطان محمود الغزنوي الشاعر الفردوسي. فعمد المير عماد إلى بيع ما كتبه بمبلغ تومان واحد عن كلّ سطر، ثمّ أرجع مال الشاه».
ورداً على ذلك شجّع الشاه الخطاط المعاصر لمير عماد وهو علي رضا العباسي وكان تشجيعه بأن يأخذ الشمعدان بيده، ويجلس إلى جانبه ليستطيع الكتابة على ضوء الشمعدان.
ومن خلال ما قدمنا ندرك مدى ازدهار الدراسات والتحقيقات العلمية التي تشكل المرتكز الأساسي للنمو الاقتصادي، الذي كان من علاماته إنفاق أربعين ألف تومان لبناء مسجد الشاه، وكذلك إعطاء الشاه عباس مبلغ 50 ألف تومان بين نقد ومتاع لندر محمد خان الأوزبكي ليتمكن من استعادة ملكه الموروث في أزبكستان (أي إنّ المساعدات الخارجية كانت جارية آنذاك) وأيضاً من علامات هذا النمو والرفاه الاقتصادي جلب خريطة (جهل ستون) من الصين.
الضرائب والنفقات: تدخل عائدات الشاه تحت إشراف الناظر العام الذي كان مسؤولاً عن خزانة الدولة ونفقات القصر والقائمين على الموائد والثياب، وتوزيع رواتب الخدم والموظفين ونفقات السفراء وسكنهم، وكانت هذه الأموال تدفع إلى الأشخاص بواسطة الحوالات، وأمّا ما يدفع إلى الخزانة بصورة مباشرة فكان في الغالب من الأموال العينية، وقلّما يرسل النقد إلى الخزانة الشاهية. وهكذا كان حال عوائد الدولة حيث تستلم كحوالات ثمّ تقسم بين الجند والموظفين والقضاة والخدم ويشرف المستوفون على دفع الحوالات، ويستلم كلّ شخص من هذه الحوالات حسب مكانته ومقررات ذلك العصر. وكانت السنة المالية تبتدأ في اعتدال الخريف (أي أوّله).
وإضافة إلى الضرائب الاعتيادية، كان الناس يدفعون مبالغ من المال لموظفي الدولة، مثل: رئيس الشرطة وجباة الضرائب والوزير وغيرهم.
ولم تكن الضرائب ثابتة، بل كانت تتغير حسب ظروف البلاد وسياسة الدولة. فمثلاً كانت ضرائب محلة جلفا في عهد الشاه عباس الكبير تسعة آلاف فرنك فقط، ثمّ أصبحت في زمن خليفته ثلاثة عشر ألف فرنك وتدرجت حتّى أصبحت ألفي بيستول (20 ألف فرنك)، وكانت هذه الضرائب تتعلق بنفقات حذاء، أم الشاه. وفي زمن شاردن (أي في عهد الشاه عباس الثاني) بلغت 5 آلاف بيستول، ثمّ زيد عليه بعد الشاه عباس الثاني مبلغ 50 ألف أكوا. وكانت هذه الضرائب تحمّل أهل المنطقة ما لا يطيقون.
كان نفوذ الصدر الأعظم والناظر في تنافس دائم وتذبذب مستمر، ويحدث في بعض الأحيان أن يفوق أحدهما صاحبه في نفوذه وصلاحياته، وذلك لتفوقه في السيطرة على الأمور المالية. ومن الطبيعي أن يتنافسا في هذا المجال. ففي زمن الشاه عباس الثاني كان الناظر مطّلعاً على الكثير من الأمور التي كان الصدر الأعظم جاهلاً بها.
لا شك أنّ الدخل الكبير لخزانة الدولة والشاه كان نتيجة طبيعية لمستوى الرفاه العام وعائدات التجارة الواسعة. وقد تحدث السائحون الأجانب كثيراً عن تطوّر التجارة وتوسعها. فقد كانت الأسواق الكثيرة في كلّ مدينة مليئة بالبضائع والسلع المتنوعة. وعلى سبيل المثال وصف تاڨرنيه مدينة يزد المتوسطة المساحة بقوله: «… فيها عدّة أسواق مسقوفة. وهي مليئة بدكاكين التجار وذوي الحرف والأمتعة والبضائع».
ولسنا بحاجة للأطناب في الحديث عن أسواق العاصمة أصفهان، تلك المدينة التي قال عنها شاردن إنّها بحجم مدينة لندن ويسكنها مليون نسمة. فقد كانت كثرة الأسواق دليلاً على الازدهار الاقتصادي العجيب. ولا يزال موجوداً إلى الآن العديد من أسواق العهد الصفوي. وفهرست هذه الأسواق موجود في الكتاب القيّم للآثار التاريخية في أصفهان من تأليف السيّد عباس البهشتيان. وقد ذكر أسماء الأسواق كالآتي:
سوق الصيران (بني في زمن الشاه إسماعيل) سوق ألاقا، سوق (گلشن)، سوق (دروازه أشرف)، سوق (منجم باشي)، سوق القيصرية (بناء شاه عباس الكبير)، سوق دار الشفا، سوق الحلويات، سوق نسج القبعات، سوق الصائغين (سوق الذهب)، سوق صناعة البنادق والسيوف، سوق الصفارين، سوق القناديل، سوق الحدادين، سوق الإسكافيين (سوق الأحذية)، سوق الصباغين، السوق الشاهي، سوق عليقلي آقا، سوق مقصود بيك، سوق حبيب الله خان وغيرها من الأسواق الأخرى.
وقد ورد الحديث عن أسواق كثيرة في كتب الرحلات، لا مجال لذكرها كلّها هنا، ولكن نورد بعضها على سبيل المثال، ففي أصفهان كانت محلة السيّد أحمد تضمّ أربعة أسواق، وفي محلة طوقجي أربعة أسواق، وفي دشت سوقان وكان في محلة نيليگر أربعة أسواق. وقد تحدّث شاردن عن أسواق أصفهان فذكر منها 241 سوقاً كان من بينها سوق الصناديق، سوق السراجين، سوق الخراطة، سوق التطريز (تطريز الملابس بالذهب والفضة)، سوق صناعة النراجيل (الأركيلة)، سوق بيع الأقواس والنبال، سوق جلود الخيول، سوق صياغة الذهب وبيع المجوهرات، سوق صناعة المرايا، وأسواق غيرها.
كان ميدان الشاه أهم مركز للمعاملات، وقد تحوّل بالتدريج إلى ما يشبه البورصة التجارية. إضافة إلى البائعين المنتشرين بكثرة في أطرافه.
ويقول شاردن: يسَّر الشاه عباس الكبير أعمال التجارة بإنشائه لميدان الشاه… وقد أمر بتجمّع بائعي السلع المتشابهة في أماكن محددة، ممّا أوجد تفرّعات عديدة.
كانت طليعة الدكاكين هي سوق الصحّافين حيث يوجد فيها بائعو الأقلام والورق وسائر لوازم التحرير الأخرى. وفي يوم الجمعة تقع القرعة على أحد تجار سوق الصحافين ليبقى وحده في هذا اليوم، فيستطيع بذلك بيع بضاعته في هذا اليوم بما يعادل بيع شهر كامل.
وكانت الضرائب التي تجبى من التجار وأصحاب المحلات أهم مصدر من مصادر الدخل. وإضافة إلى هؤلاء كان العمال وأصحاب الحرف يدفعون بدورهم ضرائب للدولة.
كانت ضرائب طبقات الحرفيين تتناسب مع نوع حرفهم، ويعين لكلّ نوع من الحرف مسؤول عنها.
وقد ذُكر أنّ معدل الدخل السنوي للعامل كان يتراوح بين تومانين و55 تومان مع الأكل. وإضافة إلى ذلك كان بعض العمال يتقاضون إضافات ومؤن.
أنواع الضرائب: تفاوتت ضرائب الحرف والصناعات من زمن إلى آخر، وربّما صدر في بعض الأحيان الإعفاء منها. وفي مسجد الشاه في أصفهان ثمة أمر تاريخي أصدره الشاه عباس يعفي بموجبه الكثير من أرباب الحرف من دفع الضرائب. ومثل هذه الأوامر (الفرامين) موجودة في أكثر المدن، حين تنقش على صخرة وتثبت على جدران الميادين والمساجد. وقد ثبت بعض هذه الفرامين في ميدان كنج علي خان في كرمان وكذلك في مسجد قائن. وهناك أمر يُعفى بموجبه سادات شيراز من جميع الضرائب التي يُعددها بالتفصيل.
ويذكر شاردن أنّ مقادير الجزية التي كانت تؤخذ وفقاً لتعاليم الإسلام كانت في حدود مثقال ذهب عن كلّ شخص.
الإعفاء من الضرائب: في بعض الأحيان كانت الأوامر الصادرة تقضي بالإعفاء من الضرائب في مناسبات معينة. فمثلاً: «أعفى الشاه طهماسب عام 971 جميع الولايات الإيرانية من الضرائب، وكان مقدارها ثلاثين ألف تومان» وكذلك خفّف الشاه عباس عام 1007هـ من الضرائب ما يعادل مائة ألف تومان عراقي. وفي عام 1020هـ أعفى زارعي الأملاك الديوانية عن دفع العشر. وقام الشاه عباس الثاني عام 1060هـ بتخفيف ثلاثمائة ألف تومان عن الولايات الإيرانية.
تحصيل الضرائب: كانت جباية الضرائب تتم عن طريق الشرطة والجباة، وكان الجباة يتقاضون الحوالات، وإذا لم يكن لدى مؤدّي الضريبة مالاً حاضراً فإنّه يدفع عن كلّ أسبوع تأخير نصف بالمائة (0,5%) ومن الطبيعي أنّ الحوالات التي كانت تقطع مسافة ثلاثمائة أو أربعمائة فرسخ حتّى تصل العاصمة لم تكن تسلم من التلاعبات، ففي بعض الأحيان كانت تصل إلى ربع قيمتها الحقيقية.
ولم تكن المستحقات الديوانية التي يبعثها حكام الولايات تسير على وتيرة واحدة، بل كانت تتذبذب بين هبوط وارتفاع. ولم تكن كذلك دائماً بل يحدث أن يتشدد القائمون عليها، كما فعل (ملك الملوك) جلال الدين محمود حاكم سيستان في زمن الشاه عباس الأوّل، حيث طالب بجميع المستحقات الديوانية، قديمها وجديدها، وثارت ثائرته فضرب الخازن مير مظفر الذي كان مشهوراً بخدمته العريقة لسلالة الملوك حتّى قتله، وقتل غلامه القديم مير سام، وألقى بخازنه علي خان في نهر هرمند حتّى هلك، وانتزع من حسين الشاهي ـ الذي كان آباؤه يعملون عند الملك حيدر جد ملك الملوك جلال الدين ـ جميع أبنائه وباعهم استيفاء للمبالغ المجهولة المصير، فمات هذا غماً وكمداً. وهناك نماذج أخرى كثيرة من هذا القبيل لا مجال لذكرها هنا.
وثمة رواية تذكر أنّ الخواجة كريم الدين الباريزي سافر إلى العاصمة من أجل (5 شاهي) أخذت منه أكثر من الضريبة المقررة، والتقى بالشاه عباس الثاني وتحدّث معه عن ثرواته، فسأله الشاه: وهل تملك الكيمياء (المركبات السحرية)؟ قال: نعم، ولكن مركباتي هي الحمص والعدس والقمح والشعير وسائر المحصولات الزراعية. فأنعم عليه الشاه والملفت للنظر رأي شاردن ومقارنته بين الإيرانيين في ذلك العصر وسائر الشعوب الأخرى، حيث يقول: «… ورغم ذلك فليس هناك دولة أقل ضغطاً على شعبها في الضرائب والخراج من هذه الدولة (إيران) حيث أغلب الأطعمة والمؤمن الضرورية معفاة من الضرائب».
النقد: تميز النقد الإيراني بالثبات في عهد الشاه عباس، وعن ذلك كتب الأستاذ فلسفي تحقيقات مهمة، فيما يلي خلاصتها: «كانت العملات المتداولة من الذهب والفضة والنحاس، والعملة الإيرانية التي تسمّى بالعباسي كانت في البدء تضرب من الفضة وهي في حدود مثقال واحد (4,64 غرام). ونصف العباس يعادل مائة دينار، والشاهي الواحد يعادل 50 ديناراً، ويعادل أيضاً 2,5 بيتي ويعادل الـ (غاز بيگي) عشر الشاهي.
وكانت الخمسون عباسياً تسمّى تومان، الذي يعادل عشرة آلاف دينار. ويحدث أحياناً أن تصك في بعض المدن عملات ذات قيمة منخفضة.
لم تكن العملات الذهبية تصل إلى متناول الناس إلاّ نادراً، ويمنع حملها إلى خارج البلاد بأمر من الشاه عباس. وكان صك النقود يتم تحت إشراف (مُعير الممالك). وكان وزن العملة الذهبية في عهد الشاه إسماعيل 0,744 مثقالاً، وفي عهد السلطان محمد خدابنده مثقالاً واحداً، ثمّ أصبح في عهد الشاه عباس الكبير 1,67 مثقال([538]).
لم يكن الأسلوب المتبع في صك النقود يتعدّى الأساليب البدائية حيث كان المعدن يقطع إلى قطع متساوية في الوزن بواسطة مقص خاص لتقطيع المعادن، ثمّ تؤخذ كلّ قطعة بالماسكة والمطرقة لتحويلها إلى قطعة مستديرة. ثمّ دخلت الكابسة تدريجياً، فأصبح من الممكن تقطيع الدوائر بصورة مباشرة.
كان الأشرفي يعادل ثلاثة أرباع المثقال، ولكن العملة الأساسية هي العباسي الذي يعادل 4,64 غرام([539]).
عادة ما كان الشاه يوكل أمر دوائر صك النقود إلى أشخاص معينين، فيجني هؤلاء أرباحاً طائلة من ذلك. «وكان هناك أبعمائة عامل يشتغلون يومياً في تسع دوائر لسكّ النقود، ويتقاضون ما بين خمسمائة إلى سبعمائة تومان»([540]).
ومن خلال مقارنة العملات المتداولة في ذلك العصر، يمكن الحصول على الأرقام التالية، مع مراعاة عين ما جاء في الكتب القديمة.
60 ألف أكو = 4 آلاف تومان.
9000 فرنك = 200 تومان.
1 أكو = 3 إلى 6 ليور.
900 أو 800 ليور = 18 تومان تقريباً.
30 روبية = تومان واحد.
عباسي (فضة) = 4,64 غرام.
45 سو = 10 شاهي.
نصف عباسي = 100 دينار.
تومان = 10000 دينار.
15 ألف أكو = 1000 تومان.
15 أكو = تومان واحد = 50 عباسي.
455 ليور = تومان واحد (؟).
400 ليور = 9 تومان.
3 عباس وشاهي واحد = أكثر من أكو واحد.
2 مسو = نصف شاهي.
عباسي = 200 دينار.
50 عباسي = تومان واحد.
300 تومان = 13500 ليور.
2000 بيستول = 20 ألف فرنك.
40 تومان (كيلي) = 200 تومان تبريزي.
دينار واحد = 12/1 سو.
وكان الألف الدينار يعادل مائة تومان تبريزي.
الرواتب: من المناسب أن نذكر بعض المعلومات بشأن رواتب ذلك العصر، ليتسنى لنا معرفة قيمة المال عصرئذٍ.
كانت الرواتب السنوية للوزراء 823 تومان، وراتب قائد الألف (مين باشي) 400 تومان.
وكان حاكم أصفهان يتقاضى راتباً قدره ثلاثمائة تومان أي ما يعادل 13500 ليور، وراتب كلّ واحد من الصدور (صدر العامة وصدر الخاصة) ألفي تومان (30 ألف أكو)، ولكن عائداتهما كانت تبلغ 60 ألف أكو.
وكانت رواتب الجنود 200 فرنك والمراتب 400 فرنك، ولكن استلام هذه الرواتب لم يكن سهلاً، لأنّهم كانوا يستلمونها على شكل حوالات ممّا يضطرهم في بعض الأحيان إلى التخلي عن ربع رواتبهم كرشوة إلى موظف الرواتب ليدفعها لهم.
وفي الأعمال العامة: كانت أجرة الطبيب للمرة الأولى 10 شاهي، ثم 5 شاهي عن كلّ زيارة.
وأمّا أجرة الفصد فهي 2 سو وأجرة الحلاقة 2 سو أيضاً. وكانت أجرة الفتيات اللواتي يعملن في الحرم السلطاني تتراوح بين 250 فرنك إلى ثلاثة آلاف أكو، والأجرة العادية هي 2500 ليور.
كانت رواتب الجنود الموظفين في قلعة طبرك تتراوح بين 300 و500 فرنك، وفي هذه القلعة كان هناك حوالي 1000 جندي يتواجدون بصورة مستمرة. وراتب فرسان الجيش 400 ليور، وراتب قائد حملة البنادق ألف تومان. وكان في عهد الشاه سليمان ما يقارب الثمانين ألف مقاتل في مختلف الولايات.
ولم يكن راتب الغلام يتجاوز الثمانية أو التسعة تومانات، ونصف هذا المبلغ يعطى لحملة البنادق، أمّا عمال المعامل الحكومية فكانت رواتبهم 800 أكو إضافة إلى استلامهم بعض المؤن، وقد كان للشاه حوالي 32 معملاً، يعمل في كلّ واحد منها 150 عاملاً.
ومن المناصب المهمة في العصر الصفوي، منصب المنجم، لا سيما في عهد الشاه عباس الثاني، حيث يذكر شاردن أنّ راتب الميرزا شفيع المنجم كان مائة ألف ليور، وراتب ابنه ـ خليفته من بعده (50 ألف ليور). وينقل شاردن أيضاً عن رواتب المنجمين أنّه: «جاء أحد المنجمين إلى الشاه عباس الثاني (1071) يشتكي قلة عطائه، وكان خمسين ألف ليور. إذ كان بعض المنجمين يتقاضون 120 ألف ليور، غير الهدايا التي كان تعطى لهم في مناسبة ودون مناسبة».
القوة الشرائية: نرى من المناسب أن نذكر إحصاء كتبه شاردن لنتعرّف على القوّة الشرائية للمال في ذلك العصر، وكان إحصاؤه متعلقاً بمعاملات تمّت في مقهى على طريق خارجي، ومن الطبيعي أن تكون الأسعار فيها أعلى بعض الشيء عن الأسعار الطبيعية، يقول شاردن: «في عام (1669م ـ 1080هـ) حسبت أسعار بعض المواد لخدمي في الفندق فكانت كالآتي: نصف كيلو شعير = دينار ونصف، الخبز 4 دنانير، لحم الغنم الجيد = شاهي واحد، الدجاجة = 2 شاهي، وستة دنانير، والديك الرومي = 4 شاهي.
وفي عام 1028هـ (عهد الشاه عباس الأوّل تمّ شراء ثمانية آلاف خروار (300 كغم) من الغلال في سيستان بألف تومان. وقبل عهد الشاه طهماسب جلب شخص من ولاية أصفهان عدّة خروارات (وزن الخروار = 300 كغم) من القمح والرز إلى قصبة نظنز، وكانت أسعارها كالآتي: المن التبريزي الواحد من الرز = 80 دينار تبريزي، ونفس الوزن من القمح بسعر 40 دينار، وكان الناس يقبلون برغبة على الشراء». وكان الشاه إسماعيل الثاني قد «حدد سعر المن من القمح بعشرين دينار، ومثله من الرز بأربعين دينار».
ومن الطبيعي أنّ الأسعار لم تكن ثابتة على مرّ الزمن، فمثلاً يقول الشاه حسين (حوالي 1014هـ): «اشتريت ألفي (خروار) من الغلال (600 طن) بقيمة 500 دينار لكل (خروار) من وكلاء گنجعلي خان الذي كان حاكماً قبل ذلك العام بسنة، ولم يمض أكثر من ثلاثة أشهر حتّى ارتفعت أسعارها إلى ثلاثة آلاف دينار لكل خروار».
وقبل حكومة الشاه عباس بفترة قصيرة «كان سعر (خروار) الغلال في قهستان توماناً واحداً، وخروار قهستان يعادل نصف خروار سيستان». وفي القحط الذي ألم بهرات في أوائل العصر الصفوي «كان إذا جيء بخروار قمح من الولايات إلى هرات، بادر الأغنياء إلى شرائه بستة آلاف دينار تبريزي».
منع خروج النقد: من الأعمال المهمة التي تنسب إلى الشاه عباس أنّه «منع إخراج النقود الذهبية من إيران».
وقد قام الشاه عباس بأكبر خطوة لدعم أسعار العملات الصعبة والحفاظ عليها، تلك الخطوة التي لم يحدث أن عمل بها بصورة جدية طوال التاريخ الإيراني، اللهم إلاّ في زمن الشاه رضا البهلوي.
ويقول شاردن أنّ أكثر عائدات الـ (زر گرباشي) كانت من ضرائب الذهب والفضة الذين يخرجان من البلاد، حيث يشرف هو على جمع هذه الضرائب، فيأخذ 5% من قيمة الذهب والفضة.
استمر العمل بأوامر الشاه عباس القاضية بمنع إخراج الذهب من البلاد حتّى نهاية العصر العباسي. لكن يحدث أحياناً بعض الخرق لها، فمثلاً يقول اعتماد الدولة لطف علي خان (في عهد الشاه السلطان حسين) في محاكمته في معرض بيانه لفساد الأمور:
«إنّ أعدائي الذين كان دخلهم أكثر منّي لم يكونوا يدخرون مداخلهم، ولم يحتفظوا بها في داخل البلاد، فعلى الرغم من أوامر الشاه عباس الكبير القاضية بعدم إخراج دينار ذهب واحد من البلاد، كان هؤلاء يرسلون كل عام قُطُراً من الإبل المحملة بالذهب والفضة تحت عنوان النذور لمكة والمدينة».
لعل من المناسب أن نعرض الآن إلى دراسة تأثير العامل الاقتصادي على الشؤون الاجتماعية والسياسية في الإمبراطورية الصفوية.
خزائن المذهب والفضة: أخذت خزائن الملوك الصفويين تمتلأ بالتدريج بكنوز الضرائب التي تتجمع من أطراف الدولة التي تمتد أضلاعها الأربعة من نهر جيحون إلى قندهار ومن البصرة إلى گرجستان وساهم الهدوء والاستقرار النسبيين في الاستغناء عن القوات العسكرية ـ إلى حد ما ـ ومن ثم في زيادة عائدات الخزينة يوماً بعد آخر. ولم يكن إنفاق هذه العائدات الضخمة يتم بصورة طبيعية ممّا كان يجر على البلاد التضخم الاقتصادي.
يقول شاردن: «خزينة الشاه في حقيقتها حفرة لا نهاية لها، لأنّ كلّ شيء يدخلها يختفي ولا يظهر منه إلاّ النزر القليل. إذ يندر أن ينفق من هذه الخزينة شيء إلاّ في مورد الهدايا التي كان يبذلها الشاه في مجلسه».
وقد أحدث عدم التوازن في العائدات والتقسيم غير المناسب للثروات، واكتناز أموال وأملاك لا تحصى من قبل رجال الدولة ورجال الدين وقادة الجيش، أحدث شرخاً عميقاً بين الطبقات المختلفة في المجتمع. فالأموال التي كانت تنفق في بداية العصر الصفوي والفترة الأولى من عهد الشاه عباس على الحروب الخارجية أو إقامة الجسور والسدود وإنشاء المشاريع العمرانية أصبحت تدخل خزائن أسر معدودة، أو تنفق على شراء المجوهرات والسلع الثمينة والأشياء الكمالية التي حلّت محل الشدّة والخشونة. فمثلاً يقول شاردن: «كان الجند يتقاضون حوالات أفضل في زمن الشاه عباس الكبير، ولكنّهم الآن لا يتقاضون مثلها، لأنّ الدولة لم تعد في حاجة إليهم… وقد رأيت بنفسي العديد من مراتب الجيش لم يتسلموا حقوقهم منذ سنتين.
وإزاء هذه الأوضاع، كانت الأمور الجمالية والكمالية تحوز على أكبر مقدار ممكن من الثروة والاقتصاد. فعلى سبيل المثال يتحدّث شاردن الذي كان تاجر مجوهرات عن معاملة دارت بينه وبين البلاط ويقول: «في عام 1077هـ أمر الشاه عباس الثاني بدفع مبلغ 50 ألف أكو ثمناً للمجوهرات التي بعته إياها. وكان متعارفاً على دفع عُشر المبلغ الذي يُستلم من الخزينة كضريبة، إلاّ إذا عفا الشاه المستلم منها… وفي خزانة الشاه شاهدت حجراً من الياقوت بنصف حجم بيضة الدجاج، وهي أجمل جوهرة رأيتها في حياتي. وقد نقش في أعلاها اسم الشيخ صفي، وشاهدت أيضاً بعض اللآلئ بزنة عشرة أو إثني عشر قيراطاً، وأحجاراً من الألماس تزن الواحدة 50 إلى 100 قيراط، وأمّا مقادير الذهب والفضة فهي لا تعد ولا تحصى.
النفقات التجملية: كانت نفقات المطبخ في البيت الشاهي الصغير في حدود ثلاثة ملايين، ونفقات المعامل والقاعات الفنية أربعة ملايين، ونفقات المنازل 10 ملايين، ودار الحريم أربعة ملايين وفي مثل إيراني تعليق على نفقات الشاه: «ينفق الشاه ألف تومان يومياً ويستلم ألف ومائتين».
وقد زار شاردن خزانة من خزائن الشاه واطلع على ما فيها، وكتب عنها: «رأيت في غرفة واحدة أكداساً من الأكياس المليئة بالنقود تصل حتّى سقفها، وقد قدّرت عددها بثلاثة آلاف كيس، في كل كيس 50 توماناً. وقد قيل لي إنّ هذا هو حال الغرف الأخرى. وتبلغ مساحة الخزانة أربعين قدماً مربعاً، وكان خازنها هو السيد كافور. وثمة خزائن وصناديق مقفلة ومختومة، ولا يملك كافور مفاتيحها، بل هي معلقة في عنق الشاه.
ويقول في موضع آخر: «تعادل عائدات الشاه وحده عائدات جميع الناس في البلاد، وتزداد هذه العائدات يوماً بعد آخر عن طريق المصادرات المستمرة». وهكذا انتقل الملوك والأمراء الصفويون من الصحارى القاحلة التي كانوا يتعقبون فيها على خيولهم ـ قوات الأوزبك والأتراك، ويضطرون إلى أكل خبزهم على ظهور خيولهم إلى الحياة في القصور الفخمة حيث تبسط أمامهم آنية من الصيني الأخضر الذي تقدر القطعة الواحدة منه بخمسمائة أكو، وينقل عن بعض الروايات أنّ هذا النوع من الصيني يكشف عن وجود السم بتغيّر لونه. وكانت آنية طعام الشاه في 1077هـ تقدر بـ 32 إلى 50 مليون تومان. ويذكر شاردن أنّه: «بذل 12 ألف فرنك للحصول على صحن من أخت الشاه الفقيد (عمة الشاه سليمان)». وفي موضع آخر يذكر أنّ جميع آنية المطبخ مطرزة بالذهب ومطعمة بالجواهر. وينقل عن المشرف على شؤون المطبخ أنّ فيه أربعة آلاف قطعة من الأواني والصحون وآلات الموائد كلّها مطعمة بالذهب والجواهر. وتبلغ قيمتها أكثر من مليون.
وقد قدّرت مجوهرات أخت الشاه عباس الثاني (عمّة الشاه سليمان وزوجة المجتهد الأعظم) بأربعين ألف تومان. وقد ابتاع شاردن منها صينية واحدة من الذهب بزنة ستمائة أونصة.
وفي عهد الشاه عباس الثاني كان هناك أشخاص تبلغ عائداتهم السنوية من 25 إلى 30 ألف ليور. فمثلاً كان دخل الميرزا رضي، أحد المقربين من الشاه حوالي 50 ألف أكو، وفي سقف قصره الخاص أنواع عديدة من العاج والأخشاب المعطرة الثمينة والرخام الأبيض. ولم يكن تقسيم الثروات يتم وفق أسلوب محدد، ففي الظروف الاستثنائية التي تحصل لبعض الأشخاص يمكن أن يرتفعوا من الفقر إلى الغنى الفاحش أو ينزلوا من طبقة الأغنياء إلى طبقة المتسولين فجأة ودون تمهيد. ويقول شاردن إنّه رأى في أصفهان خياط عباءات يؤجر العباءة بعملتين، ثمّ تدرّج في جمع المال حتّى ملك أكثر من مليون.
وقد استمرت مراسيم الاحتفال بزواج الابن الأكبر للشاه سليمان من ابنة صاحب الديوان 14 يوماً، وأنفق فيها أربعمائة ألف ليرة.
وكان عرش الشاه مرصعاً كلّه بالجواهر، وتبلغ قيمة المجوهرات التي تزيّن جسم الشاه عدّة ملايين، وتكلل قبعات الأمراء ورجال البلاط مجوهرات، تبلغ قيمة بعضها عدّة ملايين فرنك. وأمّا إبريق الشاه سليمان فكان مصنوعاً من الذهب الخالص المرصع، وكذلك كان قدحه.
وفي عام (1666م ـ 1077هـ) وحده استخدم لمشرب الشاه فقط أكثر من خمسين ألف منٍّ من شراب العنب.
ومن خلال المقارنة بين حكام وأمراء عهد الشاه عباس الأوّل (الذين لبث بعضهم في الوزارة لمدّة ثلاثين عاماً مثل الله وردي خان وابنه وگنجعلي خان وابنه) مع حكّام وأمراء الشاه عباس الثاني الذين كانوا في تغيّر مستمر، ندرك عدم استقرار الأوضاع والفساد والرشوة المتفشيين في ذلك العهد. وقد بادر الشاه عباس الثاني إلى خلع علي قلي خان من منصبه وحبسه في الموت وخلع ابن أخيه بيجن خان من تبريز وأخاه عيسى حاكم خراسان وميراب العاصمة وحبسه في الموت، ونفى اعتماد الدولة محمد بيك إلى قم بشرط أن لا يحلق شعره ولا يدخل الحمام ولا يعاشر أحداً، وقام بعزل حاكم مرو قور خمس خان، وعزل رئيس شرطة أصفهان وسمل عيني صاحب الديوان أغور لوبيك، وعزل حيدر بيك الأشيك آقاسي، وقتل المير فتاح والميرزا تقي اعتماد الدولة وجاني خان، وعزل حاكم أرومية گنجعلي خان وحاكم أيروان محمد قلي خان ووزير فارس الميرزا هادي وقائد خراسان سبحا نقلي خان وحاكم الدورق السلطان شاهوردي، وحبس حاكم أردبيل نظر علي خان وقام بعقوبات أخرى كثيرة إلاّ أنّها ـ كلّها ـ لم تكن تجدي نفعاً، ذلك لأنّه ـ ذاته ـ كان مشغولاً بالترف والزينة ومحباً للتجملات، ومن الطبيعي أنّ الناس على دين ملوكهم فلم يكن القادة والأمراء ينؤون بأنفسهم عمّا كان يقوم به شاههم وقدوتهم.
وقد كان الشاه عباس الثاني محباً للصيد ومعاشرة النساء، وكانت أعمال الصيد تتمّ غالباً في حضور (مخدرات العصمة) وفي رحلة صيد واحدة تمّ صيد 14 ألف حيوان.
وبستان الشاه المعروف بـ (باغ طاووس)، على ضفاف نهر زاينده رود يعدّ من أكثر البساتين إنفاقاً وكلفة. ووصل به الأمر أنّ «أمر بصنع قلائد مرصعة وسلاسل من ذهب لأسوده، وإعداد كسوة لها مطرزة بالذهب».
وعن الأثاث الموجود في بستان الجنائن الثمانية (باغ هشت بهشت) يقول شاردن إنّه رأى غرفة في هذا البستان كان فيها لحاف يقدّر لوحده بألف أكو وهو مصنوع من جلد السمور، وكذلك كانت الأسرة مصنوعة من جلد السمور. وقد أتمّ الشاه سليمان قاعة (هشت بهشت) بخمسين ألف أكو، هذا عدا عن أثاثها.
الفرق بين تتويجين: قدّر شاردن قيمة التاج والسيف والخنجر المرصع، في مناسبة تتويج الشاه سليمان بأكثر من مائة ألف تومان (5 ملايين ليور)، وثمَّن بعض قطع الألماس المستعملة في ثياب الشاه بين 200 إلى 300 ألف ليور. وكانت الأسرة كلّها مطرزة بالذهب، والمصابيح من ذهب وكلّ واحد منها بزنة 4,5 مِنْ، وكانت الشمعدانات أعلى وأثقل من المصابيح، وكان العرش كلّه من ذهب مطعم بالياقوت والزمرد. ويحمله شخصان في عسر.
وممّا يبعث على الاعتبار البون بين تتويج الشاه سليمان والشاه إسماعيل الأوّل، فحين فتح الأخير هرات، جلس على عرش متواضع كان قد أمر بصنعه.
من الطبيعي أنّ العرش الذي جلس عليه الشاه إسماعيل لم يكن من ذهب، لأنّه لم يكن لديه الوقت الكافي والنفقة اللازمة لصنع عرش من ذهب، إذ كان آنذاك قد عاد لتوّه من حرب الأوزبك، ولكن ما لا يقبل الشك أن الركائز الذهبية لعرش الشاه سليمان لم تكن أكثر ثباتاً من الركائز العادية للشاه إسماعيل.
كان في خزانة الشاه سليمان (في طبرك) ما يشبه البيدر من أكداس الفيروز، وفيها أكياس جلد مليئة بالذهب، وزن كل كيس منها 45 إلى 50 ليور (يعادل كل ليور نصف كيلو). وأكثر الأواني وحتّى السطول (جمع سطل) والقدور كانت من ذهب، وكان بعضها يجهد الشخص حمله. وكانت بندقية الشاه مرصعة بالجواهر وكذلك كان قوسه وريشات سهامه. وفي دار ضيافة الشاه، كان هناك 12 جواداً مربوطة تحت أشجار البستان، كان أزمتها من حرير وما عليها من سروج مرصعة بالذهب، وحتّى معلفها كان من الذهب الخالص. وكذلك كان السطل والمطرقة وسائر لوازم الخيول كلّها من الذهب.
وبدلاً من أن ينصب تنافس الأمراء والصدور والوزراء على أعمال الخير وتحسين الأوضاع الاجتماعية للشعب، تركز على إحداث القصور والبساتين الكبيرة، واكتناز الثروات من الطرق اللامشروعة وشيئاً فشيئاً أخذت تظهر قصور فخمة مثل قصر (سعادت آباد) الذي كان محيطه أكثر من فرسخ، وكان طول حوض الماء لوحده ربع فرسخ، وقد غطيت حافاته بالرخام. والجدير بالذكر أنّ هذا المكان كان متعلقاً بالزردشتية الذين تمّ إخراجهم من (گبْر آباد) في أصفهان عام 1070هـ وسمّي المكان بعد ذلك بـ (سعادت آباد)، وأعطي الزردشتيون أرضاً بالقرب من جولا».
وقد ذكر شاردن أنّ أعنة وأزمّة جياد الأغنياء كانت مطعمة بالجواهر والذهب والفضة. وكان دار الحريم يسبح بسيول من العطور والروائح الطيبة، فقد كانت النساء غارقات في أنواع التجملات والزينة التي لا حد لها، وقد وقفن وجودهن على التفنن في هذا المجال، دون أن يحملن هم تلك النفقات الطائلة.
وكان طول قاعة استقبال صدر الخاصة ـ زوج أخت الشاه عباس الثاني ـ ثمانين قدماً، وسقفها من الخشب المرصع. أمّا شرفات صالة (هشت بهشت) فكانت من الخشب المطعم بالذهب، وسقفها من أحجار الرخام، وأطرها من الفضة وبابها مزيّن بالذهب واللاجورد.
وكان سقف قصر أحد تجار المجوهرات في أصفهان واسمه يور عبدالله من الخشب المرصع بالجوهر والعاج والأحجار الكريمة النادرة، وحوض القصر من صخور الرخام، وأغلب سجاده من الحرير، وكانت الوسائد كلّها مطرزة بالذهب والفضة، أمّا الأسرة فهي مذهبة ومن صنع الهند، وكذلك كانت الأفرشة. ويقال إنّ هذا التاجر كان يملك مليوني (ليور) وقد ضغط عليه الشاه ذات مرّة فاضطره إلى دفع ثلاث قطع من المجوهرات، قيمة كل واحدة منها 500 ألف ليور.
ولا يزال في أصفهان إلى الآن منازل قديمة من العهد الصفوي، وإن كان أصحابها أناساً عاديين، فإنّها تبدو مزينة بزخارف ونقوش الجص، والمدافئ المزينة بالذهب، وكذلك حال سقفها. وإذا كان هذا الأمر يدلل على الرفاهية الاقتصادية التي كان يعيشها السكان آنذاك، فإنّها ـ في الوقت ذاته ـ تشير إلى الحب الكبير للتجملات والزينة.
وحتّى قبل بضع سنين كان في محلة جلفا، مقابل مسجد الحاج محمد جعفر ثمة منزل، يبدو أنّه منزل (النعلبند باشي) في العصر الصفوي ويحتوي هذا المنزل في الطاقات المرتفعة لإحدى غرفه على رسوم لا نظير لها، وخطوط جميلة على أقمشة خاصة، بحيث تعتبر لوحدها متحفاً متكاملاً. وتتعلق الصور بمير فندرسكي والشيخ العطار، وبايزيد البسطامي وإبراهيم أدهم وجلال الدين الرومي وشمس التبريزي والشاه نعمة الله ولي والشيخ البهائي والشيخ صفي الدين الأردبيلي، وكلها بطول متر ونصف وعرض متر واحد وعليها إمضاء الرسام رجب علي.
والمقصود أنّه إذا كان (النعلباشي) ـ صانع أحذية الخيول ـ الذي يبدو من الصور المثبتة في منزله أنّه كان درويشاً صوفياً، قد وصل به الحال إلى توريث أبنائه مثل هذا المنزل، فإنّنا نستطيع تقدير الازدهار الاقتصادي في ذلك العصر. على أنّه لا ينبغي أن نغفل حقيقة، وهي أنّ صاحب هذه الوظيفة ملزم بمرافقة الشاه في حروبه للإشراف على أحذية الدواب ومراقبتها، ومن ثمّ فإنّه حين يتفرّغ لسنوات للإشراف على العمال والبنائين والرسامين والنقاشين وغيرهم فإنّنا نحتمل من وراء ذلك احتمالين لا ثالث لهما، الاحتمال الأوّل: أن تكون الحروب والفتوحات والتقدّم العسكري قد انقطع خبرها وصدأت السيوف في أغمادها.
وإمّا أن يكون النعلبند باشي قد توسع عمله كثيراً بحيث أخذ يستعين بالخَدَمة والمساعدين والموظفين. وعلى أيّة حال تبقى النتيجة واحدة، وهي: الميل الشديد إلى الرفاهية والراحة والتجملات والإسراف وبالتالي انعدام التوزيع العادل للثروات، وعدم استثمارها وإنفاقها في الموارد الصحيحة. وذلك من أهم عوامل سقوط المجتمعات.
ومن المعروف أنّ فتوحات العصر الصفوي الأوّل جعلت الثروات تتقاطر على أصفهان والمدن الإيرانية الأخرى. وبدلاً من أن تنفق هذه الثروات في المجالات العامة التي تخدم عامة الشعب، أنفقت على رواتب وعطايا رجالات الدولة وقادتها، فأصبح كل منهم يملك ثروات طائلة، ومن الطبيعي أنّ هذه الثروات كانت تدفعهم إلى طلب أسباب الرفاهية والانشغال بالزينة والترف بدلاً من انشغالهم بالبطولات والخطط العمرانية.
المسك والعنبر: كان المسك والعنبر يشكلان جزءاً من الواردات المهمة في ذلك العصر، حيث يستعملها الرجال والنساء، على حد سواء. والمعروف أنّ المسك كان يجلب من الصين والتبت.
ومن الواردات المهمة الأخرى لإيران، جلود السمور الثمينة، التي يستعملها الأعيان والأشراف. يقول شاردن أنّ قيمة كلّ قطعة من تلك الجلود تعادل 500 بيستول.
وكان الشاه يتلقى دائماً هدايا ثمينة ونادرة، فكان الأمراء الروس ـ مثلاً ـ يرسلون له أنواع من صقور الصيد، وجلوداً ثمينة، تتراوح قيمتها بين 50 ألف ومائة ألف روبل ذهب.
ومن الطبيعي أنّ الروس كانوا يجنون من هداياهم تلك أرباحاً طائلة، فمثلاً قدم التجار الروس عام (1664م ـ 1075هـ في عهد الشاه عباس الثاني) إلى بلاط الشاه يحملون بعض الهدايا وأهمها جلود السمور فأجازهم الشاه في التجارة داخل أصفهان، فباعوا فيها أكثر من ثمانين ألف تومان من الجلود، إضافة إلى ما كان يدفعه الشاه من نفقاتهم اليومية، وهم 400 تاجر، فكان يدفع 10 تومانات يومياً.
بعث الشاه سليمان إلى البلاط العثماني بهدايا كبيرة كانت عبارة عن: إبريق صيني من الذهب، 31 طولاً من الذهب، 27 طَوْلاً من المخمل، 18 طاقة من الشال الإيراني، وتسعة من الشال الكشميري، 9 أطوال من الأندلس، 18 سجادة إيرانية، 45 بعيراً، 500 كيس من المسك، وسيف واحد مرصع ودرع مرصع أيضاً و37 قوساً وفيل واحد.
ورث الشاه سليمان عرشاً متزلزلاً عن الشاه عباس الثاني في 1078هـ، ولبث ملكاً ثلاثين سنة. وقد جاء حكمه في عصر مضطرب لا أمان فيه، حيث انقسمت الحاشية ورجال البلاط إلى قسمين كبيرين، ناصره أحدهما، وناصر القسم الثاني أخاه الميرزا حمزة، وفي آخر المطاف كانت الغلبة للقسم الأوّل، فاعتلى الميرزا صفي (شاه سليمان فيما بعد) العرش، وكان قد أخرج من السجن.
وكان فيه علة فأشار المنجمون عليه أن يجدد مراسم تتويجه ويغير اسمه، فأقيمت هذه المراسم في قصر (جهل ستون) ودعا له الملا محمد باقر الخراساني، وخاطبه باسم سليمان.وعلى الرغم من أنّ المدعوين إلى المراسم قد أكلوا بآنية من ذهب إلاّ أنّ المشكلة الاقتصادية الأولى ظهرت في السنة الثانية من عهده وهي نقص المواد الغذائية ومشكلة «سياسة الخبز»، ففي عام 1078هـ بلغ غلاء الخبز حدّاً لا يطاق. فقد تعرّض نصف المحصول للجراد. ولم تكن العقوبات سارية، وكان المأمورون لا يؤدّون وظائفهم كما ينبغي، فكان المحتسب يأخذ الرشوة من التجار ليشتري منهم المحصول بالسعر الذي يرغبون، وكان السعر باهظاً، ويزيد على ما كان عليه في زمن الشاه عباس الثاني بثلاثة أرباع الضعف.
ومن أجل معالجة هذه الأزمة، لجأ مستشار الشاه سليمان علي قلي خان إلى الضغط على أهالي أصفهان وتغريمهم مائة ألف أكو، وبعد جهد جهيد ودفع عشرة آلاف ليور، خفّف غرامتهم إلى الثلثين. وقد شاع الغلاء والاضطراب وعمّ المرض والبلاء سائر المدن الإيرانية.
ثمّ ازداد الحال سوءاً في السنة التالية، وفرغت خزانة الدولة تماماً، ولم يصل ثلث ضرائب الولايات. وزادت الرشوة عن الحد المعقول.
لم يكن الشاه عباس الكبير يتوانى عن توفير مستلزمات الأمن الحقيقي للأجانب والأقليات، في سبيل ازدهار التجارة. ولكن الأمر تغيّر تماماً في عهد الشاه عباس الثاني، فمثلاً اتُّهم الهنود بأنّهم يلجؤون إلى الرشوة في الدعاوى، فأخذ محمد صالح بن حكيم سيفاء الكاشي من جماعة الهنود ألف تومان غصباً، وبعد جهد جهيد وتدخل العلماء تمّ إرجاعها.
وكانت رواتب رجال الدولة تؤمن من العمال وعامة الناس، فعلى سبيل المثال كان أمير الصيد يتقاضى مبلغ ثمانمائة تومان كمستحقات وإقطاعات وغيرها.
ولم يكن الإرتشاء يقتصر على صغار الموظفين بل نفذ إلى كبار رجال الدولة، فمثلاً زار ممثل التجارة الهولندية هربردولرس الشاه سليمان واستطاع كسب ود ومساعدة (التفنگدار باشي) فإعطائه ساعة من فضة وخمسين أكو ذهباً، فنال امتيازات للتجارة في بندر عباس. وحين اطلع الوكيل الإنكليزي على الأمر قدم على الشاه وعالج الأمر معه مستعيناً بنفسه (التفتگدار باشي) على الأمر، فكانت موافقة الشاه على طلب الوكيل الإنكليزي كموافقته على طلب نظيره الهولندي فأعطى الإنكليزي قطعة من المجوهرات وثلاثين دوكا من الذهب (كل 2 دوكا = نصف ليرة) للتفنگدار باشي رشوة له.
وأيضاً قدم وكيل الشركة الفرنسية نيكلا كلود دلالن إلى إيران بعد وفاة الشاه عباس الثاني، فالتقى بالشاه سليمان وقدم له هدية كانت عبارة عن مرآة ذات إطار من ذهب مطلي ظهره بالمينا ومرصع من الإمام بالجواهر، إضافة إلى زوج من الغدارات (مسدسات قديمة كبيرة الحجم) وأسد صغير من الذهب واللآلئ، وقدم بعدها طلبه بإبقاء امتيازاته السابقة، فقبل الشاه.
وهكذا يمكن القول إنّ الاقتصاد الصفوي القوي أخذ يتضعضع ويدب الضعف والوهن في هيكله أثر تساهل الملوك وظلم رجالهم وارتشائهم وعدم جدارتهم للمناصب التي يتولونها، ومن الطبيعي أنّ هذه الأمراض الاقتصادية كانت تستتبع أمراضاً اجتماعية وسياسية في الحكومة الصفوية.
وإزاء تلك التجملات والمظاهر آنذاك، كان ثمة أمر ملفت للنظر وهو أنّه منذ اعتلاء الشاه سليمان العرش وما تلاه لم يلتفت أحد إلى الاهتمام بالبنية الدفاعية لإيران، وكأنّ القائمين على الأمور لم يلتفتوا إلى كيفية ظهور دولتهم وأنّها لم تأت لوحدها.
الجيش الجائع: وهكذا بلغ الاهتمام بشؤون القوات من الضعف وعدم المبالاة حدّاً كبيراً، وقد وصفه سائح زار إيران في عهد الشاه سليمان وكتب في مذكراته عام 1104هـ ـ أي بعد سبعة وعشرين سنة من حكومة الشاه سليمان ـ قائلاً: «إنّ وضع إعطاء الحقوق لأفراد الجيش غير جيد، حيث تدفع حقوقهم في حوالات ليتقاضوها من الأراضي والقرى التي يسيطر عليها الشاه. وترى الوزراء القائمين على دفع رواتب الجند يضطرون المجاميع من هؤلاء إلى السعي وراء استلام رواتبهم من بلد إلى آخر، وحتّى يقطعوا في بعض الأحيان أكثر من ثلاثمائة فرسخ».
ويضيف هذا السائح (سانسون) قائلاً: «وقد تعلم الوزراء جيداً سبل الحساب، بحيث إذا حدث أن تقاضى أحد الجند ثلثي راتبه فقد أحرز نجاحاً كبيراً». هكذا كان وضع جند الشاه الذي «كانت كل أوانيه من ذهب» و«يملك أعداداً كبيرة من الفيلة والأسود والنمور مزينة كلها بسلاسل من ذهب ومربوطة إلى أوتاد من ذهب أيضاً، وإزاء كل واحد من هذه الحيوانات كانوا يضعون طستين ذهبيين، واحد للأكل والآخر للشرب… وفي القصر 18 جواداً من أفضل أنواع الجياد، وكل سروجها وزينتها من الذهب المرصع بالياقوت والألماس الشفاف. ولكي يكون ثمة تنوّع كان يستخدم في سرج إحداها ألماس فقط وفي السرج الثاني زمرد وفي الثالث ياقوت بنفسجي وفي الرابع ياقوت أزرق وفي الخامس لآلئ كبيرة… وهكذا، ويشاهد بين هذه الجياد في بعض الأحيان مجموعة من الحمر الوحشية. وينقل أنّ أحد المبشرين المسيحيين الإسبانيين ضحك حينما شاهد منظر تلك الحمر. فسأله أحدهم: ما يضحكك؟ قال: أضحك لحال الحمير في إسبانيا كم هي مسكينة ومحملة ما لا تطيق، ولحالها هنا!…
فقال الرجل (وهو من رجال الدولة): السبب في ذلك أنّ الحمار الوحشي متوفر في إسبانيا بكثرة، بينما يندر وجوده عندنا، ومن ثم نعتز به ونعرف قيمته».
والجدير بالذكر أنّ أكثر الجنود الذين تحدّثنا عنهم كانوا يحملون عنوان الجندية للراتب وحسب، وقد ذكر شاردن ذلك: «كان في عصر الشاه سليمان من جند الولايات الذين يتقاضون رواتب ثمانون ألف جندي، ولكن حين الضرورة لم يكن يجتمع منهم ممّن يستفاد منه أكثر من عشرة آلاف جندي»، وإضافة إلى ذلك فقد حُلَّ فوج المدفعية في عهد الشاه عباس الثاني بعد أن كان يضم 12 ألف مقاتل وكان عدد الجنود الأشاوس في عهد الشاه عباس الكبير 120 ألف، بينما نرى أنّ الشاه عباس الثاني يعترف حين يستعرض قواته قائلاً: بأنّ المشرفين على الاستعراض مرّروا كل سلاح وجواد ومجموعة جند من أمامه عدّة مرّأت ليبرزوا الجيش أكبر من حجمه الطبيعي».
وكان حال الشاه سليمان الصفوي حالاً لا يحسد عليها، حيث أمضى السنوات السبع الأخيرة من عمره جليس الدار لعلة مزمنة كانت ملمة به.
الوزير المُجِد: تولّى منصب الوزارة في عهد الشاه سليمان لفترة قصيرة (1086ـ1101هـ) وزير مُجِد نسبياً، ولكن جِدّه واجتهاده لم يثمرا إذ كانت أجهزة الدولة قد نُخرت وتآكلت. وهذا الوزير هو الشيخ علي خان زنگنه الذي سعى إلى الاحتفاظ باستقلاله عن الشاه. وكان أبوه أمير الاصطبل الشاهي. وقد «شغل منصب الوزارة الخاصة بعد أن كان حاكماً على كرمنشاه. وبقي في منصب الوزارة لسنوات متمتعاً بالاستقلالية، وقد أفلح في إعادة النظام الكامل إلى الولايات المحروسة… وكان من حيث الاسقلال وزير الشاه اعتماد الدولة لخمس عشرة سنة… وفي عام 1101هـ رحل إلى جوار رحمة ربه»([541]).
«وكان الشيخ علي خان يتنكر بغير لباسه ويطوف ليلاً في المحلات ليطلع على أحوال البلاد وأوضاع العباد، ويتصدّق على الفقراء والضعفاء وطلاب العلوم والأيتام. وقد أقام الحمامات الجيدة في المدينة وفي الطرق المؤدية إلى العتبات المقدسة».
وقد أفلح هذا الوزير إلى حد ما في الحفاظ على شخصيته وكان يؤيد إجراء الإصلاحات الإدارية في البلاد، ويعتقد أنّ النظام البيروقراطي كفيل بتدمير البلاد، ومن ثم كان يريد إحداث ثورة إدارية.
وقد ضرب الشيخ علي خان ذات مرّة كاتباً بالفلقة، لأنّه كتب عرائض ضباط المدفعية بأسلوب معقد، ملتو، يستعصي فهمه، مع إقحام المجاملات المفرطة. فقال له: للصدر الأعظم في البلاد أعمال مهمة كثيرة، ولا وقت لديه ليوقفه على كشف رموز كتاباتك… اكتب عرائض الناس وحاجاتهم بأسلوب سهل وواضح، وإلاّ أمرت بقطع يديك([542]).
وكان الشيخ علي خان يميل في التجارة الخارجية وإقامة العلاقات الودية مع الآخرين إلى تحسين العلاقة مع روسيا، ومن ثم لم يكن الهولنديون والإنكليز والبرتغاليون يرغبون فيه. وقد كان يقول: «موسكو جارتنا وصديقتنا، وترتبط معنا بعلاقات تجارية قديمة». ومن هنا كان يستقبل سفيرها قبل السفراء الآخرين. وقد قال ذات مرّة لممثل الشركة الشرقية([543]). بكل شدّة وصراحة:
«لا بد أن تكون أنت الذي تدفع الإنكليز باستمرار على الإلحاح في طلباتهم، وتلقي في كلّ يوم ذراعين من القماش الأحمر على كتف أحدهم وتبعث به سفيراً إلينا. لقد ردت إيران إلى الآن الخدمة التي قدمتها إنكلترا بألف خدمة، ثمّ لسنا الذين خرقوا الاتفاق للمرّة الأولى، ومن ثمّ لنا الحق أن نعتبر هذا الاتفاق لاغياً».
وهكذا سعى إلى إعادة مياه البلاد إلى مجاريها، ولكن ـ كما قال البيهقي ـ لم يفلح في مساعيه، على الرغم من نشاطه الدؤوب. وكانت الدولة الصفوية في عهده كأنّها دار قد أضيئت([544]).
ولكن لا يعني أنّ هذا الوزير لم يكن قبل ذلك العهد (في زمن الشاه عباس الأوّل) يتورع عن إعمال نفوذه في غير المواقع المناسبة من ذلك: «حين اقترح المهندس الفرنسي تحويل مياه كوهرنك إلى زاينده رود، بادر الصدر الأعظم (وكان آنذاك حاكماً على كرمانشاه) إلى منع تنفيذ هذه الخطة، إذ كان يملك إقطاعات كبيرة في كردستان وهمدان وكرمنشاه وينوي بيع محصولاتها في أسواق أصفهان. وكان لهذا الرجل نفوذ كبير بحيث استطاع ترجيح مصالحه الشخصية على مصالح الدولة. فقد أقنع الشاه بأنّ مياه كوهرنك فاسدة وملوثة، وهي تفسد نهر زاينده رود الذي هو المصدر الوحيد لماء الشرب في خراسان. وأيّده في رأيه سائر الأمراء. وهكذا دفنت خطة المهندس الفرنسي في مهدها. ولم يكن أولئك المتنفذون يفكرون بالسبل الكفيلة في جلب الرفاهية للمجتمع.
الشكاوى: كانت العدالة ومتابعة شكاوى الناس أمراً غامضاً. يقول سانسون: لم يكن بمقدور الناس في إيران أن يقدموا شكاواهم إلى شخص الشاه أبداً. اللهم إلاّ في بعض الحالات حينما يكون الشاه خارجاً للنزهة على جواده أو يمر في بعض الشوارع.
وقد كنّا نسمع من آبائنا وكبار السن، أنّ الناس ـآنذاك ـ إذا أرادوا أن تكون شكاواهم مثمرة لم يجدوا وقتاً مناسباً لتقديمها أفضل من ساعة خروج الشاه من قصره، حيث يرتمي صاحب العريضة أمام قوائم جواده ويقدّم عريضته، وحينذاك يكون من الممكن أن تؤخذ الشكوى بجدية. ولكن كيف كان عبور الشاه وخروجه من قصره؟
في البداية «يسير أربعمائة من حملة البنادق في سماطين على جانبي مسير الشاه، وقد حملوا على أكتافهم بنادقهم بحمائل حريرية حمراء. يتبعهم الضباط وأرباب المناصب على ظهور جيادهم، ثمّ يتقدّم حراس الشاه المسلحون، ثمّ مجموعة أخرى من حملة السيوف، ومجموعة غيرها من حملة الأقواس والنبال، ويأتي بعد هؤلاء الرئيس العام للبلاط يليه الرئيس العام للبيوت السلطانية وأمير الإسطبل وصاحب المائدة الشاهية، كل في مجموعة من موظفيه، ثمّ يتقدّم عدد من الجياد الأصيلة ذات السروج والزينة الثمينة، يتبعها عدد من أصحاب المناصب الصوفية (القزلباش) وفراشي البلاط وكلّهم مسلحون بفؤوس القتال. ويتقدّم بعدهم صاحب الضيافة الذي يقدّم السفراء الأجانب بين يدي الشاه، يتبعه أربعة من وجهاء الأمراء الذين يفتخرون بالإشراف على خدمة الشاه، ومن خلفهم يتقدّم رئيس التشريفات، مراقباً عدم وجود عقبة في طريق الشاه. ويأتي بعده ولدان القصر على جيادهم في حلل فاخرة، ثمّ يليهم حامل المظلة والمسؤول في حلل فاخرة، ثمّ يليهم حامل المظلة والمسؤول عن تحضير غليون الشاه، فإذا ما أراد الشاه غليونه أو احتاج إلى ظل دفع المظلة أو الغليون إلى أحد الصبيان ليحمله بدوره إلى الشاه. وقبل الشاه بمسافة قصيرة يظهر الخواجة الأوّل في دار الحريم وهو الخواجة الأكثر احتراماً في الدار ومعه إثنا عشر فراشاً. وأخيراً يطل صاحب الجلالة بطلعته»([545]).
وفي مثل هذه الحال لا يكون وصول ذلك الفلاح الذي قدم إلى أصفهان حاملاً شكواه أسهل من وصول فلاح ـ مثلاً ـ إلى مبنى الأمم المتحدة في أيامنا هذه. وكم كان البون شاسعاً بين طريقة معالجة شؤون الناس ومتابعة شكاواهم هذه وبين طريقة الشاه عباس الأوّل حينما كان يتنكر في الليالي بلباس الدراويش ويذهب إلى المقاهي ليسمع أوضاع الناس من أفواههم، وليطلع على حال الفقراء والعاجزين بنفسه، أو يتستر ويذهب إلى كرمان خلسة للنظر في شكوى الزرادشتيين.
التهريب: رأى العديد من الناس في الأعمال اللامشروعة مصدراً أسهل وأفضل من الأعمال المشروعة، وخصوصاً الأرمن الذين لجؤوا في مثل تلك الظروف إلى القيام بأعمال التهريب. وهكذا تحول التجار الأرمن الحاذقون في أعمالهم خلال عهد الشاه عباس الأوّل إلى ثلة مهربين يحملون السبائك إلى الهند عن طريق البصرة، وكان لديهم في البصرة ذات مرة ذخائر من المال تبلغ ثمانية آلاف أشرفي، وكان مقرراً أن يخرجها سفير هولندا معه في سفينته.
وكما قال إن إخراج الأموال من البلاد كان ممنوعاً لا سيما في عهد الشاه عباس الأوّل. ولكن هذا الأمر تغيّر فيما بعد، فحين منع مأمور جمارك بندر عباس مبلغاً كبيراً من المال من الخروج كان يحمله رئيس الشركة التجارية الهندية (مونت فره Mr. Mont Ferre) وجمد المال لديه، أصدر الشاه أمره بإطلاق المال والسماح لصاحبه بإخراجه معه.
نفوذ خواجات القصر: في مثل هذه الظروف آل التحكّم في شؤون البلاد إلى خواجات القصر. وقد تعرّض سانسون لذلك بقوله: «كانت إدارة أمور البلاد بيد أحد خواجات دار الحريم، وهو الخواجة المحترم الذي ينتخب من بين الأمراء أميراً لخلافة الشاه… وكانت خزانة الشاه توكل إلى أحد خواجات دار الحريم، وكذلك كانت جميع الأشياء الثمينة التي تقدم إلى الشاه تسلم إلى هذا الخواجة. والسبب في اعتماد الشاه على الخواجات، هو أنّ هؤلاء ليس لهم في الحياة شيء، إضافة إلى أنّ الشاه هو وريثهم الوحيد، بمعنى لو أنّ أحدهم جمع لنفسه ثروة، فإنّ هذه الثروة ستعود إلى خزانة الشاه. وفي أثناء الظروف والأزمات المالية الصعبة التي تلم بالبلاد، لم يكن يُبت بأمر دون استشارة الخواجة المستحفظ على خزانة الشاه.
وبالتدريج أخذ الغلمان الگرجيون في هذه الأيام العديد من المناصب الكبيرة والمهمة في البلاد، وأمّا أولئك الذين لم يتسن لهم الاشتغال في المناصب الحكومية فهم يعيشون بصورة دائمة في قصورة ضيافة الشاه حيث هناك أماكن مخصصة لهم، وينفق عليهم من خزانة الشاه ويتمتعون بجميع الامتيازات المخصصة لضيوف الشاه.
وفي الواقع فإنّ تغلغل الأتراك في الدولة العباسية واحتلالهم مناصب مهمة في بلاط الخلفاء العباسيين تكرر في زمن الصفويين ولكن على أيدي الگرجيين، وكما استأصل الأتراك وجود العباسيين في آخر المطاف كذلك فعل الگرجيون مع الصفويين كما سنرى في تسببهم بإسقاط الدولة الصفوية.
ولم يكن الزرادشتيون وأرمن جلفا والقزلباش وحدهم الذين تخلوا عن نصرة الشاه الصفوي في الفترات الأخيرة، بل كان عموم المسلمين لا يكنون المودة للحكومة الصفوية. وكذلك كان جيران إيران من الأتراك العثمانيين إلى الروس والهنود بالإضافة إلى بعض الأوروبيين مثل الهولنديين. أمّا الأوزبك فكان عداؤهم لإيران في غايته، فقد «كانوا إذا رجع فارس منهم من ميدان الحرب ولم يجلب معه من دماء الإيرانيين هدية لزوجته، كي تشربه نخب سلامته، فإنّها لن تفرح بعودته ولن تحتفل بها، بل ولا تمكنه من نفسها».
لعل من أخطر الأمور التي تدفن رؤوس الأموال هي انعدام الأمن. وقد ظهرت أولى إمارات عدم الأمن بعد موت الشاه عباس الأوّل مباشرة في عام 1042هـ أي في عهد الشاه صفي حيث هاجمت السفن الروسية سواحل بحر قزوين في سبيل الاستيلاء على سفن وبضائع التجار. وفي الوقت ذاته كان في گيلان شخص قد أعلن نفسه ملكاً وتجمع حوله ثلاثون ألف شخص.
وفي عام (1665م ـ 1076هـ) أي في السنة الأخيرة من عهد الشاه عباس الثاني والأولى من عهد الشاه سليمان، سيطرت طوائف القوزاق مرّة أخرى على گيلان ومازندران. وكان عددهم 6 آلاف شخص يُرافقهم ثمانون مدفعاً وتحملهم أربعون سفينة، واستولوا أيضاً على رشت ونهبوها ثمّ عادوا أدراجهم، وكان الروس من وراء حملتهم هذه.
وفي عام (1669م ـ 1080هـ) أي في عهد الشاه سليمان قام خمسة آلاف من القوزاق والأتراك والأوزبك باعتداء على إيران. والظاهر أنّ أوضاع الشمال لم تكن مستقرة في أكثر تلك السنين.
الأوضاع المالية
من خلال نظرة إجمالية إلى الأوضاع المالية في ذلك العصر (ومع ملاحظة انخفاض قيمة النقد) يمكن أن نرى بعض الأمور: ففي عام (1665م ـ 1076هـ) كانت عائدات فارس خمسين ألف تومان، ولكنّها انخفضت في عام (1667م ـ 1078هـ) ثمانية آلاف تومان. أي إنّ عائدات ناحية معينة من نواحي البلاد انخفضت ثمانية آلاف تومان في غضون سنتين بين زمن الشاه عباس الثاني وزمن الشاه سليمان.
وفي عهد الشاه سليمان كانت العوائد الرئيسية لإيران تأتي من جمارك الخليج الفارسي وگيلان. ولم تكن تجارة الحرير قد فقدت رواجها. وقد أُجِّرت جمارك الخليج الفارسي في بندر عباس وميناء كنك وميناء ريك وجزيرة البحرين بمبلغ خمسة وستين ألف تومان (مليونان وتسعمائة وخمسة وعشرون ليور). وكانت جمارك گيلان تدر على الشاه سنوياً حوالي ثمانين ألف تومان (ثلاثة ملايين وستمائة ألف ليور) وهي عائدات الحرير. وتبلغ عائدات جمرك التنباك مليونين وخمسمائة ألف ليور، وجمرك زيت النفط مليون ليون، ويعود جمرك مومياء لار بمبلغ من المال أيضاً. ويقوم مأمورو الطرف بأخذ (5 سل) عن كل حمل من البضائع التجارية دون أن يفتحوها.
وكانت تجارة الحرير لا تزال تشكل أهم مصدر للأرباح. وكان الهولنديون قد تعهدوا في اتفاق لهم مع إيران بشراء ثلاثمائة حمولة حرير من مخازن الشاه، ولكن لم يكن يُدفع إليهم نوعية جيدة، ولم تجدهم كثرة الشكاوى نفعاً فاضطروا إلى استخدام القوّة العسكرية، فدكوا ميناء بندر عباس بمدافع أربع سفن حربية واستولوا على جزيرة قشم. وكان ممثل هولندا ڨان هوڨل (Van Heuvel) قد لبث في البلاط الإيراني ثلاث سنوات دون أن يجني أدنى ثمرة. ويمكن مقارنة هذا الوضع مع ما كان عليه في عهد الشاه عباس، حيث شجع التجار ووطّد العلاقات مع الدول الأجنبية فأكسب تجارة الحرير ازدهاراً كبيراً، وأعطى الهولنديين امتيازاً إزاء شرائهم الحرير الإيراني وهو إعفاؤهم من دفع أي نوع من أنواع الجمارك.
تسبب إهمال السوق والتجارة بخفض القيمة الحقيقية للنقد الإيراني. وفي ذلك يقول سانسون: «لقد ساء وضع المال في إيران كثيراً وانخفضت قيمته كثيراً بحيث لم يعد ثمة من يكون مستعداً لجلب بضائعه إلى إيران ليتقاضى بدلاً عنها عملة نحاسية إيرانية. والسبب في تدهور النقد وفساد الوضع المالي هو أنّ الأشخاص الذين يزيفون العملات وينشرونها في البلاد لا يتعرّضون للمتابعة والمطاردة كما ينبغي، وإذا حدث وانكشف أمرهم، فإنّهم يلجؤون إلى دفع الرشوة ويكتفي منهم بذلك فلا يتعرضون للعقوبات… ولأكثر من عشر سنوات يُسعى في إيران إلى إصلاح المال وتجديد النقد… ولكن بمجرد أن يخرج المال من دائرة الضرب ويصل إلى أيدي الناس، يبادر الهنود إلى إخراج هذا النقد الجديد من البلاد، ثمّ يحملونه إلى الهند (على الرغم من أنّ الشاه كان قد منع إخراج النقد من البلاد منعاً باتاً). وكان الهنود يرتبطون بعلاقة مع حاكم بندر عباس، ويدفعون له الرشوة مقابل إجازتهم في إخراج المال من البلاد. ومن ثمّ كلّما كان يُضرب من النقوذ أكثر ندرت هذه النقود داخل البلاد أكثر… وكانت عملات الذهب والفضة الأوروبية منخفضة القيمة في إيران كثيراً بحيث لا يلائم أي تاجر أن يجلبها إلى إيران. وكان الهنود يحملون عملة البندقية (سيكن Sekin) وعملة إسبانيا (أكو) إلى الهند عن طريق البصرة… وقد أحدث انخفاض صرف العملات الأوروبية في إيران مصاعب وإشكالات كثيرة، منها ركود التجارة الإيرانية وتوقفها، والانخفاض الكبير في العائدات الجمركية، بل انتهاؤها.
وإزاء توقف الصادرات الحريرية، أصبح استهلاك الحرير يتم فقط في المصانع الداخلية في أصفهان وكاشان وتبريز. ولكن منتوجات هذه المعامل التي كانت تصنع المطرزات الذهبية الجميلة الفاخرة إنّما كانت تُصرَّف بين الأهالي ـ كما ذكر سانسون ـ إذ كان إمبراطور الهند قد منع رعاياه من ارتداء المطرزات الذهبية في خطوة منه لمنع دخول المطرزات الإيرانية إلى بلاد الهند، وكان الأتراك وشعوب البلدان المجاورة لا يرتدون مطلقاً ـ الثياب المطرزة بالذهب أو الفضة، ومن ثمّ كانت معامل التطريز بالذهب تعمل لسكان إيران وحدهم.
من هنا أبدى شاردن أسفه على انقراض الوضع السابق في إيران أثناء سفرته الأخيرة إليها، وقد ذكر مدى التفاوت بين الأوضاع الاقتصادية التي كانت قائمة في سفرته الأخيرة، وبين الأوضاع التي سادت العصور الذهبية السابقة، حيث يقول: «قدمت إلى إيران لأوّل مرّة عام (1656م ـ 1066هـ) في عهد الشاه عباس الثاني، وخرجت منها لآخرة مرّة عام (1677م ـ 1088هـ) في عهد ابنه الشاه سليمان. وفي غضون 12 سنة فقط بين ذلك الوقت وهذه الأيام انخفضت ثروة إيران إلى النصف، وتدهور وضع النقد، ولا يتوانى رجال الدولة والمتنفذون فيها عن سلخ جلود الناس في سائر أنحاء البلاد في سبيل جمع الثروة وتحصيل أسباب الجاه… وقد ازدهرت أنواع الخدع والحيل في الأعمال التجارية».
وكذلك كتب مينورسكي: «كانت عائدات جمارك بندر عباس في زمن الشاه عباس الثاني 24 ألف تومان، ولكنّها انخفضت في عهد الشاه سليمان إلى عشرة آلاف تومان».
وفي الحقيقة كانت مقدمات سقوط الدولة الصفوية قد بانت في عهد الشاه عباس الثاني، ولكن ظهور الشيخ علي خان زنگنه قد أخّر هذا السقوط بإقداماته الحكيمة بعض الوقت، والأمر الآخر هو الأساس المتين الذي أرسى دعائمه الشاه عباس الأوّل، وتصدق هنا قصة النبي سليمان كما رواها مير خواند:
«دخل سليمان معبداً من الزجاج واتكأ على عصاه، ثمّ رحل إلى جوار ربّه، وكان الملأ يرون نبيهم الكريم من وراء الزجاج قائماً فيحسبونه يصلي، وبعد مرور سنة وفراغهم من إتمام عملهم انكسرت عصا سليمان التي يتوكأ عليها بعد أن أكلتها الأرضة، فسقط أرضاً وانتشر خبر موته في العالمين».
وهكذا كان حال الدولة الصفوية، حيث قضى سليمان الحكومة الصفوية نحبه في زمن الشاه سليمان، ولكن الهيبة الصفوية أتاحت لابنه الشاه السلطان حسين البقاء في الحكم من عام 1105هـ (سنة موت الشاه سليمان) حتّى عام 1134هـ. ومن خلال نظرة إجمالية يمكن الوقوف على مدى التفاوت بين عصر الازدهار الصفوي وعصر الانحطاط: كان رجال الدولة وحكام الولايات في عهد الشاه عباس يأملون بالحصول على وسام من الشاه أو بنوال عطفه، بينما نرى في عهد الشاه سليمان أن «حاكم لرستان منوجهر خان يرمي خلعة الشاه سليمان جانباً».
أمّا الشاه سلطان حسين فقد أمضى سني حكمه ـ كما وصفه هدايت ـ بالفرائض والنوافل وترك قطاع الطرق يعيثون في الطرق والقوافل نهباً وسلباً.
وإذا كان الوضع في شمال البلاد معروفاً، فإنّه في الجنوب وصل إلى حد قيام عرب عمان بالهجوم على ميناء كنك عام 1120 و«لم يستطع أحد أن يمنعهم، فأصبحت جميع أنحاء المدينة المليئة بأموال التجار وكميات كبيرة جداً من النقد والبضائع عرضة لأعمال النهب والسلب، حتّى ملؤوا سفنهم بما شاؤوا ثمّ عادوا أدراجهم».
في الواقع كانت الدولة الصفوية قد سقطت آنذاك في منحدر خطير. وعادة يكون التوقف في الأمور الاجتماعية في حكم الفشل والسقوط. إذ يشبه تقدّم المجتمعات صعود السيّارة في المرتفعات فلحظة واحدة من التوقف كفيلة بدفع السيّارة إلى التراجع والانحدار، وفي بعض الأحيان لا ينفع الضغط على الكوابح. وهكذا لا بد للمجتمع من تطوّر مستمر. ولكن المجتمع الإيراني والدولة الصفوية كانا قد توقفا عن التطور والحركة منذ زمن الشاه سليمان. إذ لم يعد الأمراء الصفويون كسابق عهدهم حينما كان يحلُّ أمير صفوي ضرير المعادلات ذات المجاهيل الثلاثة كأفضل رياضي أوروبي، ولم يعد هناك من المعاملات التجارية والعلاقات ما يدفع الناس إلى التعلم كما كان مترجم تاڨرنيه الشاب يفعل حين يتكلم ست لغات. وكذلك لم يعد شاه إيران كالشاه عباس الذي بنى 999 داراً لاستراحة القوافل التي كانت بعضها في مناطق نائية كتلك التي زارها (إيرج أفشار) بصعوبة كبيرة بسيّارة الجيب وقرى عليها مخطوطات علي رضا العباسي. ولم يكن العصر كذلك العصر الذي استغرق فيه بناء جسر (قزل أوزن) سنتين، وكان الشاه مطلعاً فيه على دقائق أحوال البلاد، ولم يعد رجال الدولة وأمراؤها كأولئك الذين كانوا يهتمون بطلب العلم مثل اعتماد الدولة محمد بيك الذي استمر باختبار اختراعاته حتّى بعد ما نفاه الشاه عباس الثاني، ولا سيما التجارب التي كان يجريها على رفع الماء من الأسفل إلى الأعلى، والتي برع فيها.
وفي مثل هذا الوضع لا بد أن نتوقع أن تنطلق الشارة من قندهار حين تنمو فتنة الأفغان.
توجّه خسرو ابن أخي گرگيت خان (الگرجي) إلى قندهار على رأس 16 ألف مقاتل من القزلباش وقد أنفق على تجهيز جيش گُرْجستان مائتي ألف تومان من الذهب المسكوك وستين ألف تومان، ولكن ميرويس عمد إلى حرق جميع المزارع الواقعة على طريق الجيش الزاحف، وأمسك بمضائق الجبال ومنعطفات الطرق. وسار خسرو خان بتأنٍ إلى قندهار فوصلها في الخريف، وخشي من ندرة المؤمن والعلف في فصل الشتاء، فبادر إلى الهجوم فهزم، ولم يتمكن جيش القزلباش بعد ذلك من إلحاق الهزيمة بميرويس طوال سبعة أعوام. وكان لميرويس ابن شجاع، ذكي يدعى محمود، وهو الذي خلف أباه في حكومة قندهار، ومثل سائر الرجال الأقوياء المتنفذين في عصورهم كان محمود يعتقد أن ثمّة قوّة غيبية تدعمه، ومن ثمّ بلغت معنوياته غايتها من القوّة والصلابة، وقد وعده مرشده المدعو (ميانجيو) أو (ميانجي) بأنّه سيسيطر على العالم بأسره.
والجدير بالذكر أنّ شخصاً كان يلقب باسم (ميانجي) عرف في الأوساط الأفغانية بالرياضة الروحية، ولم يعرف اسمه الحقيقي. وقد التقاه محمود ودخل في سلك مريديه، فكان يمنحه الصفاء الباطني ويكشف له بعض المغيبات… وقد رأى الأفغان فيه مرشداً لهم فدخلوا في سلك مريديه وانضموا إلى حلقاته.
وفي مثل هذه الظروف التي كان شرق إيران مفعماً فيها بالأحداث الخطيرة، كانت نواحي البلاد الأخرى غارقة في الاضطرابات فمثلاً كان البرتغاليون قد أمسكوا بزمام التجارة في الجنوب، ولم يكونوا يمتنعون عن مساعدة اقتصاد إيران وخزينتها وحسب، بل كانوا يتقاضون مبالغ كبيرة أجوراً من الحكومة الإيرانية. وقد كتب المرعشي حول ذلك قائلاً: «كان البرتغاليون يقطعون الطريق على موانئ فارس ثمّ تمّت المصالحة معهم بوساطة الإنكليز، فتقرّر أن يستقر في ميناء كنك وكيل من جانب ملك البرتغال، اسمه فيطور، على أن يدفع له سنوياً ألف تومان تسلم إلى ملك البرتغال ومبلغ مائة تومان له شخصياً، بشرط أن يكف البرتغاليون عن أعمال القرصنة في الخليج الفارسي.
وكان الشاه سلطان حسين، الشاه الذي لم يرتد لباساً أحمر طوال حياته، لا يتدخل في الأمور، وكان يجيب جميع الأطراف المختلفة إذا تحاكمت لديه بقوله: «يخشي دور» التي تعني بالتركية (جيد جدّاً) ولا يقول غيرها. وفي عصره كان إذا عين شخصاً حاكماً على ولاية، أخذ منه مبالغ من المال نذراً ورشوة، فإذا دفع غيره أكثر منه عزله واستردّ خلعته وفرمانه الذي أصدره له، ويحدث أن يعزل الحاكم وهو في طريقه إلى ولايته لم يحكم بعد، كما حصل مع أحدهم حينما عيّن حاكماً على كاشان، وفي طريقه إليها بلغه أمر عزله.
وكان الوزير الأعظم فتح علي خان قد «رأى أنّ المصلحة تقتضي تجهيز جيش قوي من آذربيجان… ولكن الأمراء الآخرين الذين كان جلُّ همّهم هو الراحة والرفاهية لم يروا في ذلك مصلحة، إنّما رأوا أمراً صادراً عن الأهواء النفسانية، وكان الشاه سلطان حسين شخصاً سليم النفس محباً للراحة جاهلاً لتدبير شؤون الدولة فأقرّ الأمراء على رأيهم، وتوجّه إلى قزوين فأقام فيها».
وفي تلك الأيام هاجم العمانيون سواحل الخليج، واحتلوا جزيرة البحرين. وكان لطف علي خان عم الصدر الأعظم فتح علي خان حاكماً على فارس، فاستعدّ لقتالهم، ولكن جنوده كانوا قد اعتادوا على الراحة والترف، ومن ثمّ كانوا حينما توجّهوا لاحتلال البحرين كما وصفهم المرعشي:
«وجّه لطف علي خان جيشاً مؤلفاً من سبعة آلاف فارس وراجل حملهم في السفن لاستعادة السيطرة على البحرين. ولكن كان الترف والراحة قد بلغا ذروتهما في إيران آنذاك فلم يكن أفراد الجيش يحسنون شيئاً من أمر القتال… وكانوا يركبون البحر لأوّل مرّة فأصابهم دوار البحر والغثيان… وحين وصلوا سواحل البحرين، وأرسوا سفنهم، لم يتأنوا لحظة واحدة، أو ينظروا فيما تقتضيه المصلحة، بل بادروا إلى الهجوم وتركوا سفنهم وما فيها من مؤونة وذخيرة وماء عذب دون حراسة، وعلم العمانيون بالأمر فأسرعوا إلى الاستيلاء عليها…
ولم يكن ثمة ماء عذب القرب من ساحل البحر… ولم يكن أفراد الجيش قد حملوا معهم تجهيزاتهم الحرية، وإذا كان ذلك فإنّما هو واحد من عشرة، وتمكّن منهم العطش فأقعدهم عن القتال، فطلبوا الأمان جميعاً واستسلموا، فأسرهم العمانيون كقطيع من المعز والغنم، ثمّ قتلوهم عن آخرهم»([546]).
ولم يمض وقت طويل حتى شاع في البلاد بأنّه «قد هاجم محمود الأفغاني نواحي كرمان بجيش كبير، وطفق فيها سلباً ونهباً وتدميراً» وفي كرمان «خرج رستم محمد خان بأربعة أو خمسة آلاف شاب يحملون الخناجر فقاتل الأفغان… وكان رستم محمد خان قد قدم مراراً طلباته إلى الشاه أن يمدّه ببضعة آلاف من الجند، ولكن طلباته كانت دون جدوى».
وبعد حين أرسل لطف علي خان عم فتح علي خان إلى كرمان لدفع الأفغان عنها، فاستطاع إلحاق الهزيمة بهم وإخراجهم منها. ولكن خدماته صورت بعكس حقيقتها، واتهم وابن أخيه الذي كان يشغل منصب اعتماد الدولة (الصدر الأعظم) بالتدبير للتمرد على الدولة.
وكان لعودة لطف علي خان إلى شيراز واستعراض جيشه فيها وقعاً سيئاً على العاصمة، فأسيء الظن به. إضافة إلى ذلك كان سلوكه في شيرزا يبعث على القلق، فازداد سعي الحاقدين لدى الشاه للإطاحة به أوّلاً ثمّ بابن أخيه الصدر الأعظم ثانياً، وأفلحوا في مأربهم فأصدر الشاه أوامره بالقضاء على هذه العائلة، وقد كتب عن ذلك ما يلي: «بعد دخوله شيراز فرق لطف علي خان جماعة من عسكره على بيوت الناس لشدة البرد. وكان الجزء الأكبر والأهم من الجيش الإيراني، موجوداً في شتاء تلك السنة (1133هـ) في شيراز، ولم يحدث أن جمع مثل هذا العدد من القوات منذ فترة طويلة… وكان قد شارك الكثير من هذه القوات في معركة كرمان، وهي مهيأة لقتال الأفغان كلما دعت الضرورة إلى ذلك. ولكن صدرت أوامر الشاه فاقتيد قائد هذه القوات مكبلاً بالقيود إلى طهران، فتفرّق شمل القوات من بعده».
وقد روى المرعشي اعتقال هذا القائد بما يلي:
«أرسل عدد من المأمورين للقبض على لطف علي خان في الطريق، فلمّا وصل قرية «ايزدخواست» التي تبعد عن أصفهان أربع مراحل ألقوا القبض عليه، فكبلوا يديه وشجّوا رأسه وحملوه إلى أصفهان، وتنفيذاً للأوامر الصادرة، ألبسوه ثياب النساء وأجلسوه مقلوباً على ظهر بقرة وفي يده ذنبها، واستقبله لوطيو المدينة، وكانوا يقتادون أمامه عدداً من الكلاب على هيئة الجياد، وكان يتلقى بصاق الناس وإهاناتهم ولعناتهم على طول الطريق حتّى بلغ السجن».
ولم يكن شأن ابن أخيه الصدر الأعظم فتح علي خان أفضل، حيث اتهمه الأمراء والحاشية، بالبغي والتمرد، فأمر الشاه بتكبيله بالقيود، ثمّ عمد إلى اقتلاع عينه بخنجر بيده (وفي رواية أنّ ابن الشاه فعل ذلك)، وأصدر الشاه أوامره بمصادرة جميع أمواله، وأجاز الناس بأخذ كل ما تقع عليه أيديهم منها، ثمّ صدر الأمر الشاهي بتعيين محمد قلي خان شاملو في منصب الصدر الأعظم.
وفي مثل هذه الظروف «خرج محمود (الأفغاني) مرّة أخرى عبر سيستان والصحراء فوصل أطراف بَمْ ونرماشير وخبيص ودخل كرمان من فوره… ولم يكن لكرمان سور ولا قلعة، وليس فيها حاكم، فاضطر أعيانها ووجهاؤها ورئيس شرطتها إلى استقباله».
ومن كرمان انطلق محمود إلى يزد وأصفهان، ولم يواجه بمقاومة حتّى وصل مشارف أصفهان. فأمر الشاه سلطان حسين أن يستعد الخانات والبيگوات وأبناؤهم فاستطاع إعداد 18000 مقاتل و24 مدفعاً. ثمّ استطاع حشد غيرهم فبلغوا ثلاثين ألف مقاتل، وتوجهوا إلى كلون آباد للتصدّي لجيش محمود. وينقل أنّ عدد الجيش تراوح بين 15 ألف و40 ألف.
ولا نقصد بيان كيفية قتال الأفغان والشاه سلطان حسين، لأنّ هذا الأمر يحتاج إلى تفصيل طويل لا محل لذكره في هذه السطور، ولكن نحاول أن نذكر بعض الأحداث التي اقترنت بعوامل اقتصادية:
الأفغان والفتيات الأرمنيات:
كانت جلفا اللقمة الأولى التي تناولها محمود في حصاره لأصفهان، وقد بعث إلى مسؤولي الأرمن وأعيانهم قائلاً: ما دمتم لم تحضروا بعد لتقبيل أقدامنا، فإنّنا سنأمر بقتل الأرمن جميعاً. ولكن تدخل رجال الدين فعفى عنهم، مقابل مائة وعشرين ألف تومان. ودب الهلع والرعب في نفوس الأرمن إزاء هذا المبلغ الهائل، فتقرّر أن يدفعوا سبعين ألف تومان.
عيّن محمود وكيلاً عنه في جمع المبلغ المذكور، فباشر بتفتيش البيوت، بيتاً بيتاً، ومعه أعيان الأرمن ووجهاؤهم. فكان يأخذ من البيوت كل ما فيه من جواهر ولآلئ وذهب وفضة وأقمشة مطرزة بالذهب وجمعها في مكان واحد، ثمّ باع الأقمشة المطرزة بربع قيمتها، وأخذ يزن المجوهرات واللآلئ والذهب بموازين الشعير ويبيع المثقال منها بألف دينار، بمعنى أن ما كانت قيمته عشرين ألف تومان باعه بتسعة آلاف تومان… وإضافة إلى هذه الأموال أخذ من جلفا 62 فتاة، احتفظوا بهن إلى حين ثمّ أعادوا منهن خمسين فتاة وأبقوا اثنتي عشرة فتاة كزوجات.
فتح علي خان القاجاري
كان بعض قادة الشاه سلطان حسين يقومون ـ أثناء ذلك ـ ببعض الهجمات على قوات محمود، ومن هؤلاء كان فتح علي خان القاجاري الذي قدم بدافع الغيرة على وطنه بألف مقاتل من القاجار دون طلب من الشاه. وبعد التشرف بلقاء الشاه أخذ يخرج يومياً لقتال الأفغان… وكان رجال الدولة الذين يخيم عليهم الخوف والاضطراب يقولون: لو أنّ الأمر يتم بالتصالح لكان أفضل، وإلاّ فإنّ فتح المدينة عنوة سيبيد أهلها… ولم يعجب فتح علي خان هذا القول، فترك أصفهان وتوجّه إلى گرگان.
ومن هنا نفهم أنّ الانشقاق والخلاف في الرأي كان السائد بين الأمراء والقادة المدافعين عن أصفهان.
المجاعة في أصفهان
طال الحصار على أصفهان، وحدثت فيها الاضطرابات والخلافات، وسرى الانشقاق إلى صفوف الجيش، ووقع القتال بين رئيس الشرطة في أصفهان والعرب الساكنين فيها، فساء هذا الأمر الشاه «وعنف رئيس شرطته، فتوجّه الأخير إلى داره وتجرّع السم ومات. وقد بعثت هذه الحادثة الأمل في نفوس الأفغان واليأس في أهالي أصفهان».
استمرّ الحصار تسعة أشهر، فشاع فيها القحط، وهلك من أهلها عدّة آلاف جوعاً «وبلغ سعر رغيف الخبز أربعة أو خمسة أشرفيات» وشيئاً فشيئاً «اشتدّ القحط والغلاء حتّى بيعت حبة القمح باشرفي وأقسم الكثير أنّهم اشتروا خصية الحمار بعشرين توماناً».
و«أخذ أهل المدينة يأكلون لحم الكلاب والقطط، ثمّ عمدوا إلى الجلود القديمة فغلوها بالماء وأكلوها، فلمّا استنفذوا كلّ ما بيدهم منها لجؤوا إلى لحم الإنسان فأكلوه، حتّى كان البعض يتنازع على الجنازة ليأكلها، وبلغ بهم الأمر أن أخذوا يقتلون بعضهم ليأكلوا، حتّى أنّ أباً وأماً قتلا ابنهما وأكلاه. وإذا أراد أحدهم إنقاذ نفسه من هذا البلاء الشديد وخرج من المدينة صار طعماً لسيوف الأفغان».
وقد وصف أصفهان حينئذ قسيس عاش البلاء فيها بقوله: «بلغ مَنُّ القمح 8 توامين، منّ الرز 10 توامين، منّ السمنة 12 توماناً، وبلغ سعر بيضة الدجاج 200 دينار. ولم يبق في المدينة شيء من الغنم والأبقار والخيول والإبل فاضطر أهلها إلى أكل لحم الحمير حيث بيع المن الواحد بتومانين… ثمّ أخذوا يأكلون الكلاب والقطط والجلود وفضلات الحيوانات والأحذية القديمة وكل حيوان يقع في أيديهم، وبلغ الجوع حدّاً أن اضطر شاب إلى قطع ثديي أخته الميتة، ولجأ العديد من الناس إلى اكل أبنائهم بعد أن يسلقوهم أو يشووهم.
وكان محمود قبل ذلك قد أبدى استعداده للعودة بشرط أن «تعطى له قندهار وخراسان وكرمان ليتوارثها أبناؤه من بعده، ويُزوّج من ابنة الشاه سلطان حسين ويُدفع إليه مبلغ خمسين ألف تومان نقداً» وكان جواب الشاه أنّه يقبل الشروط ما عدا زواج ابنته.
ولكن بعد أن اشتدّت وطأة الحصار «أرسل الشاه سلطان حسين كتاباً إلى الأمير محمود يبلغه فيه قبوله بكل طلباته السابقة، فردّ عليه محمود قائلاً: لم يبق لك شيء يمكن أن تتنازل لي عنه».
والأمر الملفت للانتباه أنّ جماعة اقترحت على الشاه أن يغادر أصفهان أثناء هجوم الأفغان، ولكن البعض سعى إلى عرقلة ذلك وعدم تنفيذه. ولعل هذا العمل، لو قدر له أن ينجح لكان مفيداً.
وفي ذلك يقول حزين اللاهيجي الذي كان مؤيداً لهذا الرأي: «كانت المصلحة في ذلك الوقت تقتضي رحيل الشاه، إذ لم يبق مجال للمقاومة، وكان بمقدوره أن يرحل بخزائنه وحاشيته وأمرائه… ولن يكون بمقدور العدو التركيز على أصفهان بعد رحيل الشاه منها، وسيهتم بتدبير حاله، وسيحاول أهل أصفهان التخلص منه بأي صورة… وعلى أية حال كان حلاً ناجعاً يحول دون هلاك هذه الأعداد التي لا تحصى من الناس، ولكن لم يقدر له أن يكون، بعد أن حال دونه بعض الأشخاص فوقع ما وقع».
لقاء الشاه ومحمود
بلغ الأمر غايته، فثار عشرات الآلاف من أهالي أصفهان وتوجهوا نحو مقر الدولة. ولم يكن لدى الجهاز الحاكم شيء من الطعام. وفي تلك الأيام «لم يبق للشاه أكثر من ثلاثة من الإبل، فنحرها لهم ووزع لحمها بينهم، ثمّ صلّى ودعا بعين دامعة». وقال للناس «لقد شاءت الإرادة الإلهية أن أستقيل عن تاج وعرش إيران وأسلمهما إلى الأفغان… وفي اليوم التالي خرج من المدينة في ثلاثمائة فارس وجماعة من الأمراء وقدم على معسكر الأفغان، فلما اقتربوا منه أوقفهم الحرس بحجة أنّ محمود نائم. وفي الحقيقة لم يكن نائماً بل تعمّد أن يفعل ذلك، فاضطر الشاه إلى البقاء على ظهر جواده تحت الشمس أكثر من نصف ساعة، ثمّ أدخل على محمود. ولم يتجاوز الأخير في استقباله الشاه عتبة الديوان فوقف برجال دولته وتصافح مع الشاه في الديوان».
«سلّم عليه الشاه بقوله: السلام عليكم، فأجابه محمود: وعليكم السلام. دون أن يرفع نظره عن الأرض فعانقه الشاه وقبّله في عينيه وأخرج منديله ووضعه على رأس محمود قائلاً: لقد انتزع منّي التقدير الأزلي تاج وعرش إيران وآراك لائقاً لهما. ثمّ هنّأه، والتفت إلى رجال دولته ومحمود قائلاً: حتّى الآن كنت ملك إيران. وقد أعطيت ـ الآن ـ تاج عرش إيران للأمير محمود، فهو بعد الآن ملك عليّ وعليكم». ثمّ جيء بالقهوة والنرجيلة فشرب محمود أوّلاً. وكانت هذه الحادثة في يوم الجمعة 12 محرم من عام 1135هـ.
أصدر محمود أوامره إلى قائد جيشه السلطان أمان الله بدخول المدينة في عشرة آلاف من الأفغان. فدخل واحتل القصر الملكي. وفي 14 محرم دخل محمود المدينة ومعه جنوده الذين كانوا يصيحون: الله، الله… ثمّ دخل القصر من باب «جهاز حوض» «ونزل في قصر (جبل ستون) وأُخذ الشاه سلطان حسين عن طريق بناية (جهار باغ) إلى بناية (آنية خانة) المعروفة بـ (أندرون أشرف) فأُسكن فيها».
وهكذا كان مصير الشعب الإيراني الذي سار ذات يوم خلف ملك لا يزيد عمره عن إثنتي عشرة سنة، وهو الشاه إسماعيل (905) فأسّس الدولة الصفوية العظيمة، وهو الآن يسير خلف الشاه سلطان حسين الذي يتراوح عمره بين الخمسين والستين سنة ليستسلم لشاب أفغاني لا يتجاوز عمره 19 سنة.
القتل والنهب
ذُكر أنّ محمود قتل في الحرب خمسين ألف شخص. ومات إثر القحط والغلاء من أهل أصفهان مائة ألف. وإضافة إلى ذلك «قتل أمراء القزلباش الذين كان عددهم 114 بعد دعوته لاستعراضهم وقتل أولاد الصفويين كبيرهم وصغيرهم وكانوا 31 شخصاً». وأمر محمود بتمرير الشاه وسط الحديقة التي ألقيت فيها أجساد القزلباش ليشاهدها، وإضافة إلى ذلك ذبح من القزلباش ثلاثة آلاف كذبح النعاج في مأدبة أعدّها لهم، وألقى بأجسادهم فوق بعضها إزاء قصر الشاه. وكذلك «طالب كلّ رجل من القزلباش بدفع مبلغ من المال، وانتزعه منهم بالقوّة ليحتفظ به في خزانته. وقد أفلح بعضهم في إنقاد نفسه عن هذا الطريق، كما فعل اعتماد الدولة (الصدر الأعظم) حين أنقذ نفسه مقابل دفع سبعين ألف تومان».
وكان الأفغان يبتدعون لأنفسهم الذرائع للاستيلاء على الأموال، فمثلاً جمع أمان الله خان (الصدر الأعظم لمحمود) من القزلباش تسعين ألف تومان في غضون أسبوع واحد. ولكن بعد قتل محمود اطّلع أشرف الأفغاني على ذلك فعلقه من رجليه يوماً وليلة حتّى انتزع منه كلّ ما عنده.
فتح محمود خزانة الشاه فوجد فيها أربعة آلاف تومان نقداً وأحجاراً كريمة كثيرة ولآلئ وأقمشة نفيسة مطرزة بالذهب أو الفضة، وأنواع من الزينة. والسبب في قلّة النقد في الخزائن هو أنّ الشاه كان قد أضاف إلى رواتب الجند ثلاثة سكك ذهبية لكلّ منهم طوال فترة الحصار التي استغرقت 9 أشهر في سبيل رفع معنوياتهم وتشجيعهم على القتال.
بذل الشعير
في الحقيقة كان هذا السخاء والكرم تحت محاصرة الأفغان بمثابة بذل الشعير للدابة حينما تبلغ مرتقى صعباً. ففي القرى يجهد القرويون دوابهم بالحمل والأثقال طوال السنة دون أن يعتنوا بها العناية الكافية. ولكنّهم حين يسافرون ويصلون في طريقهم مرتقى صعباً أو مسلكاً وعراً فإنّهم يقدمون لدوابهم شيئاً من الشعير والعلف، ومعنى ذلك أنّ: «كل الشعير واصعد» ولو كان للدابة لسان، لقالت لصاحبها: كان الأحرى بك أن تطعمني هكذا طول السنة، ليتسنى لي صعود المسالك الوعرة، ولأقوى على اجتياز الصعاب، أمّا الآن فإنّ ذلك لا يعينني على شيء».
أُسكن الشاه في مكان خاص من القصر، وعُيِّن له شهرياً 200 تومان، وأعطي من نسائه ثلاثاً.
فرغت مدينة أصفهان من أهلها «ولما خلت الدور، استُقدم من قندهار الكثير من الأفغان مع ثلاثين ألف بعير وسكنوا في أصفهان… وحملوا أم محمود من أفغانستان إلى أصفهان في ألف بعير».
وأعلن محمود نفسه سلطاناً بصورة رسمية، وأمر باشتراك الطبقات المختلفة في المراسيم بالشكل التالي: الطبقة الأولى: الأفغان، الثانية: أهل السنة، الثالثة: الأرمن والنصارى، الرابعة: الهنود، الخامسة: المجوس، السادسة: اليهود، السابعة: جماعة الرافضة.
فتح قزوين
أمر محمود السلطان أمان الله بالتوجه لفتح قزوين فاستقبله أهل قزوين بفرش السجاد تحت حوافر خيله وخيل جنوده.
ولكن الأفغان طلبوا عشرين ألف تومان من أهل قزوين، فجمعوا ستة آلاف تومان، فعفى عنهم أمان الله، ولكنّه «طالبهم بستين فتاة وكان لهذا الطلب وقع صعب عليهم». وأرسل أمان الله إلى اهل قزوين جباة يجمعون المال المقرر ويطالبونهم بالإسراع بتسليم الفتيات. وقال رئيس الجباة: يا أهل قزوين إلى متى تخدعوننا؟ إذا لم ترسلوا إلينا اليوم المال والطعام والفتيات، فإنّنا سنقتلكم جميعاً. فانبرى إليه رجل شجاع قائلاً: لسنا كلاباً، إنّما الكلاب أنتم ومن أرسلكم. فبادر الجابي إلى سيفه، ولكن هذا الرجل كان أخف منه فسبقه واستل سيفه وهوى على هامته ففلقها نصفين. وأخذ أهل قزوين يقرعون الطبول ليجمعوا رجالهم وليحاربوا الأفغان… فقتل من الأفغان 1200 رجل» وانسحب أمان الله من قزوين في ستمائة من رجاله. وقد بلغت أموال الأفغان التي تركوها حين فرارهم من قزوين ثلاثين ألف تومان بين نقد وعين».
مصادرة أموال الناس
بعد فتح أصفهان، حدد محمود مقدار الغرامات التي يتوجب على كل طائفة دفعها، وقد شملت الأرمن والأوروبيين والمسلمين والهنود. فقد أخذ من الأرمن 17 ألف تومان نقداً سوى الحوالات، ولم يتركهم حتّى دفعوا 53 ألف تومان.
وحدد محمود 25 ألف تومان مقدار غرامة الهنود، فدفعوا منها عشرين ألفاً وعجزوا عن الباقي، فشتت شملهم، ومزقهم كل ممزق، واشتد الأمر عليهم حتّى اضطر بعضهم إلى قتل أنفسهم بتجرع السم.
كان الشاه قد اقترض من الهولنديين 55 ألف تومان ورهن عندهم في المقابل جواهر قيمتها 25,000 تومان، فصادر محمود هذه الجواهر، وطلب من الهولنديين 20 ألف تومان كقرض، فبذلوا جهدهم وجمعوا له ثمانية آلاف تومان، فطلب منهم مبلغ ثلاثين ألف تومان أخرى، فلم يؤدوه له، فأخذ الأفغان رئيس الشركة الهولندية ووضعوا الحراس كي يتسلموا بقية الثلاثين ألفاً. وقد بلغ مجموع الغرامات التي أخذت منهم 61 ألف تومان ومجموع ما أخذ منهم عامة 176 ألف تومان.
وأخذوا من الوكيل الإنكليزي أربعة آلاف تومان وخمسين طَوْلاً من القماش الثمين، فبلغت خسائرهم سبعة آلاف تومان. وغُرّمَ رئيس الفرنسين ستين توماناً.
وهرب الحاج نظر الشيرازي من أصفهان، ففتحوا حجرته وصادروا ما فيها من نقد وعين بما يقدر بستة آلاف تومان. وفرضوا غرامات على الناس تراوحت بين خمسين وألف تومان. وقد أرسل محمود هذه الأموال إلى قندهار على ثلاث دفعات، الأولى مع نور محمد، والثانية مع آقا موسى والثالثة مع محمد نشان.
قتل أولاد السادات
«بعد سنتين من الحكم عمد محمود إلى قتل الأمراء الصفويين الذين كانوا في حبسه، وكانوا ثلاثة وثلاثين نفساً بين صغير وكبير. ومن الغريب أنّ مسّاً أصابه في نفس الليلة فأخذ يشتم كل شخص ويأكل قذاراته حتّى مات على هذه الحال».
آل الحكم بعد محمود الأفغاني إلى ابن أخيه أشرف، ولكن الشعب الإيراني لم يكن يطيق حكم هذه الفرقة الجائرة.
ولم يستطع التكيّف مع الحكومة الأفغانية ومن ثمّ بادر منذ الأيام الأولى إلى مقارعة الاحتلال وقتل الأفغان في جميع نواحي إيران. وإذا كان الشاه طهماسب الثاني (ابن الشاه سلطان حسين) قد استعان بروسيا والدولة العثمانية، فإنّ استعانته تلك لم تجلب له إلاّ الويلات، حيث بادر الروس والعثمانيون إلى احتلال شمال وغرب إيران دون أن يساعدوها للوقوف بوجه الأفغان.
ولكن على أية حال كانت نشاطات فتح علي خان القاجاري وبعده نادر قلي أفشار قد أنقذت مازندران وخراسان من الاحتلال الأفغاني حيث هُزم أشرف في (دامغان) بعد لقائه بجيش نادر قلي (1142هـ) فهرب إلى فارس، وبعد هزيمة (زرقان) هرب عن طريق (لار) إلى (كرمان) وبلوجستان «وفي تلك المناطق الحارة أخذت الأفواج تتفرق عنه واحداً بعد آخر سالكة طريق البحر وقد غرق منهم جمع كبير بتقدير الله ومشيئته، ولم ينج منهم إلاّ القليل ممّن وصل سواحل الإحساء وعُمان ونواحي السند. وأمسك شيخ بني خالد صاحب الإحساء من وصل إليه منهم ثم أمر بقتلهم، ولكنّه عاد فعفا عنهم وجردهم من ثيابهم ومالهم وأطلقهم في الصحراء. وقد رأيت بنفسي (صاحب كتاب أحوال حزين) حين وصلت سواحل عمان ابن أخ الأشرف، وكان له من العمر عشرون عاماً، وحاكم لار خداداد خان، وهو من كبار أمراء الأفغان يحملان على أكتافهما الماء إلى البيوت في مدينة مسقط.
كان أشرف يغذ السير هارباً، فرآه ابن عبدالله البروهي البلوجي مع اثنين من أصحابه، فقتله وقطع رأسه ثمّ أخذ قطعة الماس كانت على معصمه وأرسلها مع الرأس إلى الشاه طهماسب، فأعاد الشاه (طهماسب) قطعة الألماس إليه ومعها خلعة».
لم يستطع الشاه طهماسب الثاني تثبيت الدولة الصفوية مرة أخرى. وساهمت فتوحات نادر قلي الذي لقب بـ (طهماسب قلي) في خلق وضع مناسب له، لا سيما بعد إزالته لمنافسه فتح علي خان القاجاري وبعد أن أذل الملك محمود السيستاني حتّى ألبسه ثياب الدراويش ثمّ قتله. وقام أيضاً بأسر محمد حسن خان بن فتح علي خان. وأخيراً دعا الشاه طهماسب إلى الشرب فأرى الحاضرين خَبَل الشاه وجنونه ففضحه بذلك بحيث اضطر في اليوم التالي إلى خلع تاجه وإلقائه أمام نادر، فقبله نادر ورفعه، وخلع طهماسب من الملك وأجلس على العرش ابنه الصغير عباس ميرزا باسم الشاه عباس الثالث، وكان لا يزال في مهده فعلق التاج على المهد (5 ربيع الأوّل عام 1144هـ).
نموذج الوضع الاقتصادي والاجتماعي
لكي نطّلع على الوضع الاقتصادي الذي ساد إيران آنذاك يكفي أن نشير إلى نموذج لذلك. فقد كانت مدينة (لار) مركزاً تجارياً بين أصفهان وشيراز وموانئ الجنوب، وكان ازدهارها الكبير في عهد القوة الصفوية سبباً لأن يتخذها الكثيرون مركزاً لتجارتهم الكبيرة، ولا سيما التجارة الهولندية المعروفة هناك. ولكنها أصبحت بعد سقوط أصفهان وفي فترة قصيرة عرضة للغارات، حيث هاجمها قطاع الطرق الأفغان والبلوج وأخرجوا من مستودعات التجارة الهولندية وحدها من البضائع ما يقدر بعشرين ألف ليرة. وبعد فترة من تلك الأحداث، وصف حزين اللاهيجي أوضاع هذه المدينة التجارية المهمة (حوالي عام 1145) فقال:
«في لار تبلغ الأوضاع غايتها من البؤس، إذ كانت مبتلاة بمصادرات حاكمها السابق، ثمّ ابتليت بحاكمها الجديد الذي يرافقه أربعمائة من الجند سوى الخدم والحاشية، والغريب أنّ نفقاته اليومية تجمع من الناس في كل يوم. ولكثرة الخراب في المدينة وانعدام الأمن فيها انقطع عنها وصول البضائع وارتفعت الأسعار، وندرت الأطعمة، وتعيش القلة التي بقيت فيها ظروفاً غاية في العسر والبؤس. ويسلك الحاكم وجيشه الشدة في أخذ حاجاتهم من الناس. وقد قدم إليها أمير آخر لعد نخيلها ففرض عليها أضعاف ما كان متعارفاً عليه، وفرض على سائر أنواع الشجر خراجاً لم يكن قد فرض من قبل… وفرض حاكمها على كلّ عائلة أن تبعث له رجلاً منها بكامل عدته ليخدم في ركابه وقد جمع بهذه الطريقة ألف رجل ويطالب بثلاثة آلاف آخرين ولم يجمعهم بعد.
وفي مثل هذه الظروف ضاق اللاريون ذرعاً بتصرفات حاكمهم وعماله، ولم يكن ينقص اللاريين الشجاعة والشهامة… ومن قضاء الله وقدره أنّ الحاكم سجن رئيس شرطة المدينة وأمر بضربه وسحبه. فحاول بعض الناس السعي لإطلاقه ولكن دون جدوى، حتّى يئسوا من خروجه وقد سعيت (حزين اللاهيجي) بنفسي لدى الحاكم لإطلاقه ولكنّه كان يرفض لذرائع مختلفة. وذات يوم تحدثت طويلاً إليه، وذكرت له أنّ حبس هذا الشخض يبعث على الفتنة وفساد الأمور، وما زلت به حتّى أطلق سراحه بشرط أن لا يبقى في المدينة بل يرحل إلى الحجاز، فوافق رئيس الشرطة على الأمر وتهيأ للرحيل ولكن الحاكم عاد فندم على إطلاقه وهم بحبسه ثانية، فاجتمع الناس حول رئيس الشرطة واستعدوا لمواجهة الحاكم، وعند الصباح هاجم الجميع دار الحاكم، وانطلقت العيارات النارية وارتفعت الضجة فقتل الحاكم مع عدد من خدمه، وتفرق شمل جنده…».
في مثل هذه الظروف التي سادت إيران بأسرها، كان الناس مستعدين للقبول بأي دكتاتور، بل لاستقباله بقلوبهم، وفي مثل هذه الظروف كانت القرعة من نصيب السيف النادري.
فبعد أن فتح نادر بغداد و انتصر على الجيش العثماني وقتل قائده عثمان باشا ودفنه في قبر أبي حنيفة، قدم إلى شيراز عن طريق خرم آباد وشوشتر، ثمّ ذهب إلى همدان، وبعدها عقد مجلساً للانتخابات في سهل (دشت مغان) «وبعد انعقاد الجلس قال:كلكم تعلمون أنّ الشاه طهماسب لا عقل له، وليس بمقدوره الحكم، وتعلمون أيضاً أنّ ابنه صغير ولا يليق بالحكم. ثمّ عدّد الأمور الصعبة واحداً بعد آخر ثمّ قال: ولا أرى لهذا الأمر شخصاً مناسباً غيري. وأقرّه الحاضرون جميعاً على رأيه خوفاً على أرواحهم، ما عدا بعض الأشخاص ومنهم مير محمد حسين الملا باشي. وقد قتل بعض هؤلاء في أماكنهم وهرب آخرون».
وقعت هذه الحادثة في عام 1148هـ، وعلّق عليها البعض بالقول (الخير فيما وقع) وعلّق عليها آخرون بـ (لا خير فيما وقع). وكان في هذا العام نهاية أمر الصفويين. وقد استمر أمرهم من عام 906هـ (جلوس الشاه إسماعيل على العرش) حتّى هذا العام (1148) أي 242 سنة تماماً وهي تساوي كلمة (صفويون).
وفي شأن نهاية الشاه طهماسب الثاني وابنه ذُكر أنّ نادر شاه أوكل أمرهما إلى ابنه رضا قلي ميرزا، وذُكر أيضاً أنّ نادر أوصى لابنه في الخفاء أن يقتلهما بعد رحيله.
وأدرك الشاه طهماسب ما يراد به، ففكّر بالهرب لعله ينجيه من الهلاك فتذرع بالصيد، ثمّ انطلق في الصحراء، وكان أمر حراسته بيد محمد حسين خان القاجاري فأخبر عنه، وألقي القبض عليه، ثمّ قتل بأمر من رضا قلي ميرزا وألقي بابنه في بئر وأرسل جسد الشاه طهماسب إلى مشهد ثمّ أخرج جسد الشاه عباس الثالث (ابن طهماسب) من البئر ودفن بقربها.
والعجيب أنّ رضا قلي ميرزا الذي قتل الأب والابن المسكينين، قد سُملت عيناه على يد أبيه القوي، وكان ذلك مقدمة لقتل الأب نفسه (نادر)، حيث عمد قادة جيش نادر إلى قتله في فتح قوجان، وبعثوا بجسده إلى مشهد. وكما تنقل جسد آخر الملوك الصوفيين من مكان إلى مكان، كذلك تنقل الناقلون… فاعتبروا يا أولي الأبصار.
أرباب السقوط
كان الناس يلجؤون عادة إلى إلقاء التبعات في الحوادث التاريخية المهمة على عاتق عوامل الطبيعة وغضب الطبيعة وما شابه ذلك. كما حدث في إلقاء التبعة في هزيمة الساسانيين في معركة القادسية على الريح الشديدة التي كانت إلى جانب العرب وفي ضرر الإيرانيين، والحال أنّ هذه الريح كانت تعصف منذ أمد بعيد في زمن تمرد بهرام جوبين وحروب إيران والروم وفيضان دجلة والفرات وزمن خسرو وبرويز وشيرويه.
وكما حدث في حملات الغز على خراسان وكرمان وسقوط الدولة السلجوقية عام 585 حيث عزاها البعض إلى حادثة سماوية، والحال أنّ أفضل الكرماني قال في ذلك الوقت: «يرى أرباب البصيرة أنّ هذا المُلك ساقط ونجم هذه الدولة هابط».
وفي حملة محمد خان على كرمان ينقل أن منجماً كان قد حدد يوماً معيناً لفتح كرمان ومصير لطف علي خان وأبلغ الأمر للأخير قبل الفتح بأيام، فحكم عليه بالحبس وقال: إذا صدق فيما قال فسينقذه جيش القاجار وإن كان كاذباً فسيبقى في السجن حتّى يموت. وكان قد أمر بترك ماء وطعام عنده بما يكفيه حتّى اليوم الموعود. وشاء القدر أن يكون ما أخبر به المنجم صحيحاً.
ولا ينبغي أن نبرر قول المنجم بما تخبر به النجوم، لأنّه رأى الأمر ببصيرته، فماذا يا ترى سيكون مصير عشرات الآلاف من الناس المحاصرين في كرمان دون ماء ولا طعام، وإزاءهم جيش آقا محمد خان والأبواب مفتحة أمامه؟ من الطبيعي سيكون المصير معروفاً!
ماذا يقول المنجم؟… لقد حدث في أصفهان مثل هذه التوقعات فقد روي أنّه في عام 1134هـ «أدلهم الجو حتّى لم يعد بمقدور الشخص أن يرى الشمس، وأصبح أفق أصفهان كبحر من الدم، وتكرر ذلك لعدّة أيام ـ وحين وصل الشاه سلطان حسين من طهران إلى أصفهان أحاطته غيوم حمراء كالنار. ففسّر المنجمون ذلك بأنّ سيولاً من الدماء ستجري في أصفهان.
وينقل صاحب الفارسنامة أنّه «استمر قرص الشمس لشهرين يطلعُ على أصفهان كقطعة الدم، فرأى المنجمون في ذلك علامة على إراقة الدماء وأخذ العلماء وأصحاب العمائم يدعون الناس إلى التوبة والإنابة، وطردت النساء العاهرات من المدينة، ورغبت قلوب الناس عن الدنيا».
في الحقيقة أنّ الذنب لم يكن ذنب العاهرات، إنّما ادلهمت شمس الدولة الصفوية منذ أن «دعا الشاه سليمان الشيخ علي خان إلى مجلسه وقال له: يجب أن تغيّر طبعك بما يوافق طبعي فتشرب مثلي. فقال الشيخ علي خان: الشراب يوافق الشباب، بينما يقتضي كبر السن منّي أن أتصرف بما يوافق عمري. فقال له الشاه سليمان: لا بد أن تشرب معي كأساً. واضطر الشيخ المسكين إلى الشرب، ولم يكن من عادته ذلك ففقد السيطرة على عقله وتصرّف بما لا يليق. وضحك الشاه وطلب رجاله إلى بلاطه ليشاهدوا الوزير العظيم كيف يصنع. ثمّ أمر بحلق لحيته وحمله إلى داره. وحين عاد إلى وعيه وعلم بما حصل له، قدم استقالته من الوزارة.
الثغور الشرقية
ثمة دلائل كثيرة تشير إلى عدم وجود دعم حقيقي وصادق للدولة الصفوية من قبل شعبها، وخلو الثغور الشرقية لإيران من المدافعين، أو عدم أداء هؤلاء المدافعين لواجبهم كما ينبغي.
والجدير بالذكر أنّ عدم معاملة الزرداشتيين بالحسنى في كرمان ويزد في تلك الفترات بدأت تظهر آثاره في هذا الوقت، حيث وقف هؤلاء إلى جانب محمود، وكان من أبرزهم نصر الله السلطان الزرادشتي. فقد تصدّى الأخير للقوات التي قدمت لنصرة الشاه من همذان ولرستان ومزقها شر ممزق. وفي فتح شيراز «أرسل محمود لاحتلال شيرزا فوجاً من الأفغان وفوجاً من زرادشت كرمان بقيادة نصر الله السلطان الكرماني وجعل الإمارة في زبردست خان القندهاري. فجرح نصر الله خان في الحملة، ولكن تمّ احتلال شيراز».
ولم يكن هذا السلوك مع الزرادشتيين وحدهم، بل شمل في الفترات الأخيرة غيرهم وامتدّ إلى المسلمين أنفسهم.
فكان كلّ من يظهر آراءه واعتقاداته التي يراها يتعرّض للبطش والتنكيل ويدخل في عداد المغضوب عليهم. ومن هؤلاء الصوفيون. فبعد أن كان الصفويون يقتانون على مائدة الصوفية، أصبحت هذه الطائفة الآن عرضة لتنكيلهم واعتداءات المتعصبين.
ومن أمثلة ما كان يجري نذكر قصة مولانا محمد صادق الأردستاني الملقب بمير أبو القاسم الفندرسكي وهو حكيم وعارف، فقد أُخرجَ في زمن الشاه سلطان حسين من أصفهان مع أفراد عائلته وكان الطقس غاية في البرد، فلم يستطع الأطفال تحمّل البرد وانعدام الطعام واللباس فماتوا في الصحراء.
نهاية الحكومات
حينما تصل الحكومات إلى أجلها، فإنّ أعراض الفساد وعوامل السقوط والانحطاط تظهر فيها. ففي الدولة الصفوية بدأت هذه الأعراض تظهر منذ عدّه الشاه صفي. وقد بان الضعف في الدولة منذ أن تحوّل أهلها من أناس خشنين لا يألفون الحياة اللينة إلى أناس يبحثون عن وسائل الترف واللهو، ويصرفون همّهم إلى تزيين نسائهم وخيولهم وإقامة مجالس اللهو.
فإضافة إلى الأسباب المهمة التي أدّت إلى سقوط الصفويين، لا بد أن نذكر أيضاً الأسباب الاقتصادية ونتائج البذخ والإنفاق اللامسؤول للثروات. ويبدو أنّ الصفويين ابتلوا بمرض أسلافهم ممّن سبقوهم في حكم إيران حينما أخذوا يطرزون بالذهب دروعهم وخوذهم وقبعاتهم المصنوعة من جلود الجاموس ويزينون سيوفهم بالجواهر. ولعل شاردن كان محقاً حينما قال: «سوف تقضي هذه المظاهر المستحكمة في جيش إيران على هذا الجيش». فما أسرع ما رأينا كيف أنّ جيش القزلباش المهتم بالمظاهر والكماليات وأغنياء أصفهان لم يستطيعوا الصمود بوجه الأفغانيين الحفاة، وحين دخل هؤلاء الأفغان مدينة أصفهان أخذوا يدخلون البيوت فكانوا يجدون فيها أشخاصاً فارقوا الحياة وعليهم أغطية مطرزة بالذهب. وفي اليوم الأوّل الذي تلا الحرب، انشغل الأفغان ثلاثة أيام وثلاث ليال بجمع الأمتعة التي خلفها الجيش المهزوم، وبلغ محمود منها مائة ألف تومان، وكان محمود يعجب كيف يأتي الجيش المقاتل بمثل هذه الأمتعة وما هو السبب الذي يدعو الجنود إلى حمل الوسائد الوثيرة ووسائل الراحة إلى ساحة المعركة؟
ونفس هؤلاء الأفغان عثروا في بيت تاجر في ميدان الشاه على أربعة عشر كيس، وزن كل واحد منها مائة مَنْ تبريزي أو أكثر ولم يكن في داخلها طبعاً سوى الذهب العباسي.
من خلال المقدمات التي ذكرناها، ووضع القزلباش والجيش وحملتهم على قندهار، يبدو جلياً للوهلة الأولى أنّهم كانوا كأنّهم ذاهبون إلى مجلس فرح وعرس وليس إلى قتال الأفغان. فقد توجهت المجموعة الأولى من الجيش الإيراني لقتال محمود وكانت تحت قيادة عبدالله والي خوزستان، وكان هؤلاء الجند يرتدون ثياباً فاخرة ويركبون خيولاً مزينة بالذهب، ونصبوا خياماً عالية ملونة حين اقتربوا من معسكر الأفغان. وكان نصيب مرتدي الذهب هؤلاء الهزيمة المنكرة في الجولة الأولى، فغنم الأفغان 25 ألف تومان ذهباً من معسكر القزلباش. وكان الجيش الإيراني يقاتل جنوداً يكتفون في أغلب الأحيان بقمح محمص… ويرتدون الكرابيس الملونة… ويخلعون أحذيتهم في الطين والمطر خشية أن تضيع. وكانت شجاعتهم وطاعتهم مضرباً للأمثال، حتّى أنّ أحدهم قاتل بيد واحدة بعد أن قطعت يده الأخرى في المعركة.
وإذا ما قارنا هؤلاء مع جيش الشاه سلطان حسين وجدنا الأخير كما وصف المرعشي حين قال: «كان الأمراء في هذا الوقت قد تخلوا عن الفضيلة بسبب طلبهم للراحة وأسباب الترف».
وهكذا يجب الاعتراف بأنّ التصدّع الاقتصادي ووضع الثروات الكبيرة في أيدي القوات والقزلباش منذ أواسط العهد الصفوي واحتكار المناصب والرواتب وبصورة عامة ثروات البلاد كانت قد أوصلت الأمر إلى حتمية سقوط الدولة الصفوية([547]).
ولم يعد أهل أصفهان وجيش إيران في عهد الشاه سلطان حسين كما كانوا في عهد الشاه إسماعيل والشاه عباس الأوّل، وفي الواقع كان عدم التوازن في توزيع الثروات قد بلغ غايته في هذا العصر، حيث كان البعض يرتدون بدل الدروع معاطف من جلود السمور، ويزينون بيوتهم بآيات من الفنون الجصية، ويحتفظون في خزائنهم بأكياس المسك والعنبر بدلاً من البارود، وكانت هذه المواد تشغل حيزاً كبيراً من الواردات، وكان الرجال والنساء ـ على السواء ـ يكثرون من استعمالها. ويذكر شاردن أنّ المسك كان يجلب من جبال التبت في الصين، ويضيف بأنّ مركباته الدوائية تستعمل لتهييج الشهوة الجنسية ورغبات الحب وتقوية البنية وغيرها.
وكل هذا التفنن والاهتمام بالكماليات إنّما هو نتيجة طبيعية للثروات اللامحدودة التي تجمعت خلال سنوات طويلة لدى طبقات خاصة من المجتمع، دون أن يكون هناك قانون: من أين لك هذا؟
الدكتور باستاني پريزي
التقسيمات الإدارية في إيران
خلال العصر الصفوي
بلغت سعة مساحة إيران في أواسط عهد مؤسس الدولة الصفوية الشاه إسماعيل الأول (907ـ 930هـ) حدّاً لم تبلغه مطلقاً في أي من العصور التي تلته. ولعل الشاه طهماسب الأوّل (930هـ ـ 984هـ) والشاه إسماعيل الثاني (984ـ985هـ) استطاعا أن يحتفظا بالثغور والحدود على ما كانت عليه في زمن سلفهما، إلاّ أنّ الأمر تغيّر بعدهما، إذ لم يبق من إيران في أواخر عهد الشاه محمد (985ـ995هـ) وأوائل سلطنة الشاه عباس الأوّل (995- 1038هـ) إلاّ أراضيها الأصلية، وذلك لتعرّضها لهجمات العثمانيين والأوزبك ولاضطراب أوضاعها الداخلية.
وحسب قول إسكندر منشي في كتابه (تاريخ عالم آراي عباسي) فإنّ الشاه عباس الأوّل كان ينوي استعادة أرض أجداده وإيصال حدود دولته إلى ما كانت عليه في عهدهم، إلاّ أنّه تجاوز ذلك وسيطر على العراق وقد اضطر خلفه الشاه صفي (1038ـ1052هـ) إلى التخلي عن الجزء الأخير، إلاّ أنّه احتفظ بباقي أجزاء الإمبراطورية، واستمر هذا الحال حتّى عام 1121هـ حين سقطت قندهار، وآذنت بذلك بقرب سقوط هذه السلالة في عام 1135هـ.
وفيما يلي نستعرض الأوضاع العامة في الولايات ومراكز الحكم في العصر الصفوي:
1ـ شيروان (شماخي): استمر ارتباط الحكام المحليين في شيروان بالحكومة الصفوية حتّى عام 946هـ ثمّ استقلوا بعدها تماماً. إلاّ أنّ القزلباش استطاعوا إعادة سيطرتهم على باكو بعد ذلك بعدّة سنين، وسيطروا على شكّي في عام 958هـ.
وكانت ولاية شيروان آنذاك تمتد من نهر الكرّ حتّى دربند وتشمل في الغرب على أرش وشكي. استولى العثمانيون عليها في زمن الشاه محمد (985ـ995)، ثمّ استعادها الشاه عباس الأوّل منهم عام 1016هـ.
2ـ قراباغ (گنجه): تذكر المصادر المتوفرة لدينا أنّ الشاه عباس بعد عودته من حملته على گرجستان حل ضيفاً في گنجة على السلطان شاهوردي زياد أغلي القاجاري، ونتيجة لذلك عيّن الأخير حاكماً على قراباغ لا سيما وهو الشخص الأوّل في عائلته، واستمرّ الحكم في هذه العائلة، وحسب مصادر الگرجي جعل الشاه حكام موكن (مومافيه) وكزخ (كازاخ) وشمشديلو وتفليس تحت إشراف حكم قراباغ. وفي أوائل عهد الشاه عباس (في عام 996هـ) استولى العثمانيون على هذه الولاية، إلاّ أنّه عاد وانتزعها منهم في عام 14/1015هـ.
3ـ جغور سعد (إيروان): تعرّضت هذه الولاية عدّة مرّات لحملات العثمانيين خلال العصر الصفوي ممّا ألحق بها أضراراً كبيرة. وفي عام 991 اتخذ العثمانيون منها معسكراً لقواتهم في البداية ثمّ وسعوا انتشارهم إلى جميع أجزائها، وما زال هذا الأمر حتّى استطاع الشاه عباس الأوّل انتزاعها منهم في أوائل عام 1013هـ.
4ـ آذربيجان: كانت هذه الولاية خلال العصر الصفوي تشكل نواة الدولة وجزءاً أساسياً منها. وفيها توّج الشاه إسماعيل الأوّل عام (907هـ ـ 1502م)، وكانت تبريز في أوائل حكم الصفويين عامصة لهم، إلاّ أنّه ليس من الواضح طريقة التقسيمات الإدارية والحكومية في آذربيجان في بداية عهدهم.
من جانب آخر يمكن أن نستنتج ممّا ورد في كتاب «خلاصة التواريخ» أنّ حاكم تبريز كان مشرفاً على جميع الأراضي التابعة لولاية آذربيجان. ويمكن أيضاً أن يكون حكام الدرجة الثانية في آذربيجان خاضعين لحاكم جغور سعد خلال ذلك العصر. وذكر أمين أحمد الرازي في كتابه (هفت إقليم) أنّ آذربيجان كانت تشتمل على الأراضي الممتدة من قراباغ إلى نهر الكر. وحسب اطلاعنا كان هناك حاكماً لهذه الولاية في زمن الشاه محمد (985ـ995هـ) يتخذ من تبريز عاصمة له، ويشرف على أراض شاسعة تمتد حتّى نهاية شيروان ومغان وأران وإيروان وكردستان.
وفي أواخر العصر الصفوي كانت الأراضي التي تشتمل عليها تبريز تعادل تقريباً ما تشتمل عليه آذربيجان حالياً، إضافة إلى زنجان والسلطانية ومغان وطالش ومنطقة قبان في الضفة الثانية لنهر ارس. وقد كانت بدليس ملحقة بالدولة الصفوية من عام 913 حتّى 939هـ وكذلك كانت وان حتّى عام 955هـ. وفي ذلك الوقت كانت أرجيش وخنوس وپاسين (حسن قلعة حالياً) تشكل الحدود العثمانية مع أرضروم، ويذهب اسكندر منشي إلى القول بأنّ تبريز اقتربت كثيراً من الحدود العثمانية بعد سقوط وان.
أعلن الشاه طهماسب مدينة قزوين عاصمة له عام (962هـ ـ 1555م) وهاجم العثمانيون مدينة تبريز مراراً، وبعد أن عقدت معاهدة مشتركة بين إيران وتركيا في توشقان ئيل عام (999/1000هـ) تقرّر أن تكون قرية أرشتناب الواقعة على بُعد إثني عشر فرسخاً جنوب شرقي تبريز حدّاً فاصلاً بين البلدين. وحين استولى العثمانيون على قراباغ، خضع حاكم قراجه داغ لحاكم تبريز واضطر القزلباش للتخلي عن الأراضي الواقعة شمال تبريز وأردوباد، وحينئذ أصبحت تدار المناطق المتبقية من هذه الولاية من مركز أردبيل.
5ـ ديار بكر (قراآمد) وأرزنجان: دخلت ديار بكر وربما أرزبخان أيضاً في الحكم الصفوي عام 913هـ، ولكنهما انتزعا منه في عام 921هـ، وقد ورد عن مؤرخ إيطالي معاصر لذلك الوقت أنّ ست مدن مهمة سوى العاصمة (قراآمد) كانت تحت سيطرة الشاه إسماعيل الأوّل، وهي: ارفه، خرپت(خرپوت)، الجزيرة، ماردين، حصن كيفا وسرت. وكانت الجزيرة وحصن كيفا تحت إدارة الأمراء الأكراد المحليين.
6ـ همذان: سيطر القزلباش على همذان عام 908هـ بعد دحرهم للسلطان مراد، وأعقبوها بفترة قصيرة بفارس وكرمان. وفي أوائل العصر الصفوي كانت همذان من المناطق الحدودية المهمة. وكانت تشتمل آنذاك على سركان ونهاوند وبروجرد وإضافة إلى ذلك ورد في (تذكرة الملوك) أنّها تشتمل في الجنوب على هرسين وفي الشمال على گروس. وقد تعرّضت هذه الولاية لخسائر كبيرة إثر لحملات العثمانية المتكررة، وبقي جزئها الجنوبي (نهاوند) فترة طويلة تحت الاحتلال العثماني امتدّت من عام 996 إلى 1011هـ.
7ـ بقية عراق العجم([548]): كانت قزوين عاصمة الدولة الصفوية منذ عام 962هـ ثمّ أصبحت أصفهان بدلاً عنها عام 1007هـ، وكانت سمنان وخوار والري وساوه وقم وكاشان وأبرقوه ويزد مقرات للحكام المحليين، وأغلب هذه المناطق كانت تعطى كإقطاعات لأرباب المناصب، ولذلك لم يكونوا يخضعون لحاكم معين.
8ـ كرمانشاه وكلهر: يندر أن يرد الحديث في المصادر الصفوية عن الولاية “كرمانشاه” الواقعة بين ولايات كردستان ولرستان وهمذان وتشير بعض الوثائق أنّه منذ بداية حكم الشاه طهماسب الأوّل (930ـ984هـ) كان أغلب حكّام أكراد كلهر من غير الأكراد. وقد كانت عشائر كلهر تسكن ما بين كرمانشاه وحدود إيران، والظاهر أنّ نفوذ الحكومات الإيرانية كان ضعيفاً بينهم في بادئ الأمر. وقد ورد في حوادث عام 950هـ أنّ جيشاً إيرانياً توجّه لتأديب عشائر كلهر الذين كانوا دائبين على التمرد والعصيان.
وليس ثمة إشارة واضحة لاسم حاكم كرمان إلاّ ما ورد في الحديث عن عهد الشاه إسماعيل الثاني (984ـ985هـ) والجدير بالذكر أنّ كرمانشاه كانت ترد في ذلك العصر والعصور التي تلته باسم سنقر ودينور. وكانت عشائر كلهر حتّى زمن الشاه صفي (1038ـ1052هـ) تحت نظرحاكم سنقر وكرمانشاه. ومنذ ذلك الحين وحتّى القرن الحادي عشر كان حاكم كرمانشاه وسنقر من أفراد قبيلة زنگنه، وقد حظي أفراد هذه القبيلة بالمناصب المهمة في البلاط حتّى عام 1110هـ، وتراوحت مناصبهم بين قائد عسكري ومنصب الوزير الأعظم.
9ـ العراق: كان العراق خاضعاً للسيطرة الصفوية في أوائل العصر الصفوي، واستمرّت هذه السيطرة من عام 914هـ إلى آخر جمادي الأولى عام 941هـ. وقد ذكر المؤرخون المناطق التابعة لبغداد، فعدوا منها: الحلة والرماحية (وكانتا حتّى عام 936هـ بيد أحد السادات المحليين)، واسط، الجزائر، دقوق، كركوك، كلهر، مندلي: ونستطيع الجزم بشأن المنطقتين الأخيرتين كانتا منذ عام 936هـ تحت يد أحد أمراء القزلباش.
وفي عهد الشاه عباس الأوّل أعيد احتلال بغداد في بداية عام 1033هـ وخلال هذه الحملة الصفوية أمكن احتلال الموصل أيضاً لفترة محدودة وكانت حكومة بغداد وحكومة همذان واحدة في عهد الشاه عباس الأوّل والشاه صفي.
وفي عام 1048هـ استولى العثمانيون على بغداد، وبعد ذلك بسنة تنازلت إيران للعثمانيين بصورة رسمية في معاهد مشتركة عن العراق بما فيه بدرة ومندلي وذهاب.
10ـ فارس: استولى الصفويون على فارس عام 909هـ وبقيت هذه الولاية تحت حكمهم حتّى نهاية عصرهم. وكان المراد بفارس في ذلك الوقت شيراز وتوابعها.
11ـ كوه گيلويه (بهبهان): كانت هناك حكومة محلية في لار ومناطق سواحل الخليج الفارسي التي لا تتوفر لدينا معلومات عنها في أوائل العصر الصفوي. وكانت هذه الحكومة مستقلة عن البلاط الصفوي وفي عهد الشاه طهماسب الأوّل تحوّلت إلى ما يعرف بحكومة كوه گيلويه. وكانت هذه الحكومة بيد الأفشاريين، ثمّ توسعت مساحة نفوذهم شمالاً وغرباً، فعيّن في عام 946هـ حاكم أفشاري على شوشتر ثمّ تلاه آخر على دزفول عام 948هـ. وفي أواخر عهد الشاه طهماسب الأوّل (984هـ) دخلت الدورق التي تسمّى حالياً الفلاحية تحت سيطرة حكومة الأفشاريين في كوه گيلويه، حتّى انتزعها منهم حاكم الحويزة.
أوكل الشاه عباس الأوّل حكومة فارس وكوه گيلويه إلى الله وردي خان، الذي ضمّ وابنه إمام قلي خان من بعده الدورق وهرمز والبحرين ولار إلى الحكم الصفوي. وقد امتدّت رقعة حكم إمام قلي خان من أقمشة بالقرب من أصفهان حتّى سواحل بحر عمان، فقد كان حاكماً على جميع نواحي فارس ولار وكوه گيلويه وشميل ومينا والبحرين وبعض مناطق ولاية خوزستان، مثل: الحويزة والدورق، وكذلك بعض أجزاء عراق العجم مثل جربادقان (گلپايگان) وتوي وسركان ومحلات. وبعد وفاة إمام قلي خان عام 1042 أوكلت كلّ ناحية من هذه النواحي إلى حاكم بعينه. وعدا عن نواحي عراق العجم كانت سائر المناطق المذكورة تحت نظر حكومة كوه گيلويه. وقد ورد في رياض الفردوس ضمن الحديث عن سلطنة الشاه سليمان الصفوي (1077ـ1105هـ) إنّ حدود هذه الولاية كانت تشمل من الشرق شميل ومينا وجرون وقشم وقلاع بهته وسرب وباروت وصحراء جاشك وكذلك كوشك ماهي ومن الغرب الدورق والأهواز وشوشتر ودزفول. وحسب المصدر المذكور فإنّ شط العرب كان يشكل حدّاً للبلاد.
ومن سنة 1108 حتّى فترة أعقبتها، كان حاكم كوه گيلويه يشرف شخصياً على حكومة البصرة التي كان حاكم خوزستان قد احتلها قبل ذلك بسنة واحدة. وحين أحدث عرب مسقط اختلالاً في أمن الخليج الفارسي في أواخر العصر الصفوي أرسل البلاط الصفوي لطف علي خان الداغستاني لتأديبهم وكان هذا الشخص حاكماً على فارس وكوه گيلويه ولار والموانئ كما هو حال الله وردي خان من قبل.
12ـ كرمان: ليس لدينا الكثير من المعلومات عن هذه الولاية في أوائل عهد الشاه إسماعيل الصفوي الأوّل (907ـ930هـ)، والشيء الوحيد الذي تذكره المصادر عنها في تلك الفترة أنّها سقطت 909هـ بيد الشاه إسماعيل الأوّل. ويذكر مصدر متأخر يعود إلى العصر القاجاري أنّ أوّل حاكم لها في زمن الصفويين هو خان محمد استاجلو، وحين عيّن هذا الشخص حاكماً على ديار بكر انحصر الحكم في كرمان في ممثليه حتّى وفاته والمراد من ولاية كرمان آنذاك هو مدينة كرمان الحالية وتوابعها تقريباً. وكانت يزد مستقلة عن كرمان، إلى أنّ ضمّها حاكم كرمان بكتاش خان الأفشاري خلافاً للقانون، وكانت هرمز آنذاك بيد البرتغاليين. وكانت قلاع مينا وتذج (تذرج) وشميل تحت سلطة الحكام المحليين حين ضمّها حاكم كرمان إليه عام 977هـ. ومنذ زمن الشاه عباس الأوّل (955ـ 1038هـ) أصبحت هذه النواحي تابعة لولاية فارس أو ولاية كوه گيلويه.
كان القزلباش قد فرضوا سيطرتهم على كيج ومكران إلى الشرق من كرمان وذلك في أواخر عهد الشاه طهماسب الأوّل (المتوفى عام 984هـ) ولكنّهم فقدوا سيطرتهم عليها في عهد الشاه محمد (985ـ995هـ) وفي أواسط عام 1017هـ أمر الشاه عباس الأوّل بإعادة السيطرة على هذه المناطق، واكتفى في البدء باستقرار بعض جباة الضرائب بين قبائل هذه المناطق. ثمّ أقيم فيها معسكر للجيش من بداية عام 1022 حتّى عام 1031هـ، وذلك في قلعة بن فهل (بميسور حالياً).
لم يستطع الصفويون تثبيت أقدامهم في المناطق الواقعة إلى الشرق من كرمان. ويمكن أن نفهم من بعض المصادر أنّ الساكنين في حد ريك (منطقة تقع شرقي نرماشير)، وسيستان وهوديان (هوديجان) كانوا قد فتحوا الطريق لغارات البلوش والعشائر الأفغانية الساكنة إلى الشرق منهم.
وحسب بعض المصادر التي تعود إلى أواخر العصر الصفوي فإنّ خبيض (شاهداد حالياً) ونرماشير ورودبار كانت تشكل النواحي الشرقية لولاية كرمان.
130ـ قندهار: فتح القزلباش هذه الولاية مرتين في عام 943 و952 إلاّ أنّهم لم يستطعيوا الصمود فيها فترة طويلة في كلّ مرّة، ثمّ سيطروا عليها من عام 965 إلى عام 1133هـ حين انتزعها منهم الأفغان. وقد حدث انقطاعان في سيطرة الإيرانيين عليها خلال هذه الفترة وذلك حين سيطر المغول عليها وكان الانقطاع الأوّل من عام 1000هـ إلى عام 1031هـ والانقطاع الثاني من أواخر 1047 حتّى بداية عام 1059هـ. وقد ورد في كتاب (مجمع التواريخ) إنّ هذه الولاية كانت في عهد آخر حاكم صفوي تشتمل من الشمال على قلاع الفلزائي الواقعة بين قندهار وغزنين (غزنه) والتي تبعد عن الأولى مسافة خمسة أو ستة منازل ومنزلين أو ثلاثة عن الحدود بين قندهار والدولة المغولية.
وأمّا من الغرب والجنوب الغربي فإنّ قندهار تتصل بسيستان وفراه وسبزوار (اسفزار)، وبناء على هذا تكون هذه الولاية واقعة على ضفاف الجزء السفلي من نهر هرومند (هلمند).
14ـ بلخ ومرو: سقطت جميع أراض خراسان بيد القزلباش بعد انتصار الشاه إسماعيل الصفوي الأوّل. ووفقاً للمصادر المتوفرة، فإنّ أحد الحكام الصفويين عيّن في مرو بعيد انتهاء الحرب. ثمّ أعقبه بسنة أحد الأمراء القزلباش حاكماً على بلخ، وكان الأخير حاكماً أيضاً على أندخود وشبرغان وجيجكتو وميمنه وفارياب ومرغاب، وتمّ التوافق مع أمراء بخارى وسمرقند الأوزبك في تلك السنة على أن يكون نهر (آمودريا) حدّاً فاصلاً بين الجانبين.
خرجت بلخ وإلى الأبد عام 922هـ من السيطرة الإيرانية وبعد وفاة الشاه إسماعيل الأوّل (م 930هـ) فقد القزلباش مرو. وكانت مرو متروكة قبل أن تقع بأيدي الأوزبك عام (932 و933هـ. ثمّ قام الشاه عباس الأوّل بإعادة السيطرة على مرو وضمّها إلى بلاده، ثمّ أوكل الحكم فيها عام 1007هـ إلى أحد أمرائه ومعها نسا وأبيورد ودرون، ثمّ عزله عام 1008هـ بعد أن عصى أمره وعيّن أحد أمراء القزلباش بدلاً عنه.
15ـ مشهد وهرات: دخلت هاتان الولايتان تحت سيطرة القزلباش عام 916هـ، وقد تعرضتا عدّة مرّات طوال الحكم الصفوي لغارات وهجمات أوزبك ما وراء جيحون. وما بين عام 996 وعام 1007هـ سيطر الأوزبك في البداية على بعض أجزاء خراسان ثمّ سيطروا عليها جميعاً. وفي أواخر عام 1127هـ أو أوائل عام 1128هـ أي في أواخر الحكم الصفوي كانت هرات ثاني أكبر ولاية بعد قندهار تتمرد على هذا الحكم.
خضعت مشهد منذ عام 962هـ ولفترة طويلة لحكم أحد الأمراء، وقد ورد في (خلاصة التواريخ) أنّه كان مهيمناً على جميع حكام ولايات خراسان ما بين سمنان وهرات وسيستان. والحقيقة أنّ مشهد لم تكن تحظى بهذه الأهمية دائماً، فمثلاً كان حاكمها في زمن الشاه إسماعيل الثاني (984ـ985هـ) حاكماً على نصف خراسان. وكانت مشهد تحد من الغرب بسمنان ودامغان وبسطام (قومس: كومش)، ومن الشرق بشمال اسفراين.
وكانت ناحية قوجان خاضعة لسيطرة القزلباش في بداية الحكم الصفوي ثمّ صارت تتذبذب بين الصفويين والأوزبك خلال عهد شاه طهماسب الأوّل، حتّى دخلت بصورة نهائية في الحكم الصفوي عام 972هـ. وإلى الشرق منها كانت تبارگان (قرب مشهد) وسرخس وزور آباد من النواحي الحدودية لإيران.
فقد القزلباش سيطرتهم على نسا وأبيورد ودرون وباغباد في شمال گرگان وكذلك مرو بعد وفاة الشاه إسماعيل الأول (930هـ) وحين انتزع الشاه طهماسب مدن صحراء خراسان في شعبان عام 943هـ من أمراء الأوزبك أوكل الحكم فيها إلى أحد أمراء القزلباش لبضعة أسابيع وبضعة أشهر فقط، حيث قدم الأمراء المهزومون لتقبيل رجليه، فعفا عنهم وأرجع لهم الحكم.
ورد في تذكرة الملوك أنّ هذه النواحي كانت في أواخر الحكم الصفوي تابعة لمشهد. وكانت مشهد تجاور من الشرق تربة زاوه (تربة حيدرية) وخواف وتون (فردوس الحالية) التي كانت من توابع ولاية هرات.
والمصادر الصفوية تجمع على أنّ الشاه إسماعيل الأوّل عيّن الأمير الميرزا طهماسب عام 921هـ حاكماً على خراسان من حدود سمنان حتّى ضفاف نهر آمو. وثمة خبر يشير إلى أنّ حاكم هرات عيّن عام 928هـ حكاماً على اسفراين ومشهد واسترباد.
ويذكر أنّ الشخص الأوّل الذي شغل منصب الصدارة في خراسان كان يتخذ من هرات مقراً له وكان تعيينه في عام 921هـ. وقد امتد نفوذ رجل الدين هذا (الصدر) إلى جميع ولايات خراسان الممتدة من عراق العجم وأذربيجان إلى نهاية طخارستان. وكانت رقعة نفوذ وزير خراسان الذي كان يسكن هرات أيضاً نفس هذه الرقعة الشاسعة.
فقدت هرات مركزيتها وأهميتها الاقتصادية في أواسط القرن العاشر الهجري، ولكنّها بقيت مهيمنة على حاكم مشهد من حيث القيادة العسكرية.
16ـ استرآباد: حين دخل الشاه إسماعيل الأوّل خراسان في حملته العسكرية، انهزم حاكم استرآباد الأوزبكي، وقدم وجهاء وأعيان المدينة لتهنئة الشاه بانتصاره. وبغضّ النظر عن بعض هجمات الأوزبك على هذه المدينة فإنّها بقيت خاضعة للصفويين حتّى نهاية حكمهم، باستثناء عام 991هـ أو بعد ذلك بعامين حين اضطر القزلباش إلى الجلاء عن هذه الولاية الساحلية لحدوث الاضطرابات فيها. ولكن الشاه عباس الأوّل أعاد السيطرة عليها عام 1006هـ حين توجّه لفتح خراسان.
تجاور هذه الولاية من جهة الغرب نواحي أشرف وهزار جريب التابعة لمازندران وتشتمل من جهة الشرق على حاجيلر وگرايلي. وإضافة إلى ذلك كانت تشتمل على گرگان والمناطق التي يسمّيها اسكندر المنشي بالأرض الفاصلة بين جرجان وخوارزم، وحتّى ضفاف نهر اترك. وفي عهد الشاه طهماسب الأوّل حطّت قبائل اخلو وگوكلان وإيلور رحالها على ضفاف نهر اترك ثمّ دخلت گرگان واشتغلت بالزراعة فيها وأصبحت هذه القبائل المشهورة بصاين خاني جزءاً من رعايا الدولة الصفوية. وفي عهد الشاه طهماسب الأوّل أيضاً تمرّدت هذه القبائل. وفي زمن الشاه عباس الأوّل اسْتُقْدِمَ التركمان بكثرة إلى ناحية استرآباد حتّى غطّت خيامهم الأراضي الممتدة من أقصى گرايلي وحاجيلر حتّى حدود استرباد وگرگان، أي بما يعادل مسيرة عشرة أيام.
وعُيِّن لهذه القبائل العديد من جباة الضرائب وأصحاب الشرطة لقبض الأموال منهم وإدارة شؤونهم. ومن الأراضي التي كانت تابعة لاسترآباد الجانب الآخر من جبل ألبرز بما فيها دامغان وبسطام وبيارجمند والعرب العامريون (المخيمون في نواحي بسطام وهزار جريب)، وكل هذه المناطق كانت تابعة لحاكم استرآباد.
القضاء في العصر الصفوي
تأسّست في إيران دولة جديدة مبنية على أساس التشيع بعد انطلاقة الشاه إسماعيل الصفوي الأوّل الذي كان مدعوماً من متشددي الشيعة في سوريا وآسيا الصغرى. وكان الشيعة قد لجؤوا إلى النشاط السري بعد سقوط البويهيين في إيران وانقراض الفاطميين في مصر، وكانوا يتمركزون في جبل عامل من بلاد الشام والحلة في العراق والبحرين في الخليج الفارسي ويمضون حياتهم بين الخوف والرجاء نتيجة للظروف التي كانوا يعيشونها. وحين استقرّت الدولة الصفوية وجد الشيعة فيها فرصة لطرح عقائدهم وأفكارهم الدينية، واستطاعوا في زمن الشاه طهماسب أن يزيحوا العناصر الشافعية والحنفية التي كانت تتقرّب إلى الشاه مراعاة لمصالحها، وربّما انتظاراً للفرصة المناسبة لإبراز معارضتهم.
وقد وضع فقهاء جبل عامل مختلف الكتب الشيعية في أمور الدنيا والدين، ولا تزال بعض هذه الكتب تحظى بكامل الأهمية رغم مرور عدّة قرون عليها، ومنها كتاب شرائع الإسلام وكتاب شرح اللمعة الدمشقية. ومع ملاحظة كون الخلافات والاختلافات بين سائر المذاهب الإسلامية لا تتعدّى الأمور الجزئية ولا تتعلق بالأمور الأساسية، نفهم أنّ انتقال الناس من الفقه الحنفي والشافعي إلى فقه آل البيت لم يكن يواجه بكثير من الصعوبة، ولم تصل هذه الصعوبة إلى المستوى التي كانت عليه في انتقال الحكم من الأتراك التيموريين والآق قويونلو إلى الصفويين. من هنا كان القضاء موافقاً لما جاء في كتب (الشرائع) و(المدارك) و(شرح اللمعة).
اضطر الشاه طهماسب في معالجة منه للمشاكل التي واجهها قبله غازان خان، إلى إصدار الأحكام القاضية بتنظيم أمر القضاء والأموال وسلوك الحكّام مع الرعية وتعيين الحدود المقررة بين الحاكم والمحكوم، ولا تزال صور بعض هذه الأحكام منصوبة على عدد من جدران المساجد في سائر المدن الإيرانية.
والجدير بالذكر أنّ الوضع الذي كان عليه الحكم الصفوي لمدّة قرنين من الزمن وبلغ صورته الكاملة في زمن الشاه عباس الأوّل إنّما كان غير المقررات التي وضعها الشاه طهماسب.
بإمكاننا الحديث عن الوضع القضائي في أواخر العصر الصفوي الذي كان قائماً كما ذكرنا على الأسس التي وضعها الشاه طهماسب، ونعتمد في ذلك على المصادر التي تركها السائحون الأوروبيون الذين كثر عددهم في إيران أواخر العصر الصفوي.
وكان وضع القضاء كما يلي:
1ـ الصدر: حظي منصب الصدر بأهمية كبيرة في العصر الصفوي كمقام ديني رفيع يناظر مقام قاضي القضاة في عهد الخلافة. وعادة ما كان صاحب هذا المنصب من رجال الدين المعروفين والمتنفذين وربما من المرتبطين أيضاً بصلة قرابة مع العائلة الحاكمة.
صلاحيات الصدر
تعيين حكام الشرع والقضاة والمشرفين على الأوقاف ونقباء السادات وتنظيم الحوزات العلمية وانتخاب مُدرِّسي المدارس وكذلك انتخاب شيوخ الإسلام وأئمة الجماعات والمتولين والقراء وسائر خدمة المساجد والمدارس والأماكن المقدسة ووزراء الأوقاف (المأمورون بحل الأمور وفصلها) والنظّار والمستوفين وسائر عمّال الأوقاف الشاهية والمحررين والمغسلين والحفارين، ولذلك كان هذا الصدر يسمّى بصدر العامة.
الأحداث الأربعة: كانت الأحداث التي يرتكبها المعتدون المتسلطون بحق الناس تحتاج بعد دراستها وصدور الأحكام بحقها إلى قدرة تنفيذية عالية. والأحداث الأربعة هي القتل وانتهاك الأعراض والجرح والسرقة ولأهمية هذه الأمور نظم ديوان عرفي في جهاز القضاء الشرعي لمتابعتها.
ديوان الأمير والأحداث الأربعة: كان مقام صاحب ديوان الأمير المشرف على متابعة الأحداث الأربعة يأتي في مصاف كبار أمراء البلاد وهو لا يحمل صفة دينية، ويسمّى ديوانه (ديوان بيگي) فالكلمة الأولى تعني مجلس والثانية كلمة تركية تعطي معنى الأمير أو الرئيس. وقد تغيّرت هذه التسمية في العصر القاجاري إلى (أمير الديوان) وأصبح هذا اللقب منحة تعطى لمناسبة وغير مناسبة. والأصل في هذا الأمر أنّ الصدر يبت بالحكم ويشرف ديوان الأمير على تنفيذ هذا الحكم. وعادة ما كان الصدر يحضر شخصياً في هذا الديوان.
وقد اقتصرت الدعوى وتنفيذ الحكم على أمير الديوان، ولم يكن من حق حكام الشرع أن يبتوا بهذه الأمور بصورة مباشرة، والحقيقة أنّ هذا الأمر إنّما اقتبس من مجلس (يارغوي) المغولي وديوان المظالم في عهد الخلافة العباسية، واكتسب صفة مستقلة. وبدلاً من الأمير أو الوزير أو القائد أو الخليفة أو السلطان الذين كانوا يحضرون في مجلس المظالم، تحوّل الأمر هنا إلى مقام رسمي رفيع يأتي في مصاف المناصب الحكومية من الدرجة الأولى. وكان صاحب هذا المقام يشرف بصورة مباشرة، ومستمرة على مهام هذه الوظيفة. وإذا احتاج تنفيذ الأحكام الصادرة بشأن الأحداث الأربعة إلى قدرة كافية فإنّ الأمر الذي يتعلق عادة بالقضاة يخرج منهم إلى الديوان بيگي.
صلاحيات أمير الديوان (الديوان بيگي): كانت صلاحيات أمير الديوان مقتصرة في البداية على التنسيق مع الصدر في الحوادث الأربعة، ثمّ توسّعت صلاحياته بالتدريج، بحيث أصبح في نهاية الحكم الصفوي المرجع النهائي لتظلم الرعايا من جميع عمال الدولة. وبصورة عامة يمكن تلخيص صلاحيات أمير الديوان بما يلي:
1ـ متابعة جميع الجرائم التي تقع في سائر أنحاء إيران.
2ـ تنفيذ جميع الأحكام الشرعية التي لا يبدي المحكومون بها خضوعهم لتنفيذها بحقهم.
3ـ استلام شكاوى الناس بحق موظفي وعمال الدولة وتسليمها إلى الجهات المختصة ومتابعة تنفيذها.
4ـ استلام الشكاوى المرفوعة بحق الولاة ورؤساء الشرطة وكبار الأمراء والمقربين من البلاط وتسليمها لشخص الشاه، وكسب التكليف منه بشأنها.
صدر الخاصة: كان هناك منصب صدارة آخر يشابه منصب صدر العامة وهو صدر الخاصة. ووظيفة الأخير مختصة بولايات الشاه الخاصة، وهي: يزد وأبرقو ونائين وأردستان وقمشة ونطنز ومحلات ودليجان وخوانسار وبروجرد وفريدن ودار ومزدج وكيار وجابلق وگلپايگان وفراهان وكاشان وقم وساوه ومازندران واسترآباد وكرايلي وحاجيلر، وكانت الشؤون المالية والعسكرية في هذه الولايات ترتبط بالشاه ارتباطاً مباشراً، خلافاً لسائر الولايات الإيرانية الأخرى، ولهذا كان القضاء والبت في الأمور الشرعية في الولايات الخاصة من مسؤولية مرجع الشرع الخاص الذي يسمّى بصدر الخاصة.
وربما حدث أن اجتمع منصبا صدر العامة وصدر الخاصة في شخص واحد، ولكن الطابع الغالب عليهما هو الانفصال. وكان صدر الخاصة يجلس مع أمير الديوان يومي السبت والأحد لمتابعة الأمور المتعلقة به، ويجلس بصدر العامة في باقي أيام الأسبوع.
نائب الصدر: لما كان تعيين القضاة والمتصدين للأمور الشرعية في سائر الولايات الإيرانية التي كانت تسمّى المماليك المحروسة (وهي جميع الولايات باستثناء الولايات الخاصة) من مهام صدر العامة، فإنّ هؤلاء القضاة والمتصدون كانوا يسمّون بنواب صدر الممالك، وكان في كلّ ولاية نائب من هؤلاء النواب، وكذلك كان صدر الخاصة يعين مثل هؤلاء النواب في كلّ ولاية من الولايات الخاصة.
قاضي أصفهان
كان قاضي أصفهان وهو أبرز قضاة الممالك المحروسة وصاحب أكبر منصب قضائي يجلس في داره يومياً لمتابعة الدعاوى الشرعية والبت فيها وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية. وحين تصدّى الشيخ جعفر الگلپايگاني لهذا المنصب خلفاً للملا محمد باقر المجلسي توسع عمل القضاء عمّا كان عليه فشمل حفظ حقوق الايتام وضبط أموال الغائب، ويمكن القول بأنّ عمل القضاء في عهده بلغ المستوى الذي كان عليه في العهود السابقة.
شيخ الإسلام
كان منصب شيخ الإسلام في أصفهان في حقيقته بديلاً عن منصب المحتسب القديم، وكان يؤدي نفس أعماله السابقة من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ومن هنا كان منصب شيخ الإسلام في عهد الشيخ جعفر، قاضي أصفهان نفس المنصب الذي كان معروفاً في القرنين الثالث والرابع للهجرة.
قاضي العسكر
استحدث هذا المنصب في العهد السلجوقي استجابة لما تقتضيه حياة الأتراك الغز، وفي العهد المغولي كان صاحب هذا المنصب يسمّى أمير يارغو. وكان قاضي العسكر يرافق الشاه في أغلب حملاته العسكرية ليبت في المشاكل المتعلقة بإجراء الأحكام الشرعية بخصوص المغلوبين والأسرى والغنائم الحربية وسائر الأحداث التي تحصل في تلك الحملات.
وفي الدولة العثمانية كان القاضي العسكري يستشار في المسائل المهمة من قبل السلاطين العثمانيين، ويحظى بأهمية أكبر منها في إيران، ولكن العلاقات الإيرانية ـ العثمانية أثّرت على سير القضاء في إيران فأحدثت هذا المنصب (قاضي العسكر) في التشكلات القضائية في العهد الصفوي.
ابتدأ عمل قاضي العسكر في إيران بمشاورة أمير الديوان ثمّ تعدّى ذلك إلى التدخل في رواتب الجند حيث كان ختمه خلف حوالات رواتب الجند أكثر أهمية من البت في الأمور الأخرى.
التداخل في الصلاحيات الشرعية والعرفية وظهور الملا باشي: أحدث الاشتراك في الأعمال القضائية لأمير الديوان وفقهاء البلاط وغيرهم من العلماء نوعاً من التداخل في الصلاحيات الشرعية والعرفية، وبالتالي نوعاً من الخلط بين الأعمال الدينية والدنيوية أو الشريعة والسياسة وكان نتيجة ذلك حدوث الفوضى في هذه المجالات بحيث أصبح الملا باشي وهو صاحب منصب بسيط في البلاط ينافس الصدر والقاضي وشيخ الإسلام، وكان نفوذ الملا باشي عاملاً من عوامل انحطاط الدولة الصفوية في عهد الشاه السلطان حسين الصفوي، حتّى أدّى ذلك إلى غلبة الأفغان.
العلاقات بين الصفويين والروس([549])
تذكر المصادر والوثائق القديمة أنّ أوّل علاقة سياسية بين إيران وروسيا كانت في زمن حكومة الأمير حسن بيك الآق قويونلو المعروف بـ: اوزون حسن([550]). حيث بعث أمير موسكو الكبير إيوان واسي ليوفيج المعروف بإيوان الثالث سفيره مارك روفو إلى إيران، فوصل آذربيجان عام (880هـ ـ 1475م) والتقى الأمير حسن بيك فيها، ثمّ عاد إلى موسكو في ربيع الأوّل من نفس العام برفقة سفراء الأمير حسن الذين بعثهم إلى البلاط الروسي وبعض بلاطات الدول الأوروبية.
وبعد ظهور الدولة الصفوية وانقراض دولة الآق قويونلو يبدو أنّ أوّل علاقة سياسية أقيمت بين روسيا وإيران كانت في زمن الشاه طهماسب الأوّل. ففي عام (960هـ ـ 1553م) أقام رجل إنكليزي يدعى ريتشارد جنسلر شركة تجارية في موسكو أسماها شركة موسكو بعد أن حصل في ذلك على إذن من إيڨان الرهيب.
وبعد وفاته عام 964هـ تولّى أحد أصدقائه ومساعديه ويدعى أنطونيو جن كين رئاسة سفن هذه الشركة. فكُلِّف واثنين من موظفي الشركة بفتح باب العلاقات التجارية عن طريق بحر قزوين بين روسيا وبلدان آسيا الوسطى، والظاهر أنّه كلف أيضاً من قبل الحكومة الروسية بمهمة سياسية في مدينة بخارى.
وبعد الشاه طهماسب الأوّل بعث ابنه الشاه محمد خدابنده في أواخر سلطنته (عام 994 أو 995هـ) سفيراً يدعى هادي بيك إلى بلاط فدور الأوّل أو فدور إيڨانڨيتش، ابن وخليفة إيڨان الرهيب وحمّله رسالة ودّية طلب فيها من الحكومة الروسية أن تقيم علاقات ودية صادقة مع إيران كما كان الحال في زمن أسلافه الصفويين، وأبدى استعداده مقابل هذه العلاقات أن يتنازل عن باكو ودربند لروسيا. ولكن هادي بيك ومرافقيه تعرّضوا في طريقهم لمداهمة من قطاع الطرق القوزاق الذين نهبوا كلّ ما كان معهم. إلاّ أنّهم استقبلوا في موسكو استقبالاً حاراً ثمّ أعيدوا إلى إيران مع رسول خاص إلى الشاه محمد اسمه گريگوري فاسيلجيكوف.
وحينما وصل سفيرا إيران ورسيا في أوّل شعبان عام 996هـ إلى ميناء هشترخان بلغهما خبر خلع الشاه محمد وجلوس الشاه عباس على العرش بدلاً عنه، فاضطر السفير الروسي إلى تحويل الرسالة إلى اسم الشاه عباس، وسلك مع السفير الإيراني طريق بحر قزوين فوصل قزوين في العشرين من جمادى الأولى عام 996هـ والتقى الشاه عباس فيها، وبعد تأدية مراسم الاحترام قدم له هدايا حكومته الروسية.
وفي الثاني عشر من رجب عام 997هـ بعث الشاه عباس هادي بيك مرّة أخرى مع أحد زعماء القزلباش اسمه بوداق بيك إلى البلاط الروسي برفقة سفير روسيا.وسيَّر مع هؤلاء السفراء مترجماً خاصاً وعمالاً لحمل الهدايا والتحف بلغ عددهم خمسة عشر شخصاً، وفي رسالته أكّد الشاه عباس مرّة أخرى على ما كان أبوه قد تقدّم به من التنازل عن باكو ودربند.
وتكرّرت المراسلات بين الدولتين، فعندما استولى الشاه عباس على گيلان بعد أن هرب منها الخان أحمد الگيلاني متوجهاً نحو الدولة العثمانية في أوائل عام 1001هـ، بعث سفيره الحاج خسرو مع جماعة من القادة والأعيان إلى البلاط الروسي، فاستٌقبل هؤلاء استقبالاً ودّياً حاراً في القصر الملكي. وبعد مغادرة الحاج خسرو ورفاقه لموسكو بشهر واحد، بعث الشاه عباس رسولين آخرين هما الحاج اسكندر والحاج محمد فوصلا ميناء هشترخان ومنه توجها إلى موسكو (في 14 ربيع الثاني عام 1002هـ)، ولكن فدور إيڨانوفيج اعتذر عن استقبالهما بحجة وفاة ابنته وانشغاله بعزائها، وأوصى بعض رجال بلاطه باستقبالهما، وكان جل هدفهما القيام بالأعمال التجارية وشراء بعض البضائع الروسية. وإضافة إلى ذلك كان الشاه عباس قد حملهما رسالة ودّية وهدايا متنوعة، وطلب في رسالته ضرورة توطيد أواصر المودة بين إيران وروسيا. وفي مقابل الهدايا التي حملها السفيران الإيرانيان طلب الشاه عباس أن يدفع لهما مقادير من جلود الخز والسنجاب والثعلب وبعض الأمتعة الأخرى، فوافق الروس على ذلك، ولكنّهم رأوا أنّ قيمة الأمتعة التي طلبها سفيرا إيران تفوق بقيمتها ما جلباه من هدايا فطالبوهما بدفع الفارق في السعر، فاعتذر الحاج خسرو عن ذلك بحجة أنّه لا يملك أمراً بهذا الشأن فأمر ملك روسيا بإعادة هدايا الشاه عباس وسفيريه إلى إيران بعد أن حملهما برسالة منه وأخرى من وزيره بوريس گودونف.
وفي عام (1002هـ ـ 1593م) بلغ ملك روسيا أنّ الشاه عباس دخل في معاهدة صلح مع السلطان العثماني مرادخان الثالث، فرأى ضرورة إرسال سفير خاص إلى بلاط الشاه ومعاتبته بهذا الشأن، خصوصاً أنّ ذلك جاء في الوقت الذي نشب فيه العداء بين روسيا والدولة العثمانية. فأرسل أحد أعيان روسيا واسمه سوني گورودسكي ومعه 63 شخصاً من رجال البلاط، فدخل هذا الوفد الكبير گيلان في السابع من محرم عام 1003هـ، وأمر الشاه عباس عشرين من رجال البلاط باستقبال الوفد الروسي.
وبعد 22 يوماً من البقاء في لاهيجان غادر الوفد هذه المدينة متوجهاً إلى قزوين، وكان الشاه عباس آنذاك في كاشان، فاضطر الوفد للتوجه إليها، فوصلها في العشرين من شهر صفر (عام 1003هـ)واستقبل الشاه رجال الوفد مرّة في ساحة كاشان وخمس مرّات في قصره. ثمّ حملهم معه إلى قزوين التي كانت عاصمة الملك حينذاك، واستقبلهم فيها مرّة في إحدى مقاهي السوق. وأخرى في مجلس كان فيه نمران مربوطان بسلاسل وثالثة في احتفال بمناسبة عيد نوروز.
وكان آخر لقاء لسفير موسكو مع شاه إيران في التاسع والعشرين من رجب من نفس ذلك العام، حيث أجازه الشاه ومرافقيه بالعودة إلى موسكو، وفي الوقت ذاته بعث معهم أحد كبار قادته وهو إمام قلي خان مع عدد من الشخصيات كسفراء له إلى موسكو، فوصل الجميع مقصدهم بعد عدّة شهور، واستقبلوا استقبالاً حافلاً، ومكثوا في موسكو بضعة أشهر. وفي تلك الأثناء قدم إلى روسيا سفير الشاه عباس السابق إلى البلاط الروسي هادي بيك مع أحد تجار إيران، فدخل الإثنان موسكو في الثامن من جمادى الآخرة عام 1005هـ. وقد حمل الشاه عباس سفيره هذا رسالة إلى ملك روسيا يطلب منه فيها أن تتبادل إيران وروسيا سفراء مقيمين لتكون أواصر المودة والعلاقات المشتركة بين البلدين أكثر استحكاماً وأشدّ ثباتاً، وليتسنى بواسطة هؤلاء السفراء المقيمين الإسراع بفتح الطرق التجارية فاستقبل ملك روسيا سفير الشاه بحفاوة بالغة وأجازه بعد بضعة أيام برفقة سفير خاص يدعى الأمير ڨاسيلي توفياكين وخمسة وسبعين مرافقاً. فتوجّه الجميع نحو إيران في الثالث عشر من رجب عام 1006هـ، ولكن السفير الروسي مرض في بحر قزوين ومات، فخلفه كاتبه، لكن هذا بدوره أصيب بعد دخوله گيلان بمرض شبيه بالوباء كان قد ظهر في هذه الولاية فمات ومات معه عدد كبير من أصحابه، ولما بلغ رسل روسيا قزوين في بداية ربيع الثاني والتقوا بالشاه عباس لم يكن عددهم يتجاوز السبعة وثلاثين رجلاً. فحملهم الشاه عباس معه إلى أصفهان ثمّ أجازهم بالإنصراف بعد بضعة أيام. إلاّ أنّ هؤلاء السفراء لم يبق منهم في عودتهم إلى روسيا سوى ثلاثة أشخاص.
وفي عام 1007هـ بعث الشاه عباس حسين علي بيك بيات والسير أنطونيو شيرلي في سفارة ودية إلى ملك روسيا الجديد بوريس گودونف، فبادر الأخير منه إلى إرسال أحد أعيان روسيا إلى إيران ويدعى (زاسكين) مع هيئة من المرافقين.
وفي عام 1011هـ بعث إمبراطور ألمانيا (رودولف الثاني) هيئة سياسية إلى إيران برئاسة أتي ين كاكاش، وكلف أيضاً بمفاوضة الروس في موسكو بشأن الاتفاق بين إيران وألمانيا والسعي لإدخال الروس في هذا الاتفاق.
خرج السفير الالماني والوفد المرافق له من مدينة براغ في الثامن من ربيع الأوّل عام 1011هـ ودخل موسكو في الثالث والعشرين من جمادى الأولى من نفس العام، وبعد إنهائه لمهمته في موسكو توجّه إلى إيران فوصل مدينة لنگرود في ولاية گيلان في السابع والعشرين من صفر عام 1012 بعد واحد وثلاثين يوماً من الإبحار في بحر قزوين وفي لنگرود بعث رسولاً إلى أصفهان ليخبر الشاه عباس بوصوله، وكان الشاه في صدد الهجوم على آذربيجان واستعادة هذه الولاية من الأتراك العثمانيين، فأمر روبرت شيرلي باستقبال السفير الالماني ومرافقيه. ولكن كاكاش وثمانية أشخاص من الوفد المرافق له مرضوا في گيلان مرضاً شديداً بسبب سوء التغذية ورداءة المناخ في گيلان، وحين وصلوا لاهيجان فارق السفير الحياة ومعه ثلاثة أشخاص آخرين. وكان كاكاش قد أوكل رئاسة الوفد قبل وفاته إلى كاتبه الخاص جورج تكتا ندرفن دريابل، فاستقبله شيرلي ورافقه إلى قزوين وفيها أمر أحد الوجهاء بمرافقة الوفد الألماني إلى تبريز، حيث كان الشاه عباس قد هاجم تبريز في ذلك الوقت بجيش كبير وفتحها. وفي الحادي عشر من رجب عام 1012هـ التقى تكتاندرفن شاه إيران وسلمه الرسائل التي حملها معه من إمبراطور ألمانيا وقيصر روسيا. وكان الشاه عباس عازماً في تلك الأيام على التوجه إلى أرمينيا والقفقاز فحمل تكتاندرفن ومرافقيه معه إلى أرمينيا، وبعد أن استولى على قلعة إيروان سمح له بالعودة إلى بلاده، وبعث معه أحد رجال بلاطه المقربين إليه واسمه مهدي قلي بيك إلى قيصر روسيا وإمبراطور ألمانيا وحمله رسائل جوابيه، وبعد ثمانية أشهر من السفر المضني وصل خليفة السفر الالماني ومعه السفير الإيراني مهدي قلي بيك. وكان الشاه قد أوصى الأخير بشرح تقدم الجيش الإيراني في الاراضي العثمانية.
وفي موسكو استقبل بوريس گورونف سفيري إيران وألمانيا استقبالاً حاراً، وحمل تكتاندرفن رسالة إلى إمبراطور ألمانيا رودلف الثاني شرح فيها العلاقات الودية بين روسيا وإيران.
وقد ذكر المؤرخون أنّ الشاه عباس الأوّل بعد أن فتح آذربيجان وأرمينيا وشيروان استعان بالقس پادري جوان (برجان تاده) الذي كان بابا روما قد أرسله عام 1011هـ مع عدد من القساوسة إلى إيران وشغل منذ ذلك الحين منصب خليفة القساوسة الكرمليين الحفاة في أصفهان، أقول استعان به في مراسلة الدولة الأجنبية حيث حمّله رسائل موسكو وبولندا وألمانيا وعدد من الدول الأوروبية الأخرى، وسلك في رحلته هذه طريق بحر قزوين متوجهاً في البداية إلى موسكو عن طريق ميناء هشترخان (حاج ترخان).
استمرّت العلاقات الودية بين إيران وروسيا على قوّتها بعد وصول عائلة رومانوف إلى سدّة الحكم في روسيا. حيث بادر ميخائيل رومانوف ـ وهو أوّل قياصرة هذه العائلة ـ بعد استقرار حكومته إلى إرسال وفد سياسي إلى إيران برئاسة ميخائيل نيكي تيتش تيخانوف أحد رجال بلاطه. فالتقى الوفد بالشاه عباس في قزل آغاج في السابع عشر من شهر ذي القعدة عام 1022هـ، وكان لقاءاً ودياً. ثمّ عاد الوفد إلى روسيا في السابع والعشرين من شهر ذي الحجة عام 1023هـ مزوداً برسالة مودة، وسير الشاه معه أحد الشخصيات البارزة في إيران وهو فولاد بيك سفيراً عنه إلى موسكو، فبلغها في خريف عام 1024هـ. وفي التاسع عشر من رجب أذن له الروس بالانصراف بعد أن زوّدوه برسالة مودة وصداقة إلى الشاه عباس.
وفي عام (1120هـ ـ 1708م) بعث بطرس الكبير وفداً إلى إيران برئاسة شخص أرمني اسمه إسرائيل أوري. واستغل سبعمائة تاجر روسي هذه الفرصة فرافقوا الوفد تخلصاً من دفع الضرائب الجمركية وكان العدد الكبير لهؤلاء وسوء أخلاقهم سبباً لإزعاج وإرعاب الناس في أصفهان، فشاع آنذاك أنّ القيصر عازم على احتلال گرجستان وأرمينيا، والحال أنّ هؤلاء التجار لم يكن لهم هدف سوى القيام بالأعمال التجارية. وقد استقبله الشاه سلطان حسين الصفوي استقبالاً حافلاً. وبعد سبع سنوات بعث بطرس الكبير وفداً آخر برئاسة شخص لائق اسمه آرتمر فلينسكي، والظاهر أنّ بطرس الكبير كان آنذاك في صدد القيام بهجماته العسكرية.
وفي عام 1135هـ استغل ضعف إيران في زمن الشاه سلطان حسين الصفوي فهاجم إيران، محاولاً في نفس الوقت الحيلولة دون اقتراب العثمانيين من بحر قزوين. وفي الوقت الذي كانت الدولة الصفوية تمضي أيام احتضارها، بعث بطرس الكبير رسوله إلى بلاط الشاه السلطان حسين، فتزامن قدومه إلى إيران مع دخول الأفغان فيها وانتصارهم على الشاه الصفوي، فقدم نفسه إليهم وطالبهم بتعويض الخسائر التي لحقت بالروس، ومنها نهب خان خيوه لقافلة روسيا، وما لحق بالروس من خسائر في شماخي. ولم يكن محمود الأفغاني يفقه شيئاً في السياسة الخارجية، فأخبر سفير موسكو بأنّه لا يملك سلطة على الأوزبك ولا على اللزگيين. والحقيقة أنّ هذا الأمر واضح لا يحتاج إلى دليل، وعن الاعتراف به أيّد الاعتداء وشكّل ذريعة لبطرس في خطواته اللاحقة. حيث بعث مجموعة من السفن الحربية عن طريق نهر الفولكا تحمل اثنين وعشرين ألف مقاتل وانضمّت هذه القوات إلى الخيالة التي تحرّكت من ميناء هشترخان في ولاية داغستان. وأشاع بطرس بأنّه لا ينوي التوسّع مطلقاً إنّما هو عازم من وراء حركته على إنقاذ شاه إيران من ظلم واستبداد الأفغان.
وهكذ توجهت قوات نحو الجنوب، واصطدمت بقوّة داغستانية فغلبتها، ثمّ استولت على دربند. وتذكر بعض الروايات أنّ بطرس كان بصدد التوجّه نحو باكو وشماخي، لولا أنّ السفير العثماني وصل في تلك الأثناء وأبلغه أنّ القوات العثمانية قد استولت على شماخي وأعلمه أنّه إذا تقدّم نحو هذه المنطقة فسيعد ذلك بمثابة إعلان للحرب. ولم يكن بطرس يرغب في خوض الحرب مع العثمانيين ففضل الانسحاب وترك في دربند قوة قوامها ثلاثة آلاف مقاتل.
وفي شتاء العام التالي حاصر الأفغان المهاجمون مدينة رشت فبعث حاكمها رسولاً إل هشترخان يستنجد بالروس فاستغل بطرس الكبير هذه الفرصة ولم يكتف باحتلال رشت بل تعدّاها إلى مدن أخرى. ولم يتدخل الروس في إدارة هذه المدينة بل تركوها لخاناتها. ودكّت القذائف الروسية مدينة باكو فاستسلمت، ورضي بطرس الكبير بما جناه غاية الرضى.
وممّا يدعو للأسف أنّ طهماسب الثاني ابن الشاه السلطان حسين الصفوي حينما رأى عجزه عن الوقوف بوجه المهاجمين الأفغان طلب العون والمدد من بطرس الكبير. فتعهدت روسيا بطرد الأفغان عن أرض إيران وفي المقابل تعهد طهماسب بالتنازل لروسيا عن: شيروان وداغستان وگيلان ومازندران واسترآباد، ولكن بطرس لم يقم بخطوة واحدة لطرد الأفغان واكتفى بالاستيلاء على گيلان فقط، وربّما كان السبب في ذلك هو أنّ أياً من الجانبين لم يكن ينوي الوفاء بتعهداته والعمل بالشروط التي يمليها على نفسه.
انسحاب الروس من ولايات الخزر
بعد أن توفي بطرس الكبير، تركت روسيا السياسية العدائية والتوسيعة فقد أوضح مستشارو الملكة([551]) بأنّ الأوضاع في إيران تسير في غير صالحهم، من هنا قرّرت الملكة أن تسحب قواتها من ولايات الخزر، فأعيدت مازندران واسترآباد (اللتين لم يحتلا مطلقاً) بالإضافة إلى گيلان إلى إيران وفقاً لمعاهدة رشت عام (1145هـ ـ 1732م). وكان نادرشاه قد بعث بتهديد إلى الجنرال الروسي قال فيه إنّه إذا لم يترك الأراضي الإيرانية فإنّ خدمه سيلقون به خارجاً.
وقد ذكر المؤرخون أنّ موسكو بعثت ممثلاً عنها إلى مشهد لعقد معاهدة مع نادرشاه، فامتنع الأخير عن إعطاء رد سريع، فبقي هذا الممثل ملازماً لمعسكر الإيرانيين، وذات يوم استدعاه نادرشاه بعد أن أحرز انتصاراً جديداً، فلمّا قدم السفير (ممثل موسكو) رأى نادر شاه جالساً على الأرض وعليه ثياب ملطخة بالدم وهو يأكل بيده، فسأل السفير عن علة إحضاره، فأجابه نادرشاه بأنّه أراد منه أن يشاهده بنفسه كيف يأكل بيد ملطخة بالدم أخشن أنواع الطعام وقطعاً أنه يستطيع أن يخبر أسياده بأن هذا الشخص لن يسلم گيلان مطلقاً.
وبعد ثلاث سنوات من الانسحاب من ولايات الخزر رأى الروس أن لا بد من خوض الحرب مع العثمانيين، وانتهز نادرشاه هذه الظروف فهدد الروس بأنّه سيتّحد مع العثمانيين في حال عدم انسحابهم من مدينتي باكو ودربند، فرضخت روسيا للأمر الواقع وانسحبت من آخر الولايات التي احتلها بطرس الكبير.
معاهدة العثمانيين
والروس لتقسيم إيران
استمرّت العلاقات الودية بين إيران والدولة العثمانية لقرن تقريباً. بعد وفاة السلطان مراد الرابع. ولكن حينما هاجم الأفغان إيران، ورأى العثمانيون الضعف قد دبّ في كيان إيران حاولوا انتهاز الفرصة والانقضاض على جارتهم التي طالما تربّصوا بها الدوائر. فاستهدفوا في البداية شيروان، واستقبل أهلها السنيون القوات العثمانية بترحاب. وعزم السلطان على تعيين حاكم على هذه الولاية، فأرسل أحد ضباطه للقيام بهذه المهمة، وتزامن ذلك مع خبر قيام بطرس الكبير بحملة عسكرية.
وبعد مفاوضات طويلة دارت بين العثمانيين والروس في القسطنطينية عزم العثمانيون على إعلان الحرب على إيران. وإضافة إلى ذلك نشرت ثلاث فتاوى للمفتي الأكبر تقضي بوجوب قتل الرافضة على جميع المؤمنين. وفي الوقت الذي كانت القوات الروسية تباشر عملياتها العسكرية في النواحي الساحلية لبحر قزوين، دخلت القوات التركية گرجستان واستسلمت تفليس لها في عام (1135هـ ـ 1723م) ثمّ حاصرت گنجه ولكنّها لم تفلح في فتحها، وفي باكو رجحت كفّة الروس على الأتراك في السيطرة على هذه المدينة، من هنا استؤنفت المحادثات بين الطرفين مرّة أخرى وانتهت بعقد اتفاقية تقضي بتقسيم أهم الولايات الإيرانية بينهما. وبدوره أيّد طهماسب الثاني ابن الشاه السلطان حسين التخلي لهاتين الدولتين عن ولايات الخزر الواقعة في الشمال حتّى التقاء نهري غور وأرس. وبادرت الدولة العثمانية إلى احتلال المناطق الداخلة في حدودها الجديدة التي تبتدأ من التقاء النهرين المذكورين وتمتد حتّى غرب أردبيل. وبناء على هذا تكون تبريز وهمذان وكرمانشاه وجميع المناطق الواقعة بينها تابعة للإمبراطورية العثمانية. وقد وافقت الدولة العثمانية وروسيا على مساعدة الشاه طهماسب في استعادته السلطة إذا ما وافق على الشروط المذكورة، وفي غير ذلك فإنّ الدولتين ستريان نفسيهما مضطرتين لاقتطاع كلّ ما يناسبهما من الأراضي الإيرانية لضمان راحة البال من جانب إيران.
وبعد أن وقعت الدولتان على المعاهدة التي قضت بتقسيم إيران، كان لا بد للأتراك أن يتحرّكوا للاستيلاء على حصتهم، إذ كان الروس قد استولوا سابقاً على حصتهم في المناطق الغربية. من هنا تحرّك الجيش العثماني نحو همذان عام (1136هـ ـ 1724م) وتمكن من فتحها بعد حصار قصير.
وفي نفس الوقت كان جيش عثماني آخر يتحرّك نحو إيروان التي كانت تعدّ القلعة الأكثر استحكاماً في إيران، وبدأت الحملات قوية ثابتة، وفقد العثمانيون عشرين ألف شخص نتيجة لهذه الحملات وظهور الأمراض بين صفوفهم، ومع ذلك حاصروا المدينة ثلاث مرات حتّى فتحوها في عام 1137هـ، ثمّ توجّه الجيش الفاتح نحو تبريز واصطدم بعشرة آلاف مقاتل إيراني فهزمهم، وكانت أسوار المدينة قد تهدمت إثر هزة أرضية فكان احتلال المدينة على ما كان يبدو أمراً يسيراً، إلاّ أنّ القوات الإيرانية المدافعة عن المدينة صمدت بوجه الغزاة، وهاجمت قوّة كانت ترافق قافلة قادمة من حلب، وحين رأى الأتراك عدم جدوى حملاتهم فضلوا الانسحاب ورفع الحصار عن المدينة.
إلاّ أنّ العثمانيين لم يقتنعوا بهذه النتيجة، فما كاد صيف العام التالي يحل حتّى تحرّك نحو تبريز حوالي سبعون ألف مقاتل منهم، ودافعت المدينة عن نفسها دفاعاً مستميتاً، فقتل من الإيرانيين ثلاثون ألفاً ومن العثمانيين عشرون ألفاً، وانتهى الأمر باستيلاء المهاجمين على أغلب أجزاء المدينة، وبعد مفاوضات بين الجانبين تقرّر أن يغادر أهل تبريز منازلهم بأملاكهم وأموالهم ويسلمون منازلهم للفاتحين. وبعد أن استولى العثمانيون على جميع المناطق الغربية من إيران قرّروا التوقف عن الاستمرار في الفتوحات.
علاقات إيران والهند
في زمن الصفويين
يعود تاريخ العلاقات السياسية للحكام الصفويين مع الأباطرة المغول في الهند إلى زمن الشاه إسماعيل الصفوي الأوّل. فعندما انهزم مؤسس السلالة التيمورية في الهند ظهير الدين محمد بابر الگورگاني في معركته مع محمد شاهبخت خان الشيباني الأوزبكي (شيبك خان) في ما وراء النهر واضطر إلى ترك تركستان ومدينة سمرقند مركز الدولة التيمورية والرحيل إلى أفغانستان، بادر حينئذ إلى الاتحاد مع الشاه إسماعيل الصفوي الأوّل الذي كان عدواً قوياً لشيبك خان وكان تعامل الشاه إسماعيل طوال فترة حكمه تعاملاً ودياً مع بابر، وقام عدّة مرّات بإرسال قادة القزلباش لمساعدته في استعادة الولايات والمناطق التي انتزعها منه شيبك خان. إلاّ أنّ بابر هزم مرّة أخرى من قبل خلفاء شيبك خان بعد مقتل الأخير فاضطر إلى التخلي عن تركستان والاقتناع بأفغانستان. وما أن مضى عامان على وفاة الشاه إسماعيل حتّى هاجم بابر الهند فاستولى على شمالها من نهر السند حتّى حدود البنغال بالإضافة إلى اگره ودلهي، وأسّس بذلك (عام 933هـ) سلاسلة الأباطرة المغول في الهند.
وبعد وفاة محمد بابر استمرّ ابنه ناصر الدين محمد همايون في العلاقات الودية مع الحكومة الصفوية، وحدث أن اختلف هذا مع إخوانه فلجأ إلى البلاط الصفوي في إيران، حيث شمله الشاه طهماسب الأوّل برعايته ثمّ قام عام (952هـ ـ 1545م) بشن هجوم على قندهار بمساعدة الجيش الإيراني واستولى عليها، ثمّ قدمها للشاه طهماسب اعترافاً منه بحسب صنيعه وكرم ضيافته.
ثمّ خلف همايون بعد وفاته عام 962هـ ابنه جلال الدين محمد أكبر، وقام هذا بقطع علاقات المودة مع البلاط الصفوي لقيام الشاه طهماسب بشن هجوم على ولاية قندهار، بعد أن استعادتها الهند، وبلغت القطيعة به أنّه لم يبعث سفيراً لتقديم التعازي للبلاط الصفوي بعد وفاة الشاه طهماسب خلافاً لما كان سائداً في ذلك الزمن.
وبعد ذلك العهد لم يتسن تجديد العلاقات مع إيران بسبب اضطراب الأوضاع في عهد الشاه إسماعيل الثاني والشاه محمد خدابنده، وخلال هذه الفترة تمّت إعادة ولاية قندهار للحكم المغولي في الهند.
وحين تولّى الشاه عباس الأوّل الحكم عزم منذ البداية على إعادة علاقات الصداقة بين إيران والهند وتحريض جلال الدين أكبر على مقاتلة عبدالله خان الأوزبكي وابنه عبد المؤمن اللذين دأبا على شن الغارات على أراضي خراسان. من هنا بعث أحد زعماء القزلباش إلى البلاط المغولي وحمّله بأنواع الهدايا ورسالة ودية، فأبقى جلب الدين أكبر هذا السفير في الهند خمس سنوات، ثمّ أجازه في عام 1004هـ بالانصراف وبعث معه اثنين من رجال بلاطه وزودهما بالهدايا ورسالة ودية.
وبعد سنة بعث الشاه عباس أحد غلمانه المقربين ويدعى منوجهربيك إلى الهند ومعه أنواع الهدايا الثمينة وزوّده برسالة حملت المجاملة والتواضع، وأجاز سفيري جلال الدين بالانصراف معه إلى بلادهما.
وفي هذه المرة أبقى جلال الدين سفير الشاه عباس مدّة طويلة دامت سبع سنوات، ثمّ أجازه بالانصراف عام 1012هـ مع سفيره محمد معصوم البكري، فوصل الإثنان إلى الشاه في ضواحي قلعة إيروان حيث كان مشغولاً بقتال العثمانيين. وقدم سفير الهند للشاه ما كان معه من هدايا وكان الشاه ساخطاً لتأخير سفيره سبع سنوات في بلاط جلال الدين، فاكتفى بأخذ سيف مرصع ورفض باقي الهدايا ولم يعر اهتماماً للسفير وكان السفير محمد معصوم البكري شاعراً عذب اللسان، فاستطاع أن يسترضي الشاه بحسن كلامه وحلاوة بيانه حتّى قبل الشاه الهدايا، ووزعها على قادة جيشه وحكّام الولايات الإيرانية وأعيان دولته. وبدوره أبقى الشاه عباس سفير إمبراطور الهند في إيران سنة كاملة، حتّى إذا فتح قلعة إيروان في ربيع عام 1013هـ أذن له بالانصراف إلى بلاده.
بعد ذلك بسنتين توفي جلال الدين محمد أكبر (إمبراطور الهند) في مركز حكومته مدينة اگره (في عام 1015هـ)، وحينئذ نشب الخلاف بين ابنه الأمير سليم وحفيده (ابن سليم) السلطان خسرو الذي كان يحاول الجلوس على عرش جده بمساعدة بعض أعيان الهند، ووقعت الحرب بين الاثنين، واستطاع الأمير سليم دحر ابنه وفقأ عينيه ثمّ جلس على عرش أبيه وسمّي منذ ذلك الحين بنور الدين محمد جهانگير.
ولم يكن الشاه عباس قد بعث سفيراً إلى الهند لثلاث سنوات بعد وفاة جلال الدين أكبر لانشغاله بقتال العثمانيين في آذربيجان وشيروان. وفي عام 1018هـ بعث أحد كبار قادة القزلباش واسمه يادگار علي سلطان طالش سفيراً إلى الملك سليم وبعث معه رسالة ضمنها آيات المحبة والمودة. وكان هذا السفير عالماً وخطيباً بارعاً واشتغل سابقاً حاكماً لبغداد. وأمر الشاه عباس سفيره يادگار علي سلطان باصطحاب خمسين فارساً من خيرة الفرسان ومعهم أثمن أنواع الجياد وأسرعها مع سيوف وأنطقة وسروج مرصعة وعلى رؤوسهم تيجان القزلباش، وبعث معه أنواع الهدايا الثمينة منها خمسون جواداً عربياً وگرجياً وبياتياً مع سروج مرصعة بالجواهر، وثلاثة (أطوال) من الجلد الروسي الأسود، قيمة كل طَوْل تسعون توماناً بعملة ذلك الوقت، وألف وخمسمائة نوع من مختلف أنواع الأقمشة المطرزة بالذهب والفضة، والديباج والأطلس والمخمل الإفرنجي والخطائي، وأمره بالتوجه إلى الهند عن طريق قندهار.
رحب نور الدين محمد جهانگير (الشاه سليم) بسفير إيران، وأبقاه عنده سبع سنوات، ثمّ أذن له بالعودة وأرسل معه سفيراً بارزاً اسمه الميرزا بدخور دار خان الملقب بخان العالم (وذلك عام 1026هـ) وكانت العلاقات الطيبة مستمرة بين الجانبين خلال هذه السنين، وتبادل الشاه عباس والملك سليم رسائل الصداقة والكتب الرسمية لعدّة مرات. وأبقى الشاه عباس خان العالم عنده لأكثر من سنتين ثمّ أذن له بالانصراف عام 1029هـ. وبعث معه أحد كبار قادة إيران واسمه زينك بيك بيگدلي شاملو مع رسالة صداقة وأنواع الهدايا الثمينة. وكان من بين هذه الهدايا برد مرصع بالجواهر بينها جوهرة كبيرة لا نظير لها وصلت إلى الشاه إسماعيل الأوّل من خزائن الملوك التيموريين وقد نقش عليها اسم الميرزا الغ بيك حفيد الأمير تيمور الگورگاني وجد نور الدين جهانگير وكانت قيمتها تعادل آنذاك أكثر من سبعة آلاف تومان.
ولم يتعرّض الشاه عباس في رسالته إلى نور الدين جهانكير لذكر قندهار التي كان يرغب في استعادتها، ولكنّه أوصى سفيره زينك بيك بصورة خاصة بالتباحث مع جهانگير وأركان دولته بهذا الشأن، وقال له: يا زينك بيك، إنّي واثق من صدقك ووفائك، فعليك أن تثبت جدارتك وتضحيتك في سفرك هذا، وعليك أن تبدي التصاقك بإيران ومصالحها كما هذا القميص ملتصق ببدني، ولا يجدر بك أن تسيء إلى اسمي وأهدافي السامية…
رحل زينك بيك إلى الهند برفقة خان العالم والتقى نور الدين محمد جهانگير في مدينة لاهور. وبدلاً من أن يسلك ما كان متعارفاً عليه في بلاط الهند من وضع اليدين على الأرض ثمّ وضعهما على الرأس، سلك سلوكاً متكبراً في تقديم رسالته للملك وتقديم الهدايا له، حيث توجّه منتصب القامة نحوه دون أدنى تعظيم وخضوع، فتحيّر جهانگير لهذا السلوك وغضب لتصرفه المخالف لأعراف البلاط، فطلب منه أن يراعي هذه الأعراف كغيره من السفراء، ولكن زينك بيك رفض ذلك. فرفض جهانگير بعد ذلك استقباله في مجلسه وأمر بقطع النفقة عنه، فاضطر زينك بيك إلى بيع جميع الأواني الذهبية والسروج المرصعة لتأمين نفقاته الشخصية ونفقات مرافقيه اليومية. وفي تلك الأثناء سافر جهانگير من لاهور إلى دلهي بحجة الاحتفال بعيد مولده، ولم يأذن للسفير الإيراني بالانصراف. ولمّا رأى زينك بيك عدم جدوى بقائه في لاهور وعدم حصوله على جواب صريح من الملك وأركان دولته بشأن قندهار قرّر العودة إلى إيران دون إذن، ولكن في هذا الوقت نفسه وصل البرد المرصع الذي أشرنا إليه آنفاً ومعه بقية الهدايا التي لم تكن جاهزة حين تحرك زينك بيك من إيران. فاضطر السفير للسفر إلى دلهي لتقديم هذه الهدايا، وهناك تفاوض مع وزراء جهانگير بشأن قندهار، إلاّ أنّه لم يحصل على نتيجة من مفاوضاته، فبعث للشاه عباس يطلعه على الأمر.
وحين أدرك الشاه عباس عدم جدوى المفاوضات في استعادة قندهار توجّه إلى خراسان في ربيع عام 1031هـ، وتوجّه من هناك إلى قندهار بحجة الصيد، وكتب من مدينة فراه إلى حاكم قندهار الهندي عبد العزيز خان أنّه عازم على دخول ولايته للصيد. فما كان من عبد العزيز خان إلاّ أنّ رد على ذلك بالقول إن من الأفضل أن ينصرف الشاه عن ذلك ويعود إلى خراسان، لأنّه ليس لديه وأصحابه وقادة جيشه إلاّ التصدّي والحرب والدفاع عن ولاياتهم.
وكان الشاه ينتظر مثل هذا الجواب، فأسرع في حركته، وبلغ قندهار فحاصرها في يوم الأربعاء الموافق للثامن من شهر رجب من نفس ذلك العام، وكان معه جيش كبير.
وحين اطلع نور الدين جهانگير على هجوم الشاه عباس أصيب بالحيرة إذ لم يعهد منه إلاّ الصداقة والمودة والأخوة، ولم يكن يتوقع منه أن يشن هجوماً ذات يوم على الأراضي التابعة للحكم الهندي، ولذلك فإنّه لم يضع في ولاية قندهار الحدودية أكثر من خمسة آلاف فارس ولكنّه حينما سمع بتقدّم الشاه عباس نحو قندهار عزم على التوجّه إلى إيران بجيش كبير، وأقسم أنّه إذا فرغ من إنقاذ قندهار سيستمر في تقدمه حتّى يصل أصفهان. ثمّ جمع جيشاً كبيراً بأسرع ما يمكن وجعل عليه ابنه الأمير خرم، إلاّ أنّ خصومة مفاجئة وقعت بين هذا الأمير وزوجة أبيه جهانگير نورجهان بيگم، واستغل القوات التي بين يديه فخرج على أبيه وكتب إلى الشاه عباس يدعوه إلى الصداقة والاتحاد على أبيه.
وبعد أن حاصر الشاه عباس قندهار أسقط أبراج القلعة بقذائف المدافع في وقت قصير، فاضطر حاكم قندهار وأعيان المدينة إلى الاستسلام، فعفا الشاه عباس عنهم جميعاً وأكرمهم وأذن لهم في الانصراف إلى الهند، وكان ذلك في يوم الثلاثاء الموافق للثالث عشر من شعبان عام 1031هـ. وينقل المؤرخون أنّه كان ثمة امرأة جميلة كثيرة المزاح محبة للمنادمة برفقة الشاه عباس اسمها دلالة قزي أمرها الشاه باصطحاب جماعة من نساء المعسكر ودخول المدينة قبل قوات القزلباش وذلك بعد أن استسلم حاكم المدينة والمدافعون عنها، ليشيع في الآفاق أنّ نديمة الشاه وجماعة من النساء انتزعن قلعة مهمة مثل قلعة قندهار من الجيش الهندي. والظاهر أنّ الشاه قام بهذا العمل الذكي كجواب منه لتهديد نور الدين محمد جهانگير الذي أقسم ليصلن عاصمة إيران بعد فراغه من إنقاذ قندهار.
أمر الشاه عباس بضرب النقد باسمه في قندهار بعد فتحها، وأن يخطب باسمه في مساجدها. ثمّ بعث رسله إلى جميع الولايات والمدن الكبرى في إيران لتبشير أهلها بالأمر، فاحتفل الناس بالمناسبة في كل مكان وعمّ الفرح أرجاء البلاد.
وبعد احتلال قندهار تبادل الشاه عباس ونور الدين محمد جهانگير رسائل الصداقة والمودة واستأنفا علاقاتهما الطيبة في الظاهر. ولكن يجدر التذكير هنا أنّ أباطرة الهند التيموريين إذا كانوا يتظاهرون بالمودة للملوك الصفويين ويتحدّثون عن العلاقات الأخوية معهم، فإنّهم في حقيقتهم يكنون لهم العداء بسبب الاختلافات المذهبية والمنافسات السياسية والخلاف المستمر حول ولاية قندهار، وطالما أفصحوا عن عدائهم هذا في مراسلاتهم مع السلاطين العثمانيين. ومن هؤلاء الأباطرة جهان شاه خليفة نور الدين محمد جهانگير، فبعد أن لم ير هذا من الشاه عباس الأوّل إلاّ المودة والصداقة، ناصب خليفته الشاه صفي العداء وهاجم ولاية قندهار، وأسفر عن عدائه في كتاب للسلطان مراد خان الرابع سلطان الدولة العثمانية، الذي وصف فيه حكام إيران بالقزلباش الأوباش أرباب البدع. ولكنّه في نفس الوقت بعث برسالة مودة للشاه صفي يعتذر فيها عن هجومه على قندهار واستيلائه عليها.
وضع العلوم في العهد الصفوي
حينما باشر الشاه إسماعيل الأوّل في بداية القرن العاشر الهجري فرض مذهبه بصورة رسمية، رفض بعض العلماء الإيرانيين الذين كانوا يشكلون ورثة العلوم العقلية في العهدين التيموري والبايندري أن يتركوا عقائدهم المذهبية ويتبعوا المذهب المفروض عليهم، فعوقبوا بشدّة بينما رضخت جماعة قليلة من العلماء للأمر الواقع وتخلّت عن عقائدها المذهبية فاستطاعت بذلك البقاء في إيران بينما فضل القسم الأكبر منهم مغادرة إيران واللجوء إلى البلدان المجاورة فمثلاً هاجر علماء خراسان إلى ما وراء النهر وبلاد الهند، ولجأ علماء آذربيجان إلى الأراضي العثمانية بينما توجّه علماء فارس وكرمان وخوزستان إلى الجزيرة العربية. من هنا برز وجود العديد من العلماء والفنانين الإيرانيين في هذه البلدان خلال القرن العاشر الهجري، بعد أن هجروا وطنهم بأسرهم وفضلوا الإقامة في هذه البلدان.
ونلاحظ عدم بروز شاعر مقتدر يمكن وضعه في مصاف شعراء الدرجة الثانية أو حتّى الثالثة، وعدم وجود ولو كاتب بليغ واحد أو حكيم أو طبيب أو عالم ممّن له القدرة على صنع أثر جدير بالاهتمام، لم نلاحظ ولو واحداً من هؤلاء طوال الحكم الصفوي من عام 905هـ إلى 1148هـ أي ما يقترب من 243 عاماً. ذلك أنّ أكثر ما كان موجوداً في إيران من هؤلاء كان قد رحل إلى الهند حيث الملوك الگروكانيين يشترون بضاعتهم بأغلى الأثمان. وفي مقابل ذلك كانت أفواج الفقهاء ورجال الدين تتقاطر على إيران من جبل عامل في لبنان والبحرين والإحساء والحلة، ويشغلون المناصب العليا في البلاد.
والأمر العجيب هو أنّ الصفويين على ارتباطهم بالأوروبيين منذ أوائل عهدهم، وتبادلهم السفراء معهم، ووجود التطور السريع في الدول الأوروبية آنذاك الذي كان مبتنياً على أساس الحكمة والعلوم الجديدة على الرغم من وجود ذلك كلّه فإنّهم لم ينتبهوا إلى التفاوت الشاسع بين إيران وأوروبا.
على أيّة حال اقتصر الحكام الصفويون طوال فترة حكمهم على تشجيع وتربية علماء الدين وإيجاد جو مساعد في إيران لانتشار المذهب الشيعي وعلوم هذا المذهب بأسرع وأوسع ما يمكن.
وبدلاً من الشعراء والحكماء ظهر في العهد الصفوي فقهاء مثل المجلس والمحقق الثاني والشيخ الحر العاملي والشيخ البهائي وغيرهم.
والجدير بالذكر أنّ عدد الذين كتبوا خلال ذلك العهد في العلوم النظرية والرياضية والطبيعية لم يكن قليلاً، ولكن أغلب هؤلاء الكتّاب إمّا أن يكونوا من الإيرانيين الساكنين خارج إيران أو من غير الإيرانيين.
وقد جاءت هذه المؤلفات إمّا تكراراً لأقوال المتقدمين بصورة ناقصة عن الأصل أو شروحاً وحواشي لهذه الأقوال أو تلاخيص لها وشروح لهذه التلاخيص. ولم يأت منها عمل أساسي يمكن أن يضاهي آثار الأساتذة الكبار في القرنين الرابع والخامس للهجرة ما عدا بعض آثار الملا صدرا الشيرازي.
ولعل عصر الغنى والاستقرار الصفوي الطويل لو كان مقترناً بالانفتاح الفكري لأمكن حصول ازدهار في العلوم العملية، كما حصل بعض الازدهار في بعض الفنون مثل صناعة الأسلحة والساعات من خلال تقليد الأساتذة والفنانين الأوروبيين في هذه المجالات. والغريب أنّ الشاه عباس رغم كلّ ما حباه الله به من ذكاء وفطنة كان يكتفي بالاستفادة من فنون الغربيين في صناعة البنادق والمدافع ولم يفكر ذات يوم في الاستفادة من الوفود الغربية في اكتشاف سر تطورهم وازدهارهم، وكان مقتنعاً بمجالسة علماء الدين وحدهم.
موضوعات العلوم
قبل أن نبدأ بالحديث عن موضوعات العلوم التي كانت شائعة في العهد الصفوي، يجدر أن نذكر بأنّ اللغة الأصلية التي كانت تستعمل عهدئذٍ في العلوم الدينية هي اللغة العربية، وكانت اللغة الفارسية تأتي في الدرجة الثانية. فجميع الكتب الأساسية تقريباً التي كتبت في العلوم الشرعية (ما عدا تفسير القرآن) أو في الحكمة إنّما جاءت باللغة العربية. ورغم أنّ ما كتب باللغة الفارسية لم يكن قليلاً، لكنّه كان دائماً في عداد الكتب والرسائل من الدرجة الثانية والثالثة، أو تراجم للكتب الشيعية الأساسية، ليتسنى لعامّة الإيرانيين الاستفادة منها، ونادراً ما جاء باللغة الفارسية كتاب مشهور مثل (الجامع العباسي).
وأمّا في بعض العلوم الأخرى مثل الرياضيات والهيئة والنجوم والطب وعلم الأدوية فكانت الغلبة للكتب المدونة باللغة الفارسية، ويمكن القول إنّ اللغة الفارسية كانت مقدمة في هذه العلوم على اللغة العربية، وكما ذكرنا آنفاً فإنّ الحركة الفكرية في هذه العلوم إنّما انتقلت إلى العهد الصفوي بقايا موروثة عن العهود المتقدمة. ولا ينبغي أن ننسى بأنّ أياً من الكتب التي صنّفت في هذا العهد لم يكن يرقى إلى مستوى الكتب المهمة القديمة التي كتبت باللغة الفارسية، مثل: (دانشنامه) والذخيرة أو الآثار المشهورة لأفضل الدين الكاشاني، وأمثالها.
وحين نفحص الآثار الفارسية والعربية لعلماء العهد الصفوي نلاحظ وجود بعض الكتب التي وضعت في بيان مواضيع العلوم، وقد اقتدى أصحابها بعدد من العلماء المتقدمين، ولكن أهم هذه الكتب وضعت باللغة العربية، وخارج الأراضي الإيرانية، ومع بداية هذا العهد وضع شكر الله الشيرواني للسلطان العثماني بايزيد خان الثاني (886- 918هـ) كتاباً باللغة الفارسية أسماه «رياض العلوم»، وقد جاء في تسعة فصول هي:
1ـ التصوف.
2ـ المنطق.
3ـ الهيئة.
4ـ النجوم.
5ـ علم الفراسة.
6ـ الحساب.
7ـ علم الشعر.
8ـ علم الألغاز.
9ـ علم الإنشاء.
وبعد ذلك بسنوات وضع كتاب مشابه باللغة الفارسية أيضاً أكثر تفصيلاً من الأوّل ولكن لم يكن أكثر أهمية منه، وهو كتاب «رياض الأبرار» الذي وضعه حسين العقيلي الرستمداري أحد علماء القرن العاشر الهجري وكان تأليفه داخل إيران. وتوجد نسخة منه في مكتبة متحف بريطانيا. وقد ذكر هذا المؤلف بأنّه أمضى في طلب العلم عشرين عاماً في مسقط رأسه وأماكن أخرى، وطالع كتباً عديدة ذكر فهرستاً لها. وأمضى فترة من حياته في شيرزا ثمّ انتقل إلى أصفهان وبعدها إلى قزوين التي كانت عاصمة إيران آنذاك، والتقى بأهل العلم فيها، ولم يعجب بهم، بل ذمهم ونسب إليهم الجهل والحرص والحسد وأنواع الرذائل والمثالب. ثمّ يضيف بأنّ بعض أصحابه في قزوين طلب إليه تأليف كتاب (رياض الأبرار) فبدأ به في محرم عام 979هـ أي في أواخر عهد الشاه طهماسب الأوّل (عام 984هـ) وفرغ منه في ربيع الثاني من نفس العام. والكتاب بمثابة دائرة معارف مفصلة عن مختلف العلوم المتداولة بين المسلمين وهي تشتمل على مقدمة وإثنتي عشر روضة وخاتمة، وكلّ قسم من هذه الأقسام ينقسم بدوره إلى أجزاء مع تغيير الأسماء المستعملة في كلّ قسم. فمثلاً يُسمّى كلّ قسم من أقسام الروضة الأولى بالمقالة، وأقسام الروضة الثانية بالمقصد، وأسمى المقدمة بالحديقة. وقد تأثّر الرستمداري في تأليفه بهذا الكتاب بالأساليب العلمية للعلماء المتقدمين من جهة ومن جهة أخرى تأثّر بالوضع الخاص لعصره الذي غلب عليه عقائد العلماء الشيعة وربّما تأثّر أيضاً باعتقاداته الخاصّة، ولذلك ذكر بعض الآراء الجديدة بشأن العلوم، مثل قوله بأنّ الإمام الأوّل للشيعة هو مصدر جميع العلوم، وقد أورد بحثاً مطولاً في تأييد هذا القول، وكذلك إقحامه لتفسير الخطبة الشقشقية في كتابه الخاص بموضوعات العلوم.
ورد في مقدمة رياض الأبرار البحث في الحديث المروي عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) من أنّ أمّته ستنقسم إلى ثلاث وسبعين فرقة كلّها في ضلال ما عدا فرقة واحدة هي الفرقة الإمامية الناجية. ويورد بحثاً في إثبات ضلال هذه الفرق، ثمّ يورد بحثاً في بعض أسماء الله وخصائصها، وخصائص السور والآيات القرآنية وحروف الألفباء، ثمّ يتحدّث عن أحوال (حضرة ملاذ الرسالة والملك المدرك للحقائق صاحب الزمان) وكيفية ظهوره وظهور الدجال وخراب العالم…
ولم يكتف الرستمداري بذكر العلوم المعروفة وفروعها، بل ذكر أيضاً العلوم الغريبة وهي الأفكار الخرافية القديمة التي وردت في الحضارة الإسلامية باعتبارها من ضمن أنواع العلوم، وأدرجت في الكتب المتعلقة بها موضوعات العلوم. وتحدّث في الروضة التاسعة عن بعض الخرافات مثل الجفر والتسخير والعزائم والطلاسم والنجاة والمغنيات والسيميا والريميا التي أسماها بالعلوم.
والجدير بالذكر أنّ هذا الكتاب احتوى على بعض مباحث علم الكلام، مثل: إثبات أحقية الشيعة الإمامية، وإثبات واجب الوجود، وإثبات الصفات السلبية… ولا نستطيع هنا أن نبيّن جميع المواضيع التي وردت في الكتاب خشية الإطالة.
ومن الكتب الآخرى التي جاءت على هذا المنوال «رسالة الإعضالات في فنون العلوم والصناعات» للمير محمد باقر الداماد الاسترآبادي (م عام 1041هـ) وموضوع الرسالة واضح من العنوان. وكذلك «الرسالة الصناعية» تأليف المير أبو القاسم الفندرسكي الاسترآبادي (م عام 1050هـ) وفيها استعراض لمختلف العلوم. وقد تمّ طبع هذا الكتاب مع كتاب «أخلاق ناصري» في بومبي عام 1267هـ، وأعيد طبعه في طهران عام 1317 هجري شمسي (1938م) وهناك كتاب للملا محسن الفيض الكاشاني (م عام 1091هـ) في شرح أنواع العلوم تحت عنوان (فهرست العلوم)، ووضع المحقق الشيرواني الميرزا محمد بن حسن (م عام 1099هـ) كتاب «أنموذج العلوم».
ولا شك أنّ أفضل الكتب التي وضعت في موضوعات العلوم إنّما ألّفها أصحابها خارج إيران، وفي ذلك دليل على انحطاط العلوم في إيران، وإذا كنّا قد أوردنا هنا أسماء بعض هذه الكتب فذلك لأهميتها في تحقيق علوم الحضارة الإسلامية ومعرفة الكتب الأدبية والعلمية المهمة التي كتبت بالعربية والفارسية والتركية.
ولعل من أقدم الكتب التي ألّفت في بحث موضوعات العلوم كتاب «مفتاح السعادة ومصباح السيادة» وهو موضوع باللغة العربية، ويعدّ من أكمل وأفضل هذه الكتب، لمؤلفه أحمد بن مصطفى المعروف بـ (طاش كبرى زاده) أو (طاشكورپروزاده) المتوفى عام 968هـ، وقد تحدّث في كتابه هذا عن مائة وخمسين فرعاً من مختلف فروع العلم التي عدّها علماء الحضارة الإسلامية. ثمّ أضاف ابنه كمال الدين محمد (م عام 1032هـ) علوماً أخرى إلى كتاب أبيه، بحيث أصبح عدد الفروع العلمية التي تناولها في الكتاب خمسمائة فرع، وترجمه إلى اللغة التركية وطبع في اسطنبول عام 1313هـ تحت عنوان موضوعات العلوم.
أورد طاش كبرى زاده في كتابه المذكور تعريفاً لكلّ فرع من الفروع مع تاريخ مختصر له والكتب الأساسية التي وضعت فيه منذ بدايته وحتّى زمن تأليف الكتاب مع إشارة مقتضبة ومفيدة للمؤلفين. ويعدّ كتابه أشمل وأفضل كتاب حول تقسيم العلوم في تاريخ الحضارة الإسلامية حتّى زمانه. وكانت أقسام مفتاح السعادة منظمة كالآتي:
1ـ مقدمة في أهمية العلم والتعليم.
2ـ الدوحة الأولى في العلوم الخطية.
3ـ الدوحة الثانية: تتعلق بالألفاظ وذكر الكتب التي ألفت بهذا المجال، مع إشارة لحياة مؤلفيها، وحياة الشعراء واللغويين والنحويين والقرّاء، إضافة إلى حديث من علم التاريخ والمؤرخين وحياتهم وذكر لأشهر الكتب التي وضعت في هذا العلم.
4ـ الدوحة الثالثة في علم المنطق وعلم آداب الدرس وعلوم الجدل والخلاف وأسماء المؤلفين في هذه العلوم.
5ـ الدوحة الرابعة في بحث العلوم الحكمية وعلم الكلام ومقالات الفرق وعلم الطب وفن الزراعة وغيرها مع أسماء الكتب التي ألّفت في هذه المجالات وتراجم لمؤلفيها.
6ـ الدوحة الخامسة في الحكمة العملية مثل: علم الأخلاق وتدبير المنزل، والعلوم الدينية مثل: القراءة والتفسير والحديث والفقه مع ذكر لمشاهير العلماء وآثارهم.
7ـ الدوحة السادسة في العلوم الباطنية.
وثمّة كتاب آخر اسمه «كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون» تأليف مصطفى بن عبدالله الملقب بالحاج خليفة أو الكاتب الجلبي (1017ـ 1068هـ) والسبب في اشتهاره بالخليفة هو اشتغاله في إحدى إدارات الجيش العثماني. وقد كان مؤلفاً نشطاً، حيث ألّف اثنين وعشرين كتاباً، منها كشف الظنون الذي هو بمثابة دائرة معراف كبيرة للتعريف بالكتب وأنواع العلوم التي كانت رائجة بين المسلمين. وقد أورد الحاج خليفة أسماء الكتب والعلوم مع بعضها حسب الترتيب الأبجدي، وكان يورد توضيحاً كافياً لكل علم ثمّ يتبعه بالكتب المشهورة المتعلقة به، وقد طبع هذا الكتاب عدّة مرّات وترجم للاتينية والفرنسية. كتبت عدّة حواشي على كشف الظنون أهمها (إيضاح المكنون) تأليف إسماعيل باشا (م عام 1339) وهو في مجلدين، وقد طبع في اسطنبول في عامي 1945م و1947م. وفي كشف الظنون ذكر الحاج خليفة توضيحاً لما يقارب ثلاثمائة علم وفن و15000 كتاب وديوان باللغات العربية والفارسية والتركية و9500 مؤلف.
المراكز العلمية في العهد الصفوي
كان هناك مركزان أساسيان في العهد الصفوي لتعليم الحكمة وإصدار المؤلفات فيها، وهما شيراز وأصفهان ثمّ كانت فيما بعد مراكز جديدة مثل مشهد وطهران.
تأثّرت شيراز في نهاية القرن التاسع وبداية القرن العاشر للهجرة بوجود الملا جلال الدواني (المتوفى عام 908هـ) حيث أثرت دروسه المهمة وتربيته لمشاهير العلماء وكذلك المساعي التي بذلها صدر الدين محمد بن إبراهيم الدشتكي الشيرازي (المقتول عام 903هـ) في نشر علوم الحكمة والكلام وكذلك وجود العلماء والأدباء في شيراز. أثّر ذلك باحتفاظ هذه المدينة بأهميتها التي اكتسبتها منذ الحملة المغولية. وحين آلت أمور التعليم إلى الأمير غياث الدين منصور بن صدر الدين محمد المذكور ازدادت أهمية الفلسفة في هذه المدينة.
احتفظت شيراز بمقامها العلمي والأدبي في الفترات التالية وحتّى في العهد القاجاري، وكان ظهور الملا صدرا الشيرازي (صدر المتألهين) واستقرار حوزته في شيراز قد رفعا من شأن هذه المدينة إلى أقصى حد.
ولعل قزوين لو احتفظت بموقعها كعاصمة فترة طويلة لأمكنها أن تشغل المكانة العلمية والأدبية التي كانت لتبريز وفقدتها بعد سقوط الحكم البايندري، ولم تحظ بفرصة نمو علمي في عهد الشاه إسماعيل لانشغاله بالفتوحات. وحين نقل الشاه طهماسب عاصمته من تبريز إلى قزوين رأى أن يسد النقص الموجود في عدد علماء الدين الشيعة فاستقدم العديد منهم من بلاد العرب. وكان الأمير غياث الدين منصور في منصب الصدارة لبعض الوقت، ولكنّه لم يستطع البقاء في منصبه مع شاه يتعبد بالعلاقة مع علماء الشرع، فاضطر للعودة إلى شيراز والانصراف فيها إلى التدريس وتأليف كتبه المشهورة.
ثمّ أصبحت أصفهان مركزاً أساسياً للعلوم المعقولة والمنقولة في عهد الشاه عباس الأوّل لاهتمامه في استقدام كبار العلماء، ومنذ ذلك الحين اجتمع فيها أساتذة كبار مثل محمد باقر الداماد والشيخ محمد بهاء الدين العاملي (الشيخ البهائي) مع طلابهم الذين كانوا يرافقونهم. وتأسّس فيها مسلك جديد في الحكمة يمكن التعبير عنه بالمسلك الفلسفي، وبلغ هذا المسلك شأواً بعيداً في الارتقاء بحيث أصبح طلاب علوم الحكمة يتوافدون على أصفهان من كل حدب وصوب، واستمرّت قوّة هذه العلوم حتّى بعد انقراض الدولة الصفوية وتعاقب الحكومات، وآية ذلك أنّ الحاج محمد حسين خان مروي حينما أسس المدرسة المروية في طهران لم ير بداً من الاستعانة بأساتذة الحكمة في أصفهان لتدريس الحكمة في مدرسته.
مراكز التعليم في
العهد الصفوي
تذكر الكتب الباقية من العهد الصفوي أنّ عدد المدارس في هذا العهد كان كبيراً، سواء تلك التي بقيت من العهود المتقدمة وخصوصاً العهد التيموري، أو تلك التي أنشئت في العهد الصفوي وجعلت وقفاً على طلاب العلم. ومن الطبيعي أنّ الحديث عن مراكز تعليم العلوم الشرعية لا ينبغي أن يقتصر على المدارس، ذلك لأنّ عدداً كبيراً من المساجد تندرج ضمن هذا النمط من المراكز، فبالإضافة إلى الأماكن المخصصة للعبادة فيها، كانت تحتوي على حجرات ومدارس لتدريس العلوم الدينية.
ومن الصعب أن نورد فهرستاً لجميع المدارس والمساجد التي كانت مثل مراكز تدريس العلوم الدينية، لأنّ ذكرها جميعاً لا يتعدّى كونه نوعاً من التكرار. وعلى سبيل المثال كان في أصفهان وحدها ثلاثون مدرسة أهمها بني في العهد الصفوي، أمّا المساجد التي كانت محلاً للدروس والتباحث فتجاوزت المائة وثمانين مسجداً.
ومن بين المدارس القديمة التي بنيت في زمن الشاه عباس وبأمر منه مدرسة الملا عبدالله (المتوفى عام 1022هـ). وفي زمن الشاه عباس الثاني بنيت مدرستان هما مدرسة جده الكبرى وجده الصغرى في عامي 1058 و1059هـ. وكان بعض هذه المدارس والمساجد يبنى خصيصاً لعلماء بعينهم، ومنها مدرسة الملا عبدالله التي ورد ذكرها آنفاً، ومسجد الشيخ لطف الله العاملي ومسجد الحاج آقا رحيم أرباب ومسجد القاضي الهندي ومدرسة الصدر ومدرسة خواجو وغيرها.
وتعدّ مدرسة «چهارباغ» أو مدرسة أم الشاه أو المدرسة السلطانية أهم وأرقى مدرسة بين سائر مدارس أصفهان، ومن الآثار المهمة في هذه المدينة، وقد اكتمل بناؤها في عام 1128هـ بأمر من الشاه سلطان حسين الصفوي الذي خصّص لنفسه حجرة لتلقي العلوم الدينية وكان ثمة جدول يجري وسطها، وهي تشتمل على صحن كبير وحجر عديدة ومسجد وحوض ومطبخ.
ومن المدارس المهمة الأخرى التي بنيت في عهد الصفويين، مدرسة نواب في شارع نادري في مدينة مشهد، وقد بنيت في زمن الشاه سليمان عام 1086هـ على يد الميرزا صالح نقيب الرضوي. ومدرسة الملا محمد باقر في مدينة مشهد وفي عهد الشاه سليمان أيضاً عام 1083هـ. ومدرسة الميرزا جعفر في الجانب الشمالي ـ الشرقي من الصحن العتيق في مشهد (بنيت عام 1059هـ) ومدرسة «خيرات خان» التي يعود تاريخ بنائها إلى زمن الشاه عباس الصفوي الثاني.
ومن المدارس التي بنيت في شيراز خلال العهدين الصفوي والزندي يمكن ذكر الأسماء التالية: مدرسة الحكيم، المدرسة المحبية، المدرسة المقيمية (التي أسّسها الحاج مقيم من طائفة (الآتشيين) في أواخر العهد الصفوي)، مدرسة الخان، المدرسة الإيمانية، المدرسة التقوية، المدرسة الخنجية، المدرسة الدشتكية (ويقال لها المدرسة المنصورية أيضاً، وقد بناها الأمير صدر الدين محمد الدشتكي عام 883هـ لابنه غياث الدين منصور)، المدرسة الزينبية، المدرسة الشريفية، المدرسة الصالحية، المدرسة المؤمنية، المدرسة المحسنية، المدرسة المحمدية، المدرسة الهاشمية، المدرسة الباهلية، المدرسة النظامية ومدرسة قوام.
والجدير بالذكر أنّ أغلب هذه المدارس أعيد بناؤها في العهدين القاجاري والبهلوي، ومن ثمّ تغيّرت أسماؤها عدّة مرّات.
عمارة المساجد والفنون الإيرانية
في العهد الصفوي
ازدهرت عمارة المساجد والفنون الإيرانية في عهد الصفويين وظهرت حركة فنية كبيرة في العاصمة تبريز وما لبث هذا النشاط أن أنتقل إلى مدينة قزوين، وتُعرف هذه الفترة بالحكم الصفوي الأوّل.
وعندما انتقلت عاصمة البلاد إلى أصفهان في عهد الشاه عباس الأوّل انتقل إليها ازدهار عمارة المساجد والفنون وتألقت أصفهان كمركز للعمارة الإسلامية. وعرفت هذه الفترة بالعهد الصفوي الثاني، ومن أهم الخصائص المعمارية في هذا العهد، هي فخامة المباني وارتفاع الجدران والأبواب واستعمال أغلى المواد في بنائها، وتمتاز أيضاً بقبابها الرائعة المغطاة من الخارج بالبلاط القاشاني ذي البريق المعدني اللمّاع، وكذلك الساحات الداخلية المكشوفة، الكبيرة منها والصغيرة، والتي رصفت أرضيتها بالمرمر وتقوم في وسطها على الأغلب النافورات الجميلة.
واشتهرت المباني الدينية وخاصةً المساجد في هذا العهد بالتصاميم ذات الإيوانات، وهي المباني ذات التكوين المركب الذي يتكوّن من أواوين تحيط بالصحن (الفناء المكشوف) أو تتفرع منه، وهذا التصميم يختلف كلياً عن تصاميم المساجد ذات الأروقة والمجازات كما هو متّبع في العراق وبلاد الشام وسواها من البلدان الواقعة في غرب البلاد الإسلامية.
ومن أهم المواد التي استعملت في بناء أكثر المساجد في العهد الصفوي هي الطابوق (الآجر) الذي تفنن الإيرانيون في صناعته واستعماله في البناء بطرق فنية غاية في الإبداع.
وقام الصفويون بخدمات جليلة وذلك ببناء المشاهد المشرفة للأئمة (عليهم السلام)، فقد جمعوا لهذا الغرض نخبة من المهرة المبدعين من أطراف البلاد الإسلامية في صناعة البلاط المزجج (القاشاني) وزخرفة الخشب وبناء الطابوق (الآجر).
ومن أشهر المساجد التي شيّدت في العهد الصفوي هي:
ـ مسجد شاه.
ـ مسجد الشيخ لطف الله العاملي.
مسجد شاه
كان من أهم مآثر الشاه عباس الكبير الصفوي تشييده المسجد المعروف بمسجد شاه في أصفهان بين عامي (1021ـ 1040هـ/ 1612ـ 1630م).
ويعتبر هذا المسجد مظهراً لأقصى ما وصل إليه فن عمارة المساجد في إيران منذ ألف عام. وأهم ما يميز هيكله العام هو تنسق أجزائه وتشييده على مساحة واسعة. والجدير بالذكر أنّ طرازه المعماري في أغلب عناصره الرئيسية يتبع الأسلوب السلجوقي الذي عرف في إيران قبل ذلك. يقع هذا المسجد في وسط مدينة أصفهان وتطل بوابته الرئيسية على الميدان المركزي الكبير الذي كان يعرف بـ (ميدان شاه)، وتحتل حوالي ثلث الواجهة الجنوبية من الميدان، وتطل على الميدان أيضاً بوابتان أخريان هما بوابة (مسجد الشيخ لطف الله) والبوابة المسمّاة ببوابة عالي قابو) التي كانت تؤدي إلى القصر الذي كان يقيم فيه الشاه وحاشيته، وهناك مدخل آخر يطل على الميدان يؤدي إلى سوق المدينة.
وعلى جانبي بوابة (مسجد شاه) توجد مئذنتان ارتفاع كل منهما (33) متراً وهما أقل ارتفاعاً من مآذن رواق الصلاة، وخلف البوابة ترفع نصف قبة فوق المدخل ارتفاعها (27) متراً.
أمّا إيوان المدخل المؤدي إلى المسجد فينحرف عن اتجاه البوابة الرئيسة المطلة على الميدان المركزي، وذلك حتّى يأخذ المحراب مكانه السليم تجاه القبلة، الأمر الذي دعا القائمين على البناء أن ينحرفوا بتخطيط المسجد بأكمله عن الميدان المركزي الذي يطل عليه.
يتوسط هذا المسجد صحن كبير تحيط به أواوين تتألف من طابقين وتحتوي على عقود (أقواس) مدببة شبيهة بالعقود الموجودة في ميدان شاه.
ويتوسط كل ضلع من أضلع الصحن، إيوان مفتوح ملحق به قاعة تعلوها قبة. وهذا الأسلوب شبيه بطراز عمارة مسجد الجمعة السلجوقي في أصفهان.
ويتميز إيوان القبلة في مسجد شاه بكبر حجمه وتعلوه قبة كبيرة الحجم شبيهة بالقباب السلجوقية.
وعلى طرفي مدخل إيوان القبلة توجد مئذنتان ارتفاعهما يزيد قليلاً على ارتفاع مآذن بوابة المسجد الرئيسة.
ويحتوي هذا المسجد على مدرستين تقعان بين الإيوانين الجانبين وبين إيوان القبلة.
ومن أهم الخصائص المعمارية التي يتميز بها مسجد شاه هي زخارفه القاشانية الداخلية والخارجية الجميلة.
مسجد الشيخ لطف الله
يعتبر مسجد الشيخ لطف الله بالإضافة إلى مسجد شاه من أجمل المساجد الصفوية الموجودة في إيران.
ويقع وسط مدينة أصفهان ويطل مدخل هذا المسجد الرائع على الميدان المركزي الكبير (ميدان شاه) وقد زيّن بأروع التشكيلات القاشانية الجميلة، ويقابل بوابة (عالي قابو).
وتشير اللوحة التذكارية المثبتة على مدخل المسجد بأنّ تأريخ بنائه يعود إلى ما بين عامي (1011ـ 1028هـ/ 1602ـ 1618م)، وهناك لوحة تذكارية أخرى قرب المحراب تشير إلى المعماري محمد رضا بن أستاذ حسين من مدينة أصفهان، مؤرخة في عام 1618م.
إنّ التخطيط العام لهذا المسجد غير اعتيادي ولا يشابه تخطيط المساجد الأخرى. وذلك لعدم وجود الفناء الأوسط وكذلك عدم وجود المئذنة فيه.
أمّا مدخل الإيوان الكبير فيحتوي على مقرنصات رائعة على شكل قباب مكسوة بالقاشاني الجميل.
أمّا قاعة الصلاة فهي عبارة عن قاعة كبيرة مربعة الشكل تقدر مساحتها بـ (205) أقدام مربعة، وتغطي جدرانها زخارف قاشانية جميلة، وتعلو هذه القاعة قبة ارتفاعها أقل من ارتفاع قبة مسجد شاه وتقوم هذه القبة على قاعدة أسطوانية الشكل تتخللها نوافذ تلمؤها زخارف جصية مفرغة على هيئة تفريعات نباتية وتسمح هذه الفتحات بدخول الضوء والهواء إلى داخل قاعة الصلاة.
وقد غطي مسجد الشيخ لطف الله من الداخل والخارج بزخارف قاشانية رائعة يعود طرازها إلى العهد السلجوقي في إيران.
د. رؤوف الأنصاري
- () ربما كانت في المكان المعروف اليوم باسم: الميسات. ↑
- () وهي كذلك التي قضينا فيها أياماً طويلة من أيام الحياة وظللنا نحنُّ إلى مرابعها: إلى الدواوير، والحومة، والدغالي، والبركتين، ووادي السلوقي. وإلى أزاهيرها من سكوكع والدحنون.وهي التي قلت في الحنين إليها وأنا على ضفاف الفرات في العراق:
لئن لذّ للوراد عذب فراتهم
فإن فؤادي فيه ما زال ظاميا
يحن لماء البركتين ويشتهي
مشارع في تلك الذرى ومساقيا
سقى (الحومة) الخضراء صوب سحائب
وروّى هطول المزن ثم (الدغاليا)
مرابع يطلعن (السكوكع) أبيضا
ويزهين (بالدحنون) أحمر قانيا
فما شاقني بعد (الدواوير) مربع
ولا اعتضت عن وادي السلوقي واديا
وقلت فيها:
شقراء ما برح الهوى غلابا
شقراء ما برحت نواك عذابا
تلك التلال الخضر كم لذّ الهوى
فيها وكم عذاب النضال وطابا
(والحومة) الخضراء والوادي وما
ضمت خياماً في الذرا وقبابا
وظلال (شوّاثا) ومن ساروا بها
(أسراب حسن تقتفي أسرابا)
شقراء إن تغب الجسوم فإنما
شوق الأحبة في النوى ما غابا
يتلفتون لعل في أرج الصبا
من وادييك على الصباح ملابا
ولعل منك على البعاد تحية
ولعل منك على الكتاب جوابا
شقراء ما زلنا بحبك فتية
متوقدين حماسة وشبابا
إن شاب هذا الشعر هماً فالهوى
غضّ وقلبي في المنى ما شابا
↑ - () يشير في ذلك إلى ما يجري في أكثر المساجد الكبرى من تعدد الجماعات في المسجد الواحد عند إقامة الصلوات «ح». ↑
- () يمكن القول إن السيد محسن الأمين من بين كبار مراجع التقليد هو الذي سنّ هذه السنة وطبقها طيلة حياته. يقول الشيخ محمد رضا الشبيبي في تأبينه: «شنّ حرباً شعواء على الخرافات والأوهام الشائعة وعلى العادات التي اعتبرت ديناً عند بعض الطبقات، وما هي من الدين ولا من الشرع الشريف في شيء، فهو في طليعة المنادين في الدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي في الشرق العربي وفي غيره من الأقطار. وكان جلّ معوله في رزقه خصوصاً في فترة حياته الأخيرة على شق قلمه، وما يدخل إليه من حاصل مبيع كتبه وتأليفه ومطبوعاته، وهي كتب ومطبوعات كتب لها الرواج كأنما كوفىء بذلك على إخلاصه وطيب سريرته وحسن نيته في العلم والعمل» (انتهى).والشبيبي لم يعد الحقيقة في ذلك فإن السيد محسن الأمين منذ استوى على مركز القيادة الدينية، وأخذت تؤول إليه المرجعية العامة في سوريا ولبنان صمم على تطبيق منهج إصلاح لا تساهل فيه ولا تسامح، وقد كان يدرك أن في ذلك مصادمة العامة، لذلك عزم على أن لا يبالي غضبها وأن لا يعتمد في المال إلا على ما ينتجه هو، وما كان له أن ينتج إلا من قلمه، فكانت تلك المؤلفات السائرة وفي طليعتها موسوعة (أعيان الشيعة).
ولما اطمأن إلى ذلك صرخ صرخته المدوية بإنكار ما يجري في عاشوراء من لدم الصدور وإدماء الرؤوس وتجريح الظهور، وما يفتري فيه المفترون على الحقيقة من ذكر ما ليس من الحقيقة في شيء.
فقامت قيامة العوام ومن وراء العوام من المتاجرين والجامدين فلم يكترث وصمد لكل ذلك. «ح». ↑
- () حربى: بلدة إلى غرب عكبرا يمر فيها نهر الدجيل وأقام المستنصر عليها قنطرة عرفت في التاريخ بقنطرة حربى ولا تزال آثارها قائمة حتى الآن، وفيها تاريخ تشييدها سنة 629. ↑
- () حلوان: مدينة هي حدّ العراق الشرقي. قال عنها الإصطخري: مدينة عامرة ليس في أرض العراق بعد البصرة والكوفة وبغداد وواسط وسامراء والحيرة مدينة أكبر منها، وأكثر ثمارها التين، وهي بقرب الجبل. ↑
- () العذيب: تصغير العذب: مكان ماء عن يمين القادسية لبني تميم. ↑
- () الإصطخري: المسعودي، ابن حوقل، ابن رسته. ↑
- () المسعودي ونقول: العرب يسمون السهل الرسوبي (أرض السواد) أي الأرض السوداء، واتسع مدلول كلمة السواد حتى صارت هي والعراق لفظين مترادفين في الغالب. وللفظة السواد معنى ثان وهو (العقار) الذي يكتنف المدينة، فقيل سواد بغداد وسواد الكوفة وسواد البصرة. ويراد بذلك ما يحيط بهذه المدن من أرض زراعية. ↑
- () الإصطخري. ↑
- () تاريخ بغداد. ↑
- () أنظر تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام ص386 الطبعة الأولى بغداد 1951م 1370هـ. ↑
- () أنظر الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج12 ص272 بيروت دار الأضواء. ↑
- () الميرزا محمد باقر الموسوي الخوانساري: روضات الجنات ج1 ص255 طهران مكتبة إسماعيليان سنة 1390 هجرية. ↑
- () الدكتور أبو القاسم الإمامي تجارب الأمم ج1 ص25 طهران الطبعة الأولى سنة 1407هـ 1987م. دار السروش للطباعة والنشر. ↑
- () مجمع البحار، مادة سبج. ↑
- () المسالك والممالك، ص67. ↑
- () لسان لعرب ج2 ص294. ↑
- () المرجع السابق. ↑
- () المرجع السابق. ↑
- () جمهرة اللغة ج3 ص504 كما نقل في كتاب «عربون كي جهاز راني» ص19. ↑
- () كتاب البلدان، ص35. ↑
- () نبذة من كتاب الخراج الملحق بمسالك الممالك ص360. ↑
- () يراجع لذلك صفحات «المسالك والممالك»: 33، 45، 58. ↑
- () فتوح البلدان ص367. ↑
- () تاريخ الطبري مجلد 3 ص255، وكامل ابن الأثير ج2 ص141. ↑
- () فتوح البلدان ص368. ↑
- () شيراب مكونة من شير بمعنى حليب (لبن) وآب بمعنى ماء. ↑
- () معجم البلدان: الجزء الثالث، ص211. ↑
- () James Morier, Journey etc I, 51. ↑
- () المسالك والممالك، الإصطخري ص127 و154 طبع ليدن. ↑
- () تعد سيراف من المراكز المعروفة بكثرة الزلازل وشدتها (كتاب التنبيه والإشراف للمسعودي، ص44 طبع مصر). ↑
- () أحسن التقاسيم ص426 ـ 427 طبع ليدن. ↑
- () هو أبو سعيد بن الحسن بن عبداللَّه السيرافي النحوي (284 ـ 368هـ): وهو من مشاهير علماء النحو والأدب عند المعتزلة، والسيرافي هذا هو والد أبو محمد يوسف بن الحسن السيرافي (320 ـ 385) الذي كان بدوره أحد علماء الأدب والنحو. ↑
- () هو صفي الدين أبو الخير مسعود بن محمود بن أبي الفتوح الغالي السيرافي. ↑
- () نجيرم: ميناء يقع بالقرب من سيراف إلى الجهة الشمالية منها. ↑
- ()Sir Aurel Stein {Archaeological Reconnaissances}, London 1937. ↑
- () راجع حاشية الأصفهاني على مكاسب الشيخ ص25. ↑
- () المكاسب ص83 طبع تبريز سنة 1375هـ. ↑
- () البرج: ويلفظ محلياً (البري) حيث يستبدل حرف الجيم إلى الياء ـ وهي اللهجة التي يتداولها أبناء سيهات. ↑
- () لسان العرب لابن منظور، دار صادر، بيروت، ج12، ص475. ↑
- () هنا نتذكر المثل البحري القائل: «الطين طين ريه، والهير هير اشتيه». ↑
- () مجاري الهداية (النايله) للربان: راشد بن فاضل البنعلي، ص126. ↑
- () عدولية: قرية في المنطقة أيام الشاعر. ويقال أيضاً إنها قبيلة في منطقة البحرين. ↑
- () ابن يامن: أحد الملاحين في العصر الجاهلي وكان يملك سفناً كثيرة. ↑
- () حيزومها: مقدمتها. ↑
- () المفائل: لعبة شعبية مارسها الشاعر طرفة وما زالت معروفة إلى اليوم. ↑
- () تاريخ الأحساء السياسي، ص201. ↑
- () وتدعى (تسقام). ↑
- () رجال الغوص قديماً كانوا يفضلون العمل لدى نواخذة أهالي سيهات نظراً إلى أن سفينة الغوص والعاملين عليها يتمتعون بإجازات تتخلل رحلة الغوص وذلك لحضور المناسبات الدينية (التحاريم) وعلى سبيل المثال حضور مراسم أيام عاشوراء ذكرى استشهاد الإمام الحسين وأهل بيته (عليهم السلام). ↑
- () هناك بعض المقاطع الشعرية التي يتداولها الأهالي تبين مدة الغوص للمحترفين، وهي كما يلي:ألا يــــا ولـــد مشعـل لا تغب أبهم
راحـــــــــوا حبابــوه وياو التمر يرقى أبهم
نـسـوانـــهــــم أيــست والدين راكبهم
↑ - () ج.ج. لوريمر (دليل الخليج ـ القسم التاريخي) ص3255. ↑
- () كما يقال أيضاً: (إذون) و(دواين). ↑
- () وعادة يكون لونها أسود أو بنياً وليس لها سطح كروي. ↑
- () أما الخبراء فيعرفون ذلك بمجرد النظر. ↑
- (*) عثر علماء الآثار أخيراً في منطقة سهل الحولة قرب جسر بنات يعقوب شمال فلسطين على هياكل عظمية وبقايا أثرية وأدوات استعملها الإنسان القديم يعود تاريخها إلى أكثر من 750 ألف عام. الاكتشاف تضمن بقايا أنواع متعددة من الجوز والثمار ذات القشور الصلبة وهي شكلت الغذاء للإنسان القديم. الموقع الأثري الذي تمّ اكتشافه كان مطموراً بمياه بحيرة الحولة، ما حال دون تلف الموجودات الأثرية وأبقاها على شكلها لعدم تعرضها للهواء. حيثيات الاكتشاف تلقي الضوء على أن الوجود الإنساني في بلاد الشام قديم جداً في حقب ما قبل التاريخ وأن الجوز وبعض المكسرات الأخرى كانت الغذاء الرئيس في الحقبة الجليدية الأولى والمتوسطة وأن الإنسان القديم الذي عاش في بلاد الشام كان طوّر أساليب فنية لكسر الجوز بمساعدة أدوات يدوية صنعت من الحجارة. وفي الموقع عُثر على سبعة أنواع من الثمار ذات القشرة الصلبة، منها البلوط والكستناء والفستق واللوز البري… وبقايا أنواع الكستناء والفستق. وأشارت الدراسات أيضاً إلى أن طريقة الإنسان القديم في تقشير الجوز متشابهة مع ما عثر عليه في أمكنة أخرى من العالم في أثريات يعود تاريخها إلى الحقبة نفسها، ما يؤكد صحة الطرح بأن الجوز كان الغذاء الرئيس للإنسان في القرون الغابرة. وفي الموقع المذكور عثر على خمسين حجراً مجوفاً، وهذه التجاويف حصلت من جراء كسر كميات كبيرة من الجوز وبعض الحجارة الصغيرة وتكورت على شكل مطرقة فيما الحجارة الكبيرة استعملت كالسندان. ↑
- () البكري، معجم ما استعجم، المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم أبو الفداء، ابن حوقل المسالك والممالك، ياقوت معجم البلدان، عبدالمؤمن عبدالحق مراصد الاطلاع، الأنباري أسماء البلدان، الأصطخري أسماء الأمكنة والبقاع، أبو الحسين أحمد بن فارس كتاب اشتقاق أسماء البلاد. ↑
- () أيلة: مدينة قديمة على مقربة من العقبة اليوم. ↑
- () بالس: كانت مدينة عامرة على الضفة الغربية لنهر الفرات، على مسافة نحو مئة كلم من مدينة حلب. وتقع خرائبها اليوم على مسافة خمسة كلم من قرية مسكنة على هضبة تطل على وادي الفرات الذي يجري غير بعيد عنها. ↑
- () البلقاء: تطلق على النصف الجنوبي من شرقي الأردن. ↑
- () جبلا طيىء هما: أجَأ، وسلمى. قال أبو عبيد السكوني: أجَا أحد جبلي طيىء وهو غربي فيد، وبينهما مسير ليلتين وفيه قرى كثيرة. ومنازل طيىء في الجبلين عشر ليال من دون فيد إلى أقصى أجَأ، إلى القريات من ناحية الشام. وبين المدينة والجبلين على غير الجادة ثلاث مراحل. وقال في معجم البلدان عن جبل سلمى: جبل وغربه واد يقال له رَك به نخل وآبار مطوية بالصخر طيبة الماء، وهو أحد جبلي طيىء. ↑
- () أعذاء: مفردها (عِذْيُ) الزّرع لا يسقيه إلا المطر. ↑
- () عين زَرْبَة: عين زَرْبَى (في معجم البلدان لياقوت) يجوز أن يكون من زَرْب الغنم وهو مأواها، وهو بلد بالثغر من نواحي مصّيصة. ↑
- () نخب تاريخية وأدبية… من ص37 إلى ص51. ↑
- () سنير: قال في معجم البلدان: جبل بين حمص وبعلبك على الطريق على رأسه قلعة سنير. يمتد مغرباً إلى بعلبك ويمتد مشرقاً إلى القريتين وسلمية، وهو في شرقي حماه وجبل الجليل مقابله من جهة الساحل وبينهما الفضاء الواسع الذي فيه حمص وحماه وبلاد كثيرة. ويتصل بلبنان متيامناً حتى يلتحق ببلاد الخزر ويمتد متياسراً إلى المدينة. وسنير الذي ذكر أنه بين حمص وبعلبك شعبة منه إلاّ أنه انفرد بهذا الاسم (انتهى).وفي سنير يقول الشاعر الدمشقي ابن عُنين:
إذا جبل الريان لاحت قبابه
لعيني ولاحت من سنير هضابه
وقامت جبال الثلج زهراً كأنها
سفائن في بحر يعب عبابه
لثمت الثرى مستشفياً بترابه
ومن لي بأن يشفي غليلي ترابه
وقال الشاعر الحلبي عبدللَّه بن سنان الخفاجي:
اسيم ركابي في بلاد غريبة
من العيس لم يسرح بهن بعير
فقد جُهلت حتى أراد خبيره
بوادي القطين أن يلوح سنير
وكم طلبت ماء الأحص بآمد
وذلك ظلم للرجال كبير
وقال البحتري:
وتعمدت أن تظل ركابي
بين لبنان طلعاً والسنير
مشرفات على دمشق وقد
أعرض منها بياض تلك القصور
↑ - () قنسرين قرية تعرف بـ (أسكي) حلب. وعن خرابها يقول في معجم البلدان: كانت قنسرين مدينة بينها وبين حلب مرحلة من جهة حمص. وما زالت عامرة آهلة إلى أن كانت سنة 251، وغلبت الروم على مدينة حلب وقتلت جميع ما كان بربضها فخاف أهل قنسرين وتفرقوا في البلاد، فطائفة عبرت البلاد، وطائفة نقلها سيف الدولة بن حمدان إلى حلب كثّر بهم من بقي من أهلها، فليس بها اليوم إلاّ خان تنزله القوافل… وقال بعضهم: كان خراب قنسرين سنة 355 قبل موت سيف الدولة بأشهر… ولم تعمر بعد ذلك. ثم يقول: وحاضر قنسرين بلدة باقية إلى الآن. ↑
- () هي درعا قاعدة محافظة حوران في سوريا. ↑
- () قال الإدريسي: الجبال تقابل عسقلان. وفي صورة الأرض لابن حوقل: الجبال والشراة ناحيتان متميزتان، أما الشراة فمدينتها أذرح، وأما الجبال فمدينتها رواث. وفي البلدان: عرندل: قرية من أرض الشراة من الشام. ↑
- () في صورة الأرض لابن حوقل: زغر: مدينة متصلة بالبادية. وفي مصادر أخرى أن زغر قرية بينها وبين بيت المقدس ثلاثة أيام في طرف البحيرة المنتنة (البحر الميت). ↑
- () في معجم البلدان: كوكب: اسم قلعة مطلة على مدينة طبريا. ↑
- () في معجم البلدان: الطور: جبل بعينه مطل على طبريا. ↑
- () قبل الحرب العالمية الأولى، لم تكن هناك وحدة سياسية معروفة باسم سوريا. فمنذ عام 1516 حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، شكلت سوريا ولبنان والأردن وفلسطين أجزاء عضوية من الامبراطورية العثمانية. والمجلس الأعلى للقوى الحليفة الرئيسية الذي اجتمع في مؤتمر سان ريمو بتاريخ 25 نيسان 1920، قسّم الولايات العر بية أربعة انتدابات منفصلة: العراق ولبنان وفلسطين وسوريا. وخصّص المؤتمر الانتداب على سوريا ولبنان (الدولتين المشرقيتين) لفرنسا، والانتداب على بلاد ما بين النهرين (العراق لاحقاً) وفلسطين لبريطانيا العظمى. ولإرضاء الصهيونيين الأوروبيين الذين رغبوا في إنشاء «وطن قومي» لليهود في فلسطين، وسعت بريطانيا حدود فلسطين لتضم ضفتي نهر الأردن الأعلى، وكذلك الشاطىء الشرقي لكل من بحيرة الحولة وبحيرة طبريا، ومنطقة تمتد في الجنوب اللبناني، معطية بذلك فلسطين سيطرة على أحد ينابيع الأردن.وسعى الصهيونيون إلى توسيع حدود فلسطين لسببين: أ) أرادوا توسيع المناطق التي تغطيها سياسة «الوطن القومي اليهودي» لأغراض الاستيطان. ب) اعتقدوا أن مصادر مياه نهر الأردن المهمة يمكن استغلالها من طرف واحد لتطوير الزراعة والاستيطان اليهودي في فلسطين موسعة. إلا أن بريطانيا أعادت لاحقاً تنظيم الأراضي الواقعة على الضفة الشرقية لنهر الأردن، كانتداب منفصل يدعى شرق الأردن (الذي أعيدت تسميته الأردن عام 1950). ↑
- () عبر هادريان، الامبراطور الروماني، بحر إيجه قادماً من الساحل اليوناني إلى آسيا الصغرى في شهر آذار (مارس) سنة 129، ونزل في ميناء (آفسس) على الساحل الغربي للأناضول، ثم تجول في البلدان الواقعة على الساحل الجنوبي حتى وصل إلى مدينة (طرسوس) ـ التي ولد فيها بولس الرسول أهم حواريي السيد المسيح ـ ومنها سار إلى أنطاكية بشمال سوريا التي وصلها في منتصف حزيران (يونيو). وكانت أنطاكية عاصمة كل بلاد الشام منذ أيام السلوقيين في بداية القرن الثالث (ق.م) فقرر هادريان خلال هذه الزيارة فصل فينيقيا عن سوريا فجعلها مقاطعة خاصة وأصبحت صور عاصمتها، وإن لم ينفذ هذا القرار إلا بعد ذلك بثمانين عاماً وفي عصر الامبراطور (سبتيموس سيفيروس). وأصبحت بلاد الشام تنقسم إلى أربع وحدات سياسية حتى نهاية الحكم الروماني، هي سوريا في الشمال ـ وكانت تتضمن جزءاً من الأراضي التابعة الآن لتركيا، ثم فينيقيا ـ التي تتضمن جنوب فلسطين وجنوب سيناء إلى جانب الأراضي الواقعة شرقي خليج العقبة وشرقي نهر الأردن. ثم تابع مسيرته جنوباً إلى تدمر التي أصبحت مركزاً تجارياً مهماً، ومنها إلى دمشق التي أصدرت عملة خاصة احتفالاً بهذه الزيارة، ثم إلى بيروت حيث كانت تعيش أكبر جالية رومانية في المنطقة.وبعد فترة راحة قضاها (هادريان) في بيروت سار شرقاً مرة أخرى لزيارة مقاطعة العربية، وكانت أصبحت جزءاً من الامبراطورية الرومانية منذ إسقاط حكم الأنباط العام 106، وامتدت حدودها الشمالية في ذلك الوقت إلى حدود مدينة دمشق. وبعد زيارة قصيرة لمدينة البتراء ذهب هادريان إلى (جرش) بالقرب من قلعة (فيلادلفيا) حيث أمضى هناك فترة الشتاء إلى نهاية العام. وفي بداية العام 130 عبر الامبراطور الروماني في نهر لأردن إلى فلسطين، وزار مدينة القدس التي كانت خراباً مهجوراً منذ تدميرها قبل ذلك بستين عاماً. ↑
- () البكري: معجم ما استعجم، المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، أبو الفداء ابن حوقل: المسالك والممالك، ياقوت: معجم البلدان، عبدالمؤمن عبدالحق: مراصد الاطلاع، الأنباري: أسماء البلدان، الإصطخري: المسالك على أسماء الأمكنة والبقاع، أبو بكر محمد والممالك، أبو الحسين أحمد بن فارس: كتاب اشتقاق أسماء البلاد. ↑
- () أبو الفداء ص225، الإصطخري ص55 Smith: Historial Geograph. p.3, 4 Amod Toynbee: Survey of International Affairs vo.1 p.8 & Cornelius Van the Islamic World p.347 (London 1927). ↑
- () أحمد رمضان أحمد: شبه جزيرة سيناء في عصر الحروب الصليبية، أيلة مدينة قديمة على مقربة من العقبة اليوم. ↑
- () بالس: مدينة قديمة في شمال الشام وتقع على الضفة الغربية لنهر الفرات ومحطة لها شأنها على مسيرة مائة كيلومتر من حلب، وفي مدخل الجزيرة على الطريق من أنطاكية والبحر المتوسط المؤدي إلى بغداد والعراق ماراً بالرقة، وكان ازدهار المدينة التجاري والزراعي يرجع إلى موقعها عند تقاطع طرق نهرية وبرية في واد دافىء، كانت وسائل الري فيه تساعد على تنمية الزراعة. وقد عرفت قديمة بالاسمين الآرامي واليوناني (بيت بلس) وبرباليسوس Barbali-Soss وقد أشير إليها في قائمة (Peutingir) وفي (Notitia Dignitatum) وبعد التقسيم الإداري لولاية سورية الذي حدث في حوالي منتصف القرن الثاني الميلادي وأصبحت بالس بمقتضاه تابعة لولاية الفرات الكبرى Augusta Euphratenis أدت المدينة دور الثغر على الحدود. وفي العصر البيزنطي أصبحت بالس نهباً للجيوش الفارسية عدة مرات.. وقد دخلت المدينة في حوزة المسلمين بعد أن استولى أبو عبيدة بن الجراح على حلب، وأصبحت في العصر الأموي جزءًا من جند قنسرين، وفي عهد هارون الرشيد ضمت إلى العواصم، ثم دخلت في محيط الدولة الطولونية ثم الحمدانية ثم السلاجقة. وفي عصر الحروب الصليبية خضعت لفترة وجيزة للفرنجة. وما تزال آثارها الباقية تشهد بما كان لهذه المدينة من شأن في العصر الأيوبي والعصر المملوكي. واسم بالس الآن (اسكي مسكين) البلاذري: فتوح البلدان، ص75، ابن الفقيه: ص92، قدامة ص228، الطبري ج3 ص52، ص477، ابن شداد: الأعلاق الخطيرة. ↑
- () البلقاء الاسم لعربي للنصف الجنوبي من إقليم شرقي الأردن. ويطلق على إقليم شرقي الأردن بأكمله. ↑
- () Mexax Blankenhon, Handbuch der Regionien (Weidelberg 19 14) p. p5, 14, 29: Alfred E. Day. Geolgy of Lebanon (Beirut, 1930) p.30. ↑
- () الإصطخري: المسالك والممالك ص55 (ليدن) ويقول إن اللكام يمتد حتى اللاذقية في الجنوب. ↑
- () Ellen.c. Semple: The Geography of the Mediteranean Region (London 1932). p.42. ↑
- () ياقوت الحموي: معجم البلدان ج3 ص170، كرد علي: خطط الشام ج1 ص53، «مادة سنير» وهو جبل بين حمص وبعلبك على الطريق وعلى رأسه قلعة سنير، ابن شداد: الأعلاق الخطيرة ص38، وعدَّ ابن أبي يعقوب في كور دمشق جبل سنير. ↑
- () George A. Smith: The Historical Geography of the Holyland. P.615, p. Syria and the Holyland. P.29. ↑
- () فنجد أن ارتفاع حلب 370 متراً بينما بغداد 37 متراً والكرك 950 متراً بينما البصرة على مستوى البحر تقريباً، والكرك ودمشق وحلب على خط طول واحد تقريباً من هذا يتبين ميل بلاد الشام بوجه العموم (انظر: De Vanmas 1950 p.p. 268 – 272). Rainfall Map of Palestin, Transjorn, Southern Lebanon 3rd (Jerusalem 1942) op.127. ↑
- () هو جان بلاط الناصري، ولقبه الملك الأشرف أبو النصر، من مماليك الدوادار الكبير يشبك، وباع يشبك جان بلاط إلى السلطان قايتباي فألحقه بحرسه، وقد أقامه الملك الناصر محمد بن قايتباي داواداراً كبيراً سنة 902هـ (1407م)، ثم استعمل في العامل التالي على حلب، ثم دمشق، وفي العام 904هـ (1499م) أقامه السلطان قانصوه الأول في منصب أتابك، واختاره الجيش سلطاناً عندما أجبرت الفتن قانصوه على الفرار، ولم يبايعه (قصروه) والي حلب القوي وانتقض عليه كبار العمال في القاهرة، ثم إن المماليك انصرفوا عنه وفي سنة 906هـ (1501م) ظفر به أعداؤه وحمل إلى الإسكندرونة وقتل في سجنها. ولم يدم حكمه إلا ستة شهور. ↑
- () القلندرية كما يقول محمد أحمد دهمان محقق (أعلام الورى) هم طائفة صوفية يحلقون رؤوسهم وشواربهم ولحاهم وحواجبهم. وكانت هذه الفرقة مكروهة من الفقهاء ورجال الدين نشأت في عهد الظاهر بيبرس، وهو الذي شجعها وكان سبب انتشارها في الشام ومصر. ومن مشاهير رجالها الشيخ عثمان كوهي الفارسي وهو الذي ورد اسمه في قصة الظاهر بيبرس الشعبية باسم عثمان بن الحبلة وذكر ابن إسرائيل الشاعر أن هذه الطائفة ظهرت في دمشق سنة 616، وفي خامس ذي الحجة سنة 761 ورد كتاب من السلطان بإلزام القلندرية ترك حلق لحاهم وحواجبهم وشواربهم وترك زي الأعاجم والمجوس، وأن لا يمكّن أحد منهم من الدخول إلى بلاد السلطان حتى يترك هذا الزي المبتدع واللباس المستشنع، ومن لا يفعل ذلك يعزر شرعاً. فنودي عليهم بذلك في أنحاء دمشق. وكان لهم عدة زوايا في دمشق ومصر أشهرها قلندرية مقبرة باب الصغيرة لصيق مزار السيدة سكينة من جهة القبلة والشرق والباقي منها قبة كتب عليها ما يلي بسطر واحد: السلطان الملك والظاهر بيبرس الصالحي. وعلى كل من دعامتي الباب الشرقية والغربية صدر أسد، وهو رنك الظاهر بيبرس، والراجح أن هذه القبة هي بقايا الزاوية القلندرية. ↑
- () راجع ترجمة سيف الدولة الحمداني علي بن حمدان في موضعها من (أعيان الشيعة). ↑
- () كتاب (المعز لدين اللَّه) تأليف الدكتور حسن إبراهيم حسن والدكتور طه شرف (ص48). ↑
- () بلغ من اهتمام الامبراطور نقفور فوكاس بمحاربة الفاطميين، أنه أعد أسطولاً ضخماً ملأه بالمؤن والذخيرة، وأعد جيشاً يقرب من خمسين ألف رجل مجهزين بأحسن آلات الحرب وأمر عليه رجلين أحدهما (منويل) وكان يمت إليه بصلة القرابة، فانهزم الجيش والأسطول هزيمة كاسحة. ↑
- () يقصد بها الجبال. ↑
- () المحض: الفتل المتاد، والشزر: نوع من الفتل محكم. ↑
- () المقصود بطلب الأمان أن يلقوا سلاحهم ويستسلموا خارجين بدون سلاح على أن يكونوا آمنين على أرواحهم فلا يقتل منهم أحد، ولا يكونوا أسرى، بل ينطلقوا راجعين إلى بلادهم.وقد كانت القيادة الصليبية كلّها في أنطاكية، كما يعدد رجالها ابن الأثير، فطلبها الأمان واستسلامها كان معناه انتهاء الحروب الصليبية عند أنطاكية وعودة رجالها إلى بلادهم شراذم جائعةً عارية. ↑
- () ابن الأثير ج10 ص278. ↑
- () سماها مترجم الكتاب: البحترة، وضع أمامها بين قوسين (بارا) وقال إنها تقع على بعد 42 ميلاً جنوب شرقي أنطاكية. ↑
- () يقول في معجم البلدان: رفنية: كورة ومدينة من أعمال حمص يقال لها رفنية تدمر، وقال قوم: ـ والكلام لا يزال لمعجم البلدان ـ رفنية بلدة عند طرابلس من سواحل الشام. ↑
- () Jean Longnon, Les Français d’Outre- Mer au Moyen Age: Essai sur l’Expansion Fracaise dans le Bassin de la Méditerranée (Paris: Perrin, 1929) p.133. Thompson, Economic and Social History of the Middle Ages, P.400. ↑
- () سعيد عبدالفتاح عاشور، الحركة الصليبية ([د.م.: د.ن.]، 1986م)، ج1، ص379 ـ 380. ↑
- () العماد الكاتب الأصفهاني، الفتح القدسي، شرح وتقديم محمد محمود صبح (القاهرة: الدار القومية للطباعة والنشر، 1965م)، ص347 وما بعدها. ↑
- () Edwin James King. The Knights Hospitallers in the Holy Land (London: Methuen, 1931) p.64 ff. ↑
- () المصدر نفسه ص1، 19 ـ 23 وRene’Groussef, Histoire des Croisades et du Royaume Franc de Jerusalem, 3 vols. (Paris: Plon, 1934- 1936), vol.1, pp.545. ↑
- () أبو الحسن علي بن محمد بن الأثير، الكامل في التاريخ، حوادث سنة 583هـ. ↑
- () Joshua Prawer, Histoire du Royaume Latin Jérusalem, Traduit de l’Héreu par G.Nahon, Revu et Complete par l’Auteur, 2 vols. (Paris Editions du Centre National de la Kenneth Meyer Setton, ed. A. History of the Crusades, 2 vols (Philadelphia: University of Pennsylvania Press Reherche Scientifique [CNRS] 1969 – 1970) vol.1, p.497 ff. [1955 – 1962]), vol.2 pp.568 – 569. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () عاشور، الحركة الصليبية، ج1، ص375. ↑
- () Richard, le Royaume Latin de Jérusalem, p.71 and the Cambridge Medieval History, Planned by T.B. Bury, 8 Vols (Cambridge Mass: Cambridge University Press 1913- 1936, Vol.5 p.302. ↑
- () Prawer, Histoire du Royaume Latin de Jérusalem, Vol.1, pp.469 – 470. ↑
- () أبو المظفر أسامة بن مرشد بن منقذ، كتاب الاعتبار، ص64. ↑
- () Claude Reignier Conder, The Latin Kingdom of Jerusalem 1099 – 1291 A.D. (London: Com. Pla Exp Fund. 1987). PP.184 – 211 Thompson, Economic and Social History of the Middle Ages, PP.399 – 400. ↑
- () أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير، رحلة ابن جبير في مصر وبلاد العرب والعراق والشام وصقلية: عصر الحروب الصليبية، تحقيق حسين نصار (القاهرة: مكتبة مصر، [1955م)]. ↑
- () Le Levre de jean d’Ibelin (Assises de Jérusalem) Vol.1, p.207. ↑
- () أبو يعلى حمزة بن أسد بن القلانسي، ذيل تاريخ دمشق، وهو تتمة لتاريخ هلال الصابي تتلوه نخب تواريخ ابن الأزرق الفارقي وسبط ابن الجوزي والحافظ الذهبي، تحقيق هـ.م. أمدروز (بيروت: مطبعة الآباء اليسوعيين، 1908م)، ص163. ↑
- () انظر: تراث الإسلام، أشرف على ترجمته زكي محمد حسن، يوسف شاخت ويوزورت كليفورد إدموند، تراث الإسلام، ترجمة حسين مؤنس، زهير المسهوري وإحسان صدقي العمد، مراجعة فؤاد زكريا، سلسلة عالم المعرفة، ج3 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1978) آدم متز، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، أو عصر النهضة في الإسلام، ترجمة محمد عبدالهادي أبو زيد، ج2 (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1967م)؛ غوستاف لوبون، حضارة العرب ترجمة محمد عادل زعيتر (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1945م)، جاك س. ريسلر، الحضارة العربية، ترجمة غنيم عبدون، مراجعة أحمد فؤاد الأهواني (القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة، [1963م])، وسيغريد هونكه، «شمس العرب تسطع على الغرب» رابطة العالم الإسلامي، السنة 10، العدد 8 (تشرين الثاني/ نوفمبر 1972). ↑
- () ابن منقذ، كتاب الاعتبار، ص132 وما بعدها، وص181 وما بعدها. ↑
- () Dadu, Le Royaume Latin de Jérusalem, p.53f.f ابن منقذ المصدر نفسه، ص140. ↑
- () Conder, The Latin Kingdom of Jerusalem, 1099 – 1291 A.D.P. 128ff. ↑
- () ابن جبير، رحلة ابن جبير في مصر وبلاد العرب والعراق والشام وصقلية: عصر الحروب الصليبية ص295 ـ 296. ↑
- () عبدالرحمن بن إسماعيل أبو شامة، كتاب الروضتين في أخبار الدولتين، ج2، ص143. ↑
- () أبو عبداللَّه محمد بن سالم بن واصل، مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، نشره لأول مرة عن مخطوطات كمبردج وباريس واستانبول وضبطه وحققه جمال الدين الشيال، ج5 ([القاهرة]: مطبعة فؤاد الأول، 1935 ـ 1957م) ج2، ص294. ↑
- () أبو شامة، المصدر نفسه، ج2 ص143. ↑
- () ابن جبير، رحلة ابن جبير في مصر وبلاد العرب والعراق والشام وصقلية: عصر الحروب الصليبية، ص276 و288 ـ 289. ↑
- () ابن منقذ، كتاب الاعتبار، ص136. ↑
- () المصدر نفسه، ص136. ↑
- () Steven Runciman, A History of Crusades, 3 vols (New York: [n.pb.] 1967) vol.2 P.193. ↑
- () Guilemus (abp. of Tyre) A History of Deeds Done Beyond the Sea, Translated and Annotated by Emily Atwater Babcok and A.C. Wrey, 2 vols (New York: Colmbia University Press, 1943) p.53. ↑
- () المصدر نفسه، ج2، ص204 وما بعدها. ↑
- () ابن الأثير، الكامل في التاريخ، حوادث سنة 584هـ. ↑
- () أبو شامة، كتاب الروضتين في أخبار الدولتين، ج2 ص131. ↑
- () عاشور، الحركة الصليبية، ج1، ص221 ـ 222. ↑
- () ابن الأثير الكامل في التاريخ، حوادث سنة 582هـ. ↑
- () الدكتور عمر تدمري يسمي الفاطميين باسم (العبيديين). بهذه الروح يكتب حملة الدكتوراه وأساتذة الجامعات في أواخر القرن العشرين ـ بهذه الروح يكتبون التاريخ!! ↑
- () البَثَنِيَّة: من نواحي دمشق، معجم البلدان، ج1 ص402، دار الكتب العلمية (1990م) ط1. ↑
- () كان رد ملهم على جعفر: هو غلامي وقد وهبته، ويلاحظ أن جعفراً ترك طبرية إلى دمشق لأن ملهماً أقام الدعوة باسم المعز لدين اللَّه دون أن يشير إلى قتل فاتك. ↑
- () المقريزي: اتعاظ 1، 216. ↑
- () ابن العديم: زبدة الحلب في تاريخ حلب 1، 222. ط دمشق 1951. ↑
- () ابن منجب الصيرفي: الإشارة إلى من نال الوزارة 82 ـ 83 ويشير إلى أن مقدار ما أعطى لابن هانىء من طرف ابن فلاح كان مائتي دينار وهو نفس ما أعطاه إياه جوهر. ↑
- () أبو المحاسن: المصدر السابق 4، 31. ↑
- () نفسه 4، 27، النويري: المصدر السابق 26 ورقة 41 ـ 42. ↑
- () علي إبراهيم حسن: تاريخ جوهر 39 ـ 40. ↑
- () المقريزي: اتعاظ الحنفا 1، 118. ↑
- () نفسه، الخطط 1، 378. ↑
- () نفسه. ↑
- () المقريزي، الخطط 1، 379. وقد جرى ذلك عندما أمر الجميع بالترجل لمنجوتكين وظهر الانفعال والتأثر على القائد الكلبي الذي زفر زفرة كادت تنقطع لها نياط قلبه. ↑
- () وعن جعفر بن علي بن حمدون الأندلسي أمير الزاب: انظر: ابن خلكان: وفيات الأعيان 1، 311.وفيه يقول بن هانىء:
ويا ملك الزاب الرفيع عمـاده بقيت لجمع ا لمجد وهو فريق
على ملك الـزاب السلام مردداً وريحان مسك بالسلام فتيق ↑
- () أبو المحاسن: النجوم الزاهرة 4، 31 هامش 3. ابن خلكان: المصدر السابق 1، 112، 113، ابن الأبار، الحلة السيراء، 434. ط. بيروت 1962م. الجيلالي: المرجع السابق 1، 118، العيني: عقد الجمان 19 (ق2) ورقة 247 ـ 248. ↑
- () أبو المحاسن: النجمون 4، 33، 58 ـ 59، الذهبي: المصدر السابق 3 ورقة 190، العيني: المصدر السابق والورقات، وقد نسب إليه شعر وجهه إلى يعقوب بن كلس منه:ولي صديق ما مسني عدم مذ نظرت عينه إلى عدمي
أعطـى وأفنـى ولـم يكلفني تـقـبـيل كــفّ له ولا قــدم ↑
- () واعتماد الخلفاء على الأسر الكبيرة كان ظاهرة أخرى خاصة في بلاد المغرب، ومن هذه الأسر، أسرة ابن خنزير وأسرة الكلبين، وأسرة النعمان وأسرة ابن أبي المنهال، وأسرة ابن الفلاح وأسرة ابن ثعبان. وبعض هذه الأسر امتد نشاط أفرادها إلى مصر وبلاد الشام، وكان القدر المشترك بين هذه الأسر أو عنصر الوحدة هو الولاء للخليفة الفاطمي، الذي ينتمي إلى عترة الرسول(ص). ↑
- () ابن عذارى 1، 315 ـ 316: ابن خلدون: العبر 4، 100 ـ 101، المقريزي الخطط 1، 378، الزركلي: الأعلام 6، 71. حسن إبراهيم: الدولة الفاطمية 135 هامش 1. عمر كمال توفيق: العدوان الصليبي على الشرق 69، عبدالمنعم ماجد: ظهور الخلافة الفاطميين 109 ..E.I.Art Fatimides ↑
- () ابن خلكان: المصدر السابق 1، 113، الجيلالي: المرجع السابق 1، 317، (نقلاً عنه) ط ثانية 1965م. ↑
- () ابن الأبار: الحلة السيراء 434 ترجمة رقم 145. ↑
- () المقريزي: إتعاظ، 118 س3. ↑
- () نفسه 1، 120 س4. ومما يلاحظ أن ابن عذارى 1، 263، أشار إلى قائد باسم قمون بن فلاح. أما نسبة جعفر بن فلاح لفرع من بين فروع كتامة، فتبقى لغزاً محيراً، غير أنه لا يستبعد أن يكون من بين عناصر مسالتة أو دنهاجة الذين هاجروا إلى مصر بأعداد ضخمة وعرف من بينهم قادة كثيرون استأصل منهم الحاكم بأمر اللَّه مجموعة وألحق بهم علي بن جعفر بن فلاح في ظروف غامضة. ↑
- () عمر كامل توفيق: مقدمات العدوان الصليبي على الشرق العربي 66 ـ 67، المقريزي: اتعاظ الحنفا 1، 120، ابن خلدون، العبر 4، 100، ابن الأثير، الكامل 8، 212، النويري، نهاية الأرب 26 ورقة 41 ـ 42، يحيى بن سعيد الأنطاكي: المصدر السابق 349 وما بعدها. ↑
- () عبدالمنعم ماجد: ظهور خلافة الفاطميين 109، جمال سرور: النفوذ الفاطمي في بلاد الشام والعراق 16 وما بعدها.والبثنية من كورة دمشق انظر: مدينة دمشق عند الجغرافيين والرحالة 13. ↑
- () ابن حوقل: صورة الأرض 181. ↑
- () المقريزي: اتعاظ الحنفا 1، 121، وما بعدها، أبو المحاسن: النجوم الزاهرة 4، 27، 32 ـ 33، ابن ـ الذهبي: تاريخ الإسلام 3 ورقة 190. بيبرس الدواداري: زبدة الفكرة 6 ورقة 204 ـ 205، ابن الجوزي: مرآة الزمان ج11 ورقات 5، 15، العيني: المصدر السابق ج19 (قسم 2) ورقة 233 ـ 234، ابن القلانسي، ذيل تاريخ دمشق 1، ابن الأثير، الكامل 8، 212، عبدالمنعم ماجد: ظهور خلافة الفاطميين 109، جمال سرور: النفوذ الفاطمي في بلاد الشام 18. ↑
- () المقريزي: اتعاظ الحنفا 1، 121، ابن خلدون العبر، 4، 100، ابن أيبك الدواداري، الدرة المضية 6، 125، ابن الأثير الكامل 8، 212، بيبرس الدوادار: زبدة الفكرة 6 ورقة 205. ↑
- () ابن أيبك الدواداري: المصدر السابق 6، 126 وقد كان ردّ ملهم على جعفر «هو غلامي وقد وهبته» بيبرس الدوادار: المصدر السابق والورقة، ويلاحظ أن جعفراً ترك طبرية إلى دمشق، لأن ملهماً أقام الدعوة باسم المعز لدين اللَّه دون أن يشير إلى قتل فاتك. ↑
- () المقريزي: اتعاظ الحنفا 1، 124، س1. ↑
- () نفسه 1، 123. أ. س 17 ـ 19، ابن أيبك الدواداري: الدرة المضية 6، 126، جمال سرور: النفوذ الفاطمي في بلاد الشام 18 وما بعدها. ↑
- () نفسه 1، 124، س1 ـ 2.(2) أيبك الداوداري: الدرة المضية 6، 126ـ 127، المقريزي: اتعاظ الحنفا 1، 124. ↑
- () ابن الجوزي ويشير إلى مكاتبة الحسن بن أحمد للقائد الكتامي وتضمنت قوله يهدده:الكتب معذرة والــرسل مخـبـرة والحق متبع والخير موجود
والحـدّ ساكـنـة والخـيل صافـنة والسلم مبتذل والظـل ممدود
وأنـ أنـبتــم فــمـقـبـول إنـابتكـم وإن أبيتم فهذا الكور مشدود
على ظهور المطايا أو يردن بنا دمشق والباب مهدوم ومردود ↑
- () وكان مقدارها سنوياً ثلاثمائة ألف دينار وقدرها الذهبي بمائة ألف وعشرين ألفاً (تاريخ الإسلام 3، ورقة 189). ↑
- () بيبرس الدوادار: زبدة الفكرة 6 ورقة 116، المقريزي: اتعاظ الحنفا 1، 187 س6 ـ 7 وهنا يصور الوضع بقوله «تفرق الناس عن جعفر إلى مواضعهم، ولم يفكروا بالموكلين على الطرق» ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق 1. ↑
- () المقريزي: اتعاظ الحنفا 1، 187 ـ 188، ابن ظافر: المصدر السابق ورقة 48 وفيه عن مسرح المعركة قوله «لقيه جعفر دونها». ↑
- () ابن الجوزي: المصدر السابق ج11 ورقات 15، 18، النويري: نهاية الأرب 26 ورقة 41 ـ 42. ↑
- () ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق 2 هامش 1، وتعرف الدكة بالدواسة أيضاً، وقد اعتبرت من عجائب دمشق، ابن ظافر أخبار المنطقة ورقة 48، عمر كمال توفيق: المرجع السابق 78. ↑
- () ولم يفارق سعادة بن حيان مصر حتى توفي لعشر بقين من محرم 362هـ، أي قبل وصول المعز لدين اللَّه، ولذلك لم يقدر له أن يشترك إلى جانب جوهر والمغاربة في الدفاع عن القاهرة ضد القرامطة أثناء حملتهم الثانية. ↑
- () ابن أيبك الدواداري: الدرة المضية 6، 149 ـ 156، بيبرس الدوادار: زبدة الفكرة 6 ورقة 114 ـ 115، وقد تضمن قول المعز يخاطب الحسن «فأما أنت أيها الغادر البائن.. الخارج عن الجماعة والسنة». ↑
- () نفسه 1، 202 ـ 205 في مكان سمي النصيرية. وقد سمّه القرامطة لاختلافهم معه في الرأي حول التعبئة للحرب ضد الفاطميين. ↑
- () المقريزي: اتعاظ الحنفا 1، 202 ـ 206، 230، ابن أيبك الدواداري: الدرة المضية 6، 159 ـ 160 بيبرس الدوادار: زبدة الفكرة 6، ورقة 215 ـ 216، ابن القلانسي ذيل تاريخ دمشق 4.وجهود المعز في ميدان الحرب ضد القرامطة التي اشترك فيها ابنه وحجته عبداللَّه، وجند كتامة وعنصر الأشراف والمتطوعون المصريون وبذله الأموال بسخاء وتوزيعه السلاح على الرجال كانت من بين العوامل الأساسية في الهزيمة التي مني بها الحسن الأعصم وذلك قبل انسحاب بني طيىء من الميدان. ↑
- () نفسه 1، 206، 208، وقد اتصل النابلسي بجعفر بن فلاح في الرملة، ونهاه عن أمور له، ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق 1 س11، ابن الجوزي: المصدر السابق ج11 ورقة 17. وقد نقل عن النابلسي قوله: «لو أن معي عشرة أسهم، لرميت تسعة في المغاربة وواحداً في الروم» وقد اعترف بذلك أمام المعز لدين اللَّه. ↑
- () ابن الأثير: الكامل 9، 15 ـ 21 وقد أشير في النصوص إلى محاولة غزو بويهي للإحساء في عهد عضد الدولة بن بويه كما وقع صدام بين القرامطة والبويهيين حول الكوفة، وتعرضت الإحساء لغزو خارجي تزعمه بنو المنتفق، بقيادة الأصفر وقد انهزم القرامطة فانكسرت شوكتهم «وزال من حينئذ بأسهم». ↑
- () ليلى الصباغ. المجتمع العربي السوري في مطلع العهد العثماني. دمشق، منشورات وزارة الثقافة، 1973م، انظر ص83. ↑
- () إدوارد روبنسون. يوميات في لبنان، تاريخ وجغرافيا. فصول اختارها وترجمها عن الإنكليزية أسد شيخاني بيروت، 1949م. انظر ص148.Touma, Toufic, Paysants et Institutions Féodales chez les Druses el les Maronites du Liban du XVIIe. Siécle a 1914. 2t. Beyrouth 1971 – 1972. voir V. 2p. 419; Burckhardt, John Lewis; Travels in Syria and the Holly Land. London, 1822 See p.34. ↑
- () شاكر الخوري. مجمع المسرات. بيروت، 1908م، انظر ص37. ↑
- () هاملتون جب وهارولد بون. المجتمع الإسلامي والغرب. جزءان، ترجمة د.أحمد عبدالرحيم مصطفى، مراجعة د.أحمد عزت عبدالكريم. دار المعارف، القاهرة. 1970م انظر ج2 ص147. ↑
- () Weulersse, Jaques. le Pays des Alaouites Tours, 1940. Voir p.142. ↑
- () فرنسوا شاسبوف فولني ـ سوريا ولبنان وفلسطين في القرن الثامن عشر، جزءان، ترجمة حبيب السيوفي. المجلة المخليصية، صيدا، 1948 ـ 1949م، انظر ج2 ص93، دار الوثائق القومية في باريس مجموعة (Acre) مجلد 979 تاريخ 16/7/1983م. ↑
- () Perrier, Ferdinand, la Syrie sous le Gouvernement de Mehemet Ali jusqu’en 1840 Paris, 1842. Voir pp.(86 – 88). ↑
- () Dambman et Noel, Verney. Les Puissances Etrangères dans le Levant en Syrie et en Palestine. Paris, 1900. Voir pp.(156- 160). ↑
- () جب وبون. مرجع سابق، ج2 ص149. ↑
- () المجتمع الإسلامي والغرب. مرجع سابق، ج2 ص(150 ـ 151). ↑
- () المرجع نفسه. ص(151 ـ 152). ↑
- () أطلق اسم جبل عامل على المنطقة الممتدة من نهر الأولي شمال مدينة صيدا حتى الرأس الأبيض جنوباً، ومن البحر المتوسط غرباً حتى بحيرة الحولة بعرض ثمانين كيلومتراً شرقاً، وهي منطقة منبسطة تشمل هضاباً وسهولاً داخلية وساحلية وتخترقها أنهار وجداول. ↑
- () ,Ismaïl, Adel. Documents Diplomatiques et Consulaires, Relatif a l’histoires du Liban et des Pays du Proche- Orient du XVII Siecles a nos-jours. 28 tomes, Editions les Oeuvres Politiques et Historiques. Beyrouth, 1975 – 1983. voir t.3 pp.(96- 97)) ↑
- () Ibid. p. 114. ↑
- () Ibid PP. (65 – 66) ↑
- () لا يقصد بجبل الدروز هنا جبل الدروز الذي هو جزء من الجمهورية السورية حالياً، ويطلق عليه الآن اسم جبل العرب. وإنما يقصد به جبل لبنان وكان أكثر أهله يومئذ من الدروز. وهو يتألف من المرتفعات الغربية اللبنانية الممتدة من نهر الكلب شمالاً حتى نهر الأولي جنوباً. ↑
- () Ibid p. 114. ↑
- () Ibid pp.(62 – 68). ↑
- () وحدة وزن يختلف مقدارها وفقاً للسلعة والمناطق المستخدمة فيها، كانت تعادل في موانىء بلاد الشام بين 180 إلى 190 كلغ في حين كان يزن في حلب 228كلغ وكذلك في حماه. لمزيد من المعلومات انظر: نوفان رجا الحمود. العسكر في بلاد الشام في القرن السادس عشر والسابع عشر الميلاديين. دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1981م. ↑
- () دار الوثائق القومية في باريس مجموعة (F12 1850) صادرة عن قنصلية فرنسا في طرابلس بتاريخ 26/11/1812م. ↑
- () البقسماط في التركية (بكسماد) بالباء المشربة وهو خبز جاف يابس يتزود به المسافر. ↑
- () دار الوثائق القومية في باريس مجموعة (F12 1850) صادرة عن قنصلية فرنسا في طرابلس بتاريخ 26/11/1812م. ↑
- () Ismail op.cit. t.3 p.372. ↑
- () Ibid t.4 pp.(395 – 397) ↑
- () (Ibid p. (397 – 398) ↑
- () أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية مجموعة (M. et D) مجلد رقم 20 وثيقة رقم 26 تاريخ 1/9/1823م. ↑
- () (Ibid). ↑
- () أرشيف غرفة التجارة والصناعة في مرسيليا مجموعة (A.C.C.M Damas) مذكرات عن تجارة دمشق تاريخ 20/1/1826م. ↑
- () ليلى صباغ. مرجع سابق ص90. ↑
- (*) لمعرفة الإسماعيليين النزاريين ومعرفة الفرق بينهم وبين غيرهم من الإسماعيليين يراجع بحث (الإسماعيليون). ↑
- () كان في الوقت نفسه ملكاً لصقلية وملكاً رمزياً لمملكة القدس. ↑
- () المقصود بالروم: الأناضول. ↑
- () نزارية الهند لها أدبها الخاص ويسمى «كنان» وفيه ذكر تقاليد الخوجة النزاريين والإمامشاهيين. ولا يوجد في مؤلفات النزاريين الهنود مؤلفات كلامية أو فلسفية معقدة. ولم يترجم المجتمع النزاري الهندي المؤلفات النزارية الفارسية والعربية للمجتمعات النزارية إلى لغاته.إن كلمة (گنان) ربما كانت في الأصل (جنانه) التي هي من أصل سنسكريتي، وتعني علم المراقبة وعلم التفكير. وتنسب كتابته (الگنان) إلى الشيوخ الذين بدأت نشاطاتهم في شبه القارة الهندية منذ القرن السابع (الثالث عشر). وكان تأليف الگنان مستمراً حتى أوائل هذا القرن (العشرين). ويبلغ عددها اليوم أكثر من 800 كتاب بأحجام مختلفة. ↑
- () بعد أن قضى المغول على الإمامة النزارية في ألموت وقتلوا آخر أئمتها خورشاه مما شتت النزاريين وكانت لهم محاولات ـ لم تنجح ـ للعودة إلى مراكزهم الأولى، وقام صراع حول الخلافة في أسرة الأئمة قسمت المجتمع النزاري إلى جناحين هما جناح محمد شاهي وجناح قاسم شاهي وقد انقطعت سلسلة الأئمة المحمد شاهية قبل قرنين وكان أشهر أئمتها الشاه طاهر الدكني. أما القاسم شاهية فما زالت مستمرة حتى اليوم. ومنذ السنوات الأولى من القرن التاسع عشر عرف أئمة القاسم شاهية بـ (آغاخان). ↑
- () ابنة فيليب الرابع ملك إسبانيا وزوجة لويس الرابع عشر. ↑
- () الباب العالي. كناية عن مبنى كبير الحجم أقيم في عهد السلطان مراد الرابع (1648 ـ 1688م) خصص جناح منه ليقيم به الصدر الأعظم مع أسرته وخدمه وحرسه وخصصت بقية الأجنحة لاجتماعات كبار موظفي الدولة الذين يقومون بتصريف مهامها. وغدا اسم هذا المبنى «باسكي قابيس» أي بوابة الباشا، و«بابي عالي» أي بوابة عليا، ثم اكتسب اسم الشهرة في التاريخ وهو الباب العالي. ↑
- () Charles- Roux, F., La Politique Française en Syrie et Palestine pp. (18- 20). ↑
- () جبل الدروز. أطلق جبل الدروز على القسم الجنوبي من حوران بعد هجرة الدروز إليه، والمقصود هنا المرتفعات الغربية الممتدة على طول الساحل اللبناني، من جسر المعاملتين عند نهر الكلب حتى نهر الأولي شمال مدينة صيدا. ↑
- () Ibid. p.33. ↑
- () Ibid. p.33. ↑
- () Ibid. p.33. ↑
- () Ibid. p.34. ↑
- () Ibid. p.34. ↑
- () أميل خوري وعادل إسماعيل السياسة الدولية في الشرق العربي ص61. ↑
- () Charles- Rouse. op.cit (27- 30). ↑
- () أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية مجموعة (M.D. Turquie) سجل رقم 63. ↑
- () أنشئت حكومة الإدارة في 25 حزيران 1792م، وهي هيئة من خمسة أشخاص تمارس السلطة التنفيذية، أنشىء بجانبها مجلسان تشريعيان مجلس الشيوخ ومجلس الخمسمائة يختار أعضاؤهما عن طريق انتخاب محدود النطاق. ↑
- () رغم أن التوقيع على المعاهدة قد تمّ في باسارينو الواقعة في النمسا، ولكن الاتفاقية حملت اسم قرية كامبوفورميوي المجاورة لها، التي أعدوا فيها أمر الاحتفال بالتوقيع على المعاهدة، التي نصت على تنازل النمسا عن البلجيك وحدود الراين ولمبارديا واستقلال الرايخ. لمزيد من المعلومات انظر: هـ.ت.ل. فشر: تاريخ أوروبا في العصر الحديث، ص(48 ـ 49)؛ جلال يحيى. تاريخ أوروبا الحديث، ص(278 ـ 279). ↑
- () أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية مجموعة (M.D. Turquie) مجلد 63 ورقة رقم 83. ↑
- () Mémoires de M. de Bourienne. V. 1pp. (222- 224). ↑
- () Raybaud, Louis (and others), Histoires Scientifique et Militaires sur l’Expedition Francaise en Egypte, V.3 p.78. ↑
- () إميل خوري وعادل إسماعيل. مرجع سابق. ج1، ص74. ↑
- () Raybaud., op.cit. V.3 pp. (32- 36); Bourienne., op.cit. V.3 pp.(223- 227). ↑
- () Ibid, V.3, p.32; Bourgeois, E Manuel Historique. pp. (195- 196). ↑
- () Ibid. pp. (30- 32). ↑
- () Charles – Roux, F., l’Angleterre et L’Expedition Française en Egypte et en Syrie, pp. (7- 19). ↑
- () (*)AEB’ 1073 Seyde le 17/2/1777.(*) ترمز الثلاث أحرف الأولى (AEB’) إلى اختصار عبارة ( ( Affaires Etrangeres Serie Bويدل الرقم الذي يليها على رقم المجلد ومن ثم المركز القنصلي الصادر عنه ويليه تاريخ التقرير في اليوم والشهر والسنة. ↑
- () AEB’ 1073 Seyde le 24/4/1777. ↑
- () AEB’ 1073 Seyde le 17/2/1777. ↑
- () Ibid. ↑
- () AEB’ 979 Acre le 16/7/1783. ↑
- () AEB’ 1021 Seyde le 24/4/1719. ↑
- () AEB’ 1021 Seyde le 4/3/1719 ↑
- () AEB’ 1073 Seyde le 20/10/1713 ↑
- () الشريف ناصر بن علي هو من شرفاء المدينة الحسينيين الذين تقاسموا حكم الحجاز مع بني عمومتهم الحسنيين فاستقل الحسينيون بحكم المدينة واستقل الحسنيون بحكم مكة. ولعوامل ليس هنا مجال ذكرها لم يدم حكم الحسينيين ـ وإن دامت سيادتهم المعنوية في الشعب ـ ودام حكم الحسنيين.والشريف ناصر (1890 ـ 1934م) زار دمشق مع فيصل سنة 1916م أيام الحكم العثماني وتعرف سراً على رجال الحركة العربية التي بدأت تتفاعل في بلاد الشام. ولما أعلن الشريف حسين الثورة في مكة كان الشريف ناصر في أول من استجابوا لها، ثم التحق بفيصل فكان نائبه في قيادة الجيش الزاحف إلى الشمال وخاض جميع معاركه، ودخل دمشق قبل فيصل وطارد بقايا الجيش العثماني حتى حلب. ثم أقام بدمشق حتى احتلال الفرنسيين لها، وبعد الاحتلال غادرها إلى مكة ثم إلى بغداد فأقام بها حتى وفاته سنة 1934م عن 44 سنة من العمر بعد وفاة فيصل بسنة.
وقد قال عنه لورانس في كتابه «الثورة والصحراء» الصفحة 393 حول الزحف العربي نحو الأزرق وعمان ودرعا ودمشق: «أما ناصر الذي ظهرت مواهبه أيام المدينة فكان دائماً في المقدمة من الجيش العربي واختير عدة مرات لقيادة الحملات وتنظيم الحركات، وكان جديراً أن يكون أول الداخلين إلى دمشق ليضيف إكليلاً من أكاليل الغار العديدة التي ظفرها لنفسه في المدينة والوجه والعقبة وغيرها». ↑
- () كان القائد الفعلي للجيش التركي هو: ليمان فون ساندرس (1885 ـ 1929م) وهو قائد ألماني انتدب للخدمة في الجيش العثماني وكان خلال الحرب قائداً للجيش الأول في (جناق قلعة)، وفي أواخر الحرب أصبح قائداً لقوات الصاعقة خلفاً للجنرال الألماني (فالكنهاين) وهي القوات التي كانت تدافع في جبهة فلسطين. وكان في هذه القيادة مصطفى كمال (أتاتورك) الذي تولى القيادة العامة بعد انسحاب ليمان فون ساندرس منهزماً. ↑
- () ص184 الطبعة الأولى. ↑
- () ص190. ↑
- () وكان هذا التسابق لأن كل واحد من الفريقين قادم من جهة غير القادم منها الفريق الآخر. فالإنكليز بعد سقوط حيفا وصلوا إلى (سمخ) ومنها يريدون التوجه إلى درعا. والعرب بعد سقوط (معان) توجهوا إليها.وكان الأمير فيصل يزحف على ساحل البحر الأحمر متقدماً إلى الشمال حتى احتل الوجه في 24 كانون الثاني/ يناير سنة 1917م واتخذها قاعدة للأعمال العسكرية في الشمال. وفي تموز/ يوليو 1917م فتحت قوات الأمير فيصل العقبة بقيادة الشريف ناصر. ثم اتجهت إلى معان فدخلتها ومضت حتى درعا.
في حين كان الإنكليز يهاجمون غزة وبئر السبع، ثم اخترقوا جبهة الجيش التركي الممتدة من شمالي يافا إلى أريحا على البحر الميت ثم أخذوا يتقدمون في فلسطين، وقد دخلوا دمشق عن طريق جسر بنات يعقوب ـ القنيطرة.
يقول رستم حيدر عن يوم الخميس 3/10/1918م: سرنا من (المسمية) ولما وصلنا (دير علي) صادفنا نفس الدروز فسألتهم فبشروني بدخول الجيش العربي (دمشق) قبل الإنكليز وتفاخروا بدخول الدروز قبل الكل فذهبت إلى سيدنا (الأمير فيصل) وبشرته أمام حلمي بك وغيره فرأى من السياسة أن يقول لي: لا فرق بيننا وإنما المهم أن ندخل دمشق. حصافة حفظتها له. ↑
- () سلطان الأطرش (1891 ـ 1982م) ولد في بلدة القرية بجبل الدروز وهي تبعد عن السويداء 18كلم، وقد أعدم الأتراك والده ذوقان أثناء حملة سامي باشا الفاروقي سنة 1910م، قام بثورته الأولى على الفرنسيين سنة 1922م من أجل الثائر العاملي أدهم خنجر، بعد أن انتهك الفرنسيون حرمة داره وألقوا القبض على ضيفه المستجير به فيها. صدر العفو عنه سنة 1923م، فقام بثورته الثانية على الفرنسيين سنة 1925م وقد عمت هذه الثورة معظم أرجاء سوريا. ↑
- () جيل الفداء (ص252). ↑
- () يقول رستم حيدر عن يوم الخميس 3/10/1918م: ثم سرنا حتى الكسوة ومنها إلى القدم فوقف التران (القطار) فأمرني سيدنا أن أسير لأخبر الشريف ناصر بمجيئه وكان ذلك… إلى أن يقول: فأخبرته بلزوم ذهابه.. إلى أن يقول: وبعدها ركبنا طراداً.. ولما وصلنا كان لم يصل إليه أحد، وبعد قليل تواردت الخيل والهجن والعربات… ثم يقول: ثم ركب على فرسه وأركب الثانية الشريف ناصر وسرت الخيل وراءهما. ↑
- () أثر وفاة رضا الركابي سنة 1942م رثاه نجيب الريّس بمقال قال فيه: اليوم يموت الركابي فتموت معه ذكريات ضخمة من ملك ووطن وتاريخ وحكم… تموت معه ذكرى الحاكم العسكري الجبار وذكرى الرئيس الدستوري الفذ… لقد بلغ الركابي أرفع درجة عسكرية في الجيش فوصل إلى رتبة فريق، وكان له بيت في دمشق يعد أفخم بيت في العاصمة منذ خمسين سنة، وكانت له مزرعة في دوما أيضاً، ولكنه حينما اشتغل في السياسة وبلغ أعلى درجات الحكم والسلطان وسيطر على أموال الدولة ومقدراتها في سوريا وشرق الأردن، عاد إلى دمشق، فباع بيته ومزرعته وعاش بثمنهما، حتى إذا مات شيعت جنازته من بيت متواضع من بيوت الإيجار.هذا هو الرجل الذي أسس دولة وأعلن استقلالاً وتوج ملكاً وحكم بلاداً وترأس حكومات وبلغ رتبة فريق في الجيش، يموت بلا بيت ولا مزرعة ولا مال! ولكن الركابي هو الذي اختار مصيره بنفسه وكتب تاريخه بيده.
أجل لقد خيّر الركابي بين الثروة والشرف فاختار ما يختاره الأبطال في كل عصر وفي كل بلد. وها هو يذهب إلى قبره بكل ما في نفسه من كبرياء النزاهة وعظمة السمعة. (انتهى).
على أن تقرير الاستخبارات البريطانية لسنة 1919م عن الشخصيات الرئيسية في دمشق يتحامل عليه ويقول عنه ما يلي: عمره خمسون سنة جنرال وموظف سابق في العهد التركي. أمر بتسلم القيادة في منطقة طبريا للدفاع عنها، ولكنه هرب والتحق بالبريطانيين. مولع بجمع المال، لا ذمة له، وأستاذ قديم في أساليب الدسائس التركية، من أنصار الاستقلال التام ومعاد للفرنسيين. غير محبوب. (انتهى).
ويقول محمد كرد علي في الجزء الثالث من كتابه «خطط الشام» الصفحة 154: وكان البريطانيون عهدوا إلى اللواء علي رضا باشا الركابي من قواد الجيش التركي ومن أبناء دمشق بأن يكون حاكماً عسكرياً للمدن الداخلية دمشق وحلب وما إليهما بالنظر لما ثبت للبريطانيين من حسن بلائه في خدمتهم. ويقال بأنه أرسل إليهم مصوَّر (خريطة) الحصون حوالي دمشق وكان وكل إليه الترك عملها. وأرسله القائد التركي قبيل سقوط دمشق ببضعة أيام ليجمع شمل المنهزمين من الجيش التركي في القنيطرة وأعطاه مبلغاً كبيراً من المال، فادعى أن العربان سلبوه ماله وثيابه، وانضم إلى الجيش الإنكليزي. وهكذا ذهب من دمشق قائداً تركياً وعاد إليها بعد أيام حاكماً عربياً بريطانياً. ↑
- () عارف الشهابي (1889 ـ 1916م) من الأسرة الشهابية أمراء حاصبيا ومن رجال «العربية الفتاة». كان كاتباً خطيباً ولد في حاصبيا ودرس في دمشق واستنبول وشارك في تأسيس المنتدى الأدبي فيها وحصل على شهادتي الحقوق والملكية وكتب كثيراً من المقالات في جريدة «المفيد» البيروتية التي كان يصدرها عبدالغني العريسي، ثم تولى تحريرها وصار شريكاً فيها. وبعد نشوب الحرب العالمية الأولى نقل الجريدة إلى دمشق. ولما أحس بنوايا جمال باشا تجاه الأحرار هرب إلى البادية. ثم توجه بالقطار مع رفاقه إلى الحجاز فقبض عليهم في تبوك وحوكموا في عاليه وحكم عليهم بالإعدام شنقاً. ↑
- () الظاهر أن هذا الخان الذي كان معروفاً باسم خان عقبة المصيلح. ↑
- () لا بدّ أنه جسر الأولي عند صيدا. ↑
- () تاريخ حلب، العربي، ج3، ص642. ↑
- () ص645، ج3. ↑
- () كان يصحب الجنرال اللنبي في زيارته لحلب: مارك سايكس الذي اقترن اسمه باسم (بيكو) لاشتراكهما في المعاهدة الشهيرة معاهدة (سايكس ـ بيكو)، وإذا كان سايكس هذا قد اشتهر سياسياً، فهو في واقعه مستشرق درس اللغات والعلوم الشرقية في جامعة كمبردج وقام برحلات واسعة في أنحاء الدولة العثمانية وألّف بضعة كتب عنها. وكان قبل الحرب العالمية الأولى قنصلاً في السفارة البريطانية في استانبول لفترة قصيرة. انتخب عضواً في مجلس العموم عن حزب المحافظين ثم عمل في وزارة الخارجية في مناصب مختلفة وعينه اللورد ملنر مستشاراً للشؤون الشرقية في مكتب رئيس الوزراء.وعن كونه أحد طرفي معاهدة سايكس ـ بيكو يقول المؤرخ توينبي ـ الذي زامله في الوفد البريطاني إلى مؤتمر الصلح ـ يقول إن مارك سايكس شوهت سمعته ظلماً إذ حملت الاتفاقية السرية اسمه مع أنه لم ينضم إلى المحادثات الخاصة بها إلاّ قرب نهايتها ليحل محل السير هارولد نيكلسن الذي ترأس المفاوضات حتى تلك اللحظة انظر: (Arnold J.Toynbee, the Western Question in Greece and Turkey, London, 1922, p.48).
وقد توفي سايكس في بداية مؤتمر الصلح على أثر إصابته بالانفلونزا وهو في الأربعين من عمره. وهناك ملاحظة مماثلة في مذكرات لويد جورج وفي مصادر أخرى تبدي أن مارك سيكس لم يكن راضياً كل الرضى عن المعاهدة وأنه كان يعمل على تعديلها.
ويقول رستم حيدر في مذكراته عند الحديث عن لقاء له معه في باريس: «قد رجع ظاهراً عن سياسته القديمة التي قسم بها سوريا والبلاد العربية كالغنائم، وهو يقول إن المعاهدة (معاهدة سايكس ـ بيكو) تمت سنة 1916م في الوقت الذي كانت الحركة العربية لم تخرج إلى حيز الوجود».
ثم يتحدث عنه عند ذكر خبر وفاته في 17/2/1919م قائلاً: مات مارك سايكس في هذا النهار على أثر الأنفلونزا أو الكريب وهو في الأربعين من عمره. جميل الطلعة حسن الوجه قوي البنية. تربى في باريس في مدارس الجزويت (هو كاثوليكي) فنشأ متعصباً. كان يجتهد في سياسته لأجل محافظة المسيحيين في الشرق ويود أن يكونوا تحت سيطرة فرنسية بدلاً من أن يكونوا تحت سيطرة إسلامية أو إنكليزية بروتستانتية. وكان يقول إن سكان الجبال في سوريا هم عنصر مستقل (وإنّا نشبه) بقية العناصر السورية. ولربما كان يعتقد أنهم من بقايا الصليبيين لأن ألوانهم وبنيتهم تختلف عن بقية السوريين قليلاً. وقد فاته أن الإقليم يؤثر على البنية واللون…
ثم يقول رستم حيدر: … على أننا لا نرى له عذراً في مشاركته (بيكو) الأبله في هذا الأمر العظيم ومجيئه إلى سوريا لأجل تنفيذ سياسته الحمقاء. ↑
- () من كبار قادة الجيش الألماني الأمبراطوري. وقد عمل في قيادة القطعات العسكرية العثمانية نحو 13 عاماً. وعندما تقدم الجيش البريطاني في العراق خلال الحرب العالمية الأولى نحو سلمان باك لاحتلال بغداد جعلته القيادة العثمانية العامة، قائداً عاماً للجيش العثماني السادس المحارب في العراق وتسلم القيادة في 6 كانون الأول/ ديسمبر سنة 1915م ومعه قائد الفرقة 51 العميد خليل بك الذي أصبح بعد ذلك والياً لبغداد ورقّي إلى رتبة لواء وعرف بـ (خليل باشا). واصطحب قوليج باشا معه أيضاً قائد الفرقة 45 الفريق عزت باشا الكركوكلي العراقي الذي أصبح وزيراً في أول وزارة شكلها الإنكليز في العراق بعد احتلالهم بغداد.وبمجرد تسلم قوليج باشا القيادة ودرسه الوضع العسكري للعثمانيين، وضع خطة بارعة دحر بها القوات البريطانية من سلمان باك إلى الكوت وضرب عليها الحصار، وطوّقها بصورة محكمة إلى أن استسلمت. وكان عددها 12309 بين ضابط وجندي بقيادة الجنرال (طاوزند).
وكان يصحب المرشال قوليج باشا مترجمه الخاص المستشرق الألماني (هلموت ريتبر) الذي حقق العديد من مؤلفات قدامى العلماء المسلمين ثم أعلن إسلامه وأصبح أستاذاً للعقائد الإسلامية في جامعة استانبول.
وقد توفي قوليج باشا يوم 6 نيسان/ أبريل سنة 1916م بعد أربعة أشهر من استلامه القيادة العامة في العراق عن 73 عاماً وخلفه في قيادة الجيش السادس مساعده خليل باشا. ↑
- () جورج بيكو: هو الذي عيّنه الفرنسيون مفوضاً سامياً لهم في بيروت وأحد صاحبي المعاهدة التي سميت باسميهما (معاهدة سايكس ـ بيكو). ↑
- () في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر سنة 1918م خطب المسيو بيشون وزير الخارجية الفرنسية في مجلس النواب الفرنسي خطبة أعلن فيها نوايا فرنسا، فكان مما قاله:«إن لفرنسا حقوقاً في سوريا ولبنان نشأت عن التقاليد التاريخية. وإن هذه الحقوق قائمة أيضاً على آمال ورغائب السكان الذين هم زبائن فرنسا من زمن طويل».
هذا هو الجو الذي كان ينتظر الأمير فيصل وهو يركب البحر في طريقه إلى فرنسا في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1918م.
ومن المفاخر الشيعية أن شيعة العراق عندما بلغتهم تصريحات الوزير الفرنسي هذه، اجتمع رجال الدين وزعماء العشائر منهم في دار المرجع الديني الكبير الشيخ مهدي الخالصي وقرروا الاحتجاج على هذه التصريحات وأرسلوا احتجاجهم إلى الحكومة الفرنسية وحكومة الحلفاء. وهذا نصه:
إن الخطاب الذي ألقاه مؤخراً مسيو بيشون ناظر خارجية فرنسا في مجلس النواب الفرنسي والذي أظهر فيه أن للأمة الفرنسية حقوقاً في سوريا ولبنان نشأت عن التقاليد التاريخية وأن هذه الحقوق قائمة أيضاً على آمال ورغائب السكان الذين هم زبائن فرنسا منذ زمن طويل وأن المعاهدات السابقة التي وردت بها هذه الحقوق ما زالت كما كانت عليه وأن يكون لمؤتمر السلم القول الفصل.
نحن العراقيين بصفتنا عرباً ويهمنا ما يهم سوريا ولبنان لا نعتقد بأن لأمة من الأمم في بلادنا العربية حقوقاً قديمة ولا حديثة. ولم تكن الصلات التجارية المؤسسة على حرية التجارية بين الشعوب وفقاً لقوانين حقوق الدول سبباً يكسب البلاد المتاجرة حق الأرجحية في البلاد على أهلها والتصرف بحريتهم الوطنية واستقلالهم الذاتي. ولما كانت كل تصريحات رجال الدول العظمى ونخص بالذكر منهم رئيسي الولايات المتحدة المشهور تفيد أن غاية الحرب الكبرى هي تحرير الشعوب ونسخ كل سياسة دولية يقصد منها تقييد حرية الأمم واتخاذ شكل لها يخالف إرادتها، نحن كأمة قامت تطالب باستقلالها وتهرق دماء أبنائها وتضحي بزهرة شبابها على مجازر الظلم في سبيل استقلالها وقامت تنتصر للحلفاء أيام كانت الحرب غير باسمة لهم وعلى الخصوص في الساحات الشرقية نأبى كل معاهدة عقدت بشأننا من هذا القبيل بين دولة وأخرى ونعتقد أننا محونا بدماء أبنائنا كل معاهدة أو اتفاق أو مفاوضة جرت بدون معرفتنا.
هذا وليست الأمة العربية أقل مجداً تاريخياً أو حضارة زاهرة أو جدارة بالاستقلال من الأمم اليونانية والصربية والبلقانية والرومانية والجبلية (يعنون بها دولة الجبل الأسود) وغيرها من الدول التي أجمع الحلفاء في أشد أزمات السياسة الدولية على إجابة مطالبها الاستقلالية ولم تبذل تلك الدول أكثر مما بذلنا ولا كانت عند استقلالها أعظم رقياً منا.
فنحن بناء على ما أوردناه من الحقائق المعروفة بالبداهة لدى مقامكم المعظم واستناداً إلى بيانات ووعود رجال الدول العظمى العلنية التي اتخذناها واتخذها العالم بأجمعه سنداً، نحتج على البيانات التي أوردها ناظر خارجية فرنسة المحترم ونطلب باسم الحرية والإنسانية اللتين دعتاكم لتحرير اليونان اعترافاً بحضارتها القديمة ومجدها الغابر أن تعضدونا في هذا الأمر الحيوي لأن تاريخنا من الحضارة والعظمة والمجد ما يدعوكم لنجدتنا ومعاضدتنا في طلب حقوقنا الطبيعية التي يرمز إليها علمنا العربي الذي نستظل بظله الآن فرحين.
وبالختام أقبلوا فائق احترامنا. ↑
- () لم يكن أمين إرسلان وفارس الخوري موجودين في باريس، وإنما كان يراد استدعاؤهما ولم يتم ذلك. ↑
- () عمل الفرنسيون على تأليف لجان من المغتربين اللبنانيين في مختلف أنحاء العالم غايتها إقناع الحلفاء بمقاومة الدعوة إلى الوحدة العربية، وبث الدعاية لفرنسا، وكان الغالب على هذه اللجان العنصر الماروني. وتمّ تأسيس لجنة مركزية في باريس سنة 1917م دعيت (اللجنة السورية المركزية) لتنسيق أعمال تلك اللجان وقد تعاونت مع فرنسا وأيدت حقوقها في سوريا. ↑
- () i. Shatwell, At Paris Peace Conference, New York, 1937, pp.177-2. ↑
- () جاء في مذكرات رستم حيدر (ص350) ما يلي: عصارى اليوم (17/4/1919م) جاء سمنة ثم غانم وعرضا عبوديتهما على الأمير وقالا له: نحن في حاجة إليكم، أنتم سيدنا العظيم شرفكم وأعمالكم تشهد بذلك ولكن مع الأسف سوء تأثير حاشيتكم أدى ما أدى فنحن طوع إرادتكم. ثم ودعه وخرج.يقول الأستاذ سلام الراسي في عدد 8/9/1995م من «النهار»: إن الجنرال غورو عندما وقف في قصر الصنوبر وأعلن إنشاء دولة لبنان الكبير، كان البطريرك الياس الحويك يقف إلى يمينه والمفتي الشيخ مصطفى نجا إلى شماله. ويرى الأستاذ الراسي أن وقوف البطريرك والمفتي إلى يمين الجنرال غورو وشماله كان يعني يومئذٍ قيام لبنان الكبير على ركيزتين قويتين هما: المسيحية والإسلام على حدّ سواء (انتهى).
ونقول: إن الثلاثة لم يكونوا واقفين، بل كانوا جالسين: الجنرال غورو جالس في الوسط، والبطريرك جالس عن يمينه، والمفتي جالس عن شماله.
وتأكيدنا على هذا لنشير إلى أنهم لو كانوا واقفين لما ظل ثابتاً موقع كل من البطريرك والمفتي، هذا إلى اليمين وهذا إلى الشمال، فالواقفون يتحركون فتتبدل مواقعهم، والجنرال غورو لا يريد هذا التبدل، بل يريد أن يظل الوضع كما فرضه.
ونحن نرى عكس ما رأى الأستاذ الراسي من أن هذا الذي فعله الجنرال غورو كان يراد به الخير للبنان.
نحن نرى أن هذا كان مفتاح البلاء اللبناني، وهو الذي أرسى الانقسام الطائفي الذي لا يزال مستمراً حتى اليوم.
إنه لم يقرر أن في لبنان شعباً واحداً، ينقسم إذا انقسم سياسياً، كما تنقسم كل الشعوب، بل قرر أن في لبنان فريقين لا يلتقيان وطنياً، بل يفترقان دينياً، وأن وجهي هذين الفريقين اللذين يتمثلان بهما هما رجل هذا الدين، ورجل ذلك الدين.
وعلى أساس هذا التقسيم الديني أقام الجنرال غورو لبنان، فكانت المحنة الدائمة.
ثم زاد في البلاء أن أجلس البطريرك عن يمينه والمفتي عن شماله، فاستشعر فريق الغبن واستشعر فريق التفوق، فكان ذلك علة العلل.
إن إعلان لبنان الكبير على أساس انقسام ديني، لا على أساس امتزاج وطني، وإبراز رجلي الدين ممثلين لهذا الانقسام، هو الذي فتح الباب لرجال الدين للدخول في السياسة واستغلالها والانغماس فيها أسوأ انغماس، ما رسخ الانقسام الديني والتمزق الطائفي. ↑
- () لم تكن كلمة (الشيوعية) ولا كلمة (الاتحاد السوفياتي) قد عرفتا يومذاك. وإنما شتهرت كلمة (البولشفيك). ↑
- () يقصد بذلك أن ثلاث قوى كانت تحتل سوريا في ذلك الوقت: الفرنسيون والإنكليز، والجيش العربي بقيادة فيصل. ↑
- () فنزيلوس (1864 ـ 1936م) ولد في جزيرة كريت ودرس الحقوق في أثينا ثم تعاطى المحاماة في كريت. وقاوم الحكم العثماني في كريت ونجح في فصل الجزيرة عنه وإلحاقها باليونان فأقام في أثينا وصار رئيساً للوزراء سنة 1910م. كان معارضاً لسياسة الملك قسطنطين في البقاء على الحياد في الحرب العالمية الأولى، وقد حاول زجها فيها ولكن الملك أقاله فأسس في أيلول/ سبتمبر سنة 1916م حكومة ثورية في كريت ثم انتقل إلى سلانيك وأعلن الحرب على بلغاريا وألمانيا وأجبر الملك على التنازل عن العرش وعاد إلى أثينا رئيساً للوزراء. مثّل اليونان في مؤتمر السلم في باريس واحتل الجيش اليوناني إزمير. ولكن فشل الجيش اليوناني في الأناضول أمام قوات مصطفى كمال التركية أدى إلى أفول نجمه وسقوطه في انتخابات سنة 1920م. ↑
- () كراسين: ليونيد بوريسوفيج (1870 ـ 1926م) من زعماء الشيوعيين الأوائل قاد البلاشفة مع لينين وبوغدانوف في ثورة 1905م ومنذ سنة 1918م كان رئيساً للجنة تجهيزات الجيش ثم وزيراً للتجارة والصناعة ثم للنقل في الحكومة السوفياتية وفي مناصب أخرى. ↑
- () كان الإنكليز يعملون على توهين عزائم السوريين وحملهم على اليأس ليستسلموا للواقع الاستعماري الفرنسي. ففي خلال وجود الوفد العربي في باريس جاءها الكرنل ويلسن الحاكم المدني العام بالوكالة في العراق تصحبه معاونته (مس بل) في 20 آذار/ مارس سنة 1919م لتقديم المشورة إلى رئيس الوزراء البريطاني لويد جورج والوفد البريطاني بشأن الوضع في سوريا والعراق ومستقبلهما وخاصة فيما يتعلق برغبات الأهالي، ومصير الموصل ودير الزور. فالتقت مس بل بالدكتور أحمد قدري عضو الوفد السوري فكان مما قالته له: إن الأحوال في سوريا غير حسنة، والوضع الغذائي سيىء. وإدارة رضا الركابي (الحاكم العسكري العام) غير حسنة، ولا يوجد عندهم خبراء في الاقتصاد لمداواة هذه الحالة. لذلك فالأمر في تدهور مستمر. ثم ادعت بأن رضا يرتشي وأن هذا شائع واستشهدت بالكرنل ويلسن فوافقها في القول. وفي ختام حديثها قالت: ليس لكم إلاّ أن تتفقوا مع الفرنسويين وفي ذلك نجاحكم لأن الأميركيين لا يمكنهم أن يعاونوكم في بلادكم، وأما الإنكليز فلا يريدون أن يتدخلوا في شؤونكم في سوريا فالأوفق أن تتقربوا من الفرنسويين. ثم يجب أن لا يغرب عن بالكم أن فرنسا إذا دخلت إلى سوريا ووجدت منكم ميلاً إليها تترك الموارنة لاستمالتكم إليها. وكان الكرنل يؤيد أقوالها بين الحين والحين، وإن لم يوافقها على كل شيء. وزاد بأنه زار دمشق لمدة ثلاثة أيام فأدرك سوء الوضع. ↑
- () يشير بذلك إلى أن السوريين قالوا في الاستفتاء الذي أجراه (كراين) في سوريا إلى أنه إذا كان لا بدّ من التعاون مع أجنبي فهم يفضلون أميركا فإن لم يمكن فإنكلترا، وهم يرفضون فرنسا. ↑
- () هو ضابط الارتباط الفرنسي الذي ألحق أولاً بالوفد العربي في باريس، ثم كان ضابط الارتباط في دمشق. ↑
- () هو المدير العام لوزارة الخارجية. ↑
- () أشار الأمير إلى أن اللنبي كان يلعن في الشوارع علناً. ومقصوده بهذا التوهم بأن الإنكليز يناصرون التوجه الاستقلالي العربي. ↑
- () عاش الجنرال غورو حتى سنة 1946م ولما وصل نبأ وفاته إلى دمشق كتب نجيب الريّس صاحب جريدة «القبس» الدمشقية المثال التالي في عدد 19 أيلول/ سبتمبر 1946م:نعت أنباء باريس الجنرال غورو بطل الحرب العالمية الأولى، ويعرف السوريون جيداً هذا الجنرال الذي خاض الحرب العالمية الأولى سنة 1914م وقاد معارك النصر في الميدان الغربي كما اشترك في معارك الدردنيل ففقد ذراعه وساقه ثم عيّن بعد الحرب مفوضاً سامياً لسوريا ولبنان، فاستسنح الفرص حتى لاحت له فرصة الانقضاض على سوريا عام 1920م فأعلن الحرب عليها بلا مناسبة واحتل دمشق بعد معركة ميسلون.
وظلت سوريا تعاني الآلام والعذاب وأشنع ما توحيه النفوس المريضة بحب الانتقام والتنكيل والاضطهاد، ظلت تعاني ما جره هذا القائد العاتي عليها خمسة وعشرين عاماً كاملة حتى قيض لها أن تتحرر وأن تنطلق نحو النور سنة 1945م فتستعيد مكانتها وتخطوها خطوة موفقة سديدة وتسجل فوزاً في ميادين الحرية بعد جهاد دام طوال هذه السنوات الكثيرة.
أما الفاتح الظالم فقد ذهب بعد «الفتح» بأعوام قليلة إلى فرنسا حيث عيّن حاكماً عسكرياً لباريس. وظل في باريس طوال أعوام الاحتلال الألماني لها، يشهد الويلات ويرى بأم عينه مصائب الاحتلال ومصاعبه وذل العيش تحت وطأة الغريب الدخيل إلى أن وافاه أجله.
اللهم لا شماتة في الموت، ولكن حكمك العادل لم يمهل أُسَّ البلوى في سوريا أكثر من سنة بعد استقلالها وتحررها ثم قضى وقضت معه أشأم ذكرى عرفتها هذه البلاد، واندكت خيالات بغيضة كانت تراود بين الفينة والفينة الرؤوس، وتلاشت صور بشعة ما زال الكثيرون يتخيلونها لمعركة غير متكافئة وقعت في ميسلون فذهبت بعرش أقامته القلوب وجاءت بأبغض أهل الأرض إلى سكان هذه البلاد.
واللهم لا شماتة في الموت مرة أخرى، ولكن حكمك الحق لم يشأ أن تتلاشى من أذهاننا الصور القبيحة فتجلو الجيوش الأجنبية عن أراضينا فقط، بل أضافت الصور ذهاب الرمز البغيض إلى الرمس!
وبذلك انهال التراب لا على جثة بل على تاريخ وذكريات لم يعرف السوريون في حياتهم أبغض منها ومنه، ولا أكره وأشقى. ولقد ذهب الرمز غارقاً في الندم متحملاً من الآلام النفسية بالقدر الذي حمله لسوريا عند «الفتح» وبعد الفتح وإبان الاحتلال ووقت الانتداب، ورأى بعينيه سيطرة الجندي الجائع الجشع المتعطش للانتقام في باريس مثلما شاهدت دمشق وكل المدن السورية إبان قدومه ووجوده وإقامته فيها.
وأمس انهال تراب الرمس على الرمز وطويت صفحة من الظلم، طويناها قبل سنة هنا. ↑
- () ص130 ـ 131. ↑
- () «مذكراتيعن الثورة العربية»، لأحمد قدري. وكان حزب الاستقلال هو المظهر العلني لجمعية «العربية الفتاة». ↑
- () قلنا عملياً. أما نظرياً فقد اهتم ديوان المعارف بترجمة الكتب ذات الصبغة العسكرية، منها ما كان في تعليم الفرسان وعلم الرماية ونظام الملابس العسكرية وفن الرماية المدفعية. كما نظمت المصالح العسكرية من دواوين وتجهيزات وتسليح وميرة ومخابرات.واقترح ديوان الشورى الحربي إرسال بعثات عسكرية للتخصصفي فن الطيران والمدفعية والاستحكام والدبابات والآلات الحربية من ضباط الاحتياط. وأعيد الاهتمام بالمدرسة العسكرية فوسعت وكانت قد أنشئت عقب تحرير البلاد من الأتراك وأجريت امتحانات الانتساب إليها في تشرين الأول/ أكتوبر سنة 1919ملتخريج الضباط وأضيف إليها بعد فترة مدرسة نقباء الجيش، وجعلت مدة الدراسة فيها سنة.
أما الخدمة العسكرية الإجبارية فقد صدق المؤتمر السوري قانونها في كانون الأول/ ديسمبر سنة 1919م وقد جعلت مدتها ستة أشهر وسن المكلف بها بين 20 ـ 40 سنة ويستثنى من الخدمة رجال الدين وموظفو الحكومة والمؤسسات الرسمية وطلبة العلم وذو العاهة المانعة من الخدمة.
ولما تشكلت وزارة هاشم الأتاسي التي أعتبرت وزارة دفاعية وتولى يوسف العظمة وزارة الدفاع استصدر ملحقاً لقانون التجنيد الإجباري يلغي استثناءات من قانون التجنيد فشمل الملحق معظم السكان باستثناء العشائر الرحل وقضاة الشرع والرؤساء الروحيين وذوي العاهات والمرضى، ويقبل البدل النقدي خمسين ديناراً، ويخير الموظف بين الخدمة الفعلية أو البدل والمواظبة على الوظيفة. ثم طلب التلاميذ للخدمة وألغي إعفاء المعيل ويعطى المحتاج خمسين قرشاً عن كل فرد.
ومن يتأخر عن تلبية النداء خلال أسبوعين أو يحتال بإحدى الطرق يؤخذ بدله النقدي من ماله المنقول والثابت ويستخدم كل طبيب حسب اختصاصه، كما يستفاد من العشائر عند الضرورة بموجب نظام خاص يسن في وقته. ↑
- () الكتاب الذهبي لجيوش الشرق، ترجمة ادوار البستاني، ص96. ↑
- () قال البلاغ الرسمي بأن وسطاء حكومة دمشق رشوا ثمانية من أعضاء المجلس بمبلغ 42 ألف جنيه. ↑
- () كانت السلطات السورية قد رفضت أن تسهل للجنرال غورو استعمال السكة الحديد لإرسال القوات والمؤن والذخائر إلى كيليكيا حيث كانت الجيوش الفرنسية مشتبكة في محاربة القوات التركية الكمالية، وكانت نتيجة ذلك أن شعر الفرنسيون بحرج مركزهم في كيليكيا فاتفقوا مع مصطفى كمال على الجلاء عنها واسترداد قواتهم منها. ودفعوا بها فجأة إلى سوريا. ويروي بعضهم أن بعض الفئات كانت تدعو إلى تعاون سوريا وتركيا الكمالية لمقاتلة الفرنسيين حتى النهاية وحملهم على الاعتراف باستقلال سوريا، وقد سافر يوسف العظمة وسعيد حيدر إلى أعزاز على الحدود التركية وتباحث كل منهما مع مندوبي الحكومة الكمالية في إنشاء تعاون عسكري بين الحكومتين، فوعدوه بأن يطلعا حكومتهم على اقتراحاته ويبلغوه الجواب، ولكن الهدنة التي عقدتها فرنسا مع الأتراك أوقفت المباحثات عند ذلك الحدّ.وقد كان امتناع الحكومة الوطنية في دمشق عن فتح السكة الحديد أمام الفرنسيين للوصول إلى قتال الأتراك نابعاً من الأصالة الوطنية العربية التي أبت مساعدة الفرنسيين على الأتراك المقاتلين في سبيل بلادهم. وتناسى العرب كل ما عانوه من فظائع الاتحاديين الأتراك خلال الحرب ورجعوا إلى ما يمليه عليهم شعورهم الوطني البحت متجاهلين حتى مصلحتهم في عدم إغضاب الفرنسيين.
على أنني سمعت من رضا الركابي نفسه الذي كان في ذلك الحين رئيساً للوزارة الاستقلالية الأولى ـ سمعت منه بعد ذلك بسنين ـ أنه كان من رأيه التحالف مع الفرنسيين في هذا الموقف الذي تجمع فيه المصلحة بين الفرنسيين والعرب، وأن لا مجال للعواطف أمام الحقائق. وأن حكومته استقالت لعدم الأخذ برأيه، فخلفتها وزارة الأتاسي التي يتحدث عنها الجنرال غورو. ويبدو أن الأتراك استغلوا مفاوضة السوريين لهم فأطلعوا الفرنسيين على ذلك، فكان أن تحالف الفريقان وانسحب الفرنسيون من كيليكيا موجهين قواهم كلها لقتال السوريين.
ولا شكّ أنه كان للتزاحم الإنكليزي الفرنسي أثر في ذلك، فإن الإنكليز كانوا أعوان اليونانيين في غزوهم للأناضول، فرد الفرنسيون بتأييد الأتراك. ↑
- () ص329. ↑
- () ص35. ↑
- () أوراق الثورة العربية، ج3 ص 148. ↑
- () المصدر نفسه، ج3، ص142. ↑
- () المصدر نفسه، ج3، ص173. ↑
- () بلدته هي (جباثا الخشب). ↑
- () يظهر أن راوي التفاصيل لمؤلف الكتاب هو تركي العبيدات، لأن المؤلف يقول في الحاشية إن تركي حدثه سنة 1964م أن أمر اغتيال غورو كان بغاية السرية وأن تركي وحده يعرف. وأن التخطيط والتفكير كانا من أحمد مريود وحده. ↑
- () حقي: هو حقي العظم عميل الفرنسيين الذي نصبه غورو حاكماً لدولة دمشق. ↑
- () الصهيونية: نسبة إلى جبل صهيون في القدس. وفي عهد داود كانت الخليل عاصمة ملكه ثم انتقل إلى القدس بعد فتحه لها وجعل جبل صهيون مقراً لحكمه. ↑
- () ياقوت الحموي: معجم البلدان ج5 ص247 القاهرة 1324هـ 1906م. ↑
- () أحمد الدينوري: الأخبار الطوال ص248 القاهرة 1960م. ↑
- () أبو جعفر محمد الطبري: تاريخ الطبري ج5 القاهرة دار المعارف. ↑
- () أحمد الدينوري: الأخبار الطوال ص248 القاهرة 1960م. ↑
- () مصباح الأصول، ص149. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 32. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 45. ↑
- () علم أصول الفقه لخلاف، ص105. ↑
- () علم أصول الفقه لخلاف، ص105. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 90. ↑
- () سورة النحل، الآية: 123. ↑
- () سورة الشورى، الآية: 13. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 44. ↑
- () سورة طه، الآية: 14. ↑
- () اقرأ ذلك في المستصفى، ج1 ص134 وما بعدها. ↑
- () المستصفى، ج1، ص133. ↑
- () المستصفى، ج1، ص134، والأمثلة التي ذكرها لا يخلو بعضها من مناقشة لورود النص فيه، اقرأ ما كتبه المؤلف عن المتعة في كتابه (الزواج الموقت ودوره في حلّ مشاكل الجنس) طبعة دار الأندلس، وما كتبه الإمام شرف الدين في النص والاجتهاد. ↑
- () المستصفى، ج1، ص134، والأمثلة التي ذكرها لا يخلو بعضها من مناقشة لورود النص فيه، اقرأ ما كتبه المؤلف عن المتعة في كتابه (الزواج الموقت ودوره في حلّ مشاكل الجنس) طبعة دار الأندلس، وما كتبه الإمام شرف الدين في النص والاجتهاد. ↑
- () مصباح الأصول، ص148 تقريراً لآراء أستاذنا الخوئي. ↑
- () إرشاد الفحول، ص239. ↑
- () إرشاد الفحول، ص239. ↑
- () كاتب هذا البحث محقق إيراني. ↑
- () مما يذكر في هذا الموضوع أن الحكم التركي في العراق كان قد اضطهد آل فرعون الشيعة وألقى بزعمائهم في السجن سنة 1913م أي في السنة التي سبقت إعلان الحرب، وهم: مزهر الفرعون وسرتيب المزهر الفرعون وعبدالكاظم الحاج شكر وحسن الحاج شكر ومبدر الفرعون، ثم صادر أراضيهم. وبقوا في سجن بغداد حوالي السنة إلى أن أعلنت الحرب العامة واحتل الإنكليز البصرة فأطلقتهم السلطات التركية.وبإطلاقهم ووصولهم إلى عشائرهم في أبي صخير والمشخاب كانت فتوى مجتهدي الشيعة بإعلان الجهاد قد أعلنت، فبادروا في الحال إلى الاستجابة لها وساروا على رأس عشائرهم للقتال في صفوف الأتراك وساهموا في معارك الشيعة. ↑
- () نسبة إلى إقليم الجزائر المعروف من ملحقات لواء البصرة. ↑
- () طبع كتاب أدب المغاربة والأندلسيين في القاهرة سنة 1960م. ↑
- () راجع وصف معركة الشعيبة في ديوان الشبيبي، طبع القاهرة. ↑
- () ومن وحي هذه الأحداث نظم قصيدته (دمشق وبغداد المنشورة في ديوانه). ↑
- () في وصف هذه الرحلة كتب رسالة تعتبر من أطرف ما كتب في الرحلات. ↑
- () أنشىء هذا النادي ـ نادي القلم العراقي ـ ببغداد سنة 1934م وقد نصت المادة الثانية من نظامة الأساسي على ما يلي: (تعارف المؤلفين وحملة الأقلام إحكام الروابط بينهم وتعزيز الأدب العربي وتعضيد البحث وإيجاد الصلات بين حملة الأقلام في العراق وأمثالهم في البلاد العربية. وقد انتهى إلى النادي أشهر حملة الأقلام والصحفيين في ذلك التاريخ وواظب أعضاؤه على عقد جلساتهم وإلقاء البحوث والمحاضرات وقد احتفل أكثر من مرة بضيوف العراق من أدباء الأقطار العربية وتألفت من بحوث أعضائه ومحاضراتهم أكثر من مرة مجموعة نشرت منها المجموعة الأولى سنة 1938م بعنوان (مجموعة نادي القلم العراقي). وقد اعتبر النادي كغيره معطلاً بموجب مرسوم تعطيل الأحزاب والنوادي والجمعيات الصادر سنة 1958م ولم يتقدم أحد من أعضائه بطلب لاستئناف نشاط النادي منذ ذلك الحين. ↑
- () ياقوت الحموي: معجم البلدان ج5 ص273 القاهرة 1324هـ 1906م. ↑
- () الكامل لابن الأثير وقد أبدل النون الثانية في أرنون ميماً. ↑
- () معجم البلدان. ↑
- () المشترك. ↑
- () القاضي ابن شداد في سيرة صلاح الدين. ↑
- () وفيات الأعيان لابن خلكان م2، ص525. ↑
- () ابن سباط. ↑
- () إن اسم الشقيف مجرداً عن الإضافة يطلق على أربعة مواضع كما جاء في القاموس واستظهرنا (حيث لم يسمها أنها: 1 ـ شقيف أرنون، 2 ـ وشقيف تيرون، 3 ـ وحبس جلدك من أعمال طبرية، 4 ـ والشقيف المجاور عكا.جاء في صبح الأعشى م8 ص301 ذكر شقيف تلميس (أو تل منس) كما هو الراجح لوروده في معجم البلدان بهذا اللفظ. وهو حصن قرب المعرة كذا عرفه في العجم، وشقيف كفر دبين بجوار أنطاكية. وفي الآثار م1 ص371 دير كوش (وفي صبح الأعشى) دركوش بفتح الدال وسكون الراء المهملتين وضم الكاف وسكون الواو وشين معجمة في الآخر. وهي بلدة على نهر العاصي غربي حلب على ثلاث مراحل منها. وكانت في جملة ولايات حلب وواليها جندي إلا أنه جاء في صبح الأعشى مجرداً من الإضافة إلى الشقيف. وفي الآثار وكفر غوص من الشحار في لبنان ولا أثر له اليوم. وفي أخبار الأعيان ص292 اسم شقيف كفرا أما الشقيف فهو سرياني بمعنى الصخر العظيم كما جاء في الآثار. ↑
- () مأخوذ عن جملة عرّبها لنا صاحب المجلة الفاضل. ↑
- () ليس في هذا وما يليه تكراراً، بل زيادة إيضاح. ↑
- () نسب إلى الشهيد الأول ترجيحه هذا القول ونقله عن بعض الأصحاب من دون أن يذكر اسمه. ونسب أيضاً إلى المحقق الخوانساري اختيار هذا القول وعزي كذلك إلى صاحب المعالم. ولكن الشهرة على خلافهم. ↑
- () هي قاعدة (بني منقذ) الأسرة الشيعية الشهيرة. ↑
- (* ) كانت هناك ثلاث قوى تتصارع ببلاد الشام أوّلاً: قوة العرب بزعامة شرف الدولة مسلم العقيلي أمير الموصل وكان يطمع في بسط نفوذه على بلاد الشام. ثانياً: قوة سلاجقة الشام بزعامة تاج الدولة تتش الذي أراد أن يقضي على النفوذ الفاطمي في بلاد الشام وكذا القوى العربية. ثالثاً: القوة الجديدة وهي سلاجقة الروم بزعامة سليمان بن قلتمش الذي استولى على أنطاكية من الأرمن. ↑
- () من قصص (صاحب عذاب) عبيدالله بن زياد ما رواه ابن عبد البر في كتاب (الاستيعاب) وهويتحدّث عن الصحابي قيس بن خرشة القيسي: (أراد عبيد الله بن زياد تعذيبه لأنّه كان قوالاً بالحق، فلمّا أعدّ له العذاب مات قبل أن يصيبه شيء).وصاحب السيرة الحلبية يقول وهو يروي القصة: «إنّ عبيد الله ابن زياد قال: ائتوني بصاحب العذاب، فمال عند ذلك قيس فمات».
لقد كان مجرّد ذكر (صاحب العذاب) كافياً لأن يحدث صدمة في نفس الصحابي قيس بن خرشة فيموت في الحال (ح). ↑
- () إذا كنّا لا نقر الشعراء على ما ينظموه مدحاً وذماً، فإنّ ذلك لا يمنعنا من ذكر هذا الشعر تظرفاً. فمن ذلك قول عبدالله بن محمد الأرياني لما دخل صعدة سنة 1375هـ:نزلنا صعدة في يوم قر
فلا راقت ولا طابت مقاما
وشاهدنا بساحتها أناسا
جفاة لا يردون السلاما
وإن صلّى بجانبهم غريب
تنحوا عنه واعتزلوا الإماما
وأعلاماً ذوي نسك ودين
كراماً ما عرفناهم لئاما
↑ - () أبو جعفر محمد الطبري: تاريخ الطبري، ج5، ص386، القاهرة، دار المعارف. ↑
- (* ) الصفاريون ليسوا شيعة، ولكن ارتبطت دولتهم بكثير من الأشخاص والأحداث الشيعية، فكان لا بد من التعريف بهم. على أن حمد الله المستوفي كان يرى ـ فيما روي عنه ـ أن يعقوب بن الليث كان شيعياً، وأن نظام الملك كان يراه كذلك شيعياً، وسنعرض لذلك فيما يلي من القول. ↑
- () العلويو النسب. ↑
- () ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج5، ص367، القاهرة 1324 هـ ـ 1906). ↑
- (* ) ممّا يلفت النظر ويثير الاهتمام ما قرأته خلال مطالعتي لكتاب (نسمة السحر) وهو للمؤلف اليمني الزيدي يوسف بن يحيى الحسني المتوفى سنة 1121هـ، وهو يتحدّث عن الشاعر الزيدي أحمد بن سعد الدين المسوري، ثمّ يستطرد إلى ذكر الإمام الزيدي المؤيد محمد بن المنصور القاسم بن محمد، ويذكر أنّ الأتراك الذين يسمّيهم (الأروام) قد انهزموا في أيامه عن اليمن، واستقل الإمام به. ثمّ يقول عن الشاعر أحمد بن سعد الذي كان كاتب إنشاء الإمام: وكتب رسالة من إنشائه وجهها المؤيد بالله إلى شاه عباس الصفوي الحسيني سلطان الممالك العجمية، وهي نظم ونثر، وأوّلها بعد تحريض على الاعتضاد:وكيف وفيكم للآله حبالة
وما لحبال الله في الخلق قاصمُ
وفيكم دلالات لقوم يذكروا
وعلمكم للعالمين مراهمُ
وعمّا قليل يظهر الله مرشداً
تزول به في العالمين المظالمُ
يعني المنتظر (عليه السلام) وهي طويلة. (انتهى).
فهل كانت هناك محاولة تحالف شيعي: (زيدي ـ إمامي)؟ مؤلف نسمة السحر لم يذكر أكثر ممّا مرّ. وليس في أيدينا من الوثائق عن هذا الموضوع أكثر ممّا ذكر. (الجزء الأوّل، الصفحة 310). ↑
- () الكاتب نفسه يقرّ بأنّ التشيّع عرف في الصفويين قبل إسماعيل، عرف في جنيد وحيدر. هذا إذا سلّمنا بأنّ من كانوا قبلهما لم يكونوا شيعة. ↑
- () بل هو كاف لمن كان جدّه وأبوه شيعيين، ونشأ حتّى الثالثة عشرة من عمره في كنف زعيم شيعي. والكاتب نفسه يعود فيقرّ هذه الحقيقة (ح). ↑
- () راجع بحث السربداريين. ↑
- () المقصود بالعلويين: العلويي النسب. ↑
- () من الحديث عن ذلك. ↑
- () للدكتور مصطفى جواد رأي شافهني به؛ وهو أنّ تيمور لنك في الفقه حنفي بحت، وفي الولاء شيعي عريق. (ح). ↑
- () راجع عن البكتاشية: بحث الموصل. ↑
- () راجع: السربداريون. ↑
- () حين نذكر هؤلاء وأمثالهم يجب أن نميز بين ميولهم الصوفية التي لم تخرج عن النطاق الإسلامي، وبين انغمار غيرهم حتّى من الشيعة، انغمارهم في التصوّف المتطرف المغالي الخارج في الكثير من أموره عن هذا النطاق. (ح…). ↑
- () العلويو النسب، وكلّما مرّت هذه الكلمة فإنّما يقصد بها هذا المعنى. ↑
- () راجع: آق قويونلو (ح). ↑
- () مرّت التفاصيل، وهنا كثير من الإيضاحات. ↑
- () يقع مزار الشيخ الزاهد حالياً في قرية تدعى باسم (شيخانه ور) وهي تقع على يمين طريق لاهيجان. لنپرود. ↑
- () المقصود بالروم هنا بلاد الأتراك في الأناضول. ↑
- () سنلقب إسماعيل بعد هذا الكلام بلقب (الشاه) لأنّه في الواقع أصبح شاهاً. ↑
- () راجع: الآق قويونلو. ↑
- () عراق العجم، أو العراق العجمي: اسم أطلقه السلاجقة على ما كان يعرف في عهد البويهيين باسم (بلاد الجبل) وأهم مدنه: كرمنشاه (قرميسين) والري همذان وأصفهان. ↑
- () القزلباش: هم الذين يتألف منهم جيش إسماعيل الصفوي. (راجع: بحث القزلباش). ↑
- () راجع المشعشعون. ↑
- () يقول الدكتور حسين عبيد عاصم عباس في كتابه (عُمان) ص96: كان بإمكان الأتراك نظراً لمكانتهم الدينية في العالم الإسلامي كسب شاه الفرس والإمبراطور المغولي في الهند والتحالف معهما وطرد الأوروبيين من المحيط الهندي. ↑
- () راجع: الأوزبك. ↑
- () سنتحدث بالتفصيل عن أمر هذا الوفد في الآتي من القول. ↑
- () التقارير التالية مترجمة عن صحيفة البلاط العثماني الرسمية. ↑
- () راجع: چالدران. ↑
- () راجع: الأوزبك. ↑
- () راجع ما مرّ عن بعض السلطان سليم سفراءه إلى أوروبا لإنهاء الخلاف مع إمبراطور هنغاريا والمجر ليتفرغ لإيران. ↑
- () كان البرتغاليون قد استولوا على جزيرة هرمز في سنة 912هـ وأخضعوا أمراء هذه الجزيرة الذين كانوا يدفعون الجزية إلى ملوك إيران، كما استولوا على عُمان ومسقط وبقية جزر الخليج. وفي سنة 920هـ أرسل الشاه إسماعيل مبعوثاً إلى البوكرك حاكم هند البرتغال لمحاولة إيقاف تقدّم البرتغاليين سلماً، وفي الوقت نفسه كان الملك الصفوي يضغط على أمير هرمز ليجلبه إلى صفّه ويسلّم له فتمّ له ذلك، ممّا أثار حفيظة البوكرك فتوجّه إلى هرمز لتأديب أميرها. ولما كان البرتغاليون أسياد البحر بأساطيلهم، وكان الشاه لا يملك قوّة بحرية، لذلك كان عاجزاً عن صدّهم بحراً ومضطراً للتغاضي عن بعض تصرفاتهم في الخليج ممّا فسّره أعداء الشاه وأصحاب الأغراض النحلية تحالفاً مع البرتغاليين. ونحن نسأل هؤلاء: هل كان السلطان سليم يحارب البرتغاليين في ذلك الوقت ليقال إنّ الشاه إسماعيل تحالف مع البرتغاليين عليه، أم كان مشغولاً بمحاربة المسلمين ومهاجماً للصفويين في عقر دارهم، تاركاً البرتغاليين يسرحون ويمرحون، ويهاجمون المسلمين في بلادهم ويذلون أهلها.ولو أنّ الشاه إسماعيل المعتدى عليه تحالف مع البرتغاليين وغير البرتغاليين لصد هجوم السلطان سليم على بلاده لكان تحالفه مشروعاً، ومع ذلك لم يفعل، وكانت المدفعية هي أهم ما ينقصه في معركة چالديران، وبسبب فقدانها هزم جيشه، فلو كان متحالفاً مع البرتغاليين لأمدّوه بها على الأقل.
وإنّنا نسأل مدّعي التحالف، هل التحالف هو مجرد كلام، أم هو شيء عملي يمدّ به الحليف حليفه بالجيوش لتقاتل معه عدوه، فأين هي الجيوش البرتغالية التي قاتلت العثمانيين مع الصفويين، وأين هي الجيوش الصفوية التي قاتلتهم مع البرتغاليين؟!
بل إنّنا نسأل هل كانت هناك أصلاً حرب بين العثمانيين والبرتغاليين، وهل كان السلطان سليم في وارد مقاتلتهم، أمّ أنّه تركهم يقتحمون البلاد العربية بلداً بعد بلد دون أن يحاول التصدّي لهم.
وعلى أي شيء يحالف الشاه إسماعيل البرتغاليين، ما دام السلطان سليم مسالماً لهم معرضاً عن قتالهم، تاركاً لهم يعيثون في البحر الأحمر وفي الخليج أي عيث.
لقد حاول الشاه إسماعيل صدّهم فلم يقو على ذلك لافتقاده القوّة البحرية فاحتلوا هرمز واستولوا سنة 926هـ على ساحل الإحساء والجزر المجاورة للبحرين، لقد كان الشاه إسماعيل في أحرج مواقفه، فهناك ثورة بلوجستان، وهناك السلطان سليم المتقدم لمهاجمة بلاده. وهناك البرتغاليون. ↑
- () المقصود بالأتراك هنا: المماليك ومؤرخو تلك الفترة يسمّون دولة المماليك بدولة الأتراك. ↑
- () المصطبة أو مصطبة السلطان: كانت دولة المماليك تعنى بالأمور الشكلية أو الأمور الظاهرة ممأ يزيد في هيبتها و يجعل العامة تؤمن بعظمة الدولة وكبريائها، ولذلك اتخذت أساليب العرض والمواكب العسكرية، فأقامت قبيل مدينة دمشق في قرية (القوم) قبة تدعى قبة النصر وقبة يلبغا. وكانت هذه المنطقة أعظم مدخل لدمشق فهي طرق بيت الله الحرام (بوابة الله) وطريق فلسطين والأردن وحوران وطريق عاصمة المملكة (القاهرة).الطريق الآخر هو طريق رحبة مالك بن طوق الجزيرة الفراتية وطريق حمص وحماه وحلب وما إلى ذلك، واتخذت على هذا الطريق مصطبة تدعى مصطبة السلطان. وهي مصطبة عظيمة كانت في سهل القابون بين القابون وبرزة، كان الملوك والنواب والعظماء من القواد ينزلون فيها إذا قدموا من جهة حلب، ثمّ تخرج جيوش دمشق لملاقاتهم بها ويدخلون دمشق بموكب حافل. وكذلك شأنهم إذا أرادوا السفر إلى حلب وجهاتها. ويقول البدر المتوفى سنة 894 إنّها قدر فدان يصعد إليها في نيف وعشرين درجة من جهاتها الأربع، وفيها قصر حسن البناء ينزل به الملوك والسلاطين عند توجههم إلى الأسفار اهـ. وبقي شيء من آثارها إلى سنة 1350 وقد شاهدها محقق كتاب (إعلام الورى) محمد أحمد دهمان الذي هو مصدرنا في هذا الموضوع ـ شاهدها وهي تعلو عن الأرض نحو متر وقد أخذ الفلاحون في هدمها وتسويتها بالأرض وأصبحت اليوم أرضاً زراعية.
هذا وإنّ كلمة (النائب) هنا تعني الوالي. ↑
- () من مقال للأستاذ الفضل شلق: في العدد الثالث من مجلة الاجتهاد:لقد وحّد العثمانيون تحت حكمهم رقعة واسعة من العالم الإسلامي، لكن هذه الوحدة لم تكن تجسيداً لفكرة الجماعة، فقد خاضوا صراعات داخل العالم الإسلامي جعلتهم يمثلون في أفضل الأحوال جانباً واحداً من الإسلام، فهم من ناحية خاضوا صراعاً مريراً ضد الفرس، ومن ناحية أخرى تبنّوا اجتهادات مدرسة فقهية إسلامية واحدة كمذهب للدولة.
لقد تبنّى العثمانيون المذهب الحنفي وجعلوه المذهب الرسمي بعكس الدول الإسلامية السابقة التي إن كانت الجماعة الحاكمة فيها تتبع مذهباً معيناً إلاّ أنّها كانت تتبنّى المذاهب جميعها على الصعيد الرسمي.
وقال:
للإنجازات العظيمة التي حققتها الدولة العثمانية في أوروبا كانت تتم في الوقت الذي كانت فيه قوى أوروبا المسيحية تتصاعد وتحقق تقدّماً على المسلمين في مناطق كثيرة. ففي الوقت الذي كان العثمانيون يحققون نهاية الدولة البيزنطية كان الإسبان يحققون نهاية الإسلام في الأندلس، ويرسلون أساطيلهم إلى المحيط الهادي وبحر العرب. وفيما عدا حملات بحرية قصيرة النفس لم يبذل العثمانيون جهداً كبيراً للدفاع عن دار الإسلام خارج المنطقة التي تعنيهم مباشرة. ↑
- () الشعوب الإسلامية. عبد العزيز سليمان نوار، دار النهضة العربية، بيروت، 1411 هـ. ص: 222ـ223. ↑
- () المصدر نفسه، ص: 226. ↑
- () العلاقات العراقية الإيرانية خلال خمسة قرون، سعد الأنصاري، دار الهدى، بيروت، ط1، 1407 هـ 37، والشعوب الإسلامية، مصدر سابق ص 218. ↑
- () الشعوب الإسلامية، مصدر سابق ص: 228–231. ↑
- () دائرة المعارف الإسلامية، أحمد الشنتناوي، وإبراهيم زكي خورشيد، وعبد الحميد يونس، دار الفكر جـ 15/307. ↑
- () المصدر نفسه، ص: 307، والشعوب الإسلامية، مرجع سابق، ص: 242، وأطلس التاريخ الإسلامي، د، حسين مؤنس، الزهراء للإعلام، ط 1 – 1407هـ، ص 244. ↑
- () الموسوعة البرتغالية، يوم سقطت هرمز، مذكرات القائد البحري روي فيريرا اندراردي، ترجمة د. عيسى أمين، مؤسسة الأيام للصحافة والطباعة والنشر والتوزيع، دولة البحرين، 1996م، ص 70. ↑
- () الخليج العربي. أرنولد ويلسون، ترجمة عبدالقادر يوسف، منشورات مكتبة الأمل، الكويت، بدون تاريخ، ص 244، و255، ومخطوطة ديوان الشيخ جعفر الخطي، المكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم 3365 شعر. ↑
- () المصدر نفسه ص 269. ↑
- () المصدر نفسه ص 266، ودليل الخليج، ج، ج لوريمر، منشورات الديوان الأميري بدولة قطر، بدون تاريخ، القسم التاريخي، جـ 1/ 55 و 66. ↑
- () دليل الخليج، ج. ج. لوريمر، مرجع سابق. جـ 1/55 و66. ↑
- () الخليج العربي بلدانه وقبائله، س.ب. مايز. ترجمة محمد أمين عبدالله، وزارة التراث القومي والثقافة، عمان. ط4، بدون تاريخ، ص 167. ↑
- () البرق اليماني الفتح العثماني، قطب الدين النهروالي المكي، بإشراف حمد الجاسر، دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، الرياض، ط 1، 1387هـ، ص 70 – 92، وتحفة المجاهدين في أحوال البرتغاليين، الشيخ أحمد بن زين الدين المعبري المليباري، تحقيق محمد سعيد الطريحي، مؤسسة الوفاء، بيروت، ط 1، 1405 هـ، ص 164 – 66، وتاريخ عمان، وندل فيلبس، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط 3، 1409هـ، ص 40 – 45. ↑
- () راجع بحثنا (شيء عن الوثائق، مجلة الواحة، العدد الثاني، ربيع الثاني 1416 هـ). ↑
- () مجلة الوثيقة، مركز الوثائق التاريخية بالديوان الأميري بالبحرين، ع 1، رمضان 1402هـ، ص 144 – 148، وع 10 حمادى الأولى، 1407هـ،ص 120 – 123. ↑
- () بنو خالد وعلاقتهم بنجد، عبد الكريم بن عبدالله المنيف الوهبي، دار ثقيف للنشر والتأليف، الرياض، ط 1، 1410 ص 119 – 140، وديوان الشيخ جعفر الخطي، (مخطوطة المكتبة الظاهرية بدمشق، رقم 3365 أدب). ↑
- () لؤلؤة البحرين، الشيخ يوسف بن عصفور البحراني، تحقيق السيد محمد صادق بحر العلوم، دار الأضواء، بيروت، ط 2 ص406 هـ، ص 332 – 443. ↑
- () دليل الخليج، ج، ج، لوريمر، مرجع سابق، القسم الجغرافي. جـ 1/ 314. ↑
- () مجلة الوثيقة، ع 1 رمضان 1402هـ، ص 147. ↑
- () مجلة الوثيقة، ع1، رمضان 1402هـ، ص147. ↑
- () باستثناء الدولة المغولية في الهند. ↑
- () مرّ قول الدكتور حسين عبيد غانم غباش في كتابه عُمان ص96: كان بإمكان الأتراك نظراً لمكانتهم الدينية في العالم الإسلامي كسب شاه الفرس والإمبراطور المغولي في الهند والتحالف معهما وطرد الأوروبيين من المحيط الهندي. ↑
- () تطورت الأمور بعد ذلك إلى العكس وفسدت الأمور بين المماليك والعثمانيين لأسباب تنافسية. ↑
- () راجع: الأوزبك. ↑
- () محمد بن سليمان تنكابني: قصص العلماء، طهران، إسلامية، 1364، ص391. ↑
- () محمد رضا حكيمي: مير حامد حسين، طهران، دفتر نشر فرهنك إسلامي، 1359، ص47. ↑
- () قصص العلماء، ص404. ↑
- () يقول حسن الأمين: لقد كانت هجرة العلماء العامليين إلى إيران ذات ثلاث دوافع: قسم كان دافعهم إلى الهجرة استدعاء الدولة الصفوية لهم، وأشهر علماء هذا الفريق هو الشيخ علي الكركي.وقسم كان دافعه الخوف على حياته. وأشهر علماء هذا الفريق هو الشيخ حسين بن عبد الصمد، فإنّه بعد استشهاد أستاذه الشهيد الثاني زين الدين بن علي، بقي متوجساً فآثر الهجرة إلى إيران طلباً للأمان.
والقسم الثالث كان دافعه إلى الهجرة الطموح العلمي وأشهر علماء هذا الفريق هو الشيخ حسن الحر الذي كان ذا مطامح علمية بعيدة أدرك أنّه لا يستطيع تحقيقها في القرية العاملية فهاجر إلى المحيط الواسع فكان أن أصدر كتاب الوسائل وغير الوسائل.
على أنّ صاحب هذا البحث قدّر عدد العلماء الذين هاجروا من جبل عامل إلى إيران بـ (1100) عالم، ولا بد أنّه استند في هذا التقرير إلى مصادر موثوقة لا نعرف نحن عنها شيئاً.
وصاحب هذا البحث أورد ذلك في رسالة جامعية، ويؤسفني أنّي فقدت اسمه، وسبب جهلي اسمه واسم الرسالة سبب طريف وذلك أنّني خلال بحثي في مكتبات جامعات طهران عن مصادر لدائرة المعارف ولمستدركات أعيان الشيعة، وقعت في يدي فيما وقع رسالة فيها بحث عن علماء الشيعة إلى العصر الصفوي، وقد كان يلازمني في التفتيش عن المصادر صديق يجيد اللغة العربية إلى جانب إجادته بالطبع لغته الفارسية، وكنت أعهد إليه بتصوير ما أحتاج إلى تصويره ممّا أجده من مصادر.
وكان ما يهمّني من الرسالة الجامعية بحث العلماء في العصر الصفوي، فطلبت إليه تصوير هذا البحث مع بحوث أخرى، فكان أن صور ما صور دون أن يشير إلى أسماء أصحاب البحوث، ولم أنتبه إلى ذلك إلاّ بعد أن عدت إلى بيروت وأخذت أصنف ما لدي من مصادر، فإذا أمامي المصادر دون ذكر اسم صاحبها. ↑
- () شهيدان راه فضليت، ترجمة ج روز به ص 225. ↑
- () تاريخ عالم آراي عباسي، ج الأول، ص153. ↑
- () نظراً إلى نقل بقية المصادر توفى السلطان سليم الأوّل سنة 926هـ وبعده جلس على العرش السلطان سليمان وبقي على الحكم حتّى سنة 974هـ، نقل الشيخ الأميني هذا الكلام من كتاب حبيب السير. ↑
- () قاضي أحمد قمي: خلاصة التواريخ، تصحيح دكتر إحسان إشراقي، دانشكاه تهران، 1359، ج1، ص142ـ146. ↑
- () خواند مير: حبيب السير، نهران، خيام، 1353، ج4، ص609. ↑
- () خلاصة التواريخ ، ج1، ص141، ويحيى بن عبد اللطيف القزويني، بنياد 1363، ص419. ↑
- () حبيب السير، ج4، ص609. ↑
- () رياض العلماء، ج3، ص289. ↑
- () عبد الحسين نوايي: مجموعة نامه، وإسناد مكاتبات تاريخي، بنياد فرهنك، 1350، ص98. ↑
- () كان من العلماء ذوي النفوذ في أوائل العصر الصفوي سكن مدينة هرات. ↑
- () حبيب السير، ج4، ص611. ↑
- () روضات الجنات، ج1، ص119. ↑
- () تاريخ عالم آرا، ج1، ص154ـ155. ↑
- () روضات الجنات، ج6، ص292. ↑
- () رياض العلماء، ج4، ص319. ↑
- () محمد باقر الخوانساري: روضات الجنات، ج3، ص240. ↑
- () روضات الجنات، ج2، ص240. ↑
- () قصص العلماء، ص334. ↑
- () الأميني، شهيدان راه فضليت، ص321. ↑
- () رياض العلماء، ج3، ص454. ↑
- () روضات الجنات، ج3، ص244. ↑
- () رياض العلماء، ج5، ص499. ↑
- () ملاّ صدرا الأسفار نقلاً عن عبد الحسين مشكوة: نظري مه فلسفة صدر الدين الشيرازي، طهران ↑
- () روضات الجنات، ج3، ص 316-325. ↑
- () روضات الجنات، ج3، ص 162ـ166. ↑
- () رياض العلماء، ج2، ص58. ↑
- () رياض العلماء، ج2، ص15. ↑
- () رياض العلماء، ج3، ص 230-231. ↑
- () روضات الجنات، ج5، ص 66-67. ↑
- () خلاصة التواريخ، ج1، ص98. ↑
- () وقائع السنين والأعوام صفحات 448ـ450، وخلاصة التواريخ، ج1. ↑
- () رياض العلماء، ج3، ص12. ↑
- () عالم آراي عباسي، ج1، ص42، ولب التواريخ ص416، ورياض العلماء، ج3، ص11. ↑
- () خلاصة التواريخ، ج1، ص125ـ127. ↑
- () شهيدان راه فصليت، علامة أميني، ص190. ↑
- () خلاصة التواريخ، ج1، ص129. ↑
- () خلاصة التواريخ، ج1، ص160. ↑
- () المصدر نفسه، ص156. ↑
- () أحسن التواريخ، ص293. ↑
- () المصدر نفسه، ص12، وأحسن التواريخ ص207، وخلاصة التواريخ، ج1، ص197. ↑
- () تذكرة شاه طهماسب، ص12. ↑
- () خلاصة التواريخ، ج1، ص231. ↑
- () المصدر نفسه، ص218. ↑
- () روضات الجنات، ج8، ص18. ↑
- () دين ومذاهب در عصر صفوي، مريم مير احدى، ص69. ↑
- () خلاصة التواريخ، ج1، ص149. ↑
- () أحسن التواريخ، ص392. ↑
- () خلاصة التواريخ، ج1، ص 160-185. ↑
- () المصدر نفسه، ص296. ↑
- () خلاصة التواريخ، ج1، ص218، 262، ووقائع السنين، ص464. ↑
- () وقائع السنين، ص489، وأحسن التواريخ ص468. ↑
- () أحسن التواريخ، ص263. ↑
- () كتب بحث عن الوظائف الإدارية للعلماء بصورة منظمة في أربع صفحات من كتاب تذكرة الملوك الذي صنف في آخر العهد الصفوي. وكتب «مينورسكي» شرحاً عليه، ونشر أخيراً متن الكتاب بحواشيه في مجلد واحد أصدرته مؤسسة أمير كبير، وطبعاً كان بحث منيورسكي في سائر المواضيع أكثر تفصيلاً. ويقع مينورسكي في خطأ إذ يعتبر محمد باقر المذكور في متن الكتاب أنّه العلاّمة المجلسي. ↑
- () أحسن التواريخ: طبع نوائي، ص86. ↑
- () إيران في العصر الصفوي، راجر سيفري ترجمة كامييز غريزي، ص27. ↑
- () حياة الشاه إسماعيل الصفوي، رحيم زاده صفوي، ص147. ↑
- () ورد شرح مفصل عن ذلك في كتاب «أمل الآمل ولؤلؤة البحرين ورياض العلماء». ↑
- () كتاب تاڤرنيه، ترجمة أبو تراب النوري، أصفهان، مكتبة سنائي، ص588. ↑
- () كتاب (سفرنامه كمبفر) ترجمة كيكاووس جهانداري، طهران، الخوارزمي، ص121، ويجب التذكير بأنّ سانسون ذكر هذا اللقب الخاص (بالصدر الخاص) صدر الممالك واعتماد الدولة اللذين هما في منصب الوزير الأعظم: راجع سفرنامه سانسون. ترجمة تفضلي طهران، 1346، ص39. ↑
- () كتاب (سفرنامه سانسون) ص38. ↑
- () كتاب «تذكرة شاه طهماسب» ص12، 13. «المؤلف» ويستخدم الملك طهماسب تارة لقب (مير) وأخرى لقب (الأمير): المترجم. ↑
- () كتاب (سفرنامه كبمفر) ص121. ↑
- () المصدر نفسه، ص99، وراجع أيضاً كتاب: نظام الولايات في العهد الصفوي ص99. ↑
- () في الحقيقة كانت الأوقاف على نوعين، الأوقاف التفويضية التي تقع تحت الإشراف التام للصدر، والأوقاف التي تخضع لمتصد خاص، وله الحق الشرعي في التصرف فيها. راجع كتاب: تذكرة الملوك ص3. ↑
- () كتاب «سفرنامه تاڤرنيه» ص588. ↑
- () كتاب (سفرنامه شاردن) قسم أصفهان، ص59، وص121. ↑
- () كتاب (سفرنامه كبمفر)، ص122. ↑
- () المصدر نفسه، ص122، 123؛ حيث يرى أنّ تقسيم منصب الصدارة إلى صدر الممالك وصدر الخاصة يرجع إلى الشاه سليمان. راجع كتاب: إيران في العصر الصفوي، ص210. ↑
- () كتاب (سفرنامه سانسون) ص40، 41. ↑
- () المصدر نفسه، ص227. ↑
- () المؤسسات الإدارية للحكومة الصفوية (طبع مع تذكرة الملوك) لمينورسكي، ص74. ↑
- () كتاب (سفرنامه كمبفر) ص141. ↑
- () تذكرة الملوك، ص2. ↑
- () راجع: نظام الولايات في العهد الصفوي، ص109. ↑
- () أيضاً نظام الولايات في العهد الصفوي، ص108. ↑
- () كتاب (سفرنامه سانسون) ص39. ↑
- () كتاب (سفرنامه سانسون) ص41. ↑
- () تذكرة الملوك، ص2. ↑
- () أحسن التواريخ، ص454، طبع ليدن. ↑
- () محافل المؤمنين، مكتبة الحضرة القدسية، النسخة الخطية 6578 من ص102 وما بعدها. ↑
- () مثال «هادي دوره صفوي» للمدرس الطبطبائي رقم 1353، ص12ـ13. ↑
- () كتاب «زند گينامه علامة مجلسي» للسيد مصلح الدين مهدوي، أصفهان، ج1، ص275، 277. ↑
- () دائرة المعارف الإسلامية، ج13، ص471، 480. ↑
- () كتاب (سفرنامه كمبفر) ص124. ↑
- () كتاب «سفرنامه ناڨرنيه» ص588. ↑
- () كتاب «سفرنامه سانسون» ص42. ↑
- () كتاب «سفرنامه سانسون» ص41. ↑
- () تذكرة الملوك، ص3. ↑
- () كتاب «سفرنامه سانسون» ص42. ↑
- () كتاب «تذكرة شاه طهماسب». ↑
- () رياض العلماء، ج3، ص456، طبع مكتبة المرعشي، وروضات الجنات ص464، ج4، طبع إسماعيليان. ↑
- () روضات الجنات، ج4، ص362، 363. ↑
- () روضات الجنات، ج4، ص361. ↑
- () كتاب «سفرنامه كبمفر»، ص47، 48. ↑
- () حياة العلامة المجلسي، ج1، ص239، وما بعدها. ↑
- () المؤسسات الإدارية في الحكومة الصفوية ص72. ↑
- () نشكر السيد عبد العزيز الطباطبائي للطفه في تعريفنا بالحكم. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 83. ↑
- () سورة الأنبياء، الآية: 101. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 110. ↑
- () سورة النساء، الآية: 91. ↑
- () سورة القصص، الآية: 77. ↑
- () الكافي، ج1، ص34. ↑
- () المجموعة الخطية رقم 9596 في المكتبة الرضوية في مشهد، وفي فهرست النسخ الخطية للمكتبة المركزية للجامعة، ج11، ص2285. ↑
- () فهرست النسخ الخطية في المكتبة الوطنية، ج1، ص274، 167. ↑
- () فهرست مجلس الشيوخ، ج1، ص372. ↑
- () كتاب «سفرنامه تاڨرنيه» ص589. ↑
- () كتاب (سفرنامه سانسون) ص42. ↑
- () فهرست النسخ الخطية في المكتبة الوطنية، ج5، ص274. ↑
- () سورة النحل، الآية: 43. ↑
- () لم أعثر على شيء تحت عنوان الگاي رانكوه، ولكنّي وجدت بأنّ (ران كوه) منطقة واسعة نسبياً في گيلان، وقد ورد التفصيل عنها في لغتنامه دهخدا، ج23، ص144. ↑
- () من المجموعة الخطية المرقمة 9596، في المكتبة الرضوية في مشهد، وفهرست النسخ الخطية في المكتبة المركزية للجامعة، ج11، ص2285. ↑
- () الشيخ حسين عبد الصمد. ↑
- () روضات الجنات، ج7، ص81، محافل المؤمنين، ص124 (النسخة الخطية رقم 6578، المكتبة الرضوية في مشهد). ↑
- () كتاب نظام الولايات في العهد الصفوي، ص104، وص105. ↑
- () الوثائق والمكاتبات السياسية لإيران من سنة 1105 إلى 1135، ص61، 63، عبد الحسين نوئاي. وقد أورد أمر من الملك سلطان حسين بخط النستعليق في مدينة كاشان، داخل صحن مسجد ساحة كاشان على قطعة من حجر المرمر بطول 3م وعرض 50سم. وراجع أيضاً حكم الملك سلطان حسين الذي أصدره إلى حاكم قراباغ في إزالة وسائل الشراب ومعاقبة وتعزير شاربي الخمر، وكذلك حكمه الآخر في رعاية حجاب النساء والامتناع عن لعب القمار والشطرنج واللعب بالحمام وتربية الذئاب والاحتفاظ بالحيوانات التي تستخدم للقتال فيما بينها: فهرست النسخ الخطية للمكتبة الرضوية في مشهد، ج9، ص294، وكذلك راجع كتاب: فهرست مكتبة المجلس، ج10، القسم الثالث، ص1167، حكم الملك صفي في منع حلق اللحية، وكذلك راجع كتاب فهرست النسخ الخطية للمكتبة المركزية في الجامعة، ج9، ص1363، أمر الملك صفي بمنع شرب الخمر. ↑
- () كتاب (سفرنامه كمبفر) ص125ـ 128. ↑
- () كتاب (سفرنامه كبمفر) ص128ـ 129. ↑
- () كتاب (سفرنامه سانسون) ص43. ↑
- () تذكرة الملوك، ص3. ↑
- () كتاب «سفرنامه تاڨرنيه» ص589. ↑
- () راجع كتاب محافل المؤمنين، النسخة الخطية المرقمة بـ 6578 في المكتبة الرضوية في مشهد، ص116. ↑
- () كتاب «سفرنامه سانسون» ص42. ↑
- () «تذكرة شاه طهماسب» ص29. ↑
- () كتاب «سفرنامه كمبفر» ص125. ↑
- () تذكرة الملوك. ↑
- () كتاب «سفرنامه كمبفر» ص141، 142. ↑
- () كتاب «زند گينامه علامة مجلسي» ج1، ص273. ↑
- () لم يذكر كاتب المقال اسم الكتاب ولكن المراد به هو صاحب كتاب «زند گينامه علامة مجلسي». ↑
- () محافل المؤمنين ص 130. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 110. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 112. ↑
- () راجع بحث الآقويونلو. ↑
- () الأعمال المخالفة للأصول الأخلاقية والإنسانية. وكذلك الفظائع لا يبررها شيء (ح). ↑
- () راجع: القزلباش. ↑
- () منتظم ناصري. الجزء الثاني، ص149. ↑
- () سفرنامه. ترجمة محمد العباسي. الجزء الخامس، ص290. ↑
- () عالم آرا ص1101. ↑
- () سفرنامه، ج8، ص151. ↑
- () تزوج شاه خليل الله سلطان بيگم بنت الميرزا إسماعيل، وتزوج شاه نعمة الله أختها. ↑
- () يعادل التومان 25 ليوراً تقريباً. ↑
- () پاريز: هي المدينة التي ينتمي إليها الكاتب في إيران (ح). ↑
- () تاڤرنيه ص185. ↑
- () تاڤرنيه ص107. ↑
- () شاردن، الجزء الثامن، ص293. ↑
- () محمد علي بيك هذا ابن راع تعهده الشاه عباس الأوّل برعايته وأوكل إليه أمر خزائنه. سافر مرتين إلى بلاد المغول في سفارة كبرى. ولم يكن يقبل الرشوة، وسعى رجال البلاط وأركانه إلى الإيقاع به، وزعموا أنّه ما دام قد بنى كلّ دور القوافل تلك وأنشأ العديد من السدود والجسور فلا بدّ أن يكون قد اختص لنفسه ببعض الأبنية. فطلب الشاه صفي منه الحساب فأراه إياه في غاية الدقة. فأمر الشاه بفرش بيته. وكان يحتفظ بلباس الرعي في صندوق، فخلع الشاه عليه من ثيابه. ↑
- () لا ندري ما يقصد باللغة الشامية (ح). ↑
- () زندگاني شاه عباس الأوّل. الجزء الرابع، ص260. ↑
- () مينورسكي ص117. ↑
- () تذكرة الملوك، ص24. ↑
- () روضة الصفا، الجزء الثامن، ص490. ↑
- () شاردن، ج3، ص273. وهذه الحادثة تعيد إلى الأذهان ما فعله نادرشاه مع الميرزا مهدي خان حين عاقبه لأنّه لم يصرح بهزيمته في حربه مع العثمانيين، بل كنّى عنها بجرح العين. ↑
- () حصلت الشركة الشرقية على إجازة في افتتاح مركز لها في بندر عباس ثمّ أجيزت بفتح مركز ثاني في أصفهان، وحمل السلاح مها. ↑
- () إضاءة الدار: اصطلاح قروي يعبر به عن حال الصحوة التي تحل بالمحتضر قبيل وفاته. ↑
- () سفر نامه سانسون، ص107. ↑
- () مجمع التواريخ، ص40. ↑
- () يذكر أحد السائحين: أنّ ما استعمل في زواج ابن الشاه عباس الثاني من الأطباق والأواني والصحون والكؤوس والأباريق الذهبية من الكثرة بحيث أني لو لم أشاهد ما شاهدته، لما حسبت أنّ في الدنيا من الذهب بهذه الكمية. وينقل شاردن أنّه شاهد في قلعة طبرك 600 كيس من الألماس، ويضيف أنّه وضع من الفيروز بينه وبين الخازن ما حجز أحدهما عن الآخر. ↑
- () يجعل حمد الله المستوفى في كتابه (نزهة النفوس) حدود عراق العجم كما يلي: آذربيجان، كردستان، خوزستان، فارس، المفازة الكبرى، قومس، گيلان. ويقول إنّ أشهر مدنه: أصفهان، همذان، قم، الري، السلطانية، قزوين، ساوه، الطالقان، كاشان،جرباذقان، نهاوند، يزد، وغيرها. ↑
- () هذه البحوث التي تنتهي ببحث (مراكز التعليم في العهد الصفوي مكتوبة بقلم عبد الرفيع حقيقت صاحب كتاب (تاريخ نهضتهاي فكري إيرانيان). وكذلك ما قبلها ابتداء من (التقسيمات الإدارية). ↑
- () كان أوزون حسن أو حسن الطويل أمير قبيلة آلاق قويونلو وحاكماً على بعض أجزاء العراق وآذربيجان وغرب إيران من عام (857هـ حتّى 883هـ / 1453ـ1478م). وقد عاصر السلطان محمد خان الثاني سلطان الدولة العثمانية (855ـ886هـ / 1451ـ1481م) الذي فتح القسطنطينية (اسطنبول). وقد قضى الشاه إسماعيل الصفوي الأوّل على دولة الآق قويونلو عام 909هـ، وهرب آخر أمرائها السلطان مراد إلى الأراضي العثمانية (راجع: آق قويونلو). ↑
- () هي الملكة آنا إيفا نوڨا التي خلفت بطرس الكبير في حكومة روسيا من عام 1730 حتّى عام 1740م. ↑